من داره، وبايعوه، وقالوا له: أنت شيخ قومك وسيدهم، فاطلب بثار ابن عمك الوليد بن يزيد.
فاستعد مروان بجنوده في تميم، وقيس، وكنانه، وسائر قبائل مضر، وسار نحو مدينه دمشق.
وبلغ ذلك ابراهيم بن الوليد، فتحصن في قصره.
ودخل مروان بن محمد دمشق، فاخذ ابراهيم بن الوليد وولى عهده عبد العزيز ابن الحجاج فقتلهما، وهرب محمد بن خالد بن عبد الله القسرى نحو العراق حتى اتى الكوفه، فنزل في دار عمرو بن عامر البجلي، فاستخفى فيها، وعلى الكوفه يومئذ زياد بن صالح الحارثى، عاملا ليزيد بن عمر بن هبيرة.
مروان بن محمد
واستدف الملك لمروان بن محمد، واعطاه اهل البلدان الطاعة، ثم ان العصبية وقعت بخراسان بين المضرية واليمانيه.
وكان سبب ذلك، ان جديع بن على المعروف بالكرمانى كان سيد من بأرض خراسان من اليمانيه، وكان نصر بن سيار متعصبا على اليمانيه، مبغضا لهم، فكان لا يستعين بأحد منهم، وعادى أيضا ربيعه لميلها الى اليمانيه، فعاتبه الكرماني في ذلك.
فقال له نصر: ما أنت وذاك؟
قال الكرماني: انما اريد بذلك صلاح امرك، فانى اخاف ان تفسد عليك سلطانك، وتحمل عليك عدوك هذا المطل، يعنى المسودة [١] .
قال له نصر: أنت شيخ قد خرفت.
فاسمعه الكرماني كلاما غليظا، فغضب نصر، وامر بالكرمانى الى الحبس، فحبس في القهندر، وهي القلعة العتيقة.
стр. 352
فغضب احياء العرب للكرمانى، فاعتزلوا نصر بن سيار، واجتمع الى نصر المضرية، فطابقوه وشايعوه.
وكان للكرمانى مولى من أبناء العجم، ذو دهاء وتجربه، وكان يخدمه في محبسه، وكان الكرماني رجلا ضخما عظيم الجثة، عريض ما بين المنكبين، فقال له مولاه:
اتوطن نفسك على الشده والمخاطره حتى اخرجك من الحبس؟
قال له الكرماني: وكيف تخرجني؟
قال: انى قد عينت على ثقب ضيق، يخرج منه ماء المطر الى الفارقين، فوطن نفسك على سلخ جلدك لضيق الثقب.
قال الكرماني: لا بد من الصبر، فاعمل ما اردت.
فخرج مولاه الى اليمانيه، فواطاهم، ووطنهم في طريقه، فلما جن الليل، ونام الاحراس اقبل مولاه من خارج السور، فوقف له على باب الثقب، واقبل الكرماني حتى ادخل راسه في الثقب، وبسط فيه يديه حتى نالت يداه كفى مولاه، فاجتذبه اجتذابه شديده، سلخ بها بعض جلده، ثم اجتذبه ثانيه حتى انتهى به الى النصف، فإذا هو بحية في الثقب، فنادى الكرماني مولاه: بذبخت، مار مار اى حيه قد عرضت، فقال مولاه: بكز بكز اى عضها، ثم اجتذبه الثالثه، فاخرجه، فقال لمولاه: أمهلني ساعه، حتى افيق، ويسكن ما بي من وجع الانسلاخ.
فلما رجعت الى الكرماني نفسه نزل من ذلك التل، واتى بدابه ركبها حتى انتهى الى منزله، واجتمعت اليه الأزد، وسائر من بخراسان من اليمانيه، وانحازت ربيعه معهم.
وبلغ نصر بن سيار الخبر، فدعا بصاحب الحبس فضرب عنقه، وظن ان ذلك كان بمواطاة منه.
стр. 353
ثم قال لسلم بن احوز المازنى، وكان على شرطه: انطلق الى الكرماني، فاعلمه: انى لم ارد به مكروها، وانما اردت تأديبه لما استقبلني به، ومره ان يصير الى آمنا، لاناظره في بعض الأمر.
فصار سلم اليه، فإذا هو بمحمد بن المثنى الربعي جالسا على الباب في سبعمائة رجل من ربيعه، فدخل عليه، فابلغه الرسالة، فقال الكرماني: لا، ولا كرامة، ما له عندي الا السيف.
فابلغ ذلك نصرا.
فأرسل نصر بعصمه بن عبد الله الأزدي، وكان من خاصته، فقال له: انطلق الى ابن عمك، فآمنه، ومره ان يصير الى آمنا، لاناظره في بعض ما قد دهمنا من هذا العدو.
فقال الكرماني لعصمه، حين ابلغه رساله نصر: يا ابن الخبيثة، وما أنت وذاك؟
وقد ذكر لي عمك، انك لغير ابيك الذى تنسب اليه، انما تريد ان تتقرب الى ابن الأقطع يعنى نصرا اما لو كنت صحيح النسب لم تفارق قومك، وتميل الى من لا رحم بينه وبينك.
فانصرف عصمه الى نصر، وابلغه قوله.
ثم ان الكرماني كتب الى عمر بن ابراهيم، من ولد أبرهة بن الصباح، ملك حمير، وكان آخر ملوكهم، وكان مستوطنا الكوفه، يسأله ان يوجه اليه بنسخه حلف اليمن وربيعه، الذى كان بينهم في الجاهلية، ليحييه، ويجدده، وانما اراد بذلك ان يستدعى ربيعه الى مكانفته.
فأرسل به اليه.
فجمع الكرماني اليه اشراف اليمن وعظماء ربيعه، وقرأ عليهم نسخه الحلف.
وكانت النسخه:
بسم الله العلى الأعظم، الماجد المنعم، هذا ما احتلف عليه آل قحطان وربيعه
стр. 354
الاخوان، احتلفوا على السواء السوا، والأواصر والإخاء، ما احتذى رجل حذا، وما راح راكب واغتدى، يحمله الصغار عن الكبار، والاشرار عن الاخيار. آخر الدهر والأبد، الى انقضاء مده الأمد، وانقراض الآباء والولد، حلف يوطأ ويثب، ما طلع نجم وغرب، خلطوا عليه دماهم، عند ملك ارضاهم، خلطها بخمر وسقاهم، جز من نوصيهم اشعارهم، وقلم عن أناملهم اظفارهم، فجمع ذلك في صر، ودفنه تحت ماء غمر، في جوف قعر بحر آخر الدهر، لا سهو فيه ولا نسيان، ولا غدر ولا خذلان، بعقد موكد شديد، الى آخر الدهر الابيد، ما دعا صبى أباه، وما حلب عبد في أناة، تحمل عليه الحوامل، وتقبل عليه القوابل، ما حل بعد عام قابل، عليه المحيا والممات، حتى ييبس الفرات، وكتب في الشهر الأصم [١] عند ملك أخي ذمم، تبع بن ملكيكرب، معدن الفضل والحسب، عليهم جميعا كفل، وشهد الله الأجل، الذى ما شاء فعل، عقله من عقل، وجهله من جهل.
فلما قرئ عليهم هذا الكتاب تواقفوا على ان ينصر بعضهم بعضا، ويكون امرهم واحدا.
فأرسل الكرماني الى نصر: ان كنت تريد المحاربة فابرز الى خارج المدينة. فنادى نصر في جنوده من مضر.
وخرج، فعسكر ناحيه من الصحراء، وفعل الكرماني مثل ذلك. وخندق كل واحد منهما في عسكره، ويسمى ذلك المكان الى اليوم الخندقين.
ووجه الكرماني محمد بن المثنى، وأبا الميلاء الربعيين، في الف فارس، من ربيعه، وامرهما ان يتقدما الى عسكر نصر بن سيار.
فاقبلا، حتى إذا قاربا عسكره قال نصر لابنه تميم:
اخرج الى القوم في الف فارس من قيس وتميم.
стр. 355
فانتخب الف فارس، ثم خرج، فالتقوا، واقتتلوا، وحمل محمد بن المثنى الربعي على تميم بن نصر، فتضاربا بسيفيهما، فلم يصنع السيفان شيئا، لكمال لامتيهما، فلما راى محمد بن المثنى ذلك حمل بنفسه على تميم، فعانقه، فسقطا جميعا الى الارض، وصار محمد فوق تميم، فانحنى على حلقه بالسيف، فذبحه.
وقال نصر بن سيار يرثى ابنه تميما:
نفى عنى العزاء وكنت جلدا ... غداه جلى الفوارس عن تميم
وما قصرت يداه عن الأعادي ... ولا اضحى بمنزله اللئيم
وفاء للخليفة وابتذالا ... لمهجته يدافع عن حريم
فمن يك سائلا عنى فإني ... انا الشيخ الغضنفر ذو الكليم
نمتنى من خزيمة باذخات ... بواسق ينتمين الى صميم
قالوا: فمكثوا بذلك عشرين شهرا، ينهض بعضهم الى بعض كل ايام، فيقتتلون هويا، ثم ينصرفون، وقد انتصف بعضهم من بعض.
وشغلهم ذلك عن طلب ابى مسلم واصحابه حتى قوى امره، واشتد ركنه، وعلن شانه في جميع كور خراسان.
