← История

История · id 9760

الأخبار الطوال

أبو حنيفة الدينوري

Полный текст (406 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فقال عروه: يا بنى مروان، ما ذل من قتلتموه، بل ذل من ملكتموه. فتذمم عبد الملك، وخلى سبيل عروه. وكتب الى الحجاج: اله عن عروه، فلن أسلطك عليه. فأقام الحجاج بمكة حتى اقام للناس الحج. وامر بالكعبه فنقضت، واعاد بناءها، وهو هذا البناء القائم اليوم. وفي ذلك العام توفى عبد الله بن عمر، وله اربع وسبعون سنه. فدفن بذى طوى [١] في مقبره المهاجرين. وكان يكنى أبا عبد الرحمن. وفيها مات ابو سعيد الخدرى، واسمه سعد بن مالك. وفيها مات رافع بن خديج، وله ست وثمانون سنه، وكان يكنى أبا عبد الله. سك النقود العربية قالوا: وامر عبد الملك بضرب الدراهم سنه ست وسبعين، ثم امر بعد ذلك بضرب الدنانير، وهو أول من ضربها في الاسلام. وانما كانت الدراهم والدنانير قبل ذلك مما ضربت العجم. وفي تلك السنه مات جابر بن عبد الله، وله سبع وتسعون سنه. ابن الاشعث وفتنته ثم خرج عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بن قيس على الحجاج. وكان سبب خروجه انه دخل على الحجاج يوما، فقال له الحجاج: انك لمنظر انى. قال عبد الرحمن: اى والله، ومخبرانى. وقام عبد الرحمن، فخرج.

стр. 317

فقال الحجاج لمن كان عنده: ما نظرت الى هذا قط، الا اشهيت ان اضرب عنقه. وكان عامر الشعبى حاضرا. وان عبد الرحمن لما خرج قعد بالباب حتى خرج الشعبى، فقام عبد الرحمن اليه. فقال له: هل ذكرني الأمير بعد خروجى من عنده بشيء؟ فقال الشعبى: أعطني عهدا وثيقا الا يسمعه منك احد. فاعطاه ذلك. فاخبره بما كان الحجاج قال فيه. فقال عبد الرحمن: والله لاجهدن في قطع خيط رقبته. ثم ان عبد الرحمن دب في عباد اهل الكوفه وقرائهم، فقال: ايها الناس، الا ترون هذا الجبار يعنى الحجاج وما يصنع بالناس؟ الا تغضبون لله؟ الا ترون ان السنه قد أميتت، والأحكام قد عطلت، والمنكر قد اعلن، والقتل قد فشا؟ اغضبوا لله، واخرجوا معى، فما يحل لكم السكوت. فلم يزل يدب في الناس بهذا وشبهه حتى استجاب له القراء والعباد، وواعدهم يوما يخرجون فيه. فخرجوا على بكره ابيهم، واتبعهم الناس، فساروا حتى نزلوا الاهواز، ثم كتبوا الى الحجاج: خلع الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام [١] فأرسل الحجاج كتابه الى عبد الملك بن مروان. فكتب عبد الملك في جوابه: وانى وإياهم كمن نبه القطا ... ولو لم ينبه باتت الطير لا تسرى [٢] اخال صروف الدهر للحين منهم ... ستحملهم منى على مركب وعر

стр. 318

قالوا: واهديت لعبد الملك في ذلك اليوم جاريه إفريقية، أهداها اليه موسى ابن نصير، عامله على ارض المغرب، وكانت من اجمل نساء دهرها، فباتت عنده تلك الليلة، فلم ينل منها شيئا اكثر من ان غمز كفها، وقال لها: ان دونك امنيه المتمنى. قالت: فما يمنعك؟ قال: يمنعني بيت مدحنا به، وهو: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت باطهار فزعموا انه مكث سبعه اشهر لا يقرب امراه حتى أتاه قتل عبد الرحمن بن محمد. ثم ان الحجاج بعث أيوب بن القرية الى عبد الرحمن بن محمد، وقال: انطلق، فادفعه الى الطاعة، وله الامان على ما سلف من ذنبه. فانطلق اليه ابن القرية، فدعاه، فابلغ في الدعاء، فقال له عبد الرحمن: ويحك يا ابن القرية، ايحل لك طاعته مع ارتكابه العظائم، واستحلاله المحارم؟ اتق الله يا ابن القرية، ووال عباد الله في البريه. ولم يزل عبد الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما ارسل فيه، واقام مع عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: انى اريد ان اكتب الى الحجاج كتابا مسجعا، اعرفه فيه سوء فعاله، وابصره قبح سريرته، فامله على. فقال أيوب: ان الحجاج يعرف الفاظى. قال: وما عليك، انى لأرجو ان نقتله عن قريب. فاملى عليه، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد، الى الحجاج بن يوسف، سلام على اهل طاعه الله، الذين يحكمون بما انزل الله، ولا يسفكون دما حراما، ولا يعطلون لله احكاما، فانى احمد الله الذى بعثني لمنازلتك، وقواني على محاربتك

стр. 319

حين تهتكت ستورك، وتحيرت امورك، فأصبحت حيران تائها، لهفان لا تعرف حقا، ولا تلائم صدقا، ولا ترتق فتقا، ولا تفتق رتقا، وطالما تطاولت فيما تناولت، فصرت في الغى مذبذبا، وعلى الشراره مركبا، فتدبر امرك، وقس شبرك بفترك [١] ، فإنك مراق عراق [٢] ، ومعك عصابه فساق، جعلوك مثالهم، كحذوهم نعالهم، فاستعد للابطال بالسيوف والعوال [٣] ، فستذوق وبال امرك، ويرجع عليك غيك، والسلام. فلما قرأ الحجاج الكتاب عرف الفاظ ابن القرية، وعلم انه من املائه. فكتب الى عبد الرحمن في جوابه. بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف الى عبد الرحمن بن الاشعث، سلام على اهل التورع لا التبدع، فانى احمد الله الذى حيرك بعد البصيره، فمرقت عن الطاعة، وخرجت عن الجماعه، فعسكرت في الكفر، وذهلت عن الشكر، فلا تحمد الله في سراء، ولا تصبر لأمره في ضراء، قد أتاني كتابك بلفظات فاجر، فاسق غادر، وسيمكن الله منه، ويهتك ستوره، اما بعد فهلم الى فعل وفعال، ومعانقه الابطال بالبيض والعوال، فان ذلك احرى بك من قيل وقال، وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، وخشي الله، واتقى. وان عبد الملك وجه الى الحجاج عشره آلاف رجل من فرسان اهل الشام لمحاربه عبد الرحمن بن محمد. فلما قدموا عليه تجهز، وسار نحو عبد الرحمن، فالتقوا بالاهواز، فاقتتلوا، فانهزم عبد الرحمن، ومضى على وجهه، فمر على رجل من اصحابه مسلوب حاف، يمشى ويعثر.

стр. 320

فأنشأ عبد الرحمن يقول: منخرق الخفين يشكو الوجى ... تنكئه اطراف مرو حداد [١] اخرجه الخذلان عن أرضه ... كذلك من يكره حر الجلاد ان كان في الموت له راحة ... فالموت حتم في رقاب العباد فقال الرجل: فهلا ثبت، فنقاتل معك. فقال له عبد الرحمن: اوبمثلك تسد الثغور؟!. ومضى عبد الرحمن حتى استجار بملك الاتراك، فأقام عنده. فكتب عبد الملك الى ملك الاتراك، يخبره بشقاق عبد الرحمن، وخلعه الطاعة، وخروجه عليه، ويسأله ان يرده عليه. فقال ملك الاتراك لطراخنته [٢] : ان ابن الاشعث هذا رجل مخالف للملوك، فلا ينبغى لي ان آويه، بل ابعث به الى ملكه، فيتولى من امره ما أحب. فوجه به مع مائه رجل من ثقاته، فانزلوه في طريقه قصرا في قريه، فرقى الى ظهر القصر، ورمى بنفسه من السور، فمات. وان أيوب بن القرية اسر فيمن اسر من اصحاب عبد الرحمن، فادخل به على الحجاج. فلما ادخل عليه، قال له: يا عدو الله، بعثتك رسولا الى عبد الرحمن، فتركت ما بعثت له، وصرت وزيرا ومشيرا، تصدر له الكتب، وتسجع له الكلام، وتدبر له الأمور.

