← Акыда

Акыда · id 9758

الولاء والبراء في الإسلام

محمد بن سعيد القحطاني

Полный текст (418 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولكن مع هذا يجب أن يحذر المسلم فإن هذا أمر لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة رسول الله ﷺ ، وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله، وأحبها إليه، وأرضاها له (١) . وإذا أردنا أن نعرف تفصيل مخالفة أهل الكتاب وجدنا أن ذلك يندرج تحت ثلاثة أقسام: ... (٢) (١) ما كان مشروعاً في الشريعتين، أو ما كان مشروعاً لنا وهم يفعلونه كصوم يوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع المخالفة في صفة ذلك العمل كما سن لنا صوم تاسوعاء، وعاشوراء، وكما أمرنا بتعجيل الفطر والمغرب مخالفة لأهل الكتاب، وكذلك تأخير السحور مخالفة لهم، والصلاة في النعلين مخالفة لليهود وهذا كثير في العبادات وكذلك في العادات. (٢) ما كان مشروعاً ثم نسخ بالكلية كالسبت، أو إيجاب صلاة أو صوم، ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا. وكذلك الأمر في أعيادهم، لأن الأعياد المشروعة يشرع فيها وجوباً أو استحباباً من العبادات ما لا يشرع في غيرها كالصلاة أو الذكر أو الصدقة أو النسك ويباح فيها أو يستحب أو يجب من العادات التي للنفوس فيها حظ ما لا يكون في غيرها كذلك كالتوسع في الطعام واللباس. ولهذا وجب علينا فطر العيدين وقرن بالصلاة في أحدهما الصدقة وقرن بها في الآخر الذبح وكلاهما من أسباب الطعام فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات أو العادات أو كلاهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع الأصل. ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة ... وفي القسم الأول قد لا تكون إلا مكروهة. (٣) ما أحدثوه من العبادات أو العبادات أو كليهما، فهذا أقبح وأقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحاً، فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط؟ بل أحدثه الكافرون؟ فالموافقة فيه ظاهرة القبح. فهذا أصل.

стр. 317

وأصل آخر: وهو أن كل ما يتشابهون فيه من عبادة أو عادة أو كليهما هو من المحدثات في هذه الأمة ومن البدع إذ الكلام فيما كان من خصائصهم وأما ما كان مشروعاً لنا وقد فعله سلفنا السابقون فلا كلام فيه. ونخلص إلى القول: أن حكم الموافقة في الأول مكروهة وفي الثاني محرمه وفي الثالث أشد حرمة. ما بين التشبه والولاء من علاقة من نافلة القول: أن الشارع ما ترك خيراً إلا دل الأمة عليه، وما ترك شراً إلا حذر الأمة عنه. وحين أمر الشارع الحكيم بمخالفة الكفار - في الهدي الظاهر - فإن ذلك لحكم جليلة (١) منها: (١) إن المشاركة في الهدي الظاهر: تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال. وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب الجند المقاتلة - مثلاً - في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه مقتضياً لذلك، إلا أن يمنعه من ذلك مانع. (٢) إن المخالفة في الهدي الظاهر: توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال. والانعطاف إلى أهل الهدي والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين. وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام - لست أعني مجرد التوسم به ظاهراً، أو باطناً بمجرد الاعتقادات التقليدية من حيث الجملة - كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطناً أو ظاهراً أتم. وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.

стр. 318

(٣) إن مشاركتهم في الهدي الظاهر: توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التمييز ظاهراً بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية. هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحاً محضاً، لو تجرد عن مشابهتهم. فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالتهم ومعاصيهم. وهذا أصل ينبغي أن يتفطن إليه (١) . مثال واحد من مشابهة اليهود والنصارى (العيد) العيد مظهر مميز للأمة، ومن هنا اخترته مثالاً واحداً من أمثلة التشبه باليهود والنصارى، وقد وردت الأدلة الكثيرة المحرمة للتشبه بهم في هذا الشأن من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار (٢) . أما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ [سورة الفرقان: ٧٢] . قال مجاهد في تفسيرها إنها أعياد المشركين وكذلك قال مثله الربيع بن أنس

стр. 319

والقاضي أبو يعلى والضحاك (١) . وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور لا مجرد شهوده؟ ومن السنة: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ " إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر " رواه أبو داود (٢) وأحمد والنسائي على شرط مسلم. ووجه الدلالة: أن اليومين الجاهلين لم يقرهما رسول الله ﷺ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة بل قال " إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما.." والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه. وهذه العبارة لا تستعمل إلا فيها ترك اجتماعهما كقوله تعالى: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظلمين بدلا﴾ [سورة الكهف: ٥٠] . وقوله ﷺ "خيراً منهما " يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية. والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود والنصارى وأخبروا إن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر عند اخترام أنفس المؤمنين عموماً، ولو لم يكن أشد منه فإنه مثله على ما لا يخفى، إذ الشر الذي له فاعل موجود يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضي له قوي (٣) .

стр. 320

أما الإجماع: فما هو معلوم من السير أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية يفعلون أعيادهم التي لهم، ومع ذلك لم يكن على عهد السلف من المسلمين من يشركهم في شيء من ذلك. وكذلك ما فعله عمر بخصوص أهل الذمة - سيأتي ذكر ذلك قريباً - وما اتفق عليه الصحابة والفقهاء أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وإذا كان هذا اتفاقهم فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ أو ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها مظهراً لها؟ وقد قال عمر ﵁: " إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم فإن السخطة تتنزل عليهم" رواه أبو الشيخ الأصبهاني ورواه البيهقي بإسناد صحيح (١) . وأما الاعتبار: فالأعياد من جملة الشرع، والمناهج والمناسك التي قال الله فيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴿ [سورة المائدة: ٤٨] . فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد: موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه: موافقة في بعض شعب الكفر، بل إن الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره. ولا ريب: أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة (٢) . ثم إن عيدهم من الدين الملعون هو وأهله، فموافقتهم فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه. ومن أوجه الاعتبار أيضاً: أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل

стр. 321

الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس بل عيداً لهم، حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يزيد عليه حتى يكاد أن يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر " (١) . أما ما ينعكس على نفوسهم إذا تشبه بهم المسلمون في العيد خاصة فهو السرور والفرح لأن في ذلك رفعة لباطلهم وتنافياً لمبدأ القهر والجزية والصغار الواقعين تحته. وخلاصة المشابهة: أنها تفضي إلى كفر أو معصية غالباً، أو تفضي إليهما في الجملة وليس في هذا المفضي مصلحة، وما أفضي إلى ذلك كان محرماً فالمشابهة محرمة، والمقدمة الثانية لا ريب فيها، لأن استقرار الشريعة يدل على أن ما أفضى إلى الكفر غالباً وما أفضى إليه على وجه خفي حرام وما أفضى إليه في الجملة ولا حاجة تدعو إليه حرام (٢) . وبعد أن يتمعن المسلم كل هذه الأحكام بخصوص العيد عليه أن يقيس بمقياس الكتاب والسنة: الأعياد المحدثة اليوم ومن يحدثونها ومن يهنئون بها الكفرة والملاحدة. مثل عيد الثورة! وعيد الجلوس! وعيد الميلاد! وعيد الأم، وعيد تحكيم القانون ونبذ الشريعة وعيد الوطن وعيد الجلاء ... إلى أخر هذه المسميات والأسماء الجاهلية التي ما أنزل بها من سلطان، والتي هي مضاهاة ومنازعة لشريعة الله وحكمه. فواجب المسلم أن لا يقر بها ولا يهنىء أحداً بها ويكتفي بالعيدين الإسلاميين الفطر والأضحى وفي الأيام الأخرى كالجمعة وغيرها ما يغنينا عن استيراد شعائر وشارات الكفر وأربابه. صورة مشرقة من صور التميز في المجتمع الإسلامي الأول كلما عاد الحديث إلى الرعيل الأول كان له حلاوة خاصة تبعث في النفس

стр. 322

الأمل والرجاء بالاقتضاء بأولئك العظام، وتحفز الهمم لتشمر عن ساعد الجد فتلحق بركب قافلة الإيمان، ودعاة الهدى والخير. ولقد كانت الشروط العمرية التي وضعها الفاروق ﵁ مثالاً رائعاً في تعامل المسلمين مع غيرهم وتميز أهل الذمة عن المسلمين مما يحفظ على المجتمع الإسلامي شخصيته المستقلة ويرعى لأولئك الذميين حقوقهم التي أمر بها هذا الدين الحنيف. إن الحرص العمري على تميز المسلمين عن غير المسلمين هو عمق هذه العقيدة في نفسه والقيام بمسؤوليته كراع للأمة يعلم أنه مسؤول عنها كما في الحديث الصحيح "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " (١) متفق عليه. والذي جعلني أختار موضوع أهل الذمة في هذه النقطة بالذات هو أن وضع الذميين في الدولة الإسلامية وضع خاص غير وضع الكفار الحربيين أو المهادنين. وحيث ينشأ ويعيش الذميون وسط المجتمع الإسلامي فإن هذا الشيء يجب أن يكون محاطاً بحصانة خاصة للمسلمين لئلا يؤدي احتكاكهم بالذميين إلى التشبه بهم وذوبان الشخصية الإسلامية التي أراد هذا الدين أن تكون فريد متميزة في كل شيء. ثم إن من صفات هذا الدين الحنيف العدل حتى مع الكفار، ولكن ما حدود هذا العدل وما سماته؟ خاصة وأنه قد أقر "الذميين" على العيش وسط المجتمع الإسلامي؟ الجواب: هو ما ورد في "الشروط العمرية" التي نصت على حماية المسلمين وكفلت للذميين حقوقهم على أن يكونوا هم أيضاً متميزين بزيهم وديانتهم حتى لا يلتبس المسلم بالذمي: وينتج من ذلك خليط لا يعرف له اتجاه محدد وهوية خاصة. وهذه الشروط - كما يقول عنها شيخ الإسلام ابن تيمية - منها: ما مقصوده التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس، والأسماء، والمراكب والكلام

стр. 323

ونحوها ليتميز المسلم من الكافر ولا يشبه أحدهما الآخر في الظاهر. ولم يرض عمر ﵁ والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتمييز في عامة الهدي ... وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهراً، وترك التشبه بهم، ولقد كان أمراء الهدى مثل العمريين وغيرهما يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود. ومنها: ما يعود بإخفاء منكرات دينهم وترك إظهارها، كمنعهم من إظهار الخمر، والناقوس والنيران في الأعياد. ومنها: ما يعود بإخفاء شعار دينهم كأصواتهم بكتابهم. ومنها: ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله (١) . وإليك نص هذه الشروط: روى سفيان الثوري عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة، ولا قلاية (٢) ، ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤوا جاسوساً، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركاً، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوا وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سراجاً، ولا يتقلدوا سيفاً، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفياً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من محضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين.

стр. 324

فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (١) انتهى. ولهذه الشروط طرق أخرى في روايتها، ولكنها كلها تلتقي عند هذا المعنى، ولذلك عقب ابن القيم ﵀ على اختلاف تلك الروايات بقوله: وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها من بعده الخلفاء وعملوا بها (٢) . سبحان الله!!! ما هذا البون الشاسع بين تلك القمة وبين هذا الغثاء الذي يعيش اليوم على الأرض متميعاً متسكعاً وراء الكفار والملاحدة. ويحسب نفسه مسلماً؟ أين تلك العزة والقوة والسلطان الرباني الذي أخذ به ذلك الجيل، وأين الضعف والاستخذاء والتبعية العمياء التي يعيشها "المسلمون" اليوم؟ ترى: هل المنتسبون اليوم للإسلام في درجة الذميين الذين طبقت عليهم هذه الشروط؟ هل "المسلمون" اليوم ذميون للكفار؟ إن الذي يظهر لي أنه حتى على هذا الافتراض الأخير فإن المسلمين اليوم أقل قدراً من ذميي الأمس. ذميو الأمس: في صغار وفى ذلة وفي زي معين ومكان معين. نعم. أما مسلمو اليوم ففي صغار وذلة واستكانة عن إسلامهم وتبعية للشرق الملحد والغرب الكافر، وإعجاب وانبهار بما عليه أعداء الإسلام، وسخرية واستهزاء بما كان عليه سلف هذه الأمة! من هنا فهم أحط قدراً عند الله - ما داموا بهذه الصفات - وأحقر من أن يهابوا

