وكذلك التغني بأمجاد أوروبا ومعرفة "أبطال" حضارتها، وفصل الدين عن الدولة، وأن الدين علاقة بين العبد وربه ولا دخل له في شؤون الحياة ... كل ذلك كان ثماراً طبعية للغزو الثقافي (١) .
وأخيراً: فإن هذه المناهج التعليمية قد جردت المسلم من ولائه لله ورسوله ودينه وإخوانه المؤمنين ومحت عداوته لأعداء الله، فنشأ جيل لا يعرف الصلة بالله، ولا يقيم ولاءه وانتماءه على أساس عقيدته بل على ما تعلمه وانتسب إليه من المذاهب والانتماءات الجاهلية.
صورة من صور
الولاء الفكري المعاصر
وتستوقفني هنا صورة واحدة أجد أن ذكرها هنا ذو أهمية بالغة ذلك أن هذه الصورة يظهر فيها بوضوح حب التبعية للغرب، مع الاعتزاز والفخار بالتعليم العلماني والمطالبة - وبإلحاح شديد - بعودته - إن كان قد فقد - وإلا ففتح الأبواب له على مصارعها إذا كان مضيقاً عليه.
كتب رئيس تحرير جريدة يومية مقالاً طويلاً بعنوان "الإنسان العربي ومعضلة التعليم" وجاء هذا المقال في صفحتين كاملتين من الجريدة هما الصفحة الثانية والثالثة.
وإليك مقتطفات من هذا المقال لترى فيه الصورة الصادقة للولاء والتبعية لأعداء الله.
قال الكاتب: (إن التعليم في البلاد العربية ارتبط بأسلوبين مختلفين:
الأول: المنهج الذي وضعه دنلوب باشا البريطاني ناظر المعارف في مصر، والذي انعكست آثاره على بقية الرقعة العربية من خلال الاتفاقيات الثقافية الثنائية أو
стр. 387
الجماعية ويقوم هذا المنهج التعليمي على إبطال القدرة على التفكير (وتفريخ) العديد من الكتبة الذين يؤدون وظائف روتينية لا تحتاج إلى أكثر من معرفة متقنة قواعد القراءة والكتابة.. وبنظرة مجردة نجد أن غالبية المتعلمين في بلادنا ينتمون إلى هذه المدرسة ") .
وصدق الكاتب في أكثر ما قاله هنا وإن كان اعتراضنا على منهج دنلوب لا يقتصر على هذه النقطة إنما ينصب ابتداء على نقطة أخطر منها بكثير هي تخريج أجيال من المسلمين لا تعرف حقيقة الإسلام بل تتجه إلى الانسلاخ من الإسلام والارتماء في تبعية ذليلة للغرب. ثم تابع معي ما يقول:
"والأسلوب الثاني في التعليم داخل الوطن العربي. بريطاني أيضاً، ويهدف هذا الأسلوب - على خلاف الأول - إلى خلق مجموعات بشرية تمتلك القدرة على التفكير السليم بالأنماط الغربية (!!) .
"وتجسد هذا الأسلوب في مدرستي كلية فكتوريا في الإسكندرية والقاهرة.. وعلى خلاف ما قيل عن هذه المدارس التي اتهمت بالتربية الاستعمارية أو الأدوار التبشيرية فإن الأدلة الدامغة تثبت أن معظم مفكري أبناء الأمة العربية الذين تلقوا تعليمهم الأولي والثانوي داخل منطقة الشرق الأوسط ينتمون إلى إحدى هاتين المدرستين ذلك لأن النظام التعليمي بهما يعتمد على أسلوب البحث العلمي (!) الذي ينمي في الطفل والشاب طوال مدارج التعليم: القدرة على التفكير السليم وإيجاد العلاقات بين الظواهر المختلفة.
"وتتضح جدية هذا الدور التعليمي من واقع المناهج الدراسية المقررة التي كانت هي ذات المناهج المقررة على الطلبة البريطانيين بأسلوب اكسفورد وكامبردج في مراحل التعليم العام، المبدئي والإعدادي والثانوي.. فالباعث الحقيقي لوضع هذا الأسلوب التربوي والتعليمي من خلال فكتوريا الإسكندرية والقاهرة كان يهدف "إلى" إيجاد مجموعات من أبناء البلاد العربية، بمستوى ثقافي قادر على التفاهم والتعامل مع الغرب في مواطن المعرفة العلمية، التي تربط بينهم بأسلوب المخاطبة المتعارف عليها (!) .
стр. 388
"واستطاع بالفعل أبناء الأمة العربية المتخرجون من هاتين المدرستين حتى بعد تلقيهم التعليم الجامعي سواء في بريطانيا أو أمريكا أو حتى داخل الوطن العربي أن يقوموا بأدوار واضحة في خدمة مصالح بلادهم من المواقع المختلفة نتيجة توافر القدرة لديهم في مخاطبة الغرب بالأسلوب العلمي المقبول والمفهوم نتيجة انسجام منطق التفكير عندهم مع المعطيات الحضارية المعاصرة (!) .
ثم تحدث الكاتب – وهو يؤدي دوره – عن الصراع بين مدرسة فكتوريا ومدرسة دنلوب وعن الرابطة التي جمعت بين خريجي كلية فكتوريا ثم قال إن هذه الرابطة ألقيت ولكن مع هذا الإلغاء (ظل الترابط والود) قائماً بين هؤلاء الخريجين، حتى قامت رابطتهم الجديدة المنظمة بشكل دقيق في العاصمة البريطانية لندن. ولقد أقيم هذا الاحتفال الجديد في يوم الجمعة ٤ مايو سنة ١٩٧٩م.
وبعد هذا تساءل الكاتب: لماذا ألغيت هذه الكلية مع أن مدرسة دنلوب لا تزال قائمة؟ ثم تحدث عن البديل للمناهج الهزيلة التي تدرس الآن فقال:
(وبغض النظر عن تعاطفي الشخصي مع كلية فيكتوريا كمدرسة أجنبية وجدت على التراب العربي، تشرفت بالانتماء إليها: فإنني أجد أن الإسراع في فتحها الآن بالأنماط التعليمية التي كانت تمارسها من المنابع الفكرية السائدة في اكسفورد وكامبردج كفيلة بأن تمثل أولى الخطوات السليمة على الخط العلمي الذي نهدف إليه ... ومن الممكن التوسع في فتح المدارس الأجنبية المختلفة البعيدة عن السمات التبشيرية وهي كثيرة وكفيلة بإخراج أنماط متعددة من التفكير العلمي السليم الذي يلتقي مع غيره من أنماط علمية سليمة أخرى، ليؤدي التفاعل بينهم إلى خلق القدرة العربية في الوصول إلى أسلوب المخاطبة مع الغرب، والتعبير عن مصالحنا وأهدافنا القومية) (١)
إنني أعتقد أن هذه الفقرات التي أوردتها كافية في الدلالة على صدق صورة هذه الموالاة للغرب، وهي صادقة أيضاً في براء هذا الفكر الإسلامي السليم.
стр. 389
فالكاتب لا يرى في الإسلام بديلاً صالحاً للمناهج الهزيلة التي تدرس الآن في العالم الإسلامي، لأنه غير مقتنع بصلاحية الإسلام، الذي يربي المؤمنين على العقيدة الإسلامية الصحيحة وعلى الولاء الخالص الصادق لهذه العقيدة. مع البراء من كل دخيل عليها، والشعور بالاعتزاز بهذه المكرمة الربانية التي لا يستحق هذا الكاتب وأمثاله أن يتحلوا بها. لأنها لا تكون إلا لمؤمنين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليست لمجموعة من (فراخ) التعليم الغربي الكافر.
