[الأدب النبوي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
الحمد لله حمدا يوافي نعمه، ويرفع نقمه، ويكافىء مزيده والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ وصحبه أجمعين وبعد:
فإن علم الحديث يعتبر من أهم العلوم الإسلامية بعد القرآن الكريم، حيث يعتبر المصدر الثاني من مصادر التشريع التي تلزم الإنسان في هذه الحياة، حتى يسير على هديها، وينعم بنعيمها يوم القيامة، وسعادتها عند لقاء الحق جل وعلا، ومن هنا كان لا بد للإنسان العاقل أن يبحث عن ذاك الهدي، وإن هذا الكتاب يمثل خير هذا الهدي. هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو الذي فيه الدواء الشافي لكثير من العلل والأسقام التي تعتري الإنسان في حياته الدنيا بالإضافة إلى أنه مليء بالحكم الخالدات والمواعظ البالغات، وهذا ما دفعني إلى الاعتناء بهذا الكتاب وتنقيحه وتخريج أحاديث ما أمكن. فكان عملي في الكتاب على النحو التالي:
١- خرّجت الآيات القرآنية ووضعتها بين قوسين مزهرين لتمييزها وبخط أسود.
٢- قابلت هذه النسخة على عدة نسخ مطبوعة فقمت بتصحيح الخطأ والتصحيف.
٣- خرّجت الأحاديث النبوية الشريفة ما أمكن ووضعتها بين علامتي تنصيص «» .
٤- شرحت بعض الكلمات الصعبة والمبهمة.
٥- ضبطت بعض الألفاظ بالشكل.
стр. 2
٦- وضعت في أعلى الصفحات ترويسات بأرقام الأحاديث وعناوينها ليسهل على القارىء الكريم الرجوع إلى الأحاديث.
وفي الختام أسأل الله أن يلهمني السداد والتوفيق وأن يجعل عملي خالصا لوجه الكريم، وأن يحشرني تحت لواء سيد المرسلين ﷺ ، والله يهدي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.
وكتب عبد المجيد محمد رياض طعمه حلبي حلب-
стр. 3
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته؛ ويزكيهم؛ ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ ويهداهم إلى المحجة؛ ويبصرهم مواطن الحجة؛ أرسله على حين فترة من الرسل؛ وحاجة من البشر؛ فأهاب بالعقول من سباتها وأخذ بالنفوس عن غيها؛ وعرض على الأنظار خيالة- سينما- تمثلت فيها آي الكون الصامتة؛ وشنف الآذان باي الله الناطقة؛ وأثلج الصدور بحكمه البالغة؛ وأفاض على القلوب من عظاته المؤثرة؛ فكان مصدر خير ومبعث نور؛ وشمس هداية؛ أضاءت للعالم سبل المصالح؛ وهدتهم خطط العمل الناجح؛ فكانوا بإرشاده أمة؛ وبنوا من آدابه دولة؛ كان لها شأن في العصور السالفة؛ كما نرجو لها في الأيام القابلة؛ فصلوات الله وسلامه عليه؛ ورحمته وبركاته إليه؛ وعلى آله الطيبين وصحبه المخلصين ومن قفا أثرهم؛ واختط سبيلهم.
