وهكذا، فإنه نظرا لشح الماء في مكة، واضطرار الناس إلى جلبه من أماكن بعيدة، قام هاشم وحفر بئرا، كما فعل قصي من قبل، فيسر بذلك الماء لمكة «١» ، وتكمن أهمية السقاية من كون مكة بلدا شحيحا في مياهه، حارّا في مناخه.
أصبحت وظيفة السقاية بالغة الخطورة، بعد أن طمرت بئر زمزم، وكانت عملية السقاية تتم عن طريق جمع الماء في حياض من أدم، كانت على عهد قصي توضع بفناء الكعبة، وينقل إليها الماء العذب من الابار على الإبل في المزاود والقرب، وربما قذف فيها التمر والزبيب لكسر ملوحتها «٢» .
أخذ هاشم يسقي الحجاج؛ قربة إلى رب البيت مادام حيّا، فكان يفعل ذلك طوال حياته «٣» ، ثم استقرت هذه الوظيفة في عقبه، فتشير الروايات إلى أن عبد المطلب جهز الحجاج بالماء العذب «٤» ثم حفر بئر زمزم «٥» ، فكان يقدم الماء ويمزجه بالزبيب «٦» .
ويبدو أن موضوع السقاية لم يقتصر على الماء، بل تعدى ذلك إلى أن يقدم عبد المطلب للحجاج الحليب مع العسل «٧» ، وقام بوظيفة السقاية بعده ابنه العباس (ت ٣٢ هـ) «٨» .
هناك روايات تبين مدى التنافس بين أشراف مكة في توفير ماء الشرب للحجاج «٩» ، فقيل: إن سويد بن هرمي، كان أول من أعطى الحجاج الحليب ليشربوا «١٠» ، كما أعطى أبو أمية بن المغيرة «زاد الراكب» وأبو وداعة السهمي الحجاج عسلا «١١» .
стр. 37
وتشير الاية إلى هذا التنافس، حيث أصبحت هذه الوظيفة من مفاخر قريش الكبرى، قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ «١» [التوبة: ١٩] وهكذا؛ يبدو لنا أن السقاية لم تكن وظيفة فردية بقدر ما كانت ذات صفة أو سلطة رسمية.
وأما السدانة «الحجابة» وهي رعاية البيت «٢» ، والقيام على خدمة الزائرين، فكانت من الوظائف المهمة، ولا سيما أن الكعبة تعدّ من أقدس مقدسات العرب، فكانت ولايتها إلى بني عثمان من عبد الدار، ثم وليها عبد العزى بن عثمان ثم أبو طلحة (عبد الله بن عبد العزى) ، ثم وليها ولده، حتى كان فتح مكة فأبقاها النبي ﷺ مع عثمان بن طلحة «ت ٤٢ هـ» «٣» .
ويلاحظ أن هذه الوظيفة بقيت في نسل عثمان إلى يومنا هذا، ذلك بأن النبي ﷺ قال: «خذوها يا ال عثمان خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم» «٤» . وكذلك فإن «العمارة» كانت من مفاخر قريش؛ إذ أشار القران الكريم إلى ذلك بقوله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: ١٩] وكان يقوم بها العباس (ت ٣٢ هـ) وشيبة بن عثمان، وكانت هذه الوظيفة تعني أن يمنع من يتكلم بالسوء في البيت الحرام «٥» .
وكانت هناك وظائف إدارية دينية أخرى، ولكنها أقل شأنا من سابقاتها، فالإفاضة من مزدلفة كانت في «عدوان» ، حيث لا يفيض الناس حتى يفيض من يتولى هذه المهمة من عدوان، يتوارثون ذلك أبا عن جد، حتى كان اخرهم الذي قام عليه الإسلام «أبو سيارة عميلة بن الأعزل» «٦» .
وأما الأموال التي تسمى للالهة، وهي «الأموال المحجرة» ، فكانت وظيفة للحارث ابن قيس من بطن سهم «٧» . وكان صفوان بن أمية (ت ٤١ هـ) من جمح، يتولى عملية
стр. 38
«الايار» إذ كانت الأزلام تضرب عند هبل «١» . ويمكن القول إن هذه الوظيفة كانت ذات هدف اقتصادي؛ إذ تجمع الأموال باسم الالهة، وقد أبطلها الإسلام، وأشارت الاية إلى ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠] .
وكانت «صوفة» وهي من جرهم تتولى أمر «الإجازة» بالناس من عرفة إذا نفروا إلى منى، وبقيت كذلك حتى قاتلهم قصي، وتولى هو هذه الوظيفة، وهناك روايات تشير إلى أنها (أي جرهم) تولت ذلك حتى انقرض اخرهم «٢» ، وبعد تقسيم الوظائف الإدارية بين بطون قريش وأفخاذها، ورثت تميم هذه الوظيفة، كما يقرر ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) في جمهرته «٣» .
وهناك وظيفة أخرى غريبة هي «النسيء» فكانت تلي ذلك كنانة، فكانوا ينسئون الشهور، يلي ذلك منهم بنو ثعلبة بن الحارث بن مالك، وكانوا يسمون «القلامسة» فكان يقوم «القلمس» أيام التشريق، فيسألونه أن يؤخر المحرم، فيؤخر «المحرم» «٤» .
وقد أشارت الاية إلى هذه الوظيفة وجعلتها جزا من الكفر: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً [التوبة: ٣٧] .
أما «الإدارة المالية» لمكة فلها أهمية خاصة، ويمكن القول: إن الوظائف الدينية في كثير من جوانبها ترتبط ارتباطا وثيقا بإدارة مكة الناجحة لشؤون تجارتها وأموالها.
تقع مكة في واد غير ذي زرع، لذلك كان عماد حياة أهلها التجارة، وهناك إشارة تبين أن قريشا كانوا تجارا، ولم تكن تجارتهم تتجاوز مكة، فكان التجار يحملون تجارتهم إلى مكة يبيعون بضائعهم لأهلها «٥» ، وبقيت تجارتهم كذلك حتى ذهب هاشم إلى الشام، وأظهر من الكرم وحسن المعاملة ما جعل قيصر يسمع به ويقربه، وطلب من قيصر أن يكتب له كتابا يؤمن به تجارة مكة، وكذلك فعل هاشم مع
стр. 39
سادات القبائل وأشرافهم «١» ، وبحسب روايات المصادر، يكون هاشم أول من أخذ الإيلاف «٢» ، ثم أخذه المطلب من اليمن، وعبد شمس من الحبشة، ونوفل- أصغرهم- من العراق «٣» ، وبذلك استطاع أهل مكة أن يديروا تجارة دولية واسعة شملت هذه الدول جميعا.
ويلاحظ أن هاشما قد جعل للقبائل جزا من أرباحه، وأشركهم في تجارة مكة، يقول الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) : «وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب، وجعل لهم ربحا» «٤» ، وقال: «فكان المقيم رابحا، والمسافر محظوظا» «٥» .
أما على المستوى الداخلي، فقد استطاع هاشم أن يشرك الفقراء مع الأغنياء في التجارة، وصارت القوافل مشروعا مشتركا، يشترك فيها أهل مكة جميعا، وقد ظهر هذا في أبيات مطرود بن كعب القائل:
والخالطين فقيرهم بغنيّهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي «٦»
стр. 40
وبهذه الإدارة الجيدة من هاشم على المستويين الخارجي بأخذ الإيلاف من رؤساء الدول والقبائل العربية، والداخلي بإشراك أصحاب المبالغ الصغيرة مع الأغنياء، توسعت تجارة قريش، وأصبحت تلعب دورا مهمّا في التجارة الدولية في ذلك الوقت.
وبحكم موقع مكة ودورها التجاري وتوسطها القبائل العربية، أصبحت مكة سوقا للتبادل التجاري، تحصل القبائل العربية منها على حاجاتها، واستطاعت مكة أن تحافظ على هذا المركز بأن حرّمت الظلم في أسواقها، ومن أجل هذه الغاية كان حلف الفضول «١» ، حيث تعاقدت خمسة بطون قرشية ألاتدع مظلوما إلا نصرته «٢» ، ويظهر أن هذا الحلف جاء بعد حصول نوع من التجاوزات في الأسواق المكية، وترد إشارات إلى أن هذه الأسواق كانت تدار بطريقة دقيقة، فكان لكل سوق قوم ينظمون شؤونه، ويحافظون على الأمن والنظام فيه، وكان هناك من يحمل السلاح في الأسواق لردّ المظالم «٣» . ويشير إلى ذلك اليعقوبي (ت ٢٩٢ هـ) بقوله: «وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق فسموا المحلين، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر فيسمون الذادة المحرمين» «٤» .
وتشير الروايات إلى دقة إدارة هذه الأسواق، فلكل سوق تاريخ معين يفترض ألا تتجاوزه، فيسمى لها تاريخ معين تبدأ فيه، ويسمى لها تاريخ تنتهي فيه، وقد ذكر هذه التواريخ مفصلة ابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) في المحبّر «٥» ، واليعقوبي (ت ٢٩٢ هـ) في التاريخ «٦» ، والقلقشندي (ت ٨٢١ هـ) في صبح الأعشى «٧» .