فقال عقيل بن معقل الليثى لنصر بن سيار: ان هذه العصبية قد تمادت بيننا وبين هؤلاء القوم، وقد شغلتك عن جميع اعمالك، وضبط سلطانك، وقد اظلك هذا العدو الكلب، فأنشدك الله ان تشام [١] نفسك وعشيرتك، قارب هذا الشيخ يعنى الكرماني بعض المقاربة، فقد انتقض الأمر على الامام مروان بن محمد.
فقال نصر: يا ابن عم، قد فهمت ما ذكرت، ولكن هذا الملاح قد ساعدته
стр. 356
عشيرته، وظافرتهم على امرهم ربيعه، فقد عدا من اجل ذلك طوره، فلا ينوى صلحا، ولا ينيب الى أمان، فانطلق يا ابن عم ان شئت، فسله ذلك، وأعطه عنى ما اراد.
فمضى عقيل بن معقل حتى استاذن على الكرماني، فدخل فسلم.
ثم قال له:
انك شيخ العرب وسيدها بهذه الارض، فابق عليها، قد تمادت هذه العصبية بيننا وبينكم، وقد قتل منا ومنكم ما لا يحصيه احد، وقد أرسلني نصر إليك، وجعل لك حكم الصبى على ابويه، على ان ترجع الى طاعته، لتتآزرا على إطفاء هذه النار المضطرمة في جميع كور خراسان، قبل ان يكاشفوا يعنى المسودة.
قال الكرماني: قد فهمت ما ذكرت، وكنت كارها لهذا الأمر، فأبى ابن عمك يعنى نصرا الا البذخ والتطاول حتى حبسنى في سجنه، وبعثني على نفسه وقومه.
قال له عقيل: فما الذى عندك في إطفاء هذه النائرة [١] ، وحقن هذه الدماء؟
قال الكرماني: عندي من ذلك ان نعتزل انا وهو الأمر، ونولي جميعا امرنا رجلا من ربيعه، فيقوم بالتدبير، ونساعده جميعا، ونتشمر لطلب هؤلاء المسودة قبل ان يجتمعوا، فلا نقوى بهم، ولو احلب عليهم معنا جميع العرب.
قال عقيل: ان هذا ما لا يرضى به الامام مروان بن محمد، ولكن الأمير نصرا يجعل الأمر لك، تولى من شئت، وتعزل من شئت، وتدبر في هؤلاء المسودة ما شئت، ويتزوج إليك، وتتزوج اليه.
قال الكرماني: كيف يتزوج الى. وليس لي بكفء؟
قال عقيل: اتقول هذا لرجل له بيت كنانه؟
стр. 357
قال الكرماني: لو كان من مصاص [١] كنانه ما فعلت، فكيف وهو ملصق فيهم؟ فاما قولك، انه يجعل الأمر الى، اولى، واعزل من اريد، فلا، ولا كرامة، ان أكون تبعا له، او اقاره على السلطان.
فانصرف عقيل الى نصر، فقال: انك كنت بهذا الملاح ابصر منى.
ثم اخبره بما دار بينهما كله.
فكتب نصر بن سيار، الى الامام مروان بن محمد، يخبره بخروج الكرماني عليه، ومحاربته اياه، واشتغاله بذلك عن طلب ابى مسلم واصحابه، حتى قد عظم امرهم، وان المحصى المقلل لهم يزعم، انه قد بايعه مائتا الف رجل، من اقطار خراسان، فتدارك يا امير المؤمنين امرك، وابعث الى بجنود من قبلك يقو بهم ركني، واستعن بهم على محاربه من خالفني.
ثم كتب في اسفل كتابه:
ارى تحت الرماد وميض جمر ... ويوشك ان يكون له ضرام
فان النار بالعودين تذكى ... وان الشر مبدؤه كلام
وقلت من التعجب، ليت شعري ... اايقاظ اميه أم نيام؟
فان يقظت، فذاك بقاء ملك ... وان رقدت، فانى لا الام
فان يك أصبحوا، وثووا نياما ... پفقل قوموا، فقد حان القيام
فلما وصل كتابه الى مروان كتب الى معاويه بن الوليد، بن عبد الملك، وكان عامله على دمشق، ومروان حينئذ بمدينه حمص، يأمره ان يكتب الى عامله بالبلقاء [٢] ، ان يسير الى الحميمه [٣] ، فيأخذ ابراهيم بن محمد بن على، فيشده وثاقا، ويرسل به اليه.
стр. 358
فاتى ابراهيم، وهو جالس في مسجده، فلف راسه، وحمل الى مروان، واتبعه من اهل بيته عبد الله بن على، وعيسى بن موسى بن على، ونفر من مواليه.
فلما دخل على مروان قال له: ما هذه الجموع التي خرجت بخراسان تطلب لك الخلافه؟
قال له ابراهيم: ما لي بشيء من ذلك علم، فان كنت انما تريد التجنى علينا فدونك وما تريد.
ثم بسط لسانه على مروان، فامر به، فحبس.
قال الهيثم: فأخبرني ابو عبيده، قال: كنت آتى ابراهيم في محبسه، ومعه فيه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فاسلم عليه، وأظل عامه نهاري عنده، وربما جننى الليل عنده، فأبيت معه، فبينا انا ذات ليله عنده، وقد بت معه في الحبس، فانا نائم في سقيفه فيه، إذ قيل، مولى لمروان، فاستفتح الباب، ففتح له، فدخل ومعه نحو من عشرين رجلا من موالي مروان، فلبثوا ساعه، ثم خرجوا، ولم اسمع لأحد صوتا.
فلما اصبحت دخلت البيت لاسلم عليها، فإذا هما قتيلان، فظننت انهما خنقا.
ولما قتل ابراهيم بن محمد خاف اخواه: ابو جعفر، وابو العباس على أنفسهما، فخرجا من الحميمه هاربين من العراق، ومعهما عبد الله، واسماعيل، وعيسى، وداود بنو على بن عبد الله بن عباس، حتى قدموا الكوفه، ونزلوا على ابى سلمه الداعي، الذى كان داعيه أبيهما، محمد بن على بأرض العراق.
فانزلهم جميعا دار الوليد بن سعد، التي في بنى أود، والزمهم مساورا القصاب، ويقطينا الابزارى، وكانا من كبار الشيعة، وقد كانا لقيا محمد بن على في حياته، فامرهما ان يعينا أبا سلمه على امره.
стр. 359
وكان ابو سلمه خلالا [١] ، فكان إذا امسوا اقبل مساور بشقه لحم، واقبل ابو سلمه بخل، واقبل يقطين بالابزار، فيطبخون، ويأكلون.
وفي ذلك يقول ابو جعفر:
لحم مساور، وخل ابى سلمه ... وابزار يقطين، وطابت المرقه
فلم يزل ابو العباس، وابو جعفر مستخفين بالكوفه الى ان قدم قحطبه بن شبيب العراق.
قالوا: وبلغ أبا مسلم قتل الامام ابراهيم بن محمد، وهرب ابى العباس، وابى جعفر من الشام، واستخفاؤهما بالكوفه عند ابى سلمه.
فسار من خراسان حتى قدم الكوفه، ودخل عليهما، فعزاهما بأخيهما، ابراهيم الامام.
ثم قال لأبي العباس: مد يدك ابايعك.
فمد يده، فبايعه.
ثم سار الى مكة.
ثم انصرف إليهما.
فتقدم اليه ابو العباس، الا يدع بخراسان عربيا لا يدخل في امره الا ضرب عنقه.
ثم انصرف ابو مسلم الى خراسان، فجعل يدورها، كوره كوره، ورستاقا رستاقا، فيواعدهم اليوم الذى يظهرون فيه، ويأمرهم بتهيئه السلاح والدواب لمن قدر.
قالوا: ولما اعيت نصر بن سيار الحيل في امر الكرماني، وخاف ازوف ابى مسلم كتب الى مروان:
стр. 360
يا ايها الملك الوانى بنصرته ... قد آن للامر ان يأتيك من كثب
اضحت خراسان، قد باضت صقورتها ... وفرخت في نواحيها بلا رهب
فان يطرن، ولم يحتل لهن بها ... يلهبن نيران حرب أيما لهب
فلما وصلت هذه الأبيات الى مروان كتب الى يزيد بن عمر بن هبيرة عامله [١] على العراقين، يأمره ان ينتخب من جنوده اثنا عشر رجلا، مع فرض يفرضه بالعراق من عرب الكوفه والبصره، ويولى عليهم رجلا حازما، يرضى عقله واقدامه، ويوجه بهم الى نصر بن سيار.
فكتب يزيد بن عمر بن هبيرة الى مروان: ان من معه من الجنود لا يفون باثنى عشر ألفا، ويعلمه ان فرض الشام افضل من فرض العراق، لان عرب العراق ليست لهم نصيحه للخلفاء من بنى اميه، وفي قلوبهم احن.
ولما أبطأ عن نصر الغوث اعاد الى مروان:
من مبلغ عنى الامام الذى ... قام بأمر بين ساطع
انى نذير لك من دوله ... قام بها ذو رحم قاطع
والثوب ان انهج فيه البلى ... اعيى على ذي الحيله الصانع
كنا نداريها، فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع
فلم يجد عند مروان شيئا.