فهل وعى ذو الحجى منا خطورة هؤلاء التلاميذ الذين ينشرون هذا الكلام في صحفنا ويضعون مناهج التعليم في بلادنا؟
اللهم بلغت اللهم فاشهد.
٢- وسائل الإعلام:
لوسائل الإعلام - الكتاب، القصة، الإذاعة، التليفزيون، المجلة الجريدة، السينما وأخيراً الفيديو- أثر كبير وخطير على جميع طبقات المجتمع وقد أدرك أعداء الإسلام خطورة هذه الوسائل وما لها من تأثير عميق فأحكموا قبضتهم عليها، وبثوا من خلالها ما رسموه لإفساد المسلمين وإخراجهم من إسلامهم.
وجميع هذه الوسائل تحرص - وبكل ما أوتيت - على فسخ وخلع ولاء المسلم لدينه وإخوانه المؤمنين وتركز بكل قوة على تذويب تميز المسلم عن غيره، وعلى زعزعة برائه وعداوته للكفار، حيث تحسن للناس: أن البلاد الصناعية هي بلاد الحرية وبلاد التقدم وبلاد العلم والرقي والمدنية وأن الذي يشعر أو يدين بالعداوة الدينية لهذه الشعوب هو إنسان لم يعرف روح العصر وروح العلم الذي مزق الحواجز بين الأجناس ووصل القارات وجعل الناس إخوة في الشرق والغرب!! وهي البلاد التي يستطيع الإنسان فيها أن يمارس ما يشاء وكيف شاء!!
ولقد قامت وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية - ولا تزال تقوم - بحرب شعواء على الدين الإسلامي وعلى المسلمين ففضلاً عن أنها تحسن وتدعو إلى موالاة الكفار: هي أيضاً حريصة على نشر الفاحشة في الذين آمنوا.
стр. 390
والمتتبع للصحف الصادرة في أوائل هذا القرن الميلادي يجد فيها صورة صادقة لما نقول فصحيفة المقطم - مثلاً - تجدها موالية للإنجليز، تعمل لحسابهم، وتصور أفعالهم بأنها أفعال إنسانية، حيث أنهم - أي الإنجليز - لم يقيموا في مصر إلا لرفع الظلم وإحياء العدل، وإليهم وحدهم يرجع الفضل في إنقاذ مصر من كل ما أصابها!! وكذلك كانت مجلة المقتطف تدور كتابتها وآراؤها حول هذا الموضوع (١) .
وقد عملت هذه الصحف والمجلات المأجورة على إماتة الجهاد بمفهومه الإسلامي الصحيح، وتردد ما يقوله أسيادها من أن المسلمين أناس همج يحبون الحروب وسفك الدماء، ولا تتسع صدورهم للتسامح "لأنهم أناس متعصبون"؟!
فإذا أرادوا الخروج من هذه الوصمة فعليهم بالتسامح والتحبب للآخرين وتغيير النظرة إليهم، ويجب عليهم أن يبرأوا من ذلك "التراث" الذي يعمق تلك الروح المتعصبة في نفوسهم (٢) !
وكذلك كانت مجلة الهلال والمقتطف تعملان على (تطوير الفكر الإسلامي وإشرابه الروح العلمانية التحررية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر) (٣) .
ومن المهام التي عنيت بها وسائل الإعلام: إشاعة الفاحشة، والإغراء بالجريمة، والسعي بالفساد في الأرض لخلخلة العقيدة وتحطيم الأخلاق وإذا انهدم الركنان الأساسيان - وهما العقيدة والأخلاق - فكيف يرجى بعد ذلك قيام بناء سليم (٤) ؟
وإذا كان هذا هو تأثير وسائل الإعلام بوجه عام، فكيف إذا علمنا أن معظم
стр. 391
القائمين على هذه الصحف والمجلات، أناس كفار، قد ملت صدورهم حقداً وكراهية لهذا الدين وامتلأت نفوسهم غيظاً من شدة ما يرو من تأثير هذا الدين، وما تصنعه هذه العقيدة.
وهؤلاء كثير. منهم على سبيل المثال لا الحصر: جورجي زيدان مزيف التاريخ وهو صاحب دار الهلال وسليم تقلا مؤسس جريدة الأهرام، ويعقوب وفؤاد صروف صاحبا المقتطف.
وهذه الوسائل قد قامت بمحاربة الله في الأرض، تريد أن تحلل ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله، فنصبت نفسها طاغوتاً يعبد من دون الله.
ومصداق ذلك: أن الصحافة المأجورة أيام تأسيسها في مصر ظلت تكتب عن مشكلة البغاء ثلاثين سنة، وكذلك عن مشكلة المرأة واختلاطها بالرجال، وتحطيم هيبة الدين ووصمه بالرجعية والجمود والتقاليد البالية، وأنه لم يعد صالحاً لمواكبة العصر، كما قال الصحافي المأجور (هيكل) حين قال: (إن التقدم التكنولوجي قد أحال أقدس الكتب الدينية - أي القرآن - إلى أوراق صفراء تحفظ في المتاحف) (١) . بل تعدت وسائل الإعلام المأجورة من قبل أعداء الإسلام على الألوهية. فقال نجيب محفوظ في إحدى قصصه إن الله قد مات (٢) "ألا لعنة الله على الظالمين".
أما عن قضية حجاب المرأة المسلمة فهذا شيء هاجت له جميع وسائل الإعلام ولا تزال وأول من قاد هذه الدعوة المحمومة قاسم أمين في كتابه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" ونادى بالمرأة المصرية أن تجاري أختها الأوربية في كل شيء، ومن ثمار هذه الدعوة من سميت أمينة وهي ليست أمينة، إنها أمينة السعيد التي قالت وهي تهاجم الحجاب " عجبت لفتيات مثقفات كيف يلبسن أكفان الموتى وهن على قيد الحياة "، وقبلها كانت "الزعيمة" هدى شعراوي وصفية زغلول، وغيرهما ممن اللائي أحرقن الحجاب في ميدان الإسماعيلية الذي سمي بعد ذلك
стр. 392
"ميدان التحرير" (١) !
وخلاصة ما يمكن أن نقوله عن وسائل الإعلام وممن يخطط لها: أنها قلبت المنكر معروفاً وأمرت به، وقلبت المعروف منكراً ونهت عنه.
ومن يراجع بروتوكولات حكماء صهيون يجد مصداق ما ذكرنا كله حرفاً بحرف بل أكثر من ذلك، وإليك هذا النص الصريح من نفس البروتوكولات.
جاء في البرتوكول الثالث عشر ما نصه: (ولكي نبعد الجماهير من الأمم غير اليهودية عن أن تكشف بنفسها أي خط عمل جديد لنا سنلهيها بأنواع شتى من الملاهي والألعاب وهلم جرا.
"وسرعان ما سنبدأ الإعلان في الصحف داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى من كل أنواع المشروعات كالفن والرياضة وما إليها.
" إن هذه المتع الجديدة ستلهى ذهن الشعب حتماً عن المسائل التي سنختلف فيها معه وحالما يفقد الشعب تدريجياً نعمة التفكير المستقل بنفسه سيهتف جميعاً معنا لسبب واحد هو: إننا سنكون أعضاء المجتمع الوحيد بين الذين يكونون أهلاً لتقديم خطوط تفكير جديدة.
