← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9762

الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد عجاج كرمى

Полный текст (275 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة رابعا: إجراءات الرسول ﷺ الإدارية في المدينة بعد الهجرة قدم النبي ﷺ المدينة فوجد مجتمعا يختلف عن مجتمع مكة، وجد تنافرا بين عشائر المدينة واختلافا في دياناتها «١» ، فبدأ بالتخطيط لمجتمع جديد، وكانت أول قضية تواجه الإدارة النبوية هي قضية استيعاب المهاجرين الجدد في مجتمع المدينة، فخط النبي ﷺ الدور للمهاجرين «فخط لبني زهرة في ناحية المسجد، وجعل للزبير بن العوام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة موضع داره، ولال أبي بكر موضع دارهم، وخط لعثمان موضع داره كذلك» «٢» وكان النبي ﷺ يقطع أصحابه هذه القطائع مما كان من عفائن الأرض «٣» ، أما ما كان من الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له، فكان يقطع من ذلك ما شاء «٤» ، وتذكر المصادر أن هناك قوما لم يجدوا أماكن ينزلون فيها فأنزلهم النبي مؤخرة المسجد (الصفة) فسمّوا أصحاب الصفة «٥» وكانوا يكثرون ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر، وكانوا ما يقارب المائة، وكان النبي ﷺ يتعهداهم ويشرف عليهم «٦» ، وكان النبي ﷺ قد بنى مسجده قبل ذلك، أو أن تقسيم البيوت وبناء المسجد تم في ان معا وقد اشترى النبي ﷺ مكان المسجد واشترك هو والصحابة في بنائه فقال قائلهم: لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل «٧» ويلاحظ أن مسجد الرسول ﷺ كان مركزا إداريّا للدولة الفتية، فمنه كان

стр. 72

النبي ﷺ يوجه المسلمين في المجتمع الجديد، وفيه يتدارس مع المسلمين الأمور الطارئة ويتخذ القرارات المناسبة «١» ، ولا يخفى أن المسجد كان مكانا للشورى؛ إذ يجتمع الناس في المسجد فيستشيرهم رسول الله في القضايا التي تستجد على الساحة الإسلامية؛ إذ إن استشارة المسلمين في أحد والخندق كانت تتم في المسجد «٢» وكان المسجد أيضا مكانا لفض المنازعات، ففيه يقضي النبي ﷺ بين المسلمين، ومنه تنطلق الجيوش وتستقبل الوفود، ومنه ينطلق الرسل إلى الملوك والرؤساء وجباة الضرائب «٣» ، وكان كذلك دار ندوة للجماعة الإسلامية تبحث فيها جميع شؤونها، أضف إلى ذلك دوره في القيام بالمهمة الروحية فهو مركز عبادة للمسلمين من صلاة وذكر، وغير ذلك. لقد كان بناء المسجد خطوة تنظيمية مهمة قدمت على غيرها من خطوات إدارية تالية ومن خلال الصلاة بروحها الجماعية استطاع الإسلام أن يصل إلى درجة كبيرة من إذابة روح العصبية القبلية، وربط الناس بالمبدأ الجديد وفق أحكام جديدة تقوم على العقيدة والأخوة لا على رابطة الدم والقرابة «٤» . وقام المسجد في بقية أجزاء الدولة بنفس هذا الدور؛ إذ لم يوجد مقر اخر للحكم والإدارة طول حياة الرسول ﷺ «٥» وبذلك يكون المسجد أول مركز للإدارة في الإسلام «٦» . إن الأمر الاخر الذي اهتم به النبي ﷺ وكان إجراء إداريّا ضروريّا في هذه المرحلة هو «المؤاخاة» فأشارت المصادر إلى ذلك، فقال ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) : «واخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال: «تاخوا في الله أخوين أخوين» ، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب (ت ٣٩ هـ) فقال: «هذا أخي» ، وهكذا تاخى الصحابة اثنين اثنين» «٧» . لقد كانت هذه المؤاخاة ضرورية لإذهاب الوحشة والغربة عن

стр. 73

ليشد بعضهم بعضا ولا سيما أن المهاجرين تركوا كل المقومات الأساسية للحياة في مكة «١» . وهكذا كانت المؤاخاة خطوة مهمة في توحيد المجتمع الجديد تضاف إلى ما سبقها من خطوات، وكان النبي ﷺ قد فكر جديّا بنظام يحل محل نظام «الأحلاف» الذي كان سائدا في الجاهلية فوضع نظام المؤاخاة بديلا عن ذلك. لقد قدم الأنصار للمهاجرين أكثر مما توقعوه إذ «قالت الأنصار للرسول ﷺ : يا رسول الله؛ اقسم بيننا وبينهم النخل. قال: «لا» . قال: «تكفونا المؤنة وتشركونا في التمر» . قالوا: سمعنا وأطعنا» «٢» . لقد دلّت الروايات على أن المهاجرين عملوا في مزارع الأنصار مقابل أجرة معينة عن طريق المزارعة «٣» . ولم يقتصر كرم الأنصار على ذلك؛ بل وصل إلى حد أن قال سعد ابن الربيع (ت ٣ هـ) لعبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) أخيه في النظام الجديد: «إني أكثر الأنصار مالا فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال: بارك الله لك في أهلك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع» «٤» ، وكان هذا التكافل الرائع هو القوة الوحيدة التي يمتلكها المجتمع المسلم في البداية، ومن ثم فإن هذا الإجراء كان ضروريّا لتفادي وقوع المهاجرين في مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة؛ ولا سيما أنهم يتقنون التجارة في حين كانت المدينة دار صناعة وزراعة «٥» . كان المتاخون يتوارث بعضهم بعضا، فلما عزّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أنزل الله سبحانه وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأحزاب: ٦] «٦» . فنسخت هذه الاية ذلك التوارث الذي أقر بموجب نظام المؤاخاة، وبقي من معاني المؤاخاة النصر والنصيحة، وإلى هذا يشير الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) بقوله: «أما

стр. 74

ما يتعلق بالإرث فيستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فباق لا ينسخ» «١» . ولا شك في أن التوارث كان لمعالجة ظروف طارئة مرت بها الدعوة الإسلامية في المدينة، فكان هذا إجراء إداريّا سريعا للتغلب على هذه المشكلة، ومن المنتظر أن يكون المهاجرون قد ألفوا جو المدينة وتعرفوا إلى سبل الرزق فيها «٢» . وأصابوا من غنائم بدر (٢ هـ) ما سد حاجتهم، فرجع التوارث إلى وضعه الطبيعي المنسجم مع الفطرة البشرية والقائم على أساس الرحم والقرابة. ويلاحظ أن النبي ﷺ أولى اهتماما كبيرا للناحية الاقتصادية لارتباطها بالكيان السياسي، وقد كانت قبائل اليهود تحتكر التجارة والأسواق وبيدهم عصب الاقتصاد في المدينة، ومثل هذا الوضع يجعلهم دولة داخل دولة وكان هناك عدة أسواق «٣» أشهرها سوق بني قينقاع، وكان هذا السوق هو السوق الرئيسي للمدينة، وكان العرب (الأنصار) يتعاملون فيه بيعا وشراء. لقد تنبه النبي ﷺ إلى خطورة هذه السيطرة اليهودية، فكان لابد من إجراء إداري سريع يحوّل هذه السيطرة للأمة الجديدة، فيروى أن النبي ﷺ ذهب إلى أكبر سوق لليهود فألقى عليه نظرة فاحصة، ثم بحث عن مكان اخر في المدينة يعدل هذا السوق أو يفوته في المساحة والمركز والنظام «٤» . فقد روى ابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ) : «أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت موضعا للسوق أفلا تنظر إليه؟. قال: بلى، فقام معه حتى جاء موضع السوق، فلما راه أعجبه وركض برجليه، وقال: «نعم سوقكم هذا فلا ينتقض ولا يضربن عليكم خراج» «٥» . ويذكر أن النبي ﷺ «ذهب ابتداء إلى سوق النبك، فنظر إليه فقال: «ليس لكم هذا بسوق» ثم رجع إلى

стр. 75

هذه السوق فطاف به ثم قال: «هذا سوقكم» «١» . ويلاحظ أن النبي ﷺ كان يراقب الأسواق بنفسه وقد طلب بعض الصحابة من الرسول ﷺ أن يسعر للناس، ولكن الرسول امتنع من ذلك، فقد مر النبي ﷺ برجل يبيع طعاما في السوق بسعر أرفع «٢» من سعر السوق فقال: «تبيع في سوقنا بسعر هو أرفع من سعرنا؟!» قال: نعم يا رسول الله. قال: «صبرا واحتسابا؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «أبشروا فإن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله، وإن المحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب الله» «٣» . واستطاع المسلمون بحسن تعاملهم أن يحوّلوا الناس من سوق اليهود إلى سوقهم مما جعل كعب بن الأشرف اليهودي (ت ٣ هـ) يدخل إلى سوق المسلمين ويقطع أطنابها «٤» ، فقال رسول الله ﷺ : «لا جرم لأنقلنّها إلى موضع هو أغيظ له من هذا» فنقلها من موضع بقيع الزبير إلى سوق المدينة» «٥» . ولعل هذا الأسلوب التهجمي الصارم الذي اتبعه كعب ابن الأشرف (ت ٣ هـ) كان في أوائل أشهر الهجرة حيث لا يزال لليهود نفوذ قوي، ويلاحظ أيضا أن كعب بن الأشرف شعر أن مصالح اليهود الاقتصادية قد أصبحت في خطر نتيجة منافسة السوق الجديد. لقد كان هذا التصرف من كعب- وهو من يهود قينقاع- حافزا للنبي ﷺ بأن يفكر جديّا بطرد اليهود من المدينة، وكان بنو قينقاع أول من طرد «٦» وبعدها استطاع النبي ﷺ أن يمسك بزمام الاقتصاد المدني ويوجهه الوجهة الإسلامية الخالية من كل استغلال وجشع. وكان من أعظم الإجراات الإدارية التي قام بها الرسول ﷺ بعد هجرته إلى المدينة القيام بكتابة دستور المدينة الذي ينظم العلاقات بين سكانها، ويعد ذلك