стр. 321

فقال ابن القرية: اصلح الله الأمير، كان شيطانا في مسك انسان، استمالني بسحره، وخلبنى بلفظه، فكان اللسان ينطق بغير ما في القلب. قال الحجاج: كذبت يا ابن اللخناء [١] ، بل كان قلبك منافقا، ولسانك مدامجا، فكتمت امرا اظهره الله، واطعت فاسقا خذله الله، فما بقي من نعتك؟ قال ابن القرية: ذهني جديد، وجوابي عتيد. قال: كيف علمك بالأرض؟ قال: ليسألني الأمير عما أحب. قال: أخبرني عن الهند. قال: بحرها در، وجبلها ياقوت، وشجرها عطر. قال: فأخبرني عن مكران. قال: ماؤها وشل [٢] ، وتمرها دقل [٣] ، وسهلها جبل، ولصها بطل، ان كثر الجيش بها جاعوا، وان قلوا ضاعوا. قال: فخراسان. قال: ماؤها جامد، وعدوها جاهد، بأسهم شديد، وشرهم عتيد، وخيرهم بعيد. قال: فاليمن. قال: ارض العرب، ومعدن الذهب. قال: فعمان. قال: حرها شديد، وصيدها موجود، وأهلها عبيد.

стр. 322

قال: فالبحرين. قال: كناسه [١] بين مصرين، وجنه بين بحرين. قال: فمكه. قال: قوم ذوو جفاء، ومن سجيتهم الوفاء. قال: فالمدينة. قال: ذوو لطف وبر، وخير وشر. قال: فالبصره. قال: حرها فادح، وماؤها مالح، وفيضها سائح. قال: فالكوفة. قال: جنه بين حماه وكنه [٢] ، العراق تحشد لها، والشام يدر عليها، سفلت عن برد الشام، وارتفعت عن حر الحجاز. قال: فالشام. قال: تلك عروس بين نسوه جلوس، تجلب إليها الأموال، وفيها الضراغمه الابطال. قال له الحجاج: ثكلتك أمك، أنت المصدر الكتب لابن الاشعث، الم تعلم انى لا اصاحب على الشقاق، ولا اجامع على النفاق؟ قال ابن القرية: استبقني ايها الأمير. قال: لماذا؟ قال: لنبوه بعد هفوة. قال الحجاج: لا، بل لغدره بعد نكثه، يا غلام، ناولني الحربه. وقد امسك ابن القرية اربعه رجال فلا يستطيع تحريكا، وهز الحجاج الحربه ثلاثا.

стр. 323

فقال ابن القرية: اسمع منى ثلاث كلمات، تكن بعدي مثلا. قال: هات. قال: لكل جواد كبوه، ولكل حليم هفوة، ولكل شجاع نبوه. فوضع الحجاج الحربه في ثندوه ابن القرية، ودفعها حتى خالطت جوفه، ثم خضخضها [١] ، وأخرجها، فاتبعها دم اسود. فقال الحجاج: هكذا تشخب أوداج الإبل. وفحص ابن القرية برجليه وشخص بصره، وجعل الحجاج ينظر اليه حتى قضى. فحمل في النطع [٢] . فقال الحجاج: لله درك يا ابن القرية، اى ادب فقدنا منك، واى كلام رصين سمعنا منك. ودخل بعد ذلك انس بن مالك. فقال له الحجاج: هيه يا انس، يوما مع المختار، ويوما مع ابن الاشعث، جوال في الفتن، والله لقد هممت ان اطحنك طحن الرحى بالثفال [٣] ، واجعلك غرضا للنبال. قال انس: من يعنى الأمير؟ اصلحه الله. قال: إياك اعنى، اسك الله سمعك. فانصرف انس الى منزله، وكتب من ساعته الى عبد الملك بن مروان: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الملك امير المؤمنين من انس بن مالك،

стр. 324

اما بعد، فان الحجاج قال لي نكرا، واسمعنى هجرا، ولم أكن لذلك أهلا، فخذ على يديه، وأعدني عليه، والسلام. فلما قرأ عبد الملك كتاب انس استشاط غضبا، ثم كتب اليه. هيه يا ابن يوسف، اردت ان تعلم راى امير المؤمنين في انس، فان سوغك مضيت قدما، وان لم يسوغك رجعت القهقرى، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب [١] ، انسيت مكاسب آبائك بالطائف في حفر الابار، وسد السكور [٢] ، وحمل الصخور على الظهور؟ ابلغ من جرأتك على امير المؤمنين ان تعنت بانس ابن مالك، خادم رسول الله ص ست سنين، يطلعه على سره، ويفشى اليه الاخبار التي كانت تأتيه عن ربه؟ فإذا أتاك كتابي هذا فامش اليه على قدميك حتى تأخذ كتابه الى بالرضى، والسلام. فلما وصل كتاب عبد الملك الى الحجاج قال لمن حوله من اصحابه: قوموا بنا الى ابى حمزه. فقام ماشيا. ومضى معه اصحابه حتى اتى أنسا، فاقراه كتاب عبد الملك اليه. فقال انس: جزى الله امير المؤمنين خيرا، كذلك كان رجائى فيه. قال له الحجاج: فان لك العتبى، وانا صائر الى مسرتك، فاكتب الى امير المؤمنين بالرضى. فكتب اليه انس بالرضى عنه. ودفعه الى الحجاج، فانفذه الحجاج على البريد الى عبد الملك. نهاية عبد الملك بن مروان قالوا: ولما حضرت عبد الملك الوفاة، وذلك في سنه ست وثمانين أخذ البيعه

стр. 325

لابنه الوليد، وكان ولده: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، ومسلمه، ومحمد. ثم قال للوليد: يا وليد، لا الفينك إذا وضعتني في حفرتي ان تعصر عينيك كالأمة الورهاء [١] بل ائتزر وشمر، والبس جلد النمر، وادع الناس الى البيعه ثانيا، فمن قال برأسه كذا، فقل بالسيف كذا. ووعك وعكا شديدا. فلما اصبح جاء الوليد، فقام بباب المجلس، وهو غاص بالنساء، فقال: كيف اصبح امير المؤمنين؟ قيل له: يرجى له العافيه. وسمع عبد الملك ذلك، فقال: وكم سائل عنا يريد لنا الردى ... وكم سائلات والدموع ذوارف ثم امر بالنساء، فخرجن. واذن لبنى اميه فدخلوا عليه وفيهم خالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاويه فقال لهما: يا بنى يزيد، اتحبان ان اقيلكما بيعه الوليد؟ قالا: معاذ الله، يا امير المؤمنين. قال: لو قلتما غير ذلك لأمرت بقتلكما على حالتي هذه. ثم خرجوا عنه، واشتد وجعه، فتمثل ببيت اميه بن ابى الصلت: ليتنى كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال ارعى الوعولا فلم يمس يومه ذلك حتى قضى. وكان سلطانه احدى وعشرين سنه وسته اشهر، وكان له يوم مات ثمان وخمسون سنه، من ذلك سبع سنين، كان فيها محاربا لعبد الله بن الزبير، ثم صفا له الملك بعد قتله ابن الزبير ثلاثة عشر سنه ونصفا.

стр. 326

الوليد بن عبد الملك ولما انصرف الوليد من قبل ابيه قصد المسجد الأعظم، واجتمع اليه الناس، فبايعوه. وعقد لعمر بن عبد العزيز بن مروان على الحرمين. فنزل المدينة، فدعا بعشره نفر من افاضل أهلها، منهم عروه بن الزبير، وعبيد الله بن عتبة، وابو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابو بكر ابن سليمان بن ابى حثمه، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، فاجتمعوا، فدخلوا عليه، فقال: اعلموا اننى لست اقطع امرا الا برأيكم ومشورتكم، فأشيروا على. قالوا: نفعل ايها الأمير، جزيت على ما تنوى خير ما جزى مؤثر لمرضاه ربه. ثم خرجوا. اصلاح الحرم النبوي ثم كتب الوليد الى عمر بن عبد العزيز، ان يشترى الدور التي حول مسجد رسول الله ص، فيزيدها في المسجد، ويجدد بناء المسجد. وكتب الى ملك الروم يعلمه ما هم به من ذلك، ويسأله ان يبعث اليه ما استطاع من الفسيفساء [١] فوجه اليه منها اربعين وسقا [٢] . فبعث به الى عمر بن عبد العزيز، فهدم عمر المسجد، وزاد فيه، وبناه، وزينه بالفسيفساء.

