← История

История · id 9760

الأخبار الطوال

أبو حنيفة الدينوري

Полный текст (406 стр.). Показаны 386–406 · переход к 391.

стр. 386

توليه محمد المهدى ثم بويع للمهدي بن المنصور يوم السبت لسبع عشره ليله خلت من ذي الحجه [١] ، وفي ذلك العام امر المهدى باتخاذ المقاصير في جميع مساجد الجماعات، ثم حج المهدى سنه ستين ومائه، فانصرف على المدينة، فامر ان يشترى ما حول المسجد من المنازل والدور، فيوسع به المسجد. وفي سنه اثنتين وستين ومائه خرجت المحمرة بجرجان، فسار اليهم عمر بن العلاء، ففرقهم. وفي ذلك العام عقد المهدى ولايه العهد لابنه موسى الهادي، ومن بعده لابنه الرشيد. وفي سنه تسع وستين خرج موسى بن المهدى الى جرجان، وخرج المهدى الى ماسبذان [٢] فأقام بها متنزها. ومات بها وهو ابن ثلاث واربعين سنه، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا ونصفا. ولايه موسى الهادي وأتت الخلافه موسى الهادي، وهو بجرجان، وبويع بمدينه السلام لثمان بقين من المحرم. وفي ذلك العام خرج الحسين بن على بن الحسن بالمدينة، وسار نحو مكة، فلقيه عيسى بن موسى والعباس بن على، فقتلاه. وفي سنه سبعين ومائه توفى الامام موسى بن المهدى بعيسياباذ [٣] في النصف من شهر ربيع الاول، وكان له يوم توفى اربع وعشرون سنه، وكانت خلافته سنه وشهرا واربعه وعشرين يوما.

стр. 387

خلافه هرون الرشيد وفي ذلك العام استخلف هرون الرشيد، وحج، وانصرف الى المدينة، فوضع لأهلها العطاء، واجزل لهم. واقبل الى العراق فوافى الكوفه، وعقد لأبي العباس الطوسى على خراسان، فلبث عليها عامين، ثم عزله. واستعمل عليها محمد بن الاشعث. وفي سنه اربع وسبعين ومائه وقعت العصبية بأرض الشام بين المضرية واليمانيه، فتحاربوا حتى قتل من الفريقين بشر كثير. وحج الرشيد في ذلك العام بالناس ومعه ابناه محمد، وعبد الله، وكتب بينهما كتابا بولاية العهد لمحمد، ومن بعده لعبد الله المأمون، وعلق الكتاب في جوف الكعبه، ثم انصرف الى مدينه السلام. واستعمل على خراسان الغطريف بن عطاء. قال على بن حمزه الكسائي: ولانى الرشيد تاديب محمد وعبد الله، فكنت اشدد عليهما في الأدب، وآخذهما به أخذا شديدا، وبخاصه محمدا، فاتتنى ذات يوم خالصه جاريه أم جعفر. فقالت: يا كسائي، ان السيده تقرا عليك السلام، وتقول لك، حاجتي إليك ان ترفق بابني محمد، فانه ثمره فؤادى وقره عيني، وانا ارق عليه رقه شديده. فقلت لخالصه: ان محمدا مرشح للخلافة بعد ابيه، ولا يجوز التقصير في تأديبه. فقالت خالصه: ان لرقة السيده سببا، انا مخبرتك به. انها في الليلة التي ولدته اريت في منامها كان اربع نسوه اقبلن اليه، فاكتنفنه عن يمينه وشماله، وامامه وورائه، فقالت التي بين يديه: ملك قليل العمر، ضيق الصدر، عظيم الكبر، واهي الأمر، كثير الوزر، شديد الغدر،

стр. 388

وقالت التي من ورائه: ملك قصاف، مبذر متلاف، قليل الإنصاف، كثير الاسراف، وقالت التي عن يمينه: ملك ضخم، قليل الحلم، كثير الإثم، قطوع للرحم، وقالت التي عن يساره: ملك غدار، كثير العثار، سريع الدمار. ثم بكت خالصه، وقالت: يا كسائي، وهل يغنى الحذر؟. وذكر عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد، وكنت غبت عنه حولين بالبصرة، فأومأ الى بالجلوس قريبا منه، فجلست قليلا، ثم نهضت، فأومأ الى ان اجلس، فجلست، حتى خف الناس. ثم قال لي: يا أصمعي، الا تحب ان ترى محمدا وعبد الله؟ قلت: بلى يا امير المؤمنين، انى لاحب ذلك، وما اردت القيام الا إليهما، لاسلم عليهما. قال: تكفى. ثم قال: على بمحمد وعبد الله. فانطلق الرسول. وقال: أجيبا امير المؤمنين. فاقبلا، كأنهما قمرا أفق، قد قاربا خطاهما، وضربا ببصرهما الارض حتى وقفا على أبيهما، فسلما عليه بالخلافة، وأومأ إليهما، فدنيا منه، فاجلس محمدا عن يمينه، وعبد الله عن شماله. ثم أمرني بمطارحتهما، فكنت لا القى عليهما شيئا من فنون الأدب الا أجابا فيه وأصابا. فقال: كيف ترى ادبهما؟ قلت: يا امير المؤمنين، ما رايت مثلهما في ذكائهما وجوده ذهنهما، فاطال الله بقاءهما، ورزق الامه من رأفتهما ومعطفتهما. فضمهما الى صدره، وسبقته عبرته حتى تحدرت دموعه.