стр. 76

الخطوة الأساسية في إقامة حكومة المدينة. أشارت المصادر إلى هذا الدستور بعدة ألفاظ، فابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) - وهو مصدرها الأول- يطلق عليها «الصحيفة» «١» وأطلق عليها ابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ) اسم «الموادعة» «٢» ، وأطلق عليها البعض أسماء أخرى مثل «الوثيقة» و «الكتاب» و «المعاهدة» و «الدستور» ... إلى غير ذلك «٣» . إن تسمية ابن سيد الناس (٧٣٤ هـ) للصحيفة باسم (الموادعة بين المسلمين واليهود) غير دقيقة؛ لأن هذه التسمية لا تعطي صورة حقيقية عن محتويات الصحيفة والتي تشمل كثيرا من المواد الخاصة بالمسلمين، أما كلمة «صحيفة» فتعني أنها إعلان من جانب الرسول ﷺ يبيّن فيها الأمور الواجب تنفيذها «٤» ، ويبدو أن النبي ﷺ أراد من إصدارها هذا الأمر، فهي بيان مسجل للتنظيمات الإدارية المراد اتباعها فبدأ بقوله: «هذا كتاب من محمد ... » «٥» . ولعل من المفيد أن نذكر قضية مهمة بالنسبة إلى هذه الصحيفة، فكتب الحديث هذه المعتبرة لم ترو نص الكتاب كاملا، وأقدم مصدر ورد فيه النص كاملا هو ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) دون إسناد «٦» . ولم يذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) المصدر الذي أخذ منه، في حين يذكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) في سننه المواد المتعلقة بالمسلمين ولم يذكر المواد الخاصة باليهود، وأسندها البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) إلى ابن إسحاق كذلك «٧» ، أما ابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ) وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) فقد ذكراها دون إسناد وهما ينقلان عن ابن إسحاق (ت ١٥١) «٨» . ويذكر ابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ) أن ابن خيثمة أورد الكتاب فأسنده هذا الإسناد: «حدثنا أحمد بن خباب أبو الوليد حدثنا عيسى بن يوسف حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن

стр. 77

أبيه عن جده أن رسول الله كتب كتابا ... » «١» . أما رواية أبو عبيد (ت ٢٢٤ هـ) في الأموال فهي عن «ربحي بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح أنهما قالا: حدثنا الليث بن سعد قال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله كتب كتابا ... » «٢» . إن أولئك الذين ينكرون صحة هذه الصحيفة «٣» . يعتمدون على أن كتب الحديث الصحيحة لم ترو نص هذا الكتاب مع أنها أوردت مقتطفات تشمل عددا من مواد هذه الصحيفة؛ ولا سيما تلك التي تتعلق بتنظيم العلاقة بين المهاجرين والأنصار، فقد أورد جزا من هذه الصحيفة الإمام أحمد (٢٤١ هـ) في مسنده «٤» وأبو داود (ت ٢٧٥ هـ) في سننه «٥» والبيهقي (ت ٤٥٨ هـ) في سننه كذلك «٦» . أما نصوص الصحيفة فهي مكونة من جمل قصيرة ومعقدة التركيب. ويكثر فيها التكرار ويستعمل كلمات وتعابير كانت مألوفة في عصر الرسول ﷺ ثم قلّ استعمالها فيما بعد حتى أصبحت صعبة على غير المتعمقين بدراسة هذه الفترة «٧» ، ولعل النظرة الفاحصة للأسلوب والمحتوى يجعلنا نطمئن إلى صحة هذه الصحيفة وهي تمثل في بعض موادها ذلك التنظيم الذي كان سائدا في الجاهلية من حيث الترابط القبلي والاعتراف بقوة العصبية، والصحيفة في مجملها توافق روح القران دون الإشارة إليه صراحة؛ إذ إن القران لم يذكر كثيرا من الحوادث المهمة التي حدثت في المجمع المدني «٨» .

стр. 78

وهذه الصحيفة في الأصل صحيفتان (وثيقتان) «١» . أحدها يختص بالمهاجرين والأنصار، والاخرى بالمسلمين من جهة واليهود من جهة أخرى، وقد اختلفت المصادر في تحديد تاريخ مضبوط لكتابة هذه الصحيفة، فبعضهم يرى أنها كتبت قبل بدر «٢» وأما البعض الاخر فيرى أنها كتبت بعد بدر «٣» في حين ذكر اخرون أن إحدى الوثيقتين كتبت قبل بدر والاخرى بعد معركة بدر (سنة ٢ هـ) «٤» وليس لدينا نص قاطع يثبت ويقطع بصحة رواية دون الاخرى. تبدأ الصحيفة ببيان الأطراف المشتركة فيها، ولا نعلم إذا كانت مواد الصحيفة قد صيغت بعد مفاوضات، أو أنها كانت كالمعاهدات الاخرى؛ لأن نص الكتاب لا يذكر طرفا اخر «٥» . ويرى سيرجنت «أن الوثيقة تحمل تواقيع وأختام الأطراف المتعاقدة وأن ابن إسحاق لم يورد هذه الأسماء لعدم حصوله على النسخة كاملة» «٦» . «هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم» «٧» ثم قررت الصحيفة أن هؤلاء أمة دون الناس، والأمة مجموعة أحلاف؛ إذ إن الأفخاذ والقبائل تركت كما كانت وأصبحت أعضاء في الأمة وعد المهاجرين فخذا واحدا «٨» وأما الفرد فيشارك في الأمة مشاركة مباشرة عن طريق الفخذ والقبيلة وعلاقة الفخذ بالأمة تتضح في أنه يدفع النفقات غير الخاصة كالدين وفداء الأسرى كما كان من قبل؛ إذ لم يكن يوجد خزينة مركزية انئذ؛ ولذا نصت الصحيفة «إنهم أمة واحة من دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم فيتعاقلون بينهم» «٩» . وكلمة (الأمة) شملت أيضا

стр. 79

طوائف المدينة الاخرى كاليهود، وإن كانوا لا ينتمون إليها انتماء وثيقا كالمهاجرين والأنصار؛ ولذلك لم تقع عليهم نفس الواجبات وليس لهم نفس الحقوق «١» . لقد كانت التكليفات بين الأفخاذ والبطون ضرورة لسد العجز الذي قد ينشأ عن عدم وجود بيت مال «المهاجرين من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم «٢» بالمعروف والقسط بين المؤمنين» «٣» . ويلاحظ في المواد التالية أن الصحيفة كررت هذه المادة مع بقية الأفخاذ والبطون، وذكر منها بني عوف وبني ساعدة وبني الحارث وبني جشم وبني النجار وبني عمرو بن عوف وبني النبيت وبني الأوس «٤» وبذلك فإن الصحيفة لم تشر إلى الحيّين الكبيرين (الأوس والخزرج) بل ذكرت البطون الصغيرة؛ لأن أثرها أقوى في المجتمع اليثربي إضافة إلى أن هذه التكليفات تقوم بها البطون الصغيرة دون القبائل الكبيرة «٥» . وكان على هذه البطون أن تسكن في مكان واحد كنوع من التنظيم للمجتمع المدني وأن يتعاون هؤلاء في حمل هذه التكاليف كالدين وغيره، فقالت الصحيفة: «لا يتركون مغرما بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل» «٦» وهذا يوضح جليّا أن النبي ﷺ يكن يريد تحطيم القبيلة، إنما كان يريد أن يتخطى العصبية محاولا تشذيبها وتوجيهها بحيث يستفاد منها وفق مفاهيم الدين الجديد الداعية إلى التكافل في المجتمع الإسلامي. أما كلمة «طائفة» الواردة في هذه المادة أن كل طائفة ... «٧» . فيقصد بها فروع (بطون) القبائل دون الأفراد، ولعل في هذا نوعا من التخصيص أكثر دقة بأن تتحمل هذه الطوائف أخطاء أفرادها الصغار دون أن يحمل ذلك للقبيلة الكبيرة «٨» . ونصت الصحيفة أيضا «أنه لا يخلف مؤمن مولى مؤمن دونه» «٩» وفي هذا إقرار

стр. 80

لقضية الموالاة التي كانت سائدة في الجاهلية والإسلام، وبهذا حاول أن يمنع إحداث مشاكل اجتماعية وسياسية وإدارية لمجتمع حديث عهد بالجاهلية، وأن ينظم هذه القضية بين الموالي ومن يوالونهم؛ حفاظا على واحدة المجتمع الإسلامي. وإذا أخل أحد بالأمن أو اعتدى أو أفسد فقد جعلت الصحيفة الأمة كلها مسؤولة عن حماية هذا الأمن وردع المفسد «١» وتمكين السلطة من القصاص العادل من المجرم، وليس لأحد من عشيرته أن يعترض على ذلك، وكان ذلك يعني أن تتواحد السلطة وألّا يكون هناك عوائق قبلية وعشائرية أمام سيادة القانون «وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه ولو كان ولد أحدهم» «٢» ويفهم من ذلك أن السعي إلى تطبيق هذه الحدود واجب ديني، وهذا واضح من النص (المؤمنين المتقين) ، وكلمة «المتقين» تعني أن هذه التنظيمات والالتزام بها هو من التقوى التي يجب على المؤمنين الالتزام بها «٣» . ويفترض أن تكون هذه الإجراات قد خطت خطوات واسعة لإيقاف الخصومات بين عشائر المدينة، وبذلك تحول الثأر الذي كانت تقوم به العشيرة إلى عقوبة تقوم بها الأمة ممثلة في سلطتها الحاكمة «٤» . التي أصبحت هي المنوطة بتعقب المجرمين والقيام على أمن الأفراد في المجتمع الجديد ثم وضحت الصحيفة حدود العقوبات الجنائية، فكانت المادة التي تدل على أن دم الكافر لا يكافئ دم المسلم «ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر» «٥» . وما ورد من أنهم «أمة دون الناس» «٦» . والذي جاء دامغا لأهل الصحيفة لم يشمل هؤلاء في أمور الدماء، ولعل ذلك كان الإطار السياسي الذي جمع بين هؤلاء في الإنفاق والدفاع عن أرض يعيش فيها هؤلاء جميعا «٧» . ويفترض أن تكون هذه المادة قد أعطت المجتمع نوعا من الاستقرار ونسيان الدماء التي أريقت في الجاهلية، فألغى الإسلام تلك الدماء وأكد