стр. 327

فتح بخارى وسمرقند وكان على خراسان من قبل الحجاج قتيبة بن مسلم الباهلى. فكتب اليه الحجاج يأمره بعبور النهر نهر بلخ، وان يفتح تلك البلاد. فاستعد قتيبة، وسار في المفازة التي بين مدينه مرو وبين مدينه آمويه، وهي ذات رمال وغضى [١] ، فصار الى آمويه، ثم عبر النهر وسار الى بخارى. وكان ملك تلك الارضين يسمى صول وكان ملكه على جميع ما وراء النهر، فلقيه الملك، فحاربه قتيبة، فهزمه، وهرب صول نحو الصغانيان. فاحتوى قتيبة على بخارى وحيزها، فولى عليها رجلا. وسار حتى وافى بلاد السغد [٢] ، فأناخ على مدينتها العظمى، وهي سمرقند، فحاصرها أشهرا. فوجه اليه دهقانها [٣] : انك لو اقمت على مدينتي هذه عمرك لم تصل إليها، لأنا نجد في كتب آبائنا، انه لا يقدر عليها الا رجل اسمه بالان، لست اياه، فامض لشأنك. فزعموا ان قتيبة احتال لما يئس من مكابرتها، فهيأ صناديق، وجعل لها أبوابا من أسافلها، تغلق من داخل، وتفتح، وجعل في كل صندوق رجلا مستلئما، معه سيفه، واقفل أبوابها العليا. ثم ارسل الى الدهقان: اما إذا كان هذا هكذا، فانى راحل عنك الى الصغانيان، وناحيتها، ومعى فضول اموال وسلاح، فوادعنى، واحرز هذه الصناديق عندك الى عودي ان سلمت. فأجابه الى ذلك، وتقدم قتيبة الى الرجال ان يفتحوا أبواب الصناديق في جوف الليل، فيخرجوا، ثم يصيروا الى باب المدينة فيفتحوه. وامر الدهقان بالصناديق، فادخلت المدينة.

стр. 328

فلما جن الليل، وهدأ الناس خرج الرجال مستلئمين، معهم السيوف، لا يستقبلهم احد الا قتلوه، حتى أتوا باب المدينة، فقتلوا الحرس، وفتحوا الباب. ودخل قتيبة بالجيش، ووقعت الواعية، وهرب الدهقان في سرب [١] ، فلحق بالملك، وصارت سمرقند في قبضه قتيبة، فخلف عليها رجلا. وسار حتى اتى الصغانيان، فهرب الملك منهم حتى صار في بلاد الترك، ووغل فيها، وخلى المملكة لقتيبه. فدخل قتيبة الصغانيان، ووجه عماله الى كش [٢] ونسف [٣] ، وافتتح جميع ما وراء النهر، وجميع تخارستان، ولم يبق من خراسان شيء الا افتتحه. ولم يزل قتيبة بخراسان سنين حتى شغب عليه اجناده، فقتلوه. فاستعمل الوليد بن عبد الملك عليها الجراح بن عبد الله الحكمي. وحج الوليد بن عبد الملك في سنه احدى وتسعين، وقد فرغ عمر بن عبد العزيز من بناء مسجد الرسول ص، فدخله، وطاف به، ونظر الى بنائه. ولم يكن بقي في زمن الوليد من الصحابه الا نفر يسير، منهم بالمدينة، سهل ابن سعد الساعدي، وكان يكنى أبا العباس، توفى في آخر خلافه الوليد، وكان يوم مات ابن مائه سنه، ومنهم جابر بن عبد الله. وبالبصرة انس بن مالك. وبالكوفه عبد الله بن ابى اوفى. وبالشام ابو امامه الباهلى. موت الحجاج وفي السنه الخامسه من خلافه الوليد مات الحجاج بواسط، وله اربع وخمسون سنه، وكانت امرته على العراق عشرين سنه.

стр. 329

منها في خلافه عبد الملك خمس عشره سنه، وفي خلافه الوليد خمس سنين. وقد كان قتل سعيد بن جبير قبل موته بأربعين يوما. قالوا: وكان يقول في طول مرضه إذا هجر: ما لي ولك يا ابن جبير؟ وقتل ابن جبير وهو ابن تسع واربعين سنه، وكان يكنى أبا عبد الله، وكان ولاؤه لبنى اميه. سليمان بن عبد الملك ولما تم للوليد بن عبد الملك تسع سنين وسته اشهر حضرته الوفاة، فاسند الملك الى أخيه سليمان بن عبد الملك. فبويع سليمان في جمادى الآخرة سنه ست وتسعين، وسليمان يومئذ من أبناء سبع وثلاثين سنه. فملك سليمان سنتين وثمانية اشهر، ثم مرض مرضته التي مات فيها. فلما ثقل كتب كتابا، وختمه، ولم يدر احد ما كتب فيه، ثم قال لصاحب شرطه: اجمع إليك اخوتى، وعمومتي، وجميع اهل بيتى، وعظماء اجناد الشام، واحملهم على البيعه لمن سميت في هذا الكتاب، فمن ابى منهم ان يبايع، فاضرب عنقه، ففعل. فلما اجتمعوا في المسجد امرهم بما امر به سليمان. فقالوا: أخبرنا، من هو؟ لنبايعه على بصيره. فقال: والله ما ادرى من هو، وقد أمرني ان اضرب عنق من ابى. قال رجاء بن حيوه: فدخلت على سليمان، فاكببت عليه، وقلت: يا امير المؤمنين، من صاحب الكتاب الذى أمرتنا بمبايعته؟ فقال: ان اخوى يزيد وهشاما لم يبلغا ان يؤتمنا على الامه، فجعلتها للرجل الصالح، عمر بن عبد العزيز، فإذا توفى عمر رجع الأمر إليهما.

стр. 330

فخرج رجاء بن حيوه، فاخبر يزيد وهشاما بذلك، فرضيا، وسلما، وبايعا، ثم بايع بعدهما جميع الناس. وكان اكبر ولده يومئذ محمد بن سليمان، فكانت له اثنتا عشره سنه. وجعل يقول، وهو يجود بنفسه: ان بنى صبية صيفيون ... افلح من كان له ربعيون وذكر عن الكلبى انه قال: بعث الى سليمان بن عبد الملك، فدخلت عليه، وقد انتفخ سحرى [١] ، فسلمت عليه بالخلافة، فرد على السلام. ثم أومأ الى، فجلست، فسكت عنى حتى إذا سكن جاشى، قال لي: يا كلبى، ان ابنى محمدا قره عيني وثمره قلبي، وقد رجوت ان يبلغ الله به افضل ما بلغ رجلا من اهل بيته، وقد وليتك تأديبه، فعلمه القرآن، وروه الاشعار، فان الشعر ديوان العرب، وفهمه ايام الناس، وخذه بعلم الفرائض، وفهمه السنن، ولا تفتر عنه ليلا ونهارا، فإذا أخطأ بكلمة، او زل بحرف، او هفا بقول، فلا تؤنبه بين يدي جلسائه، ولكن إذا خلا لك مجلسك، لئلا تمحكه [٢] ، وإذا دخل عليه الناس للتسليم، فخذه بألطافهم واظهار برهم، وإذا حيوه فليحيهم باحسن منها، وأطيبا لمن حضر بمائدتكما الطعام، واحمله على طلاقه الوجه، وحسن البشر، وكظم الغيظ، وقله القذر، والتثبت في المنطق، والوفاء بالعهد، وتنكب الكذب، ولا يركبن فرسا مخذوفا [٣] ، ولا مهلوبا [٤] ولا يركبن بسرج صغير، فتبدو اليتاه منه. قال: فلم يلبث سليمان بعد ذلك الا قليلا حتى مات.

стр. 331

عمر بن عبد العزيز واسند الأمر الى عمر بن عبد العزيز. قالوا: فلما استخلف قعد للناس على الارض. فقيل له: لو امرت ببساط يبسط لك، فتجلس، ويجلس الناس عليه كان ذلك اهيب لك في قلوب الناس. فتمثل: قضى ما قضى فيما مضى، ثم لا ترى ... له صبوه احدى الليالى الغوابر ولولا التقى من خشيه الموت والردى ... لعاصيت في حب الصبا كل زاجر وكان إذا جلس للناس قال بسم الله، وبالله، وصلى الله على رسول الله، أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ [١] ثم تمثل بهذه الأبيات: نسر بما يبلى، ونشغل بالمنى ... كما سر بالأحلام في النوم حالم نهارك يا مغرور سهو وغفله ... وليلك نوم، والردى لك لازم وسعيك فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم ثم نصب نفسه لرد المظالم. وبدا ببني اميه، وأخذ ما كان في ايديهم من الغصوب [٢] ، فردها على أهلها. ودخل عليه اناس من خاصته، فقالوا: يا امير المؤمنين، الا تخاف غوائل قومك؟. فقال: ابيوم سوى يوم القيامه تخوفوننى؟ فكل خوف اتقيه قبل يوم القيامه لا وقيته. فلما تم لخلافته سنتان وخمسه اشهر مات.