стр. 325

وأصغر من أن يسمع لهم كلمة في المجتمع الدولي المعاصر. فعلى المسلم الصادق. المسلم الواعي. المسلم المدرك لحقيقة إسلامه أن يعرف أين يضع قدمه ولمن يهب حبه وولاءه، وأن يعلم أن حب أعداء الله وموالاتهم والتشبه بهم لا تلتقي مع صدق إيمانه وإنما يفعل ذلك من يزعم الإسلام زعماً وبئس ذلك الزعم الكاذب. وقد ذكر علماء الإسلام ما ينتقض به عهد الذمي حرصاً على حماية المسلمين من أي دخيل يستغل سماحة الإسلام فيغدر بالمسلمين. وهذه النواقض هي: - (١) الإعانة على قتال المسلمين، وقتل المسلم أو المسلمة. (٢) قطع الطريق عليهم. (٣) إيواء جواسيس المشركين أو التجسس للمشركين بأن يكتب لهم أسرار المسلمين. (٤) الزنا بالمسلمة أو إصابتها باسم النكاح. (٥) فتن المسلم عن دينه. (٦) سب الله أو النبي ﷺ (١) . والأدلة على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله وجوب قتله، وقتل المسلم إذا فعل ذلك كثيرة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار (٢) . أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴿ [سورة التوبة: ١٢] .

стр. 326

وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴿ [سورة التوبة: ٢٩] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴿ [سورة الأحزاب: ٥٧ - ٥٨] . ومن السنة: ما رواه الشعبي عن علي ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله ﷺ دمها " (١) رواه أبو داود وابن بطة في سننه، والحديث متصل لأن الشعبي رأى علياً وكان على عهد علي قد ناهز العشرين سنة. ثم إن كان فيه إرسال - لأن الشعبي يبعد سماعه من علي - فهو حجة وفاقاً، لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل لا يعرفون له مرسلاً إلا صحيحاً (٢) .

стр. 327

وأيضاً ما رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄: أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فجمع الناس فقال: "أنشد رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام " قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتدلدل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليه حتى قتلها. فقال النبي ﷺ " اشهدوا أن دمها هدر" رواه أبو داود والنسائي (١) . ومن السنة أيضاً: ما احتج به الشافعي على أن الذمي إذا سب قتل وبرئت منه الذمة وهو قصة كعب بن الأشرف اليهودي. والحديث متفق عليه (٢) . وأما إجماع الصحابة: فقد نقل ذلك عنهم في قضايا متعددة مستفيضة ولم ينكرها أحد فصارت إجماعاً ومن ذلك: ما رفع إلى المهاجر بن أبي أمية (٣) ، وكان أميراً على اليمامة ونواحيها: أن امرأتين مغنيتين غنت أحدهما بشتم النبي ﷺ فقطع، يدها ونزع ثنيتيها وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتيها، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي غنت وزمزمت بشتم النبي ﷺ فلولا ما قد سبقتني لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر (٤) .

стр. 328

وفي عهد عمر ﵁: جاءه رجل من أهل الكتاب - حين دخل الشام - وهو مشجوج مضروب فغضب لذلك عمر وأمر بإحضار عوف بن مالك (١) الأشجعي لأنه هو الذي فعل ذلك بالذمي فلما سأله عمر عن فعله هذا قال: يا أمير المؤمنين رأيت هذا يسوق بامرأة مسلمة على حمار فنخس بها لتصرع، فلم تصرع، فدفعها فصرعت فغشيها، وأكب عليها، فقال عمر أئتني بالمرأة فلتصدق على ما قلت فأتاها عوف، فذهب معه أبوها وزوجها فأخبر عمر بمثل قول عوف، فأمر عمر باليهودي فصلب وقال: ما على هذا صالحناكم ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في ذمة محمد ﷺ فمن فعل منهم مثل هذا فلا ذمة له (٢) . وأما الاعتبار: فمن وجوه: (٣) أحدهما: أن عيب ديننا وشتم نبينا مجاهدة لنا ومحاربة، فكان نقضاً للعهد كالمجاهدة والمحاربة بطريق الأولى. الثاني: - إن مطلق العهد الذي بيننا وبينهم يقتضي أن يكفوا ويمسكوا عن إظهار الطعن في ديننا، وشتم رسولنا، كما يقتضي الإمساك عن دمائنا ومحاربتنا. الثالث: إن الله فرض علينا تعزيز رسوله وتوقيره، وتعزيزه: نصره ومنعه، وتوقيره إجلاله وتعظيمه، وذلك يوجب صون عرضه بكل طريق. فلا يجوز أن نصالح أهل الذمة، وهم يسمعونا شتم نبينا وإظهار ذلك، لأنا إذا تركناهم على هذا تركنا الواجب علينا نحو رسول الله ﷺ .

стр. 329

الأمكنة التي يمنع أعداء الله من دخولها والإقامة فيها قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿ [سورة التوبة: ٢٨] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن في المسجد خرج علينا النبي ﷺ فقال: "انطلقوا إلى يهود" فخرجنا معه حتى إذا جئنا بيت المدراس قام النبي ﷺ فناداهم فقال: " يا معشر اليهود: أسلموا تسلموا " فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله ﷺ ذلك أريد، فقال: اسلموا تسلموا، فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله ﷺ : ذلك أريد، ثم قالها الثالثة فقال: "اعلموا إنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أجليكم من هذه الأرض، فممن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعملوا إنما الأرض لله ورسوله" متفق عليه ولفظه للبخاري (١) . وقال ﷺ "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" متفق عليه (٢) . وقال أيضاً "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً " رواه مسلم (٣) . وهذه النصوص الصريحة الواضحة وغيرها توضح - بجلاء - مدى حرص الإسلام على حماية أمته من معاشرة الكفار، ومعايشتهم لما في ذلك من جلب