стр. 81

على مفهوم العقيدة الجديدة دون رابطة الدم والقرابة «ولا ينصر كافرا على مؤمن» «١» . وأعطت الصحيفة قيمة كبيرة لأفراد المجتمع المسلم حتى إن أحدهم كان باستطاعته أن يجير الاخرين إلا من حددت الصحيفة عدم إجارتهم «وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم» «٢» وبذلك أقرت هذه المادة مبدأ الجوار- الذي كان معروفا قبل الإسلام- وجعله حقّا لكل مسلم ولكنه حصر الموالاة بين المؤمنين. والولاء تعني المحبة والتعاون والنصرة، فلا يجوز إذا أن يوالي المؤمن كافرا لقوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ال عمران: ٢٨] وجاءت الايات القرانية تؤيد هذه الموالاة وتجعلها جزا من الإيمان إذ قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ. وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ [الممتحنة: ١] وقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ «٣» . انتقلت الصحيفة لاعتبار الحرب والسلم جزا من سيادة الدولة، فلا يجوز لأي فرد أو قبيلة أن تسالم أو تحارب دون الرجوع إلى الدولة، فنصت الصحيفة «وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم» «٤» وهذا طبيعي في جو أحاط المسلمين فيه من الأخطار الشيء الكثير، والرسول ﵇ بصفته رئيسا للدولة هو الذي يعلن الحرب أو السلم وعلى سائر أهل الصحيفة أن يتبعوا النبي ﷺ في حربه وسلمه. وأشارت الصحيفة في بعض موادها إلى نوع من التنظيم العسكري، فهناك تناوب بين المسلمين في الخروج للغزو في سبيل الله «وإن كل غازية غزت منا يعقب بعضها بعضا» «٥» وكان هناك نص خاص يجعل أهل المدينة صفّا واحدا أمام أي خطر خارجي أو داخلي سواء أصاب فردا أم مجموعة أفراد «وأن المؤمنين يبئ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه» «٦» . وذكرت الصحيفة مواد خاصة تنظم طريقة التعامل مع قريش وهي العدو الرئيسي

стр. 82

للدولة الجديدة؛ ولذا منعت الصحيفة أهلها- ولا سيما المشركين واليهود- أن يجيروا أحدا من أهل مكة، وبذلك استطاع النبي ﷺ أن يضبط أمور غير المسلمين في المدينة «لا يجير مشرك مالا لقريش ونفسا، ولا يحول دونه على مؤمن» «١» وينتظر أن يكون المشركون قد أثاروا موضوع إجارة المؤمنين- كما في مادة سابقة- ولكن الوضع هنا يختلف تماما، فمكة في حالة حرب وعداء مع المسلمين، والسماح لهؤلاء بإجارتهم يعني إحداث شرخ كبير في أمن المدينة ودفاعاتها. وحددت الصحيفة بعض ملامح النظام القضائي الجديد في المدينة، وجاءت المواد الخاصة بالقضاء كإطار قضائي للمواد الاخرى، ومن خلالها حددت العقوبات على الجنايات المختلفة فنصت الصحيفة «وأنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلّا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة لا يحل لهم إلا قيام عليه» «٢» فالقاتل يقتل إلّا أن يعفو وليه، وعلى الأمة جميعا أن تمكن السلطة والقضاء من أخذ الحق من القاتل، وهذا التأكيد كان ضروريّا في مجتمع قبلي يقف مع ابن القبيلة ظالما كان أو مظلوما، ويلاحظ أن الربط الدائم بين الإيمان وبين تطبيق هذه المواد فقال: «وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وامن بالله واليوم الاخر أن ينصر مشركا أو يؤويه، وأن من نصره أو اواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل» «٣» . ويفهم من مواد الصحيفة أن السلطات الإدارية والقضائية والعسكرية جعلت بيد حاكم المدينة الرسول ﷺ ، فهو المرجع الأعلى في كل خلاف سواء كان بين المؤمنين أنفسهم أو بينهم وبين جيرانهم، فهو ﵇ يشرف على جميع الميادين التطبيقية لجميع ما قررته الصحيفة «٤» «وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردّه إلى الله » «٥» . أما القسم الاخر من الصحيفة فينظم العلاقات بين المؤمنين وبين اليهود القاطنين في المدينة وأطرافها، فقد ألزمت هذه الصحيفة اليهود بدفع قسط من نفقات الحرب الدفاعية عن المدينة «٦» وذلك في مادتين من مواد الصحيفة «وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» «٧» والاخرى «وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم

стр. 83

وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة» «١» . ويتضح من النص أن كل فئة تدبر أمورها الخاصة في النفقة، أما في حالة الدفاع عن المدينة فلابد أن تشترك كل فئة بنصيبها من النفقة، وهذا واضح من قوله «وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» «٢» ، وينتظر أن تكون هذه المواد قد جعلت أهل يثرب واحدة واحدة في حالة الحرب، وأن المجتمع الجديد يحتاج إلى مثل هذه الواحدة للدفاع عن كيانه في ظل الأخطار المحيطة به. ويبدو لنا من خلال استقراء حوادث السيرة أن اليهود لم يشتركوا في الدفاع عن المدينة لا سيما في الحروب الدفاعية كأحد والخندق وما ورد من إشارات في ذلك تفتقر إلى الصحة، فرواية الزهري (ت ١٢٤ هـ) : «كان اليهود يغزون مع رسول الله فيسهم لهم» «٣» . هي من مراسيل الزهري والعلماء لا يحتجون بهذه المراسيل «٤» . أما الحديث الاخر فهو «أن النبي استعان بيهود قينقاع» الذي ورد عن طريق الحسن ابن عمارة (ت ١٢٤ هـ) وأخرجه البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) فقال عنه: متروك «٥» وهناك مجموعة أخرى من الأحاديث لم تثبت صحتها. وكذلك؛ فإن اليهود من الناحية العلمية لم يشتركوا في الدفاع عن المدينة وهناك أحاديث تمنع اليهود من ذلك فقد ذكر الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) : أن النبي ﷺ خرج حتى إذا بلغ خلف ثنية الوداع إذا كتيبة، فقال: «من هؤلاء؟» قالوا: بنو قينقاع- وهم رهط عبد الله بن سلام- قال: «وأسلموا» قالوا: لا، بل هم على دينهم، قال: «قولوا لهم فيرجعوا فإنّا لا نستعين بالمشركين» «٦» . ويظهر من بقية المواد التي تخص اليهود أن النبي ﷺ ترك لهم حرية المعتقد فلا يكره أحد على دين من الأديان، وكان ذلك يعني قمة التسامح الديني الذي أقره الإسلام ودعا إليه. وطبقه المسلمون في أول دستور أعلنه الإسلام في المدينة المنورة «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم» «٧» أما الجرائم الفردية فلا يؤخذ بها إلا صاحبها دون أن يتعدى ذلك إلى الجماعة كلها «إلا من ظلم وأثم فإنه لا

стр. 84

يوتغ إلّا نفسه وأهل بيته» «١» . ثم عددت الصحيفة أحياء اليهود وأن لهم جميعا هذه الامتيازات التي أعطيت ليهود بني عوف «وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ... » «٢» أما الإطار السياسي العام الذي يجمع أهل الصحيفة والذي ينتظر منه أن يكون مقدمة لانضمام اليهود إلى أمة الإسلام، وهو أمل راود النبي ﷺ على ما يبدو- في السنة الأولى لمقدمه إلى يثرب. ويلاحظ أن المسلمين اعتبروا كتلة واحدة تربطهم رابطة الإسلام، أما اليهود فلم تعاملهم الصحيفة على أنهم كتلة واحدة بل ذكرت قبائلهم «بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم وبني الأوس وبني ثعلبة وبني الشطيبة» «٣» وموالي هؤلاء تبع لهم في الحكم «وإن بطانة يهود كأنفسهم» «٤» ذكرهم متفرقين، ولعل ذلك كان يقصد منه أن يتمكن النبي ﷺ من معاقبة كل قبيلة تنقض العهد دون أن يأخذ قبيلة بجريرة الاخرى، وهذا ظهر جليّا في الخطوات التالية التي قام بها النبي ﷺ تجاه اليهود ويبدو أن مادة «على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى» «٥» لم تتكرر هنا مع قبائل اليهود؛ لأن الصحيفة تركت لليهود إدارة شؤونهم الخاصة فيرجعوا إلى الرسول ﷺ في الأمور ذات الإطار العام ويرجعوا إلى أحبارهم في المسائل الشخصية والدينية، ولكن كان بإمكان اليهود أن يلجؤوا إلى الرسول ليحكم بينهم، ويفهم ذلك من الاية القرانية فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: ٤٢] ولا شك في أن احتكامهم إلى النبي ﷺ كان متأخرا؛ لأن هذه الاية من سورة المائدة وهي نزلت في فترة متأخرة من حياة الرسول ﷺ في المدينة «٦» . وحددت الصحيفة حرية أهل المدينة في الخروج منها، فلابد أن يكون ذلك بعد أخذ الإذن من النبي ﷺ ، وبذلك ضيق على اليهود والمشركين والمنافقين ولا سيما الاتصال بأعدائه المكيين، وأنه لا يجوز لأحد أن يعلن الحرب أو السلم إلا بإذن قيادة المدينة «لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد ﷺ » «٧» وكانت المادة الاخرى قد ضيقت على