стр. 332

يزيد بن عبد الملك وافضى الأمر الى يزيد بن عبد الملك في أول سنه مائه واحدى. فولى المصرين أخاه مسلمه بن عبد الملك. وكان مسلمه ذا عقل كامل وادب فاضل، فاستعمل مسلمه على خراسان سعيد ابن عبد العزيز بن الحكم بن ابى العاص بن اميه. ظهور الدعوة الى العباسيين قالوا: وفي ذلك العام [١] توافدت الشيعة على الامام محمد بن على بن عبد الله ابن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، وكان مستقره بأرض الشام، بمكان يسمى الحميمه وكان أول من قدم من الشيعة ميسره العبدى، وابو عكرمه السراج، ومحمد بن خنيس، وحيان العطار. فقدم هؤلاء عليه، فارادوه على البيعه، وقالوا له: ابسط يدك لنبايعك على طلب هذا السلطان، لعل الله ان يحيى بك العدل، ويميت بك الجور، فان هذا وقت ذلك، وأوانه، والذى وجدناه مأثورا عن علمائكم. فقال لهم محمد بن على: هذا أوان ما نامل ونرجو من ذلك، لانقضاء مائه من التاريخ، فانه لم تنقض مائه سنه على أمه قط الا اظهر الله حق المحقين، وابطل باطل المبطلين، لقول الله جل اسمه أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، قالَ، أَنَّى يُحْيِي هذِهِ [٢] اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ [٣] فانطلقوا ايها النفر، فادعوا الناس في رفق وستر، فانى أرجو ان يتمم الله امركم، ويظهر دعوتكم، ولا قوه الا بالله.

стр. 333

ثم وجه ميسره العبدى، ومحمد بن خنيس الى ارض العراق، ووجه أبا عكرمه، وحيان العطار الى خراسان، وعلى خراسان يومئذ سعيد بن عبد العزيز بن الحكم ابن ابى العاص. فجعلا يسيران في ارض خراسان من كوره الى اخرى، فيدعوان الناس الى بيعه محمد بن على، ويزهدانهم في سلطان بنى اميه لخبث سيرتهم، وعظيم جورهم، فاستجاب لهما بخراسان اناس كثير، وفشا بعض امرهم وعلن. فبلغ امرهما سعيدا، فأرسل اليهم، فاتى بهم، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم تجار. قال: فما هذا الذى يذكر عنكم؟ قالوا: وما هو؟ قال: أخبرنا انكم جئتم دعاه لبنى العباس. قالوا: ايها الأمير، لنا في أنفسنا وتجارتنا شغل عن مثل هذا. فأطلقهما. فخرجا من عنده، يدوران كور خراسان ورساتيقها في عداد التجار، فيدعوان الناس الى الامام محمد بن على، فمكثا بذلك عامين. ثم قدما على الامام محمد بن على بأرض الشام، فأخبراه انهما قد غرسا بخراسان غرسا يرجوان ان يثمر في أوانه، والفياه قد ولد له ابو العباس ابنه. فامر باخراجه اليهم، وقال: هذا صاحبكم. فقبلوا اطرافه كلها. وكان مع الجنيد بن عبد الرحمن عامل السند رجل من الشيعة، يسمى بكير ابن ماهان، فانصرف الى موطنه من الكوفه، وقد أصاب بأرض السند مالا كثيرا، فلقيه ميسره العبدى وابن خنيس، واخبراه بامرهما، وسألاه ان يدخل في الأمر معهما، فأجابهما اليه، وقام معهما، وانفق جميع ما استفاد بأرض السند من الأموال بذلك السبب.

стр. 334

ومات ميسره بأرض العراق. وكتب الامام محمد بن على الى بكير بن ماهان، ان يقوم مقام ميسره، وكان بكير يكنى بابى هاشم، وبها كان يعرف في الناس. وكان رجلا مفوها، فقام بالدعاء، وتولى الدعوة بالعراقين، وكانت كتب الامام تأتيه، فيغسلها بالماء ويعجن بغسالتها الدقيق، ويأمر، فيختبز منه قرص، فلا يبقى احد من اهله وولده الا اطعمه منه. ثم انه مرض مرضه الذى مات فيه، فاوصى الى ابى سلمه الخلال، وكان أيضا من كبار الشيعة. وكتب الى [١] يعلمه ذلك. فكتب محمد بن على الى ابى سلمه، فولاه الأمر، وامره بالقيام بما كان يقوم به ابو هاشم. ثم كتب الى ابى عكرمه وحيان، وكانا صاحبي الأمر بخراسان، يأمرهما ان يكاتبا أبا سلمه، فدعاهما الى الدخول معه في امره، فاجاباه، ودخلا معه، وكانفاه. ثم ان يزيد بن عبد الملك عزل أخاه مسلمه عن العراق وخراسان، واستعمل مكانه خالد بن عبد الله القسرى، واستعمل خالد اسد بن عبد الله على خراسان، فانتهى خبر ابى عكرمه، وحيان الى اسد بن عبد الله، فامر بطلبهما، فأخذا، واتى بهما، فضربت أعناقهما، وصلبا. وبلغ ذلك محمد بن على، فقال: الحمد لله الذى صحح هذه العلامة، وقد بقي من شيعتي رجال سوف يفوزون بالشهادة. فلما تم لملك يزيد بن عبد الملك اربع سنين واشهر توفى بالبلقاء من ارض دمشق. وكانت وفاته سنه خمس ومائه، وله يوم مات ثمان وثلاثون سنه.

стр. 335

هشام بن عبد الملك ثم استخلف هشام بن عبد الملك، وهو ابن اربع وثلاثين سنه. فعزل اسد بن عبد الله عن خراسان، وولاها الجنيد بن عبد الرحمن، وكان رجلا من اليمانيه، ذا فضل وسخاء. وهو الذى يقول فيه الشاعر: ذهب الجود والجنيد جميعا ... فعلى الجود والجنيد السلام ولما قتل ابو عكرمه وحيان وجه الامام محمد بن على الى خراسان خمسه نفر من شيعته: سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، وخالد بن الهيثم، وطلحه بن زريق، وامرهم بكتمان امرهم، والا يفشوه الى احد الا بعد ان يأخذوا عليه العهود المؤكدة بالكتمان. فساروا حتى أتوا خراسان، فكانوا يأتون كوره بعد كوره، فيدعون الناس سرا الى اهل بيت نبيهم، ويبغضون اليهم بنى اميه، لما يظهر من جورهم واعتدائهم، وركوبهم القبائح، حتى استجاب لهم بشر كثير في جميع كور خراسان. وبلغ الجنيد امرهم، فامر بطلبهم، وأخذوا، واتى بهم الجنيد. فقال: يا فسقه، قد قدمتم هذه البلاد، فافسدتم قلوب الناس على بنى اميه، ودعوتم الى بنى العباس. فتكلم سليمان بن كثير، وقال: ايها الأمير، اتاذن لي في الكلام؟ قال: تكلم قال: انا وإياك كما قال الشاعر: لو بغير الماء حلقى شرق ... لاستغثت اليوم بالماء القراح نعلمك ايها الأمير، انا اناس من قومك اليمانيه، وان هؤلاء المضرية تعصبوا علينا، فرقوا إليك فينا الزور والبهتان، لأنا كنا أشد الناس على قتيبة، فهم الان يطلبون بثاره بكل عله.

стр. 336

فقال الجنيد لمن كان حوله من اصحابه: ما ترون؟. فتكلم عبد الرحمن بن نعيم رئيس ربيعه، وكان من خاصته: نرى ان تمن بهم على قومك، فلعل الأمر كما يقولون. فامر باطلاقهم. فخرجوا، وكتبوا بقصتهم الى الامام. فكتب اليهم: ان هذا اقل ما لكم، فاكتموا امركم، وترفقوا في دعوتكم. فساروا من مدينه مرو الى بخارى، ومن بخارى الى سمرقند، ومن سمرقند الى كش ونسف، ثم عطفوا على الصغانيان، وجازوا منها الى ختلان [١] ، وانصرفوا الى مرو الروذ [٢] ، والطالقان [٣] ، وعطفوا الى هراة [٤] ، وبوشنج [٥] ، وجازوا الى سجستان. فغرسوا في هذه البلدان غرسا كثيرا، وفشا امرهم في جميع اقطار خراسان. وبلغ ذلك الجنيد، فأسف على تركهم، ووجه في طلبهم، فلم يقدر عليهم. فكتب الى خالد بن عبد الله القسرى، وكان على العراق، يعلمه انتشار خراسان وما حدث فيها من الدعاه الى محمد بن على. فكتب خالد بن عبد الله الى هشام يعلمه بذلك. فكتب اليه هشام، يأمره بالكتاب الى الجنيد، الا يرغب في الدماء، وان يكف عمن كف عنه، ويسكن الناس بجهده، وان يطلب النفر الذين يدعون الناس حتى يجدهم، فينفيهم.