стр. 41
وظهر في مكة نظام «الحمس» وهو ذو دلالة اقتصادية، وكانت مكة تطبقه على غير القرشيين، وهناك صلة بين نظام «الإيلاف» ونظام «الحمس» «١» ، فالإيلاف امتازت به مكة عند القبائل العربية والدول المجاورة خارج مكة، و «الحمس» امتازت به مكة عند القبائل داخل مكة أيام الموسم «٢» .
وتشير المصادر إلى أن مكة أصبحت سوقا مالية، فقد لعب الصيارفة دورا رئيسيّا في الحياة الاقتصادية، فكان هؤلاء يديرون عملية تبادل السلع والعملات، ويقرضون التجار، وأحيانا كان يلجأ الصيرفي إلى التجار في حالة الإفلاس، فيشير المبرد (ت ٢٨٥ هـ) : «أنه افتقر رجل من الصيارفة بإلحاح الناس في أخذ أموالهم التي كانت لديه ... فسأل جماعة من الجيران أن يسيروا معه إلى رجل من قريش كان موسرا لمبادلته ... فذهبوا إليه» «٣» وهذا يدل على أن الصيارفة كانوا يتاجرون بالأموال، فهم مركز مصرفي أخذا وعطاء.
بقي أن نذكر في إدارة مكة المالية قضية «الضرائب» التي كانت تأخذها مكة. فقد اصطلحت قريش أن تأخذ ممن كان ينزل عليها في الجاهلية حقّا دعته «حق قريش» «٤» ، فكانوا يأخذون من الغريب القادم إليهم عن هذا الحق بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر. ونجد مثلا على ذلك (أن ظويلم- مانع الحريم- خرج يريد الحج فنزل على المغيرة بن عبد الله المخزومي، فأراد المغيرة أن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ فامتنع عليه ظويلم) «٥» .
وكانت هناك ضريبة «العشر» مقررة في كل سوق، يستوفيها عشارون ممن يبيع ويشتري المشرف على السوق ومن في أرضه يقام «٦» . ومن هنا، فقد تنافس هؤلاء
стр. 42
الأشراف على رياسة السوق؛ لأنهم كانوا يأخذون «المكس» أيام السوق «١» ، ولعل هذه الأموال التي تعثر بها البضاعة، كان نصيب منها يذهب للإنفاق على الحجابة والرفادة، وتحمل الأشناق ونفقات الدفاع عن المدينة «٢» . ولنا أن نتصور كيف يكون هناك نظام معين لحفظ السجلات، تحفظ بمقتضاه معاهدات التحالف والاتفاقيات التجارية.
أما «الإدارة العسكرية» في مكة، فكانت ضرورية لحماية الأمن والدفاع عن مكة وتجارتها. وتذكر الروايات أن الذين كانوا يدافعون عن الحرم هم قريش «الظواهر» إذ كانوا أصحاب بأس وشدة فسموا «المناسر» «٣» ، أما «قريش البطاح» فكانوا أهل غنى وجاه وسيادة فسموا «الضب» للزومها الحرم «٤» .
وكان هناك جماعة متطوعة للدفاع عن مكة وهم «الأحابيش» فتحالفوا هم وأهل مكة «تحالفوا بالله إنّا ليد على غيرنا ما سجا ليل وأوضح نهار، وما رسا حبشي مكانه» «٥» .
ويظهر أن أهل مكة رأوا في الأحابيش قوة يمكن استغلالها في الدفاع عن الحرم فعقدوا معهم حلفا، وقد وصف شاعر الأحابيش هذا الحلف بقوله:
إنّ عمرا وإنّ عبد مناف ... جعلا الحلف بيننا أسبابا «٦»
ويصف اليعقوبي (ت ٢١٢ هـ) هذا الحلف بقوله: «وكان تحالف الأحابيش على الركن، يقوم رجل من قريش والاخر من الأحابيش، فيضعان أيديهما على الركن فيحلفان بالله وحرمة البيت والمقام والركن والشهر الحرام على النصر على الخلق جميعا حتى يرث الله الأرض ومن عليها ... فسمي حلف الأحابيش» «٧» .
стр. 43
وفي حالة النفير كان الأغنياء يشاركون في تمويل الأفراد وتسليحهم، فهذا عبد الله بن جدعان كان في حرب الفجار على قومه «بني تيم» وأمدهم بالسلاح والمال، فأعطى مائة رجل سلاحا كاملا، وذلك «يوم شعطة» ، غير ما ألبس من بني قومه والأحابيش «١» وحمل مائة رجل على مائة بعير، قيل: ألف رجل على بعير وذلك يوم شرب «٢» .
ولا شك في أن الأغنياء غيره كانوا يشاركون بالنفقة على السلاح والتجهيز للحرب في حالة تعرض مكة للخطر.
وكان من ضمن استعداد مكة للحرب أنها أوجدت بعض الوظائف في السلم عهدت إلى أصحابها القيام، منها: «القبة والأعنة» «٣» وكانت هذه الوظيفة إلى مخزوم فوليها منهم خالد بن الوليد (ت ٢١ هـ) ، وكان هناك من تخزن مكة عنده سلاحها وهو «عبد الله بن جدعان» فإذا احتاجوا إليه وزعه بينهم «٤» . ومن الوظائف التي كان لها علاقة بالإدارة العسكرية «القيادة» و «اللواء» ، وكانت لبني أمية حيث تولاها منهم أبو سفيان بن حرب «ت ٢٢ هـ» ، وبقي يقوم بها حتى جاء الإسلام «٥» . وكانت راية مكة تسمى «العقاب» «٦» . ويبدو أن التنظيم العسكري كان يقتضي أن يتولى سادات مكة قيادة أحيائهم، فيقود كل سيد شعب أبناء قومه، ويوجههم حيث يرى في المعركة «٧» ، أما التنسيق بين خطط المقاتلين لإنجاح المعركة فيكون أمره إلى من يتولى قيادة قريش «٨» ، فيتولى إدارة المعركة، وتوجيه قيادات القبائل، لتنفيذ الخطة العامة.
أما «الإدارة الدبلوماسية» لمكة، فتشمل بعض الوظائف البسيطة التي تنظم علاقاتها
стр. 44
الخارجية، «فالسّفارة» عرفت كوظيفة إدارية «لبني عدي» فكان أهل مكة إذا أرادوا أن يبعثوا سفيرا بعثوا عمر بن الخطاب (ت ٢٣) «١» وقبلوا سفارته في حالة السلم أو الحرب، وكانت هذه المهمة تحتاج إلى فطنة خاصة، ومعرفة بالقبائل وأوضاعها وأنسابها فكانوا «يبعثونه منافرا أو مفاخرا ورضوا به» «٢» .
وهناك إشارات تفيد أن «البريد» عرف في مكة قبل الإسلام، وقد ظهر ذلك في شعر ينسب إلى «ورقة بن نوفل» قاله عندما قتل عثمان بن الحويرث في بيت «ابن جفنة الغساني» فاتهم به، وكان يعرف ب «راكب البريد» «٣» فقال ورقة:
وركب البريد مخاطرا عن نفسه ... ميت المظنة للبريد المقصد «٤»
لقد أتقن المكيون بناء العلاقات وعقد المعاهدات مع جميع الأطراف، ولعل في الإيلاف مصداقا لذلك. واستطاعت مكة أن تلعب لعبة التوازن بإتقان بين الشرق والغرب في ذلك الحين، وحافظوا على سياسة الحياد في تعاملهم مع الروم والفرس، فكان لديهم المرونة والقدرة على التحرك واستثمار العلاقة العدائية بين الفرس والروم «٥» .
لقد حاول الروم غير مرة احتواء مكة، ولكنهم باؤوا بالفشل «٦» . واستطاع المكيون أن يحافظوا على معاهدتهم الخارجية المتمثلة بالإيلاف «وأن يحافظوا على تقاليد الحكم في المجتمع المكي المتمثلة بقيادة الملأ» .
ومن الإدارات التي يشار إليها في مكة «الإدارة القضائية» حيث كان هناك قضاة يحكمون بين الناس، فكان عامر بن الظرب يجلس في الأسواق والمواسم فيأتيه الناس من شتى القبائل فيحكم بينهم «٧» . ويلاحظ أن القضاة بعد عامر كانوا من بني تميم «٨» ، وقد افتخر الشعراء التميميون في قصائدهم بالواجبات التي قامت بها تميم ومنها القضاء بين الناس، فيقول الفرزدق (ت ١١٤ هـ) :
стр. 45
وعمي الذي اختارت معد حكومة ... على الناس إذ وافوا عكاظ بها معا
هو الأقرع الخير الذي كان يبتني ... أواخي مجد ثابت أن ينزّعا «١»
ويشير ابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) إلى أسماء قضاة تميم، ويذكر أن اخرهم كان سفيان بن مجاشع، هو اخر من اجتمع له الموسم والقضاء في عكاظ حتى جاء الإسلام «٢» .
