← Акыда

Акыда · id 9758

الولاء والبراء في الإسلام

محمد بن سعيد القحطاني

Полный текст (418 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٢﴾ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ [سورة الصف:١٠-١٣] . أما السنة النبوية فقد ورد فيها أحاديث كثيرة في فضيلة الجهاد نذكر منها قوله ﷺ (إن الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض (١) . وقال أيضاً (ما اغبرتا قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار) (٢) . وفي الصحيح: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد قال: لا أجده. قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ فقال ومن يستطيع ذلك (٣) . وفي السنن أنه ﷺ قال (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى) (٤) . والجهاد ذروة سنام الإسلام كما جاء ذلك في الحديث (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد) (٥) وقال أيضاً (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري (٦) ومسلم.

стр. 282

وفي مقابل هذا الثناء الجميل: ورد الذم للتاركين للجهاد، بل إن الله وصفهم بالنفاق ومرض القلوب فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة: ٢٤] . وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ﴿٢٠﴾ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ﴿٢١﴾ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴿٢٢﴾ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴿ [سورة محمد: ٢٠-٢٣] .

стр. 283

والجهاد ضرورة للدعوة وسنة ربانية في الابتلاء والتمحيص. قال تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿ [سورة آل عمران: ١٤٢] . ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾ [سورة التوبة: ١٦] . (إن الجهاد في سبيل الله هو طريق الدعوة إلى الله، والجهاد ليس ملابسة طارئة من ملابسات فترة الدعوة الأولى. وإنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه الدعوة، ولو كان الجهاد ملابسة طارئة في حياة الأمة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول الواسعة من صلب كتاب الله ولما استغرق فصولاً طويلة من سنة رسول الله ﷺ . (والله يعلم أن هذا المنهج الإلهي تكرهه الطواغيت، ويعلم أنه لا بد لأصحاب السلطان أن يقاوموه لأنه طريق غير طريقهم، ومنهج غير منهجهم، ليس بالأمس فقط ولكن اليوم وغداً، وفي كل أرض وفي كل جيل، وأن الله سبحانه يعلم أن الشر متبجح ولا يمكن أن يكون منصفاً، ولا يمكن أن يدع الخير ينمو مهما يسلك هذا من طرق سليمة موادعة فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطورة على الشر، ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل ولا بد أن يجنح الشر إلى العدوان، ولا بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولته قتل الحق وخنقه بالقوة هذه فطرة وليست حالة طارئة.. ومن ثم لابد من الجهاد.. لابد منه في كل صورة، ولا بد أن يبدأ في عالم الضمير ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع. ولا بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح، ولا بد من لقاء الباطل

стр. 284

المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة. إلا كان الأمر هزلاً لا يليق بالمؤمنين ولا بد من بذل الأموال والنفس كما طلب الله من المؤمنين) (١) . ويوم أدرك المسلمون معنى قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿ [سورة النساء: ٧٤] . انطلقت كتائب الفتح الإسلامي في الأرض تنشر الخير، وتلقن الإيمان وتكسر شوكة الطاغوت من أجل أن يعبد الله وحده في الأرض. ووجد في ذلك التاريخ المشرق نماذج رفيعة أجادت - بحق - صناعة الموت لأنها تريد الحياة الكريمة سواء كانت الحياة على هذه الأرض بالنصر وإعلاء كلمة الله. أم بالحياة عند الله ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ﴿ [سورة آل عمران: ١٦٩] . لقد كانت هذه النماذج الإيمانية تستبطئ أن تحول بينها وبين الجنة تمرات كما في قصة الصحابي الجليل عمير بن الحمام الأنصاري: (٢) حين سمع رسول الله ﷺ يقول في غزوة بدر (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) قال: يا رسول الله: جنة عرضها السموات والأرض! قال: نعم قال: بخ بخ قال

стр. 285

رسول الله: وما يحملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: (فإنك من أهلها) ثم أخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها ثم قاتلهم وهو يقول: ركضاً إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد فما زال يقاتل حتى قتل (١) . وهذا غسيل الملائكة الصحابي الجليل حنظلة بن أبي عامر يخرج من بيته حين سمع نداء الحرب في معركة أحد وكان حديث عهد بعرس لم يكن ليتأخر حتى يغتسل من جنابته، بل هرع إلى ساحة الوغى حتى لا يفوته الجهاد فلما قتل قال رسول الله ﷺ : (إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهيعة فقال النبي ﷺ لذلك تغسله الملائكة) (٢) . هذا غيض من فيض، ونقطة من بحر، من تلك البطولات التي بعث الإيمان فيها شجاعة خارقة للعادة وحنيناً إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة، تمثلوا الآخرة وتجلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم يرونها رأى العين، فطاروا إليها طيران الحمام الزاجل لا يلوي على شيء (٣) . هذا هو مفهوم الجهاد، وهؤلاء المؤمنون هم أصحاب الجهاد، ويلحق بهم من سار على نهجهم لأنهم يقاتلون في سبيل الله أما غيرهم فيقاتل في سبيل الطاغوت:

стр. 286

﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴿ [سورة النساء: ٧٦] . وليس ما يقوله المنهزمون اليوم هو الجهاد، بل إنه من الوجهة الصحيحة فساد. إنهم يدعون إلى عدم مقاتلة أولياء الشيطان، ويدعون إلى موالاتهم وإلى مودتهم وإلى الاستكانة إليهم وإلى تمييع نصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مقابل شبهات الملاحدة انهزموا وذلوا واستكانوا لأنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا يمثلون إلا اسماً مسمى، همهم التقليد الأعمى، وديدنهم الركض خلف كل ناعق ولو كان الأمر هكذا لهان الخطب لأنه لا عبرة بهم ففي أرض الله من يقوم بدين الله والله متكفل بذلك. ولكن أن يمتد جبنهم وذلتهم إلى الالتواء على النصوص القرآنية والسنة النبوية فيقال: إن الجهاد في الإسلام هو الدفاع فقط فهذا ما يجب أن نعريه، ولا نسكت عنه، مهما كانت ألقابهم ومهما كانت شهرتهم، فإن دين الله هو الحق والحق أحق أن يتبع ولست بحاجة إلى الإطالة في هذا فقد ذكرت في الفصول السابقة (١) مجموعة من العلماء الفضلاء في القديم والحديث تولوا تعرية هذا الفكر الغريب على التصور الإسلامي. فلتراجع في مظانها. وعوداً على بدء نقول: إنه لا حياة شريفة في ظل هذا الدين الحنيف إلا بالعودة إلى ينابيعه الصافية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفهم العقيدة الصحيحة وسيرة سلف الأمة وإدراك معنى لا إله إلا الله ومعنى العبادة ومعنى الدين، ومعنى الجهاد في سبيل الله. وليس في سبيل الأرض أو الوطن أو الجنس أو اللون أو الشخص أو.. أو.. الخ. وعلى المسلمين اليوم إدراك هذه المعاني والاستعلاء بأنفسهم وعقيدتهم من

стр. 287

تمييع المائعين وكيد الكائدين، وأن يواجهوا كل موقف بما يمليه عليهم كتاب ربهم وسنة نبيهم، وليعلموا أنهم مفتقرون إلى معية الله وولايته لهم وأن كيد الشيطان كان ضعيفاً. حكم التجسس على المسلمين جرت عادة المصنفين من العلماء أن يدرجوا الحديث عن الجاسوس في باب الجهاد. وذلك لحكمة هامة وهي أن التجسس أبرز ما يكون في موضوع كشف عورات المسلمين لأعدائهم خاصة وقت نشوب الحرب، فلذلك يأتون بالحديث عن الجاسوس، وأحكامه في ذلك الموضع ولذلك اقتديت بهم فأوردت هذا المبحث في فصل الجهاد. والتجسس خيانة عظمى، وكبيرة من الكبائر إذا فعله المسلم. وهو من صور موالاة الكفار التي يتراوح الحكم فيها بين الكفر المخرج من الملة إذا كان تجسسه حباً في انتصار الكفار وعلو شوكتهم على المسلمين وبين الكبيرة من كبائر الذنوب إذا كان لغرض شخصي أو دنيوي أو جاه أو ما أشبه ذلك. وقد حذر الله من ذلك في قصة حاطب بن أبي بلتعه (١) ﵁ في سورة الممتحنة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ

стр. 288

يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ ﴿ [سورة الممتحنة:١] . قال الطبري: لا يدعونكم أرحامكم وقراباتكم وأولادكم إلى الكفر بالله واتخاذ أعدائه أولياء تلقون إليهم بالمودة، فإنه لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم عند الله يوم القيامة لأنه سيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معاصيه والكفر به النار (١) . وروى البخاري في صحيحه بسنده عن على ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد بن الأسود وقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها) فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني امرءاً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي وما فعلت كفراً ولا ارتداداً ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ (قد صدقكم) فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال: (إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا

стр. 289

ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) (١) الآيات. قال العلامة ابن القيم: يؤخذ من هذه القصة جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلماً، لأن عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ قتل حاطب بن أبي بلتعة فلم يقل رسول الله ﷺ لا يحل قتله إنه مسلم بل قال: وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال (اعملوا ما شئتم) فأجاب بأن فيه مانعاً من قتله وهو شهوده بدراً. وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مثل هذا المانع. وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يقتل وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطب. والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم (٢) . وقال أيضاً: ومن فوائد هذه القصة: أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية، كما وقع الجس من حاطب مكفراً بشهوده بدراً، فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة وتضمنه من محبة الله لها ورضاه وفرحة بها، ومباهاته للملائكة بفاعلها: أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة، وتضمنه من بغض الله لها فغلب الأقوى على الأضعف، فأزاله وأبطل مقتضاه، وهذه حكمة الله في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات، الموجبين لصحة القلب ومرضه قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴿ [سورة هود: ١١٤] .

стр. 290

وقال: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴿ [سورة النساء: ٣١] . إلى أن قال قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر، وبذله نفسه مع رسول الله ﷺ وإيثاره الله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم ولم يثن ذلك عنان عزمه، ولا فل من حد إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء مرض الجس برزت إليه هذه القوة. وكان البحران (*) صالحاً فاندفع المرض وقام المريض كأن لم يكن به قلبه (**) ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسه وقهرته قال لمن أراد فصده: لا يحتاج هذا العارض إلى فصاد (وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال، اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وعكس هذا ذو الخويصرة التميمي (١) وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حد يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) (٢) . وقال (اقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم) (٣) . ومن له لب وعقل يعلم قدر هذه المسألة: وشدة حاجته إليها وانتفاعه بها، ويطلع منها على باب عظيم من أبواب معرفة الله سبحانه وحكمته في

стр. 291

خلقه وأمره وثوابه وعقابه، وأحكام الموازنة.. وتفاوت المراتب في ذلك بأسباب مقتضية بالغة ممن هو قائم على كل نفس بما كسبت (١) . والذي يظهر لي – والله أعلم – هو ما ذهب إليه مالك وابن عقيل من أصحاب أحمد وغيرهما أن الجاسوس المسلم يقتل لأن التعليل في قصة حاطب (تعليل بعلة مانعة من القتل منفية في غيره ولو كان الإسلام مانعاً من قتله لم يعلل بأخص منه، لأن الحكم إذ علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير وهذا أقوى والله أعلم) (٢) . ونزول الخطاب القرآني بقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) . يدل على دخول حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن في الآية ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة وأنه أبلغ بالمودة، فإن فاعل ذلك قد أضل سواء السبيل، لكن قوله ﷺ (صدقكم خلوا سبيله) ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمناً بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي، ولو كفر لما قيل (خلوا سبيله) (٣) . أما الجاسوس الكافر فهذا يجب قتله لأنه ﷺ قتل جاسوساً من المشركين. فعن أياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل فقال النبي ﷺ (اطلبوه واقتلوه) . فقتلته فنفله سلبه (٤) .