"وهذه الخطوط سنقدمها متوسلين بتسخير آلاتنا وحدها، من أمثال الأشخاص الذين لا يستطاع الشك في تحالفهم معنا.
"إن دور المثاليين المتحررين سينتهي حالما يعترف بحكومتنا وسيؤدون لنا خدمة طيبة حتى يحين ذلك الوقت، ولهذا السبب سنحاول أن نوجه العقل العام نحو كل نوع من النظريات المبهرجة التي يمكن أن تبدو تقدمية أو تحررية.
" لقد نجحنا نجاحاً كاملاً بنظرياتنا على التقدم في تحويل رؤوس الأميين الفارغة من العقل نحو الاشتراكية. ولا يوجد عقل واحد بين الأميين يستطيع أن
стр. 393
يلاحظ أنه في كل حالة وراء كلمة "التقدم" يختفي ضلال وزيغ عن الحق (١) .
وأحسب أن كل عاقل سيقف بروية عند قولهم "وحالما يفقد الشعب تدريجياً نعمة التفكير المستقل بنفسه سيهتف جميعاً معنا.. الخ.
ولكن مع هذا أيضاً نقول: إن هذا الغزو الفكري مهما كان من الشراسة والحنكة والتخطيط مع الدقة وضبط التوقيت المناسب للمادة المناسبة مع هذا كله فإن المسلمين أو أكثر المحسوبين على الإسلام قد أسهموا في عمل هذه الوسائل الخبيثة لأنهم ابتعدوا عن دينهم وتخلوا عن مفاهيم عقيدتهم والله سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
٣- نشر كتب المستشرقين:
لئن كانت حركة الترجمة الأولى قد صحبها من الانحرافات ما سبق الإشارة إليه، فإن حركة الترجمة المعاصرة أشد خبثاً من سابقتها وأكثر إفساداً منها.
ذلك أن الترجمة الحديثة لم تكن في غالب الأحوال عن طريق غير المسلمين فحسب، بل اتجهت إلى ترجمة كتب المستشرقين الحاقدين الذين قاموا بأعمال فكرية كثيرة هدفها الأساسي تشويه مصادر التلقي عند المسلمين وتكديرها بالأفكار المغرضة والدسائس الحاقدة. لينشأ جيل إسلامي مفصول العرى عن دينه وأمته، يتخذ من الطرائق الغربية في التفكير والبحث قبلته الوحيدة، ولا يشعر بالانتماء للإسلام ديناَ ومنهجاً وحضارة.
وكتابة المستشرقين تتفق في معظمها على أسلوب واحد هو: إنها دراسات
стр. 394
موجهة من قبل المستشرقين أنفسهم ومن قبل من يمولهم في عملهم فهي ليست دراسات علمية يقصد بها وجه العلم، يدل على ذلك قول "سمث" في كتابه "الإسلام في التاريخ الحديث" في الفصل الثالث الذي تكلم فيه عن العرب: إن الإسلام كان عاملاً أساسياً وسبباً مهماً من أسباب وجود الهوة التي تفصل بين الغرب والعرب ثم يقول: "لقد أصبح من الحقائق الجديدة في مدنيتنا العصرية أن من الواجب سد هذه الثغرات ببناء قنطرة فوق مثل هذه الهوة، وخلق الأسباب الموصلة للتفاهم والتواصل ... وخلق مثل هذا التفاهم بين المدنيات المختلفة والأديان المتباينة يتطلب جهوداً مبتكرة لا يتوصل إليها إلا بصعوبة (١) .
"ولقد قام المستشرقون بجهود كبيرة تمثلت في إحياء بعض النصوص والمخطوطات الإسلامية وكان لهم في ذلك طرق منظمة إلى حد ما، ولهم أيضاً في ذلك أخطاء كثيرة في فهم النصوص وتفسير الأحداث، ولكن مع كل ذلك فليست العبرة بالجهد الذي بذل وإنما العبرة بالهدف الذي بذل هذا الجهد من أجله هل كان هذا الهدف هو "خدمة" الإسلام أم تشويه الإسلام وتلويث صورته في النفوس" (٢) ؟
ويدعي المستشرقون في كل ما يكتبون الروح العلمية أو الروح المتجردة! وغير ذلك من الشعارات التي تكذبها كتابة المستشرقين أنفسهم، ودليل ذلك أن مرجليوث - وهو من أئمتهم - يقول في فصل له منشور في موسوعة "تاريخ العلم" إن محمداً ﷺ رجل مجهول النسب لأنه محمد " بن عبد الله" وقد كان العرب يطلقون على من لا يعرفون نسبه اسم عبد الله!!!
أوليس منبع هذا هو الحقد الصليبي لا الروح العلمية المتجردة؟
أوليس دافع هذا: التشكيك في الحقائق المسلمة البدهية؟
كيف يقال هذا الكلام ورسوله ﷺ من قوم لا تعرف شيئاً كما تعرف
стр. 395
الأنساب ولا تعتز بشيء كاعتزازها بالأنساب؟
أي سخف وأي تفاهة في هذا التفكير الاستشراقي الخبيث؟ (١)
وماذا ينتظر من هؤلاء وواحد من زعمائهم "جولد تسيهر" يقول في كتابه "العقيدة والشريعة" إن النظام الفقهي الإسلامي الدقيق مستمد من "القانون الروماني" ونظامه السياسي متأثر بالنظريات السياسة الفارسية، وتصوفه يمثل الآراء الهندية والأفلاطونية الجديدة!!! (٢) .
ولو أردنا تتبع الأمثلة لطال الحديث في ذلك.
ولكننا نقول: ما دام هؤلاء الناس بهذه الروح الحاقدة والنية السيئة والفعل الخبيث. سلاحهم التشكيك، ودينهم الكذب والتزوير وطابعهم الحقد الصليبي القديم، ما داموا كذلك فما هو - يا ترى - قيمة كل ما كتبوه؟
وماذا يرتجي من تلاميذهم الذين ينظرون إليهم بروح الإجلال والإكبار وأنهم هم أساطين البحث العلمي المتجرد؟
إن كثيراً من تلاميذهم يستطيع أن يغالط نفسه وغيره ممن هو على شاكلته كثيراً ولكنه لا يستطيع أن ينكر واقعاً مشهوداً في حياة المستشرقين أنفسهم غير ما ذكرنا من الأمثلة السابقة.
ذلك أن الطلاب المبتعثين للدراسة على أيدي المستشرقين لا بد أن يختاروا بحوثهم العلمية على ما يريده لهم أساتذتهم. فإن لم يكن كذلك وأعطي الطالب حرية الاختيار فلا بد أن تكون الكتابة في أي موضوع خاضعة لما يمليه هذا المستشرقين وما يصبوا إليه من الطعن في الإسلام شريعة وعقيدة ونظام حياة خاصة إذا كان البحث في "قضايا الإسلام"
وخير مثال على ذلك ما ذكره الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي ﵀ حيث قال: (حدثني البروفسور "اندرسون" نفسه أنه أسقط أحد المتخرجين من الأزهر الذين أرادوا نوال شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلامي من جامعة
стр. 396
لندن، لسبب واحد هو أنه قدم أطروحته عن حقوق المرأة في الإسلام، وقد برهن فيها على أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها الكاملة، فعجبت من ذلك، وسألت هذا المستشرق: وكيف أسقطته ومنعته من نوال الدكتوراه لهذا السبب، وأنتم تدعون حرية الفكر في جامعاتكم؟
قال: لأنه يقول: الإسلام يمنح المرأة كذا والإسلام قرر للمرأة كذا، فهل هو ناطق رسمي باسم الإسلام؟) (١) !!