وهناك وظيفة أخرى لها علاقة بالقضاء وهي الأشناق «٣» وكانت لأبي بكر (ت ١٣ هـ) ، وهي من بني ابن تيم، فكان إذا احتمل منها شيئا أعطته قريش بدل ما تحمل من المغارم «٤» .
ويظهر أن هذه الوظيفة كانت ثابتة لأبي بكر. فإن قام بها غيره لم يعط شيئا منها «٥» . وهذا يدل على أن تقدير الأشناق لصاحبه فقط وإن كان يقوم به غيره أحيانا.
وهكذا استطاعت مكة أن تصل إلى درجة من التنظيم الإداري كان في جوهره تنظيما قبليّا «٦» ، تطور بحسب مقتضيات المصالح المكية، وبقيت مكة تحافظ على هذا التنظيم بوظائفه المختلفة حتى قام الإسلام، فألغاها النبي ﷺ باستثناء السدانة والسقاية والرفادة؛ إذ هي خدمات عامة ضرورية، إلا أن أهميتها قد خفت، لا سيما أن هذه الوظائف مرتبطة بشكل كبير بموسم الحج، وهو موسم وقتي محدود.
стр. 46
الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام
رابعا: الإدارة في يثرب «١»
تختلف الروايات التي تصور لنا أول من سكن يثرب، إذ تذكر بعض الروايات أن أول من سكن يثرب هم العماليق ثم تغلب عليهم اليهود «٢» ، وبعد سيل العرم «٣» في اليمن قدم العرب «الأوس والخزرج» ونزلوا يثرب إلى جانب اليهود «٤» .
إن المعلومات عن إدارة يثرب قليلة ومضطربة، وهي عبارة عن إشارات قليلة بعكس المعلومات عن إدارة مكة، ومن هنا، فإننا لا نعرف عن يثرب إلا النزر القليل. ولعلنا من خلاله نعطي صورة أولية عن إدارة يثرب قبل الإسلام.
«فإدارة يثرب المدنية» كانت بيد اليهود ابتداء؛ إذ كان اليهود قد نزلوا في شعاب المدينة فأقاموا فيها المزارع والبساتين «٥» ، وكان اليهود يخضعون في حكمهم للأحبار
стр. 47
الذين يرجع إليهم اليهود في كل قضاياهم السياسية والإدارية والقضائية «١» . وقد أشارت الاية القرانية إلى ذلك فقال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١] «٢» . ويبدو أن هؤلاء الأحبار كانوا يرهقون الناس بأخذهم الأموال مقابل المعاملات التي يقومون بها من زواج وطلاق وقضاء وغيرها، فقال الله تعالى ينعي عليهم ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ [التوبة: ٣٤] «٣» .
ولعلنا لا نبتعد عن الحقيقة إن قلنا: إن الإدارة عند اليهود كانت إدارة دينية بحتة يقوم بها الأحبار ورجال الدين اليهودي.
أما الإدارة المدنية عند العرب الذين نزلوا بجانب اليهود، فكانت قد نظمت بأن انقسمت يثرب إلى دوائر زراعية «٤» ، كل دائرة تابعة لبطن من البطون، وكل بطن من البطون الكبيرة يضم طائفة من البطون الصغيرة، يشرف عليها شيخ كل بطن من البطون، كما أشار إلى ذلك السمهودي (ت ١٠١١ هـ) في كتابه «٥» .
ومع الوقت أصبح هناك شبه توازن في نظام الحكم بين بطون يثرب الكبيرة، فكانت كل البطون تثور إذا أراد بطن كبير أن يستأثر بالنفوذ «٦» ، إذ إن إقامة نوع من الحكم يهيمن على الشؤون العامة لم يكن ممكنا، فلم تذكر الروايات أن أهل يثرب قد خضعوا لرئيس واحد، ويبدو أن الحروب التي قامت بين الأوس والخزرج كانت نتيجة لهذا التنافس القبلي على الرياسة، واحتلال مركز الصدارة في يثرب «٧» . ولعل اليهود كان لهم الدور الأكبر في إثارة هذه النزاعات.
стр. 48
ويلاحظ أنه في أواخر عهد يثرب بالجاهلية، حاول أهلها أن يصلوا إلى صيغة مشتركة من أجل حكمها وإدارتها، وذلك بأن يحكم يثرب أحد زعماء الأوس عاما، وأحد زعماء الخزرج عاما اخر؛ أي أن يكون الحكم بالتناوب «١» . فاصطلحوا ابتداء أن يكون عبد الله بن أبي بن سلول (ت ٩ هـ) ملكا عليهم «٢» ، ولم نجد في الروايات ما يشير إلى وجود «ملأ» ليثرب، أو مكان للاجتماع «كدار الندوة» ، ولكن بعض الإشارات تفيد أن وجهاء كل بطن كان لهم مكان يجتمعون فيه يسمى «السقيفة» «٣» .
أما «إدارة يثرب المالية» فتتمثل في أن اليهود قد استوطنوا هذه المنطقة لخصوبتها، فأقاموا الحوائط وحفروا الابار للشرب والسقي «٤» ؛ ولذلك فقد عرفت يثرب وما حولها بكثرة نخلها، ويلاحظ أن اليهود والعرب قد أداروا هذه الزراعة بنجاح كبير، فزرعوا النخل على شكل صفوف في بساتين منظمة، حتى إن البطون والقبائل نزلت ونظمت نفسها في شعاب، وفي الشعاب بساتين، وفي البساتين قنوات وابار «٥» .
ساعدت خصوبة التربة مع وجود الماء في يثرب على زراعة أنواع مختلفة من المزروعات، ولعل أشهرها جميعا «النخيل» ، وعليه كان يعتمد أهل يثرب في طعامهم وتجارتهم «٦» .
стр. 49
افتخر أهل يثرب بإتقانهم زراعة النخيل، حتى إننا نجد كعب بن مالك (ت ٥٠ هـ) افتخر على مكة يوم الخندق (٥ هـ) بأن قومه غرسوا النخيل حدائق تسقى بالنضح من ابار حفرت على زمن عاد، وأن لهم الزرع الذي يتباهى بسنبله الجميل «١» . وكانت إدارة هذه المزارع والابار عن طريق أصحابها فيحفرون الابار «٢» . ليستفيدوا من مياهها، وقد يكرونها لغيرهم مقابل أجرة معينة «٣» .
وكان لليهود دور كبير في زراعة يثرب، فأدخلوا أنواعا من الأشجار، وطرقا جديدة للحراثة والزراعة «٤» .
أما الصناعة فقد اشتهر بها اليهود، فكان يهود بني قينقاع يشتهرون بصناعة «الصياغة» «٥» ، وكان هناك كثير من الصناعات المعتمدة على الزراعة «٦» ، وكذلك أعمال الحدادة والتجارة والخواصة كانت نشيطة في المدينة «٧» .
وكانت صناعة الأسلحة قد احترف بها اليهود والعرب «٨» . وكذلك صناعة النسيج التي تقوم بها النساء «٩» ، كما كانت الخياطة والدباغة من الصناعات التي يديرها الناس بإتقان «١٠» . أضف إلى ذلك وجود البنائين الذين يبنون المنازل ويصنعون الطوب، وصناع يصنعون انية المنازل وأدواتها مما يستعمل الناس في حياتهم اليومية «١١» .
стр. 50
لم يشتهر أهل يثرب بالتجارة كأهل مكة، ومع ذلك فقد خرجوا في قوافل تجارية إلى الشام والهند «١» . وكان اليهود قد استولوا على السوق التجارية في يثرب، فكانوا يجلبون إلى سوقها من البضائع ما يحتاج إليه أهلها «٢» ، كما كانت «الساقطة» تنزل يثرب ومعها البر والشعير والزيت والتين والقماش «٣» ، كما اشتغل اليهود أيضا بالصيرفة والربا «٤» ، وكان الأعراب يحفظون عندهم ودائعهم، وأشارت ايات القران الكريم إلى ذلك «٥» ، فكان العرب يقترضون من اليهود المال والطعام مقابل ربا فاحشا يفرضونه عليهم «٦» ، ويلاحظ أن أهل يثرب قد تعاملوا مع أهل البادية «٧» . وكذلك كان لهم تعامل مع القوافل المكية التي تمر بهم «٨» . ومع أن أسواق يثرب كانت بيد اليهود وكانوا يسيطرون بشكل كبير على الحياة الاقتصادية فيها، إلا أن هذا لم يمنع أهل يثرب من أن يرحلوا إلى الأسواق العربية في عكاظ ومجنة وذي الجماز «٩» . وأن يستوردوا ما يحتاجون إليه من الزيت والنبيذ والعطور والمسك وغيره «١٠» .
