محببة للنفوس، كما قيل: كأنه علم في رأسه نار.
فلهذا كان التعبير بالآية أولى.
وخرج أيضاً بقولنا: على يد ولي من أوليائه - ما يخرج العادة مما جرى على أيدي أولياء الشيطان من السحرة والمشعوذين وغيرهم؛ لأن منهم من يأتي بالخارق الذي يخرج عن العادة، لكن بواسطة الشياطين.
ويذكر عن مثل هؤلاء أشياء عجيبة، فيذكر أن الواحد منهم قبل أن تأتي الطائرات إذا كان يوم عرفة أحرم من بيته، وذهب إلى مكة - وهو من أقصى الشرق أو الغرب - وحج مع الناس، وهذا خارق للعادة، ولكن الذي حمله هم الشياطين، والشياطين قد تحمل أشياء ثقيلة من بلاد بعيدة وتحضرها في ساعة سريعة.
وقد اطلعت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الاستغاثة، قال: لو لم يكن من خطأ هؤلاء إلا أنهم يتجاوزون الميقات بلا إحرام (١) ، وذلك لأنه يمر به الشيطان مع الجو ولا يحرم إذا حاذى الميقات، بل يحرم في مكة.
فالحاصل أن ما يحصل من الأمور الخارقة للعادة على يد هؤلاء الذين نسميهم أولياء الشيطان، هذا ليس بكرامة، بل هو إهانة. فصار الخارق للعادة إما آية، وأما كرامة، وأما إهانة، وأما فتنة.
والفتنة ما يأتي من السحرة وشبههم، لأنهم يرون ذلك إكراماً لهم.
стр. 632
والإهانة مثل ما يذكر عن مسيلمة الكذاب الذي ظهر في اليمامة وادعى أنه نبي وذلك في آخر حياة النبي ﷺ ، وأخذ بذلك قومه وجعلوه نبياً، وصار يعينه الشيطان في بعض الأمور، فيقال إنهم جاءوا إليه في يوم من الأيام، وقالوا: يا أيها النبي، إن عندنا بئراً قد غار ماؤها، ولم يبق فيها إلا ماء قليل فنريد أن نتبرك بك، فذهب معهم واخذ بعض الماء ليتمضمض به ويمجه في البئر ينتظر أن يرتفع ماؤه، فيقال إنه لما مج الماء في البئر غار الماء الموجود، فصار هذا خارقاً للعادة؛ لأنه ليس من العادة أن يتمضمض إنسان بماء ثم إذا مجه ذهب ماؤه، فهذا خارق للعادة، لكنه إهانة، ودليل على كذبه.
وفي قصة أخرى يقال: إنه جيء إليه بغلام رأسه فيه قزع، يعني بعضه نبت وبعضه ما نبت، فقل له: أيها النبي، امسح على رأس هذا الغلام لعل الله يخرج بقية الشعر، فمسحه فزال الشعر الموجود، وهذا أيضاً إهانة، وهو خارق للعادة؛ لأنه لم تجر العادة أن إنساناً يمسح على شعر فيتحات.
وعلى كل حال فالخارق للعادة أربعة أنواع: أعلاها: الآية، ثم الكرامة، ثم الإهانة، ثم الفتنة.
ثم إن أهل العلم ﵏ قالوا: إن كل كرامة لولي فهي آية للنبي؛ لأنه لما كان هذا الولي متبعاً لنبي من الأنبياء - ومعلوم انه لا نبي بعد محمد ﷺ ثم أوتي كرامة لتأييد ما هو عليه من الحق، كان ذلك آية للرسول الذي اتبعه.
وقوله: (وكل خارق أتى عن صالح) أي: وكل خارق للعادة أتى عن صالح.
стр. 633
قوله: (من تابع لشرعنا) ، خرج به التابع لغير شرعنا، فهذا لا يمكن أن يؤتى كرامة، لأن من لم يتبع شرعنا فهو كافر، فإن وجد على يده خارق فهو فتنة أو إهانة؛ ففتنة إن كان فيما يحب، أو إهانة إن كان فيما يكره.
وقوله: (من تابع لشرعنا وناصح) وقد بين النبي ﵊ لمن تكون النصيحة، فقال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم)) (١) .
وقوله ﵀: ((فإنها من الكرامات التي بها نقول)) الفاعل هنا مستتر وجوباً تقديره نحن، والمراد بذلك أهل السنة، يعني أن أهل السنة يقولون بإثبات الكرامات للأولياء.
وقوله ﵀: (فأقف للأدلة) اللام هنا للتعليل، والأدلة جمع دليل، وهو في اللغة المرشد، ومنه الدليل في الطريق، لكن الدليل في الشرع هو ما يثبت به الحكم.
وهناك أدلة كثيرة تدل على كرامات الأولياء، منها مثلاً:
قصة أصحاب البقرة: وهم قوم تدارؤوا حيث قتل بينهم قتيل، وكادت الفتنة أن تكون بين القبليتين، فأمرهم موسى ﵊ أن يذبحوا بقرة، وأن يضربوا القتيل بجزء منها، ففعلوا ذلك، فلما ضربوا القتيل بهذا الجزء من البقرة حيي بإذن الله وقال: إن قاتله فلان، وهذه كرامة لهؤلاء القوم، حيث ذهب عنهم النزاع وطفئت الفتنة. وربما نقول: هي كرامة من وجه وآية من وجه آخر؛ لأن موسى ﵊ هو الذي أمر بذلك.
ومثال آخر: الرجل الذي مر على قرية خاوية على عروشها هامدة، فقال:
стр. 634
(أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) (البقرة: الآية٢٥٩) ، فأكرمه الله ؛ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وكان هذا الرجل معه حمار ومعه طعام، فأما الحمار فمات وأما الطعام فلم يتغير، بل بقي مائة سنة ولم يتغير؛ لا غيرته الشمس، ولا الهواء، ولا المطر، ولا أي شيء وهو طعام وكما نعلم أنه يسرع إليه الفساد، وربما فسد في يوم وليلة، لكن هذا الطعام بقي مائة سنة.
أما الحمار فلما بعث الله صاحبه وجد أنه قد مات، ووجده عظاماً تلوح، فقال الله له: (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْما) (البقرة: الآية٢٥٩) ، فجعل ينظر إلى عظام الحمار يتراكب بعضها ببعض، وينشزها الله تعالى بالعصب، ويكسوها اللحم، حتى كمل الحمار، (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: الآية٢٥٩)
وهذه نعمة من الله ؛ أن يري الله العبد آية كونية أو شرعية تقوي إيمانه؛ لأن الإنسان أحيانا قد يضعف إيمانه، وأحيانا يأتي الإنسان كسل وفتور وترد على القلب؛ لأن القلب يتقلب، فإذا منَّ الله على العبد وأراه آية يطمئن بها قلبه، فلا شك أن هذه نعمة من الله ؛ كبيرة ليس لها ثمن.
فهذا الرجل كان يشك في إحياء الله الموتى؛ لأنه أتى على هذه القرية وقال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) (البقرة: الآية٢٥٩) ، وهذه قرية فكيف بالبشر؟ فأراه الله الآية، فلما تبين له قال: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: الآية٢٥٩) .
ولا شك أن هذا كرامة لهذا الرجل؛ فالحمار شاهده والله تعالى يحييه
стр. 635
شيئاً فشيئاً؛ والطعام شاهده لم يتغير، وقد بقي مائة سنة - وهي ليست بهينة - ولم يتغير فآمن أن الله قادر على ألا يغير الشيء مع طول المدة، وقادر على أن ينشئ الشيء مرة أخرى، ففي هذه الآية طرد وعكس، ففيها إبقاء الشيء على ما هو عليه، وإنشاء الشيء من جديد وكل ذلك كرامة لهذا الرجل.
كذلك من الأدلة قصة مريم، وهي ليست نبيه، أرسل الله تعالى إليها رسوله جبريل، فنفخ فيها من روح الله ، أي نفخ في فرجها روحا، فالتقمها الرحم، وصار إنساناً بشراً - وهو عيسى ﵊ (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) (مريم: الآية٢٣) يعني أدركها إلى جذع نخلة، فقالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً) (مريم: الآية٢٣) ، وهي هنا لم تتمن الموت، لكن تمنت أنها ماتت قبل أن تحصل هذه الفتنة؛ لأنها تعرف أن بني إسرائيل سيتهمونها كما وقع، والمسألة ليست هينة بل هي عرض.
(فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) (مريم: ٢٤) أي نهراً، وكان هذا النهر كرامة لها.
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: ٢٥) الله أكبر! امرأة أدركها المخاض - والمرأة إذا أدركها المخاض تكون ضعيفة جدا - تهز بجذع النخلة، وليس برأس النخلة! ثم إن الهز بجذع النخلة لا يجعل النخلة تتحرك أصلاً.
قال تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: ٢٥) والرطب من المعلوم أنه بعيد لا تدركه هي ولو أدركته لأخذته، فقال الله
стр. 636
تعالى: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: الآية٢٥) بدأت تهز بالجذع، ويتساقط الرطب (جَنِيّاً) أي مخروفا، فكان يسقط هذا الرطب اللين جدا ًمن مكان عال على الأرض ويبقى كما هو، وكأنه مخروف باليد.
وهذه آية خارقة للعادة، فالعادة أن الرطب إذا سقط من مثل هذا المكان تفتت وتمزق، لكن هذا بقي كأنه مخروف باليد.
(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) (مريم: الآية٢٦) وكل هذا أيضاً من آيات الله ، حيث تقر عيناً في هذا المكان الخالي.
وأصحاب الكهف أيضاً أعطاهم الله كرامة، فإنهم خرجوا من قومهم المشركين مهاجرين إلى الله ، فهيأ الله لهم كهفاً - أي غاراً - في الجبل موجهاً توجيهاً تاماً إلى ما بين الشمال والشرق فإذا طلعت الشمس تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، حيث إن اتجاهه إلى الشمال الشرقي حتى لا تدخل الشمس عليهم فتؤذيهم أو تتلف أجسامهم.
فبقوا ثلاثمائة سنة بل زادوا تسع سنين وهم لم يحتاجوا لأجل ولا شرب ولا بول ولا غائط ولا شيء، وهذا غير معتاد، ثم إن الله تعالى بحكمته ورحمته يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال؛ لأنهم لو بقوا على جنب واحد لتأثر ذلك الجنب، ولكن الله يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.
وفي هذا دليل على أن النائم لا يكون مستلقياً ولا منبطحا على بطنه، إنما هو على يمين أو شمال، وفيه أيضاً دليل على أن النائم لا ينسب إليه الفعل؛ لأن الله قال: (وَنُقَلِّبُهُمْ) (الكهف: الآية١٨) ولم يقل: ((يتقلبون)) .
إذا بقوا هذه المدة وهم لم يتغيروا، حتى شعورهم وأظفارهم بقيت على
стр. 637
ما هي عليه، لأنه لما استيقظوا قالوا: لبثناً يوما أو بعض يوم، ولو أن الشعور والأظفار نمت كالعادة لعرفوا أنهم بقوا مدة طويلة، لكن بقيت لم تنمُ.
ولا يعني ذلك أن النائم لا تنمو أظفاره وشعوره، بل إن هذا من آيات الله لهؤلاء القوم، وكذلك فإن أجسامهم لم تتغير بعرق ولا غيره، ولم تأكل الأرضة ثيابهم.
وحصل مثل هذه الكرامات في هذه الأمة كما حدث في الأمم السابقة، من ذلك ما حصل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، حينما حوصر سارية وهو أمير على سرية، فاطلع عليه عمر ﵁ من بعد، وأرسل إليه كلاماً، قال: يا سراية، الجبل! فسمع سارة كلامه ثم انحاز إلى الجبل.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ جملة صالحة من ذلك في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (١)
стр. 638
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٦٧- ومن نفاها من ذوي الضلال ... فقد أتى في ذاك بالمحال
١٦٨- لأنها شهيرة ولم تزل ... في كل عصر يا شقا أهل الزلل
ــ
الشرح
قوله: (من نفاها) من شرطية، ونفى فعل الشرط، وجملة (فقد أتى في ذاك بالمحال) جواب الشرط. يعني أن الذي ينفي الكرامات أتى بمحال، أي بشيء محال، وذلك أنه حاول إبطال ما تواترت الأدلة على ثوبته، والمتواتر يفيد العلم اليقيني الذي يستحيل ارتفاعه.
وقوله: (من ذوي الضلال) أي من أصحاب الضلال، يشير إلى من رد الكرامات؛ مثل المعتزلة وغيرهم، حيث قالوا: إنه لا يمكن أن نثبت كرامات؛ لأننا لو أثبتنا الكرامات لا تشبه النبي بالولي والولي بالساحر.
ونجيب على قول المعتزلة ومن نحا نحوهم بأنه ليس هناك اشتباه؛ فالولي لا يقول: إنه نبي، ولو قال إنه نبي بعد محمد ﷺ لم يكن ولياً؛ لأنه لا يكون عنده إيمان ولا تقوى، فلا يمكن الاشتباه إذاً، قد يكون هذا ممكنا فيما مضى من الأمم، لكن في هذه الأمة لا يمكن أبداً؛ لأن الولي لا يقول إنه نبي.
كذلك بالنسبة للساحر لا يمكن أن يشتبه بالولي؛ لأن الولي مؤمن تقي والساحر كافر شقي فلا يشتبه هذا بهذا، كذلك فالساحر تأتيه هذه الخوارق
стр. 639
بفعله هو، حيث يتقرب للشياطين فيساعدونه، ويدعي أن هذه كرامة له.
ثم الأدلة الكثيرة الموجودة إلى اليوم تثبت وجود كرامات لوجودها إلى يومنا هذا.
لكن الكرامات بعضها ظاهر وكبير، وبعضها خفي، فمثلاً لو أن رجلاً أراد أن يسافر إلى الرياض، وأراد أن يسلك الطريق اليمنى، وفي آخر لحظة اتجه إلى الطريق اليسرى، وبعد ذلك اتضح أن في الطريق اليمنى قطاع طريق. ولا شك أن العادة في الواقع أن الإنسان إذا عزم على شيء ولم يكن هناك مانع حسي ظاهر. فإنه يتجه إليه ويسير معه، لكن لما صرف هذا بدون أي سبب ظاهر إلى الطريق الآخر، وإذا به يبلغ أن الطريق الذي كان قد نوى أن يتجه عليه فيه قطاع طريق - فإننا نعتبر هذه من الكرامة، لكن ليست كالكرامة الكبيرة، إنما هي كرامة، ولا شك أنها نعمة، حتى يعرف الإنسان أن الله دفع عنه من النقم ما لم يكن في حسابه.
وعلى كل حال فالكرامة موجودة، ويقول شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية (١) : أنها موجودة في هذه الأمة إلى يوم القيامة.
ومنها الشاب الذي يعارض الدجال، ويتحداه، وذلك حينما يأتي الدجال ويدعي أنه الرب، ولكن هذا الشاب يعارضه، ويقول له: أنت الدجال الذي أخبر عنك رسول الله ﷺ ، فيقتله، ويجعله شقين ويمر بين شقيه تحقيقاً لموته، ثم يقول له: قم، فيقوم، ولكنه لا يزداد إلا تحدياً، وفي النهاية يعجز الدجال عن أن يقتله، فهذا كرامة بلا شك.
стр. 640
فالحاصل أنها موجودة، ولهذا قال ﵀: (لأنها شهيرة) لأنها: أي الكرامات، شهيرة: أي مشهورة، ففعيلة بمعنى مفعولة، كجريحة بمعنى مجروحة.
وقوله ﵀: (ولم تزل في كل عصر) يعني أنها ما زالت ولا تزال موجودة في كل عصر.
وقوله: (يا شقا أهل الزلل) يا: هنا يحتمل أن تكون منادي، والمعنى يا شقاء أهل الزلل احضر، ويحتمل أن تكون للتعجب، ومعنى (يا شقا) : يعني ما أشقى أهل الزلل.
ولا شك أن أهل الزلل أشقياء لا سيما من زل عن عمد، فإنه من أشقى عباد الله - والعياذ بالله.