لقد أحدثت كتب المستشرقين زعزعة كبيرة في نفوس ضعاف الإيمان، فخرج من هذه المدرسة التشكيلية أجيال تولت القيادات الفكرية والعلمية في العالم الإسلامي وأخذت تردد كالببغاء ما أملاه عليها أساتذتها "العلماء".
ولقد كان من أهم أهداف المستشرقين وتلاميذهم الطعن في سنة رسول الله ﷺ ومحاولة النيل منها. ومصداق ذلك أن أحد هؤلاء التلاميذ وهو الدكتور علي حسن عبد القادر قال لتلاميذه بعد أن رجع "دكتوراً" إني سأدرس لكم تاريخ التشريع الإسلامي ولكن على طريقة علمية لا عهد للأزهر بها، وإني اعترف لكم بأني تعلمت في الأزهر قرابة أربعة عشر عاماً فلم أفهم الإسلام ولكني فهمت الإسلام حين دراستي في ألمانيا (٢) !! قال الأستاذ السباعي ﵀: ثم تبين لنا فيما بعد أنه يملي علينا ترجمة حرفية لكتاب "جولد شهير" دراسات إسلامية!! (٣) .
أما أكثر ما يعتمدون عليه في الطعن في السنة من غير الشبه والشكوك فهو حكاية عرض الحديث على "العقل" وهي حكاية قديمة نادى بها المعتزلة، وتبعهم عليها المستشرقون وتلاميذهم أمثال أحمد أمين وأبي رية وغيرهم كثير.
وللمستشرقين أيضاً كتابات أخرى دس فيها السم بالعسل وذلك أنهم
стр. 397
يصدون كتاباتهم بقليل من المدح للإسلام وأنه فعل كذا كذا.. الخ، وهم يهدفون من وراء ذلك إلى كسب ثقة القارىء، ثم يبدأون بنفث الحقد الدفين في نفوسهم بأن يشككوا في العقيدة والشريعة ويوردوا سيلاً من الشبه التافهة من أجل زعزعة ثقة المسلم بدينة (١) تحقيقاً لقوله تعالى:
﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ [سورة آل عمران: ٧٢] .
ومما لاشك فيه أن هناك أموالاً وحكومات وراء نشر كتب المستشرقين في العالم الإسلامي لأن هذا الغزو يحقق لأعداء الإسلام ما لم يحققه لهم الغزو العسكري.
على أنه من المهم أن نقول هنا: أن تخلي المسلمين عن منهجهم العلمي بعد تخليهم عن مفاهيم العقيدة الصحيحة وترك منهج المحدثين الذي هو أعظم منهج علمي وضع في تاريخ البشرية سبب مباشر يقف إلى جانب كيد المستشرقين في ازدياد هوة الانحراف الذي وقع في حياة المسلمين:
وخلاصة القول: إن كل من تأثر بالمستشرقين - فكراً أو منهجاً - لا يمكن أن يكون ولاؤه لدينه وأمته صافياً صادقاً كما أن براءه لن يكون وفق التصور الإسلامي الصحيح.
стр. 398
٤- المذاهب اللادينية:
إن من أخبث وأخطر ما واجه المسلمين في عصرهم الحاضر انتشار المذاهب اللادينية بينهم، حيث أريد لهذه المذاهب الهدامة أن تمحو شريعة الله من الأرض وتقصيها من واقع حياة المسلمين. وتشتت ولاء المسلمين الواحد إلى ولاءات جاهلية متعددة، فإذا انتزع ولاء المسلم لدينه سهل حينئذ تقبله لأي فكر، ورضي بأي وضع يعيش فيه مهما كان في ذلك من التبعية والانهزام.
من هنا عمل أعداء الإسلام على بث هذه المذاهب مستخدمين لذلك وسيلتين:
(١) الهجوم الشرس على العقيدة الإسلامية والشريعة ورميها بأحط ما وضعوا من عبارات مسفة كقولهم إن الشريعة الإسلامية شريعة بربرية تشوه يد السارق، وترتكب جريمة فظيعة برجم الزاني المحصن ولا تساير روح العصر الذي سيطرت عليه المعارف "التكنولوجية" بل ليس في الإسلام مواد قانونية تنظم حياة الناس.. إلى آخر ذلك الهراء.
(٢) إضفاء صبغة البهرجة الكاذبة، والدعاية لتلك المذاهب الهدامة ووصفها بأنها هي علامة التقدم ومسايرة الركب الحضاري العالمي، وهى التي تعطي الناس الحرية في كل شيء. وهي مذاهب لا تقيد إنسان بدين معين، بل يأخذ ما يريد ويدع ما لا يريد مذاهب تخلو من التزمت وضيق الأفق.. إلى آخر ما هنالك مما يقال.
ولقد وقع كثير من المنتسبين للإسلام فريسة لهذا الغزو الصهيوني الماكر ولا أريد هنا أن أدخل في قضية الردود على كل جزئية فإن ذلك ليس من منهج هذا البحث، كما قد أشرت إلى ذلك سابقاً وصدق القائل:
لو كل كلب عوى ألقمته حجراً ... لأصبح الصخر مثقالاً بدينار
стр. 399
ثم إننا لم نعد بحاجة كبيرة لتتبع الرد على شبهات الأعداء وقولهم إن هذا العصر لم يعد بحاجة إلى الدين، لأن هذا كلام يكذبه واقعهم هم، بدليل ما نشاهده اليوم في البلاد الكافرة كأمريكا وأوروبا من حالة الضياع والانتحار والقتل وفظائع الجريمة والخواء الروحي. وبحثهم عما يشبع جوعهم الروحي الذي لا يملأه إلا الإسلام.
وأما ما يتعلق بهجرة مذاهبهم الإلحادية فأكبر مثال يكذبها عندهم هم هو فشلها في بلادهم.
ثم ما كتبه مفكروهم عن تدهور الحضارة الغربية، حيث ذكروا أنها في طريقها إلى الزوال وهذا أمر ثابت لا يحتاج إلى جدال. فإن كل بناء قام على غير ما شرع الله مصيره الزوال والدمار كما قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴿ [سورة الأنعام: ٤٤] .
وأوربا اليوم قد فتح عليها كل شيء في العلم المادي والتقدم الصناعي والسياسة والمال والاقتصاد وغير ذلك، ولكنها مع هذا كله في طريقها للزوال وفق سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول.
هذا وبالرغم من أنني سأعطي فكرة موجزة عن هدف كل مذهب يتعلق ببحثي إلا أنني أبادر إلى القول بأن الهدف الأول والأخير من كل هذه المذاهب الكافرة هو: إخراج المسلم من إسلامه وقطع ولاء المسلم بربه ودينه وإخوانه المؤمنين، ثم العودة إلى روح الجاهلية التي تتمثل في الطاعة والانقياد والخضوع لهذه المذاهب الكافرة ولطواغيتها الذين يخططون لها. والعودة أيضاً بالمسلمين إلى جاهلية العرق والنسب والتراب وسائر أنواع النتن التي أمر الله المسلمين بتركها
стр. 400
لأنها تنقض عرى الإسلام عروة عروة. وهذا الهدف تتفق عليه كل المذاهب الكافرة باتجاهاتها المختلفة وانتماءاتها المتنوعة ولكنني - وأنا أكتب عن عقيدة الولاء والبراء - سأقتصر على تلك المذاهب التي تبدو فيها صورة منافاتها لهذه العقيدة واضحة جلية، وتناقضها معها أمراً ظاهراً.