стр. 292

الفصل الرابع هجر أصحاب البدع والأهواء من تكاليف الولاء والبراء: هجر أصحاب البدع والأهواء والبراءة من معتقداتهم الفاسدة ونحلهم الباطلة. وقد تكلمت في الفصل الثالث من الباب الأول عن طرف من موقف السلف من هؤلاء المبتدعة، وذكرت هناك تعريف البدعة وتقسيمها إلى كفرية وغير كفرية. أما الحديث هنا فيأتي لبيان أن هجرتهم وعدم مخالطتهم والإنكار عليهم واجب من واجبات الولاء والبراء، ومقتضى من مقتضياته، لأن المنطلق في هذه القضية هو حب الله وحب ما يحبه وبغض من يبغضه أو يرتكب ما يبغضه. وفساد الدين إنما يأتي من إحدى طريقتين أو هما معاً: فإما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به وهو الخوض، أو يقع في العمل بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق. فالأول: البدع، والثاني: اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء. وبهما كذبت الرسل، وعصي الرب، ودخلت النار، وحلت العقوبات. لأن الفساد في الاعتقاد يأتي من جهة الشبهات والفساد في العمل يأتي من جهة الشهوات ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى فتنه هواه وصاحب دنيا أعجبته دنياه (١) .

стр. 293

ويقولون أيضاً: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فان فتنتهما فتنة لكل مفتون، لأن الأول يشبه المغضوب عليهم الذين يعملون الحق ولا يتبعونه، والثاني يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم (١) . وخطورة البدعة تكمن في أنها تناقض (الاستسلام لله وحده) كما قال بعض السلف: (قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم) (٢) وهي - كما قال الإمام سفيان الثوري - أحب إلى إبليس من المعصية، لأن البدعة لا يتاب منها، أما المعصية فيتاب منها. وذلك أن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسناً، فهو لا يتوب ما دام يراه حسناً، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه. فما دام يرى فعله حسناً - وهو سيئ في نفس الأمر - فإنه لا يتوب. ولكن التوبة ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق، كما هدى الله من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف أهل البدع والضلال، وذلك بأن يتبع من الحق ما علمه لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴿ (٣) [سورة محمد: ١٧] . وإذا انتشرت الجهالة بدين الرسل بين الناس، ونما زرع الجاهلية في نفوسهم: سارعت الطباع إلى الانحلال من ربقة الاتباع لأن النفس فيها نوع من الكبر فهي تحب أن تخرج من العبودية بحسب الإمكان كما قال أحد السلف: ما ترك أحد سنة إلا تكبر في نفسه (٤) وكما قلنا في الفصل الثاني من الباب الأول: أن العداوة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان أمر محتم وواقع فإن العداوة هنا بين المتبع والمبتدع تأخذ نفس المرتبة والشأن ولذلك قال الشوكاني: العداوة

стр. 294

بين المتبع والمبتدع أوضح من الشمس لأن المتبع يعادي المبتدع لبدعته، والمبتدع يعادي المتبع لاتباعه وكونه على الصواب. بل قد تبلغ عداوات أهل البدع لغيرهم من أهل الاتباع فوق ما تبلغه عداوتهم لليهود والنصارى (١) . وقبل أن نعرف كيفية البراءة من أهل البدع والأهواء لابد من إلمامة بسيطة ب كيفية مخالطة الناس وقد رأيت كلاماً حسناً لابن القيم ﵀. أوجزه فيما يلي فقد قسم ﵀ مخالطة الناس إلى أربعة أضرب (٢) : (١) من مخالطته كالغذاء، لا يستغنى عنه في اليوم والليلة، فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة ثم إذا احتاج خالطه. وهذا النوع أعز من الكبريت الأحمر، وهم العلماء بالله وأمره ومكايد عدوه، الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولخلقه. فهذا الضرب في مخالطتهم الربح كله. (٢) من مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض، فما دمت صحيحاً فلا حاجة لك فيه. وهم من لا يستغنى عن مخالطتهم في المعاش، وما يحتاج إليه من المعاملات والمشاركات فإذا قضيت حاجتك من مخالطته بقيت مخالطتهم من القسم الثالث وهم: (٣) من مخالطته كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه، فبعضهم كالداء العضال لا تربح عليه في دين ولا دنيا، بل تخسر معه الدين والدنيا أو أحدهما ومنهم من مخالطته كوجع الضرس يؤلمك فإذا فارقك سكن الألم ومنهم من مخالطته حمى الروح، وهو الثقيل البغيض العقل، الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، وإذا تكلم فكلامه كالعصى على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه، وظنه أنه كالمسك يطيب به المجلس وإن سكت فأثقل من نصف الرحى التي لا يطاق حملها، ولا جرها على الأرض، وإذا كان لابد من هذا الضرب فليعاشر بالمعروف حتى يجعل الله لك منه فرجاً ومخرجاً. (٤) من مخالطته فيها الهلاك كله، وهي بمنزلة أكل السم، فإن اتفق لآكله