стр. 641
فصل
في المفاضلة بين البشر والملائكة
١٦٩- وعندنا تفضيل أعيان البشر ... على ملاك ربنا كما اشتهر
١٧٠- وقال من قال سوى هذا افترى ... وقد تعدى في المقال واجترا
ــ
الشرح
هذا الفصل ليت المؤلف ﵀ لم يعقده، وليته لم يتكلم في هذا المسألة، وموضعها: أيهم أفضل؛ الملائكة أو البشر؟
فيقال: أصل البحث في هذا لا داعي له؛ لأن الصحابة ﵃ وهم أحرص الناس على العلم والإيمان لم يبحثوا هذا البحث، ولم يقولوا البشر أفضل أم الملائكة. وشيء سكت عنه الصحابة ﵃ مما يتصل بالدين، فالأجدر بنا أن نسكت عنه.
وهذه قاعدة يجب على طالب العلم أن يفهمها، وهي أن كل شيء سكت عنه الصحابة ﵃ من أمور الدين فاعلم أن الخوض فيه من فضول الكلام، ولا حاجة إليه؛ لأنه لو كان من مهمات ديننا ومن أصول ديننا ومما يجب علينا أن ندين الله به لتبين، إما عن طريق القرآن، أو عن طريق السنة، أو الصحابة، فإذا لم يوجد واحد من هذه الثلاثة علم أنه ليس من الدين في شيء.
وإذا بنيت نهجك على هذا استرحت من إشكالات كثيرة يوردها بعض المتعلمين اليوم، فيما يتعلق بصفات الله ، وفيما يتعلق باليوم الآخر
стр. 642
من أمور الغيب التي لا مجال للعقل فيها، فيوردون أشياء هي في الحقيقة تدخل في قول رسول الله ﷺ : ((هلك المتنطعون)) (١) ، قالها ثلاثا. وصدق والله رسول الله ﷺ ، كل إنسان يتنطع فهو هالك ولابد، ولو لم يكن من هلاكه إلا مخالفته طريق الصحابة.
لذا فنحن نقول: ليت المؤلف لم يتكلم بهذا إذ لا فائدة لنا منه. هذا من الناحية العقلية، ومن الناحية الأثرية فإن ذلك لم يكن في أسلافنا من الصحابة، ولم يخوضوا في هذا الأمر.
لكن مع ذلك خاض الناس واضطر بعض من يكره الخوض في هذا إلى أن يخوض فيه ويتكلم؛ لئلا يترك المجال لمن لا يصلح أن يتكلم فيه، وهذا كثير في العقائد وغير العقائد.
فمثلاً وجد من يتكلم في العقائد فيقول مثلاً: هل الله جسم أو غير جسم؟ ثم يقول: ليس بجسم، ثم يبني على ذلك جميع الصفات التي ينكرها بهذه الحجة، وهل الله في جهة أو ليس من جهة؟ وهل الله يحد أو لا يحد؟ هل الصحابة سألوا الرسول ﷺ عن ذلك أو بحثوا فيه؟ فينبغي لنا أن نسكت كما سكتوا، فلا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم.
لكن لما اضطر علماء السنة إلى الكلام في هذا بناء على أن غيرهم تكلم، قالوا: لم نكن ندع المجال والميدان لهؤلاء الضلال يتلاعبون به، بل لابد أن نخوض ونبين الحق.
فمثلاً في مسألة الجسم قالوا: إذا كان المراد بالجسم أن الله مكون من أشياء يمكن فقدها مع بقاء الجسم، أو لا يمكن بقاء الجسم
стр. 643
مع فقدها، أو ما أشبه ذلك، فنحن ننفي هذا المعنى عن الله، وإن أريد بالجسم القائم بنفسه، المتصف بالصفات اللائقة به، الفعال لما يريد، فإننا نثبت هذا المعنى لله .
أما لفظ الجسم فنبعده بعيداً؛ لا ننفيه، ولا نثبته، لكننا نستفصل في معناه، أما أن نقول: إنه جسم أو غير جسم فليس لنا أن نتكلم بهذا؛ لأن الله لم يقل عن نفسه جسم أو أنه غير جسم.
كذلك مسألة تفضيل الملائكة على البشر أو بالعكس، فالذي ينبغي للإنسان في هذه المسألة أن يدع الكلام فيها ما لم يضطر، والعلماء اضطروا إلى ذلك.
قال المؤلف ﵀:
وعندنا تفضيل أعيان البشر ... على ملاك ربنا كما اشتهر
قوله: (عندنا) الضمير هنا يعود على أهل السنة والجماعة.
وقوله: (ملاك) يعني: ملائكة الله.
وقوله: (تفضيل أعيان البشر على ملاك ربنا) قال: أعيان، لا الجنس، يعني أننا نفضل الأعيان على جنس الملائكة، فالرسل مثلاً هم أعيان البشر، وهم خلاصة البشر، وهم المصطفون من البشر، فهؤلاء أفضل من الملائكة، لكن لا نفضل جنس البشر على جنس الملائكة، بل نفضل الأعيان من البشر على جنس الملائكة.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء ﵏، ولكل قوم دليل، وقد
стр. 644
استدل من يقول إن البشر أفضل من الملائكة بأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم وهو أبو البشر، ومعلوم أن السجود ذل للمسجود له، فيكون المسجود له اعز وأكرم من المساجد.
واستدل من قال: إن الملائكة أفضل بقول الله ﵎ في الحديث القدسي: ((من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)) (١) .
وكلا الاستدلالين في القلب منه شيء؛ أما الأول: فإنه لا يلزم إذا أكرم الله آدم بهذه المنقبة أن يكون البشر أفضل من الملائكة، وذلك للقاعدة العامة وهي أن التميز بخصيصة واحدة لا يقتضي التميز المطلق، ولهذا نجد بعض الصحابة يميزه الرسول ﷺ بميزة لا تكون لغيره، ولا يقتضي ذلك أن يكون أفضل من غيره.
وأما الثاني: ((من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)) ، فالمراد خير من الملأ الذين ذكر الله عندهم، وليس المراد خيراً من كل البشر، ومعلوم أن كون الملائكة الذين عند الله والذين يذكر الله الذاكر فيهم، خيراً من الملأ الذين ذكر الله عندهم٠ - لا يستلزم الخيرية المطلقة. ولهذا نرى التوقف في هذا من ناحيتين:
أولاً: التوقف عن البحث فيه إطلاقاً.
وثانياً: التوقف عن الحكم بتفضيل هؤلاء على هؤلاء.
وقال شيخ الإسلام ﵀: الملائكة أفضل باعتبار البداية، والبشر أفضل باعتبار النهاية (٢) . فباعتبار البداية الملائكة أفضل؛ لأنهم خلقوا من
стр. 645
نور، ولا يستكبرون عن عبادة الله، ولا يستحسرون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولم تركب فيهم الشهوة التي تعصف بهم، بل هم عباد مكرمون قائمون بأمر الله، فهم باعتبار البداية أفضل.
أما باعتبار النهاية، وكون البشر محل رضا لله وأهل كرامته وما أشبه ذلك، حتى إن الملائكة يدخلون عليهم في الجنة، يدخلون السرور عليهم، قال تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) (الرعد: الآية٢٣) (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) (الرعد: الآية٢٤) . فهذا يدل على أن البشر أفضل، وهذا له وجه حسن.
لكن الذي أرى الإعراض عن كل هذا، وأن نقول في مسألة التفضيل:
أولاً: الجنس مختلف، ولا تفاضل بين الجنسين المختلفين.
ثانياً: باعتبار المرتبة عند الله ، فهذا ليس لنا به علم إطلاقاً، بل علمه عند الله .
وبعد أن قال المؤلف ﵀: (وعندنا تفضيل أعيان البشر على ملاك ربنا) قال: (كما اشتهر) . يعني: كما هو مشهور عند العلماء ﵏.