وبعد: فإن رسول الله ﷺ أدبه العليم الحكيم، بما أنزل عليه من آي الكتاب المبين؛ فكان تكوينه خير تكوين، وتثقيفه أول تثقيف؛ فصدرت منه آيات بينات؛ وحكم خالدات؛ وعبارات في الأدب غاية؛ وفي البدع نهاية؛ كان لها شأو بعيد؛ وأثر حميد؛ في تربية النفوس وإصلاحها؛ وتقويم الأخلاق وتهذيبها؛ وقد تولى الفضلاء السابقون كلمه ﷺ بالشرح والبيان؛ والاستنباط والاستنتاج؛ ولكن أدخلوا في طي ذلك ضروبا من الإعراب، وشتيتا من الروايات؛ وخليطا من الاستطراد؛ وكانوا يكتبون بلغة عصرهم، وروح وقتهم؛ ويمثلون من مشهودهم؛ فكان في ذلك إملال على القارىء؛ وإبعاد عن عصره الحاضر؛ خصوصا إذا لم يضرب في النحو بسهم غائر؛ ولم يكن له من فن الرواية حظ وافر؛ فأردت- ألهمني الله وإياك سبيل السداد-
стр. 4
إلى مئات من الأحاديث المنتقاة المتخيرة؛ التي تمتّ إلى العصر الحاضر بكبير الصلة فجمعتها جمعا؛ صحيحة غير معتلة؛ وقيمة غير معوجة؛ وتوليتها بالشرح والبيان شرحا يجاري الحياة؛ ويفصل شئونها؛ ويجلي غوامضها؛ ويحكم في أمورها؛ ويضرب في صميمها؛ شرحا يلمحه الأديب فيروقه رصفه؛ ويقرأه المربي فيسايره نهجه؛ وينظره القارىء الساذج فيسهل عليه فهمه؛ وتروى منه نفسه؛ شرحا فيه لكل مدرّس غنية؛ ولكل طالب بغية؛ ولكل راغب في الدين أو الخلق منية؛ وقد ضمنته جميع الأحاديث المقررة بالمدارس المصرية على اختلاف درجاتها كما ترى ذلك في الجدول الملحق بالفهرس، وأضفت إليها أضعافها مما يملأ نفس الراغب، ويسد جوعة الناهم وقد جعلته قسمين؛ أسهبت في شرح أولهما وأوجزت في آخرهما: إذ كان البيان السابق، داعية الإيجاز في اللاحق، والله يهديناا إلى سواء السبيل، ويوفقنا لخدمة هذا الدين، هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.
محمد عبد العزيز الخولي
стр. 5
١- باب: أثر النيات في الأعمال
عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . [رواه البخاري ومسلم وغيرهما] ، وفي رواية زيادة: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» ، ثم عقّبها بالجملة الأخيرة «١» .
اللغة:
الأعمال: الشاملة لأعمال اللسان المسماة بالأقوال، ولأعمال الأعضاء الآخرى من رأس ويد ورجل وغيرهما. والنيات: جمع نية، وهي: القصد، وبعبارة أوسع هي: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر.
وعرّفت في الشرع: بأنها الإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه، وكلمة «إنما» تفيد التأكيد والقصر كقصر الأعمال هنا على نياتها من تحصيل غرض ديني أو دنيوي، والهجرة: ترك مكان إلى مكان آخر مأخوذة من الهجر، وهو مفارقة الإنسان غيره ببدنه أو لسانه أو قلبه، واستعملت في لسان الشارع في ترك دار الخوف إلى دار الأمن، كما فعل بعض الصحابة في تركهم مكة إلى الحبشة أول الأمر، وفي ترك دار الكفر إلى دار الإسلام فرارا بالدّين كما فعل المسلمون في مغادرتهم مكة إلى المدينة لما انتشر الإسلام فيها، وهاجر إليها رسول الله ﷺ ، وفي ترك ما نهى الله عنه، والدنيا: مؤنث الأدنى مأخوذة من الدنو وهو القرب، وتطلق على الحياة الأولى للإنسان، وعلى المخلوقات.