стр. 295

ترياق (١) وإلا فأحسن الله فيه العزاء، وما أكثر هذا الضرب في الناس لاكثرهم الله، وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة رسول لله ﷺ الداعون إلى خلافها، والذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً فيجعلون البدعة سنة، والسنة بدعة والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، إن جردت التوحيد بينهم قالوا: تنقصت جناب الأولياء والصالحين، وإن جردت المتابعة لرسول الله ﷺ : أهدرت الأئمة المتبوعين وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله من غير غلو ولا تقصير قالوا أنت من المشبهين، وإن أمرت بما أمر الله به رسوله من المعروف ونهيت عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر قالوا: أنت من المفتنين، وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين، وإن انقطعت إلى رسول الله تعالى وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا: أنت من الملبسين، وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهوائهم فأنت عند الله من الخاسرين وعندهم من المنافقين! فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغل بأعتابهم ولا باستعتابهم ولا تبالي بذمهم، ولا بغضهم فإنه عين كمالك كما قال الشاعر: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل وعند الممات يحمد القوم التقى ... وفي الصباح يحمد القوم السرى انتهى من بدائع الفوائد. و موقف المسلم من أصحاب البدع والأهواء يختلف باختلاف ما هم عليه. فأما من كانت بدعته كفرية أو شركية فهذا يتبرأ منه ويهجر هجراً نهائياً وليس له أي موالاة بل البراءة منه كالبراءة من الكافر الأصلي أو المشرك. ومثال ذلك من أحدث حدثاً في الإسلام، أو آوى محدثاً ونصره وأعانه كما جاء في الحديث (من أحدث حدثاً أو آي محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (٢) . وقال ابن القيم: (ومن أعظم الحدث تعطيل كتاب الله وسنة

стр. 296

رسوله وإحداث ما خالفهما، ونصر من أحدث ذلك والذب عنه، ومعاداة من دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ (١) وأما من كانت بدعته دون ذلك أي من المعاصي والذنوب التي لا تصل إلى حد الكفر أو الشرك فهذه تختلف أيضاً باختلاف الأشخاص والأزمان. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستقيم إلا بالبصيرة والمعرفة التامة وأقل الأحوال إذا لم يحصل للعبد ذلك: أن يقتصر على نفسه كما قال ﷺ : (إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك) (٢) . فإذا رأى المسلم من يعمل شيئاً من المعاصي: أبغضه على ما فيه من الشر، وأحبه على ما فيه من الخير - كما ذكرنا ذلك في معتقد أهل السنة في أول البحث - ولا يجعل بغضه على ما معه من الشر قاطعاً وقاضياً على ما معه من الخير فلا يحبه، بل إن كان بغضه له يزجره ذلك ولا يرتدع هو وأمثاله راعى فيه الإصلاح، لأن النبي ﷺ هجر من علم أن الهجر يزجره ويردعه، وقبل معذرة من علم أن الهجر لا ينجع فيه شيئاً ووكل سرائرهم إلى الله) (٣) . وعلى أي حال فإنه ينبغي للمسلم أن لا يخالط أهل البدع والفجور وسائر المعاصي، إلا على وجه يسلم به من عذاب الله ، وأقل ذلك أن يكون منكراً لظلمهم، ماقتاً لهم، شائناً ما هم فيه بحسب الإمكان كما في الحديث، (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (٤) .

стр. 297

والهجر الشرعي نوعان: الأول: بمعنى الترك للمنكرات. والثاني: بمعنى العقوبة عليها. فالأول هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴿ [سورة الأنعام: ٦٨] . وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ﴿ [سورة النساء: ١٤٠] . وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات كما قال ﷺ "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (١) ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿ [سورة المدثر: ٥] . أما النوع الثاني وهو الهجر على وجه التأديب: فهو هجر من يظهر المنكرات حتى يتوب منها كما هجر النبي ﷺ والمسلمون "الثلاثة الذين خلفوا" (٢) حتى أنزل الله توبتهم.

стр. 298

وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يقضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر. وقد كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين. وإذا عرف هذا فالهجر يجب أن يكون خالصاً لله وموافقاً لأمره، لأن من هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمور به كان خارجاً عن هذا الأصل، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله (١) . والهجر من باب "العقوبات الشرعية" فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، والمؤمن عليه أن يعادي في الله، ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴿ [سورة الحجرات: ٩-١٠] .

стр. 299

فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي (١) . ومما ينبغي التنويه به: " أن هذا الهجران والتبري والمعاداة لأهل البدع المخالفين في الأصول. أما الاختلاف في الفروع بين العلماء فاختلاف رحمة أراد الله أن لا يكون على المؤمنين حرج في الدين، فذلك لا يوجب الهجران والقطعية، لأن الاختلاف كان بين أصحاب رسول الله ﷺ إخواناً مؤتلفين، رحماء بينهم، وتمسك بقول كل فريق منهم طائفة من أهل العلم بعدهم، وكل في طلب الحق، وسلوك سبيل الرشد مشتركون " (٢) . كلمات للسلف في الاتباع والنهي عن الابتداع سلف الأمة ﵏ كانوا حريصين على الوقوف عند كتاب الله العزيز وسنة نبيه ﷺ وكانوا يمقتون من يخرج عن هذين المصدرين الأصليين. وقد كثر كلامهم في هذا ولكني أورد بعض هذه الكلمات القيمة لما لها من أثر في تزويد المؤمن بالثبات على ما ثبتوا عليه. قال الإمام مالك ﵀: " من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴿ [سورة المائدة: ٣] . فما لم يكن يؤمئذ ديناً لا يكون ديناً" (٣) وقال ابن مسعود ﵁: ستجدون قوماً يدعونكم إلى كتاب الله وقد

стр. 300

نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق وعليكم بالعتيق (١) . وقال أبو العالية الرياحي: تعلموا الإسلام فإذا علمتوه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإن الصراط المستقيم: الإسلام، ولا تحرفوه يميناً ولا شمالاً، وعليكم بسنة نبيكم وأصحابه (٢) . وقال الشافعي ﵀: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب - ما خلا الشرك - خير من أن يلقاه بشيء من الهوى (٣) . وقيل لسفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم فقال: أنسيت قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴿ (٤) . [سورة البقرة: ٩٣] . ولذلك قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون (٥) . وقال ابن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " (٦) . حقاً، لقد كفينا فكتاب الله واضح وجلي، وسنة رسوله ﷺ واضحة ومفصلة وشارحة لكتاب الله، وسيرة سلفنا الصالح محفوظة لدينا وما علينا إلا اتباع الكتاب والسنة والبعد عن كل مبتدع ودخيل، وإذا فعلنا ذلك كنا أمة متميزة لها شخصيتها المستقلة التي لا تجاري أصحاب الأهواء والآراء البشرية الناقصة.