ثم قال المؤلف ﵀: (وقال من قال سوى هذا افترى) . (قال) : الفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو، يعود على الإمام أحمد ﵀، ومثل هذا التعيير عند العلماء غير صحيح وذلك لجهالة مرجع الضمير فيه فيكون الكلام غير معلوم، إذ أنه لابد أن يعلم مرجع الضمير؛ إما من سياق الكلام؛ وإما من مذكور سابق أو مذكور لاحق.
стр. 646
ولكن يجب أن نعلم أن مقلدي الإمام ﵀ إذا ذكروا الفعل دون مرجع معلوم له فهو يرجع إلى الإمام، والناظر في كتب الفقه مثل الإنصاف وغيره يجد أنه يقول: نص عليه، وليس عناك مرجع سابق للضمير، فإن الضمير يعود إلى الإمام احمد، وإذا قال: وعنه لا يلزمه كذا. وليس للضمير مرجع، فإن الضمير يعود إلى الإمام أحمد، لكن كون الكتب ألفت في مذهبه يدل على أن الضمير الذي ليس له مرجع معلوم يعود إلى الإمام.
والسفاريني ﵀ من الحنابلة، فإذا قال: (وقال) ولم يكن مرجع الضمير معلوماً؛ فالظاهر أن مرجعه إلى الإمام احمد، هذا على القاعدة المعروفة؛ وهي أن الضمير إذا لم يكن له مرجع معلوم في كتب المقلدة، فإنه يرجع إلى إمامهم.
وقوله ﵀: (وقال من قال سوى هذا افترى) هذا: اسم إشارة يعود على تفضيل أعيان البشر على ملاك الله. (من قال سوى هذا افترى) أي كذب.
وقوله ﵀: (وقد تعدى في المقال واجترا) يعني تعدى في قوله واجترأ، وكأن الإمام احمد ﵀ ينكر إنكاراً تاماً على من قال بهذا القول؛ أي بان الملائكة أفضل من البشر.
والخلاصة أن العلماء ﵏ اختلفوا في تفضيل الملائكة على البشر، أو البشر على الملائكة، على أقوال يمكن أن نجعلها أربعة:
أولاً: تفضل البشر.
ثانياً: تفضيل الملائكة.
ثالثاً: الوقف.
стр. 647
رابعاً: التفصيل، والتفصيل مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث يقول: الملائكة أفضل باعتبار البداية، والبشر أفضل باعتبار النهاية (١)
أما الوقف فهو قولنا (٢) ؛ وهو أن نقول: الله اعلم، وليس لنا أن نتكلم بهذا؛ لأنه لم يكن من بحث الصحابة ﵃ مع رسول الله ﷺ .
ولا شك أن داعي السؤال عما يتعلق بالدين في الصحابة أقوى منه فينا، ولا شك أيضا أن الإجابة عن الاستشكال في عهد الصحابة أصوب من أجابتنا نحن؛ لأنهم سيسألون الرسول ﵊، وسيجيبهم بالعلم اليقيني.
فإذا لم يكن سؤال من الصحابة عما يتعلق بالدين، فاعلم أن السؤال عنه من باب التنطع في دين الله، وإن شئت فاجعله بدعة، كما قال الإمام مالك ﵀ فيمن قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) كيف استوى؟ قال: ما أراك إلا مبتدعاً.
стр. 648
الباب السادس في ذكر الإمامة ومتعلقاتها
ــ
الشرح
هذا الباب كنا نستهونه في أيام طلبنا، كما كنا نستهون كتاب الجهاد، فكنا نتساءل: أين الجهاد؟ وما حاجتنا في أن نبحث في الجهاد، ومتى يكون واجباً على العين وعلى الكفاية، وما حكم ما يلزم الجيش وما يلزم الإمام؟! وسبب ذلك أنه لا يوجد جهاد، ثم لما حصل الجهاد في الوقت الأخير عرفنا إننا مفرطون، وأنه كان ينبغي أن نعرف أحكام الجهاد تماماً!!
وفي مسألة الإمامة كنا نقول: ليس لنا حاجة في أن نبحث في الإمامة، فنحن والحمد لله إمامنا ابن سعود، ولكل بلد إمامه، والأمور مستقرة على ذلك، لكن الآن تبين لنا أنه لابد أن نعرف الحكم، فلابد أن نعرف من هو الإمام، ومن يستحق الإمامة، ولابد أن نعرف ما حق الإمام على رعيته، وما حق الرعية على الإمام.
وذلك لأنه كثر القيل والقال، وخاض في ذلك من هم من الجاهلين، فصاروا يتخبطون خبط عشواء فيما يلزم الإمام وفيما يلزم الرعية، وغالبهم يميل إلى تحميل الإمام ما لا يلزمه حمله، وتبرئة الشعب مما يلزمهم القيام به، هذا حال غالبهم، وذلك لأن بعض الناس مشغوف -والعياذ بالله- بنشر المساوئ من ولاة الأمور، وكتم المحاسن، فيكون معه جور في الحكم، وسوء في التصرف.
стр. 649
إذاً لابد الآن أن نعرف من هو الإمام، وبم تثبت الإمامة، وما حق الإمام على الرعية، وما حق الرعية على الإمام، وما طريق السلف في معاملة الأئمة الظلمة والمنحرفين، حتى نمشي على طريقهم، ونكون أمة سلفية، وحتى لا نبرئ أنفسنا نحن من النقص، بل نحن ناقصون؛ إذا قارنت بين أعمالنا وعقائدنا وبين ما كان عليه الصحابة، وجدت أن الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين زماننا وزمانهم، وأن الفرق كبير.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف نريد أن يكن لنا ولاة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟! فهذا ظلم، وهذا تأباه حكمة الله ، ولهذا جاء في الأثر: كما تكونون يولى عليم، فكيف نريد أن يكون خلفاء الأمة الإسلامية الآن كخلفاء الأمة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ونحن على هذه الحال؛ كذب وغش وظلم وسوء عقيدة وغير ذلك؟!
ويذكر أن عبد الملك بن مروان شعر بأن الناس قد ملوه أو عندهم شيء من التمرد عليه، فجمع وجهاء القوم وأعيانهم وتكلم فيهم وقال لهم: أتريدون أن نكون لكم كأبي بكر وعمر؟ قالوا: نعم. قال: إن كنتم تريدون ذلك فكونوا لنا كالذين كانوا لأبي بكر وعمر، فأقام عليهم الحجة.
وكذلك أيضاً ينقل عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رجلاً خارجياً قال له: يا علي، كيف دان الناس لأبي بكر وعمر ولم يدينوا لك؟ قال: لأن أبا بكر وعمر كان رجالهم أنا وأمثالي، وكان رجالي أنت وأمثالك. فأقام عليه الحجة.
فالمهم أنه لا يمكن أن نطمع في أن يكون ولاة أمورنا كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ونحن على الحال التي تشاهد؛ ولا شك في أن البيت الذي فيه ثلاثة نفر يكون فيه أربعة آراء! فأين الوفاق فينا؟ وأين
стр. 650
الصلاح فينا كي يكون في ولاتنا؟!
فالمهم أن هذا الباب - باب مهم، يجب أن يعتنى به.
والإمامة نوعان: إمامة في الدين، وإمامة في التدبير والتنظيم، فمن إمامة الدين الإمامة في الصلاة، فإن الإمام في الصلاة إمامته إمامة دين، ومع ذلك فله نوع من التدبير، حيث إن النبي ﷺ أمر بمتابعته، ونهى عن سبقه والتخلف عنه، فهذا نوع تدبير؛ لأنه مثلاً إذا كبر كبرنا، وإذا ركع ركعنا، وإذا سجد سجدنا. وهكذا.
وأما إمامة التدبير فتشمل الإمام الأعظم ومن دونه، والإمام الأعظم هو الذي له الكلمة العليا في البلاد؛ كالملوك ورؤساء الجمهوريات وما أشبه ذلك، ومن دونه كالوزراء والأمراء وما أشبه ذلك، والأمة الإسلامية بشر كغيرها من البشر، والبشر كائن من الأحياء، وكل حي فلابد له من رئيس.
