← Акыда

Акыда · id 9758

الولاء والبراء في الإسلام

محمد بن سعيد القحطاني

Полный текст (418 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ذلك أن لديهم من مقومات هذه العقيدة ومقتضياتها ما يدفعهم للعمل بجد وصبر. وهم يعلمون أن ذلك جزء من عبادة الله. لأن نفع ما توصلوا إليه لم ينفعهم هم فحسب بل تعدى ذلك إلى كافة الناس حتى أن أوروبا ظلت قرونا طوالاً تعتمد على النظريات الإسلامية والأبحاث التي ابتكرها المسلمون. وانعكس هذا على التقدم العلمي الذي توصل إليه الغرب في القرون الأخيرة، بعد أن نام المسلمون وتركوا مركز القيادة والريادة في كل شيء حتى جاءت الأجيال التي نشهدها اليوم فإذا بها عالة على تلاميذ أجدادها بالأمس! من أجل ذلك نقول: ونحن نستبشر بالخير حيث بدأ الزحف الإسلامي اليوم في كل أرض - إنه ينبغي للمسلمين أن يعرفوا ماذا يأخذون من غيرهم فيستفيدون به، وماذا يتركونه لئلاً يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم. إن عليهم أن يجعلوا هذه العقيدة الإسلامية هي القاعدة التي يقوم عليها البناء الإسلامي من جديد ثم يستوردون من غير المسلمين ما ينقصهم في المجال (العلمي البحت) ويكون هذا الاستيراد بحذر وذكاء، حيث تصاغ هذه العلوم بصياغة علمية مؤمنة سليمة من صياغة الملاحدة ودعاة "اللادين". وقد يقول قائل: وما دخل الأسلوب العلمي البحت في الأسلوب الديني؟ والجواب: أنه لا فصل بين دين وعلم، بل الدين الإسلامي هو دين العلم. وصياغة الأسلوب العلمي من منطلق إسلامي صحيح يغرس في النفوس إيماناً عميقاً بقدرة الخالق وعظيم صنعه وإبداعه في هذا الكون بكل ما فيه. ثم إن هذا الاعتراض فيه مغالطة ظاهرة: فإنه مهما ادعى المتجردون للأسلوب العلمي أنهم "حياديون " فإنه يستحيل أن تكون صياغة من تلقى نظرية ماركس أو فرويد أو دور كايم لنظرية علمية ما، مثل صياغة من كان بنفس الكفاءة العلمية ولكنه تلقى عقيدة " لا إله إلا الله " من مشكاة محمد بن عبد الله ﷺ . وهذا أمر ظاهر لا يستطيع أن ينكره إلا مكابر أو جاهل يجهل أنه يغالط نفسه.

стр. 352

وأدلة الانتفاع بالكفار نجدها في سنة رسول الله ﷺ فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره في كتاب الإجازة باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام عن عائشة ﵂ واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل ثم من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً - الخريت: الماهر بالهداية - قد غمس يمين حلف في آل العاصي بن وائل وهو على دين كفار قريش فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا (١) الحديث. قال ابن القيم: اسمه عبد الله بن اريقط الدؤلي وفي استئجاره وهو كافر: دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والأدوية والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافراً أن لا يوثق به في شيء أصلاً، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة (٢) . قال ابن بطال: عامة الفقهاء، يجيزون استئجارهم - أي المشركين - عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم (٣) . ولكن ما هو الحكم لو آجر المسلم نفسه من كافر؟ والجواب على ذلك ما رواه البخاري أيضاً عن خباب ﵁ قال: كنت رجلاً قيناً فعملت للعاص بن وائل فاجتمع لي عنده، فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد، فأقضيك: فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا ﴿ (٤) [سورة مريم: ٧٧] .

стр. 353

قال المهلب: كره أهل العلم ذلك - أي مؤاجرة نفسه من مشرك في أرض الحرب - إلا لضرورة بشرطين أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين (١) . أما استئجار المشرك في الغزو فقد ورد النهي بذلك: ففي الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة (٢) أدركه رجل، قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه. فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك قال له رسول الله ﷺ "تؤمن بالله ورسوله "؟ قال: لا. قال: " فارجع فلن أستعين بمشرك " قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة: فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة قال: " فارجع فلن أستعين بمشرك " قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة " تؤمن بالله ورسوله"؟ قال: نعم. قال له رسول الله ﷺ "فانطلق" (٣) . ولكن الحازمي (٤) قال: اختلف أهل العلم في هذا الباب: فذهبت جماعة إلى منع الاستعانة بالمشركين مطلقاً، وتمسكوا بظاهر هذا. الحديث. وقالوا: هذا حديث ثابت عن النبي ﷺ وما يعارضه لا يوازيه في الصحة والثبوت فتعذر ادعاء النسخ لهذا. وذهبت طائفة: إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه ويستعين بهم ولكن بشرطين: (١) أن يكون في المسلمين قلة وتدعو الحاجة إلى ذلك. (٢) أن يكونوا ممن يوثق بهم فلا تخش ثائرتهم.

стр. 354

فمتى فقد هذان الشرطان لم يجز للإمام أن يستعين بهم، قالوا: ومع وجود الشرطين يجوز الاستعانة بهم. وتمسكوا في ذلك بما رواه ابن عباس أن رسول الله ﷺ استعان بيهود بني قينقاع، واستعان بصفوان بن أمية في قتال هوازن يوم حنين، قالوا: وتعين المصير إلى هذا لأن حديث عائشة ﵂ كان يوم بدر وهو متقدم فيكون منسوخاً (١) . ثم قال: " ولا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعاً ولا يسهم لهم (٢) . ويدعم ابن القيم هذا الرأي وهو يتحدث عن فوائد صلح الحديبية فيقول: الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة لأن عينه ﷺ الخزاعي كان كافراً إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم (٣) . وقال في فوائد غزوة حنين. للإمام أن يستعير سلاح المشركين وعدتهم لقتال عدوه. كما استعار رسول الله ﷺ أدرع صفوان بن أمية وهو يؤمئذ مشرك (٤) . وتبعه الإمام محمد بن عبد الوهاب فقال: الانتفاع بالكفار في بعض أمور الدين ليس مذموماً لقصة الخزاعي (٥) . ونلخص إلى القول: إن الانتفاع بالكفار وبما عندهم من العلوم التي هي من اجتهاد الإنسان أمر جائز في الإسلام وأدلته كثيرة سبق ذكر بعضها، ومنها أيضاً: مزارعة رسول الله ﷺ لليهود في خيبر على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها (٦)

стр. 355

أما إجارة المسلم نفسه لهم فجائز إذا لم يكن في ذلك تعظيم لدينهم أو شعائرهم أو ما فيه ذلة ومهانة له. وأما الاستعانة بهم في الغزو فجائز ولكن ذلك منوط بإمام المسلمين إذا رأى أن المصلحة تقتضي استخدامهم وإلا فلا. ومع هذا فإنه يجب الاحتراز ومنع استعمال الكفار في شيء من ولايات المسلمين التي يكون فيها سلطة لهم على المسلمين كالدواوين فإن في ذلك جناية على الإسلام والمسلمين، ففضلاً عن أن ذلك مخالفة صريحة لحكم الشرع الإسلامي وهيمنته على الأرض فإنه أيضاً إذلالاً صريح للمسلمين حتى الذين توهموا أن ذلك أمر جائز. وإليك بعضاً من النصوص والحوادث التاريخية الهامة التي يبدو فيها كيد أعداء الله للإسلام حين تولوا هذه المناصب الهامة. روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت لعمر ﵁ إن لي كاتباً نصرانياً. قال: مالك؟ قاتلك الله؟ أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴿ [سورة المائدة: ٥١] . ألا اتخذت حنيفاً؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته، وله دينه، قال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذا أقصاهم الله " (١) . وكتب عمر ﵁ أيضاً إلى أبي هريرة كتاباً جاء فيه: ".. ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك. وساعد على مصالح المسلمين بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك حاملاً لأثقالهم (٢) .