стр. 330

لمودتهم وموالاتهم التي نهى الله عنها. قال الشافعي ﵀: يمنعون من الحجاز وهو مكة والمدينة واليمامة وقراها. أما غير الحرم منه فيمنع الكتابي وغيره من الاستيطان والإقامة به، وله الدخول بإذن الإمام لمصلحة كأداء رسالة أو حمل متاع يحتاج إليه المسلمون: وإن دخل لتجارة ليس فيها كثير حاجة لم يأذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارته شيئاً، ولا يمكن من الإقامة أكثر من ثلاث (١) . وعقب ابن القيم ﵀ على كلام الشافعي بقوله: أما حرم مكة فإنهم يمنعون من دخوله بالكلية فلو قدم رسول لم يجز أن يأذن له الإمام في دخوله، ويخرج الوالي أو من يثق به إليه، وأما حرم المدينة فلا يمنع من دخوله لرسالة أو تجارة أو حمل متاع (٢) . اعتراض وجوابه إن قيل: إن الله سبحانه إنما منع المشركين من قربان المسجد الحرام ولم يمنع أهل الكتاب منه، ولهذا أذن مؤذن النبي ﷺ يوم الحج الأكبر أنه لا يحج بعد العام مشرك. والمشركون الذين كانوا يحجون هم عبدة الأوثان لا أهل الكتاب؟ (٣) . والجواب: للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين: " فابن عمر ﵄ وغيره كانوا يقولون: هم من المشركين، قال عبد الله بن عمر ﵄ لا أعلم شركاً أعظم من أن يقول المسيح ابن الله وعزير ابن الله، وقد قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ

стр. 331

إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ [سورة التوبة: ٣١] . والثاني لا يدخلون في لفظ "المشركين" لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴿ [سورة البقرة: ٦٢] . " قال ابن تيمية: والتحقيق: أن دينهم دين التوحيد فليسوا من المشركين في الأصل، والشرك طارىء عليهم فهم منهم باعتبار ما عرض لهم لا باعتبار أصل الدين، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي وهو كونهم نجساً والحكم يعم بعموم علته. "وجميع الصحابة والأئمة فهموا من قوله " فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " إن المراد مكة كلها والحرم ولم يخص ذلك أحد منهم بنفس المسجد الذي يطاف فيه. ولما نزلت هذه الآية كانت اليهود بخيبر وما حولها ولم يكونوا يمنعون من المدينة " (١)

стр. 332

الفصل السابع تعامل المسلمين مع غير المسلمين وفيه ثلاثة مباحث - المبحث الأول: الفرق بين الموالاة وحسن المعاملة: (كلمة حول ما يسمى بزمالة الأديان) أجدني مضطراً لذكر هذه المسألة لتوضيح وبيان وجه الحق والصواب حول هذا المفهوم الخاطئ، الذي خلط فيه الحق بالباطل. وطالب العلم المبتدئ - مثلي - يعجب لمشايخ كبار من أهل العلم "وقعوا في هذا الفخ الذي تولى كبر الدعوة له أعداء هذا الدين من صليبيين ويهود"! ويراد من وراء هذا التقريب والزمالة المزعومة إضاعة تميز المسلم وانصهار شخصيته في تيار هذه الدعوة المشبوهة. ونحب أن نقرر - ابتداء - أن الرسالات السماوية التي أنزل الله بها رسله ﵈ كلها تدعو إلى عبادة الله وحده قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ﴿ [سورة النحل: ٢٦] .

стр. 333

مع اختلاف في الشرائع اقتضتها حكمة ربانية لا نعلمها. ولكن الرسالات التي سبقت الرسالة المحمدية الخاتمة: اعتورها التحريف والتبديل الذي صنعته أيد بشرية. ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴿ [سورة البقرة: ٧٩] . لذلك اقتضت مشيئة الله وحكمته أن تكون رسالة محمد بن عبد الله ﷺ هي خاتمة الرسالات وناسخة لما قبلها من الشرائع. ولا بد: أن نورد طرفاً من أقوال دعاة التقارب بين الأديان كما يسمون أنفسهم الذين يزعمون أنهم بصنيعهم هذا يخدمون الإسلام والبشرية كلها. يقول الشيخ مصطفى المراغي في رسالة بعث بها إلى مؤتمر الأديان العالمي: (اقتلع الإسلام من قلوب المسلمين جذور الحقد الديني بالنسبة لأتباع الديانات السماوية الأخرى وأقر بوجود زمالة عالمية بين أفراد النوع البشري. ولم يمانع أن تتعايش الأديان جنباً إلى جنب) (١) ؟ ويقول الشيخ محمد أبو زهرة: (إذا اختلفت الأديان فإن أهل كل دين لهم أن يدعوا إلى دينهم بالحكمة والموعظة (!!) من غير تعصب يصم عن الحقائق ولا إكراه ولا إغراء بغير الحجة والبرهان) (٢) .

стр. 334

أما الدكتور وهبة الزجيلي فيقول: (ليس من أهداف الإسلام أن يفرض نفسه على الناس فرضاً حتى يكون هو الديانة العالمية الوحيدة، إذ أن كل ذلك محاولة فاشلة، ومقاومة لسنة الوجود، ومعاندة للإرادة الإلهية) (١) وغير هؤلاء الثلاثة خلق كثير. والذي يظهر لي أن هؤلاء وأمثالهم اعتمدوا ما ذكره شيخهم الأول جمال الدين الأفغاني الذي كان متأثراً بأفكار الماسونية الخبيثة وهو أول من حمل راية الدعوة إلى زمالة الأديان فهو يقول في خاطراته بعنوان "نظرية الوحدة" ما نصه: "وجدت بعد كل بحث وتنقيب وإمعان أن أديان التوحيد الثلاثة على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية وإذا نقص في واحد منها شيء من أوامر الخير المطلق استكمله الثاني (!) . وعلى هذا لاح لي بارق أمل كبير أن تتحد أهل الأديان الثلاثة مثلما اتحدت الأديان في جوهرها وأصلها وغايتها وأنه بهذا الاتحاد يكون البشر قد خطا نحو السلام خطوة كبيرة في هذه الحياة القصيرة وأخذت أضع لنظريتي هذه خططاً وأخط أسطراً وأحبر رسائل للدعوة كل ذلك وأنا لم أخالط أهل الأديان كلهم عن قرب وكثب ولا تعمقت في أسباب اختلاف أهل الدين الواحد وتفرقهم فرقاً وشيعاً وطوائف ... (٢) . وهذه الأقوال فيها من المغالطات ما هو ظاهر لكل ذي عينين، فمن قال: أن الدين الإسلامي يسمح للنصراني: أن يدعو إلى نصرانيته، ولليهودي أن يدعو إلى يهوديته والبوذي أن يدعو إلى بوذيته، وغير ذلك من أديان البشر الوضعية أو الأديان المحرفة؟ هل هؤلاء الدعاة يجهلون ما ذكره القرآن عن بني إسرائيل وقتلهم الأنبياء ثم تحريف التوراة والإنجيل، ثم اللعب بالكتب المنزلة حسبما تمليه عليهم أهواؤهم؟