بل حتى البهائم، وكذلك الطيور في الجو، لها رئيس تتبعه، ولهذا كان الصيادون إذا مرت بهم جحافل من الطيور أو الظباء أو ما أشبه ذلك ذلك يصيدون أول ما يصيدون قائدهم، فإذا صادوا القائد ارتبك المجموع فسهل صيده؛ لأن كل كائن سواء من البشر أو غيرهم لابد له من قائد يقوده.
ولهذا أمر النبي ﵊ والمسافرين إذا كانوا ثلاثة، يعني فأكثر، أن يؤمروا واحدا منهم (١) ، يعني أنه لابد من أمير وإلا لاضطربت الأحوال، وصار كل إنسان يقول: أنا أمير نفسي، وحينئذٍ يتزعزع الأمن ويحل الخوف.
стр. 651
ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٧١- ولا غنى لأمة الإسلام ... في كل عصر كان عن إمام
ــ
الشرح
يعني لا يمكن أن تستغني أمة المسلمين في كل العصور من عهد النبي ﵊ إلى يومنا هذا عن أمام، أي عن قائد يقودها، وحتى الأمة من الأمم الكافرة لابد لها من إمام، ولذلك تجد الأمم الكافرة ربما ينقادون لأئمتهم أكثر مما ينقاد بعض المسلمين لأئمتهم؛ لأنهم يعلمون أن الأمن والاستقرار إنما يكون في إتباع الأئمة، والانقياد لهم، والانصياع لأوامرهم.
وهذه مسألة يغفل عنها كثير من المسلمين، وقد حدثنا بعض من يذهبون إلى بلاد الكفر أن رعاياهم يتبعون الأنظمة تماما، ويطبقونها تماما؛ سواء أنظمة المرور، أو أنظمة الأمن، أو غير ذلك، مع أنهم كفار لا يرجون بهذا ثوابا من الله ، لكن يعلمون أن انتظام الأمة وحفظ أمنها لا يكون إلا بإتباع أوامر الرؤساء.
فلذلك كانوا أشد تطبيقاً من بعض المسلمين لطاعة ولاة الأمور، مع إننا نحن بامتثالنا لطاعة ولي الأمر نرجو الثواب من الله ، وبالمخالفة نخاف العقاب؛ لأن مخالفة أي نظام من أنظمة الدولة بدون سبب شرعي، والسبب الشرعي سبب واحد وحيد وهو أن يأمروا بمعصية الله، وما سوى ذلك تجب علينا طاعته من أجل حفظ الأمن.
وبعض الناس يتوهم انه لا تجب طاعتهم إلا حيث أمروا بما أمر الله به، وهذا وهم باطل؛ لأنهم إذا أمروا بما أمر الله به فأمرهم هذا تأكيد لأمر الله
стр. 652
فقط، ولو أمرنا أي واحد بما أمرنا الله به لكانت الطاعة مفروضة علينا؛ لأنه أمر الله.
لكن طاعة ولاة الأمور في غير معصية شيء وراء ذلك، فيجب علينا أن نطيع ولاة الأمور في كل ما أمروا به، ما لم يأمروا بمعصية.
فإذا لابد للأمة الإسلامية - بل وغير الإسلامية - من إمام يقودها ويوجهها، ويأمرها، وينهاها، وإلا لضاعت وأصبحت الأمور فوضى.
قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
فلابد من قيادة، ولابد من أن تكون هذه القيادة حكيمة.
قال المؤلف ﵀:
ولا غنى لأمة الإسلام ... في كل عصر كان عن إمام
عصر بمعنى وقت، والوقت كما نعلم هو ظرف الحوادث والأحداث، ولهذا أقسم الله به في قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ) (العصر: ١) (إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (العصر: ٢) ، فكل عصر لابد فيه للأمة الإسلامية من إمام.
стр. 653
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٧٢- يذب عنها كل ذي جحود ... ويعتني بالغزو والحدود
ــ
الشرح
قوله: (يذب عنها كل ذي جحود) يذب: يعني يطرد عنها. (كل ذي جحود) : أي كل ذي كفر. وهذه من مسؤوليات الإمام وهي:
أولاً: أن الإمام يذب أهل الكفر عن بلاد المسلمين، أي يرد ويطرد ويمنع كل ذي جحود من أن يعتدي على بلاد المسلمين، ومن المعلوم أنه ليس يمنع بنفسه ولكن يمنع بجنوده.
ثانياً: قال: (ويعتني بالغزو) يعني غزو الكفار، والشطر الأول للمدافعة، والشطر الثاني للمهاجمة، فالإمام يعتني بغزو الكفار ومقاتلتهم؛ لأن الواجب على المسلمين أن يقاتلوا الكفار، وذلك فرض كفاية، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وإذا نظرنا في واقعنا اليوم فإننا سنجد أن مسألة غزو الكفار ممحوة من القاموس، اللهم إلا ما يقع مدافعة، ومع ذلك فإن ما يقع مدافعة لا تكاد تجد فيه من يساعد هؤلاء المدافعين، إلا النادر من إفراد الشعوب، أما الحكومات الإسلامية فإنها مع الأسف - ونقولها بكل مرارة - لا تساعد على الأقل مساعدة ظاهرة في الدفاع عن المسلمين، والأحداث لا تحتاج أن أفصلها؛ لأنها منشورة مشهورة.
إذاً فلابد من مقاتلة الكفار، قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (الأنفال: ٣٩) ، وهذا فرض كفاية، ومعلوم أن فرض
стр. 654
الكفاية يحتاج إلى شرط وهو القدرة، فبالنسبة للشعوب لا قدرة لهم، وبالنسبة للحكومات فالله حسيبهم؛ منهم من يقتدر، ومنهم من لا يقتدر وفي ظني أن كل واحد منهم يقتدر بالنسبة للمضايقات الدبلوماسية.
ثالثاً: قال ﵀: (والحدود) يعني أن من مسؤوليات الإمام أنه يعتني بالحدود، والحدود جمع حد، والحد في اللغة المنع، والمراد بالحدود هنا العقوبات التي قدرها الله ورسوله في فعل معصية، مثل قطع يد السارق، فهذا حد، فمتى ثبتت السرقة وتمت شروط القطع فإنه يجب تنفيذه، إذاً فالحدود يجب تنفيذها وهي رحمة من الله لعباده، إذ أن في الحدود فائدتين:
الأولى: أنها كفارة للفاعل الذي أقيم عليه الحد.
والثانية: أنها ردع لغيره.
فإن قال قائل: لكن فيها إتلاف عضو من الأعضاء، وربما يكون هذا العضو عاملاً في غاية الأهمية عند صاحبه، بل وغيره؟
فالجواب على ذلك بأنه لابد أن نقطعها حتى لا يأتي آخر فيسرق، ولهذا قال الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (البقرة: الآية١٧٩) مع أن القصاص إضافة إزهاق نفس إلى نفس أخرى؛ فالمقتول واحد وبالقصاص يكون المقتول اثنين، لكن هذا فيه حياة، فكم من إنسان يرتدع عن القتل إذا علم أنه إذا قتل قتل! ولهذا قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) .
ومن الحدود حد الزنى، وهو على حسب الجرم، فالبكر حده مائة جلدة وتغريب سنة، يعني يجلد مائة جلدة ويطرد عن البلد لمدة سنة، والثيب الذي
стр. 655
قد منَّ الله عليه بالنكاح حده الرجم، فيرجم بحجارة لا صغيرة ولا كبيرة حتى يموت، وإذا مات فإنه يصلى عليه لأنه مسلم، ويدعى له بالمغفرة والرحمة.
ومن الحدود حد القذف، والقذف هو أن يرمى المحصن بالزنى، والمحصن يعني العفيف، وذلك كأن يقول لشخص عفيف ذكر أو أنثى أنه زان، فهذا إما أن يقيم البينة بشهادة أربعة رجال بذلك؛ وإلا فحد ظهره، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) (النور: الآية٤)) .
وقد رتب الله على القذف ثلاثة أمور، حيث قال تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: الآية٤)) ، ثم استثنى الله تعالى فقال: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: ٥) ، وهذا الاستثناء يعود على الفاسقين في قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) يعني إذا تابوا وأصلحوا زال عنهم الفسق.