стр. 356

وكتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى بعض عماله: (أما بعد: فإنه بلغني أن في عملك كاتباً نصرانياً يتصرف في مصالح الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿ [سورة المائدة: ٥٧] . فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن زيد - يعني ذلك الكاتب - إلى الإسلام فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به ولا تتخذ أحداً على غير دين الإسلام في شيء من مصالح المسلمين فأسلم حسان وحسن إسلامه) (١) . ولما فشا استخدام أهل الكتاب في مصالح المسلمين أيام الخلافة العباسية نهض أحد العلماء بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الشأن وهو شبيب بن شيبة (٢) فقد استأذن على أبي جعفر المنصور فإذن له فقال ( ... يا أمير المؤمنين اتق الله فإنها وصية الله، إليكم جاءت وعنكم قبلت، وإليكم تؤدى، وما دعاني إلى قولي إلا محض النصيحة لك والإشفاق عليك، وعلى نعم الله عندك. اخفض جناحك إذا علا كعبك وابسط معروفك إذا أغنى الله يديك. يا أمير المؤمنين إن دون بابك نيراناً تأجج من الظلم والجور لا يعمل فيها بكتاب الله ولا سنة نبيه محمد ﷺ . يا أمير المؤمنين سلطت الذمة على المسلمين، ظلموهم وعسفوهم، وأخذوا ضياعهم وغصبوهم أموالهم، وجاروا عليهم، واتخذوك سلماً لشهواتهم، وإنهم

стр. 357

لن يغنوا عنك من الله شيئاً يوم القيامة. فقال المنصور خذ خاتمي فابعث به إلى من تعرفه من المسلمين وقال: يا ربيع: اكتب إلى الأعمال واصرف من بها من الذمة. ومن أتاك به شبيب فأعلمنا بمكانه لنوقع باستخدامه، فقال شبيب: يا أمير المؤمنين: إن المسلمين لا يأتونك وهؤلاء الكفرة في خدمتك، إن أطاعوهم أغضبوا الله، وإن أغضبوهم أغروك بهم، ولكن تولي في اليوم الواحد عدة، فكلما وليت رجلاً عزلت آخر (١) . وخلاصة القول: إنه ينبغي التفريق بين استخدام الكافر كشخص بمفرده في أمر من الأمور وبين استخدامه كصاحب سلطة ونفوذ في أمر من أمور الدولة الإسلامية. فالأول جائز وبه وردت أدلة سبق ذكرها كما علمت. والثاني لا يجوز لمنافاته مضمون وروح الشريعة الإسلامية وهدفها الأساسي وهو أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. والخير كل الخير في أن يعتمد المسلمون على أنفسهم من أجل أن تبقى الأمة الإسلامية أمة متميزة ذات طابع خاص، مصبوغة بصبغتها الربانية التي أرادها الله لها. سائلين المولى سبحانه أن يأتي باليوم الذي يعود فيه المسلمون لدينهم الصحيح وقد استغنوا في كل أمورهم وشؤونهم عن الكفار وسائر الأعداء، وما ذلك على الله بعزيز. التقية والإكراه وهما أمران ورد حكمهما في الشريعة الإسلامية لبيان حالات معينة من حالات الضرورة التي قد تعرض للمسلم.

стр. 358

تعريف التقية: عرفها حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ فيما روي عنه أنه قال: التقاة: التكلم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان (١) وقال أبو العالية: التقية باللسان وليس بالعمل (٢) . وقال ابن حجر العسقلاني: التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير (٣) . وقال الأستاذ سيد قطب: التقية: تقية اللسان لا ولاء القلب، ولا ولاء العمل وليس من التقية المرخص بها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر، كما أنه ليس من التقية أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية فما يجوز هذا الخداع على الله (٤) . متى تكون التقية ؟ قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإلى اللهِ الْمَصِيرُ ﴿ [سورة آل عمران: ٢٨] . قال البغوي: نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان

стр. 359

وقلبه مطمئن بالإيمان دفعاً عن نفسه من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالاً حراماً، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين. والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية قال تعالى: [إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان] ثم هذه رخصة فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم (١) . وقال ابن القيم: معلوم أن التقاة ليست بموالاة، ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم، ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية وليست التقية موالاة لهم (٢) . (ولأن باب التقاة باب يمكن أن ينفذ منه الشيطان بسهولة يزين للضعفاء ومرضى القلوب أن يركنوا إلى أعداء الله قال بعدها مباشرة: (ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) يحذركم في الدنيا أن تتخذوا هذا الباب تكأة، وتستهلوا هذه الكبيرة - وهي موالاة أعداء الله - وينذركم أن إليه المصير فيجازيكم على ما فعلتم في الدنيا، فلا تحسبوا أن ترتكبوا هذه الكبيرة في الأرض - مخادعين أنفسكم أو مخادعين الناس - ثم تنجوا من عذاب الله في الآخرة) (٣) . وقال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ﴿ [سورة آل عمران: ٢٨] . أي إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل (٤) .

стр. 360

الإكراه: قال تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٦﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿ [سورة النحل: ١٠٦-١٠٧] . قال ابن عباس ﵄: نزلت الآية - الأولى - في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً. فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فأخبر النبي ﷺ بأن عماراً كفر، فقال: " كلا: إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه " (١) فأتى عمار رسول الله ﷺ وهو يبكي فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه وقال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت " (٢) فأنزل الله هذه الآية (٣) . قال الطبري في معنى الآية: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره على

стр. 361

الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدراً فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعاً: فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (١) . وسبب ذلك: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا (٢) . شروط الإكراه قال ابن حجر: شروط الإكراه أربعة: (١) أن يكون فاعله قادراً على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار. (٢) أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك. (٣) أن يكون ما هدد به فورياً، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غداً لا يعد مكرهاً. ويستثنى ما إذا ذكر زمناً قريباً جداً، أو جرت العادة بأنه لا يخلف. (٤) أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره. ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور، ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حق (٣) . قال الخازن: قال العلماء: يجب أن يكون الإكراه الذي يجوز له أن يتلفظ معه بكلمة الكفر أن يعذب بعذاب لا طاقة له به مثل التخويف بالقتل والضرب

стр. 362

الشديد، والإيلامات القوية مثل التحريق بالنار ونحوه (١) . وأجمعوا أيضاً: على أن من أكره على الكفر لا يجوز له أن يتلفظ بكلمة الكفر تصريحاً، بل يأتي بالمعاريض وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان، غير معتقد ما يقوله من كلمة الكفر، ولو صبر حتى قتل كان أفضل لفعل ياسر وسمية وصبر بلال على العذاب (٢) . لقد كان بلال ﵁ تفعل به الأفاعيل حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم ويقول: أحد. أحد. ويقول - والله لو أعلم كلمة أغيظ لكم منها لقلتها (٣) . وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري (٤) لما قال مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. فيقول أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع فلم يزل يقطعه إرباً إرباً وهو ثابت على ذلك (٥) . وكما فعل الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي: (٦) فإنه لما أسرته الروم جاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي، فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما فعلت. فقال: إذا أقتلك

стр. 363

قال: أنت وذاك، فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريباً من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر، في رواية ببقرة من نحاس فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقي فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه فقال له: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله! وفي بعض الروايات: أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياماً ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ قال: أما أنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك في، فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي أسارى المسلمين، قال: نعم فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه (١) أنواع الإكراه: (١) الإلجاء حيث ينعدم الرضا والاختيار، وتنتفي الإرادة والقصد، وذلك بالوقوع تحت التعذيب الشديد أو نحو ذلك، وهذه الحالة هي التي نزلت فيها آية النحل: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان ﴿ (٢) [سورة النحل: ١٠٦] .