أما «الإدارية العسكرية» فهي تتمثل في أن يثرب على شاكلة مكة، فهي بغير سور ولا حائط يحيط بها، وتعويضا عن ذلك، فقد ابتنى اليهود والعرب الحصون والاطام من الحجارة القوية «١١» . فكان اليهود يخزنون فيها أموالهم وثمارهم وكل غال عندهم،
стр. 51
فيدخلون إليها في الليل ولا يخرجون منها إلا صباحا «١» . وتشير كتب السير إلى مجموعة من حصون اليهود، وأشهرها حصن كعب بن الأشرف (قتل سنة ٣ هـ) ، وحصون بني قريظة وغيرها «٢» .
وكان للعرب مجموعة من الحصون، ويلاحظ أن الحرب بين الأوس والخزرج جعلتهم يحافظون على هذه الحصون ويحصنونها، فكانوا يتحاربون على تلك الحصون والاطام حتى صاروا يؤرخون «عام الاطام» «٣» ، واشتهر أيضا أطم «الصناجي» وغيره، وقد أشارت كتب السيرة إلى مجموعة من هذه الحصون «٤» .
لقد كان اليثربيون أهل قوة وجلد وصبر على الحروب، ولا سيما وأن الحروب التي وقعت بينهم قد أكسبتهم مهارة عسكرية فائقة، جعلتهم يقولون للنبي في بدر: «وما نكره أن تلقى بنا عدونا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء» «٥» .
لقد كانت يثرب تملك من القوة الحربية ما تستطيع به فعلا أن تحمي نفسها «٦» .
وكان لديهم من الأسلحة ما يستطيعون به الوقوف أمام القبائل الطامعة في خيرات يثرب «٧» . أضف إلى ذلك؛ أن يثرب كانت موطنا من مواطن صناعة الأسلحة، وبخاصة صناعة الدروع، وقد اشتهر بصناعتها اليهود «٨» ، وكذلك صناعة السهام وهي تعدّ من أجود السهام «٩» .
وتشير الروايات إلى أن زعماء البطون هم الذين كانوا يقومون على تعبئة الناس وقيادتهم في الحروب، كما يظهر من دراسة الحروب التي خاضوها قبل الإسلام،
стр. 52
وكانت اخرها حرب «بعاث» ثم جاء الإسلام «١» .
وهكذا؛ فإن يثرب قد حرمت من وجود غاية واحدة يجتمع عليها أهلها بالمقارنة مع مكة، ولم يكن لها من التنظيم الإداري كما كان لمكة، وكان المجتمع اليثربي مجتمعا قبليّا، كل قبيلة لها نظامها وقيادتها التي تقوم بإدارتها على أساس قبلي بحت، وبذلك ظلت الحياة القبلية تفرض نفسها في يثرب، ويمكن القول: إننا لم نلمح فرقا كبيرا بينها وبين حياة القبائل في أنحاء الجزيرة إلا بالاستقرار الذي فرضته الحياة الزراعية على أهلها.
стр. 53
الإدارة في عصر الرّسول ﷺ
الفصل الثّاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة
أولا: إدارة الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة.
ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة.
ثالثا: ملامح الإدارة في الهجرة النبوية.
رابعا: إجراات الرسول ﷺ الإدارية في المدينة بعد الهجرة.
стр. 54
الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة
أولا: إدارة الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة
كان التخطيط لنشر الدعوة الإسلامية «الهدف الأول» لإدارة الدعوة في مكة، وهذا يستدعي منا السير مع أحداث الدعوة للتعرف إلى خطة الرسول ﷺ في نشر دعوته، ويمكننا أن نقسم هذه الفترة إلى قسمين، هما: الدعوة السرية (الفردية) ، والدعوة الجهرية (الجماعية) . ولكل مرحلة من هاتين المرحلتين طبيعتها الإدارية الخاصة بها.
كانت الظروف السائدة في مكة- فترة الدعوة الأولى- تستدعي من النبي ﷺ أن يعرض دعوته على من يثق به من أهله وأصدقائه، فعرضها أولا على زوجته خديجة (ت ٣ ق. هـ) فامنت به، ثم عرضها على صاحبه أبي بكر (ت ١٣ هـ) فامن به، وعلى ابن عمه وربيبه علي بن أبي طالب (ت ٣٩ هـ) فامن به كذلك «١» . وبهؤلاء الثلاثة بدأت دعوة الإسلام.
ويلاحظ أن ظروف هذه الفترة جعلت النبي ﷺ يتدرج في عرض هذه الدعوة، ولا سيما أن المعتقدات التي ينادي بها تخالف معتقدات أهل مكة، فكان لا بد من السرية والاستخفاء بالتبليغ ليعد لها أرضا صلبة تقف عليها «٢» ، ولم يكن هذا الاستخفاء موقفا سلبيّا لا حركة فيه، بل كان موقفا إيجابيّا في دوافعه واثاره؛ لأنه كان موقف التأسيس والتربية والإعداد وتخير المواد لبناء المجتمع الإسلامي «٣» .
قام النبي ﷺ بناء على ما سبق باختيار دار يختفي فيها- هو وأصحابه- وهي دار الأرقم بن أبي الأرقم (ت ٥٣ هـ) . والتي كان منها يدير دعوته ويربي أصحابه ويبتعد بهم عن أذى المشركين.
стр. 55
إن المعلومات المتوافرة في المصادر لا تبين تاريخا مضبوطا للوقت الذي اختفى فيه النبي ﷺ وأصحابه في دار الأرقم، فالروايات في ذلك مضطربة «١» ولكننا نستخلص من خلال هذه الروايات أن ذلك كان في أواخر السنة الثالثة للبعثة؛ أي في اخر الفترة الأولى من الدعوة في مكة (الفترة السرية) .
وكذلك فإن الروايات مضطربة في مدة الاستخفاء، فبعض المصادر تجعل هذه المدة شهرا «٢» . وغالب المصادر «٣» لا تحدد هذه المدة، وكذلك لا توضح لنا الروايات كيفية هذا الاستخفاء، هل كان في الليل أم في النهار؟ ولكنه يفترض ألّا يكون اختفاء تامّا؛ لأن ذلك يؤدي إلى مزيد من الشكوك والارتياب في سلوك النبي محمد ﷺ ؛ لأنه من المعروفين المشهورين في الأوساط المكية.
وإذا ما تفحصنا الروايات التي تحدثت عن دار الأرقم، فيمكننا أن نستخلص الأسباب الكامنة وراء اختيار النبي ﷺ لدار الأرقم مركزا لدعوته، فالأرقم ابتداء لم يكن معروفا بإسلامه «٤» . فلا يخطر ببال القرشيين أن يتم لقاء محمد ﷺ بأصحابه في داره، وكذلك فإن الأرقم من بني مخزوم «٥» ، وبنو مخزوم هم الذين يحملون لواء التنافس مع بني هاشم «٦» ، واللقاء في بيت من بيوتهم يعني أن ذلك الاجتماع الخطير يتم في قلب صفوف العدو. وإذا ما عرفنا أن الأرقم (ت ٥٣ هـ) كان عند إسلامه ما زال شابّا صغيرا لا يجاوز السابعة عشرة من عمره «٧» ، ويوم تفكر قريش بالبحث عن
стр. 56
محمد وأصحابه فلن تبحث عنه في بيوت الشباب الصغار، بل تتجه إلى بيوت كبار الصحابة أو في بيت رسول الله ﷺ نفسه «١» ، أضف إلى ذلك أن دار الأرقم كانت في مكانها تعدّ امنة إلى حد بعيد، فقد ذكر ابن سعد (٢٣٠ هـ) أن دار الأرقم كانت قريبة من الصفا؛ أي أنها مقابل دار الندوة «٢» . وهذا يبعد الشك عنها؛ إذ لا يمكنهم أن يفكروا بأن محمدا يجلس بأصحابه في دار قريبة منهم؛ ولهذا فلم نسمع أبدا أن قريشا داهمت هذا المكان وكشفت مكان اللقاء، إنما كان أقصى ما وصلت إليه هو شكها أن يكون اللقاء عند الصفا، فقد قال الرجل لعمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) عندما أراد أن يسلم: «اذهب إلى محمد في دار عند الصفا» » .
كان من اثار الدعوة السرية أنها تمكنت من السير إلى القلوب والعقول لأعداد مميزة من فتيان قريش «٤» وذوي بيوتاتها «٥» والوافدين عليها من غير أهلها «٦» .
ويلاحظ أنه في هذه المرحلة لم يقع أي صدام بين هؤلاء المؤمنين وبين أهل مكة، بل إن المؤمنين كانوا لا يتدخلون في أي شأن من شؤون غيرهم في نقد أو مواجهة؛ إذ لابد من المحافظة على السرية التامة للدعوة وأتباعها «٧» .
стр. 57
وبعد ثلاثة أعوام «١» من الدعوة السرية (الفردية) أمر الله نبيه فقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] «٢» وبذلك بدأت الدعوة في مكة مرحلة جديدة هي مرحلة الدعوة الجهرية (الجماعية) .