стр. 337

فلما انتهى ذلك الى الجنيد بعث رسله في اقطار خراسان. وكتب الى عماله في الكور يطلب القوم، فطلبوا، فلم يدرك لهم اثر. ابو مسلم الخراسانى قالوا: وكان بدء امر ابى مسلم انه كان مملوكا لعيسى، ومعقل، ابنى ادريس، ابن عيسى العجليين، وكان مسكنهما بماه البصره، مما يلى أصبهان. وكان ابو مسلم ولد عندهما، فنشأ غلاما، فهما، أديبا، ذهنا، فاحباه حتى نزل منهما منزله الولد. وكانا يتوليان بنى هاشم، ويكاتبان الامام محمد بن على، فمكثا بذلك ما شاء الله. ثم ان هشاما عزل خالد بن عبد الله القسرى من العراق، وولى مكانه يوسف ابن عمر الثقفى، فكان يوسف بن عمر لا يدع أحدا يعرف بموالاة بنى هاشم، وموده اهل بيت رسول الله الا بعث اليه، فحبسه عنده بواسط. فبلغه امر عيسى، ومعقل ابنى ادريس، فاشخصهما، وحبسهما بواسط فيمن حبس من الشيعة. وكانا اخرجا معهما أبا مسلم فكان يخدمهما في الحبس. وان سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، ولاهز بن قرط، وهم كانوا الدعاه بخراسان قدموا للحج، وقدم معهم قحطبه بن شبيب، وكان ممن بايعهم، وشايعهم على امرهم، فجعلوا طريقهم على مدينه واسط، ودخلوا الحبس، فلقوا من كان فيه من الشيعة، فرأوا أبا مسلم، فأعجبهم ما رأوا من هيئته، وفهمه، واستبصاره في حب بنى هاشم. ونزل هؤلاء النفر بعض الفنادق بواسط، فكان ابو مسلم يختلف اليهم طول مقامهم حتى انس بهم، وانسوا به، فسألوه عن امره.

стр. 338

فقال: ان أمي كانت أمه لعمير بن بطين العجلى، فوقع عليها، فحملت بي، فباعها، وهي حامل، فاشتراها عيسى، ومعقل، ابنا ادريس، فولدت عندهما، فانا كهيئة المملوك لهما. ثم ان النفر شخصوا من واسط، وأخذوا نحو مكة على طريق البصره، فوصلوا الى مكة، وقد وافاها الامام محمد بن على حاجا، فلقوه، وسلموا عليه، واخبروه بما غرسوا به في جميع خراسان من الغرس، ثم اخبروه بممرهم بواسط، ودخولهم على إخوانهم المحبسين بها. ووصفوا له صفه ابى مسلم، وما رأوا من ذكاء عقله وفهمه، وحسن بصره، وجوده ذهنه، وحسن منطقه. فسألهم: احر هو أم مملوك؟ فقالوا: اما هو، فيزعم انه ابن عمير بن بطين العجلى، وكانت قصته كيت وكيت، ثم فسروا له ما حكى لهم من امره. فقال: ان الولد تبع للام، فإذا انصرفتم فاجعلوا [١] ممركم بواسط، فاشتروه، وابعثوا به الى الحميمه [٢] من ارض الشام، لاجعله الرسول فيما بيني وبينكم، على انى احسبكم لا تلقوني بعد عامي هذا، فان حدث بي حدث فصاحبكم ابنى هذا يعنى ابراهيم فاستوصوا به خيرا، فانى ساوصيه بكم خيرا. فانصرف القوم نحو خراسان، ومروا بواسط، ولقوا عيسى، ومعقل ابنى ادريس، فاخبروهما بحاجه الامام الى ابى مسلم، وسألوهما بيعه منهم. فزعموا، انهما وهباه له. فوجه به القوم الى الامام، فلما رآه تفرس فيه الخير، ورجا ان يكون هو القيم بالأمر، لعلامات رآها فيه، قد كانت بلغته. فجعله الرسول فيما بينه وبينهم، فاختلف اليهم مرارا كثيره.

стр. 339

وفاه الامام ثم توفى الامام محمد بن على، فقام بالأمر بعده ابنه ابراهيم بن محمد، وكان اكبر ولده، فامر أبا مسلم ان يسير الى الدعاه بالعراق، وخراسان، فيعلمهم وفاه الامام، وقيامه بالأمر من بعده. فسار حتى وافى العراق، ولقى أبا سلمه، ومن كان معه من الشيعة، فاخبرهم بما امره به. ثم سار الى خراسان ولقى الدعاه بها، فاخبرهم بذلك. وبلغ وفاه الامام جميع من بايع في اقطار خراسان، فسودوا ثيابهم حزنا لمصابه، وتسلبا عليه. وكان أول من سود منهم ثيابه حريش مولى خزاعة، وكان عظيم اهل نسا [١] ، ثم سودها من بعده قحطبه بن شبيب، ثم سود القوم جميعا، وكثرت الشيعة بخراسان كلها، وعلن امرهم. وكتب يوسف بن عمر، وكان على العراقين، الى هشام، يخبره بذلك، فكتب هشام الى يوسف، يأمره ان يبعث اليه رجلا، له علم بخراسان، ومعرفه بمن فيها من قوادها، وجنودها. وقد كان يوسف بن عمر عزل عنها الجنيد بن عبد الرحمن، واستعمل عليها جعفر بن حنظله البهرانى. فكتب جعفر الى يوسف بن عمر مع عبد الكريم بن سليط بن عطية الحنفي، يخبره بتفاقم امر المسودة بخراسان، وكثره من أجاب الدعاه بها. فلما أتاه كتاب هشام يأمره ان يوجه اليه رجلا، له علم بخراسان، حمل عبد الكريم بن سليط اليه على البريد.

стр. 340

قال عبد الكريم: فسرت حتى وافيت دمشق، فدخلت على هشام، فسلمت عليه بالخلافة. فقال لي: من أنت؟ قلت: انا عبد الكريم بن سليط بن عطية الحنفي. قال: كيف علمك بخراسان وأهلها؟ قلت: انا بها جد عالم. ثم اخبرته ان وجهى كان منها بكتاب أميرها جعفر بن حنظله البهرانى الى يوسف بن عمر يخبره بما حدث فيها. قال: انى اريد ان اولى امرها رجلا من القواد، الذين هم مرتبون بها، فمن ترى ان اولى امرها منهم، وأيهم اقوم بها؟ قال عبد الكريم: وكان هواى في اليمانيه فقلت: يا امير المؤمنين، اين أنت من رجل من قوادها ذي حزم، وباس، ومكيده، وقوه، ومكانفه من قومه؟ قال: ومن هو؟ قلت: جديع بن على الأزدي المعروف بالكرمانى. قال: وكيف يسمى الكرماني؟ قلت: ولد بكرمان، كان أبوه مع المهلب عند محاربته الازارقه، فولد هذا هناك. قال: لا حاجه لي في اليمانيه وكان هشام يبغض اليمانيه، وكذلك سائر بنى اميه. قلت: يا امير المؤمنين، فأين أنت من المجرب البطل النافذ اللسن؟ قال: ومن هو؟ قلت: يحيى بن نعيم، المعروف بابى الميلاء، وهو ابن أخي مصقله بن هبيرة. قال: لا حاجه لي فيه، لان ربيعه لا تسد بها الثغور.