стр. 389

ثم اذن لهما، حتى إذا نهضا وخرجا، قال: كيف بكم إذا ظهر تعاديهما وبدا تباغضهما، ووقع باسهما بينهما حتى تسفك الدماء، ويود كثير من الأحياء انهم كانوا موتي؟ فقلت: يا امير المؤمنين، هذا شيء قضى به المنجمون عند مولدهما، او شيء اثرته العلماء في أمرهما؟ قال: بل شيء اثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في امرهما. قالوا: فكان المأمون يقول في خلافته: قد كان الرشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر بن محمد، فلذلك قال ما قال. قال الأصمعي: وكان الرشيد يحب السمر، ويشتهى احاديث [١] الناس، فكان يرسل الى إذا نشط لذلك، وجن عليه الليل، فاسامره، فأتيت ذات ليله، ولم يكن عنده احد، فسامرته ساعه، ثم اطرق، وفكر، ثم قال: يا غلام، على بالعباسى يعنى الفضل بن الربيع. فحضر، ودخل، فاذن له بالجلوس. فقال: يا عباسي، انى عنيت بتوليه العهد، ومثبت الأمر في محمد وعبد الله، وقد علمت انى ان وليت محمدا مع ركوبه هواه، وانهماكه في اللهو واللذات خلط على الرعية، وضيع الأمر، حتى يطمع فيه الأقاصي من اهل البغى والمعاصي، وان صرفت الأمر الى عبد الله ليسلكن بهم المحجة، وليصلحن المملكة، وان فيه لحزم المنصور وشجاعة المهدى، فما ترى؟ قال الفضل: يا امير المؤمنين، ان هذا امر خطير عظيم، والزلة فيه لا تستقال، وللكلام فيه مكان غير هذا. فعلمت انهما يحبان الخلوه، فقمت عنهما، وجلست ناحيه من صحن الدار، فما زالا يتناظران الى ان أصبحا.

стр. 390

واتفق رأيهما على توليه محمد العهد، وتصيير عبد الله من بعده، وقسمه الأموال والجنود بينهما، وان يقيم محمد بدار الخلافه، ويتولى المأمون خراسان. فلما اصبح امر بجميع القواد، فاجتمعوا اليه، فدعاهم الى بيعه محمد، ومن بعده الى بيعه المأمون، فأجابوا الى ذلك، وبايعوا. وفي سنه ثمانين ومائه [١] عقد الرشيد لعلى بن عيسى بن ماهان على خراسان، وفي ذلك العام خرج الرشيد الى ارض الشام، وأخذ على الموصل، فلما وافاها امر بهدم مدينتها، وقد كانوا وثبوا بعامله. وفي ذلك العام وثب اهل خراسان بعاملهم، فقتلوه، فأقام بالشام عامه ذلك، ثم خرج حاجا، فلما انصرف قصد الأنبار، فنزل به بمدينه ابى العباس، وهي من الأنبار على نصف فرسخ، وقد كان بقي بها جمع عظيم من أبناء اهل خراسان، توالدوا بها حتى كثروا، فهم الى الان، فأقام بها شهرا، ثم توجه منها الى الرقة [٢] فأقام بها شهرا. وخرج منها غازيا الى ارض الروم، فافتتح مدينه من مدنهم، تسمى معصوف. ثم انصرف الى الرقة، فأقام بها بقية عامه ذلك. فلما كان أوان الحج، حج، فقضى نسكه، وجعل منصرفه على الرقة، فأقام بها، وولى يزيد بن مزيد أرمينية، ثم قدم من الرقة سنه اربع وثمانين ومائه حتى وافى مدينه السلام، ونزل قصره بالرصافة [٣] ، وأخذ عماله بالبقايا، ثم سار من مدينه السلام في سنه خمس وثمانين ومائه عائدا الى الرقة، وقد كان استطابها. فلما كان أوان الحج حج، فمر بالمدينة، فأعطاهم ثلاث اعطيات، واعطى اهل مكة عطاءين، ثم انصرف، فقصد الأنبار، فأقام بها شهرا، ثم انصرف الى مدينه السلام.