ظهور دعوه ابى مسلم
وحان الوقت الذى واعد فيه ابو مسلم مستجيبيه، فخرجوا جميعا في يوم واحد من جميع كور خراسان حتى وافوه، وقد سودوا ثيابهم، تسليا على ابراهيم بن محمد بن على بن عباس الذى قتله مروان، فكان أول من ورد عليه من القواد،
стр. 361
وقد لبس السواد، اسيد بن عبد الله، ومقاتل بن حكيم، ومحقن بن غزوان، والحريش مولى خزاعة، وتنادوا: محمد، يا منصور. يعنون محمد بن على بن عبد الله ابن عباس. وهو أول من قام بالأمر، وبث دعاته في الافاق.
وانجفل الناس على ابى مسلم من هراة، وبوشنج، ومرو الروذ، والطالقان، ومرو، ونسا، وابيورد [١] ، وطوس [٢] ، ونيسابور، وسرخس، وبلخ، والصغانيان، والطخارستان، وختلان، وكش [٣] ، ونسف، فتوافوا جميعا مسودى الثيابا، وقد سودوا أيضا انصاف الخشب التي كانت معهم، وسموها كافر كوبات [٤] .
وأقبلوا فرسانا، وحماره، ورجاله، يسوقون حميرهم ويزجرونها، هر مروان، يسمونها مروان، ترغيما لمروان بن محمد، وكانوا زهاء مائه الف رجل.
فلما بلغ نصر بن سيار ظهور ابى مسلم سقط في يديه، وخاف على نفسه، ولم يامن ان ينحاز الكرماني في اليمانيه، والربعيه اليهم، فيكون في ذلك اصطلامه، فاراد ان يستعطف من كان مع الكرماني من ربيعه.
فكتب اليهم، وكانوا جميعا بمرو:
ابلغ ربيعه في مرو وإخوتها ... ان يغضبوا قبل ان لا ينفع الغضب
ما بالكم تلحقون الحرب بينكم ... كان اهل الحجا عن فعلكم غيب
وتتركون عدوا قد أظلكم ... ممن تأشب، لا دين ولا حسب
ليسوا الى عرب منا، فنعرفهم ... ولا صميم الموالي، ان هم نسبوا
قوما يدينون دينا ما سمعت ... عن الرسول، ولا جاءت به الكتب
стр. 362
فمن يكن سائلي عن اصل دينهم ... فان دينهم ان تقتل العرب
فلم تحفل ربيعه بهذه الأبيات.
وبلغ أبا العباس الامام، وهو مستخف بالكوفه ان أبا مسلم لو اراد ان يصطلم عسكر نصر والكرماني لفعل، غير انه يدافع الحرب، فكتب اليه يؤنبه في ذلك.
وكان ابو مسلم يحب ان يستميل احد الرجلين، ليفصم به شوكه الآخر، فأرسل الى الكرماني، يسأله ان ينضم اليه، لينتقم له من نصر بن سيار، فعزم على المسير اليه، واقبل ابو مسلم في عساكره الى ارض مرو، فعسكر على سته فراسخ من المدينة.
وخرج اليه الكرماني ليلا في نفر من قومه، فاستامن لجميع اصحابه، فامنهم ابو مسلم، واكرم الكرماني، فأقام معه، وشق ذلك على نصر بن سيار، وايقن بالهلكة.
فكتب الى الكرماني يسأله الرجوع اليه، على ان يعتزلا، ويوليا الأمر رجلا من ربيعه، يرضيانه، وهو الأمر الذى كان ساله اياه.
فاصغى الكرماني الى ذلك، وتحمل ليلا من معسكر ابى مسلم، حتى انصرف الى معسكره، واسترسل الكرماني الى نصر، فلما أصاب منه غره دس عليه من قتله.
ويقال: بل وجه اليه نصر رجلا من قواده في ثلاثمائه فارس، فكمنوا له ليلا عند منصرفه من معسكر ابى مسلم، فلما حاذاهم، وهو غافل عنهم، حملوا عليه، فقتلوه.
وبلغ ذلك أبا مسلم فقال لا يبعد الله غيره، لو صبر معنا لقمنا معه، ونصرناه على عدوه.
стр. 363
وقال نصر في ظفره بالكرمانى:
لعمري، لقد كانت ربيعه ظافرت ... عدوى بغدر حين خابت جدودها
وقد غمزوا منى قناه صليبه ... شديدا على من رامها الكسر عودها
وكنت لها حصنا، وكهفا، وجنه ... يؤول الى، كهلها، ووليدها
فمالوا الى السوءات، ثم ... وهل يفعل السوءات الا مريدها؟
فاوردت كرمانيها الموت ... كذاك منايا الناس يدنو بعيدها
قالوا: ولما قتل الكرماني مضى ابنه على من خندقه الى ابى مسلم، فسأله ان يطلب له بثار ابيه.
فامر قحطبه بن شبيب ان يستعد، ويسير حتى ينيخ على نصر في خندقه، فينابذه الحرب، او ينيب الى الطاعة.
فسار قحطبه، فبدا بالمدينة، فدخلها، واستولى عليها، وارسل الى نصر يؤذنه بالحرب.
فكتب نصر الى ابى مسلم، يسأله الامان، على ان يدخل معه في امره، فأجابه الى ذلك، وامر قحطبه ان يمسك عنه.
فلما أصاب نصر من قحطبه غفله تحمل في حشمه وولده، وحاشيته ليلا، فخرج من معسكره من غير ان يعلم اصحابه، وسار نحو العراق، وجعل طريقه على جرجان، فأقام بها، فمرض فيها، فسار منها الى ساوه [١] ، فأقام بها أياما ثم توفى بها.
فاستامن جميع اصحابه واصحاب الكرماني الى ابى مسلم الا أناسا كرهوا امر ابى مسلم، فساروا من مدينه مرو هرابا، حتى أتوا طوس، فأقاموا بها.
стр. 364
وان أبا مسلم استولى على خراسان، واستعمل عماله عليها.
فكان أول من عقد له منهم زنباع بن النعمان، على سمرقند، وولى خالد بن ابراهيم، على طخارستان، وولى محمد بن الاشعث، الطبسين [١] ، ثم وجه اصحابه الى سائر تلك البلاد، وضم الى قحطبه بن شبيب أبا عون، مقاتل بن حكيم العكي، وخالد بن برمك، وحارثة بن خزيمة، وعبد الجبار بن نهيك، وجهور بن مراد العجلى، والفضل بن سليمان، وعبد الله بن النعمان الطائي، وضم الى كل واحد من هؤلاء القواد صناديد الجنود وابطالهم.
وامر قحطبه ان يسير الى طوس، فيلقى من قد اجتمع بها من جنود نصر بن سيار، والكرماني، فيحاربهم حتى يطردهم عنها، ثم يتقدم، قدما قدما، حتى يرد العراق.
فسار قحطبه حتى إذا دنا من طوس هرب أولئك الذين قد كانوا تجمعوا بها، فتفرقوا، وسار قحطبه من طوس الى جرجان، فافتتحها.
وسار منها الى الري، فواقع عامل مروان عليها، فهزمه، ثم سار من الري الى أصبهان حتى وافاها، وبها عامر بن ضباره، من قبل يزيد بن عمر، فهرب منه، ودخلها قحطبه، واستولى عليها.
ثم سار حتى اتى نهاوند، وبها مالك بن ادهم الباهلى، فتحصن أياما، ثم استامن الى قحطبه، فآمنه، فخرج اليه، وسار قحطبه حتى نزل حلوان، فأقام بها.
وكتب الى ابى مسلم يعلمه خبره، وان مروان بن محمد قد اقبل من الشام حتى وافى الزابين [٢] فأقام بها في ثلاثين ألفا، وان يزيد بن عمر بن هبيرة قد استعد بواسط.
стр. 365
فأتاه كتاب ابى مسلم، يأمره ان يوجه أبا عون العكي في ثلاثين الف فارس من ابطال جنوده الى مروان بن محمد بالزابين، فيحاربه، ويسير هو في بقية الجنود الى واسط، فيحارب يزيد بن عمر، ليشغله عن توجيه المدد الى مروان.
ففعل قحطبه ذلك.
وبلغ مروان فصول ابى عون اليه بالجيوش من حلوان فاستقبله، فالتقيا بشهرزور، فاقتتلوا، فانهزم اهل الشام حتى صاروا الى مدينه حران.
قال الهيثم: فحدثني اسماعيل بن عبد الله القسرى، أخو خالد بن عبد الله قال:
دعانى مروان عند وصوله الى حران، وكنت اخص الناس عنده، فقال لي:
يا أبا هاشم وما كنانى قبل ذلك.
فقلت: لبيك يا امير المؤمنين.
قال: ترى ما قد نزل من الأمر، وأنت الموثوق برايه، فما ترى؟.
قلت: وعلا م اجمعت يا امير المؤمنين؟.
قال: اجمعت على ان ارتحل بأهلي، وولدى، وخاصه اهل بيتى، ومن اتبعنى من اصحابى حتى اقطع الدرب، واصير الى ملك الروم، فاستوثق منه بالأمان، ولا يزال يأتيني الخائف من اهل بيتى وجنودي حتى يكثف امرى، واصيب قوه على محاربه عدوى.
قال اسماعيل: وذلك، والله، كان الرأي له عندي، غير انى ذكرت سوء اثره في قومى، ومعاداته إياهم، وتحامله عليهم، فصرفت الرأي عنه.
وقلت له: يا امير المؤمنين، اعيذك بالله، ان تحكم اهل الشرك في نفسك وحرمك، لان الروم لا وفاء لهم.