стр. 341

فقلت: يا امير المؤمنين، فعليك بالماجد اللبيب الأريب، الكامل الحسيب، عقيل بن معقل الليثى. قال، فكانه هويه. فقلت: ان اغتفرت منه هنه فيه. قال: وما هي؟ قلت: ليس بعفيف البطن والفرج. قال: لا حاجه لي فيه. قلت: فالكامل النافذ، الفارس المجرب، محسن بن مزاحم السلمى. قال، فكانه هويه، للمضريه. قلت: ان اغتفرت هنه فيه. قال: وما هي؟ قلت: اكذب، ذي لهجة. قال: لا حاجه لي فيه. قلت: فذو الطاعة لكم، المتمسك بعهدكم، المقتدى بقدوتكم، يحيى بن الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعله. قال: الم اخبرك ان ربيعه لا تسد بها الثغور؟ قلت: فالكامل النافذ الشجاع البطل، قطن بن قتيبة بن مسلم. قال: فمال اليه بالمضريه. قلت: ان اغتفرت منه هنه. قال: وما هي؟ قلت: لا آمنه ان افضى اليه السلطان ان يطلب جنود خراسان بدم ابيه قتيبة، فإنهم جميعا تظافروا عليه. قال: لا حاجه لي فيه. قلت: فأين أنت من العفيف المجرب، الباسل المحنك، نصر بن سيار الليثى؟

стр. 342

قال: فكانه تفاءل به، ومال اليه، بالمضريه. قلت: ان اغتفرت منه خصله. قال: وما هي؟ قلت: ليست له بخراسان عشيره من جنودها، وانما يقوى على ولايه خراسان من كانت له بها عشيره من جنودها. قال: فأي عشيره اكثر منى، لا أبا لك، يا غلام؟ انطلق الى الكتاب، فمرهم بإنشاء عهده، وائتونى به. فكتب له عهده، واتى به. فناولنيه، وقال: انطلق حتى توصله اليه. ثم امر ان احمل على البريد. فسرت حتى وافيت خراسان، فأتيته في منزله، فناولته العهد، فامر لي بعشره آلاف درهم. ثم تناول العهد، فانطلق الى جعفر بن حنظله، الأمير كان بها، فدخل عليه، وهو جالس على سريره، فناوله العهد. فلما قراه أخذ بيد نصر، فرفعه حتى اجلسه معه على سريره، وقال: سمعا وطاعه لأمير المؤمنين. فقال له نصر: أبا خلف، السلطان سلطانك، فمر بأمرك. ودعا له جعفر بن حنظله، وسلم الأمر اليه. وان سليمان بن كثير، ولاهز بن قرط، ومالك بن الهيثم، وقحطبه ابن شبيب أرادوا الحج، فخرجوا مع الحاج متنكرين حتى أتوا مكة، وقد وافاها في ذلك العام ابراهيم بن محمد الامام، فاخبروه بما اجتمع له الناس بخراسان. وقد كانوا حملوا اليه ما بعثت به اليه الشيعة. فقالوا: قد حملنا إليك مالا. قال: وكم هو؟

стр. 343

قالوا: عشره آلاف دينار، ومائتا الف درهم. فقال: سلموه الى مولاى عروه، فدفعوه اليه. فقال لهم ابراهيم: انى قد رايت ان اولى الأمر هناك أبا مسلم، لما جربت من عقله، وبلوت من أمانته، وانا موجهه معكم، فاسمعوا له، وأطيعوا امره، فان والدى ﵀ عليه قد كان وصف لنا صفته، وقد رجوت ان يكون هو الذى يسوق إلينا الملك، فعاونوه، وكانفوه، وانتهوا الى رايه، وامره. قالوا: سمعا وطاعه لك ايها الامام. فانصرفوا، وابو مسلم معهم، حتى صاروا الى خراسان، فتشمر ابو مسلم للدعاء، وأخذ القوم بالبيعه، ووجه كل رجل من اصحابه الى ناحيه من خراسان، فكانوا يدورون بها كوره كوره، وبلدا بلدا، في زي التجار. فاتبعه عالم من الناس عظيم، فواعدهم لظهوره يوما سماه لهم، وولى على من بايعه في كل كوره رجلا من أهلها، وتقدم اليهم بالاستعداد للخروج من ذلك اليوم الذى سماه لهم حتى أجاب جميع ارض خراسان، سهلها وجبلها، وأقصاها وأدناها. وبلغ في ذلك ما لم يبلغه اصحابه من قبله، واستتب له الأمر على محبته، وصار من اعظم الناس منزلا عند شيعته، حتى كانوا يتحالفون به، فلا يحنثون، ويذكرونه، فلا يملون. وقد كان خالد بن عبد الله ولى العراقين عشر سنين، أربعا في خلافه يزيد ابن عبد الملك، وستا في خلافه هشام. فلما عزله هشام، وولى مكانه يوسف بن عمر حاسبه يوسف، فخرج عليه عشره آلاف درهم، قد كان وهبها للناس، وبذرها وكان من اسخى العرب فحبسه يوسف بن عمر عنده في العراق.

стр. 344

وكتب الى هشام يتقاعد خالد بالمال الذى خرج عليه. فكتب اليه هشام بالبسط عليه [١] فدعا به يوسف بن عمر وقال: ما هذا التقاعد بمال السلطان يا ابن الكاهن؟ يعنى شق بن صعب المعروف بالكهانة وكان خالد بن عبد الله من ولده. فقال له خالد بن عبد الله. اتعيرني بشر في يا ابن الخمار؟ وانما كان ابوك وجدك بالطائف اصحاب حانه. وبلغ هشاما ان خالدا بذر ذلك المال في الناس، فكتب الى يوسف يأمره باطلاقه، والكف عنه. فلم يزل خالد مقيما بالكوفه حتى خرج زيد بن على، بن الحسين، بن على بن ابى طالب ع بالكوفه. وكان خروجه في صفر سنه ثماني عشره ومائه. فسار اليه يوسف بن عمر، فالتقوا بالكناسة [٢] فانهزم اصحاب زيد، وخذلوه. فأخذه يوسف بن عمر، فضرب عنقه. وبعث برأسه الى هشام، وصلب جسده بالكناسة. وان خالدا كتب الى هشام يستاذنه في الخروج الى طرسوس [٣] غازيا متطوعا، فاذن له هشام في ذلك، فسار حتى وافى طرسوس فأقام بها مرابطا.

стр. 345

وقيعه بين خالد وهشام وان رجلا من اهل العراق كان يتلصص، ويكنى أبا المعرس، قدم من الكوفه نحو ارض الشام، في جماعه من لصوص الكوفه، حتى وافوا مدينه دمشق، فكان إذا جنه الليل اشعل في ناحيه من السوق النار، فإذا تصايح الناس، واشتغلوا بإطفاء الحريق، اقبل في اصحابه الى ناحيه اخرى من السوق، فكسر الأقفال، وأخذ ما قدر عليه، ثم هرب. فدخل كلثوم بن عياض القسرى على هشام، وكان معاديا لخالد بن عبد الله، وهو ابن عمه، فقال لهشام: يا امير المؤمنين، ان هذا الحريق لم يكن بدمشق، وقد حدث، وما هو الا عمل محمد بن خالد بن عبد الله القسرى وغلمانه. فامر هشام بطلب محمد بن خالد، فاتوه به، وبغلمان له، فامر بحبسه، وحبس غلمانه. وبلغ ذلك خالدا، وهو بطرسوس، فسار حتى وافى دمشق، فنزل في داره بها، وغدا عليه الناس مسلمين، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: ايها الناس، خرجت غازيا باذن هشام وامره، فحبس ابنى وغلماني، ايها الناس، ما لي ولهشام؟ والله ليكفن عنى هشام يسميه في كل مره باسمه ولا يقول امير المؤمنين او لادعون الى عراقي الهوى، شامي الدار، حجازى الأصل، ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، الا وانى قد أذنت لكم ان تبلغوا هشاما. وبلغ هشاما ذلك فقال: خرف ابو الهيثم، وانا حرى باحتماله، لقديم حرمته، وعظيم حقه. فأقام خالد بن عبد الله بمدينه دمشق عاتبا لهشام، مصارما له، لا يركب اليه، ولا يعبأ به، وهشام في كل ذلك يحتمله، ويحلم عنه.

стр. 346

وان رجلا يسمى عبد الرحمن بن ثويب الكلبى دخل على خالد بن عبد الله، فسلم عليه، وعنده نفر من اشراف اهل الشام، فقال له: يا أبا الهيثم، انى احبك لعشر خصال فيك يحبها [١] الله منك: كرمك، وعفوك، ودينك، وعدلك، ورأفتك، ووقارك في مجلسك، ونجدتك، ووفاؤك، وصلتك ذوى رحمك، وادبك. فاثنى عليه خالد، وقال له خيرا. وبلغ هشاما ذلك فقال: ابلغ من امر الفاسق عبد الرحمن بن ثويب ان يصف خالدا بمحاسن لم تجتمع في احد من الخلفاء المؤتمنين على عباد الله وبلاده؟ ثم امر به، فاحسن أدبه، ونفى عن دمشق. وبلغ ذلك خالدا، وعنده اناس من وجوه اهل الشام، فقال لهم: الا تعجبون من صنيع هشام برجل ذكر منى خصالا؟ زعم انه يحبني لها، فضربه وطرده، وان اعظم مما قال في عبد الرحمن بن ثويب قول عبد الله بن صيفي حين قال له: يا امير المؤمنين، اخليفتك في اهلك أحب إليك وآثر عندك أم رسولك؟. قال هشام: بل خليفتي في اهلى. قال: فأنت خليفه الله في ارضه وخلقه، ومحمد رسول الله ص اليهم، فأنت اكرم على الله منه، فلم ينكر هذه المقاله من عبد الله بن صيفي، وهي تضارع الكفر، ويغضب على عبد الرحمن بن ثويب، وينكر عليه ما وصفني به من خصال، يحبها الله، فاحبنى لها. فلم يحفل هشام حين بلغه ذلك من قول خالد، ولم يؤاخذه بشيء من مقالته، فلما تم لخلافه هشام تسع عشره سنه وسبعه اشهر مرض مرضته التي مات، فاسند الخلافه الى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