اختار النبي ﷺ للدخول في هذه المرحلة- مكانا خاصّا وكلمات خاصة يخاطب بها أهل مكة، فوقف النبي ﷺ عند الصفا، وهو مكان يجتمع فيه المكيون بشكل كبير، ونادى بأعلى صوته: (واصباحاه) «٣» ، ويلاحظ أن هذه الكلمة التي افتتح بها النبي دعوته لأهل مكة هي كلمة تسترعي الانتباه، فهو يعني أن هذا الصباح ليس ككل الصباحات، بل إنه صباح له وجه خاص.
وتشير المصادر إلى أن النبي ﷺ مرّ بسوق عكاظ وعليه جبة حمراء وهو يقول:
«أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتنجحوا» ، وكان يتبعه أبو لهب (ت ٢ هـ) يكذّبه «٤» ، فكان لابد للنبي أن يلين في دعوته إلى أبعد الحدود، فرأى النبي ﷺ أن يجمع بني عبد المطلب على طعام يصنعه لهم حتى أكلوا فشبعوا دعاهم إلى الإسلام «٥» .
أدرك النبي ﷺ أن دعوته بدأت تدخل مرحلة حرجة تستدعي مزيدا من الصبر وضبط النفس، ولابد من اتخاذ كل الوسائل للحفاظ على علاقة الود بينه وبين قومه، ولكن قريشا شعرت أن الدعوة الجديدة تعني إحداث تغير كامل في بنية التنظيمات القائمة، وإحداث خلخلة كاملة لكل معتقدات قريش وموروثاتها الدينية والاجتماعية والإدارية.
стр. 58
تذكر المصادر أن قريشا حاولت بشكل ما وبصورة حازمة أن تقف أمام هذا التغير الذي يدعو إليه محمد ﷺ وذلك بكل ما أوتيت من قوة «١» ، ويشير ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) إلى محاولة مبكرة من زعماء قريش لإيقاف دعوة النبي باغتياله والتخلص من الدعوة والداعية فيقول: «فقالوا: وما خير من أن يغتال محمد «٢» ولكن أبا طالب وقف بحزم تجاه هذه المحاولة المكية، إذ جمع فتيان بني هاشم وبني المطلب ثم طلب منهم أن يتسلح كل منهم بحديدة صارمة ثم قال لأهل مكة: والله لو قتلتموه ما بقّيت منكم أحدا حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم» «٣» . ويبدو أن هذا الحزم من قبل أبي طالب (ت ٣ ق. هـ) جعل أهل مكة- بعد ذلك- يفكرون ألف مرة قبل أن يقدموا على قتل النبي ﷺ .
كانت خطة النبي ﷺ في هذه المرحلة ألّا يصطدم أصحابه مع مشركي مكة، ونزلت الاية القرانية تؤيد هذا الاتجاه أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [النساء: ٧٧] «٤» . وربما كانت الحكمة في ذلك أن هذه الفترة كانت فترة تربية وإعداد ومحاولة تربية نفس العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو من يلوذ به، وكذلك فإن الدعوة السليمة كانت أشد أثرا في مثل بيئة قريش. والتي قد يدفعها القتال إلى زيادة العناد وإلى نشأة ثارات دموية جديدة وتجنب إحداث مذبحة ومقتلة في داخل كل بيت؛ إذ لم تكن هناك سلطة نظامية تعذب المؤمنين وتفتنهم، إنما كان ذلك موكولا إلى أولياء أمورهم، وإذا ما عرفنا أن النخوة العربية في بيئة قبلية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يتحمل الأذى ولا يتراجع، وأن أعداد المسلمين حينذاك كانت قليلة، وانحصارهم في مكة يعني أن الصدام يؤدي
стр. 59
إلى إفناء الجماعة «١» المسلمة والقضاء عليها، عندها نعلم كم كانت هذه الخطة ناجحة في تجنب الوقوع في مثل هذه الإرباكات لدعوة ما زالت وليدة لم تعمق جذورها في الأرض ولم تخرج فروعها في السماء.
لقد تعرض المؤمنون لأشد أنواع الابتلاء والأذى، وكان ذلك مدعاة إلى أن يشكوا أمرهم إلى رسول الله غير مرة، فيروي لنا البخاري (ت ٢٥٦ هـ) شكوى خباب بن الأرت (ت ٣٧ هـ) «٢» ، ويروي لنا النّسائي (ت ٣٠٣ هـ) بعض هذه الشكاوى حين قال هؤلاء لرسول الله: «إنّا كنّا في عز ونحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلة، فقال:
إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا» «٣» .
لقد كانت المعارضة المكية تصدر- في غالبها- عن أناس كانوا يتنافسون دائما مع بني هاشم على الوظائف الإدارية في مكة؛ ولم تكن تصدر عن عقيدة واقتناع، وإلى ذلك دل قول أبي جهل (ت ٢ هـ) الذي يرويه ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) : «قال:
تنازعنا وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا «٤» على الركب، وكنّا كفرسي رهان قالوا: منّا نبي يأتيه الوحي من السماء، متى ندرك مثل ذلك؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه» «٥» .
ضاقت مكة بدعوة النبي ﷺ ، واشتد الأمر على المستنصفين من المؤمنين «٦» فتحرك النبي ﷺ لحماية أصحابه في عدة محاور، فوجه بعض الأغنياء من الصحابة لشراء بعض هؤلاء العبيد المستضعفين وإعتاقهم، وبالفعل فقد أعتق أبو بكر الصديق (ت ١٣ هـ) واحده سبعة من هؤلاء «٧» ، وكانت هناك محاولات لحماية المؤمنين عن طريق دخولهم
стр. 60
في جوار بعض زعماء المشركين، فدخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، ودخل أبو بكر في جوار ابن الدغنة ثم رده عليه «١» ، ولكن الإجراء الكبير الذي قام به النبي ﷺ لحماية أصحابه هو أن يهاجروا إلى الحبشة (٨ ق. هـ) «٢» وكانت هذه الهجرة دليلا قاطعا على دقة تخطيط النبي وإدارته لدعوته بنجاح، فهو ﵇ يدرس الموقف جيدا ويعلم أن الحبشة فيها ملك لا يظلم «٣» .
ويبدو أن هذه الخطوة قد اتت أكلها في خلخلة الصف المكي، فقد أحدثت هزة عنيفة في أوساط البيوت الكبيرة من قريش وهم يرون أبناءهم الكرام يهاجرون بعقيدتهم من مكة في بيئة قبلية تهزها هذه الأمور هزّا عنيفا «٤» .
ولعلنا ندرك أيضا المعنى الاخر الذي أراده النبي ﷺ في كسب تأييد النجاشي المعنوي لهؤلاء النفر فكتب كتابا إلى النجاشي يقول فيه: « ... وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ونفرا معه من المسلمين جاؤوك فأقرهم ... » «٥»
أما الجانب الإعلامي لهذه الخطوة فقد كان مقصودا، فقد جعل القبائل في مكة وخارجها تحاول أن تتعرف إلى هذا الدين الجديد الذي يدفع أصحابه إلى الهجرة مما أخرج الدعوة من إطارها المحلي إلى إطار أوسع يشمل الجزيرة العربية كلها.
ويفترض أن تكون مكة قد شعرت بخطر هذا على سيادة قريش وسمعتها مما جعلها
стр. 61
تسارع في إرسال وفد يحمل الهدايا إلى النجاشي لرد هؤلاء الخارجين على أعراف قومهم «١» ولكن حجة المسلمين كانت أقوى من حجة الوفد القرشي، فلم تفلح سفارة قريش في ردهم، وتحققت فراسة النبي ﷺ : «إن فيها ملكا لا يظلم» «٢» .
وكان هذا الفشل على الصعيد السياسي والإعلامي الذي لحق بقريش قد جعلها تفكر بطريقة أكثر شراسة تجاه المسلمين المتبقين في مكة، فاجتمعوا على مقاطعة النبي ﷺ والمؤمنين وكتبوا بذلك صحيفة (٦ ق. هـ) وضعوها في جوف الكعبة «٣» ، وبالفعل استمر الحصار على المسلمين ثلاث سنوات كاملة جعل النبي ﷺ يتحرك على جميع الأصعدة لفك الحصار عن المؤمنين، فحاول ابتداء تحريك عاطفة القرابة والرحم عند بعض المكيين لإبطال هذا الطوق الذي فرضته مكة، واستطاع أن ينجح في ذلك، بأن وقف بعض وجهاء مكة أمام أبي جهل (ت ٢ هـ) ودعا هؤلاء أهل مكة إلى نقض الصحيفة، ولم يستطع أبو جهل أن يقف أمام رغباتهم، ولعل دقة التخطيط واختيار هذه الوجوه الفاعلة في مكة كان له أثر كبير في نجاح الخطة مما جعل أبو جهل يصف ذلك بقوله: «إن هذا أمر قضي بليل» «٤» .