стр. 6
الشرح:
قد يتصدق إنسان ليقال: إنه محسن، أو ليحظى بمكانه عند مليك أو وزيرا أو مديرا؛ أو ليكسب خدمة ممن تصدق عليه؛ وقد تصدق آخر ليكف يدا عن السؤال؛ أو ليحفظ على بائس عفته وحياءه؛ أو لمجرد الامتثال لأمر الله بالإنفاق؛ أو لابتغاء ثوابه ورضوانه؛ فالعمل من الشخصين واحد وهو التصدق ولكن اختلفت درجته باختلاف النية الباعثة عليه فهو من الأول في درجة دنيا لأنه قصد به منفعة دنيوية شخصية لولاها لما تصدق فباعث الخير الحقيقي لم يتوطن نفسه؛ ومن الثاني في درجة عليا للباعث الطيب الذي ملأ قلبه وهو محبة الخير للناس؛ وحفظ الكرامة عليهم؛ والامتثال لأمر الله؛ وابتغاء مرضاته، مثل هذا يرجى منه خير كبير؛ ويرجى منه متابعة المعروف فهو مورد دائم لذوي الحاجات؛ وفي مثل هذا يقول الله:
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ بستان بمكان عال أَصابَها وابِلٌ مطر غزير فَآتَتْ أُكُلَها ثمرها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ مطر قليل وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ «١» .
أمّا الأول: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ «٢» حجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً أملس لا نبات عليه. فالثاني: عمله مثمر؛ والأول غير مثمر. شخص يصلي ليرائي الناس فيسموه بالصلاح؛ أو يكلوا إليه عملا ماليا يطلق فيه يده بالاختلاس؛ وآخر يصلي قياما بالواجب؛ وتطهيرا لنفسه؛ وإرضاء لربه؛ أصلاتهما بدرجة واحدة؟ لا.
كاتب أو شاعر أو خطيب يدعو إلى مصلحة عامة؛ والباعث له وظيفة يرجوها أو حظوة «٣» عند ذي سلطان؛ أتكون درجته كاخر يدعو إلى ذلك لأن فيه خير الأمة؛ ولأن هذا بوحي قلبه المخلص لبلده؟ لا يستويان. فإن الأول إذا لم يصل لبغيته حطم قلمه؛ أمّا الثاني: فإنه دائب الدعوة، ولو لاقى في سبيل ذلك الصعاب؛ وقل مثل ذلك في سائر الأعمال؛ وبهذا عرفت أن معنى الجملة الأولى: الأعمال تابعة للنيات مقدّرة بها؛ وموزونة بميزانها؛ فدرجة كل عمل من درجة النية الباعثة عليه؛ فإن كانت
стр. 7
خيرا فخير؛ وإن شرا فشر؛ وإن شريفة فشريفة؛ وإن وضيعة فوضيعة؛ ولا تبديل لذلك، وهذا هو معنى الحصر أو القصر.
وذهب بعض الشرّاح إلى أن معنى العبارة: صحة الأعمال بالنية؛ أي إنها لا تكون معتبرة في نظر الشارع؛ مترتبة عليها آثارها إلا بالنية.
فالوضوء أو التيمم مثلا لا يعتبران شرعا بحيث تؤدى بهما الصلاة أو يباح بهما مس المصحف إلا إذا سبقتهما أو صاحبتهما النية؛ أما بدون النية فلا عبرة بهما فالنية على هذا التقدير لا بد منها في المقاصد كالصلاة والحج، والوسائل كالوضوء والتيمم. وقدّر بعضهم: كمال الأعمال بالنية ولذلك لم يشترطها في الوسائل وإن شرطها في المقاصد؛ وما قررناه أولا هو الظاهر وهو الذي يلائم التفريع الآتي.
وإذا عرفت أنّ درجة الأعمال من درجات نياتها، وكان لكل عمل جزاء سعادة في الدنيا؛ ونعيم في الآخرة؛ أو خلافهما: بيّن الرسول ﷺ بالجملة الثانية أن لكل إنسان جزاء ما نواه؛ فمن كانت نيته ثواب الله ومرضاته فله ذلك؛ ومن كانت نيته شرا فله الويل؛ ومن نوى عرضا دنيويا محضا فلاحظ له في الثواب، وقد أفاد الحصر في هذه الجملة أن ما لم ينوه المرء لا شيء له أو عليه منه.