стр. 301

وما تبعت أمة داعي كل ناعق إلا تردت في مهاوي الجهل والظلام والله يريد لعباده المؤمنين النور والصلاح والفلاح وكل ذلك في الإسلام وحده وما عداه فجاهلية وضلال. أعاذنا الله من ذلك.

стр. 302

الفصل الخامس انقطاع التوارث والنكاح بين المسلم والكافر من حرص الإسلام على تميز المسلم وقطع العلائق والوشائج التي قد ترده عما أراده الله له: قطع التوارث بين المسلم وقريبه الكافر، وكان هذا التكليف من مقتضيات الولاء والبراء في التصور الإسلامي. ولكن ذلك جاء بعد الأمر للنبي ﷺ بالجهاد، فقد كان ﷺ كما يذكر ابن القيم - قبل أن يفرض الجهاد يقر الناس على ما هم عليه في الأنكحة ويدعوهم إلى الإسلام، وكانت المرأة تسلم وزوجها كافر فلا يفرق الإسلام بينهما حتى صلح الحديبية وبعد هذا الصلح نزل تحريم المسلمة على الكافر (١) . قال تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴿ [سورة الممتحنة: ١٠] . وقال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴿نفس الآية لقد آن أن تقطع المفاصلة الكاملة وأن يستقر في ضمير المؤمنين والمؤمنات كما

стр. 303

يستقر في واقعهم: أن لا رابطة إلا رابطة الإيمان، وأن لا وشيجة إلا وشيجة العقيدة، وأن لا ارتباط إلا بين الذين يرتبطون بالله (١) . وجاء التحريم أيضاً في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون﴾ [سورة البقرة: ٢٢١] . قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: ﵀ في قوله تعالى: "ولا تنكحوا المشركات" هذه عامة في جميع النساء المشركات، وخصصتها آية المائدة في إباحة نساء أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ﴿ [سورة المائدة: ٥] . أما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ ﴿فهذا عام لا تخصيص فيه.

стр. 304

وذكر سبحانه العلة والحكمة في تحريم نكاح المسلم أو المسلمة لمن خالفهما في الدين فقال (أولئك يدعون إلى النار) أي في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم فمخالطتهم على خطر منهم: بل إنه الشقاء الأبدي (١) . ونكاح المسلم للكتابية مجمع عليه - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - من السلف والخلف ولكن يروى عن ابن عمر أنه كره نكاح النصرانية وقال: لا أعلم شركاً أعظم ممن تقول إن ربها عيسى ابن مريم (٢) ، ولكن الجواب على ذلك من ثلاثة أوجه: (١) أن أهل الكتاب لم يدخلوا في المشركين بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴿ [سورة البقرة: ٦٢] . فإن قيل قد وصفوا بالشرك بقوله: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ [سورة التوبة: ٣١] . قيل: أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك، لأن الله بعث الرسل

стр. 305

بالتوحيد، ولكن النصارى ابتدعوا الشرك وما دام أنه ميزهم عن المشركين فلأن أصل دينهم اتباع الكتب المنزلة. (٢) أن يقال: آية البقرة عامة وآية المائدة خاصة. والخاص يقدم على العام. (٣) أن يقال آية المائدة ناسخة لآية البقرة لأن المائدة نزلت بعد البقرة باتفاق العلماء (١) . والذي يظهر لي. والله أعلم - أن الجواب الأول من الأجوبة الثلاثة التي ذكرها شيخ الإسلام غير مسلم به، مع التسليم بأن أصل دينهم التوحيد، ولكنهم نقضوا هذا الأصل والعبرة بالخواتيم. أما الجواب الثاني والثالث فهذا الذي ذهب إليه كثير من أهل العلم (٢) . وأما انقطاع التوارث بين المسلم والكافر فهذا أيضاً من التكليف، والمقتضيات للولاء والبراء دليل ذلك قوله ﷺ (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) متفق عليه (٣) . والسبب في ذلك: أن التوارث يتعلق بالولاية. ولا ولاية بين المسلم والكافر لقوله تعالى ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴿ (٤) . قال البغوي: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم: أن الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر لقطع الولاية بينهما، إلا ما روي عن معاذ أنهما قالا: المسلم يرث الكافر، ولا يرثه الكافر، وحكي ذلك عن إبراهيم النخعي، كما أن المسلم ينكح الكتابية ولا ينكح الكافر المسلمة، وبه قال إسحاق بن راهويه (٥) .