стр. 85

هؤلاء «وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها» «١» وبذلك أمّن النبي ﷺ كل السبل لحماية المدينة وسكانها. واعتبرت المدينة حرما فنصت الصحيفة «وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا اثم، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها» «٢» والحرم لا يحل انتهاكه وبذلك أصبحت المدينة بحدودها- وهي يومئذ تمثل دولة الإسلام- محرمة كما هي مكة. ثم جعلت الصحيفة النبي ﷺ الرئيس الأعلى للدولة فهو يفصل في الخصومات الداخلية «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة» «٣» . ويلاحظ أن الصحيفة ختمت بتأكيدات أخرى وجب الالتزام بها «وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره» «٤» ، ثم أمّن أهل الصحيفة جميعا «وأنه من خرج امن ومن قعد امن إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتّقى، ومحمد رسول الله ﷺ » «٥» . ويفترض أن يكون زمن انتهاء مفعول هذه الصحيفة هو بعد غزوة الخندق (سنة ٥ هـ) إذ بعدها أخرج الرسول ﷺ اخر قبائل اليهود بني قريظة (سنة ٥ هـ) فلم يعد معنى للحلف مع اليهود، كما أن صلح الحديبية (سنة ٧ هـ) فتح الباب أمام الرسول ﷺ للتحالف مع من شاء من القبائل «٦» ، وبعد فتح مكة (سنة ٨ هـ) توسعت الدولة لتشمل الجزيرة العربية كاملة وهذا يتطلب اخر عاما لا تنظيما إقليميّا محليّا. ويتضح مما سبق أن إدارة الرسول ﷺ في المدينة كانت تهدف إلى تكوين أمة مترابطة، للأفراد فيها حرية العمل وإبداء الرأي، وللسلطة المركزية حق إدارة الأمن والقضاء والحرب والسلم على أن تكون التقوى والأخلاق الفاضلة أساس أعمالهم وتصرفاتهم. وبهذا النص المكتوب استكملت عناصر تكوين الدولة وفق مفهوم الدولة الحديث القائم على أركان ثلاثة هي: الأمة والأرض والسيادة الداخلية والخارجية على أرضها وشعبها.

стр. 86

الإدارة في عصر الرّسول ﷺ الفصل الثّالث التنظيم الإداري للدولة أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية. ثانيا: الإدارة الدينية. ثالثا: الكتابة والكتّاب. رابعا: إدارة العلاقات العامة (الدبلوماسية الإسلامية) .

стр. 87

الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية ترجع الأسس العامة لإدارة البلدان إلى ما بعد فتح مكة (سنة ٨ هـ) ؛ إذ امتدت دولة الإسلام تدريجيّا إلى المناطق المجاورة إلى أن شملت مكة ثم بلاد الحجاز والجزيرة العربية كافة. كان للرسول ﷺ الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا «١» ، وسلطاته الإدارية تشمل الدولة كلها فيما يتعلق بتحديد الأهداف ورسم السياسات العامة. لقد شارك الرسول ﷺ في إدارة الدولة مجموعة من خيرة الصحابة الذين يشهد لهم بالعقل والفضل والبصيرة، واختير هؤلاء الرجال من أولئك السابقين إلى الإسلام والذين لهم نفوذ وقوة في أقوامهم، وجاء في مقدمة هؤلاء العاملين في الميدان الإداري سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار «٢» ، ويلاحظ أن بعض المصادر أطلقت عليهم اسم النقباء «٣» ، في حين أطلق عليهم بعض المحدثين اسم «مجلس الشورى» أو «مجلس النقباء» «٤» ، ويبدو أن إطلاق هذا المصطلح جاء متأخرا. فلم يكن هناك مجلس ثابت له قواعد ومواعيد محددة، فكان النبي ﷺ يستشير «٥» الواحد بالرأي فيراه صوابا فيأخذ به، وإن كان يخالف رأيه كما حصل مع حباب بن المنذر (ت ٢٠ هـ) في اختيار موقع القتال في بدر (٢ هـ) «٦» وكما أشار سلمان الفارسي (ت ٣٥ هـ) على رسول الله ﷺ

стр. 88

بحفر الخندق حول المدينة، فأخذ برأيه وأمر بالحفر (٥ هـ) «١» . وكان النبي ﷺ يستشير الاثنين والثلاثة، فكان غالبا ما يستشير أبا بكر (ت ١٣ هـ) ، وعمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) «٢» ، وكما فعل في غزوة الأحزاب (٥ هـ) «٣» إذ استشار سعد بن معاذ (ت ٥ هـ) ، وسعد بن عبادة (ت ١٥ هـ) واستشار أسامة بن زيد (ت ٥٤ هـ) ، وعلي بن أبي طالب (ت ٣٩ هـ) في فراق أهله «٤» . وكذلك كان النبي ﷺ يستشير الحاضرين، فيروي ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ قال لجيشه يوم بدر (٢ هـ) : «أشيروا علي أيها الناس..» «٥» وذكرت المصادر أن النبي ﷺ استشار جمهور الناس عن طريق ممثلين عنهم كما حدث بعد غزوة حنين (سنة ٨ هـ) ، إذ قدم وفد هوازن إلى النبي ﷺ مسلما فطلب النبي ﷺ من الناس أن يعطوا رأيهم في رد المغانم التي غنموها فاختلف الناس «٦» ، فقال النبي ﷺ لهم: «إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا «٧» . فكانت الشورى قاعدة حكم النبي ﷺ كما أشارت الايات الكريمة في قوله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ال عمران: ١٥٩] ، وقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨] . وقد أطلقت بعض المصادر على أولئك الذين استشارهم النبي ﷺ بشكل كبير اسم «الوزراء» ، فقال الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) : «كان أبو بكر الصديق من النبي ﷺ مكان الوزير فكان يشاوره في جميع أموره» «٨» . ونجد رواية أخرى عند الترمذي (ت ٢٧٩ هـ)

стр. 89

تقول: قال رسول الله ﷺ : «ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر» «١» وقد يتبادر إلى الذهن أن الوزارة كوظيفة إدارية كانت معروفة في زمن الرسول ﷺ ، ولكن يبدو أن ما ورد من روايات في ذلك لم تعد كونها معاني عامة لكلمة وزير المعروفة قديما، والتي وردت على لسان موسى ﵇: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي [طه: ٢٩، ٣٠] «٢» أما الوزارة كوظيفة إدارية ثابتة فنشأت فيما بعد، وتبلورت في زمن العباسيين «٣» ، ولذا قال الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) عبارته الدقيقة: «كان أبو بكر.. مكان الوزير» «٤» فهو يعمل عمل الوزير دون أن يسمى وزيرا، قال ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) : «كان يشاور أصحابه، ويفاوضهم في مهماته العامة والخاصة، ويخص أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى كان العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها من كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره، ولم يكن لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب الملك بسذاجة الإسلام» «٥» وبهذا المعنى كان أبو بكر يفوض عن النبي ﷺ في بعض القضايا، فقد روى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن امرأة أتت النبي ﷺ وطلبت أن تعود، فقال لها النبي ﷺ : «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» «٦» . ويفيد النص أن أبا بكر كان يفوض من قبل النبي ﷺ في تصريف شؤون الدولة وتلبية حاجات المواطنين. لقد أشارت المصادر إلى مجموعة من الوظائف الإدارية المرتبطة برئيس الدولة (منها: أن بعض المسلمين كان يعمل حاجبا لرسول الله) فكان يقوم هؤلاء بالإذن عليه في بعض الأوقات، وهناك إشارات تبين أن سفينة ورباح الأسود (من موالي رسول الله) وأنس بن مالك (ت ٩١ هـ) قاموا بهذه المهمة بتكليف من الرسول ﷺ «٧» . ولكن يلاحظ أن «الحجابة» هذه لم تكن لها مراسيم وأعراف أو أنظمة معقدة. بل كان

стр. 90

هؤلاء يتطوعون في الإذن على رسول الله في الأوقات التي كان يحب أن يخلو فيها بنفسه في المسجد أو في حجرة من حجرات أزواجه «١» . وقد وجدت هناك وظيفة «أمين السر» ، وارتبطت بشكل كبير بالإدارة العليا للدولة ممثلة برسول الله ﷺ ، وتشير روايات المصادر أن هذه الوظيفة كانت طيلة فترة الرسالة لحذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) فيروي الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) : «أن حذيفة بن اليمان كان صاحب سر رسول الله ﷺ لقربه منه وثقته به وعلو منزلته عنده» «٢» ، ومن هنا فقد انفرد حذيفة في معرفة كثير من الأسرار التي لم يعلمها غيره خاصة معرفة أسماء المنافقين وأخبارهم، ومعرفة أخبار الفتن التي تقع بين المسلمين «٣» . وكانت هناك وظائف إدارية ذات طبيعة إعلامية وهي وظيفة «الشعراء والخطباء» : فكان هؤلاء يذودون عن رسول الله ﷺ بألسنتهم، ويعيبون على قريش عبادتهم للأصنام، ويردون على شعراء المشركين وخطبائهم، وبذلك كانوا يمثلون بشعرهم حربا إعلامية شديدة التأثير في بيئة قبلية احتل الشعراء والبلغاء فيها مكانة خاصة. وكان من أشهر هؤلاء حسان بن ثابت (ت ٥٤ هـ) «٤» وكان النبي ﷺ يشجعه لما يشعر به من أهمية دوره في إبراز محاسن الإسلام، والذود عن حرماته، فيروي البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن النبي ﷺ قال لحسان: «أهجوهم وروح القدس معك» «٥» وفي رواية لمسلم (ت ٢٦١ هـ) : «يا حسان أجب عن رسول الله، اللهم أيّده بروح القدس» «٦» ، وكان لشعر عبد الله بن رواحة (ت ٨ هـ) «٧» وكعب بن مالك (ت ٥٠ هـ) دور كبير في المعارك المختلفة، فكانت مهمتهم أن يحرضوا المجاهدين على القتال، وأن يتصدّوا للمشركين وشعرائهم «٨» .