الهجرة: الإنتقال من مكة دار الكفر إلى يثرب دار الإسلام وكانت من أبر الأعمال يوم كانت مكة في أيدي المشركين إذ بها يتمكن المسلم من إقامة شعائر الدين كاملة؛ ويستمع الوحي الذي كان يترى «١» نزوله؛ ويتعلم من رسول الله ﷺ ما هو نور له يسعى بين يديه؛ وينضم إلى فئة المسلمين المجاهدين؛ فيزيدهم قوة إلى قوة؛ ولما فتح المسلمون مكة سنة ثمان؛ وأصبحت دار إيمان لم تبق حاجة إلى الهجرة اللهم إلا هجرة من دار كفر وبغي إلى دار إيمان وعدل للشرع فيها قيام، وللمسلمين عزة وسلطان؛ فتلك لا تزال باقية إلى يوم القيامة وقد بيّن الرسول ﷺ في هذا الحديث- تطبيقا على القاعدتين السابقتين- أن الهجرة من الناس ليست بدرجة واحدة عند الله؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ أي يقصد بها خدمة الدّين؛ وإعلاء كلمة الله بتعلم كتابه وسنة رسوله؛ والعمل بهما؛ وإقامة سلطانهما، والتمكين لهما- فهجرته إليهما أي هي الهجرة الحقة، التي تنبغي لكل مسلم مخلص؛ والتي
стр. 8
يستحق عليها الثواب الجزيل والأجر العظيم؛ ومن كانت هجرته بقصد آخر: كمال يبتغيه، أو مناخ طيب يريد الإقامة فيه، أو فرار من غريم، أو من شرير أثيم، أو من حاكم ظلوم، أو ملك غشوم، أو امرأة يريد زواجها. وطيب العشرة معها- إلى غير ذلك من الأغراض الدنيوية، والمصالح الشخصية- فهجرته إلى ما هاجر إليه، أي ليس له إلا ما قصده فليس له ثواب المهاجر لخدمة الدّين بل لا ثواب له مطلقا مادام لم يكن في عمله قصد القربة إلى الله، وإنما له ما نواه لا يعدوه إلى جزاء المقربين.
والحديث يحبب إلينا الرغبة في معالي الأمور، ويحثنا على الإخلاص في الطاعات، ويحضنا على خدمة الدّين ولو بمفارقة الوطن، والمال والولد، ويبين أن الأعمال ليست بمظهرها. بل للباعث عليها أثر كبير في انحطاطها أو علوها، وعقابها أو ثوابها.
٢- باب: دعائم الإسلام
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة ألاإله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ وصوم رمضان» [رواه البخاري ومسلم] «١» .
اللغة:
الإسلام في اللغة: الانقياد والخضوع، أو الدخول في السلم- ضد الحرب- ويقال في الشرع على ضربين: أولهما الإعتراف اللساني بالله وبرسوله ﷺ و ... الخ وافق القلب اللسان أو خالف، وثانيهما التصديق بالقلب إلى التصديق باللسان مع الوفاء بالفعل والاستسلام لله في جميع ما قضى وقدّر، وهذا أنسب معانيه بحديثنا، والشهادة: قول صادر عن علم حصل لمشاهدة بصر أو بصيرة، وتقال لمطلق الإقرار والاعتراف، والإله: المعبود، والصلاة في الأصل: الدعاء وتقال:
للعبادة المعروفة لما فيها من الدعاء والتوجه إلى الله. وإقامتها: تقويمها بالخشوع فيها، والتفكر في معانيها، وتذكّر من أقيمت له، فهي من أقام العود إذا قومه،
стр. 9
وفسرت الإقامة: بالمداومة عليها والقيام بها في أوقاتها، والزكاة في الأصل: مصدر زكا الزرع يزكو إذا نما وأطلقت في عرف الشارع: على ما يخرجه الإنسان من ماله حقا لله تعالى ليصرف لذوي الحاجات وفي المصالح العامة، والصوم في اللغة:
الإمساك، والمراد به هنا ترك الطعام والشراب والجماع يوما كاملا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. والحج في اللغة: القصد والمراد به في لسان الشارع: قصد البيت الحرام- الكعبة- للطواف به والسعي بين الصفا والمروة- موضعين بجوار المسجد الحرام- والوقوف بعرفة: واد واسع على نحو ألفي متر من المسجد الحرام، إلى غير ذلك من باقي شعائره المعروفة.