стр. 391

ثم عقد البيعه لابنه القاسم بعد محمد وعبد الله، وولاه الشام، فوجه القاسم عليها عماله. وحج الرشيد سنه ثمان وثمانين ومائه، وانصرف فنزل الحيرة [١] ، فأقام بها أياما، ثم دخل مدينه السلام. وفي سنه تسع وثمانين سار الى الري فأقام بها شهرا، ثم انصرف نحو مدينه السلام، فضحى بقصر اللصوص [٢] ، ثم دخل بغداد، ولم ينزلها، ومضى حتى انتهى الى السالحين [٣] ، وهي من مدينه السلام على ثلاثة فراسخ، فبات بها ثم سار عامدا للرقه حتى وافاها، وامر عند ممره ببغداد بخشبه جعفر بن يحيى ان تحرق، واقام بالرقة بقية ذلك العام. فلما دخلت سنه تسعين ومائه خرج غازيا لارض الروم حتى اوغل فيها وانتهى الى هرقله [٤] ، فافتتحها. وفي ذلك العام خرج رافع بن نصر بن سيار مغاضبا بأرض خراسان، وكان سبب خروجه ان على بن عيسى بن ماهان لما ولى خراسان أساء السيرة، وتحامل على من كان بها من العرب، واظهر الجور، فخرج عليه رافع، فواقعه وقعات، ثم انحاز فيمن اتبعه من اهل خراسان، وكانوا زهاء ثلاثين الف رجل في سمرقند، واقام بمدينتها. وبلغ ذلك الرشيد، فعزل على بن عيسى عنها، واستعمل عليها هرثمة بن اعين. ثم انصرف الرشيد قافلا من الروم حتى نزل بمدينه السلام عامه ذلك، واستخلف ابنه محمدا على دار المملكة، وخرج عامدا لارض خراسان ليتولى حرب رافع بنفسه. ودخلت سنه اثنتين وتسعين ومائه وفيها خرجت الخرمية [٥] بأرض الجبل

стр. 392

في المره الاولى، فوجه اليهم محمد الامين بعبد الله بن مالك الخزاعي، فقتل منهم مقتله عظيمه، وشرد بقيتهم في البلدان. وسار الرشيد حتى وافى مدينه طوس [١] ، فنزل في دار حميد الطوسى، ومرض بها مرضا شديدا، فجمع له الأطباء يعالجونه، فقال: ان الطبيب بطبه ودوائه ... لا يستطيع دفاع محذور جرى ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يشفى مثله فيما مضى فلما اشتد به الوجع قال للفضل بن الربيع: يا عباسي، ما تقول الناس؟ قال: يقولون، ان شأني امير المؤمنين قد مات. فامر ان يسرج له حمار ليركبه، ويخرج، فاسرج له، وحمل حتى وضع على السرج، فاسترخت فخذاه ولم يستطع الثبوت. فقال: ارى الناس قد صدقوا. ثم توفى. وذلك في سنه ثلاث وتسعين ومائه يوم السبت، لخمس ليال خلون من جمادى الآخرة [٢] ، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنه، وشهرا ونصفا. توليه محمد الامين فاتت الخلافه محمدا الامين ببغداد، يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة، ونعاه للناس يوم الجمعه، ودعاهم الى تجديد البيعه، فبايعوا. ووصل الخبر بوفاه الرشيد الى المأمون، وهو بمدينه مرو، يوم الجمعه لثمان خلون من الشهر، فركب الى المسجد الأعظم، ونودى في الجنود وسائر الوجوه، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، وصلى على النبي وآله، ثم قال:

стр. 393

ايها الناس، احسن الله عزاءنا وعزاءكم في الخليفة الماضى، صلوات الله عليه، وبارك لنا ولكم في خليفتكم الحادث، مد الله في عمره. ثم خنقته العبرة، فمسح عينه بسواده. ثم قال: يا اهل خراسان، جددوا البيعه لامامكم الامين. فبايعه الناس جميعا. ولما أتت الخلافه محمدا، وبايعه الناس دخل عليه الشعراء، وفيهم الحسن ابن هانئ [١] ، فانشدوه، وقام الحسن في آخرهم، فانشده قوله: الا دارها بالماء حتى تلينها ... فلن تكرم الصهباء حتى تهينها وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... كان شعاع الشمس يلقاك دونها كان يواقيتا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها [٢] لقد جلل الله الكرامه أمه ... يكون امير المؤمنين امينها حميت حماها بالقنابل والقنا ... ووفرت دنياها عليها ودينها يراك بنو المنصور اولاهم بها ... وان أظهروا غير الذى يكتمونها فوصلهم جميعا، وفضله. ثم ان محمد الامين دعا اسماعيل بن صبيح كاتب السر، فقال: ما الذى ترى يا ابن صبيح؟ قال: ارى دوله مباركه، وخلافه مستقيمه، وامرا مقبلا، فتمم الله ذلك لأمير المؤمنين بافضله واجزله.

