← История

История · id 9760

الأخبار الطوال

أبو حنيفة الدينوري

Полный текст (406 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في خيل من اهل العراق، فخرج اليه ابو الأعور السلمى في مثل ذلك من اهل الشام فاقتتلوا هويا [١] من النهار، فترك عبد الله اصحابه يعتركون في مجالهم، وضرب فرسه حتى احماه، ثم ارسله على اهل الشام، فشق جموعهم، لا يدنو منه احد الا ضربه بالسيف حتى انتهى الى الرابية التي كان معاويه عليها، فقام اصحاب معاويه دونه، فقال معاويه: ويحكم، ان الحديد لم يؤذن له في هذا، فعليكم بالحجارة فرث بالصخر حتى مات، فاقبل معاويه حتى وقف عليه، فقال: هذا كبش القوم هذا كما قال الشاعر: أخو الحرب ان عضت به الحرب عضها ... وان شمرت عن ساقها الحرب شمرا كليث عرين بات يحمى عرينه ... رمته المنايا قصدها فتقطرا قالوا: وكان فارس معاويه الذى يبتهى به حريث مولاه، وكان يلبس بزه معاويه، ويستلئم سلاحه، ويركب فرسه، ويحمل متشبها بمعاويه، فإذا حمل قال الناس: هذا معاويه وقد كان معاويه نهاه عن على، وقال اجتنبه، وضع رمحك حيث شئت. فخلا به عمرو، وقال: ما يمنعك من مبارزه على، وأنت له كفء؟، قال: نهاني مولاى عنه، قال: وانى والله لأرجو ان بارزته ان تقتله، فتذهب بشرف ذلك. فلم يزل يزين له ذلك حتى وقع في قلب حريث. فلما أصبحوا خرج حريث حتى قام بين الصفين، وقال: يا أبا الحسن، ابرز الى، انا حريث، فخرج اليه على، فضربه، فقتله. وبعث على يوما من تلك الأيام الى معاويه: لم نقتل الناس بيني وبينك؟ ابرز الى، فأينا قتل صاحبه تولى الأمر. فقال معاويه لعمرو: ما ترى؟ قال: قد انصفك الرجل، فابرز اليه، فقال معاويه: اتخدعني عن نفسي، ولم ابرز اليه، ودوني عك والأشعرون. ثم قال:

стр. 177

ما للملوك وللبراز وإنما ... حظ المبارز خطفه من باز ووجد من ذلك على عمرو، فهجره أياما، فقال عمرو لمعاوية: انا خارج الى على غدا. فلما أصبحوا بدر عمرو حتى وقف بين الصفين، وهو يرتجز: شدا على شكتى لا تنكشف ... يوم لهمدان ويوم للصدف ولتميم مثله او تنحرف ... والربعيون لهم يوم عصف إذا مشيت مشيه العود النطف ... اطعنهم بكل خطى ثقف [١] ثم نادى: يا أبا الحسن، اخرج الى، انا عمرو بن العاص. فخرج اليه على، فتطاعنا، فلم يصنعا شيئا، فانتضى على سيفه، فحمل عليه، فلما اراد ان يجلله رمى بنفسه عن فرسه، ورفع احدى رجليه، فبدت عورته، فصرف على وجهه، وتركه. وانصرف عمرو الى معاويه، فقال له معاويه: احمد الله وسوداء استك يا عمرو. قالوا: وخرج عبيد الله بن عمر بن الخطاب يوما من تلك الأيام، وكان من فرسان العرب وابطالها في خيل من اهل الشام، وخرج الاشتر في مثلها، فاشتدت بينهما الحرب، فالتقى عبيد الله والاشتر، فحمل عبيد الله على الاشتر، وبدره الاشتر يطعنه، فاخطاه، واسرع الاشتر في اصحاب عبيد الله، فانصرف الفريقان، وللأشتر الفضل. وخرج يوما آخر عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان من معدودى رجال معاويه، فخرج اليه عدى بن حاتم في مثلها، فاقتتلوا يومهم كله، ثم انصرفوا، وكل غير غالب.

стр. 178

وخرج يوما ذو الكلاع في اربعه آلاف فارس من اهل الشام قد تبايعوا على الموت، فحملوا على ربيعه، وكانوا في ميسره على، وعليهم عبد الله بن عباس، فتصدعت جموع ربيعه، فناداهم خالد بن المعمر: يا معشر ربيعه اسخطتم الله فثابوا اليه، فاشتد القتال حتى كثرت القتلى، ونادى عبيد الله بن عمر: انا الطيب ابن الطيب، فسمعه عمار، فناداه: بل أنت الخبيث ابن الطيب. ثم حمل عبيد الله، وهو يرتجز: انا عبيد الله ينمينى عمر ... خير قريش من مضى ومن غبر غير رسول الله والشيخ الأغر ... أبطأ عن نصر ابن عفان مضر والربعيون، فلا اسقوا المطر فضرب شمر بن الريان العجلى، فقتله، وكان من فرسان ربيعه. مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب فلما أصبحوا خرج عبيد الله فيمن كان معه بالأمس، وخرجت اليهم ربيعه، فاقتتلوا بين الصفين، وعبيد الله امامهم يضرب بسيفه، فحمل عليه حريث بن جابر الحنفي، فطعنه في لبته [١] ، فقتله، وقد اختلفوا في قتله، فقالت [٢] همدان: قتله هانئ بن الخطاب، وقالت حضرموت: قتله مالك بن عمرو الحضرمى، وقالت ربيعه: حريث بن جابر الحنفي، وهو المجمع عليه، فقال كعب بن جعيل يرثيه: الا انما تبكى العيون لفارس ... بصفين اجلت خيله وهو واقف فاضحى عبيد الله بالقاع مسلما ... تمج دما منه والعروق النوازف ينوء وتعلوه سبائب من دم ... كما لاح في جيب القميص الكفائف [٣] وقد ضربت حول ابن عم نبينا ... من الموت شهباء المناكب شارف [٤]

стр. 179

تموج ترى الرايات حمرا كأنها ... إذا صوبت للطعن طير عواكف جزى الله قتلانا بصفين خير ما ... جزى عبادا غادرتها المواقف مقتل ذي الكلاع قالوا: وخرج ذو الكلاع في يوم من تلك الأيام في كتيبه من اهل الشام من عك ولخم، فخرج اليه عبد الله بن عباس في ربيعه، فالتقوا، ونادى رجل من مذحج العراق يا آل مذحج، خذموا [١] فاعترضت مذحج عكا يضربون سوقهم بالسيوف، فيبركون. فنادى ذو الكلاع.. يا آل عك، بروكا كبروك الإبل. وحمل رجل من بكر بن وائل يسمى خندفا على ذي الكلاع، فضربه بالسيف على عاتقه، فقد الدرع، وفرى عاتقه، فخر ميتا، فلما قتل ذو الكلاع تمحكت عك، وصبروا لعض السيوف، فلم يزالوا كذلك حتى امسوا. وكان اهل العراق واهل الشام ايام صفين إذا انصرفوا من الحرب يدخل كل فريق منهم في الفريق الآخر، فلا يعرض احد لصاحبه، وكانوا يطلبون قتلاهم، فيخرجونهم من المعركة، ويدفنونهم. قالوا: وان عليا رضى الله عنه اشاع انه يخرج الى اهل الشام بجميع الناس، فيقاتلهم حتى يحكم الله بينه وبينهم، ففزع الناس لذلك فزعا شديدا، وقالوا: انما كنا الى اليوم تخرج الكتيبة الى مثلها، فيقتتلون بين الجمعين، فان التقينا بجميع الفيلقين فهو فناء العرب. وقام على في الناس خطيبا، فقال: الا انكم ملاقو القوم غدا بجميع الناس، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلوا الله الصبر والعفو، والقوهم بالجد.

стр. 180

فقال كعب بن جعيل: اصبحت الامه في امر عجب ... والملك مجموع غدا لمن غلب اقول قولا صادقا غير الكذب ... ان غدا تهلك اعلام العرب واجتمع اهل الشام الى معاويه، فعرضهم، فنادى مناديه: اين الجند المقدم؟ فخرج اهل حمص تحت راياتهم، وعليهم ابو الأعور السلمى، ثم نادى: اين اهل الأردن؟، فخرجوا تحت راياتهم، وعليهم زفر بن الحارث الكلابى، ثم نادى: اين جند الأمير؟ فجاء اهل دمشق تحت راياتهم، وعليهم الضحاك ابن قيس، فأطافوا بمعاويه، فعقد لعمرو بن العاص على جميع الناس، وساروا حتى وقفوا بإزاء اهل العراق. وقعد معاويه على منبر ينظر منه فوق رابيه الى الفريقين إذا اقتتلوا، واقبلت عك الشام، وقد عصبوا انفسهم بالعمائم، وطرحوا بين ايديهم حجرا، وقالوا: لا نولي الدبر او يولى معنا هذا الحجر، فصفهم عمرو خمسه صفوف، ووقف امامهم يرتجز: يا ايها الجيش الصليب الأيمان ... قوموا قياما، فاستعينوا الرحمن [١] انى أتاني خبر فأبكان ... ان عليا قتل ابن عفان ردوا علينا شيخنا كما كان وأنشأ رجل من اهل الشام يقول: تبكى الكتيبة يوم جر حديدها ... يوم الوغى جزعا على عثمانا يسلون حق الله لا يعدونه ... وسألتم لعلى السلطانا فاتوا ببينه بما تسلونه ... هذا البيان، فاحضروا البرهانا ولما اصبح على رضى الله عنه غلس [٢] . بصلاة الفجر، ثم امر اصحابه، فخرجوا

стр. 181

تحت راياتهم، ثم جعل يدور على رايات اهل الشام، فيقول: من هؤلاء؟ فيسمون له، حتى إذا عرفهم، وعرف مراكزهم، قال لازد الكوفه: اكفوني ازد الشام، وقال لخثعم: اكفوني خثعم، فامر كل قبيله من اهل العراق ان تكفيه أختها من اهل الشام، ثم امرهم ان يحملوا من كل ناحيه حمله رجل واحد، فحملوا، وحمل على رضى الله عنه على الجمع الذى كان فيه معاويه في اهل الحجاز من قريش والانصار وغيرهم، وكانوا زهاء اثنى عشر الف فارس، وعلى امامهم، وكبروا وكبر الناس تكبيره ارتجت لها الارض، فانتقضت صفوف اهل الشام، واختلفت راياتهم، وانتهوا الى معاويه، وهو جالس على منبره، معه عمرو بن العاص، ينظران الى الناس، فدعا بفرس ليركبه. ثم ان اهل الشام تداعوا بعد جولتهم، وثابوا، ورجعوا على اهل العراق، وصبر القوم بعضهم لبعض الى ان حجز بينهم الليل، فقتل في ذلك اليوم اناس كثير من اعلام العرب واشرافهم، فلما أصبحوا دخل الناس بعضهم في بعض، يستخرجون قتلاهم، فيدفنونهم يومهم ذلك كله. ثم ان عليا قام في عشيه ذلك اليوم في اصحابه، فقال: ايها الناس، اغدوا على مصافكم، وازحفوا الى عدوكم، وغضوا الابصار، واخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام، واثبتوا، واذكروا الله كثيرا، وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَاصْبِرُوا، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وقام معاويه في اهل الشام، فقال: ايها الناس، اصبروا وصابروا، ولا تتخاذلوا ولا تتواكلوا، فإنكم على حق، ولكم حجه، وانما تقاتلون من سفك الدم الحرام، فليس له في السماء عاذر. وقام عمرو، فقال: ايها الناس، قدموا المستلئمة وأخروا الحسر [١] ، وأعيرونا جماجمكم اليوم، فقد بلغ الحق مقطعه، وانما هو ظالم او مظلوم.

стр. 182

فبات الفريقان طول تلك الليلة يتعبون للحرب، ثم غدوا على مصافهم، وحمل الفريقان بعضهم على بعض، وحمل حبيب بن مسلمه، وكان على ميسره معاويه، على ميمنه على رضى الله عنه، فانكشفوا وجالوا جولة، ونظر على الى ذلك، فقال لسهل بن حنيف: انهض فيمن معك من اهل الحجاز حتى تعين اهل الميمنه، فمضى سهل فيمن كان معه من اهل الحجاز نحو الميمنه، فاستقبلهم جموع اهل الشام، فكشفوه ومن معه حتى انتهوا الى على، وهو في القلب، فجال القلب وفيه على جولة، فلم يبق مع على الا اهل الحفاظ والنجده، فحث على فرسه نحو ميسرته، وهم وقوف يقاتلون من بازائهم من اهل الشام، وكانوا ربيعه. قال زيد بن وهب: فانى لانظر الى على، وهو يمر نحو ربيعه، ومعه بنوه: الحسن والحسين ومحمد، وان النبل ليمر بين أذنيه وعاتقه، وبنوه يقونه بانفسهم، فلما دنا على من الميسره، وفيها الاشتر، وقد وقفوا في وجوه اهل الشام يجالدونهم، فناداه على، وقال: ايت هؤلاء المنهزمين، فقل: اين فراركم من الموت الذى لم تعجزوه الى الحياه التي لا تبقى لكم. فدفع الاشتر فرسه، فعارض المنهزمين، فناداهم: ايها الناس، الى الى، انا مالك بن الحارث فلم يلتفتوا اليه، فظن انه بالاستعراف، فقال: ايها الناس انا الاشتر فثابوا اليه، فزحف بهم نحو ميسره اهل الشام. فقاتل بهم قتالا شديدا حتى انكشف اهل الشام، وعادوا الى مواقفهم الاولى. ورتب الاشتر ميمنه على رضى الله عنه والقلب مراتبهما قبل الجولة، فلما عادوا الى مواقفهم جعل على يسير في الصفوف ويؤنبهم على ما كان من جولتهم، وذلك ما بين صلاه العصر والمغرب. قال: ثم ان اهل الشام حملوا على تميم، وكانوا في الميمنه، فكشفوهم، فناداهم زحر ١ في الأصل: زجر. بن نهشل: يا بنى تميم، الى أين؟ قالوا: الا ترى الى ما قد غشينا؟!

стр. 183

فقال: ويحكم، افرارا واعتذارا؟! ان لم تقاتلوا على الدين، فقاتلوا على الاحساب، احملوا معى. فحمل وحملوا، فقاتل حتى قتل، وهو امامهم، وحمل الناس جميعا بعضهم على بعض، واقتتلوا حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، ثم تكادموا [١] . بالأفواه، وتحاثوا بالتراب، ثم تنادوا من كل جانب: يا معشر العرب، من للنساء والأولاد، الله الله في الحرمات. وان عليا رضى الله عنه لينغمس في القوم، فيضرب بسيفه حتى ينثني، ثم يخرج متخضبا بالدم حتى يسوى له سيفه، ثم يرجع، فينغمس فيهم، وربيعه لا تترك جهدا في القتال معه والصبر، وغابت الشمس، وقربوا من معاويه، فقال لعمرو: ما ترى؟ قال: ان تخلى سرادقك. فنزل معاويه عن المنبر الذى كان يكون عليه، واخلى السرادق، واقبلت ربيعه، وامامها على رضى الله عنه حتى غشوا السرادق، فقطعوه، ثم انصرفوا، وبات على تلك الليلة في ربيعه. مقتل هاشم بن عتبة بن ابى وقاص المرقال فلما اصبح على غادى [٢] اهل الشام القتال، ودفع رايته العظمى الى هاشم بن عتبة، فقاتل بها نهاره كله، فلما كان العشى انكشف اصحابه انكشافه، وثبت هاشم في اهل الحفاظ منهم والنجده، فحمل عليهم الحارث بن المنذر التنوخي، فطعنه طعنه جائفة [٣] ، فلم ينته عن القتال، ووافاه رسول على يأمره ان يقدم رايته، فقال للرسول: انظر الى ما بي فنظر الى بطنه، فرآه منشقا، فرجع الى على، فاخبره، ولم يلبث هاشم ان سقط، وجال اصحابه عنه، وتركوه بين القتلى، فلم يلبث ان مات. وحال الليل بين الناس وبين القتال.

стр. 184

فلما اصبح على غلس [١] بالصلاة، وزحف بجموعه نحو القوم على التعبئة الاولى، ودفع الراية الى ابنه عبد الله بن هاشم بن عتبة، وتزاحف الفريقان فاقتتلوا. فروى عن القعقاع الظفري انه قال: لقد سمعت في ذلك اليوم من أصوات السيوف ما الرعد القاصف دونه وعلى رضى الله عنه واقف ينظر الى ذلك، ويقول: لا حول ولا قوه الا بالله، والله المستعان، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ. ثم حمل على بنفسه على اهل الشام حتى غاب فيهم، فانصرف مخضبا بالدماء، فلم يزالوا كذلك يومهم كله والليل حتى مضى ثلثه، وجرح على خمس جراحات، ثلاث في راسه واثنتان في وجهه، ثم تفرقوا وغدوا على مصافهم، وعمرو بن العاص يقدم اهل الشام، فحمل عبد الله بن جعفر ذو الجناحين في قريش والانصار في وجه عمرو فاقتتلوا، وحمل غلامان اخوان من الانصار على جموع اهل الشام حتى انتهيا الى سرادق معاويه، فقتلا على باب السرادق، ودارت رحى الحرب الى ان ذهب ثلث الليل، ثم تحاجزوا، ولما اصبح الناس اختلط بعضهم ببعض، يستخرجون قتلاهم، فيدفنونهم. وكتب معاويه الى على: اما بعد، فانى انما اقاتلك على دم عثمان، ولم أر المداهنه في امره واسلام حقه، فان ادرك بثارى فيه فذاك، والا فالموت على الحق اجمل من الحياه على الضيم، وانما مثلي ومثل عثمان، كما قال المخارق: فمهما تسل عن نصرتي السيد لا تجد ... لدى الحرب بيت السيد عندي مذمما فكتب اليه على: اما بعد، فانى عارض عليك ما عرض مخارق على بنى فالج، حيث قال:

стр. 185

يا راكبا اما عرضت فبلغا ... بنى فالج حيث استقر قرارها هلموا إلينا لا تكونوا كأنكم ... بلاقع ارض طار عنها غبارها سليم بن منصور اناس أعزة ... وارضهم ارض كثير وبارها [١] فكتب اليه معاويه: انا لم نزل للحرب قاده، وانما مثلي ومثلك ما قال أوس بن حجر: إذا الحرب حلت ساحه الحى أظهرت ... عيوب رجال يعجبونك في الأمن وللحرب اقوام يحامون دونها ... وكم قد ترى من ذي رواء ولا يغنى ثم غدوا على الحرب، ورايه اهل الشام العظمى مع عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد، وكان يحمل بها فلا يلقاه شيء الا هده، وكان من فرسان العرب، وكانت من اهل العراق جولة شديده، فنادى الناس الاشتر، وقالوا: اما ترى اللواء اين قد بلغ؟، فتناول الاشتر لواء اهل العراق، فتقدم به، وهو يرتجز: انى انا الاشتر الشتر ... انى انا الأفعى العراقي الذكر [٢] فقاتل اهل الشام حتى رد اللواء، وردهم على اعقابهم، ففي ذلك يقول النجاشى: رايت اللواء كظل العقاب ... يقحمه الشامي الاخزر [٣] دعونا له الكبش كبش العراق ... وقد خالط العسكر العسكر فرد اللواء على عقبه ... وفاز بحظوتها الاشتر مقتل حوشب ذي ظليم قالوا: وأخذ الراية جندب بن زهير، فخرج اليه حوشب ذو ظليم، وكان من عظماء اهل الشام، وفرسانهم، فاخذ الراية وجعل يمضى بها قدما، وينكا

стр. 186

في اهل العراق، فخرج اليه سليمان بن صرد، وكان من فرسان على، فاقتتلوا، فقتل حوشب، وجال اهل العراق جولة انتقضت صفوفهم، وانحاز اهل الحفاظ منهم مع على رضى الله عنه الى ناحيه اخرى يقاتلون، واقبل عدى بن حاتم يطلب عليا في موضعه الذى خلفه فيه، فلم يجده، فسال عنه، فدل عليه، فاقبل اليه، فقال: يا امير المؤمنين، اما إذ كنت حيا فالأمر امم [١] ، واعلم انى ما مشيت إليك الا على أشلاء القتلى، وما ابقى هذا اليوم لنا ولا لهم عميدا. وكان اكثر من صبر في تلك الساعة مع على وقاتل ربيعه، فقال على رضى الله عنه: يا معشر ربيعه، أنتم درعي وسيفي ثم ركب الفرس [٢] الذى كان لرسول الله ص يسمى الريح وجنب بين يديه بغله رسول الله ص الشهباء، وتعمم بعمامته ص السوداء، ثم امر مناديه، فنادى: ايها الناس، من يشرى نفسه لله؟ فانتدب له الناس، وانضموا اليه، فاقبل بهم على اهل الشام حتى أزال راياتهم، وجالوا جولة قبيحه حتى دعا معاويه بفرسه ليركبها، ثم نادى مناديه في اهل الشام: الى اين ايها الناس؟ أثيبوا، فان الحرب سجال فثاب اليه الناس، وكروا على اهل العراق. وقال معاويه لعمرو: قدم عك والاشعرين، فإنهم كانوا أول من انهزم في هذه الجولة. فأتاهم عمرو، فبلغهم قول معاويه، فقال رئيسهم مسروق العكي: انتظروني حتى آتى معاويه فأتاه، فقال: افرض لقومى في الفين الفين، ومن هلك منهم، فابن عمه مكانه، قال: ذلك لك، فانصرف الى قومه، فاعلمهم ذلك، فتقدموا، فاضطربوا هم وهمدان بالسيوف اضطرابا شديدا، فاقسمت عك لا ترجع حتى ترجع همدان، واقسمت همدان على مثل ذلك. فقال عمرو لمعاوية: لقيت اسد أسدا، لم أر كاليوم قط. فقال معاويه: لو ان معك حيا آخر كعك، ومع على كهمدان لكان الفناء.

стр. 187

وكتب معاويه الى على: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاويه بن ابى سفيان الى على بن ابى طالب، اما بعد، فانى احسبك ان لو علمت وعلمنا، ان الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم نجنها على أنفسنا، فانا وان كنا قد غلبنا على عقولنا، فقد بقي لنا منها ما ينبغى ان نندم على ما مضى ونصلح ما بقي، فإنك لا ترجو من البقاء الا ما أرجو، ولا اخاف من القتل الا ما تخاف، وقد والله رقت الأجناد، وتفانى الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل الا ما يستذل به العزيز، ولا يسترق به الحر، والسلام. فكتب اليه على رضى الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد، فقد أتاني كتابك، تذكر انك لو علمت وعلمنا ان الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم نجنها على أنفسنا، فاعلم انك وإيانا منها الى غاية لم نبلغها بعد، واما استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك لست امضى على الشك منى على اليقين، وليس اهل الشام باحرص على الدنيا من اهل العراق على الآخرة، واما قولك انا بنو عبد مناف، وليس لبعضنا على بعض فضل، فليس كذلك، لان اميه ليس كهاشم، ولا حربا كعبد المطلب، ولا أبا سفيان كابى طالب، ولا المهاجر كالطليق، وفي أيدينا فضل النبوه التي بها قتلنا العزيز، ودان لنا بها الذليل. ثم ان عليا رضى الله عنه غلس بالصلاة صلاه الفجر، وزحف بجموعه نحو اهل الشام، فوقف الفريقان تحت راياتهم، وخرج الاشتر على فرس كميت ذنوب [١] . مقنعا بالحديد، وبيده الرمح، فحمل على اهل الشام، فاتبعه الناس، وكسر فيهم ثلاثة ارماح، واضطرب الناس بالسيوف وعمد الحديد، وبرز رجل من اهل الشام مقنعا بالحديد، ونادى: يا أبا الحسن، ادن منى، اكلمك فدنا منه على

стр. 188

حتى اختلفت اعناق فرسيهما بين الصفين، فقال: ان لك قدما في الاسلام ليس لأحد، وهجره مع رسول الله ص، وجهادا، فهل لك ان تحقن هذه الدماء، وتؤخر هذه الحرب برجوعك الى عراقك، ونرجع الى شامنا الى ان تنظر وننظر في امرنا؟. [فقال على: يا هذا، انى قد ضربت انف هذا الأمر وعينيه، فلم اجده يسعني الا القتال او الكفر بما انزل الله على محمد، ان الله لا يرضى من اوليائه ان يعصى في الارض، وهم سكوت، لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، فوجدت القتال اهون من معالجة الأغلال في جهنم. ] قال: فانصرف الشامي، وهو يسترجع، ثم اقتتلوا حتى تكسرت الرماح، وتقطعت السيوف، واظلمت الارض من القتام، [١] ، وأصابهم البهر، [٢] وبقي بعضهم ينظر الى بعض بهيرا. فتحاجزوا بالليل، وهو ليله الهرير. ثم أصبحوا غداه هذه الليلة، واختلط بعضهم ببعض يستخرجون قتلاهم ويدفنونهم. ثم ان عليا قام من صبيحة ليله الهرير في الناس خطيبا، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: ايها الناس، انه قد بلغ بكم وبعدوكم الأمر الى ما ترون، ولم يبق من القوم الا آخر نفس، فتأهبوا رحمكم الله لمناجزه عدوكم غدا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبينهم، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. وبلغ ذلك معاويه، فقال لعمرو: ما ترى، فإنما هو يومنا هذا وليلتنا هذه؟، فقال عمرو: انى قد اعددت بحيلتي امرا اخرته الى هذا اليوم، فان قبلوه اختلفوا، وان ردوه تفرقوا، قال معاويه: وما هو؟ قال عمرو: تدعوهم الى كتاب الله حكما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك. فعلم معاويه ان الأمر كما قال. قالوا: وان الاشعث بن قيس قال لقومه، وقد اجتمعوا اليه: قد رايتم ما كان في اليوم الماضى من الحرب المبيره [٣] . وانا والله ان التقينا غدا، انه لبوار العرب وضيعه الحرمات.

стр. 189

قالوا: فانطلقت العيون الى معاويه بكلام الاشعث، فقال: صدق الاشعث، لئن التقينا غدا ليميلن الروم على ذراري اهل الشام، وليميلن دهاقين فارس على ذراري اهل العراق، وما يبصر هذا الأمر الا ذوو الأحلام، اربطوا المصاحف على اطراف القنا. [١] قالوا: فربطت المصاحف، فأول ما ربط مصحف دمشق الأعظم، ربط على خمسه ارماح، يحملها خمسه رجال، ثم ربطوا سائر المصاحف، جميع ما كان معهم، وأقبلوا في الغلس، ونظر اهل العراق الى اهل الشام قد أقبلوا، وامامهم شبيه بالرايات، فلم يدروا ما هو، حتى أضاء الصبح، فنظروا، فإذا هي المصاحف. ثم قام الفضل بن ادهم امام القلب، وشريح الجذامى امام الميمنه، وورقاء ابن المعمر امام الميسره، فنادوا: يا معشر العرب، الله. الله في نسائكم وأولادكم من فارس والروم غدا، فقد فنيتم، هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فقال على رضى الله عنه: ما الكتاب تريدون، ولكن المكر تحاولون. ثم اقبل ابو الأعور السلمى على برذون اشهب، وعلى راسه مصحف، وهو ينادى: يا اهل العراق، هذا كتاب الله حكما فيما بيننا وبينكم. فلما سمع اهل العراق ذلك قام كردوس بن هانئ البكرى، فقال: يا اهل العراق، لا يهدئكم ما ترون من رفع هذه المصاحف، فإنها مكيده. ثم تكلم سفيان بن ثور النكرى، [٢] ، فقال: ايها الناس، انا قد كنا بدأنا بدعاء اهل الشام الى كتاب الله، فردوا علينا، فاستحللنا قتالهم، فان رددناه عليهم حل لهم قتالنا، «ولسنا نخاف ان يحيف الله علينا ولا رسوله» . ثم قام خالد بن المعمر، فقال لعلى: يا امير المؤمنين، ما البقاء الا فيما دعا القوم اليه ان رايته، وان لم تره فرأيك افضل. ثم تكلم الحضين بن المنذر، فقال: ايها الناس، ان لنا داعيا قد حمدنا ورده وصدره، وهو المأمون على ما فعل، فان قال: لا، قلنا: لا، وان قال: نعم، قلنا: نعم.

стр. 190

فتكلم على، وقال: عباد الله، انا احرى من أجاب الى كتاب الله، وكذلك أنتم، غير ان القوم ليس يريدون بذلك الا المكر، وقد عضتهم الحرب، والله، لقد رفعوها وما رأيهم العمل بها، وليس يسعني مع ذلك ان ادعى الى كتاب الله فأبى، وكيف وانما قاتلناهم ليدينوا بحكمه. فقال الاشعث: يا امير المؤمنين نحن لك اليوم على ما كنا عليه لك أمس، غير ان الرأي ما رايت من اجابه القوم الى كتاب الله حكما. فاما عدى بن حاتم وعمرو بن الحمق فلم يهويا ذلك، ولم يشيروا على على به. ولما أجاب على رضى الله عنه، قالوا له: فابعث الى الاشتر ليمسك عن الحرب ويأتيك. وكان يقاتل في ناحيه الميمنه، فقال على ليزيد بن هانئ: انطلق الى الاشتر، فمره ان يدع ما هو فيه، ويقبل، فأتاه، فابلغه، فقال: ارجع الى امير المؤمنين، فقل له ان الحرب قد اشتجرت بيني وبين اهل الناحية، فليس يجوز ان انصرف. فانصرف يزيد الى على، فاخبره بذلك، وعلت الأصوات من ناحيه الاشتر، وثار النقع، [١] فقال القوم لعلى، والله ما نحسبك امرته الا بالقتال. فقال: كيف امرته بذلك، ولم اساره سرا؟! ثم قال ليزيد: عد الى الاشتر، فقل له. اقبل، فان الفتنة قد وقعت. فأتاه، فاخبره بذلك. فقال الاشتر: الرفع هذه المصاحف؟، قال: نعم. قال: اما والله لقد ظننت بها حين رفعت، انها ستوقع اختلافا وفرقه. فاقبل الاشتر حتى انتهى اليهم، فقال: يا اهل الوهن والذل، احين علوتم القوم تنكلون لرفع هذه المصاحف؟ أمهلوني فواقا، [٢] قالوا: لا ندخل معك في خطيئتك، قال: ويحكم، كيف بكم وقد قتل خياركم وبقي اراذلكم، فمتى كنتم محقين؟ احين كنتم تقاتلون أم الان حين أمسكتم؟ فما حال قتلاكم الذين

стр. 191

لا ننكرون فضلهم، افي الجنه أم في النار؟. قالوا: قاتلناهم في الله، وندع قتالهم في الله. فقال: يا اصحاب الجباه السود، كنا نظن ان صلاتكم عباده وشوق الى الجنه، فنراكم قد فررتم الى الدنيا، فقبحا لكم. فسبوه، وسبهم، وضربوا وجه دابته بسياطهم، وضرب هو وجوه دوابهم بسوطه. وكان مسعر بن فدكي وابن الكواء وطبقتهم من القراء الذين صاروا بعد خوارج كانوا من أشد الناس في الإجابة الى حكم المصحف. وان معاويه قام في اهل الشام، فقال: ايها الناس، ان الحرب قد طالت بيننا وبين هؤلاء القوم، وان كل واحد منا يظن انه على الحق وصاحبه على الباطل، وانا قد دعوناهم الى كتاب الله والحكم به، فان قبلوه، والا كنا قد أعذرنا اليهم. ثم كتب الى على: ان أول من يحاسب على هذا القتال انا وأنت، وانا ادعوك الى حقن هذه الدماء والفة الدين واطراح الضغائن، وان يحكم بيني وبينك حكمان، أحدهما من قبلي والآخر من قبلك، ما يجدانه مكتوبا مبينا في القرآن يحكمان به، فارض بحكم القرآن ان كنت من اهله. فكتب اليه على: دعوت الى حكم القرآن، وانى لأعلم انك ليس حكمه تحاول، وقد أجبنا القرآن الى حكمه لا إياك، ومن لم يرض بحكم القرآن فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. وكتب الى عمرو بن العاص: [اما بعد، فان الدنيا مشغله عن غيرها، ولم يصب صاحبها منها شيئا الا انفتح له بذلك حرص يزيده فيها رغبه، ولن يستغنى صاحبها بما نال منها عما لم ينله،] ومن وراء ذلك فراق ما جمع، فلا تحبط عملك بمجاراه معاويه على باطله، وان لم تنته لم تضر بذلك الا نفسك، والسلام. فأجابه عمرو: اما بعد، فان الذى فيه صلاحنا والفه ما بيننا الإنابة الى الحق، وقد جعلنا القرآن حكما بيننا وبينك لنرضى بحكمه، ويعذرنا الناس عند المناجزة، والسلام.

стр. 192

فكتب اليه على: اما بعد، فان الذى اعجبك مما نازعتك نفسك اليه من طلب الدنيا منقلب عنك، فلا تطمئن إليها، فإنها غراره، ولو اعتبرت بما مضى انتفعت بما بقي، والسلام. فكتب اليه عمرو: اما بعد، فقد انصف من جعل القرآن حكما، فاصبر يا أبا الحسن، فانا غير منيليك الا ما انا لك القرآن، والسلام. فاجتمع قراء اهل العراق وقراء اهل الشام، فقعدوا بين الصفين، ومعهم المصحف يتدارسونه، فاجتمعوا على ان يحكموا حكمين، وانصرفوا. فقال اهل الشام: قد رضينا بعمرو. وقال الاشعث ومن كان معه من قراء اهل العراق: قد رضينا نحن بابى موسى. فقال لهم على: لست أثق براى ابى موسى، ولا بحزمه، ولكن اجعل ذلك لعبد الله بن عباس. قالوا: والله ما نفرق بينك وبين ابن عباس، وكأنك تريد ان تكون أنت الحاكم، بل اجعله رجلا هو منك ومن معاويه سواء، ليس الى احد منكما بأدنى منه الى الآخر. قال على رضى الله عنه: فلم ترضون لأهل الشام بابن العاص، وليس كذلك؟. قالوا: أولئك اعلم، انما علينا أنفسنا. قال: فانى اجعل ذلك الى الاشتر. قال الاشعث: وهل سعر هذه الحرب الا الاشتر، وهل نحن الا في حكم الاشتر؟. قال على: وما حكمه؟. قال: يضرب بعض وجوه بعض حتى يكون ما يريد الله.

стр. 193

قال: فقد ابيتم الا ان تجعلوا أبا موسى. قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما احببتم. قالوا: فأرسلوا رسولا الى ابى موسى، وقد كان اعتزل الحرب، واقام بعرض [١] . من اعراض الشام، فدخل عليه مولى له، فقال: قد اصطلح الناس، قال: الحمد لله رب العالمين. قال: وقد جعلوك حكما. قال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. فاقبل ابو موسى حتى دخل عسكر على، فولوه الأمر، ورضوا به، فقبله. فقال الأحنف بن قيس لعلى: انك قد منيت بحجر الارض، وداهيه العرب، وقد عجمت أبا موسى، فوجدته كليل الشفرة، قريب العقر، وانه لا يصلح لهذا الأمر الا رجل يدنو من صاحبه حتى يكون في كفه، ويبعد منه حتى يكون مكان النجم، فان شئت ان تجعلني حكما فافعل، والا فثانيا او ثالثا، فان قلت: انى لست من اصحاب رسول الله ص، فابعث رجلا من صحابته، واجعلنى وزيرا له ومشيرا. فقال على: ان القوم قد أبوا ان يرضوا بغير ابى موسى، «والله بالِغُ أَمْرِهِ» . قالوا: فقال ايمن بن خريم الأسدي من اهل الشام، وكان معتزلا للقوم: لو كان للقوم راى يهتدون به ... بعد القضاء رموكم بابن عباس لكن رموكم بشيخ من ذوى يمن ... لم يدر ما ضرب اخماس لأسداس [٢]

стр. 194

قالوا: وقد كان معاويه جعل لايمن بن خريم ناحيه من فلسطين على ان يبايعه، فأبى، وقال: لست بقاتل رجلا يصلى ... على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلى إثمي ... معاذ الله من سفه وطيش ااقتل مسلما في غير حق ... فليس بنافعى ما عشت عيشي وثيقة التحكيم قالوا: فاجتمع اهل العراق واهل الشام وأتوا بكاتب، وقالوا: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه امير المؤمنين. فقال معاويه بئس الرجل انا ان اقررت بانه امير المؤمنين ثم اقاتله. قال عمرو بل اكتب اسمه واسم ابيه. فقال الأحنف بن قيس: يا امير المؤمنين، لا تمح اسم امره المؤمنين، فانى اخاف ان محوتها لم ترجع إليك ابدا، ولا تجبهم الى ذلك. [فقال على: الله اكبر، سنه بسنه، اما والله لقد جرى على يدي نظير هذا يعنى القضية يوم الحديبية، [١] وامتناع قريش ان يكتب محمد رسول الله، فقال النبي ص للكاتب، اكتب محمد بن عبد الله،] فكتبوا. هذا ما تقاضى عليه على بن ابى طالب ومعاويه بن ابى سفيان وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنه نبيه ص، قضية على على اهل العراق شاهدهم وغائبهم، وقضية معاويه على اهل الشام شاهدهم وغائبهم، انا تراضينا ان نقف عند حكم القرآن فيما يحكم من فاتحته الى خاتمته، نحيى ما أحيا، ونميت ما أمات، على ذلك تقاضيا وبه تراضيا، وان عليا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ناظرا وحاكما، ورضى معاويه وشيعته بعمرو بن العاص ناظرا وحاكما، على ان عليا ومعاويه أخذا على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه، وذمته وذمة

стр. 195

رسوله ان يتخذا القرآن اماما، ولا يعدوا به الى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورا، وما لم يجدا في الكتاب رداه الى سنه رسول الله الجامعه، لا يتعمدان لها خلافا، ولا يبغيان فيها بشبهه. وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على على ومعاويه عهد الله وميثاقه بالرضى بما حكما به مما في كتاب الله وسنه نبيه، وليس لهما ان ينقضا ذلك، ولا يخالفاه الى غيره، وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما واشعارهما وابشارهما واهاليهما وأولادهما ما لم يعدوا الحق، رضى به راض او سخطه ساخط، وان الامه انصارهما على ما قضيا به من الحق مما هو في كتاب الله، فان توفى احد الحكمين قبل انقضاء الحكومة، فلشيعته واصحابه ان يختاروا مكانه رجلا من اهل المعدلة والصلاح على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق، وان مات احد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدد في هذه القضية فلشيعته ان يولوا مكانه رجلا يرضون عدله، وقد وقعت القضية بين الفريقين والمفاوضه، ورفع السلاح، وقد وجبت القضية على ما سمينا في هذا الكتاب من موقع الشرط على الأميرين والحكمين والفريقين، والله اقرب شهيد، وَكَفى * به شَهِيداً، * فان خالفا وتعديا فالأمة بريئة من حكمهما ولا عهد لهما ولا ذمه، والناس آمنون على انفسهم وأهاليهم وأولادهم الى انقضاء الأجل، والسلاح موضوعه والسبل آمنة، والغائب من الفريقين مثل الشاهد في الأمر، وللحكمين ان ينزلا منزلا متوسطا عدلا بين اهل العراق واهل الشام، ولا يحضرهما فيه الا من احبا عن تراض منهما، والأجل الى انقضاء شهر رمضان، فان راى الحكمان تعجيل الحكومة عجلاها، وان رايا تأخيرها الى آخر الأجل اخراها، فان هما لم يحكما بما في كتاب الله وسنه نبيه الى انقضاء الأجل، فالفريقان على امرهم الاول في الحرب، وعلى الامه عهد الله وميثاقه في هذا الأمر، وهم جميعا يد واحده على من اراد في هذا الأمر إلحادا او ظلما او خلافا. شهد على ما في هذا الكتاب الحسن والحسين ابنا على بن ابى طالب، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن جعفر بن ابى طالب، والاشعث بن قيس، والاشتر

стр. 196

ابن الحارث، وسعيد بن قيس، والحصين والطفيل ابنا الحارث بن عبد المطلب، وابو سعيد بن ربيعة الأنصاري، وعبد الله بن خباب بن الأرت، وسهل بن حنيف، وابو بشر بن عمر الأنصاري، وعوف بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن عبد الله الأسلمي، وعقبه بن عامر الجهنى، ورافع بن خديج الأنصاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والنعمان بن العجلان الأنصاري، وحجر بن عدى الكندى، ويزيد بن حجيه النكرى، ومالك بن كعب الهمدانى، وربيعه بن شرحبيل، والحارث بن مالك، وحجر بن يزيد، وعلبة بن حجيه. ومن اهل الشام: حبيب بن مسلمه الفهري، وابو الأعور السلمى، وبسر ابن ارطاه القرشي، ومعاويه بن خديج الكندى، والمخارق بن الحارث، ومسلم ابن عمرو السكسكى، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وحمزه بن مالك، وسبيع ابن يزيد الحضرمى، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعلقمه بن يزيد الكلبى، وخالد بن الحصين السكسكى، وعلقمه بن يزيد الحضرمى، ويزيد بن ابجر العبسى، ومسروق بن جبله العكي، وبسر بن يزيد الحميرى، وعبد الله بن عامر القرشي، وعتبة بن ابى سفيان، ومحمد بن ابى سفيان، ومحمد بن عمرو بن العاص، وعمار بن الأحوص الكلبى، ومسعده بن عمرو العتبى، والصباح بن جلهمة الحميرى، وعبد الرحمن بن ذي الكلاع، وثمامة بن حوشب، وعلقمه بن حكم. وكتب يوم الأربعاء لثلاث عشره ليله بقيت من صفر سنه سبع وثلاثين. الخلاف بعد التحكيم وان الاشعث أخذ الكتاب فقراه على الفريقين، يمر به على كل، رايه رايه، وقبيله قبيله، فيقرؤه عليهم، فمر برايات عنزه، وكان مع على منهم اربعه آلاف رجل، فلما قراه عليهم قال اخوان منهم، اسمهما جعد ومعدان: «لا حكم إِلَّا لِلَّهِ*» ثم شدا على اهل الشام، فقاتلا حتى قتلا، وهما أول من حكم.

стр. 197

ثم مر على رايات مراد، فقراه عليهم، فقال صالح بن شقيق، وكان من افاضلهم لا حكم الا لله، وان كره المشركون، ثم مر به على رايات بنى راسب، فتنادوا لا يحكم الرجال في دين الله، ثم مر به على رايات بنى تميم، فقالوا مثل ذلك، فقال عروه بن اديه: اتحكمون في دين الله الرجال، فأين قتلانا يا اشعث؟ ثم حمل بسيفه على الاشعث، فاخطاه، وأصاب السيف عجز دابته، فانصرف الاشعث الى قومه، فمشى اليه سادات تميم، فاعتذروا اليه، فقبل وصفح. واقبل سليمان بن صرد الى على مضروبا في وجهه بالسيف، فقال: يا امير المؤمنين، اما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة. وقام محرز بن خنيس بن ضليع الى على، فقال: يا امير المؤمنين، اما الى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل، فو الله انى لخائف ان يورثك ذلا؟. قال على: ابعد ان كتبناه ننقضه؟ هذا لا يجوز. ثم ان عليا ومعاويه اتفقا على ان يكون مجتمع الحكمين بدومه الجندل، وهو المنصف بين العراق والشام. ووجه على مع ابى موسى شريح بن هانئ في اربعه آلاف من خاصته، وصير عبد الله بن عباس على صلاتهم، وبعث معاويه مع عمرو بن العاص أبا الأعور السلمى في مثل ذلك من اهل الشام. فساروا من صفين حتى وافوا دومه الجندل، وانصرف على باصحابه حتى وافى الكوفه، وانصرف معاويه باصحابه حتى وافى دمشق، ينتظر ان ما يكون من امر الحكمين. وكان على إذا كتب الى ابن عباس في امر اجتمع اليه اصحابه، فقالوا: ما كتب إليك امير المؤمنين؟ فيكتمهم، فيقولون: لم كتمتنا؟ وانما كتب إليك في كذا وكذا، فلا يزالون يزكنون [١] حتى يقفوا على ما كتب.

стр. 198

وتأتي كتب معاويه الى عمرو بن العاص، فلا يأتيه احد من اصحابه، يسأله عن شيء من امره. قالوا: وكتب معاويه الى عبد الله بن عمر بن الخطاب، والى عبد الله بن الزبير، والى ابى الجهم بن حذيفة، والى عبد الرحمن بن عبد يغوث: اما بعد، فان الحرب قد وضعت أوزارها، وصار هذان الرجلان الى دومه الجندل، فاقدموا عليهما ان كنتم قد اعتزلتم الحرب، فلم تدخلوا فيما دخل فيه الناس، لتشهدوا ما يكون منهما، والسلام. فلما أتاهم كتابه ساروا جميعا الى دومه الجندل، فأقاموا ينتظرون ما يكون من الرجلين، وحضر معهم سعد بن ابى وقاص، وسار المغيره بن شعبه، وكان مقيما بالطائف لم يشهد شيئا من تلك الحروب حتى اتى دومه الجندل، فأقام ينتظر ما يكون منهما، فلما طال مقامه سار من هناك حتى اتى معاويه بدمشق، فقال له معاويه: اشر على بما ترى، فقال له المغيره: لو اشرت عليك لقاتلت معك، ولكنى قد اتيتك بخبر الرجلين. قال: وما خبرهما؟. قال: انى خلوت بابى موسى لأبلو ما عنده، فقلت: ما تقول فيمن اعتزل عن هذا الأمر، وجلس في بيته كراهية للدماء؟، فقال: أولئك خيار الناس، خفت ظهورهم من دماء إخوانهم، وبطونهم من أموالهم. قال: فخرجت من عنده، واتيت عمرو بن العاص، فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن اعتزل هذه الحروب؟، فقال: أولئك شرار الناس، لم يعرفوا حقا، ولم ينكروا باطلا. وانا احسب أبا موسى خالعا صاحبه، وجاعلها لرجل لم يشهد، واحسب هواه في عبد الله بن عمر بن الخطاب. واما عمرو بن العاص فهو صاحبك الذى عرفته، واحسب سيطلبها لنفسه او لابنه عبد الله، ولا أراه يظن انك أحق بهذا الأمر منه. فاقلق ذلك معاويه.

стр. 199

مداوله الحكمين قالوا: ثم ان عمرو بن العاص جعل يظهر تبجيل ابى موسى واجلاله، وتقديمه في الكلام وتوقيره، ويقول: صحبت رسول الله ص قبلي، وأنت اكبر سنا منى. ثم اجتمعا ليتناظرا في الحكومة، فقال ابو موسى: يا عمرو، هل لك فيما فيه صلاح الامه ورضى الله؟. قال: وما هو؟. قال: نولي عبد الله بن عمر، فانه لم يدخل نفسه في شيء من هذه الحروب. قال له عمرو: اين أنت من معاويه؟. قال ابو موسى: ما معاويه موضعا لها، ولا يستحقها بشيء من الأمور. قال عمرو: الست تعلم ان عثمان قتل مظلوما؟. قال: بلى. قال: فان معاويه ولى عثمان، وبيته بعد في قريش ما قد علمت، فان قال الناس: لم ولى الأمر وليست له سابقه؟ فان لك في ذلك عذرا، تقول: انى وجدته ولى عثمان، والله تعالى يقول: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً وهو مع هذا أخو أم حبيبه زوج النبي ص، وهو احد اصحابه. قال ابو موسى: اتق الله يا عمرو، اما ما ذكرت من شرف معاويه، فلو كان يستوجب بالشرف الخلافه، لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصباح، فانه من أبناء ملوك اليمن التبابعه الذين ملكوا شرق الارض وغربها، ثم اى شرف لمعاوية مع على بن ابى طالب؟، واما قولك ان معاويه ولى عثمان، فاولى منه ابنه عمرو بن عثمان، ولكن ان طاوعتنى أحيينا سنه عمر بن الخطاب وذكره بتوليتنا ابنه عبد الله الحبر [١]

стр. 200

قال عمرو: فما يمنعك من ابنى عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته؟. فقال ابو موسى: ان ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الحروب غمسا، ولكن هلم نجعلها للطيب ابن الطيب عبد الله بن عمر. قال عمرو: يا أبا موسى، انه لا يصلح لهذا الأمر الا رجل له ضرسان، يأكل بأحدهما، ويطعم بالآخر. قال ابو موسى: ويحك يا عمرو، ان المسلمين قد اسندوا إلينا امرا بعد ان تقارعوا بالسيوف وتشاكوا بالرماح، فلا نردهم في فتنه. قال: فما ترى؟. قال: ارى ان نخلع هذين الرجلين، عليا ومعاويه، ثم نجعلها شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من أحبوا. قال عمرو: فقد رضيت بذلك، وهو الرأي الذى فيه صلاح الناس. قال: فافترقا على ذلك، واقبل ابن عباس الى ابى موسى، فخلا به، وقال: ويحك يا أبا موسى، احسب والله عمرا قد اختدعك، فان كنتما قد اتفقتما على شيء فقدمه قبلك ليتكلم، ثم تكلم بعده، فان عمرا رجل غدار، ولست آمن ان يكون قد أعطاك الرضى فيما بينك وبينه، فإذا قمت به في الناس خالفك، قال ابو موسى: قد اتفقنا على امر لا يكون لأحدنا على صاحبه فيه خلاف ان شاء الله اعلان الحكم فلما أصبحوا من غد خرجوا الى الناس، وهم مجتمعون في المسجد الجامع، فقال ابو موسى لعمرو: اصعد المنبر، فتكلم.

стр. 201

فقال عمرو: ما كنت اتقدمك وأنت افضل منى فضلا، واقدم هجره وسنا. فبدا ابو موسى، فصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه ثم قال: ايها الناس، انا قد نظرنا فيما يجمع الله به الفه هذه الامه ويصلح امرها، فلم نر شيئا هو ابلغ في ذلك من خلع هذين الرجلين، على ومعاويه، وتصييرها شورى ليختار الناس لأنفسهم من راوه لها أهلا، وانى قد خلعت عليا ومعاويه، فاستقبلوا امركم، وولوا عليكم من احببتم ثم نزل. وصعد عمرو، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: ان هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، الا وانى قد خلعت صاحبه كما خلعه، واثبت صاحبي معاويه، فانه ولى امير المؤمنين عثمان، والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه. فقال له ابو موسى: مالك، لا وفقك الله، غدرت وفجرت، وانما مثلك مثل الكلب، ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث. فقال له عمرو: ومثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه [١] بالسوط، وحجز الناس بينهما، وكان شريح يقول: ما ندمت على شيء قط كندامتى الا أكون ضربته مكان السوط بالسيف، اتى الدهر في ذلك بما اتى. وانسل ابو موسى، فركب راحلته، وهرب، حتى لحق بمكة، فكان ابن عباس يقول: لحى الله أبا موسى، لقد نبهته فما انتبه، وحذرته بما صار اليه فما انحاش [٢] . وكان ابو موسى يقول: لقد حذرني ابن عباس غدر عمرو، فاطمأننت اليه، ولم أظن انه يؤثر شيئا على نصيحه المسلمين. ٢٢٠١

стр. 202

مبايعه معاويه ثم انصرف عمرو واهل الشام الى معاويه، فسلموا عليه بالخلافة. واقبل ابن عباس وشريح بن هانئ ومن كان معهما من اهل العراق الى على، فاخبروه الخبر، فقام سعيد بن قيس الهمدانى، فقال: والله لو اجتمعنا على الهدى ما زادنا على ما نحن عليه بصيره. ثم تكلم عامه الناس بنحو من هذا. فتنه الخوارج قالوا: ولما بلغ اهل العراق ما كان من امر الحكمين لقيت الخوارج بعضها بعضا، واتعدوا ان يجتمعوا عند عبد الله بن وهب الراسبى، فاجتمع عنده عظماؤهم وعبادهم، فكان أول من تكلم منهم عبد الله بن وهب، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: معاشر إخواني، ان متاع الدنيا قليل، وان فراقها وشيك، فاخرجوا بنا منكرين لهذه الحكومة، فانه لا حكم الا لله، وإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. ثم تكلم حمزه بن سيار، فقال: الرأي ما رايتم، ومنهج الحق فيما قلتم، فولوا امركم رجلا منكم، فانه لا بد لكم من قائد وسائس ورايه تحفون بها، وترجعون إليها. فعرضوا الأمر على يزيد بن الحصين، وكان من عبادهم، فأبى ان يقبلها، ثم عرضوها على ابن ابى اوفى العبسى، فأبى ان يقبلها، ثم عرضوها على عبد الله ابن وهب الراسبى، فقال: هاتوها، فو الله ما اقبلها رغبه في الدنيا، ولا فرارا من الموت، ولكن اقبلها لما أرجو فيها من عظيم الاجر. ثم مد يده، فقاموا اليه، فبايعوه، فقام فيهم خطيبا، فحمد الله واثنى عليه، وصلى على النبي ص، ثم قال: اما بعد، فان الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بالحق والجهاد في سبيله إِنَّ الَّذِينَ

стр. 203

يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ، وقال الله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، واشهد على ان اهل دعوتنا من اهل ديننا ان قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الكتاب وجاروا في الحكم، وان جهادهم لحق، فاقسم بمن تعنو له الوجوه وتخشع له الابصار، لو لم أجد على قتالهم مساعدا لقاتلتهم وحدي حتى القى ربى شهيدا. فلما سمع ذلك عبد الله بن السخبر، وكان من اصحاب البرانس [١] استعبر باكيا، ثم قال: لحى الله امرأ لا يكون تشريح ما بين عظمه ولحمه وعصبه ايسر عنده من سخط الله عليه في لحظه يسعى بها على مقته، فكيف وانما تريدون بذلك وجه الله، يا اخوتى، تقربوا الى الله ببغض من عصاه، واخرجوا اليهم، فاضربوا وجوههم بالسيوف حتى يطاع الله يثبكم ثواب المطيعين العاملين بمرضاته، القائمين بحقوقه، فان تظفروا فالغنيمة والفتح، وان تغلبوا فأي شيء افضل من المصير الى رضوان الله وجنته ثم افترقوا يومهم ذلك. فلما كان من الغد اقبل عبد الله بن وهب الراسبى في نفر من اصحابه حتى دخل على شريح بن ابى اوفى العبسى، وكان من عظمائهم، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: اما بعد، فان هذين الحكمين قد حكما بغير ما انزل الله، وقد كفر إخواننا حين رضوا بهما، وحكموا الرجال في دينهم، ونحن على الشخوص من بين اظهرهم، وقد أصبحنا والحمد لله ونحن على الحق من بين هذا الخلق. فقال شريح: انذر أصحابك. واعلمهم خروجك، ثم اخرج بنا على بركة الله حتى ناتى المدائن، فننزلها، ونرسل الى إخواننا الذين بالبصرة، فيقدموا علينا، فتكون ايديهم مع أيدينا.

стр. 204

فقال يزيد بن حصين الطائي: انكم ان خرجتم بجماعتكم طلبتم، ولكن اخرجوا فرادى مستخفين، فاما المدائن فان بها من يمنع منها، ولكن توعدوا ان توافوا جسر النهروان، فتقيموا هناك، وتكتبوا الى إخوانكم من اهل البصره ان يوافوكم بها. قالوا: هذا الرأي. فاتفقوا على ذلك، وانذروا جميعا اصحابهم، فاستعدوا للخروج فرادى، وكتبوا الى من كان منهم بالبصرة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن وهب، ويزيد بن الحصين، وحرقوص بن زهير، وشريح ابن ابى اوفى الى من بلغه كتابنا بالبصرة من المؤمنين المسلمين، سلام عليكم، فانا نحمد الله إليكم الذى لا اله الا هو، الذى جعل أحب عباده اليه اعملهم بكتابه، واقومهم بالحق في طاعته، واشدهم اجتهادا في مرضاته، وان اهل دعوتنا حكموا الرجال في امر الله، فحكموا بغير ما في كتاب الله ولا في سنه نبى الله، فكفروا لذلك، وصدوا عن سواء السبيل، وقد نابذناهم على سواء، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ، اما بعد، فقد اجتمعنا بجسر النهروان، فسيروا إلينا رحمكم الله لتاخذوا نصيبكم من الاجر والثواب، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وكتابنا هذا إليكم مع رجل من إخوانكم ذي امانه ودين، فسلوه عما احببتم، واكتبوا إلينا بما رايتم، والسلام. ثم وجهوا كتابهم مع عبد الله بن سعد العبسى، فسار حتى البصره، واوصل الكتاب الى اصحابه، فاجتمعوا فقرؤوه، ثم كتبوا اليهم بوشك موافاتهم. ثم ان القوم خرجوا من الكوفه عباديد، الرجل والرجلين والثلاثة، وخرج يزيد بن الحصين على بغله يقود فرسا، وهو يتلو هذه الآية [١] : فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ، قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ، قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. وسار حتى انتهى الى السيب [٢] ، فاجتمع

стр. 205

اليه جمع كثير من اصحابه، وفيهم زيد بن عدى بن حاتم، فخرج عدى في طلب ابنه حتى انتهى الى المدائن، فلم يلحقه، فاتى سعد بن مسعود الثقفى، وكان سعد عامل على على المدائن، فاخذ حذره، وتحاماه القوم. وخرج عبد الله بن وهب الراسبى في جوف الليل، والتام اليه جميع اصحابه، فصاروا جمعا كبيرا منهم، فأخذوا على الأنبار، وتبطنوا شط الفرات حتى عبروا من قبل دير العاقول فاستقبله عدى بن حاتم، وهو منصرف الى الكوفه، فاردا عبد الله اخذه، فمنعه منه عمرو بن مالك النبهاني وبشير بن يزيد البولانى، وكانا من رؤساء الخوارج، فاستخلف سعد بن مسعود على المدائن ابن أخيه، المختار ابن ابى عبيد، وخرج في طلب عبد الله بن وهب واصحابه، فلقيهم بكرخ بغداد مع مغيب الشمس، وسعد في خمسمائة فارس، والخوارج ثلاثون رجلا، فتناوشوا ساعه، فقال اصحاب سعد لسعد: ايها الأمير، ما تريد الى قتال هؤلاء، ولم يأتك فيهم أمر؟ خل سبيلهم، واكتب الى امير المؤمنين تعلمه امرهم، فمضى وتركهم. وسار عبد الله بن وهب، فمر ببغداد، وأخذ دهاقينها بالمعابر، وذلك قبل ان تبنى بغداد، فأتاه الدهقان بها، فعبر الى ارض جوخى ثم مضى من هناك حتى انضم الى اصحابه، وهم بنهروان [١] ، ووافاهم من كان على رأيهم من اهل البصره، وكانوا خمسمائة رجل. قتال الخوارج [٢] وكان على البصره يومئذ عبد الله بن العباس، فلما بلغه خروجهم وجه في طلبهم أبا الأسود الديلى في الف فارس، فلحقهم بجسر تستر، وحال بينهم الليل، ففاتوه

стр. 206

وكانوا في جميع مسيرهم لا يلقون أحدا الا قالوا له: ما تقول في الحكمين؟ فان تبرا منهما تركوه، وان ابى قتلوه. ثم أقبلوا حتى انتهوا الى دجلة، فعبروها من ناحيه صريفين [١] حتى وافوا نهروان، فكتب اليهم على رضى الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على امير المؤمنين الى عبد الله بن وهب الراسبى ويزيد بن الحصين ومن قبلهما، سلام عليكم، فان الرجلين اللذين ارتضيناهما للحكومة خالفا كتاب الله، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فلما لم يعملا بالسنه ولم يحكما بالقرآن تبرأنا من حكمهما، ونحن على امرنا الاول، فاقبلوا الى رحمكم الله، فانا سائرون الى عدونا وعدوكم، لنعود لمحاربتهم حتى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبينهم، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. فلما وصل اليهم كتابه، كتبوا اليه: اما بعد، فإنك لم تغضب لربك، ولكن غضبت لنفسك، فان شهدت على نفسك انك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين، واستانفت التوبة والايمان نظرنا فيما سالتنا من الرجوع إليك، وان تكن الاخرى، فاننا ننابذك على سواء، أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ. فلما قرأ على كتابهم، يئس منهم، وراى ان يدعهم على حالهم، ويسير الى الشام، ليعاود معاويه الحرب، فسار بالناس حتى عسكر بالنخيلة، وقال لأصحابه: تأهبوا للمسير الى اهل الشام، فانى كاتب الى جميع إخوانكم ليقدموا عليكم، فإذا وافوا شخصنا ان شاء الله. ثم كتب كتابه الى جميع عماله ان يخلفوا خلفاءهم على اعمالهم، ويقدموا عليه، وكتب الى عبد الله بن عباس، وكان على البصره: اما بعد، فانا قد عسكرنا بالنخيلة، وقد أزمعنا على المسير الى عدونا، الى اهل الشام، فاشخص الى فيمن قبلك حين يأتيك كتابي والسلام. فقدم عليه عبد الله بن عباس في فرسان البصره، وكانوا زهاء سبعه آلاف رجل

стр. 207

فلما تهيأ للمسير أتاه عن الخوارج اخبار فظيعه، من قتلهم عبد الله بن خباب وامراته. وذلك انهم لقوهما، فقالوا لهما: ارضيتما بالحكمين؟ قالا: نعم. فقتلوهما، وقتلوا أم سنان الصيداويه، واعتراضهم الناس يقتلونهم. فلما بلغه ذلك بعث اليهم الحارث بن مره الفقعسي ليأتيه بخبرهم، فاخذوه، فقتلوه. فلما بلغ الناس ذلك اجتمعوا الى على، فقالوا: يا امير المؤمنين، اتدع هؤلاء على ضلالتهم وتسير، فيفسدوا في الارض، ويعترضوا الناس بالسيف؟ سر اليهم بالناس، وادعهم الى الرجوع الى الطاعة والجماعه، فان تابوا وقبلوا فان الله يحب التوابين، وان أبوا فاذنهم بالحرب، فإذا ارحت الامه منهم سرت الى الشام. فنادى في الناس بالرحيل، وسار حتى ورد عليهم نهروان، فعسكر على فرسخ منهم، وارسل اليهم قيس بن سعد بن عباده، وأبا أيوب الأنصاري، فاتياهم، فقالا: عباد الله، انكم قد ارتكبتم امرا عظيما باستعراضكم الناس تقتلونهم، وشهادتكم علينا «بالشرك، والشرك ظلم عَظِيمٌ» . فأجابهما عبد الله بن السخبر، فقال: إليكما عنا، فان الحق قد أضاء لنا كالصبح، ولسنا بمتابعيكم ولا راجعين إليكم، او تأتوا بمثل عمر بن الخطاب. فقال قيس بن سعد ما نعرفه فينا الا على بن ابى طالب فهل تعرفونه فيكم؟. قالا: لا. قال: فأنشدكم الله في انفسكم ان تهلكوها، فانى ارى الفتنة قد دخلت قلوبكم. ثم تكلم ابو أيوب بنحو هذا، فقالوا: يا أبا أيوب، انا ان بايعناكم اليوم حكمتم غدا آخر. قال: فانا ننشدكم الله ان تعجلوا فتنه العام مخافه ما ناتى به في قابل. قالوا: إليكما عنا، فقد نابذناكم على سواء. فانصرفا الى على، فأخبراه حتى وقف عليهم بحيث يسمعون كلامه، فنادى: [أيتها العصابة التي أخرجتها اللجاجه، وصدها عن الحق الهوى، فأصبحت

стр. 208

في لبس وخطا، انى نذير لكم ان تتمادوا في ضلالتكم فتلفوا مصرعين من غير بينه من ربكم ولا برهان، الم تعلموا انى شرطت على الحكمين ان يحكما بما في كتاب الله؟ وأخبرتكم ان طلب القوم الحكومة مكيده، فلما ابيتم الا الحكومة شرطت عليهم ان يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فخالفا الكتاب والسنه، وعملا بالهوى، فنبذنا امرهما، ونحن على امرنا الاول، فأين يتاه بكم، ومن اين اتيتم؟] . فقالوا: انا كفرنا حين رضينا بالحكمين، وقد تبنا الى الله من ذلك، فان تبت كما تبنا فنحن معك، والا فائذن بحرب، فانا منابذوك على سواء. فقال لهم على: اشهد على نفسي بالكفر..؟! لقد ضللت اذن وما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. ثم قال: ليخرج الى رجل منكم ترضون به حتى اقول ويقول، فان وجبت على الحجه اقررت لكم وتبت الى الله، وان وجبت عليكم فاتقوا الذى مردكم اليه. فقالوا لعبد الله بن الكواء، وكان من كبرائهم: اخرج اليه حتى تحاجه، فخرج اليه. فقال على: هل رضيتم؟. قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد، «فكفى بك شَهِيداً» *. فقال على رضى الله عنه: يا ابن الكواء، ما الذى نقمتم على بعد رضاكم بولايتي وجهادكم معى وطاعتكم لي؟ فهلا برئتم منى يوم الجمل؟. قال ابن الكواء: لم يكن هناك تحكيم. فقال على: يا ابن الكواء، انا اهدى أم رسول الله ص؟. قال ابن الكواء: بل رسول الله ص. قال: فما سمعت قول الله :: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ، وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ. كان الله يشك انهم هم الكاذبون؟.

стр. 209

قال: ان ذلك احتجاج عليهم، وأنت شككت في نفسك حين رضيت بالحكمين، فنحن احرى ان نشك فيك. قال: وان الله تعالى يقول: فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ الله، هُوَ أَهْدى مِنْهُما، أَتَّبِعْهُ. قال ابن الكواء: ذلك أيضا احتجاج منه عليهم. فلم يزل على ع يحاج ابن الكواء بهذا وشبهه، فقال ابن الكواء: أنت صادق في جميع ما تقول، غير انك كفرت حين حكمت الحكمين. قال على: ويحك يا ابن الكواء، انى انما حكمت أبا موسى وحده وحكم معاويه عمرا. قال ابن الكواء: فان أبا موسى كان كافرا. فقال على: ويحك، متى كفر، احين بعثته أم حين حكم؟. قال: لا، بل حين حكم. قال: افلا ترى انى انما بعثته مسلما، فكفر في قولك بعد ان بعثته؟ ارايت لو ان رسول الله ص بعث رجلا من المسلمين الى اناس من الكافرين، ليدعوهم الى الله، فدعاهم الى غيره، هل كان على رسول الله ص من ذلك شيء؟. قال: لا. قال: ويحك، فما كان على ان ضل ابو موسى؟ افيحل لكم بضلاله ابى موسى ان تضعوا سيوفكم على عواتقكم فتعترضوا بها الناس؟. فلما سمع عظماء الخوارج ذلك قالوا لابن الكواء: انصرف ودع مخاطبه الرجل. فانصرف الى اصحابه، وابى القوم الا التمادي في الغى.

стр. 210

وامر على بالنداء في الناس ان يأخذوا اهبه الحرب، ثم عبى جنوده، فولى الميمنه حجر بن عدى، وولى الميسره شبث بن ربعي، وولى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وولى الرجاله أبا قتادة. واستعد الخوارج فجعلوا على ميمنتهم يزيد بن حصين، وعلى ميسرتهم شريح ابن ابى اوفى العبسى وكان من نساكهم وعلى الرجاله حرقوص بن زهير، وعلى الخيل كلها عبد الله بن وهب. ورفع على رايه، وضم إليها الفى رجل، ونادى: من التجأ الى هذه الراية فهو آمن. ثم تواقف الفريقان، فقال فروه بن نوفل الاشجعى وكان من رؤساء الخوارج لأصحابه: يا قوم، والله ما ندري، علام نقاتل عليا، وليست لنا في قتله حجه ولا بيان، يا قوم، انصرفوا بنا حتى تنفذ لنا البصيره في قتاله او اتباعه. فترك اصحابه في مواقفهم، ومضى في خمسمائة رجل حتى اتى الى البندنيجين [١] ، وخرجت طائفه اخرى حتى لحقوا بالكوفه، واستامن الى الراية منهم الف رجل، فلم يبق مع عبد الله بن وهب الا اقل من اربعه آلاف رجل. فقال على لأصحابه: لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم، فتنادت الخوارج: لا حكم الا لله، «وان كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» . * ثم شدوا على اصحاب على شده رجل واحد، فلم تثبت خيل على لشدتهم، وافترقت الخوارج فرقتين، فرقه أخذت نحو الميمنه، وفرقه اخرى نحو الميسره. وعطف عليهم اصحاب على، وحمل قيس بن معاويه البرجمى من اصحاب على على شريح بن ابى اوفى، فضربه بالسيف على ساقه، فأبانها، فجعل يقاتل برجل واحده وهو يقول: الفحل يحمى شوله معقولا [٢] ، فحمل عليه قيس ابن سعد فقتله، وقتلت الخوارج كلها ربضه [٣] واحده.

стр. 211

قال: وامر على بمن كان منهم ذا رمق ان يدفعوا الى عشائرهم، وامر بأخذ ما كان في معسكرهم من سلاح ودواب، فقسمه في اصحابه، وامر بما سوى ذلك، فدفع الى وراثهم. فلما اراد على الانصراف من النهروان قام في اصحابه، فقال: ايها الناس، ان الله قد نصركم على المارقين، فتوجهوا من فوركم هذا الى القاسطين يعنى اهل الشام، فقام اليه رجال من اصحابه، فيهم الاشعث بن قيس، فقالوا: يا امير المؤمنين، نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت اسنه رماحنا، فارجع بنا الى مصرنا، لنستعد باحسن عدتنا. فرحل بالناس حتى نزل النخيله، فعسكر بها، فأقاموا أياما، فجعلوا يتسللون الى الكوفه، فلم يبق معه في المعسكر الا زهاء الف رجل من الوجوه. فلما راى ذلك دخل الكوفه، فأقام بها، وسار فروه بن نوفل بمن كان معه الى حلوان، فجعل يجبى خراجها ويقسمه في اصحابه. نهاية على بن ابى طالب قالوا ولما راى على رضى الله عنه تثاقل اصحابه اهل الكوفه عن المسير معه الى قتال اهل الشام، وانتهى اليه ورود خيل معاويه الأنبار، وقتلهم مسلحه على بها والغارة عليها، كتب كتابا، ودفعه الى رجل، وامره ان يقرأه على الناس يوم الجمعه إذا فرغوا من الصلاة، وكانت نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على امير المؤمنين الى شيعته من اهل الكوفه، سلام عليكم، اما بعد، [فان الجهاد باب من أبواب الجنه، من تركه البسه الله الذلة وشمله بالصغار، وسيم الخسف وسيل [١] الضيم،] وانى قد دعوتكم الى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وجهارا، وقلت لكم، [اغزوهم قبل ان يغزوكم، فما غزى قوم في عقر دارهم الا ذلوا واجترأ عليهم عدوهم،] هذا أخو بنى عامر قد ورد الأنبار، وقتل

стр. 212

ابن حسان البكرى، وأزال مسالحكم عن مواضعها، وقتل منكم رجالا صالحين، وقد بلغنى انهم كانوا يدخلون بيت المرأة المسلمه والاخرى المعاهده [١] فينزع حجلها [٢] من رجلها، وقلائدها من عنقها، وقد انصرفوا موفورين، ما كلم رجل منهم كلما، فلو ان أحدا مات من هذا أسفا ما كان عندي ملوما، بل كان جديرا، يا عجبا من امر يميت القلوب، ويجتلب الهم ويسعر الأحزان من اجتماع القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، فبعدا لكم وسحقا، قد صرتم غرضا، ترمون ولا ترمون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فترضون، إذا قلت لكم سيروا في الشتاء قلتم كيف نغزو في هذا القر والصر [٣] وان قلت لكم سيروا في الصيف قلتم حتى ينصرم عنا حماره القيظ، وكل هذا فرار من الموت، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف افر، والذى نفسي بيده، ما من ذلك تهربون، ولكن من السيف تحيدون، يا اشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال، اما والله لوددت ان الله أخرجني من بين أظهركم وقبضنى الى رحمته من بينكم، ووددت ان لم أركم ولم اعرفكم، فقد والله ملأتم صدري غيظا، وجرعتموني الأمرين أنفاسا، وافسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: ان ابن ابى طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب. لله ابوهم، هل كان فيهم رجل أشد لها مراسا واطول مقاساه مني؟ ولقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها انا ذا اليوم قد جنفت الستين. لا، ولكن [لا راى لمن لا يطاع. ] فقام اليه الناس من كل ناحيه، فقالوا: سر بنا، فو الله لا يتخلف عنك الا ظنين. فامر الحارث الهمدانى بالنداء في الناس ان يصبحوا غدا في الرحبه [٤] ، ولا يأتينا الا صادق النيه. فلما اصبح صلى الغداة، واقبل الى الرحبه، فلم ير فيها الا نحو من ثلاثمائه

стр. 213

رجل، فقال: لو كانوا ألوفا لكان لي فيهم راى. فمكث بعد ذلك يومين، باد حزنه، شديد كآبته. فقام اليه حجر بن عدى، وسعيد بن قيس الهمدانى، فقالا: اجبر الناس على المسير، وناد فيهم، فمن تخلف، فمر بمعاقبته. فامر مناديا، فنادى في الناس: لا يتخلفن احد، وامر معقل بن قيس ان يسير في الرساتيق [٤] فلا يدع أحدا من جنوده فيها الا حشره. فلم ينصرف معقل بن قيس الا بعد ما قتل على ﵁. مقتل على بن ابى طالب قالوا: واجتمع في العام [٢] قتل فيه على ﵁ بالموسم عبد الرحمن ابن ملجم المرادى، والنزال بن عامر، وعبد الله بن مالك الصيداوى، وذلك بعد وقعه النهر باشهر، فتذكروا ما فيه الناس من تلك الحروب، فقال بعضهم لبعض: ما الراحة الا في قتل هؤلاء النفر الثلاثة: على بن ابى طالب، ومعاويه ابن ابى سفيان، وعمرو بن العاص. فقال ابن ملجم: على قتل على. وقال النزال: وعلى قتل معاويه. وقال عبد الله: وعلى قتل عمرو. فاتعدوا لليلة واحده، يقتلونهم فيها. واقبل عبد الرحمن حتى قدم الكوفه، فخطب الى قطام ابنتها الرباب، وكانت قطام ترى راى الخوارج، وقد كان على قتل أباها وأخاها وعمها يوم النهر، فقالت لابن ملجم: لا ازوجك الا على ثلاثة آلاف درهم، وعبد، وقينة، وقتل على ابن ابى طالب. فأعطاها ذلك وأملكها.

стр. 214

وكان ابن ملجم يجلس في مجلس تيم الرباب من صلاه الغداة الى ارتفاع النهار، والقوم يفيضون في الكلام، وهو ساكت، لا يتكلم بكلمة، للذي اجمع عليه من قتل على. فخرج ذات يوم الى السوق متقلدا سيفه، فمرت به جنازة يشيعها اشراف العرب، ومعها القسيسون يقرءون الانجيل، فقال: ويحكم، ما هذا؟ فقالوا: هذا ابجر بن جابر العجلى مات نصرانيا، وابنه حجار بن ابجر سيد بكر ابن وائل، فاتبعها اشراف الناس لسؤدد ابنه، واتبعها النصارى لدينه. فقال: والله لولا انى ابقى نفسي لامر هو اعظم عند الله من هذا لاستعرضتهم بسيفي فلما كانت تلك الليلة تقلد سيفه، وقد كان سمه، وقعد مغلسا ينتظر ان يمر به على رضى الله عنه مقبلا الى المسجد لصلاة الغداة. فبينا هو في ذلك إذ اقبل على، وهو ينادى: الصلاة ايها الناس فقام اليه ابن ملجم، فضربه بالسيف على راسه، وأصاب طرف السيف الحائط، فثلم فيه، ودهش ابن ملجم، فانكب لوجهه، وبدر السيف من يده، فاجتمع الناس، فاخذوه، فقال الشاعر في ذلك: ولم أر مهرا ساقه ذو سماحه ... كمهر قطام من فصيح واعجم ثلاثة آلاف وعبدا وقينة ... وضرب على بالحسام المصمم فلا مهر اغلى من على وان غلا ... ولا فتك الا دون فتك ابن ملجم وحمل على رضى الله عنه الى منزله، وادخل عليه ابن ملجم. فقالت له أم كلثوم ابنه على: يا عدو الله، اقتلت امير المؤمنين؟. قال: لم اقتل امير المؤمنين، ولكنى قتلت اباك. قالت: اما والله انى لأرجو الا يكون عليه باس. قال: فعلا م تبكين إذن؟ اما والله لقد سممت السيف شهرا، فان اخلفنى ابعده الله. فلم يمس على رضى الله عنه يومه ذلك حتى مات ﵀ ورضى عنه.

стр. 215

القصاص فدعا عبد الله بن جعفر بابن ملجم، فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه، فجعل يقول: انك يا ابن جعفر لتكحل عيني بملمول مض [١] . ثم امر بلسانه ان يخرج ليقطع، فجزع من ذلك. فقال له ابن جعفر: قطعنا يديك ورجليك، وسملنا عينيك، فلم تجزع، فكيف تجزع من قطع لسانك؟. قال: انى ما جزعت من ذلك خوفا من الموت، ولكنى جزعت ان أكون حيا في الدنيا ساعه لا اذكر الله فيها، ثم قطع لسانه، فمات. محاوله قتل معاويه واقبل النزال بن عامر في تلك الليلة حتى قام خلف معاويه وهو يصلى بالناس الغداة، ومعه خنجر، فوجاه [٣] به في اليته، وكان معاويه عظيم الأليتين، فاخذ، فقال لمعاوية: أهل قتلتك يا عدو الله؟. فقال معاويه: كلا، يا ابن أخي. فامر به معاويه، فقطعت يداه ورجلاه، ونزع لسانه، فمات. ودعا بطبيب فأمره ان يقطع ما حول الوجاه من اللحم، خوفا من ان يكون الخنجر مسموما. فمن يومئذ اتخذت المقاصير في الجوامع، فكان لا يدخلها الا ثقاته واحراسه، واتخذ أيضا من يومئذ حراس الليل، وكان إذا سجد بالناس جعل على راسه عشره من ثقات احراسه، يقومون من خلفه بالسيوف والعمد. محاوله قتل عمرو بن العاص واما عبد الله بن مالك الصيداوى فانه اتى مصر، فلما كان في تلك الليلة قام
следующие страницы →