стр. 335

هل هؤلاء يجهلون قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴿ [سورة المائدة: ٧٣] . وقول تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿ [سورة التوبة: ٣٠] . وقوله تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴿ [سورة النساء: ٨٩] . وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً ﴿ [سورة البقرة: ١٠٩] . وغير ذلك من النصوص الكثيرة التي تبين عداوة أهل الكتاب للمسلمين , ورحم الله الأستاذ الجليل، العالم الرباني سيد قطب حين قال: إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء؛ واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته، الذي يهدف إلى إنشاء، واقع في الأرض وفق التصور الإسلامي الذي

стр. 336

يختلف في طبيعته عن سائر التصورات التي تعرفها البشرية. إن هؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة لأنه ينقصهم الحس النقي بحقيقة العقيدة كما ينقصهم الوعي الذكي لطبيعة المعركة وطبيعة أهل الكتاب فيها: ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة الصريحة فيها، فهم يخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ولرسوله وللجماعة المسلمة، ناسين ما يقرره القرآن من أن أهل الكتاب بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة، وأن هذا شأن ثابت لهم، وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، ولن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم. وسذاجة أية سذاجة، وغفلة أية غفلة أن تظن أن لنا وإياهم طريقاً واحداً نسلكه للتمكين للدين! أمام الكفار والملحدين! فهم مع الكفار والملحدين إذا كانت المعركة ضد المسلمين! يقول السذج: إننا نستطيع أن نضع أيدينا في أيدي أهل الكتاب للوقوف في وجه المادية والإلحاد - بوصفنا جميعاً أهل دين! ناسين تعليم القرآن كله. وناسين تعليم التاريخ كله. فأهل الكتاب هؤلاء هم الذين كانوا يقولون للذين كفروا من المشركين ﴿هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ﴿ [سورة النساء:٥١] . وهم الذين ألبوا المشركين على المسلمين في المدينة وكانوا لهم درعاً وردءاً. وأهل الكتاب هم الذين شنوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام. وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذين شردوا المسلمين في فلسطين وأحلوا اليهود محلهم، متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية! وأهل الكتاب هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان في الحبشة

стр. 337

والصومال وأرتيريا وغيرها حيث يتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية في يوغسلافيا والصين والتركستان والهند وفي كل مكان! إن هؤلاء الذين يظنون - وهم واهمون - أنه يمكن أن يقوم بيننا وبين أهل الكتاب هؤلاء ولاء وتناصر ندفع به المادية الإلحادية عن الدين: لا يقرأون القرآن، وإذا قرأوه اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام فظنوها دعوة الولاء الذي يحذر منه القرآن. ومن هنا يحاولون تمييع المفاصلة الحاسمة بين المسلمين وأهل الكتاب، باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية. فكما أنهم مخطئون في فهم الأديان هم أيضاً مخطئون في فهم معنى التسامح. إن الدين الذي نزل على رسول الله ﷺ هو الدين عند الله. والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي. أما هؤلاء، فيحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم الذي يقرر أن الله لا يقبل ديناً إلا الإسلام، وأن على المسلم أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام ولا يقبل دونه بديلاً، ولا يقبل فيه تعديلاً - ولو طفيفاً - قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ ﴿ [سورة آل عمران: ١٩] . ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴿ [سورة آل عمران: ٨٥] . والإسلام قد جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب كما جاء ليصحح اعتقادات المشركين والوثنيين سواء، ودعاهم إلى الإسلام جميعاً لأن هو "الدين" الذي لا يقبل الله غيره من الناس جميعاً..والمسلم مكلف أن يدعو أهل الكتاب إلى الإسلام، كما يدعو الملحدين والوثنيين سواء، وهو غير مأذون في أن يكره أحد من هؤلاء ولا هؤلاء على الإسلام، لأن العقائد لا تنشأ في الضمائر بالإكراه، فالإكراه في الدين فوق أنه منهي عنه، هو كذلك لا ثمرة له (١) .

стр. 338

الفرق بين الموالاة والمعاملة بالحسنى قلنا قبل قليل أن الولاء شيء والمعاملة بالحسنى شيء آخر والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ [سورة الممتحنة:٨] . وقد اختلف أهل العلم في تفسيرها فقال بعضهم أن المعني بها: الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا فأذن الله للمؤمنين ببرهم والإحسان إليهم وإلى هذا ذهب مجاهد. وقال آخرون: عني بها من غير أهل مكة من لم يهاجر. وقال آخرون: بل عني بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجوهم من ديارهم ونسخ الله ذلك بعد بالأمر بقتالهم. ويروى هذا عن قتادة (١) . ورجح ابن جرير: أن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم. لأن الله عم بقوله: [الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم] . جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقوله من قال: ذلك منسوخ. لأن بر المؤمن أحداً من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن

стр. 339

لا قرابة بينهما ولا نسب غير محرم، ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلاله له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح. ويبين ذلك الخبر المروي عن ابن الزبير في قصة أسماء مع أمها (١) . والإسلام بفعله هذا - حتى في حالة الخصومة - يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك، وعدالة المعاملة انتظاراً لليوم الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع (٢) . وقد سبق الحديث في أول هذا البحث: أن الله أمر بصلة الأقارب الكفار والمشركين وأن ذلك ليس موالاة لهم في شيء. ونزيد هذا الأمر إيضاحاً بقصة أسماء بنت أبي بكر ﵂ مع أمها فقد روى البخاري ومسلم عن أسماء ﵂ قالت - قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: [نعم صلي أمك] (٣) . قال الخطابي: فيه - أي الحديث - أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان الولد مسلماً (٤) . قال ابن حجر: البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿ [سورة المجادلة: ٢٢] .

стр. 340

فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل (١) . وقال ابن القيم: الذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق، وإن اختلف الدينان لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴿ [سورة لقمان: ١٤ –١٥] . وليس من الإحسان ولا من المعروف ترك أبيه وأمه في غاية الضرورة والفاقة وهو في غاية الغنى. وقد ذم الله قاطعي الرحم وعظم قطيعتها وأوجب حقها وإن كانت كافرة لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ﴿ [سورة النساء: ١] . وقي الحديث " لا يدخل الجنة قاطع رحم " (٢) . وصلة الرحم واجبة، وإن كانت لكافر، فله دينه وللواصل دينه وقياس النفقة على الميراث قياس فاسد، فإن الميراث مبناه على النصرة والموالاة بخلاف النفقة فإنها صلة ومواساة من حقوق القرابة.