стр. 91

وكان ثابت بن قيس الخزرجي (ت ١٢ هـ) يقوم بمهمة «الخطابة» ، فيرد على خطباء الوفود، يروي ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن وفد بني تميم جاء إلى النبي ﷺ ، (٩ هـ) ، فقام شاعرهم وخطيبهم، فقالا شعرا ونثرا، فأمر النبي ﷺ حسان بن ثابت (ت ٥٤ هـ) ، وثابت بن قيس (ت ١٢ هـ) بإجابتهما ففعلا «١» ، وهكذا فقد كان النبي ﷺ يختار من أصحابه أهل الكفاءة لمكافأة متطلبات الوظيفة وحاجاتها. كان الرسول ﷺ يوصي بالرئاسة حيث يوجد العمل الجماعي، وذلك يظهر من قوله: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» «٢» ، وكانت هذه قاعدة عامة يطبقها النبي ﷺ في كل أحواله، فكان يدير الدولة بنفسه، ويشرف على شؤون الأقاليم البعيدة عن طريق استعمال عدد كبير ممن يجد فيهم الكفاءة من أصحابه. ففي المدينة «عاصمة الدولة» أشرف النبي ﷺ على إدارتها إشرافا مباشرا، وكانت المناطق القريبة من المدينة تابعة إداريّا للرسول. وتشير المصادر إلى أن النبي ﷺ كان يعين نائبا له «٣» على إدارة المدينة في حال خروجه للجهاد أو الحج، فيصلي بالناس، ويشرف على تنفيذ متطلبات الناس المتبقين في المدينة، وكان أول من استعمل على المدينة ابن أم مكتوم (ت ١٥ هـ) فيذكر خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) أن النبي ﷺ استعمله ثلاث عشرة مرة «٤» ويبدو أن استخلاف ابن أم مكتوم غالبا ما كان من أجل

стр. 92

الصلاة بالناس؛ وذلك لكونه ضريرا، وقد اتضح هذا من قول الحلبي (ت ١٠٤٤ هـ) : «إن استخلاف ابن أم مكتوم إنما كان على الصلاة بالمدينة دون القضايا والأحكام، فإن الضرير لا يجوز أن يحكم بين الناس؛ لأنه لا يدرك الأشخاص، ولا يدري لمن يحكم ولا على من يحكم» «١» ، وأيد ذلك الزرقاني (ت ١٢٢ هـ) حيث قال: «استعمل ابن أم مكتوم- أي على الصلاة بالناس- لأن المدينة لم يبق فيها إلا القليل الذين لا يتخاصمون» «٢» . وذكرت المصادر عددا ممن أنابهم الرسول ﷺ على إدارة المدينة في حالة خروجه إلى الغزاة «٣» ، ويلاحظ من جريدة الأسماء الذين اختارهم الرسول ﷺ لذلك أنه لم يقتصر على اختيار شخص معين، ولكن بقي الإسلام والكفاءة والأمانة هي أسس الاختيار والتولية، أما ما ذكر عن الأقسام التابعة إداريّا للمدينة، وأشارت إليهما المصادر الجغرافية «٤» ، فلم تكن على هذه الصورة في زمن النبي ﷺ ، وربما حدثت في السنين التالية عندما استقر الوضع الإداري للجزيرة العربية وفي المناطق الشمالية خاصة. وكانت «مكة» واحدة إدارية، وتأتى في أهميتها بعد العاصمة، ولا سيما أنها تشتمل على المشاعر المقدسة، والتي يحج المسلمون إليها في كل عام، وقد انضمت مكة إلى الدولة الإسلامية في السنة الثامنة للهجرة بعد الفتح وعين عليها النبي ﷺ عتاب

стр. 93

ابن أسيد بن أبي العاص (ت ١٣ هـ) واليا كما في رواية ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) «١» ، في حين يذكر موسى بن عقبة (ت ١٤١ هـ) «٢» أن النبي ﷺ عين معاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) على مكة يعلّمهم القران ويفقههم في الدين «٣» . ويمكن الجمع بين ما قاله ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) وابن عقبة (ت ١٤١ هـ) أن النبي ﷺ عين عتابا أميرا ومعاذا إماما ومعلما؛ إذ إن عتاب بن أسيد من مسلمة الفتح، ولم يحصل على قسط وافر من العلم والفقه. وبقي عتاب بن أسيد من مسلمة الفتح، ولم يحصل على قسط وافر من العلم والفقه. وبقي عتاب بن أسيد على إدارة مكة حتى وفاة الرسول ﷺ فأقره أبو بكر على ولايته حتى وفاته (ت ١٣ هـ) «٤» ، ويمكن القول: إن إدارة عتاب الناجحة لشؤون مكة أدت بشكل واضح إلى ثبات أهل مكة على الإسلام بعد ردة العرب في أواخر حياة الرسول ﷺ وسائر خلافة أبي بكر ﵁ «٥» . وكانت الطائف- بعد إسلامها (٩ هـ) - واحدة إدارية، واستعمل النبي ﷺ على إدارتها عثمان بن أبي العاص (ت ٤٢ هـ) وقد اختير عثمان مع صغر سنه «٦» ويعلل ذلك قول أبي بكر الصديق (ت ١٣ هـ) : «يا رسول الله ﷺ إني رأيت هذا الغلام منهم أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القران» «٧» وكانت قد جرت عادة الرسول ﷺ منذ عام الوفود (٩ هـ) أن يختار من بين الوافدين عليه أصلحهم لتولّي

стр. 94

شؤون المنطقة التي ينتمي إليها الوفد، وذلك بما يتوافر لهذا الأمير من مؤهلات دون النظر للسن، وعلى أساس ذلك كان اختيار عثمان لإدارة شؤون الطائف. ويشير ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) إلى أن النبي ﷺ زود عثمان بتعليمات إدارية أولية فقال له: «يا عثمان تجاوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة» «١» ويفيد هذا النص أن المهمة الإدارية الأولى لعثمان كانت إقامة الصلاة، فكان لابد من تحديد كيفية التعامل تجاه المصلين، لأنهم حديثو عهد بالإسلام. أما بقية الأمور الإدارية، فقد تركت لعثمان يقوم بها حسب معرفته بطبيعة الطائف وعلى أساس النظم السائدة فيها، وبقي عثمان على إدارتها في حياة النبي ﷺ وخلافة أبي بكر وجزا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁ «٢» . وكانت «اليمن» واحدة إدارية، وكانت قبل الإسلام تتبع فارس، وولي أمرها من قبل كسرى باذان بن ساسان (ت ١٠ هـ) ، فأسلم وحسن إسلامه وأصبح أهلها جزا من رعايا الدولة الإسلامية. فأبقى النبي ﷺ باذان على إدارتها، ولم يشرك معه فيها أحدا حتى وفاته (ت ١٠ هـ) «٣» فرأى النبي ﷺ بعد وفاة باذان أن يقسم اليمن إلى عدد من الأقسام الإدارية، فكانت «صنعاء وأعمالها» واحدة إدارية، وجعلها لشهر بن باذان «٤» ، وبعد مقتله تولى إدارتها خالد بن سعيد (ت ١٤ هـ) ، وكانت «مأرب» واحدة إدارية وجعلها لأبي موسى الأشعري (ت ٤٢ هـ) ، وتشمل منطقة زبيد وعدن ورمغ والساحل «٥» ، وكانت «الجند» واحدة إدارية، وجعلها لمعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) «٦» ، في حين يرى ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) أن الجند كانت ليعلى بن أمية «٧» . وكانت «نجران» واحدة إدارية جعلها النبي ﷺ لعمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) ، ثم تولى

стр. 95

إدارتها بعده أبو سفيان بن حرب (ت ٣٢ هـ) «١» ، أما همذان فجعلت لعامر بن شمر الهمذاني «٢» ، وكانت «عك والأشعرين» واحدة إدارية، وجعلها لطاهر بن أبي هالة «٣» . لقد كانت اليمن قبل الإسلام تتبع نظاما إداريّا متقدما نوعا ما؛ إذ قامت فيها مجموعة من الدول المتحضرة، ويتصور أن يكون النبي ﷺ قد أرسل ولاته لإدارة اليمن حسب النظم الموجودة قبل الإسلام؛ ولا سيما خاصة تلك التي لا تتعارض مع الدين الجديد «٤» . أما «حضرموت والصدف» فكانت واحدة إدارية، وجعلها النبي ﷺ كما يشير البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) لزياد بن لبيد (ت ٤١ هـ) «٥» . وهناك إشارة إلى أن وائل بن حجر بن ربيعة كان قيلا من أقيال حضرموت وكان أبوه ملكا من ملوكهم وفد على النبي ﷺ ، ويقال: إن النبي ﷺ بشّر به قبل قدومه فقال: «يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الله ورسوله، وهو بقية أبناء الملوك، فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه وقرّبه من مجلسه وبسط له ردائه، ودعا له ولولده، واستعمله على حضرموت وكتب له كتابا إلى الأقيال والعباهلة» «٦» وهذا الخلاف يدفعنا إلى القول إن النبي ﷺ استعمل وائل بن حجر على بعض حضرموت في حين كان زياد بن لبيد (ت ٤١ هـ) الحاكم الإداري العام من قبل رسول الله ﷺ . أما منطقة «البحرين» فكانت ابتداء جزا من مملكة فارس، وكان سكانها من العرب واليهود والمجوس، فأرسل النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى المنذر ابن ساوى يدعوه إلى الإسلام، فأسلم المنذر وحسن إسلامه «٧» . فأبقاه النبي ﷺ على إدارة البحرين وقال له: «إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته

стр. 96

أو مجوسيته فعليه الجزية» «١» ، ويشير ابن سعد (ت ٣٣٠ هـ) إلى أن النبي ﷺ استعمل العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) وبعث معه أبا هريرة «٢» والذي أراه أن المنذر كان يدير البحرين وفق النظم الإدارية الموجودة، وكان دور العلاء مساعدة المنذر في نقل البلاد من النظم السائدة إلى النظم الإدارية وفق تعاليم الدين الجديد التي امن بها المنذر ومجموعة من أهل البحرين، وكان دور أبي هريرة (ت ٥٩ هـ) تعليم الناس وتفقيههم الإسلام وأحكامه، ويتضح ذلك من إشارة لابن إسحاق (١٥١ هـ) حيث قال: «والعلاء عنده- أي عند المنذر- كان أميرا لرسول الله ﷺ على البحرين» «٣» . ويذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن النبي ﷺ كتب للعلاء كتابا جاء فيه «فإني قد بعثت إلى المنذر بن ساوى من يقتضي منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها، وابعث معهما ما اجتمع عندك من الصدقة والعشور» «٤» ويفيد النص أن المنذر كان يقوم بجمع الجزية على حين، بينما يقوم العلاء بجمع صدقات المسلمين. وبهذه الطريقة يستطيع أن يتعرف إلى طبيعة البلاد وأهلها حتى تنتقل إليه إدارتها فيما بعد. لقد قام أهل البحرين بشكوى العلاء إلى رسول الله ﷺ ، ولم تسعفنا المصادر عن طبيعة هذه الشكوى وأسبابها. ولكن النبي ﷺ استجاب لطلبهم وعزل العلاء واستعمل على إدارتها أبان بن سعيد بن العاص (ت ١٥ هـ) «٥» ، وأوصاه النبي ﷺ بأهل البحرين خيرا فقال له: «استوص بعبد القيس وأكرم سراتهم» «٦» . وأشارت المصادر إلى أن «عمان» كانت واحدة إدارية جمعها النبي ﷺ لعمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) «٧» في حين يشير خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) في رواية أن إدارة عمان كانت لأبي زيد الأنصاري «٨» ، وهذه الرواية غريبة تخالف بقية الروايات؛ إذ إن عمرا بقي على إدارة عمان حتى وفاة الرسول ﷺ «٩» .

стр. 97

وكانت هناك مجموعة من المناطق الإدارية الصغيرة في الجزيرة، فكانت قرى عرينة (تبوك وخيبر وفدك) واحدة إدارية، واستعمل النبي ﷺ على إدارتها عمرو بن سعيد بن عبد الله بن العاص (ت ١٢ هـ) «١» و «وادي القرى» وكان على إدارتها الحكم بن سعيد بن العاص «٢» ، و «جرش» وكان على إدارتها صرد بن عبد الله الأزدي «٣» ، و «دبا» واستعمل على إدارتها حذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) «٤» و «الخط» واستعمل على إدارتها أبان بن سعيد بن العاص (ت ١٥ هـ) لفترة من الوقت ثم أرسله واليا من قبله على البحرين «٥» و «وادي العقيق» ، واستعمل على إدارتها بلال بن الحارث المزني (ت ٦٠ هـ) «٦» ، لقد كانت هذه القرى مستقلة قبل الإسلام ولم تكن تابعة إداريّا لدولة من الدول المجاورة مما جعل النبي ﷺ يعين لكل واحدة منها واليا مستقلّا. أما القبائل العربية المتناثرة في أنحاء الجزيرة، فقد أرسلت وفودا إلى النبي ﷺ أعلن بعضها الإسلام، وقبل البعض الاخر الدخول في حماية المسلمين. وقضت طبيعة النظام البدوي والأوضاع السائدة في الجزيرة، أن يعامل الرسول ﷺ هذه القبائل معاملة تعطيها الاستقلال الذاتي في إدارة شؤونها، فلم يعين النبي ﷺ على هذه القبائل ولاة من قبله، بل أقر زعماء هذه القبائل على ما هم عليه وطالبهم بالمحافظة على الأركان الأساسية في الإسلام- إن كانوا مسلمين- أو الالتزام بشروط المسلمين إن كانوا غير مسلمين، وترك لهم إدارة شؤونهم المحلية حسب ما لديهم من تقاليد وأعراف «٧» وبذلك اتسعت الدولة، وأصبح حكمها يعتمد اللامركزية (الإدارة غير المباشرة) واكتفت بخضوع القبائل لسلطتها والموالاة لها. وقد أشارت المصادر إلى بعض هذه القبائل، فقد أمر النبي ﷺ علي بن الحارث بن

стр. 98

كعب بن قيس على قبيلته بني الحارث بن كعب «١» ، ورفاعة بن زيد الجذامي على قومه، وكتب له النبي ﷺ كتابا بذلك «٢» ، وقضاعي بن عمر على قبيلته بني عذرة «٣» ، وصرد بن عبد الله الأزدي على قومه، وكانوا يسكنون في منطقة جرش فاستعملهم النبي ﷺ على جرش أيضا «٤» ، وقيس بن مالك الهمذاني على قومه همذان وكتب له كتابا أمرهم به «أن يسمعوا له ويطيعوا» «٥» ، وأقر امرأ القيس بن الأصبع الكلبي على قومه بني كلب «٦» وقيس بن مالك الأرصبي على قومه، ويشير ابن سعد إلى كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لقيس، حيث قال فيه: «أما بعد: فإني استعملتك على قومك عربهم وحمورهم ومواليهم» «٧» ، ويذكر ابن حجر كتاب النبي ﷺ لخزيمة بن عاصم الذي استعمله بموجبه على قومه حيث جاء فيه: «إني بعثتك ساعيا على قومك فلا يضاموا ولا يظلموا» «٨» ، ويلاحظ أن كلمة (ساعيا) تدل على أن هؤلاء الأمراء كانوا يقومون بجمع ما يستحق على أقوامهم من أموال الصدقة وغيرها ثم يبعثونها إلى رسول الله ﷺ ، وهذا كتاب النبي ﷺ إلى عبادة بن الأشيب العنزي جاء فيه: «إني أمّرتك على قومك ممّن جرى عليه عملي وعمل بني أبيك، فمن قرئ عليه كتابي هذا فلم يطع، فليس له من الله معون» «٩» ، ويشير ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) إلى أن النبي ﷺ كتب كتابا إلى رفاعة بن زيد جاء فيه: «إني بعثته على قومه عامة، ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله ورسوله» «١٠» . ويلاحظ من خلال الكتب السابقة أن النبي ﷺ كان يبعث مع بعض الأمراء كتابا

стр. 99

يجوز لنا أن نطلق عليه (كتاب التعيين) ، يطلب فيه من القبيلة أن تطيعه ولا تخالف أمره، ويفترض أن جميع هذه القبائل التي بعثت وفودا إلى النبي ﷺ قد ولي عليها النبي رجلا يدير أمرها، وما ذكر سابقا يعطي صورة أولية عن وضع القبائل الاخرى في الجزيرة وعلى حدود فارس والروم. لقد كان الرسول ﷺ يتخير أمراءه من الصحابة الذين اشتهروا بالعلم والكفاية والكفاءة والجاه والسلطان ولديهم المقدرة على بعث الإيمان في قلوب من يرسلون إليهم «١» ؛ لأن مهمة هؤلاء لم تكن إدارية فقط، بل كانت مهمة دعوية تعليمية فهم يعلمون الناس الإسلام ويؤمونهم في الصلاة. لقد كان النبي ﷺ في اختياره لهؤلاء الأمراء يغلب اعتبارات الكفاءة على اعتبارات السن أو الغنى أو غير ذلك. وكان النبي ﷺ لا يخضع لتأثير الضغوط، لتغيب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، ويتضح هذا من عدة حوادث، فهذا العباس (ت ٣٢ هـ) عم النبي ﷺ حين طلب أن يوليه ولاية قال له النبي ﷺ بكل صراحة ووضوح: «يا عم رسول الله: سل الله العافية في الدنيا والاخرة» «٢» وطلب رجل من أصحاب النبي ﷺ عملا فقال له النبي ﷺ : «إنا لا نستعمل على عملنا من أراده» «٣» ، وكذلك أجاب أبا ذر الغفاري (ت ٢٤ هـ) حين سأله قائلا: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها» «٤» وفي رواية لمسلم (ت ٢٦١ هـ) في الصحيح قال: «إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تلينّ مال يتيم» «٥» ، فرغم سبق أبي ذر في الإسلام ومكانته العظيمة التي عبر عنها النبي ﷺ بقوله: «ما أقلت الغبراء وما أظلت الخضراء رجلا أصدق

стр. 100

لهجة من أبي ذر «١» » إلا أنه مع ذلك رفض طلبه في توليته أمرا إداريّا لا يتناسب مع صفات أبي ذر، فعبر له عن ذلك مبديا له ضعفه دون حرج. ولعل من الأمور الواضحة البينة في هذا المجال ما أشار إليه البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في روايته عن أبي موسى الأشعري (ت ٥٢ هـ) حيث قال: «دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: أمّرنا يا رسول الله، وقال الاخر مثله، فقال: «إنّا لا نولي هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه» «٢» ؛ وذلك لأن الولايات أمانة والتسرع إلى تحمل الأمانة خيانة؛ لأنه لا يطلبها إلا طامع فيها، متطلّع إلى مكسب مادي أو معنوي. ولقد وجه النبي ﷺ أصحابه إلى عدم التسرّع في طلب الإمارة فيشير البخاري (ت ٢٥٦ هـ) إلى قول الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة (ت ٥١ هـ) : «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» «٣» . وحذّر النبي ﷺ من تولية غير الكفؤ في إدارة من الإدارات فقال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» «٤» ، وفي رواية لمسلم (ت ٢٦١ هـ) : «ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، وينصح، إلّا لم يدخل معهم الجنة» «٥» . ولا يفهم من ذلك أن يبتعد أصحاب الكفاات عن تولي إدارات الدولة المختلفة فقد سمع النبي ﷺ رجلا يقول: بئس الشيء الإمارة، فقال النبي ﷺ : «نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقّها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها وحلّها» «٦» ، وجعل النبي ﷺ للإمام العادل منزلة رفيعة عند الله يوم القيامة فقال:

стр. 101

«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل ... » «١» . لقد كان النبي ﷺ يعرف طاقات أصحابه معرفة دقيقة، ويتضح ذلك مما رواه الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) عن النبي ﷺ حيث قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل، وأحزمهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح» «٢» ، وكانت هذه الإشارة من النبي ﷺ توجّه الأمة لمعرفة خصائص كل واحد منهم للإفادة من كفاءتهم وقدراتهم في الإدارات المختلفة. وتشير المصادر إلى الصيغة التي كان الرسول ﷺ يتبعها في تعيين الولاة، فكانت تتم إما بصورة «شفوية» يضمنها النبي ﷺ الاختصاصات، ووصايا أخرى، أو تكون بصورة «مكتوبة» كما يتضح من كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) حين ولاه نجران «٣» ، وكتاب النبي ﷺ إلى عبادة بن الأشيب العنزي «٤» ، ورفاعة بن زيد حين ولاهم على أقوامهم «٥» . ويفترض أن يقوم هؤلاء الولاة بالدور نفسه الذي يقوم به النبي ﷺ في إدارة المدينة، فيقوم الوالي بتدبير أمر الجند في بلده، وتنظيمهم وقيادتهم في جهاد من يليه من الكفار، والنظر في الأحكام، وفض المنازعات، وجباية الخراج والزكاة والجزية، وحماية أمر الدين، وتطبيق الحدود. وتعليم الناس الإسلام وإمامتهم في الصلاة إلى غير ذلك من الأمور «٦» . ويلاحظ أن هذه المهمات قد اتضحت من خلال كتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن

стр. 102

حزم (ت ٥١ هـ) حين ولاه على نجران فجاء فيه «عهد من رسول الله لعمرو بن حزم حيث بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله ... وأمره أن يأخذ الحق كما أمره أن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به. ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في ... ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه» «١» . وكان الوالي يقوم بهذه المهمات مجتمعة، أو تقسم بين أكثر من رجل، ويتضح ذلك من أن النبي ﷺ بعث عليّا إلى اليمن قابضا للأخماس، وخالدا متوليا للحرب، ومعاذا وأبا موسى معلمين للقران وقبض الصدقات «٢» . ويذكر ابن عبد ربه (ت ٣٢٨ هـ) أن النبي ﷺ استعمل أبا سفيان بن حرب على نجران فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد بن عبد ربه السلمي أميرا على المظالم والقضاء «٣» . ويلاحظ أن النبي ﷺ لم يهمل أمر ولاته، فهو يسأل عن سيرتهم ويتحرى أخبارهم، ومن المعايير البسيطة في الرقابة الإدارية على سلوك الولاة ما رواه مسلم (ت ٢٦١ هـ) من قول النبي ﷺ : «من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة» . قال: فقام إليه رجل من الأنصار أسود- كأني أنظر إليه- فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك، قال «مالك» . قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الان، من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره ... » «٤» وهناك عدة حوادث عملية حدثت في عهد الرسول ﷺ تدل على ذلك، فقد عزل النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) عن إدارة البحرين؛ لأن وفد عبد القيس شكاه إلى النبي ﷺ وولى بدلا منه أبان بن سعيد بن العاص (ت ١٥ هـ) وقال له: «استوص بعبد القيس وأكرم سراتهم» «٥» . وكانت الرقابة الإدارية للنبي ﷺ مباشرة. فقد حاسب النبي ﷺ أحد عماله يسمى

стр. 103

«ابن اللتبية» «١» عندما بعثه على عمل فجاء، فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فغضب النبي ﷺ وقال قولته المشهورة التي تبين أن الوظيفة العامة تكليف ومسؤولية وليست مغنما ومكسبا: «ألا جلس في بيت أمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟» «٢» ويلاحظ أيضا أن الرقابة كانت تتركز في الأمور المالية وعلى عمل الولاة تجاه الرعية خاصة. كان لهؤلاء الولاة مجموعة من الحقوق ضمنتها لهم الدولة، فلهم الطاعة في المعروف كما يتضح من قول النبي ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» «٣» ، فربط طاعة الولاة بطاعة الله ورسوله؛ ولا سيما في البيئة العربية القبلية التي لا تعرف الطاعة، قال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ» : «قيل: كانت قريش، ومن يليها من العرب، لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال النبي ﷺ هذا القول ... » «٤» ، وكان على الرعية أن تنصح لأمرائها. ويشير إلى ذلك البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ، ومسلم (ت ٥٦١ هـ) في رواية لهما عن النبي ﷺ حيث يقول: «الدين النصيحة» ، قلنا: لمن يا رسول الله؟. قال: «لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» «٥» . وقد ضمنت الدولة لهؤلاء الولاة حقوقا مادية، فكان يعين لكل منهم راتبا يكفيه، وتشير الروايات إلى أن أول راتب محدد كان لعتاب بن أسيد (ت ١٣ هـ) والي مكة، فقد رزقه النبي ﷺ درهمين عن كل يوم (راتب يومي) «٦» نظير إدارته، فقال لأهل مكة: «أصبت في عملي الذي استعملني رسول الله ﷺ بردين معقدين كسوتهما غلامي كيسان، فلا يقولن أحدكم: أخذ مني عتاب كذا، فقد رزقني رسول الله ﷺ كل يوم درهمين فلا أشبع الله بطنا لا يشبعه كل يوم درهمان» «٧» وكان هناك بعض

стр. 104

الولاة يأخذون رواتبهم «عينية» وليست نقدية، فراتب عتاب كان يتضمن بالإضافة إلى النقود شيئا عينيّا «بردين معقدين» وقد يكون الراتب عينيّا، إذا استعمل النبي ﷺ قيس بن مالك الهمذاني على قومه، وخصص له قطعة من الأرض يأخذ نتاجها، وكتب له النبي ﷺ كتابا جاء فيه «فأقطعه النبي من ذرة يسار مائتي صاع، ومن زبيب خيوان مائتي صاع جار ذلك لك ولعقبك من بعدك أبدا أبدا» «١» . ويفيد النص أيضا أن النبي ﷺ فرض راتبا لورثة الموظف بعد موته وهذه إشارة إلى وجود نوع من الضمان الاجتماعي في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام. وعند تحديد الرواتب كانت تراعى حالة الموظف العائلية، فكان الأهل «المتزوج» يعطى حظين، و «الأعزب» يعطى حظّا واحدا «٢» ، وهذا يشعر بشكل واضح إلى وجود بعض العلاوات في الراتب في حالة وجود الزوجة والأولاد في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام. وأخذت الدولة على عاتقها توفير الضروريات الحياتية للموظف، ويشير إلى ذلك الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) في مسنده فذكر حديث الرسول ﷺ إذ يقول: «من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتّخذ منزلا، أو ليس له زوجة فليتزوج، أو ليس له دابة فليتخذ دابة» «٣» فكانت هذه الحوافز كافية لتوفير حالة الاستقرار النفسي للموظف كي يقوم بعمله على أكمل وجه. وكان النبي ﷺ قد خصص رزقا لرجال إدارته حتى ولو كانوا أغنياء، ولم يقبل أن تكون عمالة أحدهم صدقة على المسلمين، فتشير المصادر «أن عبد الله بن السعدي «٤» (ت ٥٧ هـ) قدم على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي في أعمال

стр. 105

الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة (الأجرة) ، فكرهتها؟، فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟، قلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي ﷺ : «خذه فتموّله وتصدّق به فما جاءك في هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك» «١» . وانطلاقا من تعيين الرواتب الكافية للولاة. وتوفير جميع الاحتياجات النفسية والمادية لهم، فقد منعهم النبي ﷺ من قبول الهدايا من أفراد الرعية واعتبر ذلك غلولا فقال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» «٢» . وبعد أن ضمن لكل موظف الزوجة والخادم والمسكن والدابة قال: «فمن اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق» «٣» . وفي قصة ابن اللتيبة قال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تبعث أحدا منكم فيأخذ شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، فرفع يديه حتى ظهرت عفرة إبطيه» ثم قال: «اللهم هل بلغت ثلاثا» «٤» . وبذلك ضمنت الدولة في رجال إدارتها أن يؤدوا خدماتهم بأمانة وصدق وإخلاص.