стр. 364

(٢) التهديد: حيث ينعدم الرضا، ولا ينعدم الاختيار تماماً وهذه في مثل الحالة التي يختار فيها الإنسان أخف الضررين مثل حال شعيب ﵇ مع قومه إذ خيروه بين العودة إلى الكفر أو الخروج من قريتهم ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴿٨٨﴾ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴿ [سورة الأعراف: ٨٨-٨٩] . فلا تجوز الاستجابة لمثل هذا الإكراه لهذا النص ولقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴿ (١) [سورة العنكبوت: ١٠] .

стр. 365

(٣) الاستضعاف: وهنا لا تعذيب ولا تهديد ولكن المستضعف داخل تحت وضع مفروض عليه من غيره كالمقيم في مكة بعد هجرة المسلمين عنها، فإذا كان دخوله تحت هذا الوضع لعجزه عن دفعه وعن الخروج منه، ولو أمكنه ذلك لفعل مهما كانت تضحياته وتكاليفه فهذا قد عفا الله عنه (١) . أما إذا كان قادراً على الدفع أو الخروج ولم يفعل ذلك إيثاراً للعاقبة فقد سبق كلام الشيخ ابن عتيق وغيره في ذلك. قال ابن تيمية: تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع، إن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب وقيد، ولا يكون الكلام إكراهاً (٢) . كلمة أخيرة حول الإكراه إنه من المهم والواجب التفريق بين الإكراه وبين مشاعر الخوف التي تتزاوج مع مشاعر الرجاء والتعظيم فإن هذه مشاعر عبادة. كما أنه يجب أن نفرق بين الاستضعاف وبين الهزيمة الداخلية، والاستكانة للعدو والركون إليه وفقدان الثقة في الله وترك التوكل عليه. ذلك أن الإنسان يملك في أحلك الظروف قوة عظيمة - هي قوة الرفض بقلبه - وهذه القوة سماها رسول الله ﷺ جهاداً في قوله " ... ومن جهادهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " (٣) . فالانهزام أمام الباطل والموالاة التي يحتاجها الباطل حتى وهو قوي لا بد من

стр. 366

الامتناع عنها وهذا هو جهاد القلب، والله سبحانه يقول للمؤمنين بعد وقعة أحد ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٦﴾ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿١٤٧﴾ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤٨﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ ﴿١٤٩﴾ بَلِ اللهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴿ [سورة آل عمران: ١٤٦ - ١٥٠] . وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: " بحسب امرىء يرى منكراً لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره " ودلالة الكرة: الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل. إن استعلاء القلب على الهزيمة الداخلية، وبقاء قوة رفضه للباطل مهما استطال وانتفش وقوة ضبطه للسلوك لتأكيد الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل لهو جهاد القلب وإنه لجهاد له أثره الواقع في حياة الناس (١) .

стр. 367

الباب الثالث

стр. 368

الصورة التطبيقية للولاء والبراء في الماضي والحاضر الفصل الأول كيف طبق السلف الولاء والبراء تحدثت فيما سبق عن أمثلة من الأمم الماضية التي سبقت الأمة المحمدية ومر معنا بعض الأمثلة والنماذج في عهد النبوة. ولكن ذلك الجيل مليء بالصور المشرقة. لذلك رأيت أن أزيد هذا الأمر وضوحاً وتحليلاً بذكر نماذج أخرى لما لها من أهمية كبرى. وكل قول لا يدعمه التطبيق العملي يعد زعماً باطلاً لا يمت للحقيقة بصلة ولا للواقع ببرهان. لذلك فإن التطبيق الواقعي للولاء والبراء هو المقتضى الصحيح والوجه المشرق لمبدأ كلمة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله ". وإن من المعلوم بالضرورة أن سلف الأمة رضوان الله عليهم هم خير من طبق هذه العقيدة بكل مقتضياتها وتكاليفها. والحديث عن السلف ممتع وجميل، بل هو من الحوافز العملية التي سجلها

стр. 369

تاريخ الأمة المسلمة ليكون ذلك معلماً من معالم الهداية والرشاد لمن جاء بعدهم، ليستن بسنتهم وينهج نهجهم. وقد كانوا رضوان الله عليهم يقدرون النعمة التي أنعم الله بها عليهم وهي نعمة الإيمان. ويقدرون أيضاً فضل نور الله وشريعته الغراء التي بعث بها نبيه محمد ﷺ ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴿ [سورة الأنعام: ١٢٢] . وقدروا ﵏ تربية المصطفى ﷺ وأهمية سنته الشريفة قولاً وفعلاً وأدركوا أنهم (لم يكونوا خدمة جنس، ورسل شعب أو وطن، يسعون لرفاهيته ومصلحته وحده، ويؤمنون بفضله وشرفه على جميع الشعوب والأوطان، ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكمهم أنفسهم. إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده كما قال ربعي بن عامر رسول المسلمين في مجلس يزدجرد "الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ".. " فالأمم عندهم سواء والناس عندهم سواء. الناس كلهم من آدم وآدم من تراب.. لم يبخلوا بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسباً ولوناً ووطناً، بل كانوا سحابة خير انتظمت البلاد وعمت العباد، وغوادي مزنة أثنى عليها السهل والوعر، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها) (١) .

стр. 370

ويصعب علي هنا أن أذكر معظم الوقائع والمواقف التي برز فيها تطبيق الولاء والبراء عند سلف الأمة ﵏. ولكنني أقتصر على القليل من ذلك لإعطاء فكرة صادقة وصورة حية، وأمثلة مشرقة لتلك النماذج الإيمانية التي أراد الله أن يحقق بها مثالية هذا الدين، ليعلم الناس أن هذا الدين مثالي واقعي (١) في آن واحد إذا وجد الأكفاء الجديرون بحمله وتبليغه للناس بصدق، وأمانة، وطهر ونقاء، وإخلاص وتجرد وابتغاء ما عند الله. ومن هذه الأمثلة: موقف صحابة رسول الله ﷺ من كعب بن مالك ﵁ ومن معه من المخلفين الثلاثة، حيث قاطعوهم وهجروهم لتخلفهم عن غزوة تبوك. وانظر إلى هذه المقاطعة لثلاثة من صحابة رسول الله ﷺ يصلون خلف رسول الله في مسجد أسس على التقوى: لقد هجروهم ولم يكلموهم حتى في التحية الإسلامية!! فمن يا ترى من المسلمين اليوم يتبرأ من الذين يحادون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟! أما الموقف العظيم الذي يبرز فيه ولاء المسلم لدينه وإخوانه المؤمنين، حتى وهذا المؤمن مهجور من إخوانه وأحبابه، مقاطع عنهم حتى في رد السلام. مبتلى بإغراء مادي عظيم، ومحسن له المنصب ورفعة المكان في الدنيا: فهو موقف الصحابي الجليل كعب بن مالك ﵁، فإنه - كما جاء في حديثه الطويل - لما أمر الرسول ﷺ صحابته بهجره ومن معه، حتى زوجته ذهبت إلى أهلها فاجأه أمر عجيب وخطير في آن واحد. يقول كعب ﵁ (.. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن

стр. 371

مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأنها: وهذا أيضاً من البلاء فتممت بها التنور فسجرته بها " (١) . لقد صدق كعب ﵁ في قوله: "وهذا أيضاً من البلاء" أجل إنه بلاء عظيم، ولقد كان ولاء كعب ﵁ رغم ما هو فيه من شدة وهجر ومع دواعي الإغراء والإغواء لله ولدينه ورسوله والمؤمنين، وكان براؤه من ملك غسان واضحاً في حرقه لكتاب ذلك الملك. فانظر إلى هذه العظمة وهذا الصدق في الولاء والحب للإسلام والمسلمين والبعد عن كل ما يصرف عن ذلك من متاع الدنيا ووجاهتها التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة. قال ابن حجر وهو يشرح قصة كعب: دل صنيع هذا على قوة إيمانية ومحبته لله ولرسوله وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك، وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره، ولا سيما مع أمنة من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينه لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حسم المادة وأحرق الكتاب ومنع الجواب.. ورجح ما هو فيه من النكد والتعذيب على ما دعي إليه من الراحة والنعيم حبا في الله ورسوله كما قال ﷺ "وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " (٢) . ومثال آخر: قصة الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي وموقفه مع ملك الروم، حيث أغراه حتى بمشاطرة ملكه فرفض، وهدده بالقتل والحرق فأبى أن يتنصر. كل ذلك دلالة واضحة، وبرهان صادق لعمق ذلك الولاء ورسوخ هذه العقيدة في تلك النفوس العظيمة. ولئن كان موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي - الذي تحدثنا عنه سابقاً - عظيماً في منعه أباه من دخول المدينة إلا بإذن رسول

стр. 372

الله ﷺ : فإن موقف أبي عبيدة ﵁ أعجب من ذلك وأعظم فلقد قتل أباه في معركة بدر لأنه كان كافراً محارباً لله ورسوله، ولم تكن صلة الأبوة لتمنعه دون تنفيذ الولاء والنصرة لله ورسوله ودينه والمؤمنين. والبراءة والجهاد لعدو الله الذي رضي بالبقاء في حزب الشيطان ليكون حرباً على المؤمنين. ومثال آخر: فقد روت كتب السير أن زيد بن الدثنة (١) ﵁، اشتراه صفوان بن أمية - بعد يوم الرجيع - ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وخرجوا بزيد إلى التنعيم حيث اجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال زيد: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي فقال: أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً، ثم قتلوا زيداً ﵁ (٢) . فانظر إلى هذا الحب وهذا التفاني وذلك الولاء، وقوة النصرة! إنه ﵁ وهو في مكانه البعيد عن رسول الله -لا يرضى أن تمس رسول الله ﷺ شوكة، فضلاً عن أن يصيبه أكبر من ذلك!! هذا هو الولاء الصادق الذي بنته هذه العقيدة في النفوس فأخرجت للناس هذه النماذج العظيمة التي تقصر دون عظمتها كل عظمة أرضية. ومثال آخر: روى الإمام أحمد وغيره أن أنس بن النضر ﵁ غاب عن قتال بدر فقال: غيبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين؟ لئن الله أشهدني قتالاً للمشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال: أنا

стр. 373

معك، قال سعد فلم أستطع أن أصنع ما صنع، قال فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم فكانوا يقولون فيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ﴿ (١) [سورة الأحزاب: ٢٣] . إن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كانوا شديدي الاعتزاز بدينهم فلم تخدعهم المظاهر الجوفاء، ولا القوى والاعتبارات التي تتعبد الناس في الجاهلية، وأصدق مثال على ذلك قصة ربعي بن عامر ﵁ حين قابل رستم، فقد كان الفرس مدججين بالسلاح وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، ووضعوا البسط والنمارق في مجلس رستم وله سرير من الذهب، فأقبل ربعي يسير على فرس له زباء (٢) قصيرة، معه سيف غمده لفافة ثوب خلق، ورمح وجحفة (٣) وقوس فلما انتهى إلى أدنى البسط قيل له انزل فحملها على البساط فلما استوت عليه نزل عنها وربطها بوسادتين فشقهما ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه ثم قالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت، فأخبروا رستم فأذن له وقال: هل هو إلا رجل واحد! فأقبل ربعي يتوكأ على رمحه وزجه نصل يقارب الخطو، ويزج النمارق والبسط، فما ترك لهم نمرقة ولا بساطاً إلا أفسده وتركه منهتكاً مخرقاً، فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض وركز رمحه بالبسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه! فكلمه فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى

стр. 374

قاتلناه أبداً، حتى نفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم. كم أحب إليكم، أيوماً أو يومين؟ قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا، وأراد مقاربته ومدافعته فقال: إن مما سن لنا رسول الله ﷺ وعمل به أئمتنا ألا نمكن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثاً فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك. وإن كنت عن نصرنا غنياً تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجاً منعناك أو المنابذة في اليوم الرابع، ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، وأنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى، قال: أسيدهم أنت؟ قال: لا ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم (١) . ومما يوضح أيضاً صورة الولاء في نفوس أولئك الأخيار قوله ﷺ في غزوة تبوك "إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة؟ قالوا: " وهم بالمدينة حبسهم العذر " متفق عليه (٢) . فانظر إلى هذا الولاء والتناصر حتى ممن حبسهم العذر، لأن هذا أمر لا عذر لهم في تركه، فهم مع إخوانهم بالدعاء والمتابعة. أما اليوم فيرى المغرورون والمبهورون والمنهزمون أن الكفار - كما قال أحدهم - خصوم شرفاء، بل يرونهم أصدقاء أوفياء. ولكن الذي يجب على المسلمين اليوم أن يفهموه: هو أن الاقتداء بسيرة رسول الله ﷺ وسلفنا الصالح في كل شيء، وفي قضية الولاء والبراء من باب

стр. 375

أخص هو الأمر المطلوب منهم وليس عليهم بعد ذلك أن تقوم أصوات أرباب التبعية والولاء للغرب الكافر والشرق الملحد لتنادي بما قاله وردد من قبلهم أن هذا الفعل رجعية وتقهقر. بل إن عزم المسلمين المخلصين على تحقيق مقتضيات هذه العقيدة والإصرار على تحكيم الشريعة الربانية هو سبيل النجاح وطريق الفلاح، في الدنيا والآخرة وجدير بهم أن يرتفعوا إلى المستوى المطلوب منهم ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٩] .