стр. 341

وقد جعل الله للقرابة حقاً - وإن كانت كافرة - فالكفر لا يسقط حقوقها في الدنيا. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴿ [سورة النساء: ٣٦] . وكل من ذكر في هذه الآية فحقه واجب وإن كان كافراً، فما بال ذي القربى وحده يخرج من جملة من وصى الله بالإحسان إليه (١) ؟ من هنا: يتضح لنا: أن الموالاة الممثلة في الحب والنصرة شيء. والنفقة والصلة والإحسان للأقارب الكفار شيء آخر. وسماحة الإسلام أيضاً تتضح في معاملة الأسرى والشيوخ والأطفال والنساء في الحرب. كما هو معلوم من صفحاته المشرقة.

стр. 342

- المبحث الثاني التعامل مع الكفار: ١- البيع والشراء: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الأصل أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا مما دل الكتاب والسنة على شرعه. إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرمه الله، بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دون الله ما لم يحرمه الله وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله (١) . وانطلاقاً من هذه القاعدة وبناء على النصوص الشرعية وسيرة رسول الله ﷺ وأصحابه الراشدين وأئمة المسلمين نقول: إن التعامل مع الكفار في البيع والشراء والهدية وخلاف ذلك لا يدخل في مسمى الموالاة، بل يباح للمسلم البيع والشراء مع الكفار فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يسأل عن معاملة التتار فيقول: " يجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم، فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك كما يبتاع من مواشي الأعراب والتركمان والأكراد ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم.

стр. 343

" فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات، كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالاً محرماً فهذا لا يجوز قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ [سورة المائدة: ٢] . وإذا كان الذي معهم أو مع غيرهم، أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم فذلك لا يجوز اشتراؤها لمن يمتلكها لكن إذا اشتريت على طريق الاستنقاذ لتصرف في مصارفه الشرعية فتعاد إلى أصحابها - إن أمكن - وإلا صرفت في مصالح المسلمين: جاز هذا. وإذا علم أن في أموالهم شيئاً محرماً لا تعرف عينه، فهذا لا تحرم معاملتهم فيه كما إذا علم أن في الأسواق ما هو مغصوب ومسروق ولم يعلم عينه " (١) . وقد روى البخاري في كتاب البيوع باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ ثم جاء، رجل مشرك مشعان (٢) طويل بغنم يسوقها فقال النبي ﷺ : " بيعاً أم عطية " أو قال: أم هبة؟ فقال: لا. بيع فاشترى منه شاة (٣) . قال ابن بطال: معاملة الكفار جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين (٤) . وثبت أيضاً عن النبي ﷺ أنه أخذ من يهودي ثلاثين وسقاً من شعير ورهنه درعه (٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: - "وإذا سافر الرجل إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا، كما دل عليه

стр. 344

حديث تجارة أبي بكر ﵁ في حياة رسول الله ﷺ إلى أرض الشام وهي حينذاك دار حرب وغير ذلك من الأحاديث. "فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم: فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو: أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنباً أو عصيراً يتخذونه حمراً. وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحاً يقاتلون به مسلماً (١) . ٢- الوقف عليهم أو وقفهم على المسلمين: قال ابن القيم: أما ما وقفوه. فينظر فيه، فإن وقفوه على معين أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها كالصدقة على المساكين والفقراء وإصلاح الطرق والمصالح العامة، أو على أولادهم وأنسالهم وأعقابهم: فهذا الوقف صحيح. حكمه حكم وقف المسلمين على هذه الجهات لكن إذا شرط في استحقاق الأولاد والأقارب بقاءهم على الكفر " فإن أسلموا لم يستحقوا شيئاً ": لم يصح هذا الشرط، ولم يجز للحاكم أن يحكم بموجبه باتفاق الأمة لأنه مناقض لدين الإسلام، مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ . أما وقف المسلم عليه: فإنه يصح منه ما وافق حكم الله ورسوله، فيجوز أن يقف على معين منهم، أو على أقاربه، وبني فلان ونحوه. ولا يكون الكفر موجباً ولا شرطاً في الاستحقاق ولا مانعاً منه - فلو وقف على ولده أو أبيه أو قرابته استحقوا ذلك وإن بقوا على كفرهم، فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق. وأما الوقف على كنائسهم وبيعهم ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار

стр. 345

الكفر: فلا يصح من كافر ولا مسلم. فإن في ذلك أعظم الإعانة له على الكفر والمساعدة والتقوية عليه، وذلك مناف لدين الله (١) . ٣- عيادتهم وتهنئتهم: روى البخاري في كتاب الجنائز عن أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: " الحمد لله الذي أنقذه من النار" (٢) . وروى أيضاً: قصة أبي طالب حين حضرته الوفاة فزاره النبي ﷺ وعرض عليه الإسلام (٣) . قال ابن بطال: إنما تشرع عيادته إذا رجي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا (٤) . قال ابن حجر: والذي يظهر: أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى (٥) . " أما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق، وذلك مثل أن يهنأهم بأعيادهم فيقول: عيدك مبارك، أو تهنأ بهذا العيد، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه.

стр. 346

وكثير مما لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هنأ عبداً بمعصية، أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والافتاء تجنباً لمقت الله وسقوطهم من عينه " وإن بلي الرجل فتعاطاه دفعاً لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا خيراً ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك " (١) . ويدخل في هذا أيضاً: تعظيمهم ومخاطبتهم بالسيد والمولى وذلك حرام قطعاً، ففي الحديث المرفوع "لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيداً فقد اسخطتم ربكم " (٢) . ولا يجوز أيضاً تلقيبهم - كما يقول ابن القيم - بمعز الدولة أو فلان السديد، أو الرشيد أو الصالح ونحو ذلك. ومن تسمى بشيء من هذه الأسماء لم يجز للمسلم أن يدعوه به، بل إن كان نصرانياً قال: يا نصراني، يا صليبي، ويقال لليهودي، يا يهودي. ثم قال ابن القيم بالنص (.. وأما اليوم فقد وقفنا إلى زمان يصدرون في المجالس، ويقام لهم وتقبل أيديهم ويتحكمون في أرزاق الجند، والأموال السلطانية، ويكنون بأبي العلاء وأبي الفضل، وأبي الطيب، ويسمون حسناً وحسيناً وعثمان وعلياً! وقد كانت أسماؤهم من قبل: يوحنا ومتى وجرجس وبطرس وعزراً وأشعياً، وحزقيل وحيي، ولك زمان دولة ورجال) (٣) . هـ. وإذا كان هذا كلام العلامة ابن القيم وهو المتوفى سنة ٧٥١ هـ ﵀. فلينظر المسلم اليوم إلى هذا الغثاء الذي هو كغثاء السيل، ينتسبون للإسلام وهم