ومن ذلك القومية والوطنية ، اللتان تحصران الولاء في دائرة الجنس أو التراب فيلتقي فيها مثلاً اليهودي العربي والنصراني العربي والمشرك العربي، والبعثي العربي مع المسلم العربي لأن رابطة القومية العربية تجمعهم!! وهذا أمر يرفضه الدين الحنيف لأن الرابطة فيه هي رابطة العقيدة، فضلاً عن أن الوطنية والقومية ضيقتا دائرة الولاء.
إن العالم الإسلامي كان أمة واحدة تظلله راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ورغم خط الانحراف الذي يرتفع ويهبط في تاريخ المسلمين إلا أنهم إلى ما يقرب من ثلاثة قرون كانوا يشعرون أنهم أمة واحدة لأنهم يدينون بدين واحد ويؤمنون بكتاب واحد وسنة واحدة ويتحاكمون إلى شريعة واحدة.
ولقد كان المسلم يخرج من طنجة حتى ينتهي به المقام في بغداد لا يحمل معه جنسية قومية أو هوية وطنية وإنما يحمل شعاراً إسلاميا هو كلمة التوحيد، فكلما حل أرضاً وجد فيها له إخوة في الإيمان وإن كانت الألسنة مختلفة والألوان متباينة لأن الإسلام أذاب كل تلك الفوارق واعتبرها من شعارات الجاهلية.
ولكنه نتيجة لضعف المسلمين وتمكينهم عدوهم من أنفسهم سهل استعمارهم من قبل أرذل خلق الله. وهم اليهود والنصارى ومن جاء بعدهم كالملاحدة الشيوعيين.
وبعد أن تمكن العدو من السيطرة على أرض الإسلام أخذ يبث سمومه ويغرس في نفوس الضعاف والسذج والعملاء حبه ونصرته وموالاته، واستحسان ما هو عليه من باطل وكفر، وهنا نزع الولاء الإسلامي ليحل محله الولاء الجاهلي الكافر.
ومصداق هذا الكلام قول أحد المستشرقين في كتاب "الشرق الأدنى مجتمعه
стр. 401
وثقافته" وهو يتحدث عن أسلوب نزع ولاء المسلمين فيقول (إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنحصل على تراث الحضارات القديمة قبل الإسلام، ولسنا نعتقد بهذا أن المسلم سيترك دينه ولكنه يكفينا منه تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات) (١) .
وهذا الكلام صادق في ذاته، لأن نشوء فكرة إحياء الحضارات والنعرات الجاهلية أمر خطير على قضية الولاء، حيث ينشأ من ذلك فصام نكد، ويبتدئ الميل والحب - بفعل شياطين الجن والإنس - يكبر تجاه هذه الحضارات ويقل ثم يضمحل الولاء الإسلامي الخالص لله رب العالمين.
وبعد أن كان البراء أمراً ملازماً للولاء تجاه هذه النعرات الجاهلية أصبح أمراً لا وجود له - إلا عند من رحم الله - لأن هذه الأفكار كفيلة بغسل فكرة البراء من النفس عند ضعاف الإيمان، أو المغالطة عند البعض بأن هذه الأفكار والمذاهب لا تتعارض مع الإسلام! ويقال: ما الذي يمنع المسلم أن يكون مسلماً وقومياً أو مسلماً علمانياً أو مسلماً اشتراكياً.. الخ.
ولما أدرك أعداء الإسلام مدى جدوى وفاعلية هذه الفكرة التي تمسخ المسلم حتى يصبح مخلوقاً لا صلة له بالله - كما قالوا - بدأوا ببث فكرة القومية والوطنية مبتدئين بتركيا مقر آخر خلافة إسلامية، حيث نشأت هناك: القومية الطورانية وتزعم هذه الدعوة حزب "الاتحاد والترقي" فبدأ بالمطالبة "بتتريك" تركيا، وعودة القومية الطورانية متخذين لذلك شعار: الذئب الأغبر الذي هو معبود الأتراك قبل أن يعرفوا الإسلام.
وبهذا (التتريك) أخذت الدولة العثمانية تضغط على العرب، حيث تعطي الأتراك امتيازات خاصة بهم لأنهم ترك! وهذا الفعل فضلاً عن كونه يعارض مبدأ العدل الإسلامي هو أيضاً مؤشر للعرب أن يتحدوا في قومية عربية جديدة! وهذا هو الذي حصل فعلاً.
فلقد قام الجاسوس لورنس - الذي سماه المغفلون - "لورنس العرب"
стр. 402
بالتخطيط لقيام ما يسمى بالثورة العربية الكبرى ضد الخلافة العثمانية وانضم العرب إلى جيوش الحلفاء الذين لا يرقبون في مؤمن إلا وذمة ولا يراعون في مسلم عهداً ولا حرمة (١) . ومن المضحك المخزي أن محرك هذه الجيوش العربية هو لورنس العرب!!
فانظر أيها القارئ إلى جيوش عربية تزعم أنها مسلمة وولاؤها لجاسوس غربي كافر اسمه لورنس!!
وبعد انتهاء مهمة هذه الجيوش قال أحد القادة الإنجليز - "اللينبي" - قولته المشهورة "الآن انتهت الحروب الصليبية"!! يقصد بذلك أن الحقد الصليبي ظل كامناً في نفوس الصليبيين إلى أن استردوا بيت المقدس" (٢) .
وانفصل العرب عن إخوانهم المسلمين في أنحاء المعمورة واعتنقوا القومية العلمانية من أجل تقليد الغرب الذي آمن بها بالأمس وكفر بها اليوم. وأصبح "كل تجمع أو حتى تضامن أو تقارب على أساس العقيدة والدين مظهراً من مظاهر التخلف والرجعية يجب أن تبرأ منه الجماهير لتكون عصرية تقدمية" (٣) .
ولما انتكست العرب وعادت إلى نعرة الجاهلية، فقدت روح التضحية والجهاد، وولت وجهها تجاه اليمين واليسار، حيث اليمين له ألوان وضروب من واشنطن إلى باريس إلى لندن واليسار له ألوان أحمر وأصفر وبينهما بعد ما بين موسكو وبكين (٤) .
ولما وقعت هذه النعرة الجاهلية، وقع معها كل باطل وكل شر فأما شريعة الله وحكمه وقيامها بما يحتاج إليه البشر لأنها من عند الله وهو العليم سبحانه بما يصلح أحوال البشر: فقد أقصيت وحل محلها قانون البعث العربي الاشتراكي الذي أخذ هذا الشعار.
стр. 403
لا تسل عن ملتي أو مذهبي ... أنا بعثي اشتراكي عربي
ومن المضحك أن صاحب هذا الشعار حين تلقى صفعة موجعة من اليهود بالرغم من ولائه لهم - مسح ذلك الشعار وكتب مكانه "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"!!! (١) .
أما ثمار هذا (الفتح الجديد) بعد الرضى بالقومية فشيء يصعب حصره، حيث انطلقت الغرائز البهيمية وطغت الشهوات، وانتشر المجون والفسق، وتحللت الأخلاق وغربت الفضائل، فأصبح العفاف والاحتشام والحياء: رجعية متزمته لم تر نور القرن العشرين، وأصبح اللهو والخلاعة والصور العارية والقصص الخليعة والأدب الرخيص، والأزياء المثيرة والغناء والرقص والاختلاط سمات الحضارة وعنوان التقدم وشارة التحرر من ربقة التقاليد البالية!! (٢) .
