قال: وامر على بمن كان منهم ذا رمق ان يدفعوا الى عشائرهم، وامر بأخذ ما كان في معسكرهم من سلاح ودواب، فقسمه في اصحابه، وامر بما سوى ذلك، فدفع الى وراثهم.
فلما اراد على الانصراف من النهروان قام في اصحابه، فقال: ايها الناس، ان الله قد نصركم على المارقين، فتوجهوا من فوركم هذا الى القاسطين يعنى اهل الشام، فقام اليه رجال من اصحابه، فيهم الاشعث بن قيس، فقالوا: يا امير المؤمنين، نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت اسنه رماحنا، فارجع بنا الى مصرنا، لنستعد باحسن عدتنا.
فرحل بالناس حتى نزل النخيله، فعسكر بها، فأقاموا أياما، فجعلوا يتسللون الى الكوفه، فلم يبق معه في المعسكر الا زهاء الف رجل من الوجوه.
فلما راى ذلك دخل الكوفه، فأقام بها، وسار فروه بن نوفل بمن كان معه الى حلوان، فجعل يجبى خراجها ويقسمه في اصحابه.
نهاية على بن ابى طالب
قالوا ولما راى على رضى الله عنه تثاقل اصحابه اهل الكوفه عن المسير معه الى قتال اهل الشام، وانتهى اليه ورود خيل معاويه الأنبار، وقتلهم مسلحه على بها والغارة عليها، كتب كتابا، ودفعه الى رجل، وامره ان يقرأه على الناس يوم الجمعه إذا فرغوا من الصلاة، وكانت نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على امير المؤمنين الى شيعته من اهل الكوفه، سلام عليكم، اما بعد، [فان الجهاد باب من أبواب الجنه، من تركه البسه الله الذلة وشمله بالصغار، وسيم الخسف وسيل [١] الضيم،] وانى قد دعوتكم الى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وجهارا، وقلت لكم، [اغزوهم قبل ان يغزوكم، فما غزى قوم في عقر دارهم الا ذلوا واجترأ عليهم عدوهم،] هذا أخو بنى عامر قد ورد الأنبار، وقتل
стр. 212
ابن حسان البكرى، وأزال مسالحكم عن مواضعها، وقتل منكم رجالا صالحين، وقد بلغنى انهم كانوا يدخلون بيت المرأة المسلمه والاخرى المعاهده [١] فينزع حجلها [٢] من رجلها، وقلائدها من عنقها، وقد انصرفوا موفورين، ما كلم رجل منهم كلما، فلو ان أحدا مات من هذا أسفا ما كان عندي ملوما، بل كان جديرا، يا عجبا من امر يميت القلوب، ويجتلب الهم ويسعر الأحزان من اجتماع القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، فبعدا لكم وسحقا، قد صرتم غرضا، ترمون ولا ترمون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فترضون، إذا قلت لكم سيروا في الشتاء قلتم كيف نغزو في هذا القر والصر [٣] وان قلت لكم سيروا في الصيف قلتم حتى ينصرم عنا حماره القيظ، وكل هذا فرار من الموت، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف افر، والذى نفسي بيده، ما من ذلك تهربون، ولكن من السيف تحيدون، يا اشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال، اما والله لوددت ان الله أخرجني من بين أظهركم وقبضنى الى رحمته من بينكم، ووددت ان لم أركم ولم اعرفكم، فقد والله ملأتم صدري غيظا، وجرعتموني الأمرين أنفاسا، وافسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: ان ابن ابى طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب. لله ابوهم، هل كان فيهم رجل أشد لها مراسا واطول مقاساه مني؟ ولقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها انا ذا اليوم قد جنفت الستين. لا، ولكن [لا راى لمن لا يطاع.
] فقام اليه الناس من كل ناحيه، فقالوا: سر بنا، فو الله لا يتخلف عنك الا ظنين. فامر الحارث الهمدانى بالنداء في الناس ان يصبحوا غدا في الرحبه [٤] ، ولا يأتينا الا صادق النيه.
فلما اصبح صلى الغداة، واقبل الى الرحبه، فلم ير فيها الا نحو من ثلاثمائه
стр. 213
رجل، فقال: لو كانوا ألوفا لكان لي فيهم راى.
فمكث بعد ذلك يومين، باد حزنه، شديد كآبته.
فقام اليه حجر بن عدى، وسعيد بن قيس الهمدانى، فقالا: اجبر الناس على المسير، وناد فيهم، فمن تخلف، فمر بمعاقبته. فامر مناديا، فنادى في الناس: لا يتخلفن احد، وامر معقل بن قيس ان يسير في الرساتيق [٤] فلا يدع أحدا من جنوده فيها الا حشره. فلم ينصرف معقل بن قيس الا بعد ما قتل على ﵁.
مقتل على بن ابى طالب
قالوا: واجتمع في العام [٢] قتل فيه على ﵁ بالموسم عبد الرحمن ابن ملجم المرادى، والنزال بن عامر، وعبد الله بن مالك الصيداوى، وذلك بعد وقعه النهر باشهر، فتذكروا ما فيه الناس من تلك الحروب، فقال بعضهم لبعض: ما الراحة الا في قتل هؤلاء النفر الثلاثة: على بن ابى طالب، ومعاويه ابن ابى سفيان، وعمرو بن العاص.
فقال ابن ملجم: على قتل على.
وقال النزال: وعلى قتل معاويه.
وقال عبد الله: وعلى قتل عمرو.
فاتعدوا لليلة واحده، يقتلونهم فيها.
واقبل عبد الرحمن حتى قدم الكوفه، فخطب الى قطام ابنتها الرباب، وكانت قطام ترى راى الخوارج، وقد كان على قتل أباها وأخاها وعمها يوم النهر، فقالت لابن ملجم:
لا ازوجك الا على ثلاثة آلاف درهم، وعبد، وقينة، وقتل على ابن ابى طالب.
فأعطاها ذلك وأملكها.
стр. 214
وكان ابن ملجم يجلس في مجلس تيم الرباب من صلاه الغداة الى ارتفاع النهار، والقوم يفيضون في الكلام، وهو ساكت، لا يتكلم بكلمة، للذي اجمع عليه من قتل على.
فخرج ذات يوم الى السوق متقلدا سيفه، فمرت به جنازة يشيعها اشراف العرب، ومعها القسيسون يقرءون الانجيل، فقال: ويحكم، ما هذا؟ فقالوا: هذا ابجر بن جابر العجلى مات نصرانيا، وابنه حجار بن ابجر سيد بكر ابن وائل، فاتبعها اشراف الناس لسؤدد ابنه، واتبعها النصارى لدينه.
فقال: والله لولا انى ابقى نفسي لامر هو اعظم عند الله من هذا لاستعرضتهم بسيفي فلما كانت تلك الليلة تقلد سيفه، وقد كان سمه، وقعد مغلسا ينتظر ان يمر به على رضى الله عنه مقبلا الى المسجد لصلاة الغداة.
فبينا هو في ذلك إذ اقبل على، وهو ينادى: الصلاة ايها الناس فقام اليه ابن ملجم، فضربه بالسيف على راسه، وأصاب طرف السيف الحائط، فثلم فيه، ودهش ابن ملجم، فانكب لوجهه، وبدر السيف من يده، فاجتمع الناس، فاخذوه، فقال الشاعر في ذلك:
ولم أر مهرا ساقه ذو سماحه ... كمهر قطام من فصيح واعجم
ثلاثة آلاف وعبدا وقينة ... وضرب على بالحسام المصمم
فلا مهر اغلى من على وان غلا ... ولا فتك الا دون فتك ابن ملجم
وحمل على رضى الله عنه الى منزله، وادخل عليه ابن ملجم.
فقالت له أم كلثوم ابنه على: يا عدو الله، اقتلت امير المؤمنين؟.
قال: لم اقتل امير المؤمنين، ولكنى قتلت اباك.
قالت: اما والله انى لأرجو الا يكون عليه باس.
قال: فعلا م تبكين إذن؟ اما والله لقد سممت السيف شهرا، فان اخلفنى ابعده الله.
فلم يمس على رضى الله عنه يومه ذلك حتى مات ﵀ ورضى عنه.
стр. 215
القصاص
فدعا عبد الله بن جعفر بابن ملجم، فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه، فجعل يقول:
انك يا ابن جعفر لتكحل عيني بملمول مض [١] .
ثم امر بلسانه ان يخرج ليقطع، فجزع من ذلك.
فقال له ابن جعفر:
قطعنا يديك ورجليك، وسملنا عينيك، فلم تجزع، فكيف تجزع من قطع لسانك؟.
قال: انى ما جزعت من ذلك خوفا من الموت، ولكنى جزعت ان أكون حيا في الدنيا ساعه لا اذكر الله فيها، ثم قطع لسانه، فمات.
محاوله قتل معاويه
واقبل النزال بن عامر في تلك الليلة حتى قام خلف معاويه وهو يصلى بالناس الغداة، ومعه خنجر، فوجاه [٣] به في اليته، وكان معاويه عظيم الأليتين، فاخذ، فقال لمعاوية: أهل قتلتك يا عدو الله؟.
فقال معاويه: كلا، يا ابن أخي.
فامر به معاويه، فقطعت يداه ورجلاه، ونزع لسانه، فمات.
ودعا بطبيب فأمره ان يقطع ما حول الوجاه من اللحم، خوفا من ان يكون الخنجر مسموما.
فمن يومئذ اتخذت المقاصير في الجوامع، فكان لا يدخلها الا ثقاته واحراسه، واتخذ أيضا من يومئذ حراس الليل، وكان إذا سجد بالناس جعل على راسه عشره من ثقات احراسه، يقومون من خلفه بالسيوف والعمد.
محاوله قتل عمرو بن العاص
واما عبد الله بن مالك الصيداوى فانه اتى مصر، فلما كان في تلك الليلة قام
стр. 216
حيال المحراب، ومعه مشمل [١] قد اشتمل عليه بثيابه، فأصاب عمرا في تلك الليلة مغس [٢] في بطنه، فأمر رجلا من بني عامر بن لؤي أن يخرج فيصلي بالناس.
فتقدم مغلسا، فلم يشك عبد الله انه عمرو، فلما سجد ضربه بالسيف من ورائه فقتله، فقيل له: انك لم تقتل الأمير، قال: فما ذنبي، والله ما اردت غيره. فامر به عمرو فقتل.
مبايعه الحسن بن على
قال: ودفن على رضى الله عنه، وصلى عليه الحسن، وكبر خمسا، فلا يعلم احد اين دفن.
قالوا: ولما توفى على رضى الله عنه خرج الحسن الى المسجد الأعظم، فاجتمع الناس اليه، فبايعوه، ثم خطب الناس، فقال: افعلتموها؟ قتلتم امير المؤمنين، اما والله لقد قتل في الليلة التي نزل فيها القرآن، ورفع فيها الكتاب، وجف القلم، وفي الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران، وعرج فيها بعيسى.
زحف جيوش معاويه
قالوا: ولما بلغ معاويه قتل على تجهز، وقدم امامه عبد الله بن عامر بن كريز، فاخذ على عين التمر [٣] ، ونزل الأنبار يريد المدائن، وبلغ ذلك الحسن بن على، وهو بالكوفه، فسار نحو المدائن لمحاربه عبد الله بن عامر بن كريز، فلما انتهى الى ساباط راى من اصحابه فشلا وتواكلا عن الحرب، فنزل ساباط، وقام فيهم خطيبا، ثم قال: ايها الناس، انى قد اصبحت غير محتمل على مسلم ضغينه،
стр. 217
وانى ناظر لكم كنظرى لنفسي، وارى رايا فلا تردوا على رأيي، ان الذى تكرهون من الجماعه افضل مما تحبون من الفرقة، وارى اكثركم قد نكل عن الحرب، وفشل عن القتال، ولست ارى ان احملكم على ما تكرهون.
فلما سمع اصحابه ذلك نظر بعضهم الى بعض، فقال من كان معه ممن يرى راى الخوارج: كفر الحسن كما كفر أبوه من قبله، فشد عليه نفر منهم، فانتزعوا مصلاه من تحته، وانتهبوا ثيابه حتى انتزعوا مطرفه [١] عن عاتقه، فدعا بفرسه، فركبها، ونادى: اين ربيعه وهمدان؟ فتبادروا اليه، ودفعوا عنه القوم.
ثم ارتحل يريد المدائن، فكمن له رجل ممن يرى راى الخوارج، يسمى الجراح بن قبيصة من بنى اسد بمظلم ساباط، فلما حاذاه الحسن قام اليه بمغول [٢] فطعنه في فخذه. وحمل على الأسدي عبد الله بن خطل وعبد الله بن ظبيان، فقتلاه.
ومضى الحسن رضى الله عنه مثخنا حتى دخل المدائن، ونزل القصر الأبيض، وعولج حتى برا، واستعد للقاء ابن عامر.
واقبل معاويه حتى وافى الأنبار، وبها قيس بن سعد بن عباده من قبل الحسن فحاصره معاويه، وخرج الحسن فواقف عبد الله بن عامر، فنادى عبد الله بن عامر: يا اهل العراق، انى لم أر القتال، وانما انا مقدمه معاويه، وقد وافى الأنبار في جموع اهل الشام فاقرؤوا أبا محمد يعنى الحسن منى السلام، وقولوا له: أنشدك الله في نفسك وانفس هذه الجماعه التي معك.
فلما سمع ذلك الناس انخذلوا وكرهوا القتال، وترك الحسن الحرب، وانصرف الى المدائن، وحاصره عبد الله بن عامر بها.
стр. 218
[خلافة بني أمية]
مبايعه معاويه بالخلافة
ولما راى الحسن من اصحابه الفشل ارسل الى عبد الله بن عامر بشرائط اشترطها على معاويه على ان يسلم له الخلافه، وكانت الشرائط: الا يأخذ أحدا من اهل العراق بإحنة، وان يؤمن الأسود والأحمر، ويحتمل ما يكون من هفواتهم، ويجعل له خراج الاهواز مسلما في كل عام، ويحمل الى أخيه الحسين بن على في كل عام الفى الف، ويفضل بنى هاشم في العطاء والصلات على بنى عبد شمس.
فكتب عبد الله بن عامر بذلك الى معاويه، فكتب معاويه جميع ذلك بخطه، وختمه بخاتمه، وبذل عليه له العهود المركبه والايمان المغلظة، واشهد على ذلك جميع رؤساء الشام، ووجه به الى عبد الله بن عامر، فاوصله الى الحسن رضى الله عنه، فرضى به، وكتب الى قيس بن سعد بالصلح، ويأمره بتسليم الأمر الى معاويه، والانصراف الى المدائن.
فلما وصل الكتاب بذلك الى قيس بن سعد قام في الناس، فقال: ايها الناس، اختاروا احد الأمرين، القتال بلا امام، او الدخول في طاعه معاويه.
فاختاروا الدخول في طاعته معاويه.
فسار حتى وافى المدائن، وسار الحسن بالناس من المدائن حتى وافى الكوفه، ووافاه معاويه بها، فالتقيا، فوكد عليه الحسن رضى الله عنه تلك الشروط والايمان. ثم سار الحسن باهل بيته حتى وافى مدينه الرسول ص.
وأخذ معاويه اهل الكوفه بالبيعه، فبايعوا، واستعمل عليهم المغيره بن شعبه، وسار منصرفا في جموعه الى الشام، فمكث المغيره بن شعبه على الكوفه من قبل معاويه تسع سنين حتى مات بها.
стр. 219
زياد بن ابيه
وكان زياد بن ابيه انما يعرف بزياد بن عبيد، وكان عبيد مملوكا لرجل من ثقيف، فتزوج سميه، وكانت أمه للحارث بن كلده، فأعتقها، فولدت له زيادا، فصار حرا، ونشا غلاما لقنا ذهنا، عاقلا أديبا، فاخرجه المغيره بن شعبه معه الى البصره حين وليها من قبل عمر بن الخطاب، فاستكتبه المغيره.
فلما ولى على بن ابى طالب ولى زيادا ارض فارس، فلما توجه الى صفين كتب معاويه الى زياد يتوعده، فقام زياد في الناس، فقال: ان ابن آكله الأكباد وراس النفاق كتب الى يتوعدنى، وبيني وبينه ابن عم رسول الله ص وسلم في تسعين الف مدجج من شيعته، اما والله لئن رامنى ليجدني ضرابا بالسيف.
فلما قتل على، واستدف الأمر لمعاوية تحصن زياد بقلعه مدينه اصطخر، وكتب معاويه له أمانا على ان يأتيه، فان رضى ما يعطيه، والا رده الى متحصنه بتلك القلعة.
فسار الى معاويه، وترقت به الأمور الى ان ادعاه معاويه، وزعم للناس انه ابن ابى سفيان، وشهد له ابو مريم السلولي وكان في الجاهلية خمارا بالطائف ان أبا سفيان وقع على سميه بعد ما كان الحارث أعتقها، وشهد رجل من بنى المصطلق، اسمه يزيد، انه سمع أبا سفيان يقول: ان زيادا من نطفة أقرها في رحم أمه سميه، فتم ادعاؤه اياه. وكان في ذلك ما كان.
وامر معاويه زيادا ان يسير الى الكوفه الى ان يرد عليه امره، فسار زياد حتى قدم الكوفه، وعليها المغيره بن شعبه، فنزل دار سلمان بن ربيعه الباهلى، ووافاه كتاب معاويه بولاية البصره، فسار إليها.
فلما وافاها قصد المسجد الجامع، فصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: انه قد كانت بيني وبين قوم احقاد، وقد جعلتها تحت قدمي، ولست أؤاخذ أحدا
стр. 220
بعداوة، ولا اهتك له قناعا حتى يبدى لي صفحته، فإذا ابداها لم انظره، فمن كان منكم محسنا فليزدد احسانا، ومن كان منكم مسيئا فليقلع عن اساءته، وأعينونا رحمكم الله بالسمع والطاعة. ثم نزل.
فلبث على البصره حولين حتى مات المغيره، فكتب اليه معاويه بولاية الكوفه مع البصره، فسار إليها.
قالوا: وكان أول من لقى الحسن بن على رضى الله عنه، فندمه على ما صنع، ودعاه الى رد الحرب حجر بن عدى، فقال له يا بن رسول الله، لوددت انى مت قبل ما رايت، أخرجتنا من العدل الى الجور، فتركنا الحق الذى كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذى كنا نهرب منه، وأعطينا الدنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيسة التي لم تلق بنا.
فاشتد على الحسن رضى الله عنه كلام حجر، فقال له [انى رايت هوى عظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب ان احملهم على ما يكرهون، فصالحت بقيا على شيعتنا خاصه من القتل، فرايت دفع هذه الحروب الى يوم ما، «فان الله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» .
] قال: فخرج من عنده، ودخل على الحسين رضى الله عنه مع عبيده بن عمرو، فقالا: أبا عبد الله، شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل، وتركتم الكثير، أطعنا اليوم، واعصنا الدهر، دع الحسن وما راى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من اهل الكوفه وغيرها، وولنى وصاحبي هذه المقدمه، فلا يشعر ابن هند الا ونحن نقارعه بالسيوف.
[فقال الحسين: انا قد بايعنا وعاهدنا، ولا سبيل الى نقض بيعتنا.
] وروى عن على بن محمد بن بشير الهمدانى، قال: خرجت انا وسفيان ابن ليلى حتى قدمنا على الحسن المدينة، فدخلنا عليه، وعنده المسيب بن نجبه
стр. 221
وعبد الله بن الوداك التميمى، وسراج بن مالك الخثعمى، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال: وعليك السلام، اجلس، [لست مذل المؤمنين، ولكنى معزهم، ما اردت بمصالحتى معاويه الا ان ادفع عنكم القتل عند ما رايت من تباطؤ اصحابى عن الحرب، ونكولهم عن القتال، وو الله لئن سرنا اليه بالجبال والشجر ما كان بد من إفضاء هذا الأمر اليه.
] قال: ثم خرجنا من عنده، ودخلنا على الحسين، فأخبرناه بما رد علينا، فقال: صدق ابو محمد، فليكن كل رجل منكم حلسا [١] من احلاس بيته، ما دام هذا الإنسان حيا.
موت الحسن بن على
ثم ان الحسن رضى الله عنه اشتكى بالمدينة، فثقل، وكان اخوه محمد بن الحنفيه في ضيعه له، فأرسل اليه، فوافى، فدخل عليه، فجلس عن يساره، والحسين عن يمينه، ففتح الحسن عينه، فرآهما، فقال للحسين: يا أخي، اوصيك بمحمد أخيك خيرا، فانه جلده ما بين العينين ثم قال: يا محمد، وانا اوصيك بالحسين، كانفه ووازره.
ثم قال ادفنوني مع جدي ص، فان منعتم فالبقيع [٢] ثم توفى، فمنع مروان ان يدفن مع النبي ص، فدفن في البقيع.
وبلغ اهل الكوفه وفاه الحسن، فاجتمع عظماؤهم فكتبوا الى الحسين رضى الله عنه يعزونه.
وكتب اليه جعدة بن هبيرة بن ابى وهب، وكان امحضهم [٣] حبا وموده: اما بعد، فان من قبلنا من
شيعتك
متطلعه انفسهم إليك، لا يعدلون بك أحدا، وقد كانوا عرفوا راى الحسن أخيك في دفع الحرب، وعرفوك باللين لأوليائك، والغلظه على اعدائك، والشده في امر الله، فان كنت تحب ان تطلب هذا الأمر فاقدم علينا، فقد وطنا أنفسنا على الموت معك
стр. 222
فكتب اليهم: اما أخي فأرجو ان يكون الله قد وفقه، وسدده فيما ياتى، واما انا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم الله بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنه ما دام معاويه حيا، فلن يحدث الله به حدثا وانا حي، كتبت إليكم برأيي والسلام.
وانتهى خبر وفاه الحسن الى معاويه كتب به اليه عامله على المدينة مروان فأرسل الى ابن عباس، وكان عنده بالشام قدم عليه وافدا فدخل عليه، فعزاه، واظهر الشماتة بموته، فقال له ابن عباس: لا تشمتن بموته، فو الله لا تلبث بعده الا قليلا.
بين معاويه وعمرو بن العاص
قالوا: وكتب معاويه الى عمرو بن العاص، وهو على مصر، قد قبضها بالشرط الذى اشترطه على معاويه: اما بعد، فان سؤال اهل الحجاز، وزوار اهل العراق قد كثروا على، وليس عندي فضل من اعطيات الجنود، فاعنى بخراج مصر هذه السنه.
فكتب اليه عمرو:
معاوي ان تدركك نفس شحيحه ... فما ورثتنى مصر أمي ولا ابى
وما نلتها عفوا ولكن شرطتها ... وقد دارت الحرب العوان على قطب
ولولا دفاعى الأشعري وصحبه ... لالفيتها ترغو كراغيه السقب [١]
فلما رجع الجواب الى معاويه تذمم، فلم يعاوده في شيء من امرها.
стр. 223
قالوا: وقد كان معاويه خلف على الكوفه حين شخص منها المغيره بن شعبه، فصعد المنبر يوم الجمعه ليخطب فحصبه حجر بن عدى، وكان من شيعه على، في نفر من اصحابه، فنزل مسرعا من المنبر، ودخل قصر الإمارة، وبعث الى حجر بخمسه آلاف درهم ترضاه بها. فقيل للمغيرة: لم فعلت هذا، وفيه عليك وهن وغضاضه؟ فقال: قد قتلته بها.
فلما مات المغيره وجمع معاويه لزياد الكوفه الى البصره، كان يقيم بالبصرة سته اشهر، وبالكوفه مثل ذلك، فخرج في بعض خرجاته الى البصره، وخلف على الكوفه عمرو بن حريث العدوى، فصعد عمرو بن حريث ذات جمعه المنبر ليخطب، وقعد له حجر بن عدى واصحابه فحصبوه [١] ، فنزل من المنبر، فدخل القصر، واغلق بابه.
وكتب الى زياد يخبره بما صنع حجر واصحابه، فركب زياد البريد حتى وافى الكوفه، ودخل المسجد، واخرج له سريره من القصر، فجلس عليه، فكان أول من دخل عليه من اشراف الكوفه محمد بن الاشعث بن قيس، فسلم عليه بالإمرة.
فقال زياد: لا سلم الله عليك، انطلق فاتنى بابن عمك الساعة.
قال محمد بن الاشعث: ما لي ولحجر، انك لتعلم التباعد بيننا.
فقال له جرير بن عبد الله: انا آتيك بحجر ايها الأمير، على ان تجعل له الامان، والا تعرض له حتى يلقى معاويه، فيرى فيه رايه. قال: قد فعلت.
فاقبل به الى زياد، فامر بحبسه، وامر بطلب اصحابه الذين كانوا معه، فاتى بهم، فوجههم جميعا الى معاويه مع مائه رجل من الجند، فأنشأت أم [٢] حجر تقول:
ترفع ايها القمر المنير ... ترفع هل ترى حجرا يسير
الا يا حجر حجر بنى عدى ... تلقتك البشارة والسرور
وان تهلك فكل عميد قوم ... من الدنيا الى هلك يصير
стр. 224
وبعث زياد بثلاثة نفر من الشهود، ليشهدوا عنده بما فعل حجر واصحابه، منهم ابو برده بن ابى موسى، وشريح بن هاني الحارثى، وابو هنيده [١] القينى.
فاتوا معاويه، وشهدوا عليهم بحصبهم عمرو بن حريث، فامر معاويه بهم، فقتلوا، فدخل مالك بن هبيرة على معاويه فقال: يا امير المؤمنين، اسات في قتلك هؤلاء النفر، ولم يكونوا أحدثوا ما استوجبوا به القتل. فقال معاويه: قد كنت هممت بالعفو عنهم الا ان كتاب زياد ورد على يعلمني انهم رؤساء الفتنة، وانى متى قتلتهم اجتثثت الفتنة من أصلها.
ولما قتل حجر بن عدى واصحابه استفظع اهل الكوفه ذلك استفظاعا شديدا، وكان حجر من عظماء اصحاب على، وقد كان على اراد ان يوليه رياسه كنده، ويعزل الاشعث بن قيس، وكلاهما من ولد الحارث بن عمروا آكل المرار [٢] ، فأبى حجر بن عدى ان يتولى الأمر والاشعث حي.
فخرج نفر من اشراف اهل الكوفه الى الحسين بن على، فاخبروه الخبر، فاسترجع وشق عليه، فأقام أولئك النفر يختلفون الى الحسين بن على، وعلى المدينة يومئذ مروان بن الحكم، فترقى الخبر اليه، فكتب الى معاويه يعلمه ان رجالا من اهل العراق قدموا على الحسين بن على رضى الله عنهما، وهم مقيمون عنده يختلفون اليه، فاكتب الى بالذي ترى.
فكتب اليه معاويه: لا تعرض للحسين في شيء، فقد بايعنا، وليس بناقض بيعتنا ولا مخفر ذمتنا.
وكتب الى الحسين: اما بعد، فقد انتهت الى امور عنك لست بها حريا،
стр. 225
لان من اعطى صفقه يمينه جدير بالوفاء، فاعلم رحمك الله انى متى أنكرك تستنكرنى، ومتى تكدني اكدك، فلا يستفزنك السفهاء الذين يحبون الفتنة والسلام.
فكتب اليه الحسين رضى الله عنه: ما اريد حربك، ولا الخلاف عليك.
قالوا: ولم ير الحسن ولا الحسين طول حياه معاويه منه سوءا في أنفسهما ولا مكروها، ولا قطع عنهما شيئا مما كان شرط لهما، ولا تغير لهما عن بر.
قالوا: ومكث زياد على المصرين اربع سنين، فحضرته الوفاة عند ما مضى من خلافه معاويه ثلاث عشره سنه، وذلك سنه ثلاث وخمسين.
فكتب الى معاويه: اما بعد، فانى كتبت إليك وانا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وقد وليت الكوفه عبد الله بن خالد بن اسيد، ووليت البصره سمره بن جندب الفزارى، والسلام.
فقيل له: لم تولى ابنك عبيد الله احد المصرين؟ وليس بدون واحد من هذين.
فقال: ان يك فيه خير فسيسبق الى ذلك عمه معاويه، ثم مات، وصلى عليه ابنه عبيد الله بن زياد، ودفن في مقابر قريش.
فتولى عبد الله بن خالد بن اسيد الكوفه ثمانية اشهر، وكتب معاويه الى عبيد الله بن زياد بولاية البصره، وعزل عبد الله بن خالد عن الكوفه، واستعمل عليها النعمان بن بشير الأنصاري.
موت معاويه
قالوا: ولما دخلت سنه ستين مرض معاويه مرضه الذى مات فيه، فأرسل الى ابنه يزيد، وكان غائبا عن مدينه دمشق، فلما أبطأ عليه دعا الضحاك بن قيس
стр. 226
الفهري، وكان على شرطه، ومسلم بن عقبه، وكان على حرسه، فقال لهما: أبلغا يزيد وصيتي، واعلماه انى آمره في اهل الحجاز ان يكرم من قدم عليه منهم، ويتعهد من غاب عنه من اشرافهم، فإنهم اصله، وانى آمره في اهل العراق ان يرفق بهم ويداريهم ويتجاوز عن زلاتهم، وانى آمره في اهل الشام ان يجعلهم عينيه وبطانته، والا يطيل حبسهم في غير شامهم، لئلا يجروا [١] على اخلاق غيرهم. واعلماه انى لست اخاف عليه الا اربعه رجال: الحسين بن على، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن ابى بكر، وعبد الله بن الزبير. فاما الحسين ابن على فاحسب اهل العراق غير تاركيه حتى يخرجوه، فان فعل، فظفرت به، فاصفح عنه، واما عبد الله بن عمر فانه رجل قد وقذته العباده، وليس بطالب للخلافة الا ان تأتيه عفوا، واما عبد الرحمن بن ابى بكر فانه ليس له في نفسه من النباهة والذكر عند الناس ما يمكنه طلبها، ويحاول التماسها الا ان تأتيه عفوا، واما الذى يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك روغان الثعلب، فان امكنته فرصه وثب فذاك عبد الله بن الزبير، فان فعل وظفرت به، فقطعه اربا اربا الا ان يلتمس منك صلحا، فان فعل فاقبل منه، واحقن دماء قومك بجهدك، وكف عاديتهم بنوالك، وتغمدهم بحلمك.
ثم قدم عليه يزيد، فاعاد عليه هذه الوصية، ثم قضى.
فاقبل الضحاك بن قيس حتى اتى المسجد الأعظم، فصعد المنبر، ومعه اكفان معاويه، فقال: ايها الناس، ان معاويه بن ابى سفيان كان عبدا من عباد الله، ملكه على عباده، فعاش بقدر ومات باجل، وهذه أكفانه كما ترون، نحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين ربه، فمن أحب منكم ان يشهد جنازته فليحضر بعد صلاه الظهر. ثم نزل.
وتفرق الناس حتى إذا صلوا الظهر اجتمعوا وأصلحوا جهازه، وحملوه حتى واروه.
стр. 227
مبايعه يزيد
وانصرف يزيد فدخل الجامع، ودعا الناس الى البيعه، فبايعوه، ثم انصرف الى منزله.
ومات معاويه وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن ابى سفيان، وعلى مكة يحيى بن حكيم بن صفوان بن اميه، وعلى الكوفه النعمان بن بشير الأنصاري، وعلى البصره عبيد الله بن زياد.
فلم تكن ليزيد همه الا بيعه هؤلاء الأربعة نفر، فكتب الى الوليد بن عتبة يأمره ان يأخذهم بالبيعه أخذا شديدا لا رخصه فيه، فلما ورد ذلك على الوليد قطع به وخاف الفتنة، فبعث الى مروان، وكان الذى بينهما متباعدا، فأتاه، فاقراه الوليد الكتاب واستشاره.
فقال له مروان: اما عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن ابى بكر فلا تخافن ناحيتهما، فليسا بطالبين شيئا من هذا الأمر، ولكن عليك بالحسين بن على وعبد الله بن الزبير، فابعث إليهما الساعة، فان بايعا والا فاضرب أعناقهما قبل ان يعلن الخبر، فيثب كل واحد منهما ناحيه، ويظهر الخلاف.
فقال الوليد لعبد الله بن عمرو بن عثمان، وكان حاضرا وهو حينئذ غلام حين راهق: انطلق يا بنى الى الحسين بن على وعبد الله بن الزبير، فادعهما.
فانطلق الغلام حتى اتى المسجد، فإذا هو بهما جالسين، فقال: أجيبا الأمير.
فقالا للغلام: انطلق، فانا صائران اليه على اثرك. فانطلق الغلام.
فقال ابن الزبير للحسين رضى الله عنه: فيم تراه بعث إلينا في هذه الساعة؟.
فقال الحسين: احسب معاويه قد مات، فبعث إلينا للبيعه. قال ابن الزبير: ما أظن غيره. وانصرفا الى منازلهما.
فاما الحسين فجمع نفرا من مواليه وغلمانه، ثم مشى نحو دار الإمارة، وامر فتيانه ان يجلسوا بالباب، فان سمعوا صوته اقتحموا الدار.
стр. 228
ودخل الحسين على الوليد، وعنده مروان، فجلس الى جانب الوليد، فاقراه الوليد الكتاب، فقال الحسين: ان مثلي لا يعطى بيعته سرا، وانا طوع يديك، فإذا جمعت الناس لذلك حضرت، وكنت واحدا منهم.
وكان الوليد رجلا يحب العافيه، فقال للحسين: فانصرف اذن حتى تأتينا مع الناس، فانصرف.
فقال مروان للوليد: عصيتني، وو الله لا يمكنك من مثله ابدا.
قال الوليد: ويحك، اتشير على بقتل الحسين بن فاطمه بنت رسول الله ﷺ وعليهما السلام؟ والله ان الذى يحاسب بدم الحسين يوم القيامه لخفيف الميزان عند الله.
وتحرز ابن الزبير في منزله، وراوغ الوليد حتى إذا جن عليه الليل سار نحو مكة، وتنكب الطريق الأعظم فاخذ على طريق الفرع.
ولما اصبح الوليد بلغه خبره، فوجه في اثره حبيب بن كدين في ثلاثين فارسا، فلم يقعوا له على اثر، وشغلوا يومهم ذلك كله بطلب ابن الزبير.
فلما امسوا، واظلم الليل مضى الحسين رضى الله عنه أيضا نحو مكة، ومعه أختاه: أم كلثوم، وزينب وولد أخيه، واخوته ابو بكر، وجعفر، والعباس، وعامه من كان بالمدينة من اهل بيته الا أخاه محمد بن الحنفيه، فانه اقام.
واما عبد الله بن عباس فقد كان خرج قبل ذلك بايام الى مكة.
وجعل الحسين رضى الله عنه يطوى المنازل، فاستقبله عبد الله بن مطيع، وهو منصرف من مكة يريد المدينة، فقال له: اين تريد؟.
قال الحسين: اما الان فمكه.
قال خار [١] الله لك، غير انى أحب ان أشير عليك براى.
قال الحسين وما هو؟.
قال: إذا اتيت مكة فاردت الخروج منها الى بلد من البلدان، فإياك والكوفه، فإنها بلده مشئومه، بها قتل ابوك، وبها خذل اخوك، واغتيل بطعنه كادت
стр. 229
تأتي على نفسه، بل الزم الحرم، فان اهل الحجاز لا يعدلون بك أحدا، ثم ادع إليك شيعتك من كل ارض، فسيأتونك جميعا.
قال له الحسين: يقضى الله ما أحب.
ثم اطلق عنانه، ومضى حتى وافى مكة، فنزل شعب على، واختلف الناس اليه، فكانوا يجتمعون عنده حلقا حلقا، وتركوا عبد الله بن الزبير، وكانوا قبل ذلك يتحفلون اليه، فساء ذلك ابن الزبير، وعلم ان الناس لا يحفلون به والحسين مقيم بالبلد، فكان يختلف الى الحسين رضى الله عنه صباحا ومساء.
ثم ان يزيد عزل يحيى بن حكيم بن صفوان بن اميه.
[مقتل الحسين ﵇]
اهل الكوفه والحسين
قالوا: ولما بلغ اهل الكوفه وفاه معاويه وخروج الحسين بن على الى مكة اجتمع جماعه من الشيعة في منزل سليمان بن صرد، واتفقوا على ان يكتبوا الى الحسين يسالونه القدوم عليهم، ليسلموا الأمر اليه، ويطردوا النعمان بن بشير، فكتبوا اليه بذلك، ثم وجهوا بالكتاب مع عبيد الله بن سبيع الهمدانى وعبد الله بن وداك السلمى، فوافوا الحسين رضى الله عنه بمكة لعشر خلون من شهر رمضان، فأوصلوا الكتاب اليه.
ثم لم يمس الحسين يومه ذلك حتى ورد عليه بشر بن مسهر الصيداوى، وعبد الرحمن بن عبيد الارحبى، ومعهما خمسون كتابا من اشراف اهل الكوفه ورؤسائها كل كتاب منها من الرجلين والثلاثة والأربعة بمثل ذلك.
فلما اصبح وافاه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الخثعمى، ومعهما أيضا نحو من خمسين كتابا.
فلما امسى أيضا ذلك اليوم ورد عليه سعيد بن عبد الله الثقفى ومعه كتاب واحد من شبث بن ربعي، وحجار بن ابجر، ويزيد بن الحارث، وعروه بن قيس، وعمرو ابن الحجاج، ومحمد بن عمير بن عطارد وكان [١] هؤلاء الرؤساء من اهل الكوفه فتتابعت عليه في ايام رسل اهل الكوفه ومن الكتب ما ملا منه خرجين [٢]
стр. 230
فكتب الحسين اليهم جميعا كتابا واحدا، ودفعه الى هانئ بن هانئ، وسعيد ابن عبد الله، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن على الى من بلغه كتابي هذا، من اوليائه وشيعته بالكوفه، سلام عليكم، اما بعد، فقد أتتني كتبكم، وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومى عليكم، وانى باعث إليكم بأخي وابن عمى وثقتي من اهلى مسلم بن عقيل ليعلم لي كنه امركم، ويكتب الى بما يتبين له من اجتماعكم، فان كان امركم على ما أتتني به كتبكم، وأخبرتني به رسلكم اسرعت القدوم عليكم ان شاء الله، والسلام.
وقد كان مسلم بن عقيل خرج معه من المدينة الى مكة، فقال له الحسين ع: يا ابن عم، قد رايت ان تسير الى الكوفه، فتنظر ما اجتمع عليه راى أهلها، فان كانوا على ما أتتني به كتبهم، فعجل على بكتابك لاسرع القدوم عليك، وان تكن الاخرى، فعجل الانصراف.
فخرج مسلم على طريق المدينة ليلم باهله، ثم استاجر دليلين من قيس، وسار، فضلا ذات ليله، فأصبحا، وقد تاها، واشتد عليهما العطش والحر، فانقطعا، فلم يستطيعا المشى، فقالا لمسلم: عليك بهذا السمت، فالزمه لعلك ان تنجو.
فتركهما مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة الأنفس حتى أفضوا الى طريق فلزموه، حتى وردوا الماء، فأقام مسلم بذلك الماء.
وكتب الى الحسين مع رسول استاجره من اهل ذلك الماء، يخبره خبره، وخبر الدليلين، وما ناله من الجهد، ويعلمه انه قد تطير من الوجه الذى توجه له، ويسأله ان يعفيه ويوجه غيره، ويخبره انه مقيم بمنزله ذلك من بطن الحربث [١] .
فسار الرسول حتى وافى مكة، واوصل الكتاب الى الحسين، فقراه وكتب في جوابه: اما بعد، فقد ظننت ان الجبن قد قصر بك عما وجهتك به، فامض لما امرتك فانى غير معفيك، والسلام.
стр. 231
مسلم في الكوفه
فسار مسلم حتى وافى الكوفه، ونزل في الدار التي تعرف بدار المختار بن ابى عبيده، ثم عرفت اليوم بدار المسيب.
فكانت الشيعة تختلف اليه، فيقرأ عليهم كتاب الحسين، ففشا امره بالكوفه حتى بلغ ذلك النعمان بن بشير أميرها، فقال: لا اقاتل الا من قاتلني، ولا اثب الا على من وثب على، ولا آخذ بالقرفه [١] والظنه، فمن ابدى صفحته ونكث بيعته ضربته بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم أكن الا وحدي. وكان يحب العافيه ويغتنم السلامة.
فكتب مسلم بن سعيد الحضرمى وعماره بن عقبه وكانا عيني يزيد بن معاويه الى يزيد يعلمانه قدوم مسلم بن عقيل الكوفه داعيا للحسين بن على، وانه قد افسد قلوب أهلها عليه، فان يكن لك في سلطانك حاجه فبادر اليه من يقوم بأمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فان النعمان رجل ضعيف او متضاعف، والسلام.
فلما ورد الكتاب على يزيد امر بعهد، فكتب لعبيد الله بن زياد على الكوفه، وامره ان يبادر الى الكوفه، فيطلب مسلم بن عقيل طلب الحرزه حتى يظفر به، فيقتله، او ينفيه عنهما، ودفع الكتاب الى مسلم بن عمرو الباهلى ابى قتيبة بن مسلم، وامره باغذاذ السير. فسار مسلم حتى وافى البصره، واوصل الكتاب الى عبيد الله بن زياد.
وقد كان الحسين بن على رضى الله عنه كتب كتابا الى شيعته من اهل البصره مع مولى له يسمى سلمان نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن على الى مالك بن مسمع، والأحنف ابن قيس، والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، سلام عليكم، اما بعد، فانى ادعوكم الى احياء معالم الحق وأماته البدع، فان تجيبوا تهتدوا سبل الرشاد، والسلام.
فلما أتاهم هذا الكتاب كتموه جميعا الا المنذر بن الجارود، فانه أفشاه، لتزويجه ابنته هندا من عبيد الله بن زياد، فاقبل حتى دخل عليه، فاخبره
стр. 232
بالكتاب، وحكى له ما فيه، فامر عبيد الله بن زياد بطلب الرسول، فطلبوه، فاتوه به، فضربت عنقه.
ثم اقبل حتى دخل المسجد الأعظم، فاجتمع له الناس، فقام، فقال:
انصف القاره [١] من راماها،
يا اهل البصره ان امير المؤمنين قد ولانى مع البصره الكوفه، وانا سائر إليها، وقد خلفت عليكم أخي عثمان بن زياد، فإياكم والخلاف والارجاف، فو الله الذى لا اله غيره، لئن بلغنى عن رجل منكم خالف او ارجف لاقتلنه ووليه، ولاخذن الأدنى بالأقصى، والبريء بالسقيم حتى تستقيموا، وقد اعذر من انذر. ثم نزل، وسار.
وخرج معه من اشراف اهل البصره شريك بن الأعور والمنذر بن الجارود، فسار حتى وافى الكوفه، فدخلها، وهو متلثم.
وقد كان الناس بالكوفه يتوقعون الحسين بن على ع، وقدومه، فكان لا يمر ابن زياد بجماعه الا ظنوا انه الحسين فيقومون له، ويدعون ويقولون: مرحبا بابن رسول الله، قدمت خير مقدم.
فنظر ابن زياد من تباشيرهم بالحسين الى ما ساءه، واقبل حتى دخل المسجد الأعظم، ونودى في الناس، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:
يا اهل الكوفه، ان امير المؤمنين قد ولانى مصركم، وقسم فيئكم فيكم، وأمرني بانصاف مظلومكم، والاحسان الى سامعكم ومطيعكم، والشده على
стр. 233
عاصيكم ومريبكم، وانا منته في ذلك الى امره، وانا لمطيعكم كالوالد الشفيق، ولمخالفكم كالسم النقيع، فلا يبقين احد منكم الا على نفسه.
ثم نزل، فاتى القصر، فنزله، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام.
وبلغ مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد وانصراف النعمان، وما كان من خطبه ابن زياد ووعيده، فخاف على نفسه.
فخرج من الدار التي كان فيها بعد عتمه حتى اتى دار هانئ بن عروه المذحجى، وكان من اشراف اهل الكوفه، فدخل داره الخارجه، فأرسل اليه وكان في دار نسائه، يسأله الخروج اليه، فخرج اليه.
وقام مسلم، فسلم عليه، وقال:
انى اتيتك لتجيرني وتضيفنى.
فقال له هانئ:
لقد كلفتني شططا بهذا الأمر، ولولا دخولك منزلي لأحببت ان تنصرف عنى، غير انه قد لزمنى ذمام لذلك.
فادخله دار نسائه، وافرد له ناحيه منها.
وجعلت الشيعة تختلف اليه في دار هانئ.
وكان هانئ بن عروه مواصلا لشريك بن الأعور البصرى الذى قام مع ابن زياد، وكان ذا شرف بالبصرة وخطر، فانطلق هانئ اليه حتى اتى به منزله، وانزله مع مسلم بن عقيل في الحجرة التي كان فيها.
وكان شريك من كبار الشيعة بالبصرة، فكان يحث هانئا على القيام بأمر مسلم، وجعل مسلم يبايع من أتاه من اهل الكوفه، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق المؤكدة بالوفاء.
стр. 234
ومرض شريك بن الأعور في منزل هانئ بن عروه مرضا شديدا، وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد، فأرسل اليه يعلمه انه يأتيه عائدا.
فقال شريك لمسلم بن عقيل: انما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغيه، وقد امكنك الله منه، هو صائر الى ليعودنى، فقم، فادخل الخزانه حتى إذا اطمان عندي، فاخرج اليه، فقاتله، ثم صر الى قصر الإمارة، فاجلس فيه، فانه لا ينازعك فيه احد من الناس، وان رزقني الله العافيه صرت الى البصره، فكفيتك امرها، أبايع لك أهلها.
فقال هانئ بن عروه: ما أحب ان يقتل في دارى ابن زياد.
فقال له شريك: ولم؟ فو الله ان قتله لقربان الى الله.
ثم قال شريك لمسلم: لا تقصر في ذلك.
فبينما هم على ذلك إذ قيل لهم: الأمير بالباب.
فدخل مسلم بن عقيل الخزانه، ودخل عبيد الله بن زياد على شريك، فسلم عليه، وقال:
ما الذى تجد وتشكو؟.
فلما طال سؤاله اياه استبطأ شريك خروج مسلم، وجعل يقول، ويسمع مسلما:
ما تنظرون بسلمى عند فرصتها ... فقد وفى ودها، واستوسق الصرم [١]
وجعل يردد ذلك.
فقال ابن زياد لهانئ: ايهجر؟ يعنى يهذى.
قال هانئ: نعم، اصلح الله الأمير، لم يزل هكذا منذ اصبح.
ثم قام عبيد الله وخرج، فخرج مسلم بن عقيل من الخزانه، فقال شريك:
ما الذى منعك منه الا الجبن والفشل؟.
стр. 235
قال مسلم: منعني منه خلتان: إحداهما كراهية هانئ لقتله في منزله، والاخرى قول رسول الله ص [ان الايمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن.
] فقال شريك: اما والله لو قتلته لاستقام لك امرك، واستوسق لك [سلطانك.
] ولم يعش شريك بعد ذلك الا أياما، حتى توفى، وشيع ابن زياد جنازته، وتقدم فصلى عليه.
ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعه من اهل الكوفه حتى بايعه منهم ثمانية عشر الف رجل في ستر ورفق.
وخفى على عبيد الله بن زياد موضع مسلم بن عقيل، فقال لمولى له من اهل الشام يسمى معقلا، وناوله ثلاثة آلاف درهم في كيس، وقال: خذ هذا المال، وانطلق، فالتمس مسلم بن عقيل، وتات له بغاية التاتى.
فانطلق الرجل حتى دخل المسجد الأعظم، وجعل لا يدرى كيف يتأتى الأمر.
ثم انه نظر الى رجل يكثر الصلاة الى ساريه من سوارى المسجد، فقال في نفسه: ان هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة، واحسب هذا منهم.
فجلس الرجل حتى إذا انفتل من صلاته قام، فدنا منه، وجلس، فقال:
جعلت فداك، انى رجل من اهل الشام، مولى لذى الكلاع، وقد انعم الله على بحب اهل بيت رسول الله ص، وحب من احبهم، ومعى هذه الثلاثة الآلاف [١] درهم، أحب إيصالها الى رجل منهم، بلغنى انه قدم هذا المصر داعيه للحسين بن على ع، فهل تدلني عليه لاوصل هذا المال إليه؟
ليستعين به على بعض أموره، ويضعه حيث أحب من شيعته.
قال له الرجل: وكيف قصدتني بالسؤال عن ذلك دون غيرى ممن هو في المسجد؟.
стр. 236
قال: لانى رايت عليك سيما الخير، فرجوت ان تكون ممن يتولى اهل بيت رسول الله ص.
قال له الرجل: ويحك، قد وقعت على بعينك، انا رجل من اخوانك، واسمى مسلم بن عوسجة، وقد سررت بك، وساءني ما كان من حسى قبلك، فانى رجل من شيعه اهل هذا البيت، خوفا من هذا الطاغيه ابن زياد، فأعطني ذمه الله وعهده ان تكتم هذا عن جميع الناس.
فاعطاه من ذلك ما اراد.
فقال له مسلم بن عوسجة: انصرف يومك هذا، فان كان غد فائتنى في منزلي حتى انطلق معك الى صاحبنا يعنى مسلم بن عقيل فاوصلك اليه.
فمضى الشامي، فبات ليلته، فلما اصبح غدا الى مسلم بن عوسجة في منزله، فانطلق به حتى ادخله الى مسلم بن عقيل، فاخبره بامره، ودفع اليه الشامي ذلك المال، وبايعه.
فكان الشامي يغدو الى مسلم بن عقيل، فلا يحجب عنه، فيكون نهاره كله عند، فيتعرف جميع اخبارهم، فإذا امسى واظلم عليه الليل دخل على عبيد الله ابن زياد، فاخبره بجميع قصصهم، وما قالوا وفعلوا في ذلك، واعلمه نزول مسلم في دار هانئ بن عروه.
ثم ان محمد بن الاشعث وأسماء بن خارجه دخلا على ابن زياد مسلمين، فقال لهما:
ما فعل هانئ بن عروه؟.
فقالا: ايها الأمير، انه عليل منذ ايام.
فقال ابن زياد: وكيف؟ وقد بلغنى انه يجلس على باب داره عامه نهاره، فما يمنعه من إتياننا، وما يجب عليه من حق التسليم؟.
قالا: سنعلمه ذلك، ونخبره باستبطائك اياه.
стр. 237
فخرجا من عنده، واقبلا حتى دخلا على هانئ بن عروه، فأخبراه بما قال لهما ابن زياد، وما قالا له، ثم قالا له:
اقسمنا عليك الا قمت معنا اليه الساعة لتسل سخيمه [١] قلبه.
فدعا ببغلته، فركبها، ومضى معهما، حتى إذا دنا من قصر الإمارة خبثت نفسه.
فقال لهما:
ان قلبي قد اوجس من هذا الرجل خيفة.
قالا: ولم تحدث نفسك بالخوف وأنت بريء الساحة؟.
فمضى معهما حتى دخلوا على ابن زياد، فأنشأ ابن زياد يقول متمثلا:
اريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
قال هانئ: وما ذاك ايها الأمير؟.
قال ابن زياد: وما يكون اعظم من مجيئك بمسلم بن عقيل، وادخالك اياه منزلك، وجمعك له الرجال ليبايعوه؟.
فقال هانئ: ما فعلت، وما اعرف من هذا شيئا.
فدعا ابن زياد بالشامي، وقال: يا غلام، ادع لي معقلا.
فدخل عليهم.
فقال ابن زياد لهانئ بن عروه: اتعرف هذا؟.
فلما رآه علم انه انما كان عينا عليهم.
فقال هانئ: اصدقك والله ايها الأمير، انى والله ما دعوت مسلم بن عقيل، وما شعرت به. ثم قص عليه قصته على وجهها.
ثم قال: فاما الان فانا مخرجه من دارى لينطلق حيث يشاء، وأعطيك عهدا وثيقا ان ارجع إليك.
стр. 238
قال ابن زياد: لا والله، لا تفارقنى حتى تأتيني به.
فقال هانئ: او يجمل بي ان اسلم ضيفي وجارى للقتل؟ والله لا افعل ذلك ابدا.
فاعترضه ابن زياد بالخيزرانه، فضرب وجهه، وهشم انفه، وكسر حاجبه، وامر به، فادخل بيتا.
وبلغ مذحجا ان ابن زياد قد قتل هانئا، فاجتمعوا بباب القصر، وصاحوا.
فقال ابن زياد لشريح القاضى وكان عنده: ادخل الى صاحبهم، فانظر اليه، ثم اخرج اليهم، فاعلمهم انه حي. ففعل.
فقال لهم سيدهم عمرو بن الحجاج: اما إذ كان صاحبكم حيا فما يعجلكم الفتنة؟ انصرفوا. فانصرفوا.
فلما علم ابن زياد انهم قد انصرفوا امر بهانىء، فاتى به السوق، فضربت عنقه هناك.
ولما بلغ مسلم بن عقيل قتل هانئ بن عروه نادى فيمن كان بايعه، فاجتمعوا، فعقد لعبد الرحمن بن كريز الكندى على كنده وربيعه، وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج واسد، وعقد لأبي ثمامة الصيداوى على تميم وهمدان، وعقد للعباس بن جعدة بن هبيرة على قريش والانصار، فتقدموا جميعا حتى أحاطوا بالقصر، واتبعهم هو في بقية الناس.
وتحصن عبيد الله بن زياد في القصر مع من حضر مجلسه في ذلك اليوم من اشراف اهل الكوفه والأعوان والشرط، وكانوا مقدار مائتي رجل، فقاموا على سور القصر يرمون القوم بالمدر [١] والنشاب، ويمنعونهم من الدنو من القصر، فلم يزالوا بذلك حتى امسوا.
стр. 239
وقال عبيد الله بن زياد لمن كان عنده من اشراف اهل الكوفه: ليشرف كل رجل منكم في ناحيه من السور، فخوفوا القوم.
فأشرف كثير بن شهاب، ومحمد بن الاشعث، والقعقاع بن شور، وشبث ابن ربعي، وحجار بن ابجر، وشمر بن ذي الجوشن، فتنادوا: يا اهل الكوفه، اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الامه، ولا توردوا على انفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم، وجربتم شوكتهم.
فلما سمع اصحاب مسلم مقالتهم فتروا بعض الفتور.
وكان الرجل من اهل الكوفه ياتى ابنه، وأخاه، وابن عمه فيقول: انصرف، فان الناس يكفونك. وتجيء المرأة الى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلق به حتى يرجع.
فصلى مسلم العشاء في المسجد، وما معه الا زهاء ثلاثين رجلا.
فلما راى ذلك مضى منصرفا ماشيا، ومشوا معه، فاخذ نحو كنده، فلما مضى قليلا التفت فلم ير منهم أحدا، ولم يصب إنسانا يدله على الطريق، فمضى هائما على وجهه في ظلمه الليل حتى دخل على كنده.
فإذا امراه قائمه على باب دارها تنتظر ابنها وكانت ممن خف مع مسلم فاوته وادخلته بيتها، وجاء ابنها، فقال: من هذا في الدار؟
فاعلمته، وامرته بالكتمان.
ثم ان ابن زياد لما فقد الأصوات ظن ان القوم دخلوا المسجد، فقال: انظروا، هل ترون في المسجد أحدا؟ وكان المسجد مع القصر.
فنظروا فلم يروا أحدا، وجعلوا يشعلون اطناب القصب [١] ، ثم يقذفون بها في رحبه المسجد ليضيء لهم، فتبينوا، فلم يروا أحدا.
فقال ابن زياد: ان القوم قد خذلوا، وأسلموا مسلما.
وانصرفوا.
стр. 240
فخرج فيمن كان معه، وجلس في المسجد، ووضعت الشموع والقناديل، وامر مناديا فنادى بالكوفه الا برئت الذمة من رجل من العرفاء والشرط والحرس لم يحضر المسجد.
فاجتمع الناس، ثم قال: يا حصين بن نمير وكان على الشرطه ثكلتك أمك ان ضاع باب سكه من سكك الكوفه، فإذا اصبحت فاستقر الدور، دارا، دارا، حتى تقع عليه.
وصلى ابن زياد العشاء في المسجد، ثم دخل القصر.
فلما اصبح جلس للناس، فدخلوا عليه، ودخل في اوائلهم محمد بن الاشعث، فأقعده معه على سريره.
واقبل ابن تلك المرأة التي مسلم في بيتها الى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وهو حينئذ غلام حين راهق فاخبره بمكان مسلم عنده.
فاقبل عبد الرحمن الى ابيه محمد بن الاشعث، وهو جالس مع ابن زياد، فاسر اليه الخبر.
فقال ابن زياد: ما سار به ابنك؟
قال: أخبرني ان مسلم بن عقيل في بعض دورنا.
فقال: انطلق، فاتنى به الساعة.
وقال لعبيد بن حريث: ابعث مائه رجل من قريش وكره ان يبعث اليه غير قريش خوفا من العصبية ان تقع.
فاقبلوا حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل، ففتحوها، فقاتلهم، فرمى، فكسر فوه، وأخذ، فاتى ببغله فركبها، وصاروا به الى ابن زياد.
قتل مسلم بن عقيل
فلما ادخل عليه، وقد اكتنفه الجلاوزة قالوا له: سلم على الأمير.
قال: ان كان الأمير يريد قتلى، فما انتفع بسلام عليه، وان كان لم يرد فسيكثر عليه سلامي.
стр. 241
قال ابن زياد: كأنك ترجو البقاء.
فقال له مسلم: فان كنت مزمعا على قتلى، فدعني أوص الى بعض من هاهنا من قومى.
قال له: أوص بما شئت.
فنظر الى عمر بن سعد بن ابى وقاص، فقال له: اخل معى في طرف هذا البيت حتى اوصى إليك، فليس في القوم اقرب الى ولا اولى بي منك.
فتنحى معه ناحيه، فقال له: اتقبل وصيتي؟
قال: نعم.
قال مسلم: ان على هاهنا دينا، مقدار الف درهم، فاقض عنى، وإذا انا قتلت فاستوهب من ابن زياد جثتي لئلا يمثل بها، وابعث الى الحسين بن على رسولا قاصدا من قبلك، يعلمه حالي، وما صرت اليه من غدر هؤلاء الذين يزعمون انهم شيعته، واخبره بما كان من نكثهم بعد ان بايعنى منهم ثمانية عشر الف رجل، لينصرف الى حرم الله، فيقيم به، ولا يغتر باهل الكوفه.
وقد كان مسلم كتب الى الحسين ان يقدم ولا يلبث.
فقال له عمر بن سعد: لك على ذلك كله، وانا به زعيم.
فانصرف الى ابن زياد، فاخبره بكل ما اوصى به اليه مسلم.
فقال له ابن زياد: قد اسات في افشائك ما اسره إليك، وقد قيل انه لا يخونك الا الامين، وربما ائتمنك الخائن.
وامر ابن زياد بمسلم فرقى به الى ظهر القصر، فأشرف به على الناس، وهم على باب القصر مما يلى الرحبه، حتى إذا راوه ضربت عنقه هناك، فسقط راسه الى الرحبه، ثم اتبع الراس بالجسد.
وكان الذى تولى ضرب عنقه احمر بن بكير.
стр. 242
وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الزبير الأسدي:
فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... على هانئ في السوق وابن عقيل
الى بطل قد هشم السيف انفه ... وآخر، يهوى من طمار، قتيل [١]
أصابهما ريب الزمان، فأصبحا ... احاديث من يسعى بكل سبيل
ترى جسدا قد غير الموت لونه ... ونضح دم قد سال كل مسيل
ثم بعث عبيد الله برءوسهما الى يزيد، وكتب اليه بالنبأ فيهما.
فكتب اليه يزيد: لم نعد الظن بك، وقد فعلت فعل الحازم الجليد، وقد سالت رسوليك عن الأمر، ففرشاه لي، وهما كما ذكرت في النصح، وفضل الرأي، فاستوص بهما.
وقد بلغنى ان الحسين بن على قد فصل من مكة متوجها الى ما قبلك، فأدرك العيون عليه، وضع الارصاد على الطرق، وقم افضل القيام، غير الا تقاتل الا من قاتلك، واكتب الى بالخبر في كل يوم.
وكان انفذ الرأسين اليه مع هانئ بن ابى حيه الهمدانى، والزبير بن الاروج التميمى.
وكان قتل مسلم بن عقيل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي الحجه سنه ستين [٢] ، وهي السنه التي مات فيها معاويه.
стр. 243
خروج الحسين الى الكوفه
وخرج الحسين بن على ع من مكة في ذلك اليوم.
ثم ان ابن زياد وجه بالحصين بن نمير وكان على شرطه في اربعه آلاف فارس من اهل الكوفه، وامره ان يقيم بالقادسية [١] الى القطقطانة [٢] ، فيمنع من اراد النفوذ من ناحيه الكوفه الى الحجاز الا من كان حاجا او معتمرا ومن لا يتهم بممالاه الحسين.
قالوا: ولما ورد كتاب مسلم بن عقيل على الحسين ع: ان الرائد [٣] لا يكذب اهله، وقد بايعنى من اهل الكوفه ثمانية عشر الف رجل، فاقدم، فان جميع الناس معك، ولا راى لهم في آل ابى سفيان.
فلما عزم على الخروج، وأخذ في الجهاز بلغ ذلك عبد الله بن عباس، فاقبل حتى دخل على الحسين، رضى الله عنه، فقال:
يا ابن عم، قد بلغنى انك تريد المسير الى العراق.
قال الحسين: انا على ذلك.
قال عبد الله: اعيذك بالله يا بن عم من ذلك.
قال الحسين: قد عزمت، ولا بد من المسير.
قال له عبد الله: اتسير الى قوم طردوا أميرهم عنهم، وضبطوا بلادهم؟ فان كانوا فعلوا ذلك فسر اليهم، وان كانوا انما يدعونك اليهم، وأميرهم عليهم، وعماله يجبونهم، فإنهم انما يدعونك الى الحرب، ولا آمنهم ان يخذلوك كما خذلوا اباك واخاك.
قال الحسين: يا بن عم، سانظر فيما قلت.
стр. 244
وبلغ عبد الله بن الزبير ما يهم به الحسين، فاقبل حتى دخل عليه، فقال له: لو اقمت بهذا الحرم، وبثثت رسلك في البلدان، وكتبت الى شيعتك بالعراق ان يقدموا عليك، فإذا قوى امرك نفيت عمال يزيد عن هذا البلد، وعلى لك المكانفه والمؤازره، وان عملت بمشورتى طلبت هذا الأمر بهذا الحرم، فانه مجمع اهل الافاق، ومورد اهل الاقطار لم يعدمك باذن الله ادراك ما تريد، ورجوت ان تناله.
قالوا: ولما كان في اليوم الثالث عاد عبد الله بن عباس الى الحسين، فقال له: يا بن عم لا تقرب اهل الكوفه، فإنهم قوم غدره، وأقم بهذه البلده، فإنك سيد أهلها، فان أبيت فسر الى ارض اليمن، فان بها حصونا وشعابا، وهي ارض طويله عريضه، ولأبيك فيها شيعه، فتكون عن الناس في عزله، وتبث دعاتك في الافاق، فانى أرجو ان فعلت ذلك أتاك الذى تحب في عافيه.
قال الحسين ع: يا بن عم، والله انى لأعلم انك ناصح مشفق، غير انى قد عزمت على الخروج.
قال ابن عباس: فان كنت لا محاله سائرا، فلا تخرج النساء والصبيان، فانى لا آمن ان تقتل كما قتل ابن عفان، وصبيته ينظرون اليه.
قال الحسين: عم، ما ارى الا الخروج بالأهل والولد.
فخرج ابن عباس من عند الحسين فمر بابن الزبير، وهو جالس، فقال له: قرت عينك يا بن الزبير بخروج الحسين.
ثم تمثل:
خلالك الجو، فبيضى واصفري ... ونقرى، ما شئت ان تنقرى
قالوا: ولما خرج الحسين من مكة اعترضه صاحب شرطه أميرها، عمرو بن سعيد ابن العاص في جماعه من الجند، فقال: ان الأمير يأمرك بالانصراف، فانصرف، والا منعتك.
فامتنع عليه الحسين، وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط.
وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف ان يتفاقم الأمر، فأرسل الى صاحب شرطه، يأمره بالانصراف.
стр. 245
قالوا ولما فصل الحسين بن على من مكة سائرا، وقد وصل الى التنعيم [١] لحق عيرا مقبلة من اليمن، عليهما ورس [٢] . وحناء، ينطلق به الى يزيد بن معاويه، فأخذها وما عليها.
وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم ان يسير معنا الى العراق اوفيناه كراه، واحسنا صحبته، ومن أحب ان يفارقنا من هاهنا اعطيناه من الكرى [٣] بقدر ما قطع من الارض.
ففارقه قوم، ومضى معه آخرون.
ثم سار حتى إذا انتهى الى الصفاح [٤] لقيه هناك الفرزدق الشاعر مقبلا من العراق، يريد مكة، فسلم على الحسين.
فقال له الحسين: كيف خلفت الناس بالعراق؟
قال: خلفتهم، وقلوبهم معك، وسيوفهم عليك.
ثم ودعه.
ومضى الحسين ع حتى إذا صار ببطن الرمة [٥] كتب الى اهل الكوفه.
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن على الى اخوانه من المؤمنين بالكوفه، سلام عليكم، اما بعد، فان كتاب مسلم بن عقيل ورد على باجتماعكم لي، وتشوفكم الى قدومى، وما أنتم عليه منطوون من نصرنا، والطلب بحقنا، فاحسن الله لنا ولكم الصنيع، واثابكم على ذلك بافضل الذخر، وكتابي إليكم من بطن الرمة، وانا قادم عليكم، وحثيث السير إليكم، والسلام.
стр. 246
ثم بعث بالكتاب مع قيس بن مسهر، فسار حتى وافى القادسية [١] .
فأخذه حصين بن نمير، وبعث به الى ابن زياد، فلما ادخل عليه اغلظ لعبيد الله، فامر به ان يطرح من اعلى سور القصر الى الرحبه، فطرح، فمات.
وسار الحسين ع من بطن الرمة [٢] ، فلقيه عبد الله بن مطيع، وهو منصرف من العراق، فسلم على الحسين، وقال له:
بابى أنت وأمي يا بن رسول الله، ما اخرجك من حرم الله وحرم جدك؟
فقال: ان اهل الكوفه كتبوا الى يسألونني ان اقدم عليهم لما رجوا من احياء معالم الحق، وأماته البدع.
قال له ابن مطيع: أنشدك الله ان لا تأتي الكوفه، فو الله لئن أتيتها لتقتلن.
فقال الحسين ع: لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا.
ثم ودعه ومضى.
ثم سار حتى انتهى الى زرود [٣] ، فنظر الى فسطاط [٤] مضروب، فسال عنه، فقيل له: هو لزهير بن القين.
وكان حاجا اقبل من مكة يريد الكوفه.
فأرسل اليه الحسين، ان القنى اكلمك.
فأبى ان يلقاه.
وكانت مع زهير زوجته، فقالت له: سبحان الله، يبعث إليك ابن رسول الله ص فلا تجيبه.
فقام يمشى الى الحسين ع، فلم يلبث ان انصرف، وقد اشرق وجهه،
стр. 247
فامر بفسطاطه فقلع، وضرب الى لزق فسطاط الحسين.
ثم قال لامراته: أنت طالق، فتقدمى مع أخيك حتى تصلى الى منزلك، فانى قد وطنت نفسي على الموت مع الحسين ع.
ثم قال لمن كان معه من اصحابه: من أحب منكم الشهاده فليقم، ومن كرهها فليتقدم.
فلم يقم معه منهم احد، وخرجوا مع المرأة وأخيها حتى لحقوا بالكوفه.
قالوا: ولما رحل الحسين من زرود تلقاه رجل من بنى اسد، فسأله عن الخبر.
فقال: لم اخرج من الكوفه حتى قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروه، ورايت الصبيان يجرون بأرجلهما.
فقال: إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، عند الله نحتسب أنفسنا.
فقال له: أنشدك الله يا بن رسول الله في نفسك، وانفس اهل بيتك، هؤلاء الذين نراهم معك، انصرف الى موضعك، ودع المسير الى الكوفه، فو الله ما لك بها ناصر.
فقال بنو عقيل وكانوا معه: ما لنا في العيش بعد أخينا مسلم حاجه، ولسنا براجعين حتى نموت.
فقال الحسين: فما خير في العيش بعد هؤلاء، وسار.
فلما وافى زبالة [١] وافاه بها رسول محمد بن الاشعث، وعمر بن سعد بما كان ساله مسلم ان يكتب به اليه من امره، وخذلان اهل الكوفه اياه، بعد ان بايعوه، وقد كان مسلم سال محمد بن الاشعث ذلك.
стр. 248
فلما قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر، وأفظعه قتل مسلم بن عقيل، وهانئ ابن عروه.
ثم اخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر رسوله الذى وجهه من بطن الرمة.
وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق، فلما سمعوا خبر مسلم، وقد كانوا ظنوا انه يقدم على انصار وعضد تفرقوا عنه، ولم يبق معه الا خاصته.
فسار حتى انتهى الى بطن العقيق [١] ، فلقيه رجل من بنى عكرمه، فسلم عليه، واخبره بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية الى العذيب [٢] رصدا له.
ثم قال له: انصرف بنفسي أنت، فو الله ما تسير الا الى الأسنة والسيوف، ولا تتكلن على الذين كتبوا لك، فان أولئك أول الناس مبادره الى حربك.
فقال له الحسين: قد ناصحت وبالغت، فجزيت خيرا.
ثم سلم عليه، ومضى حتى نزل بشراه [٣] بات بها، ثم ارتحل وسار.
فلما انتصف النهار، واشتدت الحر، وكان ذلك في القيظ، تراءت لهم الخيل.
فقال الحسين لزهير بن القين:
اما هاهنا مكان يلجأ اليه، او شرف، نجعله خلف ظهورنا، ونستقبل القوم من وجه واحد؟.
قال له زهير: بلى، هذا جبل ذي جشم، يسره عنك، فمل بنا اليه، فان سبقت اليه فهو كما تحب.
فسار حتى سبق اليه، وجعل ذلك الجبل وراء ظهره.
стр. 249
واقبلت الخيل، وكانوا الف فارس مع الحر بن يزيد التميمى، ثم اليربوعى، حتى إذا دنوا امر الحسين ع فتيانه ان يستقبلوهم بالماء، فشربوا، وتغمرت خيلهم، ثم جلسوا جميعا في ظل خيولهم، وأعنتها في ايديهم حتى إذا حضرت الظهر قال الحسين ع للحر: اتصلى معنا، أم تصلى باصحابك واصلى باصحابى؟
قال الحر: بل نصلى جميعا بصلاتك.
فتقدم الحسين ع، فصلى بهم جميعا.
فلما انفتل من صلاته حول وجهه الى القوم، ثم قال:
ايها الناس، معذره الى الله، ثم إليكم، انى لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت على رسلكم، فان أعطيتموني ما اطمئن اليه من عهودكم ومواثيقكم دخلنا معكم مصركم، وان تكن الاخرى انصرفت من حيث جئت.
فاسكت القوم، فلم يردوا عليه، حتى إذا جاء وقت العصر نادى مؤذن الحسين، ثم اقام، وتقدم الحسين ع، فصلى بالفريقين، ثم انفتل اليهم، فاعاد مثل القول الاول.
فقال الحر بن يزيد: والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر.
فقال الحسين ع: ايتنى بالخرجين [١] اللذين فيهما كتبهم.
فاتى بخرجين مملوءين كتبا، فنثرت بين يدي الحر واصحابه، فقال له الحر:
يا هذا، لسنا ممن كتب إليك شيئا من هذه الكتب، وقد امرنا الا نفارقك إذا لقيناك او نقدم بك الكوفه على الأمير عبيد الله بن زياد.
فقال الحسين ع: الموت دون ذلك.
стр. 250
ثم امر باثقاله، فحملت، وامر اصحابه، فركبوا، ثم ولى وجهه منصرفا نحو الحجاز، فحال القوم بينه وبين ذلك.
فقال الحسين للحر: ما الذي تريد؟
قال: اريد والله ان انطلق بك الى الأمير عبيد الله بن زياد.
قال الحسين: اذن والله انابذك الحرب.
فلما كثر الجدال بينهما قال الحر: انى لم اومر بقتالك، وانما امرت الا افارقك، وقد رايت رايا فيه السلامة من حربك، وهو ان تجعل بيني وبينك طريقا، لا تدخلك الكوفه، ولا تردك الى الحجاز، تكون نصفا بيني وبينك حتى يأتينا راى الأمير.
قال الحسين: فخذ هاهنا، فاخذ متياسرا من طريق العذيب [١] ، ومن ذلك المكان الى العذيب ثمانية وثلاثون ميلا.
فسارا جميعا حتى انتهوا الى عذيب الحمامات، فنزلوا جميعا، وكل فريق منهما على غلوه [٢] من الآخر.
ثم ارتحل الحسين من موضعه ذلك متيامنا عن طريق الكوفه حتى انتهى الى قصر بنى مقاتل، فنزلوا جميعا هناك، فنظر الحسين الى فسطاط مضروب، فسال عنه، فاخبر انه لعبيد الله بن الحر الجعفى، وكان من اشراف اهل الكوفه، وفرسانهم.
فأرسل الحسين اليه بعض مواليه يأمره بالمصير اليه، فأتاه الرسول، فقال:
هذا الحسين بن على يسألك ان تصير اليه.
فقال عبيد الله: والله ما خرجت من الكوفه الا لكثرة من رايته خرج لمحاربته