تابع النبي ﷺ دعوته عارضا ذلك على القبائل في المواسم «٥» ، ولم يكن هذا العرض بطريقة عشوائية؛ بل كان بعد دراسة متأنية وفاحصة لأمر كل قبيلة ومدى مؤهلاتها، فكان النبي ﷺ يذهب إلى القبائل ومعه أبو بكر الصديق (ت ١٣ هـ) فيقول: «ممن القوم؟ فيقولون: من بني فلان» . ويبدو أن هذا السؤال كان يقصد به
стр. 62
التعرف إلى القبيلة وعددها ومدى قدرتها على مجابهة قريش والخروج على سلطانها «١» ؛ لذلك فإن النبي ﷺ سأل إحدى القبائل فقالوا: نحن بنو شيبان. فقال أبو بكر: «أليس بعد هؤلاء عز في قومهم» «٢» فسألهم النبي ﷺ : «كيف العدد فيكم؟» . فقالوا: نزيد على الألف وما تغلب ألف من قلة. قال: «فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟» .
فقالوا: مرة يدال لنا، ومرة يدال علينا، والنصر من عند الله» «٣» .
وبعدما رأى النبي ﷺ وأحس من قومه الصدود، وبعد دراسة أحوال القبائل جميعا رأى أن أقوى القبائل العربية وأعزها بعد قريش «٤» . هي قبائل الطائف (ثقيف وهوازن) وهاتان القبيلتان تحملان لواء التنافس مع قريش، وقامت بينهما حروب كثيرة نتيجة لذلك؛ ففكر النبي ﷺ بالخروج إلى الطائف «٥» ، ويلاحظ في هذا الخروج أن النبي ﷺ يفكر لأول مرة في نشر الدعوة خارج مكة، وتغير مركز الانطلاق، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل أيضا بعدما ضرب النبي ﷺ في الطائف وأغروا به سفهاؤهم وعبيدهم «٦» .
ولمّا أراد الله أن يظهر دينه خرج النبي ﷺ يعرض دعوته على القبائل- كما كان يفعل- فعرض له نفر من الخزرج فدعاهم، وكان هؤلاء يسمعون من اليهود جيرانهم أنه قد أظلهم زمان نبي، فلما سمعوا منه قالوا: «لا يسبقكم إليه يهود» ثم قالوا لرسول الله ﷺ : «إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك» «٧» . وفي العام القابل قدم اثنا عشر رجلا من أهل يثرب فبايعوا
стр. 63
رسول الله ﷺ بيعة العقبة الأولى التي سميت ب «بيعة النساء» «١» ، ويشير ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) إلى أن النبي ﷺ بعث مصعب بن عمير (ت ٣ هـ) وأمره أن يعلمهم القران، فكان يسمى «المقرئ» «٢» . في حين يشير ابن سعد (٢٣٠ هـ) إلى أن الأنصار كتبوا إلى رسول الله كتابا «ابعث إلينا رجلا يفقهنا في الدين ويقرئنا القران» «٣» .
وبذلك بدأت مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية.
стр. 64
الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة
ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة
قام مصعب بن عمير (ت ٣ هـ) بمهمة عظيمة في يثرب، فكان عليه أن يطلع على أحوالها عن قرب، ويتعرف إلى طبيعة أهلها وحقيقة شعورهم تجاه الدعوة ورسولها وليعطي صورة صادقة لهذا البلد الذي توجهت إليه أنظار الرسول ﵇؛ ليكون منطلقا للدولة الإسلامية، وليخرج الرسول ﷺ بتقدير صحيح ويتصرف على أساسه بسرعة ودقة، وحتى لا يتكرر الموقف الذي واجه الرسول ﷺ في الطائف «١» .
لقد كانت دعوة مصعب بن عمير (ت ٣ هـ) بالمقرئ «٢» . تفيد أن هناك توجها جديدا في الرئاسة لتنظيم الدعوة الإسلامية بعيدا عن القبيلة وأعرافها.
فكان هذا المقرئ يتولى دعوة الناس إلى الإسلام وتعليمهم أحكامه، أضف إلى ذلك إمامته المؤمنين في الصلاة، وبذلك غدت يثرب- بفضل هذا الرئيس المقرئ- تشهد طلائع تنظيم إداري جديد يقوم على أساس الدين بمفاهيمه الجديدة.
وكان النبي ﷺ على اتصال مباشر مع مصعب. وتشير الروايات أن مصعبا كتب كتابا إلى النبي ﷺ يستشيره في أن يجمع بهم بعد أن دخل الإسلام إلى كل بيت من بيوت الأنصار «٣» ، فرد النبي ﵇ على كتاب مصعب بقوله: «أما بعد، فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبنائكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين» «٤» . ويلاحظ أن ذكر اليهود هنا كان يعني أن الدعوة بدأت مرحلة جديدة من التحدي وإثبات الوجود، ولا سيما في
стр. 65
يثرب التي يكثر فيها اليهود ولهم دور كبير في خلخلة أمنها واستقرارها.
لقد مكث مصعب في يثرب عاما واحدا استطاع خلاله أن يوجد قاعدة صلبة للدين الجديد، تمثل ذلك في عدد المؤمنين الذين جاؤوا إلى الموسم في مكة للالتقاء مع رسول الله ﷺ ويبايعوه البيعة الثانية والتي سميت «بيعة العقبة الثانية» «١» .
لقد كان أمر التهيئة لمباحثات البيعة قد تم بتخطيط دقيق وفيها تم تحديد معالم الدولة الجديدة وقيادتها، فقد تحرك الوفد اليثربي إلى مكة بسرّية تامة، فلم يكن أحد من قومهم يعلم بهدف خروجهم، ولما وصلوا مكة «تواعدوا مع رسول الله ﷺ في أواسط أيام التشريق في منى» «٢» ، وكان التخطيط النبوي يقتضي أن يخرج هؤلاء لموعد اللقاء خروجا منظما. يقول كعب بن مالك (ت ٥٠ هـ) : «حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلّل القطا» «٣» . ويشير ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) إلى ذلك بقوله: «فخرج القوم يتسللون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله ﷺ » «٤» .
وكانت الخطوة التالية من التخطيط المحكم كما يشير المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) هو تأمين مكان الاجتماع بالحراسة اليقظة، فقال: وجاءهم رسول الله ﷺ والعباس ... فأوقف العباس (ت ٣٢ هـ) عليّا على فم الشعب عينا له وأوقف أبا بكر (ت ١٣ هـ) على فم الطريق الاخر عينا له «٥» . فلم يعلم أحد من الصحابة بهذا اللقاء السري إلا من كان له مهمة خاصة من الحراسة والمراقبة وهما علي وأبو بكر رضى الله عنهما.
وهكذا؛ فقد تم اللقاء بين الأنصار وبين رسول الله بنجاح كامل وبايع النبي ﷺ أصحابه من الأنصار، ثم قال لهم النبي ﷺ : «إن موسى أخذ من بني إسرائيل
стр. 66
اثني عشر نقيبا فأخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا» «١» . ولكن ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) يروي رواية أخرى تشير إلى أن النبي ﷺ هو الذي اختار النقباء وقال لهم: «فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره فإنما يختار لي جبريل ﵇» «٢» .
ويؤيد هذا الرأي ما أشار إليه مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) بقوله: «كنت أعجب كيف جاء من قبيلة رجل، ومن قبيلة رجلان حتى حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير إليهم يوم البيعة» «٣» . ولكن يلاحظ من خلال استعراض أسماء هؤلاء النقباء أنهم كانوا من المنظور إليهم في أقوامهم ولهم مكانة اجتماعية مميزة، وذلك كان ضروريّا لتقتنع هذه القبائل بهم، ومن خلال نظام النقباء الذي أحدثه النبي ﷺ استطاع أن يحافظ على التقسيمات القبلية للبطون والأفخاذ في المدينة ويسخرها في نفس الوقت لخدمة النظام الجديد.
لقد تم اختيار النقباء، وكان هذا أول تنظيم إداري عملي حدد النبي ﷺ فيه مسؤولية هؤلاء النقباء ووضع لهم نظاما خاصّا في الإتصال والحركة بوصفهم نواة للمجتمع الجديد، فقال لهم: «أنتم كفلاء على قومكم» «٤» . وهذه الكفالة كانت توجب على هؤلاء أن يحافظوا على انضباط قومهم والتزامهم بمبادئ الدين الجديد ولم يعف النبي ﷺ نفسه من المسؤولية فقال: «وأنا كفيل على قومي» «٥» وينتظر أن يكون هؤلاء النقباء هم رجال النظام الإداري للدولة القادمة، ووصل هذا النظام إلى درجة دقيقة من الدقة واتباع التسلسل الهرمي في المسؤولية بحيث جعل النبي ﷺ «أسعد بن زرارة (ت ١ هـ) نقيبا للنقباء» «٦» . وكانت مهمة أسعد تصل أحيانا إلى أن يفوض عن النبي ﷺ في حالة غيابه، فيروي البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) : «أن سليط بن قيس (ت ١٣ هـ) حضر يوم
стр. 67
العقبة ليبايع فوجد الناس قد تفرقوا فبايع أسعد بن زرارة (ت ١ هـ) نقيب النقباء، وحضر مالك بن الدخشم وقد تفرق الناس فبايع أسعد أيضا» «١» .