стр. 376

الفصل الثاني صورة الولاء والبراء في عصرنا الحاضر إنه بعد أن سبق بيان قضية الولاء والبراء في التصور الإسلامي، ووقفنا على مدى أهمية هذا الموضوع، وبعد سياق تلك الأمثلة المشرقة من تاريخ الصدر الأول من هذه الأمة: لا بد أن نقف عند وضع المسلمين في العصر الحاضر، لنرى أين يقف المسلمون اليوم من هذه القضية وما مدى التزامهم بها أو تخليهم عنها؟ وما الذي حل بهم؟ وهل هناك مبشرات لتغيير هذا الواقع المؤلم؟ وإنه لمن البدهي هنا أن نقول: أن العالم الإسلامي في العصور المتأخرة قد بلغ دركات الانحطاط والتخلف في كل شيء. انحطاط في عقيدته حيث ترك ما عليه السلف الصالح وذهب إلى خزعبلات وحواشي علم الكلام الدخيل والخوض في نقاشات بيزنطية لا تمت للواقع ولا تصلحه بأي حال بل تزيده فساداً وانهياراً. وانحطاط في التزامه بمقتضيات هذه العقيدة من الجهاد والتميز والعزة حيث استبدل بذلك كله التصوف والخرافات والتواكل، مما أطمع العدو فيهم على هذه

стр. 377

الحال وتخلف في جميع المجالات العلمية وترك مكان القيادة إلى ذلة التبعية فبعد أن كان المسلمون هم الرواد في كل علم نافع جاء الخلف ليترك ذلك الميراث العظيم الذي أخذه أعداء هذا الدين واستفادوا به ودفعهم إلى ما وصلوا إليه الآن. وأخيراً فقد أعطى هؤلاء الخلف للناس: صورة هزيلة رديئة عن الإسلام، جعلت أعداء هذا الدين يتكالبون عليه من كل حدب وصوب طامعين في إطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. ولقد غزت العالم الإسلامي جيوش كثيرة وعديدة، وهي على كثرتها وضراوتها العسكرية لم تكتف بهذا بل نوعت أساليب الهجوم، فاستخدمت بعد الهجوم العسكري – الغزو الفكري الخبيث الذي فعل في (المسلمين) ما لم تفعله الجيوش الجرارة!. وأول ما حرص عليه الأعداء هو بث سموم التشكيك وقلب المفاهيم حيث أخذ ينشر أمثال هذه الأفكار: "ما للدين ونظام المجتمع؟ وما للدين والاقتصاد؟ ما للدين وعلاقات الفرد بالمجتمع وبالدولة؟ وما للدين والسلوك العملي في واقع الحياة، ما للدين والملبس وخاصة ملابس المرأة؟ ما للدين والفن؟ ما للدين والصحافة والإذاعة والسينما والتليفزيون؟ وباختصار: ما للدين والحياة؟ ما للدين والواقع الذي يعيشه البشر على الأرض؟ " (١) . وكان هدف الاستعمار – كما يقول الشيخ محمد الغزالي – (تكوين جيل يستحي من الانتساب للإسلام، ويكره أن يرى وهو يقوم بشيء من شعائره، خصوصاً بين المثقفين الكبار! والطبقات التي تهيأ للحكم والنفوذ. الواحد من هؤلاء يحب أن يراه الناس خارجاً من حانة، ولا يحب أن يروه خارجاً من مسجد ومن السهل عليه أن يوصف بأنه زنى بعشر نسوة، لكن وجهه يسود لو قيل: متزوج من اثنتين أما أن يفكر في تلاوة آيات من القرآن أو يرجع إلى شيء من سنة رسول الله فذلك ما لا يخطر له ببال (٢) . وأفلح الاستعمار أيضاً في تكوين جيل يرفض العمل تحت لواء الإسلام،

стр. 378

وهذا الجيل هو " الطابور الخامس" الذي ألحق بنا الهزائم في كل ميدان (١) . وحتى لا يكون الحديث مجرد عاطفة أو هجوم – كما يقال ذلك – أرى أن أثبت هنا نصوصاً صريحة واضحة نطق بها أعداؤنا الكفار ونفذوها تدل على مدى عمق عداوتهم للإسلام والمسلمين وإنهم لا يريدون إلا الشر والكيد بهذا الدين وطمس معالمه، وفي هذه النصوص أيضاً عظة وعبرة للمتغافلين والمنهزمين والمبهورين بهم من أبناء جلدتنا ومن الذين ينطقون بلغتنا ويتسمون بأسمائنا. ثم يحكم المنصف بعد قراءتها هل تحقق شيء منها أم لا؟ يقول القس زويمر في مؤتمر القدس سنة ١٩٣٥م وهو يخاطب المبشرين بالنصرانية في العالم الإسلامي ما نصه (.. إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية – ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية – فإن في هذا هداية لهم وتكريماً (!!) وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، ولذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية. وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعاً من أجله كل التهنئة) (٢) وسترد بقية هذه الكلمة. ومع وضوح هذا النص الصليبي الحاقد وجد من (المستسلمين) – وهو محسوب من العلماء – من يقول أن قضية زمالة الأديان والتسامح بينها والتقارب والالتقاء بينها أمر محبب كما قد سبق ذكر ذلك في الباب الثاني. مما يدل على مدى الغفلة وعمق الجهل بحقيقة الإسلام وبحقيقة عداوة أعدائه له. ويقول لويس التاسع: إن الغزو العسكري لا يكفي لهزيمة المسلمين ولكن لا بد من غزو عقيدتهم. ثم نجد عدواً آخر يقول – وهو يتابع عودة المسلمين إلى إسلامهم – (ألا إن

стр. 379

ثمة قوة جديدة بدأت تظهر ألا وهي الدعوة إلى إسلام "متزمت" والسعي عن طريق الإسلام إلى نظام حياة لا يكون نسخة عن نظام آخر ولا تقليداً له. بل يكون خاصاً بهويته وتقاليده ومصالحه المعنوية والمادية) (١) . ويقول وليم جيفورد بالكراف: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه (٢) . وبالرغم من مئات النصوص التي تشبه ما ذكرنا، والتي مؤداها جميعاً: طمس الإسلام وإخراج المسلمين من إسلامهم فقد وجد للأسف في بلاد المسلمين من كان عوناً لهؤلاء الأعداء على خططهم، أو من ميع قضايا الإسلام في سبيل ملاينة أعداء الله. يقول الأستاذ عبد القادر عودة ﵀: إن بعض الأقطار التي تسمي نفسها إسلامية، تبيح للمبشرين من الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين والأمريكيين أن ينشئوا مدارس للتبشير بالدين المسيحي في بلادهم حتى تفتن أطفال المسلمين عن دينهم، بل إن بعض الأقطار منع تعليم الدين الإسلامي في المدارس الحكومية وأهمل دراسة التاريخ الإسلامي في الوقت الذي يركز فيه الاهتمام بتدريس تاريخ أوروبا وتمجيد حضارتها وأنها هي قبلة الرقي والمدنية (٣) . وإذا كان هذا على مستوى الحكومات، فإن الأفراد أشد إيغالاً في ذلك وهم صنفان: (١) صنف من العلماء الذين لهم مكانة في التاريخ الحديث، وكتب عنهم مجلدات فيها من المدح وألقاب الإصلاح ما الله به عليم، ولكن التاريخ كشف عن هوياتهم ومواقفهم. ومنهم عبد الرحمن الكواكبي، هذا الرجل الذي يعتبر من أسبق الناس ظهوراً في الدعوة إلى التفريق بين السلطة الدينية والسلطة