стр. 347

يتبعون أعداء الله في كل صغيرة وكبيرة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، وليست تبعية لهم فحسب بل إنها تبعية بإعجاب وانبهار! فما تمر بأعدائنا مناسبة إلا وتنهال التهاني عليهم من كل حدب وصوب بالتهنئة والتبريك ومعسول الأماني!! ٤- حكم السلام عليهم: اختلف العلماء في معني قوله تعالى عن إبراهيم ﵇ حين دعا أباه فأبى قال إبراهيم "سلم عليك" [سورة مريم: ٤٧] . فأما الجمهور فقالوا: المراد بسلامه المسالمة التي هي المشاركة لا التحية. وقال الطبري: معناه: أمنة مني لك. وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام (١) . وقال بعضهم في معنى تسليمه: هو تحية مفارق. وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال نعم: قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴿ [سورة الممتحنة: ٨] . وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ﴿ [سورة الممتحنة: ٤] . وقال إبراهيم لأبيه "سلام عليك" قال القرطبي: قلت: والأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة (٢)

стр. 348

وفي الشأن حديثان: فقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "" لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه " (١) . وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أن النبي ﷺ ركب حماراً عليه إكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة بن زيد، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر في مجلس فيه اختلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه برادئه ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي ﷺ (٢) الحديث. قال القرطبي: " فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء، لأن ذلك إكرام والكافر ليس أهله والثاني: يجوز ذلك. قال الطبري: ولا يعارض ما رواه أسامة بحديث أبي هريرة، فإنه ليس أحدهما خلاف للآخر، وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص: قال النخعي إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأ بالسلام. فبان بهذا أن حديث أبي هريرة " لا تبدؤهم بالسلام " إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤهم بالسلام من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة أو جوار أو سفر. قال الطبري: قد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه قال له علقمة: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أنه يبدؤا بالسلام؟ قال: نعم. ولكن حق الصحبة. وقال الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك وروي عن الحسن البصري أنه قال إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم) (٣) .

стр. 349

قال ابن القيم: إن صاحب هذا الوجه - أي من أجاز ابتداءهم بالسلام - قال يقال له - السلام عليك. فقط بدون ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد (١) . (أما رد السلام عليهم فاختلف في وجوبه: فالجمهور على وجوبه وهو الصواب. وقالت طائفة: لا يجب الرد عليهم كما لا يجب على أهل البدع وأولى والصواب الأولى: والفرق: أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيراً لهم وتحذيراً منهم بخلاف أهل الذمة " (٢) . قلت: ومما يرجح رأي الجمهور في وجوب الرد على أهل الكتاب قوله ﷺ " إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم. فقل وعليك (٣) . وقوله ﷺ " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " (٤)

стр. 350

- المبحث الثالث: الانتفاع بالكفار وبما عندهم: إن الإسلام يتسامح في أن يتلقى المسلم من غير المسلم ما ينفعه في علم الكيمياء والفيزياء والفلك والطب والصناعة والزراعة والأعمال الإدارية وأمثال ذلك. وهذا حين تنعدم الاستفادة من هذه العلوم من مسلم تقي (١) . كذلك يجوز الانتفاع بهم في دلالة الطريق وما عندهم من سلاح وملابس وغير ذلك من الحاجات التي يحتاجها الناس، وجرت العادة فيها أن المسلم والكافر يستويان في الانتفاع بها. ولكن الإسلام لا يبيح بل يرفض أن يتلقى المسلم أي شيء يتعلق بعقيدته أو مقومات تصوره، أو تفسير قرآنه وسنة نبيه ﷺ أو منهج تاريخه أو نظام حكمه ومنهج سياسته أو موجبات أدبه وتعبيره ممن لا يؤمن بهذا الإسلام (٢) . وقد سبق في أول هذا البحث أن قلنا: إن المسلمين وقعوا في غلطة كبرى حين استوردوا فلسفة اليونان وتصوف الهنود والفرس لأنها غثاء إذا مزج بالتصور الإسلامي التقي نتج من ذلك خليط من غبش العقيدة وانحراف التصورات. وأحسنوا حين ترجموا كتب الطب والكيمياء ودفعهم ذلك إلى اكتشاف علوم جديدة منها علم الجبر , فقد كانت العقلية الإسلامية المتنورة بنور الله قادرة على الابتكار والإبداع في المجال العلمي بكل ميادينه وفي المجال الأدبي والثقافي.

стр. 351

ذلك أن لديهم من مقومات هذه العقيدة ومقتضياتها ما يدفعهم للعمل بجد وصبر. وهم يعلمون أن ذلك جزء من عبادة الله. لأن نفع ما توصلوا إليه لم ينفعهم هم فحسب بل تعدى ذلك إلى كافة الناس حتى أن أوروبا ظلت قرونا طوالاً تعتمد على النظريات الإسلامية والأبحاث التي ابتكرها المسلمون. وانعكس هذا على التقدم العلمي الذي توصل إليه الغرب في القرون الأخيرة، بعد أن نام المسلمون وتركوا مركز القيادة والريادة في كل شيء حتى جاءت الأجيال التي نشهدها اليوم فإذا بها عالة على تلاميذ أجدادها بالأمس! من أجل ذلك نقول: ونحن نستبشر بالخير حيث بدأ الزحف الإسلامي اليوم في كل أرض - إنه ينبغي للمسلمين أن يعرفوا ماذا يأخذون من غيرهم فيستفيدون به، وماذا يتركونه لئلاً يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم. إن عليهم أن يجعلوا هذه العقيدة الإسلامية هي القاعدة التي يقوم عليها البناء الإسلامي من جديد ثم يستوردون من غير المسلمين ما ينقصهم في المجال (العلمي البحت) ويكون هذا الاستيراد بحذر وذكاء، حيث تصاغ هذه العلوم بصياغة علمية مؤمنة سليمة من صياغة الملاحدة ودعاة "اللادين". وقد يقول قائل: وما دخل الأسلوب العلمي البحت في الأسلوب الديني؟ والجواب: أنه لا فصل بين دين وعلم، بل الدين الإسلامي هو دين العلم. وصياغة الأسلوب العلمي من منطلق إسلامي صحيح يغرس في النفوس إيماناً عميقاً بقدرة الخالق وعظيم صنعه وإبداعه في هذا الكون بكل ما فيه. ثم إن هذا الاعتراض فيه مغالطة ظاهرة: فإنه مهما ادعى المتجردون للأسلوب العلمي أنهم "حياديون " فإنه يستحيل أن تكون صياغة من تلقى نظرية ماركس أو فرويد أو دور كايم لنظرية علمية ما، مثل صياغة من كان بنفس الكفاءة العلمية ولكنه تلقى عقيدة " لا إله إلا الله " من مشكاة محمد بن عبد الله ﷺ . وهذا أمر ظاهر لا يستطيع أن ينكره إلا مكابر أو جاهل يجهل أنه يغالط نفسه.