قال: فما الرأي عندك؟
قلت: الرأي ان تقطع الفرات، وتستقرى مدن الشام، مدينه مدينه، فان لك بكل مدينه صنائع ونصحاء، وتضمهم جميعا إليك، وتسير حتى تنزل ببلاد مصر، فهى اكثر اهل الارض مالا، وخيلا، ورجالا، فتجعل الشام امامك،
стр. 366
وإفريقية [١] خلفك، فان رايت ما تحب انصرفت الى الشام، وان تكن الاخرى اتسع لك المهرب نحو إفريقية، فإنها ارض واسعه، نائيه منفرده.
قال: صدقت، لعمري، وهو الرأي.
فسار من حران حتى قطع الفرات، وجعل يستقرى مدن الشام، فيستنهضهم، فيروغون عنه، ويهابون الحرب، فلم يسر معه منهم الى قليل.
وسار ابو عون صاحب قحطبه في اثر مروان حتى انتهى الى الشام، وقصد دمشق، فقتل من أهلها مقتله عظيمه، فيهم ثمانون رجلا من ولد مروان ابن الحكم.
نهاية بنى اميه
ثم عبر الشام سائرا نحو مصر حتى وافاها، واستعد مروان فيمن كان معه، من اهل الوفاء له، وكانوا نحوا من عشرين الف رجل، وسار مستقبلا أبا عون حتى التقى الفريقان، فاقتتلوا.
فلم يكن لأصحاب مروان ثبات، فقتل منهم خلق، وانهزم الباقون، فتبددوا، وهرب مروان على طريق إفريقية، وطلبته الخيل، فحال بينها وبينه الليل، فعبر مروان النيل في سفينه، فصار في الجانب الغربي، وكان منجما [٢] ، فقال لغلامه:
انى ان سلمت هذه الليلة رددت خيل خراسان على اعقابها حتى ابلغ خراسان.
ثم نزل، ودفع دابته الى غلامه، وخلع درعه، فتوسدها، ونام لشدة ما قد كان مر به من التعب، ولم يكن معه دليل يدله على الطريق، وخاف ان يوغل في تلك المفاوز، فيضل.
стр. 367
واقبل رجل من اصحاب ابى عون، يسمى عامر بن اسماعيل في طلب مروان، حتى اتى المكان الذى عبر فيه مروان، فدعا بسفينه، فجلس فيها، وعبر، فانتهى به السير الى مروان، وهو مستثقل نوما، فضربه بالسيف حتى قتله.
قالوا: ولما بلغ محمد بن خالد بن عبد الله القسرى، وكان مستترا بالكوفه في بجيله، موافاه قحطبه بن شبيب حلوان بجموع اهل خراسان جمع اليه نفرا من اشراف قومه، ثم ظهر، ودعا لأبي العباس الامام، فطلبه زياد بن صالح، عامل يزيد بن عمر، فاجتمع اليه قومه، فمنعوه، وقاموا دونه.
وبلغ ذلك يزيد بن عمر بن هبيرة، فامد زياد بن صالح بالرجال، واجتمع الى محمد جميع من كان بالكوفه من اليمانيه والربعيه، فهرب زياد بن صالح حتى لحق بيزيد بن عمر بواسط.
وكتب محمد بن خالد الى قحطبه، وهو بحلوان، يسأله ان يوليه امر الكوفه، ويبعث اليه عهده عليها، ففعل.
فاتى المسجد الأعظم في جمع كثير من اليمانيه، وقد أظهروا السواد، وذلك يوم عاشوراء من المحرم سنه اثنتين وثلاثين ومائه [١] .
وقال محمد بن خالد فيما كان من قتله الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
قتلنا الفاسق المختال لما ... اضاع الحق، واتبع الضلالا
يقول لخالد الا حمته ... بنو قحطان ان كانوا رجالا
فكيف راى غداه غدت عليه ... كراديس يشبهها الجبالا [٢]
الا ابلغ بنى مروان عنى ... بان الملك قد اودى، فزالا
وسار يزيد بن عمر بن هبيرة الى الكوفه يريد محمد بن خالد، فدخل محمد على
стр. 368
ابى سلمه الداعي، فاخبره بفصول ابن هبيرة نحوه، وتخوفه ان لا يقوى بكثرة جموعه.
فقال له ابو سلمه: انه قد كان منك من الدعاء الى الامام ابى العباس ما لا ينساه لك، فلا تفسد ذلك بقتلك نفسك، ومن معك، ودع الكوفه، فإنها في يديك، وسر بمن معك حتى تنضم الى قحطبه.
قال محمد: لست بخارج من الكوفه حتى ابلى عذرا في محاربه ابن هبيرة.
فاستعد بمن كان معه بالكوفه من اليمن وربيعه، وسار مستقبلا لابن هبيرة حتى التقى.
فنادى محمد بن خالد من كان مع ابن هبيرة من قومه: تبا لكم، انسيتم قتل ابى خالد، وتحامل بنى اميه عليكم، ومنعهم إياكم اعطياتكم؟ يا بنى عم، قد أزال الله ملك بنى اميه، وادال منهم، فانضموا الى ابن عمكم، فان هذا قحطبه بحلوان في جموع اهل خراسان، وقد قتل مروان، فلم تقتلون أنفسكم؟
وان الأمير قحطبه قد ولانى الكوفه، وهذا عهدي عليها، فليكن لكم اثر في هذه الدولة.
فلما سمعوا ذلك مالوا اليه جميعا، ولم يلق مع ابن هبيرة الا قيس وتميم.
فلما راى ذلك ولى منهزما بمن معه حتى وافى واسط، ووجه في نقل الميرة [١] إليها، واستعد للحصار.
وانصرف محمد بن خالد الى الكوفه، فخطب الناس، ودعا لأبي العباس، وأخذ بيعه اهل الكوفه.
واقبل قحطبه من حلوان حتى وافى العراق، فنزل دمما [٢] وهي فيما بين بغداد والأنبار وذلك قبل ان تبنى بغداد، وانما كانت قريه، يقوم بها سوق في كل شهر مره، فأقام معسكرا بها.
стр. 369
فقال على بن سليمان الأزدي يذكر محمد بن خالد وسبقه الى الدعاء الى بنى هاشم:
يا حاديينا بالطريق قوما ... بيعملات كالقسى رسما [١]
تنجو باحواز الفلاة مقدما ... الى امرئ اكرم من تكرما
محمد لما سما وأقدما ... ثار بكوفان بها معلما
في عصبه تطلب امرا مبرما ... حتى علا منبرها معمما
اكرم بما فاز به وأعظما ... إذ كان عنها الناس كلا نوما
وان قحطبه عند مسيره الى العراق استخلف على ارض الجبل يوسف بن عقيل الطائي، واقبل ابن هبيرة حتى صار على شاطئ الفرات الغربي، وهو في نحو من ثلاثين الف رجل.
واقبل قحطبه حتى نزل في الجانب الشرقى، فأقام ثلاثا، ثم نادى في جنوده، ان اقحموا خيلكم الماء، فاقتحموها، وقحطبه امام اصحابه.
ولما عبر اصحاب قحطبه قاتلهم ابن هبيرة، فلم يقم لهم، فانهزم حتى اتى واسطا، فتحصن فيها، وفقد قحطبه بن شبيب فلم يدر اين ذهب.
ويزعم بعض الناس ان فرسه غاص به فغرق، وتولى امر الناس ابنه الحسن بن قحطبه.
ولما تحصن ابن هبيرة بواسط خلف الحسن بن قحطبه عليه بعض قواده في عشرين الف رجل، وسار نحو الكوفه، وقد أخذها محمد بن خالد، فوافاها الحسن بن قحطبه، وبها الامام ابو العباس.
стр. 370
[خلافة بني العباس]
مبايعه ابى العباس
فأظهر أبا العباس، واقبل به حتى دخل المسجد الأعظم، واجتمع له الناس، فصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، وصلى على نبيه، ع، ثم ذكر انتهاك بنى اميه المحارم، وهدمهم الكعبه، ونصبهم عليها المجانيق، وما أبدعوا من خبيث السير، ثم نزل.
فاكثر الناس له من الدعاء، واقبل نحو دار الإمارة، فنزلها.
وامر الحسن بن قحطبه بالانصراف الى واسط، والإناخة بيزيد بن عمر بن هبيرة.
فسار الحسن وحاصر يزيد أشهرا كثيره.
قال الهيثم بن عدى: بويع لأبي العباس بالخلافة، ولأبي جعفر بولاية العهد من بعده، في رجب، من سنه اثنتين وثلاثين ومائه [١] .
فلما استدف لأبي العباس الإمرة ولى أبا سلمه الداعي جميع ما وراء بابه، وجعله وزيره، واسند اليه جميع أموره، فكان يسمى وزير آل محمد، فكان ينفذ الأمور من غير مؤامره.
وبلغ ذلك أبا مسلم وهو بخراسان، فدعا مروان الضبي، وكان احد قواده، وقال له: انطلق الى الكوفه، فاخرج أبا سلمه من عند الامام ابى العباس، فاضرب عنقه، وانصرف من ساعتك، ففعل الضبي ذلك.
فقال الشاعر يرثى أبا سلمه:
ان الوزير وزير آل محمد ... اودى فمن يشناك كان وزيرا [٢] .
ثم ان الامام أبا العباس راى ان يوجه أخاه أبا جعفر المنصور الى واسط، ليتولى
стр. 371
محاربه ابن هبيرة، فوجهه، وكتب الى الحسن بن قحطبه يعلمه ان العسكر عسكره، وانه أحب ان يكون اخوه المتولى للامر.