стр. 347

الوليد بن يزيد فلما استخلف الوليد بن يزيد امر صاحب شرطه سعيد بن غيلان بأخذ خالد بالمال الذى عليه من بقايا خراج العراقين والبسط عليه، وقال: اسمعنى صياحه. فاقبل سعيد بن غيلان الى خالد وهو في منزله، فاخرجه، فانطلق به الى السجن، فعذبه يومه ذلك بألوان العذاب، فلم يكلمه خالد بحرف. وقال الاشعث بن القينى فيما نال خالدا: الا ان خيرا الناس نفسا ووالدا ... اسير قريش عندها في السلاسل لعمري، لقد اعمرتم السجن خالدا ... واوطاتموه وطأة المتثاقل فان تحبسوا القسرى لا تحبسوا اسمه ... ولا تحبسوا معروفه في القبائل وقدم يوسف بن عمر الثقفى بمال العراقين على الوليد، فجلس الوليد للناس، واذن لهم إذنا عاما. فتكلم زياد بن عبد الرحمن الضمرى، وكان معاندا لخالد، فقال: يا امير المؤمنين، على محاسبه خالد بخمسه آلاف الف درهم، فسلمه الى. فأرسل الوليد الى خالد وهو في السجن ان زياد بن عبد الرحمن قد اعطى بمحاسبتك خمسه آلاف الف درهم، فان صححتها لنا، والا دفعناك اليه. فأرسل له خالد: ان عهدي بالعرب لاتباع، وبالله لو سألتني ان اضمن لك هذا، ورفع عود من الارض، ما فعلت. فلما راى الوليد بن زيد تقاعد خالد بما عليه من المال امر به، فسلم الى يوسف ابن عمر، وقال: انطلق به الى العراق، واستاده جميع ما عليه من المال.

стр. 348

فحمله يوسف بن عمر معه الى واسط [١] ، فكان يخرجه كل يوم ويعذبه، ثم يرده الى الحبس، فاخرجه ذات يوم، وقال: ما هذا التقاعد يا ابن المائقه [٢] . فقال له خالد: ما ذكرك الأمهات، لعنك الله؟ والله لا اكلمك بكلمة ابدا. فغضب يوسف بن عمر من ذلك، فوضع على خالد المضرسه [٣] ، وجعل يعذبه بها حتى قتله، فدفنه ليلا في عباءه كانت عليه. فأنشأ الوليد بن يزيد: الم تهتج فتذكر الوصالا ... وحبلا كان متصلا فزالا بلى، فالدمع منك له سجال ... كماء الغرب ينهمل انهمالا فدع عنك ادكارك آل سعدى ... فنحن الاكثرون حصى ومالا ونحن المالكون الناس قسرا ... نسومهم المذلة والنكالا ونوردهم حياض الخسف ذلا ... وما نالوهم الا خبالا [٤] وطئنا الاشعرين بكل أرض ... ولم يك وطؤنا ان يستقالا وكنده والسكون قد استعاذوا ... نسومهم المذلة والخبالا شددنا ملكنا ببني نزار ... وقومنا بهم من كان مالا وهذا خالد فينا قتيلا ... الا منعوه ان كانوا رجالا ولو كانت بنو قحطان عربا ... لما ذهبت صنائعه ضلالا ولا تركوه مسلوبا أسيرا ... نحمله سلاسلنا الثقالا ولكن المذلة ضعضعتهم ... فلم يجدوا لذلتهم مقالا فلما سمع من كان باقطار الشام من اليمانيه هذا الشعر انفوا أنفا شديدا، فاجتمعوا من مدن الشام، وساروا نحو الوليد بن يزيد.

стр. 349

وبلغ الوليد مسيرهم، فامر بمحمد بن خالد بن عبد الله فحبس بدمشق. واقبلت اليمانيه، وخرج اليهم الوليد بمضر مستعدا للحرب، فالتقوا، واقتتلوا، وأثخنت اليمانيه القتل في مضر، فانهزمت مضر، وأخذوا نحو دمشق، ودخل الوليد قصره، فتحصن فيه. واقبلت اليمانيه حتى دخلت دمشق، واخرجوا محمد بن خالد من محبسه، وراسوه عليهم. فأرسل محمد بن خالد الى ابن عم الوليد بن يزيد، وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فجاء به، فبايعوه جميعا، وارسل الى اشراف المضريين، فبايعوه طوعا وكرها. وخلعوا الوليد بن يزيد، فلبث مخلوعا أياما كثيره، وهو خليع بنى اميه. يزيد بن الوليد فقام يزيد بن الوليد بالخلافة، ووضع للناس العطاء، وفرق في اليمانيه الصلات والجوائز. واقبل محمد بن خالد الى قصر الوليد بن يزيد، وامر بالاوهاق [١] ، فالقيت في شرف القصر، وتسلقوا، فعلوه، ونادوا: يا وليد، يا لوطي، يا شارب الخمر، ثم نزلوا اليه، فقتلوه. واستدف [٢] الملك ليزيد بن الوليد. وان محمد بن خالد وجه منصور بن جمهور في خيل الى العراق، وامره ان يقصد الى مدينه واسط، فيأخذ الناس بالبيعه ليزيد بن الوليد، فإذا بايعوا دعا بيوسف بن عمر، فضرب عنقه.

стр. 350

فسار منصور بن جمهور، فبدا بالكوفه واخذهم بالبيعه ليزيد بن الوليد، فلما بايعوا سار منها الى واسط، فاجتمع اليه الناس، فبايعوا ليزيد، فلما فرغ دعا بيوسف ابن عمر، فقال له: أنت القاتل سيد العرب خالد بن عبد الله؟ قال يوسف: كنت مأمورا، وما لي في ذلك من ذنب، فهل لك ان تعفيني من القتل، وأعطيك ديتي عشره آلاف درهم، فضحك منه، ثم حمله حتى اتى به محمد بن خالد بالشام، فقال له محمد: اما زعمك انى كنت مأمورا فقد صدقت، وقد قتلت قاتل ابى، وانما اقتلك بعبده غزوان، ثم قدمه، فضرب عنقه. فملك يزيد بن الوليد سته اشهر، ثم مات. ابراهيم بن الوليد وقام بالملك من بعده اخوه ابراهيم بن الوليد، فبايعه الناس بالشام، وجميع الافاق، وجعل ولى العهد من بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان، واستعمل على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، فسار ابن هبيرة حتى نزل المكان الذى الى اليوم يسمى قصر ابن هبيرة وبنى فيه قصرا، واتخذ ذلك المكان منزلا له ولجنوده. قالوا: وان المضرية تلاومت فيما كان من غلبه اليمانيه عليها، وقتلهم الخليفة الوليد بن يزيد، فدب بعضهم الى بعض، واجتمعوا من اقطار الارض وساروا حتى وافوا مدينه حمص [١] ، وبها مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وكان يومئذ شيخ بنى اميه وكبيرهم، وكان ذا ادب كامل وراى فاضل، فاستخرجوه

стр. 351

من داره، وبايعوه، وقالوا له: أنت شيخ قومك وسيدهم، فاطلب بثار ابن عمك الوليد بن يزيد. فاستعد مروان بجنوده في تميم، وقيس، وكنانه، وسائر قبائل مضر، وسار نحو مدينه دمشق. وبلغ ذلك ابراهيم بن الوليد، فتحصن في قصره. ودخل مروان بن محمد دمشق، فاخذ ابراهيم بن الوليد وولى عهده عبد العزيز ابن الحجاج فقتلهما، وهرب محمد بن خالد بن عبد الله القسرى نحو العراق حتى اتى الكوفه، فنزل في دار عمرو بن عامر البجلي، فاستخفى فيها، وعلى الكوفه يومئذ زياد بن صالح الحارثى، عاملا ليزيد بن عمر بن هبيرة. مروان بن محمد واستدف الملك لمروان بن محمد، واعطاه اهل البلدان الطاعة، ثم ان العصبية وقعت بخراسان بين المضرية واليمانيه. وكان سبب ذلك، ان جديع بن على المعروف بالكرمانى كان سيد من بأرض خراسان من اليمانيه، وكان نصر بن سيار متعصبا على اليمانيه، مبغضا لهم، فكان لا يستعين بأحد منهم، وعادى أيضا ربيعه لميلها الى اليمانيه، فعاتبه الكرماني في ذلك. فقال له نصر: ما أنت وذاك؟ قال الكرماني: انما اريد بذلك صلاح امرك، فانى اخاف ان تفسد عليك سلطانك، وتحمل عليك عدوك هذا المطل، يعنى المسودة [١] . قال له نصر: أنت شيخ قد خرفت. فاسمعه الكرماني كلاما غليظا، فغضب نصر، وامر بالكرمانى الى الحبس، فحبس في القهندر، وهي القلعة العتيقة.