الشرح:
يمثل الرسول ﷺ أصول الإسلام وقواعده بالأشياء التي يقوم بها بناء البيت من أحجار وأخشاب وجير أو طين، ورمل وإسمنت، وحديد وغيره، فكما للبيت عناصر أولية كذلك للإسلام الذي هو تصديق وعمل وخضوع واستسلام وأصول هي منه كعناصر البيت، وهي ما ذكرت في الحديث، وهناك أمور أخرى هي من هذه كالفروع من الأصول، أو هي من آثار الإحسان في هذه الأمور كحسن المعاملة للناس أثر من آثار الإحسان في الصلاة، والجهاد في سبيل الله لازم للعقيدة الخالصة إذ هو دفاع عنها أو نشر لها، وما من مبدأ يملك النفس إلا سخرها وسخر ما تملك في سبيل خدمته وصيانته، ونشره وإذاعته، وهاك بيان القواعد الخمس:
فأولاها: الاعتراف بأنه لا إله حقيقي تجوز عبادته ويصمد «١» إليه في قضاء الحوائج الخارجة عن متناول البشر إلا الله
، الذي خلق كل شيء وبيده وحده الأمر والتدبير، أما ما يعبده الجاهلون من شمس وقمر، وحيوان وعجول، وأصنام وأوثان، وأنبياء وأولياء، فإنه الباطل والشرك، والظلم بترك الشكر لصاحب النعمة إلى من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا حياة ولا موتا.
وكذلك الاعتراف بأن محمدا رسول الله أرسله على حين فترة من الرسل لهداية البشر، وإرشادهم لمصالحهم الحقيقية، وإعانتهم على شؤون الحياة. والاعتراف بالوحدة لله والرسالة لمحمد أساس الاعتراف بالحقائق ومبدأ الهداية الحقة ولذلك بدأ به الرسول ﷺ .
стр. 10
وثانيتها: الصلاة
، وهي دعاء وابتهال، وخشوع وامتثال، توثق صلة العبد بربه، فيفيض عليه من خيره، وتطهر نفسه من التكالب على أعراض هذه الحياة وتعوّده الإخلاص والابتعاد من النفاق؛ تبعث في جسمه النشاط بما يقوم به من حركات؛ وتمرنه على النظام؛ وأداء الأمور في مواعيدها المضروبة، يقرأ فيها القرآن وقلبه خاشع، وذهنه حاضر، فيتعلم من علومه ويهتدي بهداه؛ وتصفو نفسه؛ ويستنير عقله لهذا كانت عنصرا أساسيا في بناء الإسلام.
وثالثتها: الزكاة:
وهي قليل من مالك؛ الزائد عن حاجتك؛ تخرجه للفقراء والمساكين؛ وتحرّر به رقاب الأسرى العانين؛ وتعين به الغارمين «١» المدينين؛ وتقوي به صرح هذا الدين؛ فتكون بذلك قد رفعت البؤس عن البائسين، فيحبونك؛ ويجلّونك ويحافظون على حياتك ومالك، محافظتهم على رأس المال، إذ كنت مصدر رزقهم، ومحط آمالهم، وتكون بذلك خدمت دينك خدمة قيمة إذ جاهدت في سبيله بمالك، وخدمت نفسك بتطهيرها من رذيلة البخل والشح، وتعويدها الخير، ورفع مقامها بين الخلق.