وأعجب من ذلك كله أن اليهود الذين هم وراء هذه الردة الجديدة يعلنون وبصراحة وجدية واضحة أنهم لم ولن يتخلوا عن دينهم فهذا موشي ديان حين سئل هل كنتم تشعرون أن الله معكم في معركة ٥ حزيران؟
قال: كنا نشعر أننا في جانب الله " (٣) .
ويقول زعيم الصهيونية الأول "هرتزل": إن العودة إلى صهيون يجب أن تسبقها عودة إلى اليهودية (٤) .
ونشطت الدعوات الهدامة، فهذه النعرة الفرعونية تطل برأسها وتسفر عن وجهها بعد أن كانت لا تظهر إلا مقتنعة أو من خلف ستار.
نشط دعاتها في الصحف والندوات ورسموا رأس "أبي الهول" على طوابع
стр. 404
البريد وعلى أوراق النقد، اجتاحت مصر موجة من الفرعونية، تحاول غزو سائر النواحي الثقافية، وتدعو إلى إقامة الفنون على أسس فرعونية، وتزعمت صحيفة "السياسة الأسبوعية" هذا الاتجاه الجديد، فأفسحت صدرها لهؤلاء الدعاة ولم يخل عدد من أعدادها من حديث عن حضارة الفراعنة وثقافتهم ومجدهم (١) .
وكثر التغني بهذه الأمجاد من أجل ذبذبة ولاء المسلم، فهذا حافظ إبراهيم يقول:
أنا مصري بناني من بنى ... هرم الدهر الذي أعيى الفنى
ورجعت العراق لعنصرية الآشوريين، وكل بقعة أخذت تنادي بهذه الردة الجديدة.
أما الشعار الوطني الجديد: فهو ما أعلنه سعد زغلول بقوله: الدين لله والوطن للجميع! أي الوطن ليس لله، ثم قال: لا تنادوا بشعارات إسلامية خشية أن يغضب إخواننا الأقباط (٢) .
ونادى دعاة القومية الناس بأسلوب ماكر فقالوا: ما المانع أن يكون المسلم العربي - عربياً مسلماً، ثم قالوا: يكون عربياً فقط. أليس الإسلام عربياً؟ إذن ما هو عيب القومية العربية؟ إن العرب إذا ذلوا ذل الإسلام فلنناد بالقومية العربية!!
وهذا كلام غير صحيح لأنه يوم ذل العرب جاء صلاح الدين الكردي، وجاء قطز المملوكي فأنقذوا المسلمين من ذلك الهوان، وانتصر القائدان بقولهما وإسلاماه.
ولم يكن في حسهم ولا في عقيدتهم هذه التفرقة ولا هذه النعرة الجاهلية (٣) .
إن الإسلام يكذب ذلك الزعم الذي يزعمه القوميون لأنه جاء لانتزاع هذه النعرات فجمع في دعوته بل في أول دعوته: أبا بكر العربي القرشي وبلال
стр. 405
الحبشي وصهيباً الرومي وسلمان الفارسي. وكما قال عمر ﵁: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا التمسنا العزة بغيرة أذلنا الله.
إن تقليد الغرب في استيراد مبدأ القومية أو العلمانية أو أي مذهب أو فكر: يعيد للأذهان تلك القصة الرمزية القديمة التي تتحدث عن حمارين كان أحدهما يحمل ملحاً وكان الآخر يحمل إسفنجاً. فرأى حامل الاسفنج صاحبه ينزل إلى الماء فيذيب بعض الملح ويخرج منه أخف حملاً، فخطر له أن يحصل على المزية نفسها بالأسلوب نفسه، فكانت النتيجة على عكس ما توقعه، وخرج من تجربته أثق حملاً (١) .
وخلاصة القول في القومية: إنها شرك بالله لأنها بإيجابها العمل لها وحدها والتضحية والجهاد في سبيلها، وصرف الكره والبراء وما يتبعهما ضد كل خارج عن القومية، وصرف الحب والولاء وما يتبعها للقوميين ومن والاهم: هي بهذا تكون نداً يعبد من دون الله لأن ذلك يقوم مقام النفي والبراء والإثبات والولاء وهما ركنا الألوهية، أو العبادة في قوله "لا إله إلا الله" فلا "إله" نفي وبراء، و"إلا الله" إثبات وولاء لله لا شريك له. والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ ﴿ (٢) [سورة البقرة: ١٦٥] .
стр. 406
وليس بعد الحق إلا الضلال. فليحذر كل مسلم على نفسه من الوقوع في هذا الشرك المقنع.
وأما العالمية: أو "الإنسانية" فهي تتفق أيضاً مع القومية والوطنية في مناقضة عقيدة الولاء والبراء، ولكن هذا التناقض يتخذ شكلاً آخر: هو توسيع دائرة الولاء بحيث يدخل فيها كل الأقوام والأديان والأوطان. وهذا في حقيقة الأمر ضياع للولاء ومسخ للبراء حتى لا يعود المسلم يشعر بالفارق بينه وبين أي كافر في بقاع الأرض.
ويقوم هذا المبدأ على ألفاظ خادعة وموهمة مثل: الحرية والأخوة والعدل والمساواة.
وفي ذلك يقول "كالفرلي": (وحينما يصبح في مقدور الجميع الوقوف على كل المعلومات المجردة عن الهوى، وحينما يصبح الجميع أحراراً في تفكيرهم، لهم من الشجاعة ما يجعلهم يتقبلون ما هو خير وعدل وجميل، وعندئذ يكون من المحتمل أن يسود العالم دين واحد. وإني سأكون سعيداً باتباع دين عالمي موحد، تنبع مصادره من حقائق التاريخ، وتشمل مبادئه العدالة الاجتماعية، وتقوم بفضله مظاهر الحب والإخاء على أنقاض الكراهية والخصومة (١) .
وهذا الكلام هدم صريح للإسلام، ومعمول هدم لطمس الجهاد الإسلامي الذي يقوم على تحرير الناس من عبودية بعضهم لبعض، ومن انقسامهم إلى "ملأ" وهم السادة الأقوياء و"عبيد" وهم التابعون الأذلاء: إلى جعلهم كلهم عباداً لله.
وكما نعلم جميعاً أن الجهاد يرهب أعداء الله، ويخافونه كثيراً، ولذلك ما فتؤوا يبحثون عن وسائل متنوعة لإبطاله ومحوه من أفكار المسلمين، إنهم تارة يقولون: الإسلام انتشر بالسيف، وتارة يقولون، إنه دين وحشي لا يرحم الناس وقد لا تكون هذه مجدية لما يريدون، فقالوا: العالمية والإنسانية هي المذهب الجديد الذي يعيش فيه الناس بأمن وسلام وعدالة وإخوة، بصرف النظر
стр. 407
عن الأديان والأوطان!