стр. 352

فغضب احياء العرب للكرمانى، فاعتزلوا نصر بن سيار، واجتمع الى نصر المضرية، فطابقوه وشايعوه. وكان للكرمانى مولى من أبناء العجم، ذو دهاء وتجربه، وكان يخدمه في محبسه، وكان الكرماني رجلا ضخما عظيم الجثة، عريض ما بين المنكبين، فقال له مولاه: اتوطن نفسك على الشده والمخاطره حتى اخرجك من الحبس؟ قال له الكرماني: وكيف تخرجني؟ قال: انى قد عينت على ثقب ضيق، يخرج منه ماء المطر الى الفارقين، فوطن نفسك على سلخ جلدك لضيق الثقب. قال الكرماني: لا بد من الصبر، فاعمل ما اردت. فخرج مولاه الى اليمانيه، فواطاهم، ووطنهم في طريقه، فلما جن الليل، ونام الاحراس اقبل مولاه من خارج السور، فوقف له على باب الثقب، واقبل الكرماني حتى ادخل راسه في الثقب، وبسط فيه يديه حتى نالت يداه كفى مولاه، فاجتذبه اجتذابه شديده، سلخ بها بعض جلده، ثم اجتذبه ثانيه حتى انتهى به الى النصف، فإذا هو بحية في الثقب، فنادى الكرماني مولاه: بذبخت، مار مار اى حيه قد عرضت، فقال مولاه: بكز بكز اى عضها، ثم اجتذبه الثالثه، فاخرجه، فقال لمولاه: أمهلني ساعه، حتى افيق، ويسكن ما بي من وجع الانسلاخ. فلما رجعت الى الكرماني نفسه نزل من ذلك التل، واتى بدابه ركبها حتى انتهى الى منزله، واجتمعت اليه الأزد، وسائر من بخراسان من اليمانيه، وانحازت ربيعه معهم. وبلغ نصر بن سيار الخبر، فدعا بصاحب الحبس فضرب عنقه، وظن ان ذلك كان بمواطاة منه.

стр. 353

ثم قال لسلم بن احوز المازنى، وكان على شرطه: انطلق الى الكرماني، فاعلمه: انى لم ارد به مكروها، وانما اردت تأديبه لما استقبلني به، ومره ان يصير الى آمنا، لاناظره في بعض الأمر. فصار سلم اليه، فإذا هو بمحمد بن المثنى الربعي جالسا على الباب في سبعمائة رجل من ربيعه، فدخل عليه، فابلغه الرسالة، فقال الكرماني: لا، ولا كرامة، ما له عندي الا السيف. فابلغ ذلك نصرا. فأرسل نصر بعصمه بن عبد الله الأزدي، وكان من خاصته، فقال له: انطلق الى ابن عمك، فآمنه، ومره ان يصير الى آمنا، لاناظره في بعض ما قد دهمنا من هذا العدو. فقال الكرماني لعصمه، حين ابلغه رساله نصر: يا ابن الخبيثة، وما أنت وذاك؟ وقد ذكر لي عمك، انك لغير ابيك الذى تنسب اليه، انما تريد ان تتقرب الى ابن الأقطع يعنى نصرا اما لو كنت صحيح النسب لم تفارق قومك، وتميل الى من لا رحم بينه وبينك. فانصرف عصمه الى نصر، وابلغه قوله. ثم ان الكرماني كتب الى عمر بن ابراهيم، من ولد أبرهة بن الصباح، ملك حمير، وكان آخر ملوكهم، وكان مستوطنا الكوفه، يسأله ان يوجه اليه بنسخه حلف اليمن وربيعه، الذى كان بينهم في الجاهلية، ليحييه، ويجدده، وانما اراد بذلك ان يستدعى ربيعه الى مكانفته. فأرسل به اليه. فجمع الكرماني اليه اشراف اليمن وعظماء ربيعه، وقرأ عليهم نسخه الحلف. وكانت النسخه: بسم الله العلى الأعظم، الماجد المنعم، هذا ما احتلف عليه آل قحطان وربيعه

стр. 354

الاخوان، احتلفوا على السواء السوا، والأواصر والإخاء، ما احتذى رجل حذا، وما راح راكب واغتدى، يحمله الصغار عن الكبار، والاشرار عن الاخيار. آخر الدهر والأبد، الى انقضاء مده الأمد، وانقراض الآباء والولد، حلف يوطأ ويثب، ما طلع نجم وغرب، خلطوا عليه دماهم، عند ملك ارضاهم، خلطها بخمر وسقاهم، جز من نوصيهم اشعارهم، وقلم عن أناملهم اظفارهم، فجمع ذلك في صر، ودفنه تحت ماء غمر، في جوف قعر بحر آخر الدهر، لا سهو فيه ولا نسيان، ولا غدر ولا خذلان، بعقد موكد شديد، الى آخر الدهر الابيد، ما دعا صبى أباه، وما حلب عبد في أناة، تحمل عليه الحوامل، وتقبل عليه القوابل، ما حل بعد عام قابل، عليه المحيا والممات، حتى ييبس الفرات، وكتب في الشهر الأصم [١] عند ملك أخي ذمم، تبع بن ملكيكرب، معدن الفضل والحسب، عليهم جميعا كفل، وشهد الله الأجل، الذى ما شاء فعل، عقله من عقل، وجهله من جهل. فلما قرئ عليهم هذا الكتاب تواقفوا على ان ينصر بعضهم بعضا، ويكون امرهم واحدا. فأرسل الكرماني الى نصر: ان كنت تريد المحاربة فابرز الى خارج المدينة. فنادى نصر في جنوده من مضر. وخرج، فعسكر ناحيه من الصحراء، وفعل الكرماني مثل ذلك. وخندق كل واحد منهما في عسكره، ويسمى ذلك المكان الى اليوم الخندقين. ووجه الكرماني محمد بن المثنى، وأبا الميلاء الربعيين، في الف فارس، من ربيعه، وامرهما ان يتقدما الى عسكر نصر بن سيار. فاقبلا، حتى إذا قاربا عسكره قال نصر لابنه تميم: اخرج الى القوم في الف فارس من قيس وتميم.

стр. 355

فانتخب الف فارس، ثم خرج، فالتقوا، واقتتلوا، وحمل محمد بن المثنى الربعي على تميم بن نصر، فتضاربا بسيفيهما، فلم يصنع السيفان شيئا، لكمال لامتيهما، فلما راى محمد بن المثنى ذلك حمل بنفسه على تميم، فعانقه، فسقطا جميعا الى الارض، وصار محمد فوق تميم، فانحنى على حلقه بالسيف، فذبحه. وقال نصر بن سيار يرثى ابنه تميما: نفى عنى العزاء وكنت جلدا ... غداه جلى الفوارس عن تميم وما قصرت يداه عن الأعادي ... ولا اضحى بمنزله اللئيم وفاء للخليفة وابتذالا ... لمهجته يدافع عن حريم فمن يك سائلا عنى فإني ... انا الشيخ الغضنفر ذو الكليم نمتنى من خزيمة باذخات ... بواسق ينتمين الى صميم قالوا: فمكثوا بذلك عشرين شهرا، ينهض بعضهم الى بعض كل ايام، فيقتتلون هويا، ثم ينصرفون، وقد انتصف بعضهم من بعض. وشغلهم ذلك عن طلب ابى مسلم واصحابه حتى قوى امره، واشتد ركنه، وعلن شانه في جميع كور خراسان. فقال عقيل بن معقل الليثى لنصر بن سيار: ان هذه العصبية قد تمادت بيننا وبين هؤلاء القوم، وقد شغلتك عن جميع اعمالك، وضبط سلطانك، وقد اظلك هذا العدو الكلب، فأنشدك الله ان تشام [١] نفسك وعشيرتك، قارب هذا الشيخ يعنى الكرماني بعض المقاربة، فقد انتقض الأمر على الامام مروان بن محمد. فقال نصر: يا ابن عم، قد فهمت ما ذكرت، ولكن هذا الملاح قد ساعدته
следующие страницы →