стр. 380

السياسة. وقد أصدر كتاب (أم القرى) سنة ١٨٨٩ م. وورد في هذا الكتاب آراء لم تخل من إشارات مريبة إلى موالاة الدول الأوربية المستعمرة حيث قال فيما قال: " وكفتح أبواب حسن الطاعة للحكومات العادلة والاستفادة من إرشاداتها وإن كانت غير مسلمة، وسد أبواب الانقياد المطلق ولو لمثل عمر بن الخطاب " (١) . أما الشيخ محمد عبده فكما يقول عنه الأستاذ غازي التوبة: قد تجاوز تعاونه مع الإنجليز المحتلين لمصر إلى التعاون مع الجواسيس المستشرقين في انكلترا نفسها، حيث تتضح ثقتهم المطلقة به، وتعاونه البعيد معهم في الرسالتين المبعوثتين إلى "المستر بلنت" جواباً على سؤال الأخير عن رأي المفتي في الحالة السياسية الجديدة في مصر، وعن رأيه في الدستور المناسب لمصر. وقد أورد محمد رشيد رضا نص الرسالتين في الجزء الأول من تاريخه ص ٨٩٩ - ٩٠٢ وورد في الرسالة الثانية الفقرة الثالثة قوله (إذا فرض إن كان بعض الوزراء من الانكليز وكان لهم مرؤوسون من المصريين فإنه ينبغي أن يعطى هؤلاء المرؤوسون المصريون أو الوزراء الثانويون سلطة تسمح لهم بأن يفصلوا في جميع المسائل المختصة بالدين وما أشبه ذلك تحت مراقبة الوزراء الأصليين بحيث لا يكون الموظفون المصريون مجرد ألعوبة في أيديهم كما هو الحال الآن) (٢) . وهذا هو رأي الشيخ الذي نعت بمصلح العصر. أما عباس محمود العقاد فيقول في كتابه: " التفكير فريضة إسلامية" ما الذي يمنع المسلم أن يعمل للديموقراطية أو يعمل للاشتراكية. أو يعمل للوحدة العالمية؟ وما الذي يمنع المسلم من أحكام دينه أن يقبل مذهب التطور أو يقبل الوجودية في صورتها المثلى؟ إلى أن قال: إن عقيدة المسلم لا تمنعه من أن يكون اشتراكياً (٣) . وأنا أعلم مثل ما علم غيري أن هذا الكلام قد يقابل بالاستنكار والاستغراب لأنه خلاف

стр. 381

المعهود ولكن أقول ما قاله الأستاذ الدكتور محمد محمد حسين ﵀ في كتابه القيم "الإسلام والحضارة الغربية" حيث قال: (نحن حين ندعو إلى إعادة النظر في تقويم الرجال لا نريد أن ننقص من قدر أحد، ولكننا لا نريد أن تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعم الزاعمون أنهم معصومون من كل خطأ، وأن أعمالهم كلها حسنات لا تقبل القدح والنقد، حتى أن المخدوع بهم والمتعصب لهم والمروج لآرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحد الناس إماماً من أئمتهم بالخطأ في رأي من آرائه، في الوقت الذي لا يهيجون فيه ولا يموجون حين يوصف أصحاب رسول الله ﷺ بما لا يقبلون أن يوصف به زعماؤهم المعصومون فيقبلون أن يوصم سيف الإسلام خالد بن الوليد بأنه قتل مالك بن نويرة في حرب الردة طمعاً في زوجته، ويرددون ما شاع حول ذلك من أكاذيب. ويقبلون أن يلطخ تاريخ ذي النورين عثمان بن عفان بما ألصقه به، ابن سبأ اليهودي من تهم.. يقبلون ذلك كله ثم يرفضون أن يمس أحد أصنامهم بما هو أيسر منه، ويحتمون بحرية الرأي في كل ما يخالفون به إجماع المسلمين، ويأبون على مخالفيهم في الرأي هذه الحرية. يخطئون كبار المجتهدين من أئمة المسلمين ويجرحونهم بالظنون والأوهام ويثورون لتخطئة ساداتهم أو تجريحهم بالحقائق الدامغة) (١) . إننا لا بد أن نقول للمخطىء أنت مخطىء وللمصيب نقول: أحسنت وبارك الله فيك. لذا فإن انزلاق هؤلاء العلماء. أو غيرهم في قضية موالاة الكفار أو التساهل معهم في بعض الأمور بغير دليل شرعي أمر يرفضه الإسلام ويأباه لأن موضع القدوة لنا هو رسول الله ﷺ وصحابته الأجلاء وسلفنا الصالح وكفى. وليس من حق فرد - كائناً من كان - أن يجعل من آرائه وعلمه سلما يرتقي عليه الموالون للكفار، ثم يزعم بعد هذا أنه داعية إسلامي، أو مصلح عظيم!! (٢) أما الصنف الثاني: فهم الذين صنعهم الاستعمار على عينه، ورباهم تربية أوربية خالصة في التفكير والسلوك من أجل أن يكونوا أداة للتقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوربي.

стр. 382

ومن هذا الصنف طه حسين الذي يقول في كتابه مستقبل الثقافة في مصر: (لكن السبيل إلى ذلك - أي الرقي - ليست في الكلام يرسل إرسالا، ولا في المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما هي واضحة بينة ومستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي واحدة فذة ليس لها تعدد، وهي: أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب (١) . وما دام أننا عرفنا هدف أعدائنا بصورة عامة، ووقفنا على حقيقة بعض مواقف المخدوعين بهم: فإنه لحري بنا أن نعرف بعض تفاصيل خططهم ووسائلهم التي منها: ١- التربية والتعليم: العلم كما يقال - سلاح ذو حدين، ومن هذا المنطلق أدرك أعداء الله من جميع الكفار أن صخرة العقيدة الإسلامية لا يمكن النيل منها عن طريق القوة والسلاح فهي قد أدمتهم كثيراً، ولا يستطيعون الصمود أمام هتاف المجاهدين الصادقين في سبيل الله، ولذلك لجأوا إلى وسيلة أخرى هي أخبث في التأثير وأشد في الدهاء. وهذه الوسيلة هي غزو مناهج التربية والتعليم في العالم الإسلامي بأفكار ونظريات وشبهات وشكوك يضفي عليها - كذباً وبهتاناً - ثوب التجرد العلمي، والبحث العلمي!! وسلك أعداء الإسلام في هذا سبيلين: الأول: السيطرة على التعليم في الداخل والثاني عن طريق الابتعاث إلى الدول الكافرة. فأما الأمر الأول فيقول عنه القس زويمر الذي أوردنا صدر كلمته سابقاً يقول أيضاً (.. لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع

стр. 383

عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية المستقلة أو التي تخضع للنفوذ المسيحي أو التي يحكمها المسيحيون حكماً مباشراً، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير المسيحي والكنائس والجمعيات وفي المدارس الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوربية والأمريكية وفي مراكز كثيرة ولدى شخصيات لا تجوز الإشارة إليها الأمر الذي يرجع الفضل فيه إليكم أولاً وإلى ضروب كثيرة من التعاون بارعة باهرة النتائج، وهي من أخطر ما عرف البشر في حياته الإنسانية كلها. إنكم أعددتم بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد (إخراج المسلم من الإسلام) إنكم أعددتم نشئاً لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي: جاء النشئ الإسلامي طبقاً لما أراده له الاستعمار، لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء (١) . أجل صدق هذا القس وهو كافر أن هناك جيلاً تربى على ثقافة الغرب فخرج لا يعرف الصلة بالله أبداً. وانطلاقاً من مبدأ هذا الصليبي الحاقد قام "اللورد كرومر" - المعتمد البريطاني في مصر أيام الاحتلال - بإنشاء كلية فكتوريا حيث قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي ليكونوا من بعدهم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين (٢) . وجاء "دنلوب" المتخرج من كلية اللاهوت البريطانية ليرسم سياسة التعليم في مصر، حيث وضع مناهج كفيلة بإخراج النماذج التي عناها القس زويمر (لا تعرف الصلة بالله) . ومصداق ذلك أن درس الدين لا يدرس منه إلا نتف يسيرة مثل: إن