стр. 352

وأدلة الانتفاع بالكفار نجدها في سنة رسول الله ﷺ فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره في كتاب الإجازة باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام عن عائشة ﵂ واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل ثم من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً - الخريت: الماهر بالهداية - قد غمس يمين حلف في آل العاصي بن وائل وهو على دين كفار قريش فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا (١) الحديث. قال ابن القيم: اسمه عبد الله بن اريقط الدؤلي وفي استئجاره وهو كافر: دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والأدوية والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافراً أن لا يوثق به في شيء أصلاً، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة (٢) . قال ابن بطال: عامة الفقهاء، يجيزون استئجارهم - أي المشركين - عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم (٣) . ولكن ما هو الحكم لو آجر المسلم نفسه من كافر؟ والجواب على ذلك ما رواه البخاري أيضاً عن خباب ﵁ قال: كنت رجلاً قيناً فعملت للعاص بن وائل فاجتمع لي عنده، فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد، فأقضيك: فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا ﴿ (٤) [سورة مريم: ٧٧] .

стр. 353

قال المهلب: كره أهل العلم ذلك - أي مؤاجرة نفسه من مشرك في أرض الحرب - إلا لضرورة بشرطين أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين (١) . أما استئجار المشرك في الغزو فقد ورد النهي بذلك: ففي الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة (٢) أدركه رجل، قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه. فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك قال له رسول الله ﷺ "تؤمن بالله ورسوله "؟ قال: لا. قال: " فارجع فلن أستعين بمشرك " قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة: فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة قال: " فارجع فلن أستعين بمشرك " قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة " تؤمن بالله ورسوله"؟ قال: نعم. قال له رسول الله ﷺ "فانطلق" (٣) . ولكن الحازمي (٤) قال: اختلف أهل العلم في هذا الباب: فذهبت جماعة إلى منع الاستعانة بالمشركين مطلقاً، وتمسكوا بظاهر هذا. الحديث. وقالوا: هذا حديث ثابت عن النبي ﷺ وما يعارضه لا يوازيه في الصحة والثبوت فتعذر ادعاء النسخ لهذا. وذهبت طائفة: إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه ويستعين بهم ولكن بشرطين: (١) أن يكون في المسلمين قلة وتدعو الحاجة إلى ذلك. (٢) أن يكونوا ممن يوثق بهم فلا تخش ثائرتهم.

стр. 354

فمتى فقد هذان الشرطان لم يجز للإمام أن يستعين بهم، قالوا: ومع وجود الشرطين يجوز الاستعانة بهم. وتمسكوا في ذلك بما رواه ابن عباس أن رسول الله ﷺ استعان بيهود بني قينقاع، واستعان بصفوان بن أمية في قتال هوازن يوم حنين، قالوا: وتعين المصير إلى هذا لأن حديث عائشة ﵂ كان يوم بدر وهو متقدم فيكون منسوخاً (١) . ثم قال: " ولا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعاً ولا يسهم لهم (٢) . ويدعم ابن القيم هذا الرأي وهو يتحدث عن فوائد صلح الحديبية فيقول: الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة لأن عينه ﷺ الخزاعي كان كافراً إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم (٣) . وقال في فوائد غزوة حنين. للإمام أن يستعير سلاح المشركين وعدتهم لقتال عدوه. كما استعار رسول الله ﷺ أدرع صفوان بن أمية وهو يؤمئذ مشرك (٤) . وتبعه الإمام محمد بن عبد الوهاب فقال: الانتفاع بالكفار في بعض أمور الدين ليس مذموماً لقصة الخزاعي (٥) . ونلخص إلى القول: إن الانتفاع بالكفار وبما عندهم من العلوم التي هي من اجتهاد الإنسان أمر جائز في الإسلام وأدلته كثيرة سبق ذكر بعضها، ومنها أيضاً: مزارعة رسول الله ﷺ لليهود في خيبر على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها (٦)

стр. 355

أما إجارة المسلم نفسه لهم فجائز إذا لم يكن في ذلك تعظيم لدينهم أو شعائرهم أو ما فيه ذلة ومهانة له. وأما الاستعانة بهم في الغزو فجائز ولكن ذلك منوط بإمام المسلمين إذا رأى أن المصلحة تقتضي استخدامهم وإلا فلا. ومع هذا فإنه يجب الاحتراز ومنع استعمال الكفار في شيء من ولايات المسلمين التي يكون فيها سلطة لهم على المسلمين كالدواوين فإن في ذلك جناية على الإسلام والمسلمين، ففضلاً عن أن ذلك مخالفة صريحة لحكم الشرع الإسلامي وهيمنته على الأرض فإنه أيضاً إذلالاً صريح للمسلمين حتى الذين توهموا أن ذلك أمر جائز. وإليك بعضاً من النصوص والحوادث التاريخية الهامة التي يبدو فيها كيد أعداء الله للإسلام حين تولوا هذه المناصب الهامة. روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت لعمر ﵁ إن لي كاتباً نصرانياً. قال: مالك؟ قاتلك الله؟ أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴿ [سورة المائدة: ٥١] . ألا اتخذت حنيفاً؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته، وله دينه، قال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذا أقصاهم الله " (١) . وكتب عمر ﵁ أيضاً إلى أبي هريرة كتاباً جاء فيه: ".. ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك. وساعد على مصالح المسلمين بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك حاملاً لأثقالهم (٢) .
следующие страницы →