وعند ما نقارن قائمة النقباء بالقبائل المذكورة أسماؤها في وثيقة الحلف يتضح أن كل قبيلة من قبائل الخزرج كان يمثلها نقيب أو اثنان، وأن ثلاثة نقباء كانوا يمثلون الأوس، وهذا العدد يتناسب مع عدد كل من القبيلتين الكبيرتين الذين حضروا البيعة مع رسول الله ﷺ .
ويفترض أن تكون مهمة هؤلاء النقباء قد استمرت بعد الهجرة. ويذكر الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) «أنه لما مات أسعد بن زرارة (سنة ١ هـ) نقيب بني النجار جاء قومه إلى النبي ﷺ ، فقالوا: مات نقيبنا فنقّب علينا، فقال رسول الله ﷺ «أنا نقيبكم» «٢» ولم تشر المصادر إلى أن النبي ﷺ قد عين نقباء جددا بدل أولئك الذين ماتوا أو استشهدوا في بدر (٢ هـ) وأحد (٣ هـ) والخندق (٥ هـ) «٣» .
ويبدو أن هذه القبائل كانت تعين نقباءها بنفسها، وأما (بنو النجار) فقد جاؤا إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنهم أخواله، ولهذا فقد قال لهم: «أنتم أخوالي، وأنا نقيبكم» «٤» فكانت هذه فضيلة لبني النجار.
لقد اتى التنظيم المبكر للجماعة الإسلامية أكله في إعداد العدة لتهيئة الظروف المناسبة لهجرة النبي وأصحابه إلى يثرب، وبهذه الهجرة انتقلت الدعوة الإسلامية إلى مرحلة جديدة من التنظيم الإداري والسياسي.
стр. 68
الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة
ثالثا: ملامح الإدارة في الهجرة النبوية
علمت قريش بخبر الذين بايعوا رسول الله ﷺ فازدادوا اضطهادا للمسلمين «١» وكان هذا مدعاة إلى أن يستأذن المسلمون في الهجرة إلى إخوانهم في الدين، فلم يأذن لهم النبي ابتداء، ثم إن النبي ﷺ قال لهم: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة» «٢» فأذن النبي ﷺ لهم بالهجرة، وأشار البخاري (ت ٢٥٦ هـ) إلى ذلك بقوله: قال ﷺ : «إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين ... هاجر ... » «٣» ويلاحظ أن المسلمين خرجوا إلى المدينة جماعات جماعات حتى لا يسترعوا الانتباه إليهم، فقال ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) : «فخرج المسلمون تباعا يترافدون بالمال والظهر» «٤» وتأخر النبي ﷺ في مكة؛ إذ ليس من الحكمة أن يخرج في البداية؛ لأنه القائد والمخطط والمراقب للموقف عن كثب والمتابع للأخبار، وإصدار القرارات المناسبة لذلك أمر مهم في مثل هذه الحالة.
وتذكر المصادر أن قريشا بدأت تعدّ خطتها لمنع الرسول ﷺ من الهجرة إلى المدينة، وتشير الايه القرانية إلى هذا الإعداد فيقول الله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠] «٥» .
لقد شعر النبي ﷺ وأبو بكر بذلك الإعداد المحكم فكان لابد من رسم خطة
стр. 69
محكمة؛ للخروج دون الاصطدام بقريش، وقد وضعت هذه الخطة على أسس سليمة فطلب النبي ﷺ من علي بن أبي طالب (استشهد ٣٩ هـ) أن ينام في فراشه؛ حتى يظن هؤلاء أن النبي ﷺ ما زال في فراشه «١» ، وكل ذلك كان يتم بسرية تامة، فلا يعلم بالخروج إلا من كان له دور مرسوم في تنفيذ الخطة.
ابتدأ بتنفيذ الخطة المرسومة بأن خرج النبي ﷺ من بيته وجاء إلى بيت صاحبه أبي بكر، وكان ذلك في وقت الهاجرة «٢» إذ يغلب على هذه الساعة هجوع الناس، فلا يسترعى إليه الانتباه، ثم إن النبي ﷺ خرج هو وأبو بكر من مكان خاص في بيت أبي بكر. يقول ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) : «خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته» «٣» ، وفي الجهة المقابلة، فكان من المنتظر أن يعد أبو بكر الصديق بقية الأمور، اشترى راحلتين قويتين وتركهما عند عبد الله بن أريقط وقد استأجره أبو بكر «يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحلتهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما» «٤» . أخذ النبي ﷺ طريقه إلى غار ثور جنوب مكة «٥» باتجاه اليمن؛ لأنه يفترض في الملاحقين أن يتجهوا إلى الشمال وهم يعلمون أن وجهة النبي إلى المدينة الواقعة إلى الشمال من مكة، ولهذا يقول المباركفوري: «ولما كان النبي ﷺ يعلم أن قريشا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما» «٦» .
لقد اتجه النبي إلى غار ثور وذلك بعد أن تدارس الموقف مع أبي بكر وأفراد عائلته ولا سيما أولئك الذين لهم دور في الخطة، فاتبع «مبدأ تقسيم العمل» فقام عامر بن فهيرة (ت ٤ هـ) بإخفاء اثار أقدامهما «إذ أمره أبو بكر- وهو مولاه- أن
стр. 70
يرعى غنمه نهاره ثم يريحهما عليهما- أي يأتيهما- إذا أمسى في الغار» «١» ، أما أسماء بنت أبي بكر (ت ٦٤ هـ) فكان دورها في الخطة أن تأتي ليلا بالطعام إلى الغار «٢» ، ويبدو أن اختيار أسماء كان مقصودا؛ لأن المرأة لا تثير شك أحد، أما أخوها عبد الله (ت ١٦ هـ) فكان يقوم بدور مهم في مراقبة تحركات قريش والإتيان بأخبارها إلى رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار، وكان اختيار عبد الله (ت ١٦ هـ) في غاية الحكمة فهو «شاب ثقف لقن» «٣» أي حاذق سريع الفهم، فكان يخرج من عندهما بالسحر، ويصبح مع قريش بمكة، كأنه كان قائما فيها فلا يسمع من قريش أمرا يبيتونه إلا وعاه حتى يأتيهما في المساء بخبره «٤» .
وينتظر أن يقوم كل واحد من هؤلاء بدوره المرسوم في الخطة بدقة متناهية، حتى كان اليوم الثالث، فخف الطلب عن رسول الله ﷺ فخرج بعد أن توافق التقدير النبوي المسبق الذي ضربه لابن أريقط وتقادير عبد الله بن أبي بكر (ت ١٦ هـ) عن مكة.
لقد أنقذت هذه الهجرة الدعوة الإسلامية وانتقلت بها من مرحلة الضعف إلى القوة ومن الدعوة إلى الدولة، وكانت بداية تكوين خطة جديدة تلائم الأرض الجديدة السيادة فيها للإسلام «وهكذا؛ دخل محمد ﷺ المدينة وعلى رأسه إكليل من الغار وكان استقبال الناس له استقبال فاتح عاد منتصرا لا استقبال مهاجر يطلب ملجأ» «٥» .