стр. 394

قال له محمد: انى لم أبغك قاصا، انما اردت منك الرأي. قال اسماعيل: ان راى امير المؤمنين ان يوضح لي الأمر لأشير عليه بمبلغ رأيي ونصحى فعل. قال: انى قد رايت ان اعزل أخي عبد الله من خراسان، واستعمل عليها موسى ابن امير المؤمنين. قال اسماعيل: اعيذك بالله يا امير المؤمنين ان تنقض ما اسسه الرشيد، ومهده، وشيد أركانه. قال محمد: ان الرشيد موه عليه في امر عبد الله بالزخرفه، ويحك يا بن صبيح، ان عبد الملك بن مروان كان احزم رايا منك، حيث قال: لا يجتمع فحلان في هجمة الا قتل أحدهما صاحبه. قال اسماعيل: اما إذ كان هذا رأيك، فلا تجاهره، بل اكتب اليه، واعلمه حاجتك اليه بالحضرة، ليعينك على ما قلدك الله من امر عباده وبلاده، فإذا قدم عليك، وفرقت بينه وبين جنوده كسرت حده، وظفرت به، وصار رهنا في يديك، فائت في امره ما اردت. قال محمد: اجدت يا ابن صبيح، واصبت، هذا لعمري الرأي. ثم كتب اليه يعلمه ان الذى قلده الله من امر الخلافه والسياسة قد اثقله، ويسأله ان يقدم عليه ليعينه على أموره، ويشير عليه بما فيه مصلحته، فان ذلك اعود على امير المؤمنين من مقامه بخراسان، واعمر للبلاد، وادر للفيء، واكبت للعدو، وآمن للبيضه. ثم وجه الكتاب مع العباس بن موسى، ومحمد بن عيسى، وصالح صاحب المصلى. فساروا نحو خراسان، فاستقبلهم طاهر بن الحسين مقبلا من عند المأمون على ولايه الري، حتى انتهوا الى المأمون وهو بمدينه مرو، فدخلوا عليه، وأوصلوا الكتاب اليه، وتكلموا.

стр. 395

فذكروا حاجه امير المؤمنين الامين اليه، وما يرجو في قربه من بسط المملكة، والقوه على العدو، فابلغوا في مقالتهم. وامر المأمون بانزالهم واكرامهم. ولما جن عليه الليل بعث الى الفضل بن سهل، وكان اخص وزرائه عنده، واوثقهم في نفسه، وقد كان جرب منه وثاقه راى وفضل حزم، فلما أتاه خلا به، واقراه كتاب محمد، واخبره بما تكلم به الوفد من امر التحضيض على المسير الى أخيه ومعاونته على امره. قال الفضل: ما يريد بك خيرا، وما ارى لك الا الامتناع عليه. قال المأمون: فكيف يمكنني الامتناع عليه، والرجال والأموال معه، والناس مع المال؟ قال الفضل: أجلني ليلتي هذه لآتيك غدا بما ارى. قال له المأمون: امض في حفظ الله. فانصرف الفضل بن سهل الى منزله، وكان منجما، فنظر ليلته كلها في حسابه ونجومه، وكان بها ماهرا. فلما اصبح غدا على المأمون، فاخبره انه يظهر على محمد ويغلبه، ويستولى على الأمر. فلما قال له ذلك، بعث الى الوفد، فاحسن صلاتهم وجوائزهم، وسألهم ان يحسنوا امره عند الامين، ويبسطوا من عذره. وكتب معهم اليه: اما بعد، فان الامام الرشيد ولانى هذه الارض على حين كلب من عدوها، ووهى من سدها، وضعف من جنودها، ومتى اخللت بها، او زلت عنها لم آمن انتقاض الأمور فيها، وغلبه اعدائها عليها، بما يصل ضرره الى امير المؤمنين حيث هو، فراى امير المؤمنين في ان لا ينقض ما أبرمه الامام الرشيد. وسار القوم بالكتاب حتى وافوا به الامين، وأوصلوا الكتاب اليه.