لكن هل من تاب قبلت شهادته كما زال عنه الفسق؟ في هذا خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إنه إذا تاب قبلت شهادته، ومنهم من يقول: لا تقبل؛ لأن الله تعالى قال: (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً) .
وكذلك فإن هذا الاستثناء لا يعود على العقوبة الأولى في قوله: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) ، فإذا تاب فإنه لا يعود عليه بالاتفاق.
فصارت هذه العقوبات الثلاث بالنسبة للاستثناء على النحو التالي:
أولاً: يعود الاستثناء على آخرها بالاتفاق.
стр. 656
ثانياً: لا يعود على أولها بالاتفاق.
ثالثاً: وفي عودة الاستثناء على أوسطها خلاف.
ومن الحدود حد قطاع الطريق، قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً) (المائدة: الآية٣٣) ، فهؤلاء يقفون على الطرق ومعهم السلاح ومن مر اخذوا ماله أو قتلوه، وما أشبه ذلك، فهؤلاء حدهم كما قال تعالى: (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْض) (المائدة: الآية٣٣)
وهذه الأنواع الأربعة من الحدود التي ذكرنا، كلها حدود لا إشكال فيها.
واختلف العلماء ﵏ في الخمر هل عقوبته حد أو تعزير، والصحيح أنها تعزير، ويدل لذلك ما يكاد يكون إجماعاً من الصحابة ﵃ واستشارهم فيما يصنع، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، أخف الحدود ثمانون؛ يعني فاجلد شارب الخمر هذا الجلد، فأمر به عمر فارتفع إلى ثمانين جلدة (١) ، وهذا يكاد يكون كالإجماع؛ لأن كونه أخف الحدود يعني أن عقوبة الخمر ليست حداً.
ويدل لذلك أيضاً انه لو كانت عقوبة الخمر حدا، ما كان لعمر أن يغيرها، قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا) (البقرة: الآية٢٢٩) ، ولهذا فإنه لو كثر بين الناس اقتراف الزنا - نسأل الله العافية - فإننا لا يمكن أن نزيد المائة جلدة إلى مائتين مثلاً، وذلك لأن الحدود لا تزاد، وهذا يدل على أن عقوبة
стр. 657
شارب الخمر ليست من الحد.
لكن المشهور عند أكثر العلماء أنها حد من الحدود.
أما قتل المرتد فإنه ليس بحد؛ لأن الحد لا يسقط بعد القدرة على الفاعل ولو تاب، وقتل المرتد يسقط بعد القدرة إذا تاب، فالردة إذا تاب منها المرتد ولو بعد القدرة عليه، فإنه لا يقتل، ويحرم قتله. إلا ما قيل في الساحر فإنه يقتل حداً، لحديث: ((حد الساحر ضربة - أو قال: ضربة بالسيف)) (١) .
أما القصاص فإنه ليس بحد، ولذلك لو أن أولياء المقتول عفوا فإنه لا يقتص من القاتل، وبناء على ذلك فإنه ليس بحد.
وقد رأيت بعض المتأخرين المعاصرين من يجعل الحدود سبعة أنواع، ويدخل حد الردة والقصاص، وهذا خطأ وغلط؛ لأن الحد عقوبة مقدرة من الشرع لا تسقط بإسقاط أحد، حتى إن النبي ﷺ لما شفعوا إليه في المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده، وقد أمر النبي ﵊ بقطع يدها - غضب وخطب الناس، وقال لأسامة وقد شفع إليه: ((أتشفع في حد من حدود الله؟!)) (٢) .
ولو أن القاتل لما طلب أولياء المقتول أن يقتل وشفع أحد فيه فإنه لا ينكر عليه؛ لأن الحق لهم فلو أن أولياء المقتول قالوا: لابد أن يقتل القاتل، وحكم القاضي بقتله، فجاء رجل طيب وعرف أن هذا القاتل رجل من الخيار، لكن
стр. 658
سولت له نفسه قتل أخيه فقتله، فذهب إلى أولياء المقتول وشفع إليه فلا بأس. ولو كان حداً لحرمت الشفاعة فيه.
إذاً فإن من مهمات الإمام إقامة الحدود، وهذا يعني أنه يجب على الإمام أن يقيم الحدود على أي إنسان كائن من كان، حتى لو سرق أبو الإمام فإنه يأمر بقطع يده، ولا ينافي ذلك البر، بل هذا من البر؛ لأن هذا الحد كفارة له يسقط عنه عقوبة الآخرة، وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدنيا.
ثم إن هذا الحق ليس حقا للإمام، بل هو حق لله رب الإمام ورب أبي الإمام، فإذا أمر بقطع يد أبيه لأنه سرق قلنا: جزاك الله خيراً، فهذا محمد رسول الله ﷺ يقسم أقساماً أمام الناس ويقول: ((وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) (١) .
стр. 659
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٧٣- وفعل معروف وترك نكر ... ونصر مظلوم وقمع كفر
ــ
الشرح
قال ﵀: (وفعل معروف) هذا هو الرابع من مسؤوليات الإمام، يعني ويعتني بفعل المعروف؛ بأن يفعل هو المعروف؛ وأن يأمر بالمعروف، أي بكلا الأمرين، لكن الأول له ولغيره، ففعل المعروف كل إنسان مطالب به، لكن الأمر بالمعروف أول من يطالب به الإمام، فيجب عليه أن يأمر بالمعروف؛ إما بنفسه وإما بنوابه وجوبا.
فالأمر بالمعروف من مهمات الإمام ومن مسؤولياته، وإذا أضيع - لا قدر الله - فإن الله سوف يسأله عنه يوم القيامة سؤالا مباشراً.
لكن ما المراد: المعروف؟ هل المعروف ما تعارف الناس عليه أو هو ما عرفه الشرع وأقره؟ وما المراد بالمعروف في قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف) (النساء: الآية١٩) ؟
المراد بالمعروف في الآية ما تعارف الناس عليه، لكن لو قلنا: إن المعروف هو ما تعارف الناس عليه لفسدت الدنيا وفسد الدين، وصار لكل بلد شرع؛ لأن أعراف الناس تختلف؛ فمن الناس من يستبيحون أن يقيموا أسواق الدعارة، فلا يكون ذلك معروفاً لأنه متعارف بينهم، ومن الناس من تباع عندهم جِرار الخمر كما تباع جِرار الماء، فلا نقول: هذا معروف.
إذاً المعروف هو ما عرفه الشرع وقره، وإن شئت فقل: هو ماشرعه الشرع، وهذا أدق؛ لأن شرعه إياه اعتراف به، فكل ما شرعه الله ورسوله
стр. 660
فهو معروف، ثم الأمر به على حسب مرتبته، فالأمر بالواجب واجب؛ والأمر بالمستحب مستحب.
وقوله: (وترك نكر) فترك النكر أيضاً المسؤولية فيه على الإمام وهذا هو الخامس من مسؤوليات الإمام، وليعلم أن ترك المعروف وفعل المنكر إذا كان مستتراً عن الإمام فليس من مسؤوليته، فمسؤوليته المنكر الظاهر، فالمنكرات التي في البيوت إذا لم يطلع عليها فليست من مسؤوليته؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
ومن المنكرات التي يجب على الإمام أن يمنعها، أن يظهر النصارى أو اليهود أو البوذيون أو غيرهم من أهل الكفر ما يكون شعاراً لهم في بلاد الإسلام، مثل أن يعلق النصراني صليبا في صدره، فهذا ممنوع في بلاد الإسلام، ويجب منعه، ولكن بالتي هي أحسن، وقد سمعت أن بعض الإخوة الناهين عن المنكر رأى فلبينيا قد تقلد قلادة من ذهب وفي أسفلها الصليب، فأمسك بالقلادة وبترها، حتى كادت أن تحز رقبته وتقطعها. وهذا ليس من الخير، بل في هذا إساءة إلى الإسلام، وهو غلط.