стр. 106

الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة ثانيا: الإدارة الدينية كانت إدارة الصلاة في عصر الرسول ﷺ على رأس سلّم الأولويات وتتضمن اختيار الأئمة والمؤذنين، والمحافظة على أوقات الصلاة وأدائها، والمساجد وادابها ونظافتها. كان النبي ﷺ يؤم المسلمين في المدينة، وعندما مرض النبي ﷺ وقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» «١» ومع أن عائشة حاولت أن تصرف الأمر عن أبيها؛ لأنه ضعيف الصوت رقيق القلب، إلا أن النبي ﷺ أصرّ على ذلك قائلا: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» «٢» ، ويدل هذا النص على أن إمامة المسلمين في الصلاة تتجاوز المعنى العبادي إلى المعنى السياسي في إمامة المسلمين بشكل عام، ويتضح ذلك من قول ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) : «استدل الصحابة في شأن أبي بكر باستخلافه في الصلاة على استخلافه في السياسة في قولهم: ارتضاه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا، فلولا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس» «٣» . ويفترض في من يتولى هذه المهمة (إمامة الصلاة) أن يكون من القارئين لكتاب الله المتفقهين في أحكامه، الورعين الوجلين في قيامهم بين يدي الله، ويتضح هذا من قول النبي ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «٤» ، ويشير البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) : «إلى أن المهاجرين لمّا قدموا إلى المدينة قبل مقدم رسول الله إليها نزلوا فيها، فكان سالم مولى أبي حذيفة (ت ١٢ هـ) يؤمهم؛ لأنه أكثرهم قرانا وفيهم عمر وأبو سلمة بن عبد الأسد» «٥» . وأشار ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) إلى ذلك بقوله: «ينبغي على الإمام أن يولي الصلاة رجلا قارئا للقران، حافظا له، عالما بأحكام الصلاة والطهارة، فاضلا في دينه خطيبا

стр. 107

فصيحا معربا» «١» . أما في الأمصار فكان يتولى إمامة الصلاة الولاة، وقد أشار الكتاني إلى ذلك بقوله: «ولاية الصلاة أصل في نفسها، فإن النبي ﷺ كان إذا بعث أميرا جعل الصلاة إليه. ولكن لما فسدت الولاة ولم يكن منهم من ترضى حالته للإمامة، بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة، وقدم للصلاة من ترضى حالته للإمامة، سياسة منهم للناس، وإبقاء على أنفسهم» «٢» . ويقوم من يلي هذا الأمر بإقامة الصلوات جميعا، يتضح هذا من قول المالقي (ت ٧٨٣ هـ) : « ... تكون له الجمعة والعيدان، والصلوات الخمس المفروضات والكسوف والاستسقاء في جميع البلدة التي ولي صلاتها» «٣» . لقد كان الولاة يؤمون الناس في الصلاة في حواضر الأمصار، أما بقية المساجد فيقوم أهل البلدة بتعيين من يتولّى ذلك، ويتضح هذا من إشارة ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) : «إن المساجد في المدينة صنفان: مساجد عظيمة كثيرة الغاشية معدة للصلوات المشهورة، فأمرها راجع للخليفة، ومساجد محلّة قوم فأمرها راجع إلى الجيران ولا تحتاج إلى نظر خليفة أو سلطان» «٤» . ومن الوظائف التي تتبع ولاية الصلاة (وظيفة المؤذن) وهو الذي يدعو الناس إلى الصلاة باللفظ المعروف، وقام بذلك في عهد رسول الله ﷺ عدة أشخاص «٥» ، فكان بلال بن رباح (ت ٢٠ هـ) يؤذن للنبي ﷺ في مسجد المدينة وفي الأسفار «٦» ، وأذن ابن أم مكتوم أذان الإمساك في رمضان «٧» ، وأذن أبو محذورة أوس بن معير (ت ٥٩ هـ) للرسول في المسجد الحرام بعد الفتح (٨ هـ) «٨» . ويفترض في من يتولى المهمة أن يكون ندي الصوت، متقنا لحركات الأذان،

стр. 108

جهوريّ الصوت. ذكر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) «أنّ أبا محذورة كان أحسن الناس أذانا، وأنداهم صوتا، وكان يرفع صوته بالأذان حتى قال له عمر: كدت أن ينشق مريطاؤك» «١» ، وكان سعد بن عائذ القرظ يتولى مهمة الأذان في مسجد قباء «٢» ، ويشير البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) إلى: «أن عثمان بن عفان كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ عند المنبر أي يوم الجمعة» «٣» . كان من واجبات المؤذن أن يحفظ أوقات الصلاة، ثم يرفع الأذان في وقته، ويتضح هذا مما رواه مسلم (ت ٢٦١ هـ) من قول النبي ﷺ لبلال بن رباح وهو عائد من خيبر (٧ هـ) : «أكلأ لنا الصبح» «٤» ، وكان النبي ﷺ يرشد هؤلاء إلى أوقات الصلاة، ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق (ت ٢١١ هـ) في مصنفه من قول ثوبان مولى النبي ﷺ : أذنت مرة، فدخلت على النبي ﷺ فقلت: قد أذنت يا رسول الله، فقال: «لا تؤذن حتى تصبح» ، ثم جئته أيضا فقلت: قد أذنت، فقال: «لا تؤذن حتى تراه هكذا» ، وجمع بين يديه ثم فرّقها «٥» . أما بالنسبة إلى رواتب هؤلاء المؤذنين فلم تسعفنا المصادر- التي بين أيدينا- في معرفة ما إذا كانوا يقومون بهذا الأمر تطوعا، أم يتقاضون أجرا كما هو الحال بالنسبة إلى الوظائف الاخرى. وكان يقوم على تنظيف المساجد أناس متطوعون، فيروي الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) أن امرأة سوداء كانت تنظف المسجد في عهد الرسول ﷺ فلما ماتت قام النبي ﷺ على قبرها، وذلك تقديرا واحتراما لها «٦» ، ويشير ابن حجر (ت ٨٥٤ هـ) إلى: «أن تميم الداري وفد مع مولى له يقال له «فتح» إلى مسجد رسول الله ﷺ وأنه أسرج فيه بالقنديل والزيت، وكانوا لا يسرجون قبل ذلك إلا

стр. 109

بسعف النخل، فقال رسول الله ﷺ : «من أسرج مسجدنا؟» ، فقال تميم: غلامي هذا، فقال: «ما اسمه؟» قال: فتح، فقال النبي ﷺ : «بل اسمه سراج» «١» . وعلى كل حال فإن هذه الوظائف لم تكن ثابتة لأشخاص بأعينهم، بل كان يقوم المسلمون بها ابتغاء الأجر والثواب، وأصبحت في عهود لاحقة وظائف ثابتة لخدمة المسجد، وكنسه، وتنظيفه، وبسط حصره، وتسوية حصاه إن كان مبسوطا بالحصى «٢» . أما «إدارة الحج» فاقتضت أن يقوم النبي ﷺ أو من ينوب عنه بإقامة الحج للناس، فيقوم بأداء مناسك الحج، ثم يتبعه الناس، وقد كانت مناسك الحج قبل الإسلام وظائف مقسمة بين بطون مكة وأفخاذها، ولما فتح النبي ﷺ مكة سنة (٨ هـ) . ولّى على الحج عتاب بن أسيد أميره على مكة ليقيم الحج للناس، وذلك على ما كانت العرب تحج عليه «٣» . وفي السنة التاسعة أرسل النبي ﷺ أبا بكر ليحج بالناس (أميرا على الحج) ، وكان الناس مؤمنهم وكافرهم يحجون معا، حتى نزلت سورة براءة، فبعث النبي ﷺ عليّا إلى الموسم كي يبلغ الناس أحكام هذه السورة، ومنها ألّا يقرب المسجد الحرام بعد هذا العام مشرك أبدا «٤» ، فيقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨] «٥» . وفي السنة العاشرة حج النبي ﷺ بالناس حجة الوداع وكانت فيها الخطبة المشهورة التي يبين النبي ﷺ فيها كثيرا من الأحكام النهائية، وأبلغهم أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأشهد الناس على ذلك «٦» . وكان أمير الحج يقوم بمهمات متعددة، فهو الذي يجمع الناس، ويشرف على شؤونهم، ويصلح بين الخصوم، ويلزمه أن يقوم بجميع مناسك الحج، لتقتدي به

стр. 110

الناس، فقد قال النبي ﷺ في حجة الوداع: «خذوا عني مناسككم» «١» ، ويفترض فيه أن يكون خطيبا، فقد خطب النبي ﷺ بالناس في خطبته التي اشتهرت «بخطبة حجة الوداع» «٢» ، وكان النبي ﷺ يجلس في البيت الحرام لاستقبال المسلمين من جميع أمصار الدولة للرد على استفساراتهم، والاستماع إلى شكاياتهم، ويتضح هذا من قصة «الزبية» التي اختلف فيها أهل اليمن، فقضى بينهم علي بن أبى طالب (استشهد ٣٩ هـ) . حتى جاؤوا إلى الحج (١٠ هـ) فعرضوا الأمر على الرسول ﷺ فاستمع إليهم وقضى بينهم «٣» . وكانت «السقاية» من الوظائف التابعة للحج، وبقيت هذه الوظيفة- كما كانت في الجاهلية- للعباس بن عبد المطلب (ت ٣٢ هـ) ، ويتضح هذا من رواية لمسلم (ت ٢٦١ هـ) أن النبي ﷺ مرّ على بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: «انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوه فشرب» «٤» ، وكذلك وظيفة «العمارة» وهي المحافظة على البيت، والاحتفاظ بمفاتيح الكعبة، وبقيت- كما كانت في الجاهلية- لعثمان بن أبي طلحة من بني عبد الدار (ت ٣٢ هـ) ، وقد دفع النبي ﷺ مفاتيح الكعبة إلى عثمان قائلا: «خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم» «٥» . وهاتان الوظيفتان الوحيدتان اللتان أبقاهما الإسلام من وظائف مكة قبل الإسلام، ويشير إلى ذلك الطبري (ت ٣١٠ هـ) بقوله: «قال النبي ﷺ يوم الفتح: ألا كلّ مأثرة أو دم يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج ... » «٦» .
следующие страницы →