стр. 384

الإسلام جاء ليبطل عبادة الأوثان ويعبد الله الواحد، ويحرم وأد البنات. وإسناد هذه المادة يختار من أسن الأساتذة وبمظهر رث، ثم تلغى مادة الدين في نهاية العام الدراسي (١) . أما مادة التاريخ فكان يخفى على الطالب فيها: أن الإسلام جاء ليحارب الشرك بكل مظاهره ويعطي نبذاً عن دراسة صدر الإسلام، وأن مهمة الإسلام تغيير ما كان عليه العرب في جاهليتهم ويركز فيه أيضاً على الجانب السياسي والصراع بين الطبقات الحاكمة. أما حياة المجتمع الإسلامي فلا شيء يذكر من ذلك. وكذلك البطولات الإسلامية والحركة العلمية الإسلامية. كل ذلك يخفى عن الطلاب في الوقت الذي يدرس فيه بتوسع تاريخ أوروبا ونهضتها ورجالها وأبطالها وإنها بلد التقدم والرقي ومهبط المدنية لأن فيها فحماً وحديداً (٢) !! وخلاصة القول أنه كان يلقن الطلاب إن " أوروبا هي العملاق الضخم الذي لا يقهر. والإسلام هو القزم الضئيل الذي عليه أن يتعبد هذا العملاق ليعيش (٣) ! وأما السبيل الثاني: وهو الابتعاث إلى الخارج أي إلى الدول الكافرة فقد حقق هذا نتائج ترضي من خطط لها. ذلك أن هذا الابتعاث - في الغالبية العظمى منه - يكسر صفة التميز بين المسلم والكافر، ويجعل ولاء المسلم متذبذبا وهو يرى ما بهر به، ثم إنه يزيد الطالب جهالة بدينه وقيمته ومثله، ويزيده تعلقاً بالغرب أو الشرق ويبدأ بتطبيعه بطابع غير إسلامي، ثم يصير هذا التطبع - مع الزمن - طبعاً، ثم انسلاخاً من حيث يشعر الطالب أو لا يشعر فتجده في لبسه ومأكله ومشربه وكلامه وطريقة تعامله، غربياً، أو شرقياً بل ربما أكثر من ذلك (٤)

стр. 385

وكان من أوائل المبتعثين وأولهم سبقاً في خدمة ما أريد له: رفاعة الطهطاوي حيث مكث في فرنسا خمس سنوات من ١٨٢٦ - ١٨٣١م ولما رجع بدأ ينشر كلاماً يسمع للمرة الأولى في البيئة الإسلامية مثل: الوطن والوطنية والاهتمام بالتاريخ القديم ليدعم به المفهوم الوطني الجديد، ثم يتحدث عن الحرية وأنها سبيل التقدم وكذلك طالب بتقنين الشريعة على نمط المدونات القانونية الأوروبية، ثم يتحدث بكلام كثير وطويل عن المرأة. كتعليمها ومنع تعدد الزوجات وتحديد الطلاق واختلاط الجنسين (١) . وخلاصة ما يريده أعداء الإسلام في قضية التربية والتعليم هو ما قاله المستشرق "جب" في كتابه " وجهة الإسلام" حيث قال: ".. والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب (أو الفرنجة) هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي. والأساس الأول في كل ذلك: هو أن يجرى التعليم على الأسلوب الغربي وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي ... هذا هو السبيل الوحيد، ولا سبيل غيره، وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين، وقليل من الزعماء الدينيين " (٢) . إن العالم "الإسلامي" كله اليوم يسير في تعليمه وتربيته العلمية على النهج الغربي والشرقي بدليل أن كل الجامعات - مثلاً - تدرس نظرية فرويد في البحوث النفسية ونظرية دوركايم في علم الاجتماع ونظرية ماركس الاشتراكية والشيوعية، ونظرية فريزر في علم مقارنة الأديان. وينادي بإحياء الجاهليات التي سماها الله في كتابه وسنة رسوله جاهلية: تدرس على أنها حضارة راقية ضاربة في أعماق التاريخ أكثر من سبعة آلاف سنة!!

стр. 386

وكذلك التغني بأمجاد أوروبا ومعرفة "أبطال" حضارتها، وفصل الدين عن الدولة، وأن الدين علاقة بين العبد وربه ولا دخل له في شؤون الحياة ... كل ذلك كان ثماراً طبعية للغزو الثقافي (١) . وأخيراً: فإن هذه المناهج التعليمية قد جردت المسلم من ولائه لله ورسوله ودينه وإخوانه المؤمنين ومحت عداوته لأعداء الله، فنشأ جيل لا يعرف الصلة بالله، ولا يقيم ولاءه وانتماءه على أساس عقيدته بل على ما تعلمه وانتسب إليه من المذاهب والانتماءات الجاهلية. صورة من صور الولاء الفكري المعاصر وتستوقفني هنا صورة واحدة أجد أن ذكرها هنا ذو أهمية بالغة ذلك أن هذه الصورة يظهر فيها بوضوح حب التبعية للغرب، مع الاعتزاز والفخار بالتعليم العلماني والمطالبة - وبإلحاح شديد - بعودته - إن كان قد فقد - وإلا ففتح الأبواب له على مصارعها إذا كان مضيقاً عليه. كتب رئيس تحرير جريدة يومية مقالاً طويلاً بعنوان "الإنسان العربي ومعضلة التعليم" وجاء هذا المقال في صفحتين كاملتين من الجريدة هما الصفحة الثانية والثالثة. وإليك مقتطفات من هذا المقال لترى فيه الصورة الصادقة للولاء والتبعية لأعداء الله. قال الكاتب: (إن التعليم في البلاد العربية ارتبط بأسلوبين مختلفين: الأول: المنهج الذي وضعه دنلوب باشا البريطاني ناظر المعارف في مصر، والذي انعكست آثاره على بقية الرقعة العربية من خلال الاتفاقيات الثقافية الثنائية أو

стр. 387

الجماعية ويقوم هذا المنهج التعليمي على إبطال القدرة على التفكير (وتفريخ) العديد من الكتبة الذين يؤدون وظائف روتينية لا تحتاج إلى أكثر من معرفة متقنة قواعد القراءة والكتابة.. وبنظرة مجردة نجد أن غالبية المتعلمين في بلادنا ينتمون إلى هذه المدرسة ") . وصدق الكاتب في أكثر ما قاله هنا وإن كان اعتراضنا على منهج دنلوب لا يقتصر على هذه النقطة إنما ينصب ابتداء على نقطة أخطر منها بكثير هي تخريج أجيال من المسلمين لا تعرف حقيقة الإسلام بل تتجه إلى الانسلاخ من الإسلام والارتماء في تبعية ذليلة للغرب. ثم تابع معي ما يقول: "والأسلوب الثاني في التعليم داخل الوطن العربي. بريطاني أيضاً، ويهدف هذا الأسلوب - على خلاف الأول - إلى خلق مجموعات بشرية تمتلك القدرة على التفكير السليم بالأنماط الغربية (!!) . "وتجسد هذا الأسلوب في مدرستي كلية فكتوريا في الإسكندرية والقاهرة.. وعلى خلاف ما قيل عن هذه المدارس التي اتهمت بالتربية الاستعمارية أو الأدوار التبشيرية فإن الأدلة الدامغة تثبت أن معظم مفكري أبناء الأمة العربية الذين تلقوا تعليمهم الأولي والثانوي داخل منطقة الشرق الأوسط ينتمون إلى إحدى هاتين المدرستين ذلك لأن النظام التعليمي بهما يعتمد على أسلوب البحث العلمي (!) الذي ينمي في الطفل والشاب طوال مدارج التعليم: القدرة على التفكير السليم وإيجاد العلاقات بين الظواهر المختلفة. "وتتضح جدية هذا الدور التعليمي من واقع المناهج الدراسية المقررة التي كانت هي ذات المناهج المقررة على الطلبة البريطانيين بأسلوب اكسفورد وكامبردج في مراحل التعليم العام، المبدئي والإعدادي والثانوي.. فالباعث الحقيقي لوضع هذا الأسلوب التربوي والتعليمي من خلال فكتوريا الإسكندرية والقاهرة كان يهدف "إلى" إيجاد مجموعات من أبناء البلاد العربية، بمستوى ثقافي قادر على التفاهم والتعامل مع الغرب في مواطن المعرفة العلمية، التي تربط بينهم بأسلوب المخاطبة المتعارف عليها (!) .

стр. 388

"واستطاع بالفعل أبناء الأمة العربية المتخرجون من هاتين المدرستين حتى بعد تلقيهم التعليم الجامعي سواء في بريطانيا أو أمريكا أو حتى داخل الوطن العربي أن يقوموا بأدوار واضحة في خدمة مصالح بلادهم من المواقع المختلفة نتيجة توافر القدرة لديهم في مخاطبة الغرب بالأسلوب العلمي المقبول والمفهوم نتيجة انسجام منطق التفكير عندهم مع المعطيات الحضارية المعاصرة (!) . ثم تحدث الكاتب – وهو يؤدي دوره – عن الصراع بين مدرسة فكتوريا ومدرسة دنلوب وعن الرابطة التي جمعت بين خريجي كلية فكتوريا ثم قال إن هذه الرابطة ألقيت ولكن مع هذا الإلغاء (ظل الترابط والود) قائماً بين هؤلاء الخريجين، حتى قامت رابطتهم الجديدة المنظمة بشكل دقيق في العاصمة البريطانية لندن. ولقد أقيم هذا الاحتفال الجديد في يوم الجمعة ٤ مايو سنة ١٩٧٩م. وبعد هذا تساءل الكاتب: لماذا ألغيت هذه الكلية مع أن مدرسة دنلوب لا تزال قائمة؟ ثم تحدث عن البديل للمناهج الهزيلة التي تدرس الآن فقال: (وبغض النظر عن تعاطفي الشخصي مع كلية فيكتوريا كمدرسة أجنبية وجدت على التراب العربي، تشرفت بالانتماء إليها: فإنني أجد أن الإسراع في فتحها الآن بالأنماط التعليمية التي كانت تمارسها من المنابع الفكرية السائدة في اكسفورد وكامبردج كفيلة بأن تمثل أولى الخطوات السليمة على الخط العلمي الذي نهدف إليه ... ومن الممكن التوسع في فتح المدارس الأجنبية المختلفة البعيدة عن السمات التبشيرية وهي كثيرة وكفيلة بإخراج أنماط متعددة من التفكير العلمي السليم الذي يلتقي مع غيره من أنماط علمية سليمة أخرى، ليؤدي التفاعل بينهم إلى خلق القدرة العربية في الوصول إلى أسلوب المخاطبة مع الغرب، والتعبير عن مصالحنا وأهدافنا القومية) (١) إنني أعتقد أن هذه الفقرات التي أوردتها كافية في الدلالة على صدق صورة هذه الموالاة للغرب، وهي صادقة أيضاً في براء هذا الفكر الإسلامي السليم.

стр. 389

فالكاتب لا يرى في الإسلام بديلاً صالحاً للمناهج الهزيلة التي تدرس الآن في العالم الإسلامي، لأنه غير مقتنع بصلاحية الإسلام، الذي يربي المؤمنين على العقيدة الإسلامية الصحيحة وعلى الولاء الخالص الصادق لهذه العقيدة. مع البراء من كل دخيل عليها، والشعور بالاعتزاز بهذه المكرمة الربانية التي لا يستحق هذا الكاتب وأمثاله أن يتحلوا بها. لأنها لا تكون إلا لمؤمنين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليست لمجموعة من (فراخ) التعليم الغربي الكافر. فهل وعى ذو الحجى منا خطورة هؤلاء التلاميذ الذين ينشرون هذا الكلام في صحفنا ويضعون مناهج التعليم في بلادنا؟ اللهم بلغت اللهم فاشهد. ٢- وسائل الإعلام: لوسائل الإعلام - الكتاب، القصة، الإذاعة، التليفزيون، المجلة الجريدة، السينما وأخيراً الفيديو- أثر كبير وخطير على جميع طبقات المجتمع وقد أدرك أعداء الإسلام خطورة هذه الوسائل وما لها من تأثير عميق فأحكموا قبضتهم عليها، وبثوا من خلالها ما رسموه لإفساد المسلمين وإخراجهم من إسلامهم. وجميع هذه الوسائل تحرص - وبكل ما أوتيت - على فسخ وخلع ولاء المسلم لدينه وإخوانه المؤمنين وتركز بكل قوة على تذويب تميز المسلم عن غيره، وعلى زعزعة برائه وعداوته للكفار، حيث تحسن للناس: أن البلاد الصناعية هي بلاد الحرية وبلاد التقدم وبلاد العلم والرقي والمدنية وأن الذي يشعر أو يدين بالعداوة الدينية لهذه الشعوب هو إنسان لم يعرف روح العصر وروح العلم الذي مزق الحواجز بين الأجناس ووصل القارات وجعل الناس إخوة في الشرق والغرب!! وهي البلاد التي يستطيع الإنسان فيها أن يمارس ما يشاء وكيف شاء!! ولقد قامت وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية - ولا تزال تقوم - بحرب شعواء على الدين الإسلامي وعلى المسلمين ففضلاً عن أنها تحسن وتدعو إلى موالاة الكفار: هي أيضاً حريصة على نشر الفاحشة في الذين آمنوا.

стр. 390

والمتتبع للصحف الصادرة في أوائل هذا القرن الميلادي يجد فيها صورة صادقة لما نقول فصحيفة المقطم - مثلاً - تجدها موالية للإنجليز، تعمل لحسابهم، وتصور أفعالهم بأنها أفعال إنسانية، حيث أنهم - أي الإنجليز - لم يقيموا في مصر إلا لرفع الظلم وإحياء العدل، وإليهم وحدهم يرجع الفضل في إنقاذ مصر من كل ما أصابها!! وكذلك كانت مجلة المقتطف تدور كتابتها وآراؤها حول هذا الموضوع (١) . وقد عملت هذه الصحف والمجلات المأجورة على إماتة الجهاد بمفهومه الإسلامي الصحيح، وتردد ما يقوله أسيادها من أن المسلمين أناس همج يحبون الحروب وسفك الدماء، ولا تتسع صدورهم للتسامح "لأنهم أناس متعصبون"؟! فإذا أرادوا الخروج من هذه الوصمة فعليهم بالتسامح والتحبب للآخرين وتغيير النظرة إليهم، ويجب عليهم أن يبرأوا من ذلك "التراث" الذي يعمق تلك الروح المتعصبة في نفوسهم (٢) ! وكذلك كانت مجلة الهلال والمقتطف تعملان على (تطوير الفكر الإسلامي وإشرابه الروح العلمانية التحررية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر) (٣) . ومن المهام التي عنيت بها وسائل الإعلام: إشاعة الفاحشة، والإغراء بالجريمة، والسعي بالفساد في الأرض لخلخلة العقيدة وتحطيم الأخلاق وإذا انهدم الركنان الأساسيان - وهما العقيدة والأخلاق - فكيف يرجى بعد ذلك قيام بناء سليم (٤) ؟ وإذا كان هذا هو تأثير وسائل الإعلام بوجه عام، فكيف إذا علمنا أن معظم
следующие страницы →