فلما وافى ابو جعفر واسطا تحول الحسن بن قحطبه عن سرداقه، وخلاه بما فيه له، فنزله ابو جعفر بحريمه وحشمه.
وكتب ابو جعفر الى قواد يزيد بن عمر واشراف من العرب، يستميلهم بالاطماع، وينبههم على حظوظهم، ويعرفهم انصرام دوله بنى اميه، فأجابوه جميعا.
وكان أول من اجابه وانحرف اليه زياد بن صالح الحارثى، وكان عامل ابن هبيرة على الكوفه، واخص اصحابه عنده، وقد كان ابن هبيرة ولاه حراسه مدينته بالليل، ودفع اليه مفاتيح أبوابها.
قال الهيثم: فحدثني ابى، قال: لما هم زياد باللحوق بابى جعفر ارسل الى، وكان وصى ابى، فكنت ادعوه أبا وعما، وقد كان رسوله أتاني عند اختلاط الظلام، يأمرني بالمصير اليه، فأتيته، فخلا بي، وقال:
يا ابن أخي، انك لست ممن اكتمه شيئا، وقد أتاني كتاب ابى جعفر، يدعوني الى اللحوق به، ويبذل لي على ذلك منزله سنيه، واعلم في كتابه انه راع للخئوله وكانت أم ابى العباس حارثيه.
قال والدى: فقلت له، يا عم، ان لابن هبيرة ايادى جميله، واكره لك الغدر به.
فقال: يا ابن أخي، انا من اشكر الناس له، غير انى لا ارى ان اقيم على ملك، قد انقضت قواه، ووهت عراه، وانا لابن هبيرة اليوم عند ابى جعفر انفع منى له هاهنا، وأرجو ان يصلح الله امره بي وعلى يدي، فاقم عندي الى وقت خروجى لاسلم لك المفاتيح.
فاقمت عنده.
فلما مضى ثلث الليل امر غلمانه، فحملوا اثقاله، وأسرجوا دوابه، ثم ركب،
стр. 372
وخرج من منزله، وانا امشى معه، حتى انتهى الى باب المدينة الذى يلى دجلة، وكانت المفاتيح معه، وامر الاحراس ان يفتحوا الباب، وقال لهم: اريد الخروج لاستطلاع بعض الأمور، وانا منصرف بعد ساعه.
ثم خرج، وأمرني باغلاق الباب وأخذ المفاتيح.
فقال لي فيما بيني وبينه: إذا اصبحت فانطلق بالمفاتيح حتى تدفعها الى ابن هبيرة من يدك الى يده، واعلمه انى له هناك افضل منى له هاهنا، ثم ودعني، ومضى، وانصرفت الى منزلي.
فلما اصبحت اتيت باب قصر الإمارة، فاستأذنت على ابن هبيرة.
فقال لي الحاجب: هو قاعد في مصلاه، لم يقم عنه.
قلت: اعلمه انى أتيته في مهم.
فاذن لي.
فدخلت، وهو قاعد في محرابه، وعليه كساء بركانى [١] معلم، فسلمت عليه بالإمرة.
فرد السلام.
وقال: مهم.
فحدثته بأمر زياد بن صالح، فدمعت عيناه.
وقال: بمن تثق اليوم بعد زياد، وتوليتي اياه الكوفه، وبري به؟
فقلت: ايها الأمير: ان الله ربما جعل في الكره خيرا، وأرجو ان ينفعك الله بمكانه هناك.
فقال: لا حول ولا قوه الا بالله.
ثم قال: يا غلام، على بطارق بن قدامه القسرى.
فدخل عليه، وانا جالس عنده، فدفع اليه تلك المفاتيح.
стр. 373
وقال: يا طارق، انى قد اخترتك لحراسة هذه المدينة على جميع أصحابك من خاصتنا، فكن كنحو ثقتي بك.
ولما طال على ابن هبيرة الحصار بعث الى المنصور يسأله الامان، فأرسل اليه:
ان اردت ان أومنك على حكم امير المؤمنين ابى العباس فعلت.
فشاور ابن هبيرة نصحاءه، فأشاروا عليه ان يفعل.
فأرسل الى ابى جعفر يعلمه: انى راض بذلك.
فكتب اليه ابو جعفر ذلك بخطه، واشهد على نفسه بذلك القواد.
فخرج ابن هبيرة الى ابى جعفر في نفر من بطانته، فدخل عليه، وهو في سرادقه، وحول السرادق عشره آلاف نفر من اهل خراسان مستلئمين في السلاح، فامر ابو جعفر بوساده، فجلس عليها قليلا، ثم نهض، ودعى له بدابته، فركب، وانصرف الى منزله، وفتحت أبواب المدينة، ودخل الناس بعضهم في بعض.
قالوا: واحصى ما في الخزائن من الأموال والسلاح، وما بقي من الطعام والعلف الذى كان ابن هبيرة قد ادخر، واعد للحصار، فكان المال ثلاثة آلاف الف درهم، ومن السلاح شيء كثير، وطعام ثلاثين الف رجل، وعلف عشرين الف راس من الدواب سنه.
وان أبا جعفر كتب الى ابى العباس يخبره بخروج ابن هبيرة على حكمه، ويسأله ان يعلمه الذى يرى فيه.
فكتب ابو العباس: لا حكم لابن هبيرة عندي الا السيف.
فلما انتهى الكتاب بذلك الى ابى جعفر كتمه عن جميع الناس.
وقال لحاجبه: مر ابن هبيرة إذا ركب إلينا الا يركب الا في غلام واحد، ويدع عنه هذه الجماعات.
فلما كان من غد ركب ابن هبيرة الى ابى جعفر في موكب عظيم.
стр. 374
فقال له سلام الحاجب: أبا خالد، كأنك انما تأتي ولى العهد مباهيا، ولا تأتيه مسلما.
قال ابن هبيرة: ان كنتم كرهتم ذلك لم آتكم الا في غلام واحد.
قال: فلا تأتنا الا في غلام واحد، فانى لم اقل ذلك استخفافا بحقك، الا ان اهل خراسان ينكرون كثره من يركب معك.
فكان ابن هبيرة بعد ذلك لا يأتيهم الا في غلام واحد، فيدخل، ويسلم، وينصرف.
ثم ان أبا جعفر قال للحسن بن قحطبه: اجمع إليك أبا بكر العقيلي، والحوثره بن سهل، ومحمد بن بنانه، وعبد الله بن بشر، وطارق بن قدامه، وسويد بن الحارث المزنى، وهؤلاء كانوا قواد يزيد بن عمر، فإذا اجتمعوا عندك فاضرب أعناقهم، وائتنى بخواتيمهم، ووجه حرسا يحرسون ابن هبيرة، لانفذ فيه امر الامام ابى العباس.
فانطلق الحسن بن قحطبه، فانفذ امره في أولئك، وأتاه بخواتيمهم.
قال: فما نطق منهم احد عند قتله، وما كان منه جزع ولا امتناع.
فلما كان في اليوم الثانى دعا ابو جعفر خازم بن خزيمة، وابراهيم بن عقيل، فقال لهما: انطلقا في عشره نفر من الحرس حتى تدخلا على ابن هبيرة فتقتلاه.
فاقبلا حتى دخلا عليه عند طلوع الشمس، وهو جالس في مسجده في القصر مسند ظهره الى المحراب، ووجهه الى رحبه القصر.
فلما نظر اليهم قال لحاجبه: يا أبا عثمان، احلف بالله ان في وجوه القوم لشرا.
فمضى ابو عثمان مستقبلا لهم، وقال لهم: ما تريدون؟.
فبعجه ابراهيم بن عقيل بالسيف، فقتله، وقام ابراهيم ابنه في وجوه القوم، فقتل، ثم قام ابنه داود في وجوههم، فقتل، ثم قام كاتبه عمرو، فقتل.
стр. 375
وأقبلوا نحو ابن هبيرة، فلما دنوا منه حول وجهه الى القبله، وسجد، فضربوه بأسيافهم حتى خمد.
ثم انصرفا الى ابى جعفر، فأخبراه بذلك، فامر ابو جعفر مناديا، فنادى ايها الناس، أنتم آمنون الا الحكم بن عبد الملك بن بشر، ومحمد بن ذر، وخالد بن سلمه المخزومي.
قال الهيثم: فحدثني ابى قال: قال محمد بن ذر، فضاقت على الارض برحبها، فخرجت ليلا من مدينه واسط على قدمي، وانا اقرا آيه الكرسي، فما عرض لي احد من الناس حتى نجوت، فلم أزل خائفا حتى استامن لي زياد بن عبد الله من الامام ابى العباس، فآمنني.
قال وهرب الحكم بن عبد الملك الى كسكر، فاستخفى بها.
وضاقت بخالد بن سلمه المخزومي الارض، فاتى باب ابى جعفر المنصور ليلا، فاستامن له، فآمنه.
ثم نودى ايها الناس، أنتم جميعا آمنون، يا اهل الشام، ألحقوا بشامكم، ويا اهل الحجاز، ألحقوا بحجازكم، فسكن الناس، وآمنوا، واطمأنوا.
واستعمل المنصور على واسط الهيثم بن زياد الخزاعي في خمسه آلاف من اهل خراسان، ثم انصرف بسائر الناس حتى قدم على الامام ابى العباس، وهو بالحيرة.