стр. 306

أما المرتد: فلا يرث أحداً. ولا كافراً ولا مرتداً. واختلفوا في ميراثه: فذهب جماعة: إلى أنه لا يورث منه بل ماله فيء. وهذا قول مالك والشافعي. وذهب جماعة: إلى أن ميراثه لأقاربه المسلمين وهو قول الحسن والشعبي وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد. وذهب بعضهم: إلى أن ما اكتسبه بعد الردة فيء وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة (١) . إن الإسلام دين عزة وعفة وقوة يرتفع بالمسلم أن تبقى نفسه معلقة بأطماع قاصرة لا تتفق مع مبدأ هذا الدين وتميزه وسمو تشريعه. بل إنه ليقطع كل ما من شأنه أن يثبط المسلم أو يغريه بالتذبذب في دينه أو بالنفاق. ولذلك قطع النكاح من الكافر لئلا يكون له سلطة على المسلمة، فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وقطع النكاح من الكافرة لأنها سبب خطير في (جرف) زوجها إلى ملتها وتنشئة الأطفال على مبدأ الكفر والشرك. وقطع التوارث بين المسلم والكافر حتى يبقى المسلم مصوناً من المال الحرام لأن صاحبه الكافر رضي بالحرام وترك شريعة الله الحلال شريعة الإسلام. وما دام أنه قد انقطع التناصر والولاء الإيماني بين المسلم والكافر فلأن يقطع النكاح والتوارث من باب أولى لتخلص نفس المسلم لله رب العالمين وتصبح حياته ومماته كلها قائمة على منهج الله القويم وشرعه الحكيم. وبهذا يكون التميز الكامل متحققاً في حياة المسلم فهو لا يعبد إلا الله، ومن ثم فلا يتلقى إلا من الله، ولا يرجو ولا يطلب الرزق إلا من الله. ولا يسير في أمر يسير أو كبير إلا بحسب ما أراده الله وهذا هو معنى الاستسلام لله. والطاعة والانقياد له.

стр. 307

الفصل السادس النهي عن التشبه بالكفار والحرص على حماية المجتمع الإسلامي الدين الإسلامي ليس حريصاَ على تميز المسلمين في المضمون فحسب وإنما حتى في المظهر العام للمسلم في نفسه وللمجتمع الإسلامي في عمومه. ولذلك كان النهي عن التشبه بالكفار أحد التكاليف الربانية لهذه العقيدة. وقد حفل الكتاب والسنة بأدلة كثيرة حول هذه القضية. لأن التشبه بالكفار في الظاهر يورث التشبه بهم في العقيدة أو مودتهم، ومسايرتهم وموافقتهم على هواهم مما يحدث التميع في حياة المسلم ويجعله إمعة يتبع كل ناعق، والله يريد له العزة والكرامة. وإذا تمعنا في طريقة التربية القرآنية: وجدنا أن الإسلام ربى المسلمين على العقيدة الصحيحة فترة طويلة قبل نزول التكاليف، فلما رست جذور هذه الشجرة المباركة في النفوس جاءت التكاليف واحداً إثر الآخر مما جعل المسلمين يترقون في هذا السلم التربوي الإيماني إلى الذروة. من هنا جاء النهي عن التشبه بالكفار في العهد المدني. وذلك بعد الجهاد من أجل صيانة وحماية المجتمع الإسلامي من كل دخيل، وحرصاً على بناء الشخصية الإسلامية الفريدة. فكما أن هذه العقيدة فريدة في مضمونها وجوهرها فهي أيضاً فريدة في شكلها ومظهرها. لذا وجب على صاحبها أن يكون متميزاً بعد أن أخرجه الله من الظلمات إلى النور. وتجتاح العالم الإسلامي اليوم موجة من التبعية الجارفة في كل شيء، ومن ذلك التشبه بالغرب الكافر من قبل ضعاف الإيمان الذين يرون أن ذلك الفعل هو سبيل التقدم والرقي!

стр. 308

وفي هذا يقول الأستاذ محمد أسد ( ... وإن السطحيين من الناس فقط ليستطيعوا أن يعتقدوا أنه من الممكن تقليد مدنية ما في مظاهرها الخارجية من غير أن يتأثروا في الوقت نفسه بروحها. "إن المدنية ليست شكلاً أجوف فقط، ولكنها نشاط حي. وفي اللحظة التي نبدأ فيها. بتقبل شكلها تأخذ مجاريها الأساسية ومؤثراتها الفعالة تعمل فينا، ثم تخلع على اتجاهنا العقلي كله شكلاً ولكن ببطء ومن غير أن نلحظ ذلك. ولقد قدر الرسول ﷺ هذا الاختيار حق قدره حينما قال: " من تشبه بقوم فهو منهم" (١) . وهذا الحديث المشهور ليس إيماءة أدبية فحسب، بل تعبير إيجابي يدل على أن لا مفر من أن يصطبغ المسلمون بالمدنية التي يقلدونها؟ "ومن هذه الناحية قد يستحيل أن نرى الفرق الأساسي بين "المهم" وبين غير المهم في نواحي الحياة الاجتماعية وليس ثمة خطأ أكبر من أن نفترض أن اللباس - مثلاً - شيء خارجي بحت وأن لا خوف منه على "حياة الإنسان" العقلية والروحية. إنه على وجه العموم نتيجة تطور طويل الأمد لذوق شعب ما في ناحية معينة وزي هذا اللباس يتفق مع الإدراك االبديعي لذلك الشعب ومع ميوله. لقد تشكل هذا الزي ثم ما فتىء يبدل أشكاله باستمرار حسب التبدل الذي طرأ على خصائص ذلك الشعب وميوله. وبلبس الثياب الأوربية يوفق المسلم من غير شعور ظاهر بين ذوقه والذوق الأوربي ثم يشوه "حياته" العقلية بشكل يتفق نهائياً مع اللباس الجديد وبعمله هذا يكون (المسلم) قد تخلى عن الإمكانيات الثقافية لقومه، وتخلى عن ذوقهم التقليدي، وتقبل لباس العبودية العقلية الذي خلعته عليه المدنية الأجنبية. " إذا حاكى المسلم أوروبة في لباسها، وعاداتها وأسلوب حياتها فإنه يتكشف عن أنه يؤثر المدنية الأوربية، مهما كانت دعواه التي يعلنها، وإنه لمن المستحيل عملياً أن تقلد مدنية أجنبية في مقاصدها العقلية والبديعية من غير إعجاب