والواجب أن مثل هذا ينصح، لو انه قال لهذا الرجل: اخف هذا، بلطف، لحصل المقصود بدون عنف، والله تعالى يحب الرفق في الأمر كله، كما ثبت عن النبي ﵊: (إن الله ﵀ رفيق يحب الرفق في الأمر كله)) (١)
إذاًَ يجب على الإمام أن يمنع المنكرات، فما كان معلناً فالأمر واضح أنه
стр. 661
من مسؤوليته، وما كان مستوراً فإن علم به فعليه مسؤولية، وإن لم يعمل فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
والمنكر ليس هو ما أنكره الناس، وإنما هو ما أنكره الشرع ومنعه، أما ما أنكره الناس فهذا ينظر فيه؛ فإن كان مشروعاً فالواجب إظهاره، مثل لو أنكر الناس الصلاة في النعال، فهنا أنكروا معروفاً فلا يجابون على ذلك، بل يبين الحق حتى يطمئن الناس إليه.
وكل الناس ينكرون ذلك حينما كانت المساجد مفروشة بالحصباء أو بالرمل، أما الآن فلا يمكن الصلاة في النعال لما في ذلك من تلويثها، وأكثر الناس لا يهتمون عند دخول المسجد، ويمكن للإنسان أن يحصل السنة بأن يصلي في بيته بنعاله
وأما ما أنكره الناس مما ليس مشروعاً، فإنه ينكر لئلا يقع الإنسان في الشهرة، وقد نهى النبي ﷺ عن لباس الشهرة، حتى لا يذكر المرء في المجالس؛ لأن الإنسان الذي يخالف عادات الناس سوف تلوكه ألسنتهم، إما بالذم، وإما بالمدح، والغالب أنه يكون بالذم، فلو قام طالب علم من طلبة العلم المحترمين وخرج إلى الناس ببنطلون وبرنيطة وكرفتة فإن الناس سيرون هذا شهرة مع أنه في الأصل مباح إذا لم يكن تشبهاً بالكفار، لكنه مخالف للعادة فيشتهر الإنسان به، ويكون ملاكاً تلوكه الألسنة.
وقد نهي الإنسان عن لباس الشهرة - مع أنه قد يكون طيباً - لئلا يشتهر به الإنسان ويذكر في المجالس.
والناس في الواقع لا يلقون بالاً لهذا الأمر، ويغفلون عن مسألة الشهرة،
стр. 662
فتجد الإنسان لا يبالي بأحد؛ اشتهر أم لم يشتهر، وهذا غلط؛ لأنك عرضت نفسك للكلام في المجالس، والإنسان في غنى عن أن يتكلم الناس فيه.
إذاً فالمنكر هو ما أنكره الشرع ولم يقره، أما ما أنكره العرف فينظر فيه؛ إن كان من الأمور المشروعة فلابد أن يروض الناس عليه، وأن يفعل أمامهم حتى يطمئنوا إليه؛ وإذا لم يكن كذلك فإنه يكون من الشهرة التي نهي عنها.
سادساً: نصر المظلوم، فمن مسؤوليات الإمام نصر المظلوم، لذا قال المؤلف: (ونصر مظلوم) ، فيجب على الإمام وعلى غيره أيضاً نصر المظلوم، لكن على الإمام بالدرجة الأولى؛ لأنه هو الذي يستطيع أن ينصر المظلوم، وذلك برفع الظلم عنه إن كان قد وقع، ودفعه عنه إن كان متوقعاً.
فلو علم الإمام مثلاً أن إنسانا يهدد شخصا بأخذ ماله أو غيره، فعليه أن يمنع من ذلك، أو لو كان إنسان قد استولى فعلاً على حق غيره فإنه يرفعه.
فعلى الإمام مسؤولية نصر المظلوم، وغيره عليه أيضاً أن ينصر المظلوم، لقول النبي ﷺ : ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)) (١) ، لكن غير الإمام قد لا يتسنى له ذلك، فقد يكون الظالم أكبر ممن يريد أن يرفع الظلم، وحينئذٍ لا يقدر على رفعه، لكن الإمام لا أحد فوقه من البشر، فيجب عليه أن ينصر المظلوم، بدفع المتوقع وبرفع الواقع.
وإذا عرفنا أنه يجب على الإمام أن ينصر المظلوم، فلنعلم أنه لابد لذلك من شروط، منها مثلاً ثبوت وقوع هذا الظلم، لقول النبي ﷺ : ((لو يعطى
стр. 663
الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم)) (١)
سابعاً: قال المؤلف ﵀: (وقمع كفر) يعني إذا ظهر، وهذا غير ذب الجحود، لأن ذب الجحود يعني دفعه ومنعه، أما هذا فقمع الكفر بعد وقوعه.
والكفر كما نعلم كفر صريح بالسلاح، وهذا له الجهاد، وكفر باطن وهذا أيضاً يجب أن يقمع، مثل أن يكون هذا الرجل متظاهراً بالإسلام لكن له أفكار رديئة ينشرها في الأمة، فهذا أيضا يجب على ولي الأمر أن يقمعه، ولا يجوز له أن يمكنه من كفره الذي ينشره في الأمة، وإن كان يتظاهر بالإسلام؛ وذلك لأنه إذا لم يقم بهذا انتشر الكفر واستشرى في الأمة من حيث لا يعلم.
وقد يقول قائل إذا كان هذا الرجل له فكر رديء يدعو إليه وأنتم تقولون: إن الإسلام يعطي كل إنسان حريته فأفسحوا المجال لكل من عنده رأي أو فكر يتكلم بما شاء، وإلا فقد كذبتم في دعواكم؟
ويجاب على هذا القائل بأن نقول: نعم، نحن نقول: إن الإسلام قد أعطى كل إنسان حريته، لكن ما هي الحرية الصحيحة؟ إن الحرية الصحيحة هي التحرر من قيود الشيطان، ومن قيود النفس الأمارة بالسوء، ولهذا فإن كل من خالف الشرع فإنه رقيق وليس بحر، والى هذا يشير ابن القيم ﵀ في بيت أرى أن يكتب بماء الذهب، يقول:
стр. 664
هربوا من الرق الذي خلقوا له ... وبلوا برق النفس والشيطان (١)
يعني أنهم تحرروا من الرق الذي خلقوا له، وهو الرق لله ، ولكنهم ابتلوا برق النفس والشيطان.
ونحن نقول لمن يطلب حريته في أن يقول ما يشاء: إننا إذا أعطيناك حريتك وقلت ما شئت من الكفر والفسوق والأخلاق الرديئة، فإنك قد بليت برق آخر وهو رق النفس والشيطان.
ولهذا نقول: إن قمع الكفر ولو تظاهر الإنسان بالإسلام من واجبات الإمام، وعلى هذا يجب على الإمام أن يجعل له نظراء ينظرون في كل ما يكتب في الصحب والمجلات، وكل ما ينشر في الاذاعات المسموعة والمرئية، وكل ما يذكر في الكتب والرسائل المؤلفة، فيجعل أمناء علماء بالشريعة ويوليهم الحق في النظر في كل ما ينشر في وسائل الإعلام، ويمنعوا كل شيء يدعو إلى الفسوق والمجون والكفر، وهذا يجب على الإمام.
اعلم أن معنى قولنا: يجب على الإمام كذا ليس حروفاً تكتب على ورق، بل هي مسؤولية عظيمة، يسأل عنها الإمام بين يدي الله ، لذا فعليه مسؤولية قمع الكفر بأنواعه وأشكاله.
стр. 665
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٧٤- وأخذ مال الفيء والخراج ... ونحوه والصرف في منهاج
ــ
الشرح
ثامناً: قال (وأخذ مال الفيء والخراج) أي ويعتني أيضاً بأخذ مال الفيء والخراج، وهذان مادة بيت المال، وبيت المال هو عبارة عن الخزانة التي تودع فيها أموال المسلمين، ومنها مال الفيء.
والفيء ما أفاء الله على المسلمين من أموال الكفار، وذلك أن المسلمين إذا اغتنموا غنيمة قسمت إلى خمسة أقسام، أربعة أقسام للغانمين، الذين جاهدوا وباشروا القتال، وتقسم بينهم، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، وللراكب بعير ونحوها سهمان.
والقسم الخامس يقسم أيضاً خمسة أقسام، ذكرها الله بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (الأنفال: الآية٤١) .