ويزيد هذا الأمر إيضاحاً ما قاله معروف الدواليبي (.. إننا نشاهد منذ المنتصف الثاني لعصرنا الحاضر من القرن العشرين تطلعاً كبيراً نحو إقامة الحياة البشرية على مفاهيم وقواعد إنسانية، ورغبة أكيدة من قبل رجال الفكر والعلم وقادة السياسة للانتقال بالمجتمع الإنساني المتمايز المتناحر إلى مجتمع إنساني واحد متعاون وذلك في إطار "وحدة الأسرة البشرية" من غير تفاضل بين الأقوام إلا بالتقوى، وفي إطار "حق الجميع في الحياة الكريمة " من غير تمايز في الأعراق أو في الأجناس أو في الأديان وفي إطار " وحدة المصالح الاقتصادية للجميع" من غير استئثار من قبل الكبار والأقوياء على حساب الصغار والضعفاء. وفي إطار "العدالة المطلقة بين الجميع حماية لسلام الإنسان"، ثم ذكر أن هيئة الأمم المتحدة أخذت تدعو لهذه المفاهيم العالمية الجديدة التي (تدعو إلى محو التمايز فيما بين الأسرة البشرية وأجناسها، قومياً وعرقياً واقتصادياً وفقاً لمبادئ حقوق الإنسان) (١) .
стр. 408
ونتساءل بعد هذا الكلام. أي قانون بشري يريد دعاة العالمية أن يعيش الناس تحت لوائه؟
هل هو ميثاق هيئة الأمم المتحدة؟ فهي. منظمة السيطرة فيها لليهود والنصارى والشيوعيين وأكبر دليل على ذلك ما يسمى بـ"حق الفيتو" الذي يرفض كل ما يتعارض مع مبدأ أولئك المسيطرين أم أنها الغفلة والانخداع بما خطط له دعاة هذا المذهب الفاسد؟
أم أنه الخبث والدهاء في تحذير الأمة الإسلامية بأن الجهاد أمر لم يعد يصلح لمسايرة العصر الحديث لأن العالمية لا تقره ولا ترضاه؟
وأقرب الإجابات إلى نفسي هو جواب السؤال الأخير ذلك الجواب الذي يعرفه كل مخلص لدينه وربه وكل مؤمن يعرف كيد الجاهلية المعاصرة فيربأ بنفسه أن ينخدع بأي دعوة لا تنبثق من مشكاة النبوة المحمدية والرسالة الربانية الخالدة.
ونحن إذ نقرر هذا الجواب المؤكد، فليس ذلك تجنباً أو مجرد ثورة عاطفة ضد هذا المذهب الإلحادي الكافر، بل هو عين ما يهدف إليه دعاة الماسونية العالمية التي تولت كبر الدعوة إلى هذه النحلة الجديدة بجميع أهدافها وشعاراتها.
ولذلك يقول أحد الماسون " إن ما تبغيه الماسونية هو، وصول الإنسانية شيئاً فشيئاً إلى النظام الأمثل الذي تتحقق فيه الحرية بأكمل معانيها وتزول منه الفوارق
стр. 409
بين الأفراد والشعوب ويسود فيه العلم والجمال والفضيلة" (١) .
وختاماً نقول: إن كل المذاهب البشرية القائمة اليوم في الأرض التي لا تستمد وجودها من الكتاب والسنة محادة لله ولدينه وكتابه وسنة رسوله ﷺ ، وأي تقبل لها أو عمل بمبادئها فإن ذلك موالاة صريحة للكفار، وبراءة صريحة من الإسلام والله قد بين لنا في كتابه العزيز أن من تولى الكفار فهو منهم:
﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴿ [سورة المائدة: ٥١] .
والإسلام هو الدين الذي يجمع ولا يفرق، وهو الذي يجعل الناس في ميزانه الإيماني سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى.
وهو الذي تتحقق فيه العدالة في أسمى صورها، ويتحقق فيه الأمن لأنه لا خوف إلا من الله وهو الذي يكسر شوكة كل طاغوت يريد إذلال الناس له من دون الله.
وهو الذي فيه الطمأنينة والسعادة:
﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴿ [سورة الرعد: ٢٨] .
وهو الذي تتحقق فيه الحياة الكريمة
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
الخاتمة
الإسلام طريق الخلاص وسبيل النجاة
ما الخلاص من هذا الهوان والتبعية اللذين أصيبت بهما الأمة الإسلامية اليوم؟
ما سبيل النجاة مما يراد بالمسلمين اليوم في جميع أنحاء الأرض؟
هل من سمات معينة لذلك المخلص؟ ولمن المستقبل في نهاية الأمر؟
الجواب: إنه الإسلام ولا شيء غيره فهو الذي ينقذ الناس مما هم فيه ممن حالة الضياع والهبوط والعبودية لغير الله، فيخرجهم كما أخرج سلف هذه الأمة من الظلمات إلى النور، ومن الجور إلى العدل، ومن ضيق الدنيا إلى سعة ونعيم الآخرة.
ولكن هذا الطريق المستقيم يحتاج إلى سالك جاد، سائر يسير فيه دون الالتفات إلى اليمين أو اليسار
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٣] .
"والحق أنه لا يمكن أن ينهض صرح الحياة الإسلامية الكاملة الخالصة إلا على دعائم الإقرار بالتوحيد الذي يحيط بجميع نواحي الإنسانية الفردية
стр. 412
والجماعية، والذي يحسب (١) الإنسان بموجبه أنه هو وكل ما بيده من شيء ملك لله، ويرى أن الله هو المالك الشرعي الحقيقي له وللعالم كله، المعبود المطاع الذي له الأمر والنهي.
وأن لا ينبوع للهداية إلا هو، وتطمئن نفسه بكل شعور إلى أن الانحراف عن طاعة الله أو الاستغناء عن هدايته وإشراك غيره به في ذاته وصفاته وحقوقه وتصرفاته إن هو إلا إمعان في الضلالة من أي ناحية جاء أو في أي لون كان.
ثم إن هذا البناء - بناء الإيمان بالله - لا يمكن توطيد دعائمه إلا إذا رأى المرء في باطن أمره رأيا جازماً، وقطع على نفسه بشعور كامل وإرادة قوية أنه هو وكل ما بيده ملك لله وراجع إلى مرضاته، وقضى على ما في نفسه من مقياس للرضا والسخط وجعله مذعناً لرضاء الرب تعالى وسخطه، ونفى عن نفسه الأثرة والكبرياء، وصاغ نظرياته وأفكاره وآراءه ونزعاته ومناهج تفكيره في قالب ذلك العلم الذي قد أنزله الله تعالى في كتابه العزيز.
وخلع عن عنقه ربقة جميع أنواع الولاء الذي لا يذعن لطاعة الله.. ومكن محبة الله تعالى ومودته من سويداء قلبه، ونفى عن أعماق فؤاده كل صنم يطلبه بإجلاله وإكباره أكثر من الله تعالى وأدغم حبه وبغضه وصداقته وعداوته ورغبته ونفوره وصلحه وحربه.. الخ في مرضاة الله تعالى حيث لا ترضى نفسه إلا بما يرضى به الله، ولا تكره إلا ما يكرهه الله.. وهذه مرتبة الإيمان الحقيقية وغايته المرموقة " (٢) .
إن الوضع الذي تعيشه البشرية اليوم في جميع بقاع الأرض والذي يتوجه الضياع والخواء الروحي، وهذه الهتافات التي ترتفع من كل مكان تنادي بمنقذ ومخلص يخلصها من ذلك الهوان لأمر يشيء بأنه هو الإسلام لأنه دين الله العليم بما يصلح النفوس والخبير بجميع مكنونات الضمائر.
إن الإسلام "هو المنهج الوحيد الذي يعطي الفطرة ما يلائمها وهو الذي
стр. 413
ينسق خطاها في الإبداع المادي وخطاها في الاستشراق الروحي وهو وحده الذي يملك أن يقيم لها نظاماً واقعياً للحياة يتم فيه هذا التناسق الذي لم تعرفه البشرية قط إلا في ظل النظام الإسلامي – وحده – على مدى التاريخ " (١) .