ثم ان الامام سار من الحيرة في جموعه حتى اتى الأنبار، فاستطابها، فابتنى بها مدينه باعلى المدينة عظيمه لنفسه وجموعه، وقسمها خططا بين اصحابه من اهل خراسان، وبنى لنفسه في وسطها قصرا عاليا منيفا، فسكنه، واقام بتلك المدينة طول خلافته، وتسمى الى اليوم مدينه ابى العباس.
ثم ان أبا العباس وجه أخاه أبا جعفر المنصور الى خراسان، وامره ان ياتى
стр. 376
أبا مسلم، فيناظره في بعض الأمور، ووجه معه ثلاثين رجلا من وجوه القواد، وفيهم الحجاج بن ارطاه الفقيه، واسحق بن الفضل الهاشمى.
فلما قدم المنصور على ابى مسلم لم يبالغ ابو مسلم في بره وإكرامه، ولم يظهر السرور التام بقدومه.
فانصرف الى ابى العباس، وقال: لست بخليفه ما دام ابو مسلم حيا، فاحتل لقتله قبل ان يفسد عليك امرك، فلقد رايته وكأنه لا احد فوقه، ومثله لا يؤمن غدره ونكثه.
فقال ابو العباس: وكيف يمكن ذلك، ومعه اهل خراسان؟ وقد اشربت قلوبهم حبه، واتباع امره، وايثار طاعته.
فقال ابو جعفر: فذاك والله احرى ان لا تامنه، فاحتل له.
فقال ابو العباس: يا أخي، اضرب عن هذا، ولا تعلمن رأيك في ذلك أحدا.
وان أبا العباس قال ذات يوم للحجاج بن ارطاه، وقد خلا معه: ما تقول في ابى مسلم؟
فقال: يا امير المؤمنين، ان الله تعالى يقول في كتابه: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.
قال ابو العباس: امسك، فقد فهمت ما اردت.
ثم ان أبا مسلم وجه محمد بن الاشعث بن عبد الرحمن أميرا على فارس.
وراى ابو العباس ان يستعمل عليها عمه عيسى بن على، فعقد له عليها، وامره بالمسير إليها.
فلما قدم عيسى على محمد بن الاشعث ابى ان يسلم اليه.
فقال له عيسى: يا ابن الاشعث، الست في طاعه الامام ابى العباس؟
قال: بلى، غير ان أبا مسلم أمرني الا اسلم العمل الى احد من الناس.
стр. 377
قال عيسى: فإنما ابو مسلم عبد الامام، وان الامام لا يرضى ان يرد امره.
قال محمد: دع عنك هذا، لست اسلم العمل إليك الا بكتاب ابى مسلم.
فانصرف عيسى الى ابى العباس، فاخبره ذلك، فكظم، وامر عمه بالمقام عنده، فأقام.
وان أبا مسلم عقد للمغلس بن السرى على ارض طخارستان حتى وافاها، فخرج اليه منصور مستعدا للحرب، فالتقوا، فاقتتلوا، فكان الظفر للمغلس، وهرب منصور في نفر من اصحابه حتى وقعوا في الرمال، فماتوا عطشا.
واقام المغلس على باب بلاد السند.
وان أبا مسلم كتب الى الامام ابى العباس يستاذنه في القدوم عليه، والمقام عنده الى أوان الحج ليحج، فاذن له ابو العباس في ذلك، فسار ابو مسلم حتى إذا قارب الامام امر ابو العباس جميع من كان معه بالحضرة من القواد والاشراف ان يستقبلوه، فاستقبل بالكرامه، وترجل له الاشراف والقواد.
واقبل حتى وافى مدينه ابى العباس، فانزله معه في قصره، ولم يال جهده في بره وإكرامه، حتى إذا حان وقت الحج استاذنه في الحج.
فقال له ابو العباس: لولا ان أخي أبا جعفر قد عزم على الحج لوليتك الموسم، فكونا جميعا.
قال ابو مسلم: وذاك أحب الى.
ثم خرجا.
فكان يرتحل ابو جعفر، وينزل ابو مسلم حتى وافيا مكة، فقضيا حجهما، وانصرفا.
стр. 378
ابو جعفر المنصور
فلما وصل ابو جعفر الى ذات عرق في منصرفه أتاه نعى الامام ابى العباس [١] ، فأقام بمكانه حتى وافاه ابو مسلم، فاخبره بوفاه ابى العباس.
فخنقت أبا مسلم العبرة [١] ، وقال: رحم الله امير المؤمنين، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
فقال ابو جعفر: انى قد رايت ان تخلف اثقالك ومن معك من جنودك على، فيكونوا معى، وتركب أنت في عشره نفر البريد حتى ترد الأنبار، فتضبط العسكر، وتسكن الناس.
قال ابو مسلم: افعل.
فركب في عشره نفر من خاصته، وسار بالحث الشديد حتى وافى العراق، وانتهى الى مدينه ابى العباس بالأنبار، فوجد عيسى بن على بن عبد الله بن عباس قد دعا الناس الى بيعته، وخلع ولايه العهد عن ابى جعفر.
فلما رأوا أبا مسلم مالوا معه، وتركوا عيسى.
فلما وافى ابو جعفر اعتذر اليه عيسى، واعلمه انه انما اراد بذلك ضبط العسكر، وحفظ الخزائن، وبيوت الأموال.
فقبل ابو جعفر منه ذلك، ولم يؤاخذه بما كان منه.
واجتمع الناس، وبايعوا المنصور أبا جعفر.
ثم أتاه انتقاض الشام، وقد كان ابو العباس استعمل عليها عمه عبد الله بن على، فلما بلغه وفاه ابى العباس دعا لنفسه، واستمال من كان معه من جنود خراسان، فمالوا معه.
فلما بلغ أبا جعفر ذلك قال لأبي مسلم ايها الرجل، انما هو انا او أنت، فاما ان تسير الى الشام فتصلح امرها، او اسير انا.
стр. 379
قال ابو مسلم، بل اسير انا.
فاستعد، وسار في اثنى عشر ألفا من ابطال جنود خراسان حتى إذا وافى الشام انحاز اليه من كان بها من الجنود جميعهم، وبقي عبد الله بن على وحده.
فعفا ابو مسلم عنه، ولم يؤاخذه بما كان منه.
وكانت خلافه ابى العباس اربع سنين وسته اشهر.
وان أبا جعفر عند مسير ابى مسلم نحو الشام وجه يقطين بن موسى في اثر ابى مسلم، وقال: ان تكن هناك غنائم فتول قبضها.
وبلغ ذلك أبا مسلم، فشق عليه، وقال: ان امير المؤمنين لم يأتمنى على ما هاهنا حتى استظهر على بامين. ودخلته من ذلك وحشه شديده.
ولما بلغ المنصور اصلاح الشام كره المقام بمدينه ابى العباس التي بالأنبار، فسار بعسكره الى المدائن، فنزل الى المدينة التي تدعى الرومية وهي من المدائن على فرسخ، وهي المدينة التي بناها كسرى انوشروان، وأنزلها السبى الذى سباه من بلاد الروم، فأقام المنصور بتلك المدينة.
وان أبا مسلم انصرف فاخذ على الفرات حتى وافى العراق على الأنبار، وجاز حتى وافى كرخ بغداد [١] ، وهي إذ ذاك قريه، ثم عبر دجلة من بغداد، وأخذ طريق خراسان، وترك طريق المدائن.
وبلغ ذلك أبا جعفر.
فكتب الى ابى مسلم: اريد مناظرتك في امور لم يحتملها الكتاب، فخلف عسكرك حيث ينتهى إليك كتابي، فاقدم على.
فلم يلتفت ابو مسلم الى كتاب المنصور، ولم يعبأ به.
وكان مع المنصور رجل من ولد جرير بن عبد الله البجلي، واسمه جرير بن يزيد بن عبد الله، وكانت له خلابة، وتات في الأمور، ومكيده.
فقال له ابو جعفر: اركب البريد حتى تلحق أبا مسلم، فتحاول رده الى،
стр. 380
فانه قد مضى مغاضبا، ولا آمن افساده على، وتات في رده بافضل التاتى.
فسار الرجل حتى لحقه في بعض الطريق، وقد نزل بعض المنازل بعسكره، فدخل عليه مضربه.
فقال:
ايها الأمير، اجهدت نفسك، واسهرت ليلك، واتعبت نهارك في نصره مواليك، واهل بيت نبيك حتى إذا استحكم لهم الأمر، وتوطد لهم السلطان، ونلت امنيتك فيهم تنصرف على هذه الحال، فما تقول الناس؟ الا تعلم ان ذلك مطعنه عليك، ومسبه، في حياتك، وبعد وفاتك؟.
فلم يزل به حتى عزم على الانصراف معه الى المنصور، وخلف عسكره بمكانه ذلك.
وسار منصرفا في الف فارس من افاضل من كان معه من جنود خراسان والقواد، وقد كان ابو مسلم يقول: ان المنجمين أخبروني ان لا اقتل الا بالروم.
قتل ابى مسلم الخراسانى
حتى وافى أبا جعفر بالرومية، فدخل عليه، فقام اليه ابو جعفر، وعانقه، واظهر السرور بانصرافه.
وقال له: كدت تمضى من قبل ان أراك، وافضى إليك بما اريد، فقم، فضع عنك ثيابك، وانزل حتى يذهب كلال السير عنك.
فخرج ابو مسلم الى قصر قد اعد له.
ونزل اصحابه حوله.