فهي خمس لله ورسوله ﷺ ، وهذا إلى بيت المال، وأربعة أخماس لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وذو القربى قيل: هم قرابة الإمام، وقيل: بل هم قرابة النبي ﷺ ، والصحيح الثاني.
وبناء على هذا التقسيم يكون مال الفيء بالنسبة للغنيمة جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً، وهذا يجعل لبيت المال في المصالح العامة.
стр. 666
والخراج هو: أن المسلمين إذا غنموا أرضاً - والغنائم إما عقارات وأراض وإما منقولة - وفتحوها بالسيف، وجلا أهلها عنها فإنها تكون للمسلمين، ويخير الإمام بين قسمها على ما سبق، أي تقسم خمسة أسهم، والخمس الخامس يقسم خمسة أسهم؛ وبين أن يقفها على المسلمين، فيجعلها وقفاً، ويضرب عليها خراجاً.
والخراج يعني الرزق، قال تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المؤمنون: ٧٢) والخراج: أن يجعل شيئاً معيناً من الدراهم مقابل مساحة معينة، وهذا الخراج يؤخذ من كل من تكون هذه الأرض بيده، سواء انتقلت بالميراث أو ببيع أو بغير ذلك.
وهذه الطريقة اختارها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الموفق للصواب، عندما قسمت خيبر، كما في الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال يا رسول الله: (إني أصبت أرضاً بخيبر، ولم يكن لي مال أنفس منها ... ) (١) ، لكن أرض الشام ومصر والعراق التي فتحت في عهد عمر، رأى ﵁ ألا تقسم بين الغانمين، قال: إذا قسمناها بين الغانمين انحصر نفعها بالغانمين، فيكون أربعة أخماس النفع، فرأى أنها تبقى بأيدي أهلها عامة، ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي بيده.
ونظير الخراج الأجرة كما لو كان لأحد بيت وأجَّره واحداً من الناس عشر سنوات كل سنة بمائة أي بمبلغ معين، فهذه الأجرة نظيرها الخراج.
ففي الخراج مثلاً؛ من أخذ من هذه الأرض مساحة كذا وكذا فعليه كذا
стр. 667
وكذا من الدراهم.
وتبقى الأرض بيدهم، وكل سنة تسلم الدراهم التي جعلت عليها إلى بيت المال، والمعنيُّ ببيت المال هو الإمام، ولهذا قال: (وأخذ مال الفيء والخراج) فهذا من مسؤوليات الإمام.
لكننا نعلم أنه الآن لم تعد توجد أرض خراجية يستخرج منها فقد تغيرت البلاد ومن عليها، لكن فيما سبق كانت موجودة، وتدر هذه الأرضي على بيت المال شيئاً كثيراً.
مسألة: هل يمكن في الخراج المضروب أن يزاد فيه أو هو ثابت؟
الجواب: اختلف العلماء ﵏ فيما وضعه عمر ﵁، فمنهم من قال: لا يزاد على ما وضعه عمر لأنه له سنة متبعة، وأما ما وضعه الخلفاء بعده فإنه لا باس أن يزاد أو ينقص عليه، والمرجع إلى رأي الإمام في هذه المسألة، فقد تكون الأراضي مثلاً مرتفعة الأسعار فيزيد في الخراج وقد تكون بالعكس فينقص.
ثم قال ﵀: (ونحوه) ، ونحوه بمعنى مثله، وهي كلمة واسعة عامة كثيرة، منها مثلاً: إذا مات ميت وليس له وارث، فإن ماله يذهب لبيت المال، والمعْني بذلك الإمام، وكذلك الأموال المجهول صاحبها، أي الضائعة ولم يعرف لها صاحب، فإنها أيضاً تكون لبيت المال، وهلم جرا، فهناك أموال كثيرة تدر على بيت المال، وبيت المال يُعنَى به الإمام، ويجب عليه أن يصرفه في مصالح المسلمين.
стр. 668
وقوله ﵀: (والصرف في منهاج) يعني وأيضاً هو يعتني بالصرف في منهاج، وما أثقل هذا، فالأخذ سهل على الإمام؛ فسهل أن يأخذ الخراج من الأراضي، وسهل أن يأخذ مال من مات وليس له وارث، كل هذا سهل، لكن الشاق هو الصرف في منهاج، أي الصرف في طريق شرعية، فصرف المال في طريق شرعي هذا من مسؤوليات الإمام.
فيجب على الإمام أن يصرف مال المسلمين في الطريق الصحيح النافع للمسلمين، فلا يكون جماعاً مناعاً دفاعاً؛ جماعاً للمال، مناعاً في بذله في الخير، دفاعاً في بذله في الشر، فهذا حرام. ((إن أقواماً يتخوضون في مال الله بغير حق، لهم النار يوم القيامة)) (١) .
فهذه مما يجب على الإمام من المسؤوليات العظيمة، وأكبر مسؤولية عليه فيما أرى من هذه الأشياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذا واجب في الحرب والسلم والأمن والخوف والرخاء والشدة، وواجب في كل قرية وفي كل مدينة وفي كل طريق، فلذلك نقول: إن مسؤوليات الإمام عظيمة نسأل الله أن يعين الأئمة على ما فيه الخير.
وهل هذه الإمامة شرط في العبادات بمعنى أنها لا تصح العبادات إلا بإمام؟ والجواب: لا، إلا عند الرافضة، فالرافضة يقولون: لا يمكن أبداً أن نصلي جماعة إطلاقاً حتى يأتي الإمام المنتظر، هذا الإمام الذي يدعون أنه اختفى في سرداب منذ مئات السنين.
стр. 669
وكل صباح يهيئون فرساً عليه راكب، معه رمح وخبز وعسل وماء، فيجلس عند هذا السرداب ينتظر خروج الإمام، فإذا خرج أفطر بالخبز والماء والعسل، ثم أخذ الرمح وركب الفرس، وسار في الأرض يملؤها عدلاً بعد أن ملئت جوراً، ويسمى هذا الإمام المنتظر.
فيقولون: لا يمكن أبداً أن نصلي جماعة ولا جمعة إلا إذا جاء هذا الإمام المنتظر، لكن في ظني أنه بعد أن جاء زعيمهم الذي أسس ولاية الفقيه غيَّر هذا الرأي، وقال: لا يمكن، أين الإمام المنتظر؟ لماذا لا نصلي جمعة ولا جماعة حتى يأتي! ، وصار يأمرهم أن يصلوا مع الجماعات والجمعات، وهذا طيب وتحول إلى حق والله المستعان.
стр. 670
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٧٥- ونصبه بالنص والإجماع ... وقهره فحل عن الخداع
ــ
الشرح
بعد أن ذكر المؤلف ﵀ الفوائد والمصالح من تنصيب الإمام ومسؤولياته، وأنه لا غنى للأمة عنه، ذكر في هذا البيت الأمور التي ينصب بها، وهي:
الأمر الأول: النص:
فإذا نص عليه الخليفة من قِبله فإنه يكون خليفة، ولا تجوز منازعته، ولا يحتاج إلى بيعة؛ لأن بيعته يغني عنها بيعة الأول، إذ أن بيعة الأول معناها التزام الناس بتصرف الأول، وإذا تصرف الأول هذا التصرف وقال: إن الإمام من بعدي أو الخليفة من بعدي فلان، فإنه يكون هو الخليفة دون أن يكون هناك مبايعة.
الأمر الثاني: الإجماع:
وهو إجماع أهل الحل والعقد على بيعته، كما أجمع أصحاب الشورى الستة الذين وضعهم عمر علي مبايعة عثمان بن عفان ﵁، فإذا أجمع أهل الحل والعقد على شخص ونصبوه إماماً، صار إماماً، لكن بشرط ألا يكون الخليفة الأول قد نص على شخص معين، فإن كان قد نص على شخص معين فلا كلام، لكن لو مات ولم ينص على أحد فإنه يجتمع أهل الحل والعقد، فإذا أجمعوا على أن فلانا هو الخليفة صار خليفة.
ولا يشترط أن يبايع كل فرد من الأمة، ولأن هذا شيء غير ممكن، ولهذا لم يبايع أبا بكر ﵁ إلا أهل الحل والعقد، ولم يرسل إلى كل