стр. 396

فلما قراه جمع القواد اليه، فقال لهم: انى قد رايت صرف أخي عبد الله عن خراسان، وتصييره معى ليعاوننى، فلا غنى بي عنه، فما ترون؟ فاسكت القوم. فتكلم خازم بن خزيمة، فقال: يا امير المؤمنين، لا تحمل قوادك وجنودك على الغدر فيغدروا بك، ولا يرون منك نقض العهد فينقضوا عهدك. قال محمد: ولكن شيخ هذه الدولة على بن عيسى بن ماهان لا يرى ما رايت، بل يرى ان يكون عبد الله معى ليؤازرنى ويحمل عنى ثقل ما انا فيه بصدده. ثم قال لعلى بن عيسى: انى قد رايت ان تسير بالجيوش الى خراسان، فتلى امرها من تحت يدي موسى بن امير المؤمنين، فانتخب من الجنود والجيوش على عينك. ثم امر بديوان الجند، فدفع اليه، فانتخب ستين الف رجل من ابطال الجنود وفرسانهم، ووضع لهم العطاء، وفرق فيهم السلاح، وامره بالمسير. فخرج بالجيوش، وركب معه محمد، فجعل يوصيه، ويقول: اكرم من هناك من قواد خراسان، وضع عن اهل خراسان نصف الخراج، ولا تبق على احد يشهر عليك سيفا، او يرمى عسكرك بسهم، ولا تدع عبد الله يقيم الا ثلاثا من يوم تصل اليه، حتى تشخصه الى ما قبلي. وقد كانت زبيده تقدمت الى على بن عيسى، وكان أتاها مودعا، فقالت له: ان محمدا، وان كان ابنى وثمره فؤادى، فان لعبد الله من قلبي نصيبا وافرا من المحبه، وانا التي ربيته، وانا احنو عليه، فإياك ان يبدأه منك مكروه، او تسير امامه، بل سر إذا سرت معه من ورائه، وان دعاك فلبه، ولا تركب حتى يركب قبلك، وخذ بركابه إذا ركب، واظهر له الإجلال والاكرام. ثم دفعت اليه قيدا من فضه وقالت: ان استعصى عليك في الشخوص فقيده بهذا القيد. وان محمد انصرف عنه بعد ان اوعز اليه، واوصاه بكل ما اراد.

стр. 397

وسار على بن عيسى بن ماهان حتى صار الى حلوان، فاستقبله عير مقبلة من الري، فسألهم عن خبر طاهر، فاخبروه انه يستعد للحرب، فقال: وما طاهر؟ ومن طاهر؟ ليس بينه وبين أخلاء الري الا ان يبلغه انى جاوزت عتبة همذان. ثم سار حتى خلف عتبة همذان وراءه، فاستقبله عير اخرى، فسألهم عن الخبر. فقالوا: ان طاهرا قد وضع العطاء لأصحابه، وفرق فيهم السلاح، واستعد للحرب. فقال: في كم هو؟ فقالوا: في زهاء عشره آلاف رجل. فاقبل الحسن بن على بن عيسى على ابيه فقال: يا أبت، ان طاهرا لو اراد الهرب لم يقم بالري يوما واحدا. فقال: يا بنى، انما تستعد الرجال لاقرانها، وان طاهرا ليس عندي من الرجال الذين يستعدون لمثلي، ويستعد له مثلي. وذكروا ان مشايخ بغداد قالوا: لم نر جيشا كان اظهر سلاحا، ولا اكمل عده، ولا افره خيلا، ولا انبل رجالا من جيش على بن عيسى يوم خرج، انما كانوا نخبا. وان طاهر بن الحسين جمع اليه رؤساء اصحابه فاستشارهم في امره، فأشاروا عليه، ان يتحصن بمدينه الري، ويحارب القوم من فوق السور الى ان يأتيه مدد من المأمون. فقال لهم: ويحكم، انى ابصر بالحرب منكم، انى متى تحصنت استضعفت نفسي، ومال اهل المدينة اليه لقوته، وصاروا أشد على من عدوى، لخوفهم من على ابن عيسى، ولعله ان يستميل بعض من معى بالاطماع، والرأي ان الف الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند الله. ثم نادى في جنوده بالخروج عن المدينة، وان يعسكروا بموضع يقال له القلوصه. فلما خرجوا عمد اهل الري الى أبواب مدينتهم، فاغلقوها.

стр. 398

فقال طاهر لأصحابه: يا قوم، اشتغلوا بمن امامكم، ولا تلتفتوا الى من وراءكم، واعلموا انه لا وزر لكم ولا ملجأ الا سيوفكم ورماحكم، فاجعلوها حصونكم. واقبل على بن عيسى نحو القلوصه، فتواقف العسكران للحرب، والتقوا، فصدقهم اصحاب طاهر الحمله. فانتقضت تعبئة على بن عيسى، وكانت منهم جولة شديده، فناداهم على ابن عيسى، وقال: ايها الناس، ثوبوا، واحملوا معى. فرماه رجل من اصحاب طاهر، فاثبته، وبعد ان دنا منه، وتمكن رماه بنشابه وقعت في صدره، فنفذت الدرع والسلاح حتى افضت الى جوفه، وخر مغشيا عليه ميتا. واستوت الهزيمة باصحابه. فما زال اصحاب طاهر يقتلونهم، وهم مولون حتى حال الليل بينهم، وغنموا ما كان في معسكرهم من السلاح والأموال. وبلغ ذلك محمدا، فعقد لعبد الرحمن الابناوى في ثلاثين الف رجل من الأبناء، وتقدم اليهم، الا يغتروا كاغترار على بن عيسى، ولا يتهاونوا كتهاونه. فسار عبد الرحمن حتى وافى همذان. وبلغ ذلك طاهرا، فتقدم، وسار نحوه، فالتقوا جميعا، فاقتتلوا شيئا من قتال، فلم يكن لأصحاب عبد الرحمن ثبات، فانهزم، واتبعه اصحابه، فدخلوا مدينه همذان، فتحصنوا فيها شهرا حتى نفد ما كان معهم من الزاد. قال: فطلب عبد الرحمن الابناوى الامان له ولجميع اصحابه، فاعطاه طاهر ذلك. ففتح أبواب المدينة، ودخل الفريقان بعضهم في بعض. وسار طاهر حتى هبط العقبه، فعسكر بناحيه اسداباذ [١]