стр. 309

بروحها، وإنه لمن المستحيل أن تعجب بروح مدنية مناهضة للتوجيه الديني، وتبقى مع ذلك مسلماً صحيحاً. " إن الميل إلى تقليد التمدين الأجنبي نتيجة الشعور بالنقص هذا ولا شيء سواه، ما يصاب به المسلمون الذين يقلدون المدنية الغربية " (١) و أصل المشابهة: أن الله جبل بني آدم - بل سائر المخلوقات - على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر: كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم. والمشاركة بين بني الإنسان أشد تفاعلاً فلأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم فاكتسب بعضهم، أخلاق بعض بالمشاركة والمعاشرة. والمشابهة في الأمور الظاهرة: توجب مشابهة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام (٢) . ثم إن المشاركة في الهدي الظاهر: توجب مناسبة وائتلافاً وإن بعد المكان والزمان وهذا أمر محسوس، بل إنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر. وإذا كانت المشابهة في الأمور الدنيوية تورث المحبة والموالاة فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ نعم. إنها تقتضي إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد. والمحبة لهم تنافي الإيمان كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ

стр. 310

وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ [سورة المائدة: ٥١] . وثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم (١) . وهنا لابد أن نورد بعض النصوص الكثيرة والمستفيضة من الكتاب والسنة التي نهت عن مشابهة الكفار واتباع أهوائهم. منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴿١٨﴾ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴿ [سورة الجاثية: ١٨-١٩] . يقول في تفسيرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: جعل الله محمداً ﷺ على شريعة من الأمر شرعها له وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته. وأهواءهم: هي ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك، فموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض الأمور ويسرون بذلك. ولو فرض أن الفعل ليس من اتباع أهوائهم: فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك

стр. 311

أحسم لمادة متابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها (١) . ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير ﴿ [سورة البقرة: ١٢٠] . فانظر كيف جاء في الخبر "ملتهم" وفي النهي "أهواءهم" لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقاً. والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين: نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه (٢) وممن الأدلة القرآنية أيضاً ما ورد في سورة البقرة بخصوص تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿ [سورة البقرة: ١٤٥] .

стр. 312

إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿ [سورة البقرة: ١٥٠] . قال غير واحد من السلف: معناه لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة فيقولوا: قد وافقونا في قبلتنا فيوشك أن يوافقونا في ديننا. فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، وبين سبحانه أن من حكمة فسخ القبلة وتغييرها: مخالفة الكافرين في قبلتهم ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، وهذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة فإن الكافر إذا اتبع في شيء من أمره كان له من الحجة مثل ما كان – أو قريب مما كان – لليهود من الحجة في القبلة (١) . ومن الأدلة القرآنية أيضاً الدالة على النهي عن التشبه بهم في أي حال وأي وضع قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿ [سورة يونس: ٨٩] . وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿ [سورة الأعراف: ١٤٢] . وقال ﵎: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ

стр. 313

غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ﴿ [سورة النساء: ١١٥] . كل ذلك يدل على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع (١) أما السنة النبوية فورد فيها نصوص كثيرة في هذا الموضوع ومن ذلك: قوله ﷺ " من تشبه بقوم فهو منهم " (٢) . وفي هذا الحديث يقول ابن تيمية: إسناده جيد وأقل أحواله: أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴿ [سورة المائدة: ٥١] . وهو نظير ما قاله عبد الله بن عمرو: " من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة " (٣) . فقد يحمل هذا على التشبه المطلق الذي يوجب الكفر.. وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفراً أو معصية أو شعاراً للكفر أو المعصية: كان حكمه كذلك. أما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضاً، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبهاً نظراً. لكن قد ينهى عن هذا لئلاً يكون ذريعة إلى التشبه ولما فيه من المخالفة (٤) . ومن الأدلة النبوية أيضاً قوله ﷺ "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم" قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ (٥) . وفي الصحيح أيضاً: عن ابن عمر: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على

стр. 314

الحجر – أرض ثمود – فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة (١) . ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها "ذات أنواط" قال بعض الناس: يا رسول الله: اجعل ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال ﷺ " الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم " (٢) . فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه؟ (٣) . أيهما أعظم – يا ترى – شجرة يعلق عليها سلاح نهي عنها لأن فيها اقتداء بفعل الكفار أم نظام حياة فيه التشريع والتحليل والتحريم والإلزام والعقوبة على المخالفة. ومن الأحاديث الواردة في النهي عن التشبه قوله ﷺ "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " (٤) . وقوله ﷺ " خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم " (٥) وقوله ﷺ " ليس منا من تشبه بغيرنا" (٦) .

стр. 315

إن هذه النصوص وغيرها تهدف إلى سد الذرائع لأن المشابهة في الظاهر ذريعة إلي الموافقة في القصد والعمل (١) . ولكن هناك حالات معينة قد تجعل المسلم يشارك الكفار في الهدي الظاهر ف متى تكون الموافقة ومتى تكون المخالفة ؟ يجيب على ذلك شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ﵀ بقوله: إن المخالفة لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار ولما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء فإنه لم يشرع لهم المخالفة، فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك. ومثل ذلك اليوم - هذا كلام الشيخ في عصره فكيف بالعصور التالية؟! - لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب: لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر. بل يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية: ففيها شرعت المخالفة. وإذا ظهرت الموافقة والمخالفة لهم باختلاف الزمان: ظهرت حقيقة الأحاديث (٢) في هذا. وقد ذكر العلماء ﵏ قاعدة جليلة عليها مدار الشرع وإليها مرجع الخلق والأمر - كما يقول ابن القيم - وهي: إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما، وإن فاتت المصلحة التي هي دونها، والدخول في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها. فيفوت مصلحة لتحصيل ما هو أكبر منها، ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها (٣)