стр. 71
الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة
رابعا: إجراءات الرسول ﷺ الإدارية في المدينة بعد الهجرة
قدم النبي ﷺ المدينة فوجد مجتمعا يختلف عن مجتمع مكة، وجد تنافرا بين عشائر المدينة واختلافا في دياناتها «١» ، فبدأ بالتخطيط لمجتمع جديد، وكانت أول قضية تواجه الإدارة النبوية هي قضية استيعاب المهاجرين الجدد في مجتمع المدينة، فخط النبي ﷺ الدور للمهاجرين «فخط لبني زهرة في ناحية المسجد، وجعل للزبير بن العوام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة موضع داره، ولال أبي بكر موضع دارهم، وخط لعثمان موضع داره كذلك» «٢» وكان النبي ﷺ يقطع أصحابه هذه القطائع مما كان من عفائن الأرض «٣» ، أما ما كان من الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له، فكان يقطع من ذلك ما شاء «٤» ، وتذكر المصادر أن هناك قوما لم يجدوا أماكن ينزلون فيها فأنزلهم النبي مؤخرة المسجد (الصفة) فسمّوا أصحاب الصفة «٥» وكانوا يكثرون ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر، وكانوا ما يقارب المائة، وكان النبي ﷺ يتعهداهم ويشرف عليهم «٦» ، وكان النبي ﷺ قد بنى مسجده قبل ذلك، أو أن تقسيم البيوت وبناء المسجد تم في ان معا وقد اشترى النبي ﷺ مكان المسجد واشترك هو والصحابة في بنائه فقال قائلهم:
لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل «٧»
ويلاحظ أن مسجد الرسول ﷺ كان مركزا إداريّا للدولة الفتية، فمنه كان
стр. 72
النبي ﷺ يوجه المسلمين في المجتمع الجديد، وفيه يتدارس مع المسلمين الأمور الطارئة ويتخذ القرارات المناسبة «١» ، ولا يخفى أن المسجد كان مكانا للشورى؛ إذ يجتمع الناس في المسجد فيستشيرهم رسول الله في القضايا التي تستجد على الساحة الإسلامية؛ إذ إن استشارة المسلمين في أحد والخندق كانت تتم في المسجد «٢» وكان المسجد أيضا مكانا لفض المنازعات، ففيه يقضي النبي ﷺ بين المسلمين، ومنه تنطلق الجيوش وتستقبل الوفود، ومنه ينطلق الرسل إلى الملوك والرؤساء وجباة الضرائب «٣» ، وكان كذلك دار ندوة للجماعة الإسلامية تبحث فيها جميع شؤونها، أضف إلى ذلك دوره في القيام بالمهمة الروحية فهو مركز عبادة للمسلمين من صلاة وذكر، وغير ذلك.
لقد كان بناء المسجد خطوة تنظيمية مهمة قدمت على غيرها من خطوات إدارية تالية ومن خلال الصلاة بروحها الجماعية استطاع الإسلام أن يصل إلى درجة كبيرة من إذابة روح العصبية القبلية، وربط الناس بالمبدأ الجديد وفق أحكام جديدة تقوم على العقيدة والأخوة لا على رابطة الدم والقرابة «٤» .
وقام المسجد في بقية أجزاء الدولة بنفس هذا الدور؛ إذ لم يوجد مقر اخر للحكم والإدارة طول حياة الرسول ﷺ «٥» وبذلك يكون المسجد أول مركز للإدارة في الإسلام «٦» .
إن الأمر الاخر الذي اهتم به النبي ﷺ وكان إجراء إداريّا ضروريّا في هذه المرحلة هو «المؤاخاة» فأشارت المصادر إلى ذلك، فقال ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) : «واخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال: «تاخوا في الله أخوين أخوين» ، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب (ت ٣٩ هـ) فقال: «هذا أخي» ، وهكذا تاخى الصحابة اثنين اثنين» «٧» . لقد كانت هذه المؤاخاة ضرورية لإذهاب الوحشة والغربة عن
стр. 73
ليشد بعضهم بعضا ولا سيما أن المهاجرين تركوا كل المقومات الأساسية للحياة في مكة «١» .
وهكذا كانت المؤاخاة خطوة مهمة في توحيد المجتمع الجديد تضاف إلى ما سبقها من خطوات، وكان النبي ﷺ قد فكر جديّا بنظام يحل محل نظام «الأحلاف» الذي كان سائدا في الجاهلية فوضع نظام المؤاخاة بديلا عن ذلك.
لقد قدم الأنصار للمهاجرين أكثر مما توقعوه إذ «قالت الأنصار للرسول ﷺ :
يا رسول الله؛ اقسم بيننا وبينهم النخل. قال: «لا» . قال: «تكفونا المؤنة وتشركونا في التمر» . قالوا: سمعنا وأطعنا» «٢» .
لقد دلّت الروايات على أن المهاجرين عملوا في مزارع الأنصار مقابل أجرة معينة عن طريق المزارعة «٣» . ولم يقتصر كرم الأنصار على ذلك؛ بل وصل إلى حد أن قال سعد ابن الربيع (ت ٣ هـ) لعبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) أخيه في النظام الجديد: «إني أكثر الأنصار مالا فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال: بارك الله لك في أهلك، أين سوقكم؟
فدلوه على سوق بني قينقاع» «٤» ، وكان هذا التكافل الرائع هو القوة الوحيدة التي يمتلكها المجتمع المسلم في البداية، ومن ثم فإن هذا الإجراء كان ضروريّا لتفادي وقوع المهاجرين في مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة؛ ولا سيما أنهم يتقنون التجارة في حين كانت المدينة دار صناعة وزراعة «٥» .
كان المتاخون يتوارث بعضهم بعضا، فلما عزّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أنزل الله سبحانه وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأحزاب: ٦] «٦» .
فنسخت هذه الاية ذلك التوارث الذي أقر بموجب نظام المؤاخاة، وبقي من معاني المؤاخاة النصر والنصيحة، وإلى هذا يشير الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) بقوله: «أما
стр. 74
ما يتعلق بالإرث فيستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فباق لا ينسخ» «١» .
ولا شك في أن التوارث كان لمعالجة ظروف طارئة مرت بها الدعوة الإسلامية في المدينة، فكان هذا إجراء إداريّا سريعا للتغلب على هذه المشكلة، ومن المنتظر أن يكون المهاجرون قد ألفوا جو المدينة وتعرفوا إلى سبل الرزق فيها «٢» . وأصابوا من غنائم بدر (٢ هـ) ما سد حاجتهم، فرجع التوارث إلى وضعه الطبيعي المنسجم مع الفطرة البشرية والقائم على أساس الرحم والقرابة.
ويلاحظ أن النبي ﷺ أولى اهتماما كبيرا للناحية الاقتصادية لارتباطها بالكيان السياسي، وقد كانت قبائل اليهود تحتكر التجارة والأسواق وبيدهم عصب الاقتصاد في المدينة، ومثل هذا الوضع يجعلهم دولة داخل دولة وكان هناك عدة أسواق «٣» أشهرها سوق بني قينقاع، وكان هذا السوق هو السوق الرئيسي للمدينة، وكان العرب (الأنصار) يتعاملون فيه بيعا وشراء.
لقد تنبه النبي ﷺ إلى خطورة هذه السيطرة اليهودية، فكان لابد من إجراء إداري سريع يحوّل هذه السيطرة للأمة الجديدة، فيروى أن النبي ﷺ ذهب إلى أكبر سوق لليهود فألقى عليه نظرة فاحصة، ثم بحث عن مكان اخر في المدينة يعدل هذا السوق أو يفوته في المساحة والمركز والنظام «٤» . فقد روى ابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ) : «أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت موضعا للسوق أفلا تنظر إليه؟. قال:
بلى، فقام معه حتى جاء موضع السوق، فلما راه أعجبه وركض برجليه، وقال:
«نعم سوقكم هذا فلا ينتقض ولا يضربن عليكم خراج» «٥» . ويذكر أن النبي ﷺ «ذهب ابتداء إلى سوق النبك، فنظر إليه فقال: «ليس لكم هذا بسوق» ثم رجع إلى
стр. 75
هذه السوق فطاف به ثم قال: «هذا سوقكم» «١» .
ويلاحظ أن النبي ﷺ كان يراقب الأسواق بنفسه وقد طلب بعض الصحابة من الرسول ﷺ أن يسعر للناس، ولكن الرسول امتنع من ذلك، فقد مر النبي ﷺ برجل يبيع طعاما في السوق بسعر أرفع «٢» من سعر السوق فقال: «تبيع في سوقنا بسعر هو أرفع من سعرنا؟!» قال: نعم يا رسول الله. قال: «صبرا واحتسابا؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «أبشروا فإن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله، وإن المحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب الله» «٣» .
واستطاع المسلمون بحسن تعاملهم أن يحوّلوا الناس من سوق اليهود إلى سوقهم مما جعل كعب بن الأشرف اليهودي (ت ٣ هـ) يدخل إلى سوق المسلمين ويقطع أطنابها «٤» ، فقال رسول الله ﷺ : «لا جرم لأنقلنّها إلى موضع هو أغيظ له من هذا» فنقلها من موضع بقيع الزبير إلى سوق المدينة» «٥» . ولعل هذا الأسلوب التهجمي الصارم الذي اتبعه كعب ابن الأشرف (ت ٣ هـ) كان في أوائل أشهر الهجرة حيث لا يزال لليهود نفوذ قوي، ويلاحظ أيضا أن كعب بن الأشرف شعر أن مصالح اليهود الاقتصادية قد أصبحت في خطر نتيجة منافسة السوق الجديد.
لقد كان هذا التصرف من كعب- وهو من يهود قينقاع- حافزا للنبي ﷺ بأن يفكر جديّا بطرد اليهود من المدينة، وكان بنو قينقاع أول من طرد «٦» وبعدها استطاع النبي ﷺ أن يمسك بزمام الاقتصاد المدني ويوجهه الوجهة الإسلامية الخالية من كل استغلال وجشع.
وكان من أعظم الإجراات الإدارية التي قام بها الرسول ﷺ بعد هجرته إلى المدينة القيام بكتابة دستور المدينة الذي ينظم العلاقات بين سكانها، ويعد ذلك