стр. 399

ففكر عبد الرحمن، وقال: كيف اعتذر الى امير المؤمنين؟ فعبا اصحابه. فلما طلع الفجر زحف باصحابه الى طاهر، وهو غار، فوضع فيهم السيوف، فوقفت طائفه من اصحاب طاهر رجاله، يذبون عن اصحابهم حتى ركبوا، واستعدوا، ثم حملوا على عبد الرحمن واصحابه، فأكثروا فيهم القتل. فلما راى ذلك عبد الرحمن ترجل في حماه اصحابه فقاتلوا حتى قتل عبد الرحمن، وقتلوا معه. وبلغ ذلك محمدا، فسقط في يده، وبرز جنوده، فعقد لعبد الله الحرشي، في خمسه آلاف رجل، وليحيى بن على بن عيسى، في مثل ذلك، فسارا حتى وافيا قرميسين [١] . وبلغ طاهرا ذلك، فسار نحوهما، فانهزما من غير قتال حتى رجعا الى حلوان، فأقاما هناك. فزحف طاهر نحو حلوان، فانهزما حتى لحقا ببغداد، واقام طاهر بحلوان حتى وافاه هرثمة بن اعين من عند المأمون، في ثلاثين الف رجل من جنود خراسان، فاخذ طاهر من حلوان نحو البصره والاهواز. وتقدم هرثمة الى بغداد، فلم تقم لمحمد قائمه حتى قتل، وكان من امره ما كان. وان طاهر بن الحسين صعد من البصره، وتقدم هرثمة حتى احدقا ببغداد، واحاطا بمحمد الامين، ونصبا المنجنيق على داره حتى ضاق محمد بذلك ذرعا. وكان هرثمة بن اعين يحب صلاح حال محمد، والإبقاء على حشاشه نفسه، فأرسل

стр. 400

اليه محمد يسأله القيام بامره، واصلاح ما بينه وبين المأمون، على ان يخلع نفسه عن الخلافه، ويسلم الأمر لأخيه. فكتب اليه هرثمة: قد كان ينبغى لك ان تدعو الى ذلك قبل تفاقم الأمر، فاما الان فقد بلغ السيل الزبى، وشغل الحلى اهله ان يعار [١] ، ومع ذلك فانى مجتهد في اصلاح امرك، فصر الى ليلا، لأكتب بصوره امرك الى امير المؤمنين، وآخذ لك عهدا وثيقا، ولست آلو جهدا ولا اجتهادا في كل ما عاد بصلاح حالك، وقربك الى امير المؤمنين. فلما سمع ذلك محمدا استشار نصحاءه ووزراءه، فأشاروا بذلك عليه، وطمعوا في بقاء مهجته. فلما جنه الليل ركب في جماعه من خاصته وثقاته وجواريه، يريد العبور الى هرثمة. فأحس طاهر بن الحسين بالمراسله التي جرت بينهما والموافقة التي اتفقا عليها. فلما اقبل محمد، وركب بمن معه الماء شد عليه طاهر، فأخذه ومن معه، ثم دعا به في منزله، فاحتز راسه، وانفذه من ساعته الى المأمون. واقبل المأمون حتى دخل مدينه السلام، وصفت له المملكة واستوسقت له الأمور. وكان قتل محمد الامين ليله الأحد لخمس خلون من المحرم، سنه ثمان وتسعين ومائه [٢] ، وقتل، وله ثمان وعشرون سنه، وكانت ولايته اربع سنين وثمانية اشهر. الخليفة عبد الله المأمون وبويع المأمون، وهو عبد الله بن الرشيد، يوم الاثنين لخمس بقين من المحرم سنه ثمان وتسعين ومائه.