ورابعتها: صوم رمضان:
يطهر معدتك مما علق بها من بقايا الطعام؛ ويريحها من العمل عدة أيام، وينمي في نفسك الشعور بحال الفقير والمسكين، إذ به تذوق ألم الجوع والظمأ، فتذكر إخوانا لك بائسين؛ تذكرهم بمعونتك وبرّك ويزكي فيك روح التفكير، إذ البطنة تذهب بالفطنة؛ ويذكرك في كل لحظة بإله هو رب نعمتك؛ فترطب بذكره لسانك؛ وتقرأ من القرآن ما بدا لك، إلى غير ذلك من حكمه وأسراره.
وخامستها: حج البيت:
فتذهب إلى مكة البلد الأمين؛ الذي نشأ فيه سيد العالمين، ونبت فيه هذا الدين، وترى أول بيت وضع للناس؛ وتقوم بأعمال مختلفة كلها قربات؛ من طواف وصلاة وسعي ووقوف بعرفات؛ وذكر وتهليل وتلبية وتكبير، وذبح قرابين وتصدق على الفقراء والمساكين؛ فتهذب نفسك بالسفر؛ وتذكر النشأة الأولى للإسلام الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ «٢» ، وتجتمع بإخوانك المسلمين، الذين
стр. 11
نسلوا «١» من كل حدب «٢» ، وأتوا من كل فج «٣» ، من مشارق الأرض ومغاربها، فتفكر معهم فيما يعيد للإسلام مجده، أو ما يعلي سلطانه وشأنه، وتقف على حال المسلمين في الأقطار المختلفة- والعلم أول خطوة إلى العمل- إلى حكم أخرى، تنبهك هذه إليها.
تلك دعامات الإسلام، فاحرص عليها، ونمّها بالأعمال الصالحة الآخرى واللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ «٤» .
٣- باب: بيان المسلم والمهاجر
عن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ ﷺ قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» . [رواه البخاري وأبو داود والنسائي] «٥» .
شرحت لك في الحديث الماضي كلمة الإسلام، وبينت المراد بالهجرة في الحديث الأول.
وهنا يبين الرسول صلى الله عليه وآله الجدير بلقب الإسلام والجدير بلقب المهاجرة، فالأول:
من سلم الناس من شره مسلمين أو غير مسلمين ممن لهم ذمة أو عهد وإن كانت حرمة المسلمين فوق حرمة غيرهم ومنع الأذى عنهم في المقدمة- وهذه حكمة تخصيصهم بالذكر- أما المحاربون المعتدون على ديننا أو بلادنا فنحاربهم بكل ما استطعنا، وخص اللسان واليد بالسلامة من شرهما دون باقي الأعضاء لأن أكثر الإيذاء بهما وإن كان بغيرهما أيضا محرما: فالمسلم ليس بسبّاب ولا شتام، ولا مغتاب ولا
стр. 12
نمام، لا يأمر بمنكر ولا ينهي عن معروف، ولا يكذب على الناس، ولا يغرر بهم، ولا يقول بغير علم، ولا يحرك لسانه سخرية بأحد، بل لسانه حلو، لا يصدر منه للناس إلا الخير وكذلك المسلم لا يؤذي الناس بيده، فلا يقلع زرعهم أو يسم حيوانهم أو يهدم بنيانهم أو يغير حدودهم، أو يضربهم، أو يقتلهم، أو يستلب أموالهم، أو يكتب بيده في ثلم أعراضهم، والحط من كرامتهم، والتضليل لهم، أو يعين عليهم عدوهم، أو يحرش الظلمة بهم، بل يده شريفة نزيهة، لا تعمل إلا الخير، ولا تخط إلا الحق، ومن الخير والحق إيذاء الولد تربية له وتأديبا، وإقامة الحدود من جلد أو قطع، أو قتل على من سعى في الأرض فسادا، وهدّد الناس في أموالهم ودمائهم وأعراضهم وكذلك لا يؤذي الناس ببصره أو سمعه، أو صوته أو رجله أو غيرها من أعضائه بل كله للناس سلم، وهو لهم خير.
أما المهاجر بحق: فهو الذي لم يقف عند الهجرة الظاهرة من ترك دار الحرب إلى دار الأمن، بل هجر كل ما نهى الله عنه، فلا يقتل ولا يسرق ولا يزني ولا يفسق، ولا يشهد الزور، ولا يشرب الخمور، ولا يبخل أو يسرف أو يداهن أو ينافق- إلى غير ذلك من الأمور المحرمة- بل ضرب بينه وبين المعاصي حجابا وسورا، فكل عمله في دائرة الخير والواجب. والحديث يبين في جلاء أن الظواهر لا يعبأ الله بها إذا لم يؤيدها الأعمال الدالة على صدقها.
٤- باب: علامة المؤمن
عن أنس ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» . [رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي] «١» .
اللغة:
المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب من حسن وجمال، أو فضل
стр. 13
وكمال، أو خير وإحسان، والمراد هنا الميل الإختياري دون الطبعي القسري «١» .
الشرح:
آية الإيمان الحق أن يرى الفرد نفسه عضوا في المجتمع، نفعه نفع لنفسه، وضره إضرار بها، فإذا أحس هذا الإحساس الصادق، وانطبع في نفسه رأى غيره كنفسه، بل رآه نفسه، فيحب له مثل ما يحب لنفسه، يحب لنفسه علما واسعا، وخلقا طيبا، وعملا صالحا، ومكانا عاليا، وشرفا ساميا، يحب لها بيتا جميلا؛ ومالا غزيرا، وضياعا واسعة، وزوجا صالحة، وبنين شهودا، وركوبا ذلولا «٢» ، وأقرباء مخلصين، وإخوانا صالحين، وخدما طائعين! فليحب لأخيه ابن أخيه- دنا أو علا- كل ذلك، أما أن يحب لنفسه أمرا ولا يحبه لغيره، ويحسده أو يحقد عليه إن ناله فذلك مناف للإيمان، بل ذلك بقية من آثار الكفران، وكما يحب لغيره ما يحب لنفسه يبغض له ما يبغض لها، يبغض الفقر والذل، والاستعباد والانحطاط، والبلاء في المال أو النفس أو الأولاد، وغير ذلك من الأمور المكروهة، فليبغض لأخيه ما يبغض لنفسه وفاء بحق الإيمان.
٥- باب: علامات النفاق- ١ -
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» . [رواه الشيخان وأصحاب السنن الثلاثة أبو داود والترمذي والنسائي] «٣» .
اللغة:
النفاق في اللغة: مخالفة الباطن للظاهر، وأصله من نافقاء
стр. 14
اليربوع «١» وهي إحدى حجراته يكتمها ويظهر غيرها، والنفاق إن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ووعد يستعمل في الخير والشر إذا ذكر الفعل، يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا، فإذا أسقط قالوا في الخير: وعدته وفي الشر أوعدته، وحكى ابن الأعرابي في نوادره أو عدته خيرا، فالمراد بالوعد في الحديث: الوعد بالخير، وأما الشر: فيستحب إخلافه وقد يحب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة. والغدر: ترك الوفاء بما عاهد عليه، والمخاصمة: المنازعة أصلها من خصم الشيء أي جانبه وناحيته فكل من المتخاصمين في جهة، والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده وأصله من الفجر وهو شق الشيء شقا واسعا والفجور فتق في الدين.
الشرح:
يبيّن الرسول ﷺ أن من وجدت فيه أربع خصال كان منافقا خالصا ومن وجد فيه بعضها كان لديه من النفاق بقدر ما وجد فيه، وتلك الخصال هي خيانة الأمانة، والكذب في الحديث، والغدر في المعاهدة، والفجور في المخاصمة وحقا إنها لكبائر موبقة وجرائم مردية، لا تصدر عن مؤمن ملأ الإيمان قلبه.
فخيانة الأمانة ظلم لصاحبها ونزع للثقة من نفوس الناس بخائنها، وهي نوع من السرقة، وقد فسروا الخيانة: بأنها التصرف في الأمانة بغير وجه شرعي كبيعها أو جحدها أو انتقاصها أو التهاون في حفظها.