فمكث ثلاثة ايام، يغدو كل يوم الى ابى جعفر، فيدخل على دابته، حتى ينتهى الى باب المجلس الذى فيه الامام، فينزل، ويدخل اليه، فيجلس عنده مليا، فيتناظران في الأمور.
فلما كان في اليوم الرابع وطن له ابو جعفر عثمان بن نهيك، وكان على حرسه،
стр. 381
وشبث بن روح، وكان على شرطته، وأبا فلان بن عبد الله، وكان على الخيل، وامرهم ان يكمنوا في بيت الى جنب المجلس الذى كان فيه.
وقال لهم: إذا انا صفقت يدي ثلاثا فاخرجوا الى ابى مسلم، فبضعوه.
وامر الحاجب إذا دخل ابو مسلم ان يأخذ عنه سيفه.
واقبل ابو مسلم، فدخل، وأخذ الحاجب سيفه.
فدخل مغضبا، وقال:
يا امير المؤمنين، فعل بي ما لم يفعل بي مثله قط، أخذ السيف من عاتقى.
قال ابو جعفر: ومن اخذه لعنه الله؟ اجلس، لا عليك.
فجلس، وعليه قباء اسود خز، ووضع له متكئا، ولم يكن في البيت غيرهما.
فقال ابو جعفر:
ما اردت بمضيك نحو خراسان قبل لقائي؟
قال ابو مسلم:
لأنك وجهت في اثرى الى الشام أمينا في احصاء الغنائم، اما وثقت بي فيها؟.
فاغلظ له ابو جعفر الكلام.
فقال:
يا امير المؤمنين، انسيت حسن بلائي، وفضل قيامي، واتعابى نفسي ليلى ونهاري؟ حتى سقت هذا السلطان إليكم.
قال ابو جعفر:
يا ابن الخبيثة، والله لو قامت مقامك أمه سوداء لاغنت غناك، انما تأتي لك الأمور في ذلك بما أحب الله، من اظهار دعوتنا اهل البيت، ورد حقنا إلينا، ولو كان ذلك بحولك وحيلتك وقوتك ما قطعت فتيلا، الست يا ابن اللخناء الذى كتبت الى تخطب عمتي آمنه بنت على بن عبد الله؟ وتزعم في كتابك انك ابن سليط بن عبد الله بن عباس، لقد ارتقيت مرتقى صعبا.
стр. 382
فقال ابو مسلم:
يا امير المؤمنين، لا تدخل على نفسك الغم والغيظ بسببي، فانى اصغر قدرا من ان ابلغ منك هذا.
فصفق ابو جعفر بكفيه ثلاثا، وخرج عليه القوم بالسيوف.
فلما رآهم ابو مسلم ايقن بالأمر، فقام الى ابى جعفر، فتناول رجله ليقبلها، فرفسه ابو جعفر برجله، فوقع ناحيه، فأخذته السيوف.
فقال ابو مسلم. اما من سلاح يحامى به المرء عن نفسه.
فضربوه حتى خمد.
وامر به ابو جعفر، فلف في بساط، ووضع ناحيه من البيت.
وقد كان ابو مسلم قبل دخوله على ابى جعفر قال لعيسى بن على: ادخل معى الى امير المؤمنين، فانى اريد معاتبته في بعض الأمور.
فقال له عيسى: تقدم فانى على اثرك.
فاقبل عيسى حتى دخل على ابى جعفر، فقال:
يا امير المؤمنين، اين ابو مسلم؟
قال ابو جعفر: ها هو ذاك ملفوف في ذلك البساط.
قال عيسى: اقتلته؟ انا لله، فكيف تصنع بجنوده؟ وهؤلاء قد جعلوه ربا.
فامر ابو جعفر فهيئت الف صره، في كل صره ثلاثة آلاف درهم.
واحس اصحاب ابى مسلم بالأمر، فصاحوا، وسلوا السيوف، فامر ابو جعفر بتلك الصرر، فقذفت اليهم مع راس ابى مسلم.
وصعد عيسى بن على الى اعلى القصر، وقال:
يا اهل خراسان، انما كان ابو مسلم عبدا من عبيد امير المؤمنين، وجد عليه، فقتله، فليفرخ روعكم، فان امير المؤمنين بالغ آمالكم.
стр. 383
فترجل القوم وتناولوا تلك الصرر، كل واحد صره، وترك الراس مقذوفا.
ثم ان أبا جعفر وضع لأصحاب ابى مسلم العطاء، ووجه الأموال الى عسكر ابى مسلم حيت خلفه، فاسنى لهم العطاء، وكتب كتابا، فقرئ عليهم، يبسط فيه آمالهم، واجزل صلات القواد والاشراف منهم، فارضاهم ذلك.
واستدفت الخلافه لأبي جعفر المنصور سنه ثمان وثلاثين ومائه [١] ، فوجه عماله الى اقطار الارض.
مدينه بغداد
وان أبا جعفر أحب ان يبنى لنفسه وجنوده مدينه ليتخذها دار المملكة.
فسار بنفسه يرتاد الاماكن حتى انتهى الى بغداد، وهي إذ ذاك قريه يقوم بها سوق في كل شهر، فاعجبه المكان، فخط لنفسه وحشمه ومواليه وولده واهل بيته المدينة، وسماها مدينه السلام، وبنى قصره وسطها الى المسجد الأعظم.
ثم خط لجنوده حول المدينة، وجعل اهل كل بلد من خراسان في ناحيه منها منفرده، وامر الناس بالبناء، ووسع عليهم في النفقات، وامر، فحفر نهر الفرات من ثمانية فراسخ، وفوهه النهر من دمما [٢] ، فأجرى الى بغداد ليأتي فيه مواد الشام والجزيرة، كما تأتي مواد الموصل وما اتصل بالموصل في دجلة، وكان بناؤه إياها في سنه تسع وثلاثين ومائه [٣] .
ثم ان أبا جعفر حج بالناس سنه اربعين ومائه، وجعل منصرفه على مدينه الرسول، فوضع لأهلها العطاء، فاسنى لهم في الرزق وفرق فيهم الجوائز.
ومضى نحو الشام قاصدا لبيت المقدس حتى وافاها، فأقام بها شهرا، ثم سار الى الرقة، فأقام بها بقية عامه ذلك، ثم سار من الرقة حتى وافى مدينه السلام، فأقام بها حولا كاملا.
стр. 384
الراونديه
ثم سار منها سنه اثنتين واربعين ومائه نحو البصره حتى وافاها، فبلغه ان الراونديه [١] تداعوا، وخرجوا يطلبون بثار ابى مسلم، وخلعوا الطاعة، فوجه اليهم خازم بن خزيمة، فقتلهم، وبددهم في الارض، ثم عقد لمعن بن زائده من البصره على اليمن، واقام عامه ذلك بالبصرة.
وزعموا ان عمرو بن عبيد دخل اليه، فلما رآه ابو جعفر صافحه، واجلسه الى جانبه، فتكلم عمرو، فقال:
يا امير المؤمنين، ان الله قد أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك من الله ببعضها، واعلم ان الله لا يرضى منك الا بما ترضاه منه، فإنك لا ترضى من الله الا بان يعدل عليك، وان الله لا يرضى منك الا بالعدل في رعيتك، يا امير المؤمنين، ان من وراء بابك نيرانا تاجح من الجور، وما يعمل من وراء بابك بكتاب الله ولا بسنه رسول الله، يا امير المؤمنين: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، حتى اتى على آخر السورة [٢] ، ثم قال: ولمن عمل والله بمثل عملهم.
قالوا: فبكى ابو جعفر.
فقال ابن مجالد: مه يا عمرو، قد شققت على امير المؤمنين منذ اليوم.
قال عمرو: من هذا يا امير المؤمنين؟
قال: هذا اخوك ابن مجالد.
قال عمرو: يا امير المؤمنين ما احد اعدى لك من ابن مجالد، ايطوى عنك النصيحه، ويمنعك من ينصحك؟ وانك لمبعوث وموقوف ومسئول عن مثاقيل الذر من الخير والشر.
стр. 385
قال: فرمى ابو جعفر بخاتمه، وقال:
قد وليتك ما وراء بابى، فادع أصحابك، فولهم.
قال: ان اصحابى لن يأتوك حتى يروك قد عملت بالعدل، كما قلت بالعدل.
ثم انصرف.
وسار ابو جعفر من البصره سنه ثلاث واربعين نحو الجبل حتى وافى مدينه نهاوند، وقد كان بلغه طيبها، فأقام بها شهرا.
ثم انصرف حتى اتى المدائن، فأقام بها بقية عامه ذلك، وعقد منها لخزيمه بن خازم على جميع طبرستان، حتى إذا آن أوان الحج خرج منها حاجا سنه اربع واربعين ومائه، ونزل الربذة [١] ، فلما قضى حجه انصرف، ولم يدخل المدينة.
وفي ذلك العام خرج عليه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن ابى طالب ع، الملقب بالنفس الزكيه، فوجه اليه ابو جعفر عيسى بن موسى بن على في خيل، فقتل ﵀، وخرج اخوه ابراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، فقتل رضوان الله عليهم.
موت ابى جعفر المنصور
وفي سنه ثمان وخمسين ومائه حج ابو جعفر، فنزل الابطح على بئر ميمون، فمرض بها، وتوفى غداه السبت، لست خلون من ذي الحجه.
فأقام الحج للناس في ذلك العام ابراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وصلى على ابى جعفر عيسى بن موسى، فكانت خلافته عشرين سنه، وتوفى وله ثلاث وستون سنه، ودفن باعلى مكة.