стр. 401

وكان شهما، بعيد الهمه، ابى النفس، وكان نجم ولد العباس في العلم والحكمه، وقد كان أخذ من جميع العلوم بقسط، وضرب فيها بسهم، وهو الذى استخرج كتاب اقليدس من الروم، وامر بترجمته وتفصيله، وعقد المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات، وكان استاذه فيها أبا الهذيل محمد بن الهذيل العلاف. ودخل بلاد الجزيرة والشام، فأقام بها مده طويله، ثم غزا الروم، وفتح فتوحا كثيره، وابلى بلاء حسنا. ثم توفى على نهر البذندون [١] ، ودفن بطرسوس يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب سنه ثمان عشره ومائتين [٢] . وكانت ولايته عشرين سنه وخمسه اشهر وثلاثة عشر يوما، وقد كان بلغ من السن تسعا وثلاثين سنه. وقد كان بايع لابنه العباس بن المأمون بولاية العهد من بعده. وخلفه بالعراق. ولايه محمد المعتصم فلما مات هو على نهر البذندون جمع اخوه ابو اسحق محمد بن هرون المعتصم بالله اليه وجوه القواد والأجناد، فدعاهم الى بيعته، فبايعوه. فسار من طرسوس حتى وافى مدينه السلام، فدخلها، وخلع العباس بن المأمون عنها، وغلبه عليها، وبايعه الناس بها. وكان قدومه بغداد مستهل شهر رمضان سنه ثمان عشره ومائتين، فأقام بها سنتين، ثم مر باتراكه الى سر من راى فابتناها، واتخذها دارا ومعسكرا.

стр. 402

وكانت في خلافته فتوحات لم تكن لأحد من الخلفاء الذين مضوا مثلها قبله. فمنها فتح بابك، واسره وقتله اياه، وصلبه، ومنها مازيار صاحب قلعه طبرستان، فانه تحصن في القلاع والجبال، فما زال به حتى اخذه، فقتله، وصلبه الى جنب بابك، ومنها جعفر الكردى، وقد كان اخرب البلاد وسبى الذراري، فوجه الخيول في طلبه، ولم يزل به حتى اخذه وقتله، وصلبه الى جنب بابك ومازيار، ومن ذلك فتح عموريه وهي القسطنطينية الصغرى، والاخرى فتحها الله على يديه. وكان ابتداء امر بابك، انه تحرك في آخر ايام المأمون وقد اختلف الناس في نسبه ومذهبه، والذى صح عندنا، وثبت، انه كان من ولد مطهر بن فاطمه بنت ابى مسلم، هذه التي ينتسب إليها الفاطمية من الخرمية، لا الى فاطمه بنت رسول الله ص، فنشأ بابك، والحبل مضطرب، والفتن متصله، فاستفتح امره بقتل من حوله بالبذ [١] ، واخراب تلك الأمصار والقرى التي حواليه، لتصفو له البلاد، ويصعب مطلبه، وتشتد المئونة في التوصل اليه، واشتدت شوكته، واستفحل امره. وقد كان المأمون وجه اليه حين اتصل به خبره عبد الله بن طاهر بن الحسين في جيش عظيم. فسار اليه، ونزل في طريقه الدينور [٢] ، في ظاهرها، في مكان يعرف الى يومنا هذا بقصر عبد الله بن طاهر، وهو كرم مشهور، ومكان مذكور. ثم سار منها حتى وافى البذ، وقد عظم امر بابك، وتهيبه الناس، فحاربوه، فلم يقدروا عليه، ففض جمعهم، وقتل صناديدهم.

стр. 403

وكان ممن قتل في تلك الوقعه محمد بن حميد الطوسى. وهو الذى رثاه ابو تمام بقصيدته التي يقول فيها: كان بنى نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر وفيها يقول: فاثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت اخمصك الحشر فلما افضى الأمر الى ابى اسحق المعتصم بالله لم تكن همته غيره، فأعد له الأموال والرجال، واخرج مولاه الافشين حيدر بن كاوس، فسار الافشين بالعساكر والجيوش حتى وافى برزند [١] ، فأقام بها حتى طاب الزمان، وانحسرت الثلوج عن الطرقات، ثم قدم خليفته يوباره [٢] وجعفر بن دينار، وهو المعروف بجعفر الخياط في جمع كثير من الفرسان الى الموضع الذى كان فيه معسكرا، وامرهما ان يحفرا خندقا حصينا، فسارا حتى نزلا هناك، واحتفرا الخندق. فلما فرغا من حفر الخندق استخلف الافشين ببرزند المرزبان، مولى المعتصم في جماعه من القواد، وسار هو حتى نزل الخندق، ووجه يوباره، وجعفر الخياط في جمع كثيف الى راس نهر كبير، وامرهما بحفر خندق آخر هناك فسارا حتى احتفراه. فلما فرغا وافاهما الافشين، ثم خلف في موضعه محمد بن خالد بخاراخذاه، وشخص الى درود [٣] ، في خمسه آلاف فارس والفى راجل، ومعه الف رجل من الفعله حتى نزل درود، واحتفر بها خندقا عظيما وبنى عليها سورا شاهقا، فكان بابك واصحابه يقفون على جبال شاهقة، فيشرفون منها على العسكر، ويولولون. ثم ركب الافشين يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شعبان في تعبئة، وحمل المجانيق، وامر بابك آذين ان يحصن تلا مشرفا على المدينة، ومعه ثلاثة آلاف رجل، وقد كان احتفر حوله الابار ليمنع الخيل منهم. فانصرف الافشين يوما الى خندقه، ثم غدا عليه يوم الجمعه في غره شهر رمضان،