وأعداء الإسلام يعرفون جيداً أن عدوهم الوحيد هو الإسلام، ومن أجل ذلك فهم يسعون جادين إلى تحطيم هذا الجبل الشامخ لأنه يعوقهم عن أهدافهم الاستعمارية كما يعوقهم عن الطغيان والتأله في الأرض كما يريدون، لذلك فهم يضعون التصورات والمناهج التي لا تمت إلى هذا الدين بصلة من أجل أن تكون هي البديلة عن هذا الدين القيم (٢) .
وليكن من المعلوم لكل مسلم جاد: أن هذا الدين لا يقوم بألف كتاب تكتب عن الإسلام ولا بالخطب والمواعظ ولا بأفلام الدعاية للإسلام، وإنما يقوم على واقع حي متحرك – يتمثل هذا في المسلمين الصادقين – واقع تراه العين وتلمسه اليد وتلاحظ آثاره العقول (٣) . ومن سمات أصحاب هذا الواقع الذي يغير مجرى حياة البشرية المعاصرة أن يستعلوا بأنفسهم من موالاة أعداء الله – سواء من الكافرين أو المنافقين أو الملحدين – فلا يخدعهم هيلمان الباطل المعاصر، وأن الشرق والغرب يملك القنبلة الذرية، والصواريخ العابرة للقارات بل يعلمون أن الله هو الأكبر، وهو الولي الناصر، وأن الغلبة للحق مهما استطال الباطل
﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ [سورة البقرة: ٢٤٩] .
стр. 414
﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴿ [سورة الصافات: ١٧٣] .
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ﴿ [سورة غافر: ٥١] .
ويقول سبحانه في شأن الأعداء،
﴿يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴿ [سورة آل عمران: ١١١] .
ولن يصل المسلمون الصادقون إلى هذه الدرجة الرفيعة إلا بالبراءة من كل منهج وتشريع يخالف شريعة الله، والبراءة أيضاً من كل فكر يناقض هذه العقيدة التي كانت سبب نصر وعزة السلف الصالح. واستمداد حكم كل صغيرة وكبيرة من هذه الشريعة الربانية التي هي "صراط الله المستقيم الذي لا أمت فيه ولا عوج، وملته الحنيفية التي لا ضيق فيها ولا حرج.. لم تأمر بشيء فيقول العقل لو نهت عنه لكان أوفق، ولم تنه عن شيء فيقول الحجى، لو أباحته لكان أرفق، بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث أوامرها غذاء ودواء، ونواهيها حمية وصيانة من كل داء، ظاهرها زينة لباطنها وباطنها أجمل من ظاهرها. شعارها الصدق وقوامها الحق، وميزانها العدل
стр. 415
وحكمها الفصل، لا حاجة بها البتة إلى أن تكمل بسياسة ملك أو رأي ذي رأي أكملها الله بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴿ [سورة المائدة: ٣] .
وقال ﷺ " تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " (١)
وحري بدعاة الخير الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أن يعودوا بالأمة إلى صفاء العقيدة الممثل في:
(١) تصحيح مفهوم لا إله إلا الله محمد رسول الله ودعوة الناس إلى فهم هذه الكلمة العظيمة كما فهمها رسول الله ﷺ وأصحابه الأخيار، ومحو ذلك المفهوم الخاطىء الذي يردده المتأخرون وهي أنها مجرد لفظ عار من كل تكليف.
مع بيان أن من تكاليفها موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين، وتحكيم شريعة الله واتباع ما أنزله الله والكفر بالآلهة المزيفة والأرباب المتعددة من العرف والهوى والعادات والمتألهين الذين يشرعون للناس بغير ما أنزل الله.
(٢) تصحيح مفهوم العبادة وأنه مفهوم شامل كامل وليس مجرد شعائر تؤدى بينما نظام الحياة والممات قائم على مناهج وضعها البشر تفصل بين الدين والدولة، وبين الدين والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
فالعبادة هي عقيدة وشريعة ونظام حياة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿ [سورة الأنعام: ١٦٢- ١٦٣] .
стр. 416
(٣) تربية جيل على منهاج الكتاب والسنة. لأن هذا هو الطريق الصحيح الذي به ترجع الأمة إلى ربها ودينها.
(٤) طرد آثار الغزو الفكري وذلك بتعرية الجاهلية الحديثة، وتمزيق زيفها وبهرجتها فتبين انحرافاتها مع إيجاد البديل الإسلامي الصحيح.
(٥) تعميق قضية ولاء المسلم للمسلم وانتمائه لإخوانه المؤمنين فقط، وخلع الولاءات الجاهلية من قومية وعرقية ووطنية وعالمية وغيرها فالمسلم أخو المسلم في أي بقعة كانت، دار الإسلام هي دار كل مسلم في جميع أنحاء الأرض.
ومن تاريخنا ما يشهد بكل جلاء على أهمية هذه القضية. فإن امرأة مسلمة أهينت بعمورية فاستغاثت، وامعتصماه. فقال المعتصم لبيك أيتها المرأة المسلمة وجهز الجيوش وفتح عمورية ونصر المرأة المؤمنة، ولم يقل إنها في وطن وأنا في وطن بل انطلق من واقع مسئوليته كخليفة مسلم. كل الأمة المسلمة أمانة في عنقة وهو مسؤول عنها يوم يلقى الله.
ومن هنا فإن نصرة المسلمين المضطهدين في كل بقعة من بقاع الأرض أمر واجب تفرضه هذه العقيدة. ويكون واجب المؤمن – حينئذ – محبة هؤلاء المسلمين ومناصرتهم باليد واللسان والمال والنصرة في كل موطن ومناسبة.
(٦) تعميق قضية المعاداة والبراءة من أعداء الله الكفار منهم والمشركين والمنافقين والمرتدين. وإنه لا يجتمع إيمان في قلب مع حب للكفر وأهله كما قال تعالى:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴿ [سورة المجادلة: ٢٢] .
والحرص على تمييز المسلم عن كل وضع وفكر يخالف كتاب الله وسنة رسوله
стр. 417
(٧) التأكد على قضية عداوة أولياء الشيطان لأولياء الرحمن، فإن هذه العداوة قائمة منذ آدم ﵇ إلى قيام الساعة فالحزبان لا يلتقيان أبداً لأن حزب الله يريد دعوة الناس إلى عبادة الله وحزب الشيطان يدعو الناس إلى عبادة الطاغوت وطاعته، وقتال المؤمنين لصدهم عن دينهم
﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴿ [سورة البقرة: ٢١٧] .
(٨) بعث الأمل وتقويته في النفوس بقرب نصر الله كما قال صلى الله عليه وسلك "لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله " (١) .
هذه رؤوس أقلام تبين ملامح طريق الخلاص، وإذا صدق المسلمون مع الله وجدوا معية الله وعونه، لأنهم الأعلون، وهم القائمون بأمر الله في أرض الله، ومن ثم فهم المستحقون لولاية الله وتكريمه لهم
﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ [سورة يونس: ٦٢] .
إنهم حزب الله وأكرم بذلك الحزب الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله ولا تأخذهم في الله لومة لائم.
﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون ﴿َ [سورة المجادلة: ٢٢] .
стр. 418
ونحن مستبشرين بخير إن شاء الله، لأن طلائع وبشارات الجيل الإسلامي الجديد الذي يخلص الأمة من هذا الهوان والضياع والتبعية بادية ظاهرة في كل صقع من أصقاع الأرض، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين