ثم بعث بالكتاب مع قيس بن مسهر، فسار حتى وافى القادسية [١] .
فأخذه حصين بن نمير، وبعث به الى ابن زياد، فلما ادخل عليه اغلظ لعبيد الله، فامر به ان يطرح من اعلى سور القصر الى الرحبه، فطرح، فمات.
وسار الحسين ع من بطن الرمة [٢] ، فلقيه عبد الله بن مطيع، وهو منصرف من العراق، فسلم على الحسين، وقال له:
بابى أنت وأمي يا بن رسول الله، ما اخرجك من حرم الله وحرم جدك؟
فقال: ان اهل الكوفه كتبوا الى يسألونني ان اقدم عليهم لما رجوا من احياء معالم الحق، وأماته البدع.
قال له ابن مطيع: أنشدك الله ان لا تأتي الكوفه، فو الله لئن أتيتها لتقتلن.
فقال الحسين ع: لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا.
ثم ودعه ومضى.
ثم سار حتى انتهى الى زرود [٣] ، فنظر الى فسطاط [٤] مضروب، فسال عنه، فقيل له: هو لزهير بن القين.
وكان حاجا اقبل من مكة يريد الكوفه.
فأرسل اليه الحسين، ان القنى اكلمك.
فأبى ان يلقاه.
وكانت مع زهير زوجته، فقالت له: سبحان الله، يبعث إليك ابن رسول الله ص فلا تجيبه.
فقام يمشى الى الحسين ع، فلم يلبث ان انصرف، وقد اشرق وجهه،
стр. 247
فامر بفسطاطه فقلع، وضرب الى لزق فسطاط الحسين.
ثم قال لامراته: أنت طالق، فتقدمى مع أخيك حتى تصلى الى منزلك، فانى قد وطنت نفسي على الموت مع الحسين ع.
ثم قال لمن كان معه من اصحابه: من أحب منكم الشهاده فليقم، ومن كرهها فليتقدم.
فلم يقم معه منهم احد، وخرجوا مع المرأة وأخيها حتى لحقوا بالكوفه.
قالوا: ولما رحل الحسين من زرود تلقاه رجل من بنى اسد، فسأله عن الخبر.
فقال: لم اخرج من الكوفه حتى قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروه، ورايت الصبيان يجرون بأرجلهما.
فقال: إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، عند الله نحتسب أنفسنا.
فقال له: أنشدك الله يا بن رسول الله في نفسك، وانفس اهل بيتك، هؤلاء الذين نراهم معك، انصرف الى موضعك، ودع المسير الى الكوفه، فو الله ما لك بها ناصر.
فقال بنو عقيل وكانوا معه: ما لنا في العيش بعد أخينا مسلم حاجه، ولسنا براجعين حتى نموت.
فقال الحسين: فما خير في العيش بعد هؤلاء، وسار.
فلما وافى زبالة [١] وافاه بها رسول محمد بن الاشعث، وعمر بن سعد بما كان ساله مسلم ان يكتب به اليه من امره، وخذلان اهل الكوفه اياه، بعد ان بايعوه، وقد كان مسلم سال محمد بن الاشعث ذلك.
стр. 248
فلما قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر، وأفظعه قتل مسلم بن عقيل، وهانئ ابن عروه.
ثم اخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر رسوله الذى وجهه من بطن الرمة.
وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق، فلما سمعوا خبر مسلم، وقد كانوا ظنوا انه يقدم على انصار وعضد تفرقوا عنه، ولم يبق معه الا خاصته.
فسار حتى انتهى الى بطن العقيق [١] ، فلقيه رجل من بنى عكرمه، فسلم عليه، واخبره بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية الى العذيب [٢] رصدا له.
ثم قال له: انصرف بنفسي أنت، فو الله ما تسير الا الى الأسنة والسيوف، ولا تتكلن على الذين كتبوا لك، فان أولئك أول الناس مبادره الى حربك.
فقال له الحسين: قد ناصحت وبالغت، فجزيت خيرا.
ثم سلم عليه، ومضى حتى نزل بشراه [٣] بات بها، ثم ارتحل وسار.
فلما انتصف النهار، واشتدت الحر، وكان ذلك في القيظ، تراءت لهم الخيل.
فقال الحسين لزهير بن القين:
اما هاهنا مكان يلجأ اليه، او شرف، نجعله خلف ظهورنا، ونستقبل القوم من وجه واحد؟.
قال له زهير: بلى، هذا جبل ذي جشم، يسره عنك، فمل بنا اليه، فان سبقت اليه فهو كما تحب.
فسار حتى سبق اليه، وجعل ذلك الجبل وراء ظهره.
стр. 249
واقبلت الخيل، وكانوا الف فارس مع الحر بن يزيد التميمى، ثم اليربوعى، حتى إذا دنوا امر الحسين ع فتيانه ان يستقبلوهم بالماء، فشربوا، وتغمرت خيلهم، ثم جلسوا جميعا في ظل خيولهم، وأعنتها في ايديهم حتى إذا حضرت الظهر قال الحسين ع للحر: اتصلى معنا، أم تصلى باصحابك واصلى باصحابى؟
قال الحر: بل نصلى جميعا بصلاتك.
فتقدم الحسين ع، فصلى بهم جميعا.
فلما انفتل من صلاته حول وجهه الى القوم، ثم قال:
ايها الناس، معذره الى الله، ثم إليكم، انى لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت على رسلكم، فان أعطيتموني ما اطمئن اليه من عهودكم ومواثيقكم دخلنا معكم مصركم، وان تكن الاخرى انصرفت من حيث جئت.
فاسكت القوم، فلم يردوا عليه، حتى إذا جاء وقت العصر نادى مؤذن الحسين، ثم اقام، وتقدم الحسين ع، فصلى بالفريقين، ثم انفتل اليهم، فاعاد مثل القول الاول.
فقال الحر بن يزيد: والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر.
فقال الحسين ع: ايتنى بالخرجين [١] اللذين فيهما كتبهم.
فاتى بخرجين مملوءين كتبا، فنثرت بين يدي الحر واصحابه، فقال له الحر:
يا هذا، لسنا ممن كتب إليك شيئا من هذه الكتب، وقد امرنا الا نفارقك إذا لقيناك او نقدم بك الكوفه على الأمير عبيد الله بن زياد.
فقال الحسين ع: الموت دون ذلك.
стр. 250
ثم امر باثقاله، فحملت، وامر اصحابه، فركبوا، ثم ولى وجهه منصرفا نحو الحجاز، فحال القوم بينه وبين ذلك.
فقال الحسين للحر: ما الذي تريد؟
قال: اريد والله ان انطلق بك الى الأمير عبيد الله بن زياد.
قال الحسين: اذن والله انابذك الحرب.
فلما كثر الجدال بينهما قال الحر: انى لم اومر بقتالك، وانما امرت الا افارقك، وقد رايت رايا فيه السلامة من حربك، وهو ان تجعل بيني وبينك طريقا، لا تدخلك الكوفه، ولا تردك الى الحجاز، تكون نصفا بيني وبينك حتى يأتينا راى الأمير.
قال الحسين: فخذ هاهنا، فاخذ متياسرا من طريق العذيب [١] ، ومن ذلك المكان الى العذيب ثمانية وثلاثون ميلا.
فسارا جميعا حتى انتهوا الى عذيب الحمامات، فنزلوا جميعا، وكل فريق منهما على غلوه [٢] من الآخر.
ثم ارتحل الحسين من موضعه ذلك متيامنا عن طريق الكوفه حتى انتهى الى قصر بنى مقاتل، فنزلوا جميعا هناك، فنظر الحسين الى فسطاط مضروب، فسال عنه، فاخبر انه لعبيد الله بن الحر الجعفى، وكان من اشراف اهل الكوفه، وفرسانهم.
فأرسل الحسين اليه بعض مواليه يأمره بالمصير اليه، فأتاه الرسول، فقال:
هذا الحسين بن على يسألك ان تصير اليه.
فقال عبيد الله: والله ما خرجت من الكوفه الا لكثرة من رايته خرج لمحاربته
стр. 251
وخذلان شيعته، فعلمت انه مقتول ولا اقدر على نصره، فلست أحب ان يراني ولا أراه.
فانتعل الحسين حتى مشى، ودخل عليه قبته، ودعاه الى نصرته.
فقال عبيد الله: والله انى لأعلم ان من شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى ان اغنى عنك، ولم اخلف لك بالكوفه ناصرا، فأنشدك الله ان تحملني على هذه الخطه، فان نفسي لم تسمح بعد بالموت، ولكن فرسي هذه الملحقه، والله ما طلبت عليها شيئا قط الا لحقته، ولا طلبنى وانا عليها احد قط الا سبقته، فخذها، فهى لك.
قال الحسين: اما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجه لنا الى فرسك.
نهاية الحسين
وسار الحسين ع من قصر بنى مقاتل، ومعه الحر بن يزيد، كلما اراد ان يميل نحو البادية منعه، حتى انتهى الى المكان الذى يسمى كربلاء [١] فمال قليلا متيامنا حتى انتهى الى نينوى [٢] ، فإذا هو براكب على نجيب، مقبل من القوم، فوقفوا جميعا ينتظرونه.
فلما انتهى اليهم سلم على الحر، ولم يسلم على الحسين.
ثم ناول الحر كتابا من عبيد الله بن زياد، فقراه، فإذا فيه:
اما بعد، فجعجع [٣] بالحسين بن على واصحابه بالمكان الذى يوافيك كتابي، ولا تحله الا بالعراء على غير خمر [١] ولا ماء، وقد امرت حامل كتابي هذا ان يخبرني بما كان منك في ذلك، والسلام.
стр. 252
فقرا الحر الكتاب ثم ناوله الحسين، وقال:
لا بد من إنقاذ امر الأمير عبيد الله بن زياد، فانزل بهذا المكان، ولا تجعل للأمير على عله.
فقال الحسين ع تقدم بنا قليلا الى هذه القرية التي هي منا على غلوه، وهي الغاضرية [١] او هذه الاخرى التي تسمى السقبه فنزل في إحداهما.
قال الحر ان الأمير كتب الى ان احلك على غير ماء، ولا بد من الانتهاء الى امره.
فقال زهير بن القين للحسين: بابى وأمي يا ابن رسول الله، والله لو لم يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كفاية، فكيف بمن سياتينا من غيرهم؟ فهلم بنا نناجز هؤلاء، فان قتال هؤلاء ايسر علينا من قتال من يأتينا من غيرهم.
قال الحسين ع: فانى اكره ان ابداهم بقتال حتى يبدءوا.
فقال له زهير: فهاهنا قريه بالقرب منا على شط الفرات، وهي في عاقول [٢] حصينة، الفرات يحدق بها الا من وجه واحد.
قال الحسين: وما اسم تلك القرية؟
قال: العقر [٣] قال الحسين: نعوذ بالله من العقر.
فقال الحسين للحر: سر بنا قليلا، ثم ننزل.
فسار معه حتى أتوا كربلاء، فوقف الحر واصحابه امام الحسين ومنعوهم من المسير، وقال:
انزل بهذا المكان، فالفرات منك قريب.
قال الحسين: وما اسم هذا المكان؟
стр. 253
قالوا له: كربلاء.
قال: ذات كرب وبلاء، ولقد مر ابى بهذا المكان عند مسيره الى صفين، وانا معه، فوقف، فسال عنه، فاخبر باسمه، فقال: [هاهنا محط ركابهم، وهاهنا مهراق دمائهم،] فسئل عن ذلك، فقال: ثقل لال بيت محمد، ينزلون هاهنا.
ثم امر الحسين باثقاله، فحطت بذلك المكان يوم الأربعاء غره المحرم من سنه احدى وستين [١] ، وقتل بعد ذلك بعشره ايام، وكان قتله يوم عاشوراء.
فلما كان اليوم الثانى من نزوله كربلاء وافاه عمر بن سعد في اربعه آلاف فارس.
وكانت قصه خروج عمر بن سعد، ان عبيد الله بن زياد ولاه الري وثغر دستبى [٢] والديلم، وكتب له عهدا عليها، فعسكر للمسير إليها، فحدث امر الحسين، فأمره ابن زياد ان يسير الى محاربه الحسين، فإذا فرغ منه سار الى ولايته.
فتلكا عمر بن سعد على ابن زياد، وكره محاربه الحسين.
فقال له ابن زياد: فاردد علينا عهدنا.
قال: فاسير اذن.
فسار في اصحابه أولئك الذين ندبوا معه الى الري ودستبى، حتى وافى الحسين، وانضم اليه الحر بن يزيد فيمن معه.
ثم قال عمر بن سعد لقره بن سفيان الحنظلى انطلق الى الحسين، فسله ما اقدمك. فأتاه، فابلغه.
فقال الحسين: ابلغه عنى ان اهل هذا المصر كتبوا الى يذكرون ان لا امام لهم، ويسألونني القدوم عليهم، فوثقت بهم، فغدروا بي، بعد ان بايعنى منهم ثمانية عشر الف رجل، فلما دنوت، فعلمت غرور ما كتبوا به الى اردت الانصراف الى حيث
стр. 254
منه اقبلت، فمنعني الحر بن يزيد، وسار حتى جعجع بي في هذا المكان، ولي بك قرابة قريبه، ورحم ماسه، فاطلقنى حتى انصرف.
فرجع قره الى عمر بن سعد بجواب الحسين بن على.
فقال عمر: الحمد لله، والله انى لأرجو ان اعفى من محاربه الحسين.
ثم كتب الى ابن زياد يخبره بذلك.
فلما وصل كتابه الى ابن زياد كتب اليه في جوابه:
قد فهمت كتابك، فاعرض على الحسين البيعه ليزيد، فإذا بايع في جميع من معه، فأعلمني ذلك ليأتيك رأيي.
فلما انتهى كتابه الى عمر بن سعد قال: ما احسب ابن زياد يريد العافيه.
فأرسل عمر بن سعد بكتاب ابن زياد الى الحسين، فقال الحسين للرسول:
لا اجيب ابن زياد الى ذلك ابدا، فهل هو الا الموت، فمرحبا به.
فكتب عمر بن سعد الى ابن زياد بذلك، فغضب، فخرج بجميع اصحابه الى النخيله [١] ثم وجه الحصين بن نمير، وحجار بن ابجر، وشبث بن ربعي، وشمر ابن ذي الجوشن، ليعاونوا عمر بن سعد على امره.
فاما شمر فنفذ لما وجهه له، واما شبث فاعتل بمرض.
فقال له ابن زياد: اتتمارض؟ ان كنت في طاعتنا فاخرج الى قتال عدونا.
فلما سمع شبث ذلك خرج، ووجه أيضا الحارث بن يزيد بن رويم.
قالوا: وكان ابن زياد إذا وجه الرجل الى قتال الحسين في الجمع الكثير، يصلون الى كربلاء، ولم يبق منهم الا القليل، كانوا يكرهون قتال الحسين، فيرتدعون، ويتخلفون.
فبعث ابن زياد سويد بن عبد الرحمن المنقرى في خيل الى الكوفه، وامره ان يطوف بها، فمن وجده قد تخلف أتاه به.
стр. 255
فبنيا هو يطوف في احياء الكوفه إذ وجد رجلا من اهل الشام قد كان قدم الكوفه في طلب ميراث له، فأرسل به الى ابن زياد، فامر به، فضربت عنقه.
فلما راى الناس ذلك خرجوا.
قالوا: وورد كتاب ابن زياد على عمر بن سعد، ان امنع الحسين واصحابه الماء، فلا يذوقوا منه حسوة [١] كما فعلوا بالتقى عثمان بن عفان.
فلما ورد على عمر بن سعد ذلك امر عمرو بن الحجاج ان يسير في خمسمائة راكب، فينيخ على الشريعه، ويحولوا بين الحسين واصحابه، وبين الماء، وذلك قبل مقتله بثلاثة ايام، فمكث اصحاب الحسين عطاشى.
قالوا: ولما اشتد بالحسين واصحابه العطش امر أخاه العباس بن على وكانت أمه من بنى عامر بن صعصعة ان يمضى في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا، مع كل رجل قربه حتى يأتوا الماء، فيحاربوا من حال بينهم وبينه.
فمضى العباس نحو الماء وامامهم نافع بن هلال حتى دنوا من الشريعه، فمنعهم عمرو بن الحجاج، فجالدهم العباس على الشريعه بمن معه حتى ازالوهم عنها، واقتحم رجاله الحسين الماء، فملئوا قربهم، ووقف العباس في اصحابه يذبون عنهم حتى أوصلوا الماء الى عسكر الحسين.
ثم ان ابن زياد كتب الى عمر بن سعد:
اما بعد، فانى لم ابعثك الى الحسين لتطاوله الأيام، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتكون شفيعه الى، فاعرض عليه، وعلى اصحابه النزول على حكمى، فان أجابوك فابعث به وباصحابه الى، وان أبوا فازحف اليه، فانه عاق شاق، فان لم تفعل فاعتزل جندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فانا قد امرناك بأمرنا.
فنادى عمر بن سعد في اصحابه ان انهدوا الى القوم.
стр. 256
فنهض اليهم عشيه الخميس وليله الجمعه لتسع ليال خلون من المحرم، فسألهم الحسين تاخير الحرب الى غد، فأجابوه.
قالوا: وامر الحسين اصحابه ان يضموا مضاربهم بعضهم من بعض، ويكونوا امام البيوت، وان يحفروا من وراء البيوت أخدودا، وان يضرموا فيه حطبا وقصبا كثيرا، لئلا يؤتوا من ادبار البيوت، فيدخلوها.
قالوا: ولما صلى عمر بن سعد الغداة نهد باصحابه، وعلى ميمنته عمرو بن الحجاج، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن واسم شمر شرحبيل بن عمرو بن معاويه، من آل الوحيد، من بنى عامر بن صعصعة وعلى الخيل عروه بن قيس، وعلى الرجاله شبث ابن ربعي، والراية بيد زيد مولى عمر بن سعد.
وعبى الحسين ع أيضا اصحابه، وكانوا اثنين وثلاثين فارسا واربعين راجلا، فجعل زهير بن القين على ميمنته، وحبيب بن مظهر على ميسرته، ودفع الراية الى أخيه العباس بن على، ثم وقف، ووقفوا معه امام البيوت.
وانحاز الحر بن يزيد الذى كان جعجع بالحسين الى الحسين، فقال له: قد كان منى الذى كان، وقد اتيتك مواسيا لك بنفسي، افترى ذلك لي توبه مما كان منى؟.
قال الحسين: نعم، انها لك توبه، فابشر، فأنت الحر في الدنيا، وأنت الحر في الآخرة، ان شاء الله.
قالوا: ونادى عمر بن سعد مولاه زيدا ان قدم الراية، فتقدم بها، وشبت الحرب.
فلم يزل اصحاب الحسين يقاتلون ويقتلون، حتى لم يبق معه غير اهل بيته.
فكان أول من تقدم منهم، فقاتل على بن الحسين، وهو على الاكبر، فلم يزل يقاتل حتى قتل، طعنه مره بن منقذ العبدى، فصرعه، وأخذته السيوف فقتل.
стр. 257
ثم قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل، رماه عمرو بن صبح الصيداوى، فصرعه.
ثم قتل عدى بن عبد الله بن جعفر الطيار، قتله عمرو بن نهشل التميمى.
ثم قتل عبد الرحمن بن عقيل بن ابى طالب، رماه عبد الله بن عروه الخثعمى بسهم، فقتله.
ثم قتل محمد بن عقيل بن ابى طالب، رماه لقيط بن ناشر الجهنى بسهم، فقتله.
ثم قتل القاسم بن الحسن بن على بن ابى طالب، ضربه عمرو بن سعد بن مقبل الأسدي.
ثم قتل ابو بكر بن الحسن بن على، رماه عبد الله بن عقبه الغنوي بسهم، فقتله.
قالوا: ولما راى ذلك العباس بن على قال لإخوته عبد الله، وجعفر، وعثمان، بنى على، عليه وعليهم السلام، وأمهم جميعا أم البنين العامريه من آل الوحيد: تقدموا، بنفسي أنتم، فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه.
فتقدموا جميعا.
فصاروا امام الحسين ع، يقونه بوجوههم ونحورهم.
فحمل هانئ بن ثويب الحضرمى على عبد الله بن على، فقتله.
ثم حمل على أخيه جعفر بن على، فقتله أيضا.
ورمى يزيد الأصبحي عثمان بن على بسهم، فقتله، ثم خرج اليه، فاحتز راسه، فاتى عمر بن سعد، فقال له: أثبني.
فقال عمر:
عليك باميرك يعنى عبيد الله بن زياد فسله ان يثيبك.
وبقي العباس بن على قائما امام الحسين يقاتل دونه، ويميل معه حيث مال، حتى قتل، ﵀ عليه.
стр. 258
وبقي الحسين وحده، فحمل عليه مالك بن بشر الكندى، فضربه بالسيف على راسه، وعليه برنس خز، فقطعه، وافضى السيف الى راسه، فجرحه.
فالقى الحسين البرنس، ودعا بقلنسوه، فلبسها، ثم اعتم بعمامة، وجلس، فدعا بصبى له صغير، فاجلسه في حجره، فرماه رجل من بنى اسد، وهو في حجر الحسين بمشقص [١] ، فقتله.
وبقي الحسين ع مليا جالسا، ولو شاءوا ان يقتلوه قتلوه، غير ان كل قبيله كانت تتكل على غيرها، وتكره الاقدام على قتله.
وعطش الحسين، فدعا بقدح من ماء.
فلما وضعه في فيه رماه الحصين بن نمير بسهم، فدخل فمه، وحال بينه وبين شرب الماء، فوضع القدح من يده.
ولما راى القوم قد أحجموا عنه قام يتمشى على المسناه [٢] نحو الفرات، فحالوا بينه وبين الماء، فانصرف الى موضعه الذى كان فيه.
فانتزع له رجل من القوم بسهم، فاثبته في عاتقه، فنزع ع السهم.
وضربه زرعه بن شريك التميمى بالسيف، واتقاه الحسين بيده، فاسرع السيف في يده.
وحمل عليه سنان بن أوس النخعى، فطعنه، فسقط.
ونزل اليه حولي بن يزيد الأصبحي ليحز راسه، فارعدت يداه.
فنزل اخوه شبل بن يزيد، فاحتز راسه، فدفعه الى أخيه حولي.
ثم مال الناس على ذلك الورس الذى كان اخذه من العير، والى ما في المضارب، فانتهبوه.
стр. 259
ولم ينج من اصحاب الحسين ع وولده وولد أخيه الا ابناه، على الاصغر، وكان قد راهق، والا عمر، وقد كان بلغ اربع سنين.
ولم يسلم من اصحابه الا رجلان، أحدهما المرقع بن ثمامة الأسدي، بعث به عمر بن سعد الى ابن زياد فسيره الى الربذة [١] ، فلم يزل بها حتى هلك يزيد، وهرب عبيد الله الى الشام، فانصرف المرقع الى الكوفه، والآخر مولى لرباب، أم سكينه، اخذوه بعد قتل الحسين، فأرادوا ضرب عنقه، فقال لهم: انى عبد مملوك. فخلوا سبيله.
وبعث عمر بن سعد برأس الحسين من ساعته الى عبيد الله بن زياد مع خولى ابن يزيد الأصبحي.
واقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين يومين، ثم آذن في الناس بالرحيل، وحملت الرءوس على اطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين راسا، جاءت هوازن منها باثنين وعشرين راسا، وجاءت تميم بسبعه عشر راسا مع الحصين بن نمير، وجاءت كنده بثلاثة عشر راسا مع قيس بن الاشعث، وجاءت بنو اسد بسته رءوس مع هلال الأعور، وجاءت الأزد بخمس رءوس مع عيهمه بن زهير، وجاءت ثقيف باثنى عشر راسا مع الوليد بن عمرو.
وامر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في المحامل المستوره على الإبل. وكانت بين وفاه رسول الله ص وبين قتل الحسين خمسون عاما.
قالوا: ولما ادخل راس الحسين ع على ابن زياد فوضع بين يديه جعل ابن زياد ينكت بالخيزرانه ثنايا [٢] الحسين، وعنده زيد بن ارقم، صاحب رسول الله ص، فقال له:
стр. 260
مه، ارفع قضيبك عن هذه الثنايا، فلقد رايت رسول الله ص يلثمها.
ثم خنقته العبرة، فبكى.
فقال له ابن زياد: مم تبكي؟ ابكى الله عينيك، والله لولا انك شيخ قد خرفت لضربت عنقك.
قالوا: وكانت الرءوس قد تقدم بها شمر بن ذي الجوشن امام عمر بن سعد.
قالوا: واجتمع اهل الغاضرية فدفنوا اجساد القوم.
وروى عن حميد بن مسلم قال: كان عمر بن سعد لي صديقا، فأتيته عند منصرفه من قتال الحسين، فسألته عن حاله، فقال: لا تسال عن حالي، فانه ما رجع غائب الى منزله بشر مما رجعت به، قطعت القرابة القريبه، وارتكبت الأمر العظيم.
قالوا: ثم ان ابن زياد جهز على بن الحسين ومن كان معه من الحرم، ووجه بهم الى يزيد بن معاويه مع زحر بن قيس ومحقن بن ثعلبه، وشمر بن ذي الجوشن.
فساروا حتى قدموا الشام، ودخلوا على يزيد بن معاويه بمدينه دمشق، وادخل معهم راس الحسين، فرمى بين يديه.
ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن، فقال:
يا امير المؤمنين، ورد علينا هذا في ثمانية عشر رجلا من اهل بيته، وستين رجلا من شيعته، فصرنا اليهم، فسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد، او القتال، فغدونا عليهم عند شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل جانب، فلما أخذت السيوف منهم ماخذها جعلوا يلوذون الى غير وزر [١] ، لوذان الحمام من الصقور، فما كان الا مقدار جزر [٢] جزوز، او نوم قائل [٣] حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك
стр. 261
اجسادهم مجرده، وثيابهم مرمله، وخدودهم معفره، تسفى عليهم الرياح، زوارهم العقبان [١] ، ووفودهم الرخم [٢] .
فلما سمع ذلك يزيد دمعت عينه وقال: ويحكم، قد كنت ارضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجان، اما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه، رحم الله أبا عبد الله.
ثم تمثل:
نفلق هاما من رجال أعزة ... علينا، وهم كانوا اعق واظلما
ثم امر بالذرية فادخلوا دار نسائه.
وكان يزيد إذا حضر غذاؤه دعا على بن الحسين وأخاه عمر فيأكلان معه، فقال ذات يوم لعمر بن الحسين:
هل تصارع ابنى هذا؟ يعنى خالدا، وكان من اقرانه.
فقال عمر: بل أعطني سيفا، وأعطه سيفا حتى اقاتله، فتنظر أينا اصبر.
فضمه يزيد اليه، وقال: شنشنة اعرفها من اخزم [٣] ، هل تلد الحيه الا حيه.
قال: ثم امر بتجهيزهم باحسن جهاز، وقال لعلى بن الحسين: انطلق مع نسائك حتى تبلغهن وطنهن.
ووجه معه رجلا في ثلاثين فارسا، يسير امامهم، وينزل حجره عنهم، حتى انتهى بهم الى المدينة.
стр. 262
قالوا: وان عبيد الله بن الحر ندم على تركه اجابه الحسين حين دعاه بقصر بنى مقاتل الى نصرته، وقال:
فيا لك حسره ما دمت حيا ... تردد بين حلقى والتراقى
حسين حين يطلب بذل نصري ... على اهل العداوة والشقاق
فما انسى غداه يقول حزنا ... اتتركني وتزمع لانطلاق؟
فلو فلق التلهف قلب حي ... لهم القلب منى بانفلاق
ثم مضى نحو ارض الجبل مغاضبا لابن زياد، واتبعه اناس من صعاليك الكوفه.
عبد الله بن الزبير
قالوا: وان ابن الزبير لما سار الى مكة وخرج الحسين عنها سائرا الى الكوفه كان يقول: انى في الطاعة، غير انى لا ابايع أحدا، وانا مستجير بالبيت الحرام.
فبعث اليه يزيد بن معاويه رجلا في عشره نفر من حرسه، وقال:
انطلق، فانظر ما عنده، فان كان في الطاعة فخذه بالبيعه، وان ابى فضع في عنقه جامعه [١] وائتنى به.
فلما قدم الحرسى عليه، واخبره بما أتاه فيه تمثل ابن الزبير:
ما ان الين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
وقال للحرسى: انصرف الى صاحبك، فاعلمه اننى لا اجيبه الى شيء مما يسألني.
قال الحرسى: الست في الطاعة؟
قال: بلى، غير انى لا امكنك من نفسي، ولا اكاد.
فانصرف الحرسى الى يزيد، فاخبره بذلك.
стр. 263
فوجه يزيد بعشره نفر من اشراف اهل الشام، فيهم النعمان بن بشير، وعبد الله بن عضاه الأشعري وكان له صلاح، ومسلم بن عقبه لعنه الله فقال لهم:
انطلقوا، فاعيدوه الى الطاعة والجماعه واعلموه، ان أحب الأمور الى ما فيه السلامة.
فساروا حتى وافوا مكة، ودخلوا على ابن الزبير في المسجد، فدعوه الى الطاعة وسألوه البيعه.
فقال ابن الزبير لابن عضاه:
اتستحل قتالى في هذا الحرم؟
قال: نعم، ان أنت لم تجب الى طاعه امير المؤمنين.
قال ابن الزبير: وتستحل قتل هذه الحمامة؟ واشار الى حمامه من حمام المسجد.
فاخذ ابن عضاه قوسه، وفوق فيها سهما، فبواه [١] نحو الحمامه، ثم قال: يا حمامه، اتعصين امير المؤمنين؟
والتفت الى ابن الزبير، وقال: اما لو انها قالت نعم لقتلتها.
وان ابن الزبير خلا بنعمان بن بشير، فقال: أنشدك الله، انا افضل عندك أم يزيد؟
فقال: بل أنت.
فقال: فوالدى خير أم والده؟
قال: بل والدك.
قال: فامى خير أم أمه؟
قال: بل أمك.
قال: فخالتى خير أم خالته؟
قال: بل خالتك.
стр. 264
قال: فعمتى خير أم عمته؟
قال: بل عمتك، ابوك الزبير، وأمك أسماء ابنه ابى بكر، وخالتك عائشة، وعمتك خديجه بنت خويلد.
قال: افتشير على بمبايعه يزيد؟
قال النعمان: اما إذا استشرتنى فلا ارى لك ذلك، ولست بعائد إليك بعد هذا ابدا.
ثم ان القوم انصرفوا الى الشام، فاعلموا يزيد ان ابن الزبير لم يجب الى شيء.
قال مسلم بن عقبه المري ليزيد: يا امير المؤمنين، ان ابن الزبير خلا بالنعمان ابن بشير، فكلمه بشيء، لم ندر ما هو، وقد انصرف إليك بغير رايه الذى خرج من عندك.
ولما انصرف القوم من عند ابن الزبير جمع ابن الزبير اليه وجوه اهل تهامه والحجاز، فدعاهم الى بيعته، فبايعوه جميعا، وامتنع عليه عبد الله بن عباس، ومحمد بن الحنفيه.
وان ابن الزبير امر بطرد عمال يزيد من مكة والمدينة، وارتحل مروان من المدينة بولده واهل بيته حتى لحق بالشام.
ولما انتهى الى يزيد بن معاويه مبايعه اهل تهامه والحجاز لعبد الله بن الزبير ندب له الحصين بن نمير السكوني، وحبيش بن دلجه القينى، وروح بن زنباع الجذامى، وضم الى كل واحد منهما جيشا، واستعمل عليهم جميعا مسلم بن عقبه المري، وجعله امير الأمراء، وشيعتهم حتى بلغ ماء، يقال له وبره، وهي اقرب مياه الشام الى الحجاز.
فلما ودعهم قال يا مسلم:
لا تردن اهل الشام عن شيء يريدونه بعدوهم، واجعل طريقك الى المدينة، فان حاربوك فحاربهم، فان ظفرت بهم، فانهبها ثلاثة ايام.
ثم أنشأ يقول:
стр. 265
ابلغ أبا بكر إذا الخيل انبرى ... وسارت الخيل الى وادي القرى [١] .
اجمع سكران من الخمر ترى
وذلك ان ابن الزبير كان يسمى يزيد السكران.
ولما بلغ اهل المدينة وصول الجيش تأهبوا للحرب، فولت قريش عليها عبد الله ابن مطيع العدوى، وولت الانصار عليها عبد الله بن حنظله الراهب وهو غسيل الملائكة ثم خرجوا الى الحره، فعسكروا بها.
ففي ذلك يقول شاعرهم:
ان في الخندق المكلل بالمجد ... لضربا يفور بالسنوات
لست منا، وليس خالك منا ... يا مضيع الصلاة للشهوات
ووافاهم الجيش، فقاتلوهم حتى كثرت القتلى.
واقبلت طائفه من اهل الشام، فدخلوا المدينة من قبل بنى حارثة، وهم الذين قالوا إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ [٢] ، فلم يشعر القوم، وهم يقاتلون من يليهم، الا واهل الشام يضربونهم من ادبارهم، فقتل عبد الله بن حنظله امير الانصار، وقتل عمرو بن حزم الأنصاري قاضى المدينة، واستباح اهل الشام المدينة ثلاثة ايام بلياليها.
فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبه، فدعاهم الى البيعه، فكان أول من أتاه يزيد بن عبد الله بن ربيعه بن الأسود، وجدته أم سلمه زوج النبي ص.
فقال له مسلم: بايعنى.
قال: ابايعك على كتاب الله وسنه نبيه ص.
فقال مسلم بل بايع على انكم فيء لأمير المؤمنين، يفعل في أموالكم وذراريكم ما يشاء.
فأبى ان يبايع على ذلك، فامر به، فضربت عنقه.
стр. 266
ثم تقدم محمد بن ابى الجهم بن حذيفة العدوى، فقال له مسلم:
أنت الذى وفدت على امير المؤمنين، فاكرمك وحباك، فرجعت الى المدينة تشهد عليه بشرب الخمر، والله لا تشهد بشهاده زور ابدا، اضربوا عنقه.
فضربت عنقه.
ثم تقدم معقل بن سنان الاشجعى، وكان حليفا لبنى هاشم، فقال له مسلم: اتذكر يوما مررت بي بطبريه [١] ، فقلت لك، من اين اقبلت؟ فقلت، سرنا شهرا، وانضينا ظهرا، ورجعنا صفرا، وسناتى المدينة فنخلع الفاسق يزيد بن معاويه، ونبايع رجلا من اولاد المهاجرين؟
فاعلم انى كنت آليت ذلك اليوم الا اقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك الا قتلتك، وقد أمكنني الله منك يا احمق، ما اشجع والخلافه؟! فتعزل وتولى، اضربوا عنقه.
ثم تقدم عمرو بن عثمان، فقال له:
أنت الخبيث ابن الطيب، الذى إذا ظهر اهل الشام قلت انا ابن عثمان بن عفان، وإذا ظهر اهل الحجاز قلت انا واحد منكم، وأنت في ذلك تبغى امير المؤمنين الغوائل، انتفوه.
فنتفت لحيته، حتى ما تركت فيها شعره.
فقام اليه عبد الملك بن مروان، فاستوهبه، فوهبه له.
ثم أتاه على بن الحسين بن على بن ابى طالب، فاجلسه معه على ثيابه وفراشه، وقال:
ان امير المؤمنين قد أوصاني بك.
فقال على: انى كنت لما فعل اهل المدينة كارها.
قال: اجل.
ثم حمله على بغله، وصرفه الى منزله.
стр. 267
وبعث الى على بن عبد الله بن عباس ليؤتى به للبيعه، فاخرج من منزله، فاقبلوا به.
فلقيه الحصين بن نمير، فانتزعه من يد الجلاوزة [١] .
وكان الحصين من اخوال على بن عبد الله.
فقال مسلم: انى انما بعثت اليه للبيعه، فائتنى به.
فأرسل اليه الحصين، فجاء حتى بايع.
وأرسلت بنت الاشعث بن قيس، وكانت امراه الحسين بن على، الى مسلم ابن عقبه تعلمه ان منزلها انتهب، فامر برد جميع ما أخذ لها.
ثم شخص بالجيش الى مكة، وكتب الى يزيد بما صنع بالمدينة، فتمثل يزيد.
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل [٢]
حين حكت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل
فلما بلغ ابن عقبه هرشى [٣] اعتل، واشتدت علته، ونزل به الموت، فقال: أسندوني. فاسند، فقال:
ان امير المؤمنين أمرني ان حدث بي في وجهى هذا حدث ان استخلف الحصين ابن نمير على الجيش، ولو كان الأمر الى ما استخلفته، لان من شان اليمانيه الرقة، غير انى لا اعصى امير المؤمنين.
ثم قال: يا حصين، إذا وافيت مكة فناجز ابن الزبير الحرب من يومك، ولا ترد اهل الشام عن شيء يريدونه بعدوهم، ولا تجعل اذنك وعاء لقريش فيخدعوك.
ثم مات، وكانت به الذبحه.
فتولى امر الجيش الحصين بن نمير، فسار حتى وافى مكة.
وتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع من كان معه، ونصب
стр. 268
الحصين المجانيق على جبل ابى قبيس [١] ، وكانوا يرمون اهل المسجد.
فبيناهم كذلك إذ ورد على الحصين بن نمير موت يزيد بن معاويه، فأرسل الى عبد الله بن الزبير: ان الذى وجهنا لمحاربتك قد هلك، فهل لك في الموادعة؟
وتفتح لنا الأبواب، فنطوف بالبيت، ويختلط الناس بعضهم ببعض. فقبل ذلك ابن الزبير، وامر بأبواب المسجد، ففتحت، فجعل الحصين واصحابه يطوفون بالبيت.
فبينا الحصين يطوف بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير، فاخذ الحصين بيده، فقال له سرا:
هل لك في الخروج معى الى الشام؟ فادعو الناس الى بيعتك، فان امرهم قد مرج [٢] ، ولا ارى أحدا أحق بها اليوم منك، ولست اعصى هناك.
فاجتذب عبد الله بن الزبير يده من يده، وقال، وهو يجهر بقوله: دون ان اقتل بكل رجل من اهل الحجاز عشره من اهل الشام.
فقال الحصين: لقد كذب من زعم انك من دهاه العرب، اكلمك سرا، وتكلمني علانية، وادعوك الى الخلافه وتدعوني الى الحرب.
ثم انصرف في اصحابه الى الشام، ومر بالمدينة، فبلغه انهم على محاربته ثانيا.
فجمع اليه أهلها، وقال: ما هذا الذى بلغنى عنكم؟ فاعتذروا اليه، وقالوا: ما هممنا بذلك.
وذكر ابو هرون العبدى، قال: رايت أبا سعيد الخدرى، ولحيته بيضاء، وقد خف جانباها، وبقي وسطها، فقلت: يا أبا سعيد، ما حال لحيتك؟
стр. 269
فقال: هذا فعل ظلمه اهل الشام يوم الحره، دخلوا على بيتى، فانتهبوا ما فيه حتى أخذوا قد حي الذى كنت اشرب فيه الماء، ثم خرجوا، ودخل على بعدهم عشره نفر، وانا قائم اصلى، فطلبوا البيت، فلم يجدوا فيه شيئا، فاسفوا لذلك، فاحتملوني من مصلاي، وضربوا بي الارض، واقبل كل رجل منهم على ما يليه من لحيتي، فنتفه، فما ترى منها خفيفا فهو موضع النتف، وما تراه عافيا فهو ما وقع في التراب، فلم يصلوا إليها، وسادعها كما ترى حتى اوافى بها ربى.
الخوارج
قالوا: وفي سنه ثمانين تفاقم امر الازارقه الخوارج، وانما سموا ازارقه برئيسهم نافع بن الأزرق.
وكان أول خروجهم في اربعين رجلا، وفيهم من عظمائهم نافع بن الأزرق، وعطية بن الأسود، وعبد الله بن صبار، وعبد الله بن اباض، وحنظله بن بيهس، وعبيد الله بن ماحوز، وذلك في سلطان يزيد.
وعلى البصره يومئذ عبيد الله بن زياد، فوجه اليهم عبيد الله اسلم بن ربيعه في الفى فارس، فلحقهم بقرية من الاهواز تدعى آسك [١] مما يلى فارس، فواقعهم، فقتلت الخوارج من اصحاب ابن ربيعه خمسين رجلا، فانهزم اسلم، فأنشأ رجل من الخوارج يقول:
األفا مؤمن منكم زعمتم ... ويهزمكم بأسك اربعونا؟
كذبتم، ليس ذاك كما زعمتم ... ولكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليله قد علمتم ... على الفئة الكثيره ينصرونا
أطعتم امر جبار عنيد ... وما من طاعه للظالمينا
стр. 270
فاغتاظ ابن زياد من ذلك، فكان لا يدع بالبصرة أحدا ممن يتهم براى الخوارج الا قتله، حتى قتل بالتهمة والظنه تسعمائة رجل.
ولم يزل يتفاقم امر الخوارج، ويتحلب اليهم من كان على رأيهم وهواهم من اهل البصره حتى كثروا بعد موت يزيد، وهرب عبيد الله بن زياد من العراق.
وخاف اهل البصره الخوارج على انفسهم، ولم يكن يومئذ عليهم سلطان، فاجتمعوا على مسلم بن عبيس القرشي، ووجهوا معه خمسه آلاف فارس من ابطال البصره، فسار اليهم، فلحقهم بمكان يسمى الدولاب [١] فالتقوا واقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، وصاروا الى المكادمة، فقتل مسلم بن عبيس، وانهزم اصحابه.
فقال رجل من الأزد:
قد رمينا العدو إذ عظم الخطب ... بذى الجود مسلم بن عبيس
فانظروا غير مسلم بن عبيس ... فاطلبوه من حيث اين وليس [٢]
لو رموا بالمهلب بن ابى صفره ... كانوا له كاكله حيس [٣]
وكان المهلب يومئذ بخراسان على ولايتها.
فخاف اهل البصره حين قتل مسلم بن عبيس خوفا شديدا من الخوارج، فاختاروا عثمان بن معمر القرشي، وانتدب معه زهاء عشره آلاف رجل من ابطالهم، فسار بهم عثمان في طلب الخوارج، فلحقهم بفارس، فاقتتلوا، فقتل عثمان، وانهزم اصحابه.
فكتب اهل البصره الى عبد الله بن الزبير يعلمونه انه لا امام لهم، ويسالونه ان يوجه اليهم رجلا من قبله يتولى الأمر.
стр. 271
فوجه اليهم الحارث بن عبد الله بن ابى ربيعه المخزومي، فقدم البصره، وتولى الأمر بها، فدعا وجوه اهل البصره، فاستشارهم في رجل يوليه حرب الخوارج، فكلهم قالوا: عليك بالمهلب بن ابى صفره.
وقام رجل من اهل البصره يعرف بابن عراده، فانشده:
مضى ابن عبيس مسلم لسبيله ... فقام لها الشيخ الحجازي عثمان
فارعد من قبل اللقاء ابن معمر ... وابرق، والبرق الحجازي خوان
ولم ينك عثمان جناح بعوضة ... واضحى عدو الدين مثل الذى كانوا
وليس لها الا المهلب انه ... مليء بأمر الحرب، شيخ له شان
إذا قيل من يحمى العراقين أومأت ... اليه معد بالاكف، وقحطان
فذاك امرؤ ان يلقهم يطف نارهم ... وليس لها الا المهلب انسان
حرب المهلب مع الخوارج
فقال الأحنف بن قيس للحارث بن عبد الله: ايها الأمير، اكتب الى امير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وسله ان يكتب الى المهلب بان يخلف على خراسان رجلا، ويسير الى الخوارج، فيتولى محاربتهم. فكتب.
فلما انتهى كتابه الى عبد الله بن الزبير كتب الى المهلب:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله امير المؤمنين الى المهلب بن ابى صفره، اما بعد، فان الحارث بن عبد الله كتب الى يخبرني ان الازارقه المارقه قد سعرت نارها، وتفاقم امرها، فرايت ان اوليك قتالهم لما رجوت من قيامك، فتكفى اهل مصرك شرهم، وتؤمن روعتهم، فخلف بخراسان من يقوم مقامك من اهل بيتك، وسر حتى توافى البصره، فتستعد منها بافضل عدتك، وتخرج اليهم، فانى أرجو ان ينصرك الله عليهم، والسلام.
فلما وصل كتابه الى المهلب خلف على خراسان.
стр. 272
واقبل حتى وافى البصره، فصعد على المنبر، وكان نزر الكلام وجيزه، فقال:
ايها الناس، انه قد غشيكم عدو جاحد، يسفك دماءكم، وينتهب أموالكم، فان أعطيتموني خصالا اسالكموها قمت لكم بحربهم، واستعنت بالله عليهم، والا كنت كواحد منكم لمن تجتمعون عليه في امركم.
قالوا: وما الذي تريد؟
قال: انتخب منكم أوساطكم، لا الغنى المثقل، ولا السبروت [١] المخف، وعلى ان لي ما غلبت عليه من الارض، والا اخالف فيما ادبر من رأيي في حربهم، واترك ورأيي الذى أراه، وتدبيرى الذى ادبره.
فناداه الناس: لك ذلك، وقد رضينا به.
فنزل من المنبر، واتى منزله، وامر بديوان الجند، فاحضر، فانتخب من ابطال اهل البصره عشرين الف رجل، فيهم من الأزد ثمانية آلاف رجل، وبقيتهم من سائر العرب، وولى ابنه المغيره مقدمته في ثلاثة آلاف رجل.
وسار حتى اتى الخوارج، وهم بنهر تستر [٢] ، فواقعهم، فهزمهم، حتى بلغوا الاهواز، فقال زياد الأعجم في ذلك:
جزى الله خيرا، والجزاء بكفه ... أخا الأزد عنا ما أذب واحربا
ولما رأينا الأمر قد جد جده ... والا توارى دوننا الشمس كوكبا
دعونا أبا غسان، فاستك سمعه ... واحنف طأطأ راسه، وتهيبا
وكان ابن منجوف لكل عظيمة ... فقصر عنها حبله وتذبذبا
فلما رأينا القوم قد كل حدهم ... لدى حربهم فيها دعونا المهلبا
стр. 273
واقام المهلب بالجسر بعد ان هزم الخوارج اربعين يوما، ثم ارتحل سائرا في آثارهم.
فبلغ ذلك نافع بن الأزرق، فأقام بالاهواز حتى وافاه المهلب، فواقعهم بمكان يسمى نسلى [١] ، فقاتلهم يوما الى الليل، واصابته ضربه في وجهه، أغمي عليه منها، فقال الناس قتل الأمير، فازدادوا لذلك حنقا وجدا، وقتلوا من الخوارج بشرا كثيرا، وقتل رئيسهم نافع بن الأزرق، وانهزمت الخوارج نحو فارس.
وبلغ اهل البصره ان المهلب قتل، فرج المصر باهله، وهم أميرهم الحارث ابن ابى ربيعه ان يهرب، فكتب اليه رجل من بنى يشكر:
أيا حار، يا ابن السادة الصيد، هب لنا ... مقامك، لا ترحل ولم يأتك الخبر
فان كان اودى بالمهلب يومه ... فقد كسفت في أرضنا الشمس والقمر
وما لك من بعد المهلب عرجه ... وما لك بالمصرين سمع ولا بصر
فدونك، فالحق بالحجاز، ولا تقم ... ببلدتنا، ان المقام بها خطر
وان كان حيا كنت بالمصر آمنا ... وكان بقاء المرء فينا هو الظفر
وقال رجل من بنى سعد:
الا كل ما ياتى من الأمر هين ... علينا يسير عند فقد المهلب
فان يك قد اودى فما نحن بعده ... بامنع من شاء عجاف لاذؤب [٢]
نعوذ بمن ارسى ثبيرا مكانه ... ومرسى حراء والقديد وكبكب [٣]
من الخبر الملقى على الحور حذرها ... ويشجى به ما بين بصرى ويثرب
стр. 274
فاقبل البشير الى اهل البصره بسلامه المهلب، فاستبشروا بذلك، واطمأنوا، واقام أميرها بعد ان هم بالهرب.
فقال رجل من بنى ضبة:
ان ربا انجى المهلب ذا ... الطول لأهل ان تحمدوه كثيرا
لا يزال المهلب بن ابى صفره ... ما عاش بالعراق أميرا
فإذا مات فالرجال نساء ... ما يساوى من بعده قطميرا [١]
قد أمنا بك العدو على المصر ... ووقرت منبرا وسريرا
وقال رجل من الخوارج في قتل نافع بن الأزرق:
شمت المهلب، والحوادث جمة ... والشامتون بنافع بن الأزرق
ان مات غير مداهن في دينه ... ومتى يمر بذكر نار يصعق
والموت امر لا محاله واقع ... من لا يصبحه نهارا يطرق
فلئن منينا بالمهلب انه ... لأخو الحروب وليث اهل المشرق
ولعله يشجى بنا ولعلنا ... نشجى به في كل ما قد نلتقي
بالسمر نختطف النفوس ذوابلا ... وبكل ابيض صارم ذي رونق
فيذيقنا في حربنا، ونذيقه ... كل مقالته لصاحبه ذق
وبلغ عبد الله بن الزبير ما كان من عزم عامله بالبصرة على الهرب، فعزله، وولى أخاه مصعبا، فسار مصعب حتى قدمها، وتولى امر جميع العراقين، وفارس والاهواز.
стр. 275
ولما قتل نافع بن الأزرق اجتمعت الخوارج، فولوا على انفسهم عبد الله ابن ماحور [١] ، وكان من نساكهم.
وبلغ ذلك المهلب، فسار من الاهواز في طلبهم حتى وافاهم بمدينه سابور من ارض فارس، فالتقوا، فاقتتلوا، وانهزمت الخوارج في آخر النهار حتى انتهوا الى مكان يدعى كركان [٢] واتبعهم المهلب، فوافاهم، فالتقوا به في يوم شديد المطر، فقاتلهم، فهزمهم، فأخذوا نحو كرمان [٣] فلم يزل المهلب يسير في طلبهم من بلد الى بلد، ويواقعهم وقعه بعد وقعه طول ما ملك عبد الله بن الزبير الى مقتله، وخلوص الأمر لعبد الملك بن مروان.
فلما استدف الأمر لعبد الملك، وولى الحجاج العراقين استبطأ المهلب في استئصال الخوارج، وظن انه يهوى مطاولتهم، فبعث اليه عبد الأعلى بن عبد الله العامري، وعبد الرحمن بن سبره، وقال لهما احملاه على مناجزة القوم وترك مطاولتهم.
فقدما عليه، فأخبراه بما بعثا له، فقال لهما:
أقيما حتى تعاينا ما نحن فيه، فان الحجاج أتاه السماع فقبله، وأتاه العيان فرده، وقد حملني على خلاف الرأي، وزعم انه الشاهد وانا الغائب.
ثم سار نحو الخوارج فلحقهم بأداني ارض كرمان، فواقعهم، وامامه ابنه المفضل، فقتل رئيس الخوارج عبد الله بن ماحور، وانهزموا حتى توسطوا ارض كرمان، وولوا على انفسهم رجلا من نساكهم، يسمى قطري بن الفجاءه.
ثم ان المهلب انصرف الى بلد سابور، فوافاهم يوم النحر، فخرج بالناس الى المصلى.
стр. 276
فبينا هو يخطب الناس على المنبر، وقد صلى بهم إذ اقبلت الخوارج، فقال: سبحان الله، افي مثل هذا اليوم يأتوننا؟ ما ابغض الى المحاربة فيه، ولكن الله تعالى يقول: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ، وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [١] ثم نزل عن المنبر، ونادى في اصحابه، فركبوا واستلاموا، واستقبلوا الخوارج، فحملت عليهم الخوارج، وامامهم عظيم منهم يسمى عمرو القنا وكان من فرسانهم، وهو يرتجز:
نحن صبحناكم غداه النحر ... بالخيل امثال الوشيج تسرى [٢]
يقدمها عمرو القنا في الفجر ... الى اناس لهجوا بالكفر
اليوم اقضى في العدو نذرى
ثم اقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، وكثرت بينهم القتلى، فلم يزل كل فريق منهما على مكانه حتى حال بينهم الليل، وانحازت الخوارج الى كازرون [٣] .
وسار اليهم المهلب فواقعهم بكازرون، فاسرع المهلب في الخوارج، فتفرقوا [٤] في تلك الوقعه، وصاروا سياره، وخرجوا الى تخوم اصطخر، واتبعهم المهلب.
فتواقف الفريقان، وحمل بعضهم على بعض، وامام الخوارج رجل يرتجز:
حتى متى يتبعنا المهلب ... ليس لنا في الارض منه مهرب
ولا السماء، اين اين المذهب؟
стр. 277
فلما سمع قطري ذلك بكى، ووطن نفسه على الموت، وباشر الحرب بنفسه، وهو يرتجز:
حتى متى تخطئنى الشهاده ... والموت في أعناقنا قلاده
ليس الفرار في الوغى بعاده ... يا رب زدني في التقى عباده
وفي الحياه بعدها زهاده
فاقتتلوا يومهم حتى حال بينهم الليل.
ومضى قطري في اصحابه نحو جيرفت [١] ، وهم بالهرب الى كرمان، فقال رجل من اصحابه:
أيا قطري الخير ان كنت هاربا ... ستلبسنا عارا وأنت مهاجر
إذا قيل قد جاء المهلب اسلمت ... له شفتاك الفم، والقلب طائر
فحتى متى هذا الفرار مخافة ... وأنت ولى، والمهلب كافر
ولما رات الخوارج نكول قطري عن الحرب، وما هم به من الفرار خلعوه عنهم، وولوا عبد ربه وكان من نساكهم، فسار بهم الى قومس [٢] ، فأقام بها.
المهلب والحجاج
وان الحجاج كتب الى المهلب:
اما بعد، فقد طاولت القوم وطاولوك، حتى ضروا بك ومرنوا على حربك، ولعمري لو لم تطاولهم لا نحسم الداء وانفصم القرن، وما أنت والقوم سواء، ان
стр. 278
خلفك رجالا واموالا، والقوم لا رجال عندهم ولا اموال، ولن يدركك الوجيف [١] بالدبيب، ولا الجد بالتعذير، وقد بعثت إليك عبيد الله بن موهب، ليأخذك بمناجزه القوم وترك مطاولتهم، والسلام.
فلما قدم عبيد الله بن موهب على المهلب بكتاب الحجاج كتب اليه في جوابه:
اما بعد، فانه أتاني من قبلك رجلان، لم أعطهما على الصدق ثمنا، ولم احتج مع العيان الى التقدير، ولم يكذبا فيما انباك به من امرى وامر عدوى، والحرب لا يدركها الا المكيث، ولا بد لها من فرجه يستريح فيها الغالب، ويحتال فيها الغالب، ويحتال فيها المغلوب، فاما ان انساهم وينسونى فهيهات من ذلك، والقوم سدى، فان طمعوا أقاموا، وان يئسوا هربوا، فعلى في مقامهم القتال والحرب، وفي هربهم الجد والطلب، وانا إذا طاولتهم شاركتهم في رأيهم، وإذا عاجلتهم شركونى في رأيي، فان خليتني ورأيي فذاك داء محسوم وقرن مفصوم، وان عجلتنى لم اطعك ولم اعصك، وكان وجهى إليك باذن منك، وانا اعوذ بالله من سخط الأمراء ومقت الأئمة، والسلام.
فلما قرأ الحجاج كتابه كتب الى المهلب: انى قد رددت الرأي إليك، فدبر ما ترى، واعمل ما تريد.
فلما أتاه كتاب الحجاج بذلك نشط لطلب الخوارج.
وسار في طلبهم الى ارض قومس، فهربوا منه، فاتوا جيرفت وتحصنوا في مدينه هناك، فخرج خلفهم، وحاصرهم في تلك المدينة حتى أكلوا خيلهم.
وامر المهلب ابنه يزيد ان يقيم عليهم أياما، ثم يخلى لهم عن الباب، فإذا خرجوا واصحروا اتبعهم.
وتنحى المهلب فعسكر على خمسه فراسخ، واقام عليهم يزيد أياما، ثم خلى لهم عن الباب، فخرجوا، واتبعهم المهلب.
стр. 279
فسار في طلبهم يومين حتى لحقهم، فوقفوا له، فاقتتلوا يوما كله، ثم غدوا في اليوم الثانى على الحرب، فناداهم عبد ربه: يا معشر المهاجرين، روحوا بنا الى الجنه، فان القوم رائحون الى النار.
فاطعنوا بالرماح حتى تكسرت، واضطربوا بالسيوف حتى تقطعت، ثم صاروا الى المعانقه، فترجل المهلب في حماته، وحمل عليهم، وهو يتلو قول الله : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [١] .
فلم يزالوا يقتتلون حتى حال بينهم الليل، ثم غدوا على الحرب، وقد كسرت الخوارج جفون سيوفهم، وحلقوا رءوسهم، فاقتتلوا، فقتل عبد ربه، وجميع ابطاله، ولم يبق الا ضعفاؤهم، فدخلوا في عسكر المهلب، وانضم كل رجل الى عشيرته من اصحاب المهلب.
فنزل المهلب عن فرسه، وقال الحمد لله الذى ردنا الى الأمن، وكفانا مئونه الحرب، وكفى امر هذا العدو.
ووجه بشر بن مالك الحرسى الى الحجاج يبشره بالفتح، وكتب معه كتاب الظفر.
فلما وصل الكتاب الى الحجاج وجه به الى عبد الملك، وقام بشر بن مالك، فأنشأ يقول:
قد حسمنا داء الازارقه الدهر ... ، فاضحوا طرا، كال ثمود
بطعان الكماة في ثغر القوم ... وضرب يشيب راس الوليد
كلما شئت راعنى قطري ... فوق عبل الشوى أقب عنود [٢] .
معلما يضرب الكتيبة بالسيف ... ، وعمرو «كالنار ذاتِ الْوَقُودِ»
стр. 280
وكتب الحجاج الى المهلب يأمره بالقدوم عليه.
فسار حتى قدم على الحجاج، فاستقبله الحجاج، واظهر بره وإكرامه، وامر له بالجوائز والصلات، وامر لولده وكانوا سبعه المغيره، وحبيب، ويزيد، والمفضل، ومدرك، ومحمد، وعبد الملك، وعبد الله، واكرم اصحاب المهلب.
قتل قطري بن الفجاءه
ولحق قطري بالري، فوجه الحجاج سفيان بن الأبرد حتى اتى الري، وعليها اسحق بن محمد بن الاشعث، فركب معه في مائه فارس من جنده، وسارا حتى لحقاه، وهو في مائه فارس بتخوم طبرستان، فنزل عن دابته، ونام متوسدا يده، ثم استيقظ، وقال لعلج [١] . من أهلها: ايتنى بشربه من ماء. فأتاه بالماء، ولحقه القوم، فقتلوه قبل ان يشرب ذلك الماء، واحتز راسه، واخذه سفيان بن الأبرد، وانصرف الى الحجاج، فرمى بالراس بين يديه، فوجه الحجاج بالراس الى عبد الملك.
ولايه خراسان
واقام المهلب بعد انصرافه بالبصرة في منزله حتى وافاه عهده من عند عبد الملك على خراسان، فسار إليها فمكث عليها خمس سنين، ثم مات.
فجعل عبد الملك امر خراسان الى الحجاج، فاقر الحجاج عليها يزيد ابن المهلب.
وكان يزيد اجمل ولد المهلب جمالا واكملهم عقلا، وافضلهم رايا، واذربهم لسانا، وكان المهلب استخلفه عليها عند وفاته، فمكث عليها أعواما، ثم عزله الحجاج، واستعمل عليها قتيبة بن مسلم، فافتتح كل ما وراء النهر، ولم يزل هناك الى ان هاج به اصحابه، فقتلوه.
стр. 281
وافضى الملك بعد ذلك الى الوليد بن عبد الملك، ثم الى سليمان بن عبد الملك، فولى سليمان على العراق خالد بن عبد الله القسرى، فولى خالد أخاه اسد بن عبد الله خراسان، فلم يزل بها حتى ظهر فيها دعاه الامام محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
العراق بعد موت يزيد
قالوا، ومات يزيد بن معاويه، وعبيد الله بن زياد بالبصرة، فكتب اليه الحارث بن عباد بن زياد بهذه الأبيات:
الا يا عبيد الله قد مات من به ... ملكت رقاب العالمين يزيد
اتثبت للقوم الذين وترتهم؟ ... وذاك من الرأي الزنيق بعيد [١]
وما لك غير الأزد جار فإنهم ... اجاروا اباك، والبلاد تميد
فتعجب عبيد الله من راى ابن أخيه، وكان ذا راى.
ثم ان عبيد الله دعا بمولى له يسمى مهران، وكان يعدل في الدهاء والأدب والعقل بوردان غلام عمرو بن العاص، وهو الذى ينسب اليه البراذين المهرانية، فقال يا مهران:
ان امير المؤمنين يزيد قد هلك، فما الرأي عندك؟
فقال مهران: ايها الأمير، ان الناس ان ملكوا انفسهم لم يولوا عليهم أحدا من ولد زياد، وانما ملكتم الناس بمعاويه، ثم بيزيد، وقد هلكا، وانك قد وترت الناس، ولست آمن ان يثبوا بك، والرأي لك ان تستجير هذا الحى من الأزد، فإنهم ان اجاروك منعوك، حتى يبلغوا بك مأمنك، والرأي ان تبعث الى الحارث بن قيس، فانه سيد القوم، وهو لك محب، ولك عنده يد، فتخبره بموت يزيد، وتسأله ان يجيرك.
стр. 282
فقال عبيد الله: اصبت الرأي يا مهران.
ثم بعث من ساعته الى الحارث بن قيس، فأتاه فاخبره بموت يزيد، واستشاره، فقال:
المستشار مؤتمن، فان اردت المقام منعناك معاشر الأزد، وان اردت الاستخفاء اشتملنا عليك حتى يسكن عنك الطلب، ويخفى على الناس موضعك، ثم نوجه معك من يبلغك مأمنك.
فقال عبيد الله: هذا اريد.
فقال له الحارث: فانا اقيم عندك، الى ان تمسى ويختلط الظلام، ثم انطلق بك الى الحى.
فأقام الحارث عند عبيد الله.
فلما امسى واختلط الظلام امر عبيد الله ان توقد السرج في منزله ليلته كلها، ليظن من يطلبه انه في منزله، ثم قام فلبس ثيابه، واعتم بعمامته وتلثم.
فقال له الحارث: التلثم بالنهار ذل، وبالليل ريبه، فاحسر عن وجهك، وسر خلفي، فان المقدم وقاية للمؤخر، فسار.
فقال للحارث: تخلل بنا فداك ابى وأمي الطرق، ولا تأخذ بنا طريقا واحدا، فانى لا آمن ان يطلب اثرى.
فقال الحارث: لا باس عليك، ان شاء الله، فاطمئن.
ثم سارا هويا.
فقال للحارث: اين نحن؟.
قال: في بنى مسلم.
قال: سلمنا ان شاء الله.
ثم سارا جميعا ساعه، فقال: اين نحن؟.
قال الحارث في بنى ناجيه.
قال: نجونا ان شاء الله.
ثم سارا حتى انتهيا الى الأزد، واقحم الحارث بعبيد الله دار مسعود بن عمرو،
стр. 283
وكان رئيس الأزد كلها بعد المهلب بن ابى صفره، وكان المهلب في هذا الوقت بخراسان بعد.
فقال الحارث لمسعود: يا ابن عم، هذا عبيد الله بن زياد، قد اجرته عليك وعلى قومك.
قال مسعود: اهلكت قومك يا ابن قيس، وعرضتنا لحرب جميع اهل البصره، وقد كنا أجرنا أباه من قبله فما كانت عنده مكافاه.
وكان سبب اجارتهم زيادا، ان على بن ابى طالب رضى الله عنه، في خلافته ولى زيادا البصره عند خروجه الى صفين، وانما كان يعرف بزياد بن عبيد، فوجه معاويه الى البصره عامر بن الحضرمى في جمع، فغلب على البصره، وهرب منه زياد، فلجا الى الأزد، فأجاروه، ومنعوه حتى ثاب الناس الى زياد، واجتمعوا، فطرد عامر بن الحضرمى عن البصره، واقام على عمله فيها.
ثم ان مسعود بن عمرو ادخل عبيد الله دار نسائه، وافرده في بيت من بيوته، ووكل به امرأتين من خدمه، وجمع اليه قومه، فاعلمهم ذلك.
ولما اصبح الناس، واستحق عندهم الخبر أتوا داره، فاقتحموها ليقتلوه، فلم يصادفوا فيها أحدا، فانطلقوا الى الحبس، فكسروه، واخرجوا من كان فيه، وبقي اهل البصره تسعه ايام بغير وال.
فاتفقوا على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، فولوه امرهم لصلاحه، وقرابته من رسول الله ص، فتولى الأمر، وقام بالتدبير.
ولما اتى على عبيد الله ايام، وامن الطلب، قال لمسعود بن عمرو، والحارث بن قيس: ان الناس قد سكنوا، ويئسوا منى، فاعملا في إخراجي من البصره لألحق بالشام.
стр. 284
فاكتريا له رجلا من بنى يشكر أمينا هاديا بالطريق، وحملاه على ناقه مهريه [١] ، وقالا لليشكرى: عليك به لا تفارقه حتى توصله الى مأمنه بالشام.
فخرج، وخرجا معه مشيعين له في نفر من قومهما ثلاثة ايام، ثم ودعاه وانصرفا.
قال اليشكري: فبينا نحن نسير ذات ليله إذا استقبلنا عير وحاد يحدو فيها، ويقول:
يا رب، رب الارض والعباد ... العن زيادا، وبنى زياد
كم قتلوا من مسلم عباد ... جم الصلاة خاشع الفؤاد
يكابد الليل من السهاد
فلما سمع عبيد الله ذلك فزع، وقال: عرف مكاني.
فقلت: لا تخف، فليس كل من ذكرك يعلم موضعك.
ثم سرنا فاطرق طويلا، وهو على ناقته، فظننت انه نائم، فناديته: يا نومان.
فقال: ما انا بنائم، ولكنى مفكر في امر.
قلت: انى لأعلم الذى كنت مفكرا فيه.
فقال: هاته اذن.
قلت: ندمت على قتلك الحسين بن على، وفكرت في بنائك القصر الأبيض بالبصرة، وما انفقت عليه من الأموال، ثم لم يقض لك التمتع به، وندمت على ما كان من قتلك الخوارج من اهل البصره بالظنه والتوهم.
قال عبيد: ما اصبت يا أخا بنى يشكر شيئا مما كنت مفكرا فيه، اما قتلى الحسين فانه خرج على امام وأمه مجتمعه، وكتب الى الامام يأمرني بقتله، فان كان ذلك خطا كان لازما ليزيد، واما بنائى القصر الأبيض، فما فكرتي
стр. 285
في قصر بنيته للإمام بامره وماله، واما قتلى من قتلت من الخوارج فقد قتلهم قبلي من هو خير منى، على بن ابى طالب رضى الله عنه. غير انى فكرت في بنى ابى، وأولادهم، فندمت على تركي اخراجهم من البصره قبل وقوع ما وقع، وفكرت في بيوت الأموال بالكوفه والبصره الا أكون فرقتها وبددتها في الناس عند ما ورد على من وفاه الخليفة، فكنت اكتسب بذلك حمدا في الناس وذكرا.
قلت: فما تريد ان تصنع الآن؟
قال: ان وافيت دمشق، وقد اجتمع الناس على امام دخلت فيما دخلوا فيه، وان لم يكونوا اجتمعوا على احد كانوا غنما، قلبتها كيف شئت.
خلافه مروان بن الحكم
قال: فسرنا حتى دخلنا دمشق، والناس مختلفون، لم يملكوا عليهم أحدا، وقد كان مروان بن الحكم هم باللحاق بعبد الله بن الزبير ليبايعه، ويكون معه.
فدخل عبيد الله، وعنفه في ذلك، وقال:
أنت سيد قومك، وأحق الناس بهذا الأمر، فمد يدك ابايعك.
فقال مروان: وما تبلغ بيعتك وحدك؟ اخرج الى الناس وناظرهم في ذلك.
فخرج من عنده، ولقى جماعه بنى اميه، فعنفهم في ذلك، وفي تخاذلهم، وحملهم على بيعه مروان، فاجتمعوا، وبايعوه.
وتزوج مروان أم خالد بنت هاشم بن عتبة، التي كانت امراه يزيد بن معاويه، فلما تم لملك مروان بن الحكم تسعه اشهر قتلته امراته أم خالد.
وذلك ان مروان نظر يوما الى ابنها خالد بن يزيد بن معاويه، وهو غلام من أبناء سبع سنين، يمشى مشيه أنكرها، فقال له: ما هذه المشية يا بن الرطبه؟.
فشكا الغلام ذلك الى أمه، فقالت له: انه لا يقول بعد هذا.
فسقته السم، فلما احس بالموت جمع بنى اميه واشراف اهل الشام، فبايع لابنه عبد الملك.