стр. 386
توليه محمد المهدى
ثم بويع للمهدي بن المنصور يوم السبت لسبع عشره ليله خلت من ذي الحجه [١] ، وفي ذلك العام امر المهدى باتخاذ المقاصير في جميع مساجد الجماعات، ثم حج المهدى سنه ستين ومائه، فانصرف على المدينة، فامر ان يشترى ما حول المسجد من المنازل والدور، فيوسع به المسجد.
وفي سنه اثنتين وستين ومائه خرجت المحمرة بجرجان، فسار اليهم عمر بن العلاء، ففرقهم.
وفي ذلك العام عقد المهدى ولايه العهد لابنه موسى الهادي، ومن بعده لابنه الرشيد.
وفي سنه تسع وستين خرج موسى بن المهدى الى جرجان، وخرج المهدى الى ماسبذان [٢] فأقام بها متنزها.
ومات بها وهو ابن ثلاث واربعين سنه، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا ونصفا.
ولايه موسى الهادي
وأتت الخلافه موسى الهادي، وهو بجرجان، وبويع بمدينه السلام لثمان بقين من المحرم.
وفي ذلك العام خرج الحسين بن على بن الحسن بالمدينة، وسار نحو مكة، فلقيه عيسى بن موسى والعباس بن على، فقتلاه.
وفي سنه سبعين ومائه توفى الامام موسى بن المهدى بعيسياباذ [٣] في النصف من شهر ربيع الاول، وكان له يوم توفى اربع وعشرون سنه، وكانت خلافته سنه وشهرا واربعه وعشرين يوما.
стр. 387
خلافه هرون الرشيد
وفي ذلك العام استخلف هرون الرشيد، وحج، وانصرف الى المدينة، فوضع لأهلها العطاء، واجزل لهم.
واقبل الى العراق فوافى الكوفه، وعقد لأبي العباس الطوسى على خراسان، فلبث عليها عامين، ثم عزله.
واستعمل عليها محمد بن الاشعث.
وفي سنه اربع وسبعين ومائه وقعت العصبية بأرض الشام بين المضرية واليمانيه، فتحاربوا حتى قتل من الفريقين بشر كثير.
وحج الرشيد في ذلك العام بالناس ومعه ابناه محمد، وعبد الله، وكتب بينهما كتابا بولاية العهد لمحمد، ومن بعده لعبد الله المأمون، وعلق الكتاب في جوف الكعبه، ثم انصرف الى مدينه السلام.
واستعمل على خراسان الغطريف بن عطاء.
قال على بن حمزه الكسائي: ولانى الرشيد تاديب محمد وعبد الله، فكنت اشدد عليهما في الأدب، وآخذهما به أخذا شديدا، وبخاصه محمدا، فاتتنى ذات يوم خالصه جاريه أم جعفر.
فقالت: يا كسائي، ان السيده تقرا عليك السلام، وتقول لك، حاجتي إليك ان ترفق بابني محمد، فانه ثمره فؤادى وقره عيني، وانا ارق عليه رقه شديده.
فقلت لخالصه: ان محمدا مرشح للخلافة بعد ابيه، ولا يجوز التقصير في تأديبه.
فقالت خالصه: ان لرقة السيده سببا، انا مخبرتك به.
انها في الليلة التي ولدته اريت في منامها كان اربع نسوه اقبلن اليه، فاكتنفنه عن يمينه وشماله، وامامه وورائه، فقالت التي بين يديه: ملك قليل العمر، ضيق الصدر، عظيم الكبر، واهي الأمر، كثير الوزر، شديد الغدر،
стр. 388
وقالت التي من ورائه: ملك قصاف، مبذر متلاف، قليل الإنصاف، كثير الاسراف، وقالت التي عن يمينه: ملك ضخم، قليل الحلم، كثير الإثم، قطوع للرحم، وقالت التي عن يساره: ملك غدار، كثير العثار، سريع الدمار. ثم بكت خالصه، وقالت: يا كسائي، وهل يغنى الحذر؟.
وذكر عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد، وكنت غبت عنه حولين بالبصرة، فأومأ الى بالجلوس قريبا منه، فجلست قليلا، ثم نهضت، فأومأ الى ان اجلس، فجلست، حتى خف الناس.
ثم قال لي:
يا أصمعي، الا تحب ان ترى محمدا وعبد الله؟
قلت: بلى يا امير المؤمنين، انى لاحب ذلك، وما اردت القيام الا إليهما، لاسلم عليهما.
قال: تكفى.
ثم قال: على بمحمد وعبد الله.
فانطلق الرسول.
وقال: أجيبا امير المؤمنين.
فاقبلا، كأنهما قمرا أفق، قد قاربا خطاهما، وضربا ببصرهما الارض حتى وقفا على أبيهما، فسلما عليه بالخلافة، وأومأ إليهما، فدنيا منه، فاجلس محمدا عن يمينه، وعبد الله عن شماله.
ثم أمرني بمطارحتهما، فكنت لا القى عليهما شيئا من فنون الأدب الا أجابا فيه وأصابا.
فقال: كيف ترى ادبهما؟
قلت: يا امير المؤمنين، ما رايت مثلهما في ذكائهما وجوده ذهنهما، فاطال الله بقاءهما، ورزق الامه من رأفتهما ومعطفتهما.
فضمهما الى صدره، وسبقته عبرته حتى تحدرت دموعه.
стр. 389
ثم اذن لهما، حتى إذا نهضا وخرجا، قال:
كيف بكم إذا ظهر تعاديهما وبدا تباغضهما، ووقع باسهما بينهما حتى تسفك الدماء، ويود كثير من الأحياء انهم كانوا موتي؟
فقلت: يا امير المؤمنين، هذا شيء قضى به المنجمون عند مولدهما، او شيء اثرته العلماء في أمرهما؟
قال: بل شيء اثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في امرهما.
قالوا: فكان المأمون يقول في خلافته: قد كان الرشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر بن محمد، فلذلك قال ما قال.
قال الأصمعي: وكان الرشيد يحب السمر، ويشتهى احاديث [١] الناس، فكان يرسل الى إذا نشط لذلك، وجن عليه الليل، فاسامره، فأتيت ذات ليله، ولم يكن عنده احد، فسامرته ساعه، ثم اطرق، وفكر، ثم قال:
يا غلام، على بالعباسى يعنى الفضل بن الربيع.
فحضر، ودخل، فاذن له بالجلوس.
فقال: يا عباسي، انى عنيت بتوليه العهد، ومثبت الأمر في محمد وعبد الله، وقد علمت انى ان وليت محمدا مع ركوبه هواه، وانهماكه في اللهو واللذات خلط على الرعية، وضيع الأمر، حتى يطمع فيه الأقاصي من اهل البغى والمعاصي، وان صرفت الأمر الى عبد الله ليسلكن بهم المحجة، وليصلحن المملكة، وان فيه لحزم المنصور وشجاعة المهدى، فما ترى؟
قال الفضل: يا امير المؤمنين، ان هذا امر خطير عظيم، والزلة فيه لا تستقال، وللكلام فيه مكان غير هذا.
فعلمت انهما يحبان الخلوه، فقمت عنهما، وجلست ناحيه من صحن الدار، فما زالا يتناظران الى ان أصبحا.
стр. 390
واتفق رأيهما على توليه محمد العهد، وتصيير عبد الله من بعده، وقسمه الأموال والجنود بينهما، وان يقيم محمد بدار الخلافه، ويتولى المأمون خراسان.
فلما اصبح امر بجميع القواد، فاجتمعوا اليه، فدعاهم الى بيعه محمد، ومن بعده الى بيعه المأمون، فأجابوا الى ذلك، وبايعوا.
وفي سنه ثمانين ومائه [١] عقد الرشيد لعلى بن عيسى بن ماهان على خراسان، وفي ذلك العام خرج الرشيد الى ارض الشام، وأخذ على الموصل، فلما وافاها امر بهدم مدينتها، وقد كانوا وثبوا بعامله.
وفي ذلك العام وثب اهل خراسان بعاملهم، فقتلوه، فأقام بالشام عامه ذلك، ثم خرج حاجا، فلما انصرف قصد الأنبار، فنزل به بمدينه ابى العباس، وهي من الأنبار على نصف فرسخ، وقد كان بقي بها جمع عظيم من أبناء اهل خراسان، توالدوا بها حتى كثروا، فهم الى الان، فأقام بها شهرا، ثم توجه منها الى الرقة [٢] فأقام بها شهرا.
وخرج منها غازيا الى ارض الروم، فافتتح مدينه من مدنهم، تسمى معصوف. ثم انصرف الى الرقة، فأقام بها بقية عامه ذلك.
فلما كان أوان الحج، حج، فقضى نسكه، وجعل منصرفه على الرقة، فأقام بها، وولى يزيد بن مزيد أرمينية، ثم قدم من الرقة سنه اربع وثمانين ومائه حتى وافى مدينه السلام، ونزل قصره بالرصافة [٣] ، وأخذ عماله بالبقايا، ثم سار من مدينه السلام في سنه خمس وثمانين ومائه عائدا الى الرقة، وقد كان استطابها.
فلما كان أوان الحج حج، فمر بالمدينة، فأعطاهم ثلاث اعطيات، واعطى اهل مكة عطاءين، ثم انصرف، فقصد الأنبار، فأقام بها شهرا، ثم انصرف الى مدينه السلام.