стр. 404

فنصب المجانيق والعرادات [١] على المدينة، واحدقت القواد والرؤساء. واقبل بابك في انجاد اصحابه، وعباهم، فقاتله [٢] القواد قتالا شديدا الى العصر، ثم انصرفوا، وقد نكوا في اصحابه. واقام الافشين سته ايام، ثم ناهضه يوم الخميس لسبع ليال خلون من شهر رمضان، واستعد له بابك، فوضع على البذ عجلا عظيما ليرسله الى اصحاب الافشين. ثم ارسل بابك رجلا يقال له موسى الأقطع الى الافشين، يسأله ان يخرج اليه ليشافهه بما نفسه، فان صار الى مراده والا حاربه، فأجابه الافشين الى ذلك، فخرج بابك حتى صار بالقرب من الافشين في موضع بينهما واد. فلما راى الافشين كفر له، فبسطه الافشين، واعلمه ما في الطاعة من السلامة في الدنيا والآخرة، فلم يقبل ذلك. فانصرف الى موضعه، وامر اصحابه بالحرب، فتسرعوا الى ذلك، ودهدهوا [٣] العجل الذى كانوا اعدوه، فانكسر العجل، وثاب اصحاب الافشين، فدفعوهم الى راس الجبل. وقد كان يوباره وجعفر الخياط وقفا بحذاء عبد الله أخي بابك، فحملا، وحمل عليهم القواد من جميع النواحي، فقتلوهم قتلا ذريعا، وانهزموا حتى دخلوا المدينة، فدخلوا خلفهم في طلبهم، وصارت الحرب في ميدان وسط المدينة. وكانت حربا لم ير مثلها شده، وقتلوا في الدور والبساتين، وهرب عبد الله أخو بابك. فلما راى بابك ان العساكر قد احدقت به، والمذاهب قد ضاقت عليه، وان اصحابه قد قتلوا وفلوا توجه الى أرمينية، وسار حتى عبر نهر الرس متوجها الى الروم. فلما عبر نهر الرس قصد نحوه سهل بن سنباط صاحب الناحية، وقد كان

стр. 405

الافشين كتب الى اصحاب تلك النواحي، والى الأكراد بإرمينية، والبطارقه بأخذ الطرق عليه. فوافاه سهل بن سنباط، وقد كان بابك غير لباسه، وبدل زيه، وشد الخرق على رجليه، وركب بغله باكاف [١] ، فاوقع به سهل بن سنباط، فأخذه أسيرا. ووجه به الى الافشين، فاستوثق منه الافشين، وكتب الى المعتصم بالفتح، واستاذنه في القدوم عليه، فاذن له، فسار حتى قدم عليه، ومعه بابك واخوه، فكان من قتل المعتصم لبابك وقطع يديه ورجليه وصلبه ما هو مشهور. قالوا: ولما قدم الافشين ومعه بابك اجلسه المعتصم على سرير امامه، وعقد التاج على راسه. وفي ذلك يقول اسحق بن خلف الشاعر في قصيدته التي مدح فيها المعتصم بالله: ما غبت عن حرب تحرق نارها ... بالبذ كنت هنا وأنت هناكا عزت بافشين حسامك أمة ... والدين ممتسك به استمساكا لما أتاك ببابك توجته ... وأحق من اضحى له تاجاكا ثم ان احمد بن ابى داود وجد على الافشين لكلام بلغه عنه، فاشار على المعتصم ان يجعل الجيش نصفين نصفا مع الافشين، ونصفا مع اشناس، ففعل المعتصم ذلك. فوجد الافشين منه، وطال حزنه، واشتد حقده. فقال احمد بن ابى داود للمعتصم: يا امير المؤمنين ان أبا جعفر المنصور استشار انصح الناس عنده في امر ابى مسلم، فكان من جوابه ان قال يا امير المؤمنين ان الله تعالى يقول لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فقال له المنصور: حسبك، ثم قتل أبا مسلم.

стр. 406

فقال له المعتصم: أنت أيضا حسبك يا أبا عبد الله، ثم وجه الى الافشين، فقتله. وزعموا، انهم كشفوا عنه فوجدوه غير مختون. ومات المعتصم بالله يوم الخميس لإحدى عشره ليله بقيت من شهر ربيع الاول سنه سبع وعشرين ومائتين [١] ، وصلى عليه ابو عبد الله احمد بن ابى داود، وكان المعتصم اوصى اليه بالصلاة عليه، وكانت ولايته ثماني سنين وثمانية اشهر وسبعه عشر يوما، وكان قد بلغ من السن تسعا وثلاثين سنه. وهذا آخر كتاب الاخبار الطوال على ما جمعه ابو حنيفه احمد بن داود الدينورى رحمه الله تعالى ورضى عنه.