стр. 316

ولكن مع هذا يجب أن يحذر المسلم فإن هذا أمر لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة رسول الله ﷺ ، وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله، وأحبها إليه، وأرضاها له (١) . وإذا أردنا أن نعرف تفصيل مخالفة أهل الكتاب وجدنا أن ذلك يندرج تحت ثلاثة أقسام: ... (٢) (١) ما كان مشروعاً في الشريعتين، أو ما كان مشروعاً لنا وهم يفعلونه كصوم يوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع المخالفة في صفة ذلك العمل كما سن لنا صوم تاسوعاء، وعاشوراء، وكما أمرنا بتعجيل الفطر والمغرب مخالفة لأهل الكتاب، وكذلك تأخير السحور مخالفة لهم، والصلاة في النعلين مخالفة لليهود وهذا كثير في العبادات وكذلك في العادات. (٢) ما كان مشروعاً ثم نسخ بالكلية كالسبت، أو إيجاب صلاة أو صوم، ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا. وكذلك الأمر في أعيادهم، لأن الأعياد المشروعة يشرع فيها وجوباً أو استحباباً من العبادات ما لا يشرع في غيرها كالصلاة أو الذكر أو الصدقة أو النسك ويباح فيها أو يستحب أو يجب من العادات التي للنفوس فيها حظ ما لا يكون في غيرها كذلك كالتوسع في الطعام واللباس. ولهذا وجب علينا فطر العيدين وقرن بالصلاة في أحدهما الصدقة وقرن بها في الآخر الذبح وكلاهما من أسباب الطعام فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات أو العادات أو كلاهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع الأصل. ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة ... وفي القسم الأول قد لا تكون إلا مكروهة. (٣) ما أحدثوه من العبادات أو العبادات أو كليهما، فهذا أقبح وأقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحاً، فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط؟ بل أحدثه الكافرون؟ فالموافقة فيه ظاهرة القبح. فهذا أصل.

стр. 317

وأصل آخر: وهو أن كل ما يتشابهون فيه من عبادة أو عادة أو كليهما هو من المحدثات في هذه الأمة ومن البدع إذ الكلام فيما كان من خصائصهم وأما ما كان مشروعاً لنا وقد فعله سلفنا السابقون فلا كلام فيه. ونخلص إلى القول: أن حكم الموافقة في الأول مكروهة وفي الثاني محرمه وفي الثالث أشد حرمة. ما بين التشبه والولاء من علاقة من نافلة القول: أن الشارع ما ترك خيراً إلا دل الأمة عليه، وما ترك شراً إلا حذر الأمة عنه. وحين أمر الشارع الحكيم بمخالفة الكفار - في الهدي الظاهر - فإن ذلك لحكم جليلة (١) منها: (١) إن المشاركة في الهدي الظاهر: تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال. وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب الجند المقاتلة - مثلاً - في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه مقتضياً لذلك، إلا أن يمنعه من ذلك مانع. (٢) إن المخالفة في الهدي الظاهر: توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال. والانعطاف إلى أهل الهدي والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين. وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام - لست أعني مجرد التوسم به ظاهراً، أو باطناً بمجرد الاعتقادات التقليدية من حيث الجملة - كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطناً أو ظاهراً أتم. وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.

стр. 318

(٣) إن مشاركتهم في الهدي الظاهر: توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التمييز ظاهراً بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية. هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحاً محضاً، لو تجرد عن مشابهتهم. فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالتهم ومعاصيهم. وهذا أصل ينبغي أن يتفطن إليه (١) . مثال واحد من مشابهة اليهود والنصارى (العيد) العيد مظهر مميز للأمة، ومن هنا اخترته مثالاً واحداً من أمثلة التشبه باليهود والنصارى، وقد وردت الأدلة الكثيرة المحرمة للتشبه بهم في هذا الشأن من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار (٢) . أما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ [سورة الفرقان: ٧٢] . قال مجاهد في تفسيرها إنها أعياد المشركين وكذلك قال مثله الربيع بن أنس

стр. 319

والقاضي أبو يعلى والضحاك (١) . وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور لا مجرد شهوده؟ ومن السنة: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ " إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر " رواه أبو داود (٢) وأحمد والنسائي على شرط مسلم. ووجه الدلالة: أن اليومين الجاهلين لم يقرهما رسول الله ﷺ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة بل قال " إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما.." والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه. وهذه العبارة لا تستعمل إلا فيها ترك اجتماعهما كقوله تعالى: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظلمين بدلا﴾ [سورة الكهف: ٥٠] . وقوله ﷺ "خيراً منهما " يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية. والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود والنصارى وأخبروا إن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر عند اخترام أنفس المؤمنين عموماً، ولو لم يكن أشد منه فإنه مثله على ما لا يخفى، إذ الشر الذي له فاعل موجود يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضي له قوي (٣) .

стр. 320

أما الإجماع: فما هو معلوم من السير أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية يفعلون أعيادهم التي لهم، ومع ذلك لم يكن على عهد السلف من المسلمين من يشركهم في شيء من ذلك. وكذلك ما فعله عمر بخصوص أهل الذمة - سيأتي ذكر ذلك قريباً - وما اتفق عليه الصحابة والفقهاء أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وإذا كان هذا اتفاقهم فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ أو ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها مظهراً لها؟ وقد قال عمر ﵁: " إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم فإن السخطة تتنزل عليهم" رواه أبو الشيخ الأصبهاني ورواه البيهقي بإسناد صحيح (١) . وأما الاعتبار: فالأعياد من جملة الشرع، والمناهج والمناسك التي قال الله فيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴿ [سورة المائدة: ٤٨] . فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد: موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه: موافقة في بعض شعب الكفر، بل إن الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره. ولا ريب: أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة (٢) . ثم إن عيدهم من الدين الملعون هو وأهله، فموافقتهم فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه. ومن أوجه الاعتبار أيضاً: أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل
следующие страницы →