والأمانة تشمل كل ما ائتمن عليه الإنسان من مال أو عرض أو حق بل تشمل الشرائع التي جعلها الله في يدنا أمانات نعلمها للناس، ونقوم على حفظها بالعمل، ولذلك سمى الله تعالى مخالفة كتابه وسنة رسوله خيانة في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» .
أما الكذب في الحديث فإنه أس النفاق والقاضي على الأخلاق، وهو داع لاحتقار صاحبه، وعدم الثقة في شأن من الشئون، وصاحبه لبّاس «٣» على الناس عاش لهم، والكذاب في الحقيقة ميت بين الأحياء.
стр. 15
وخلف الوعود أو نقض العهود والغدر بها باب من أبواب الكذب، وقد رتب الله عليه نفاق القلوب في قوله: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ «١» وخلف الوعد تضييع للثقة، وسرقة من وقت الموعود، وإخلال بنظام حياته وأعماله، وكل هذه يفقد بها الإنسان من مكاسب الحياة ربحا عظيما، وكذلك نقض العهد، وخلف الوعد يكون جريمة كبرى إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد فإذا كان عازما على الوفاء ساعة وعد ولكن عرض له ما حال دون الوفاء، لم يكن من أهل النفاق، فإن كان الوفاء في إمكانه وتركه فعليه إثم الإخلاف وإن كان قبل عازما على الوفاء.
وأما الفجور في المخاصمة وعدم الوقوف عند الحق: فذلك وزر كبير يجر إلى أوزار كثيرة، ومفاسد عظيمة.
فالفاجر في الخصومة ينكر حق صاحبه ويستحل ماله وعرضه، ولا يترك بابا من أبواب الإضرار به إلا اقتحمه، ولو أضاع في سبيل ذلك المال الكثير، بل ولو شغله ذلك عن القيام بواجباته وأنت جد عليم بما يكون بين أرباب القضايا وبين الحزبين من بلد واحد، وبين الأحزاب السياسية وغيرها، فالفجور في الخصومة داء وبيل، يقطع الأواصر «٢» وينشر الجرائم، ويفتك بالأخلاق، فلا جرم إن كان آية الآيات في النفاق.
هذا وقد ذكر النووي أن جماعة من العلماء عدّوا هذا الحديث مشكلا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره، وقد أجيب عن ذلك بأن المتصف بهذه الخصال كالمنافق في التخلق بأخلاقه لا أنه منافق حقيقة، وهذا الجواب مبني على أن المراد بالنفاق في الحديث النفاق في الإيمان، وهذا الجواب مردود بقوله في الحديث: «كان منافقا خالصا» ، وأجيب أيضا بأن الظاهر غير مراد وإنما الغرض من ذلك المبالغة في التحذير، والتنفير من هذه الخصال بأبشع الطرق.
وارتضى القرطبي أن المراد بالنفاق هنا نفاق العمل، ويرى آخرون أنه نفاق في الإيمان، والمراد بمن وجدت فيه هذه الخصال: من تعودها وصارت له ديدنا وخلقا،
стр. 16
ويدل عليه التعبير بإذا فإنها تدل على تكرر الفعل، فالمتخلق بها منافق حقيقة يستحق الدرك الأسفل من النار، فتلك أربعة أجوبة تخير منها ما شئت.
والحديث دعامة كبيرة من دعائم الأخلاق التي ترتكز عليها عزة الأمم وسعادتها.
٦- باب: علامات النفاق- ٢ -
عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال: «آية المنافق ثلاث:
إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» . [رواه مسلم والترمذي والنسائي] «١» .
الآية: العلامة الظاهرة التي تدل على أمر خفي وراءها، وإخلاف الوعد ترك الوفاء مأخوذة من أخلف الشجر إذا اخضر بعد سقوط ورقه، وليس الغرض من ذكر هذه الثلاثة حصر آيات النفاق فيها فإنها كثيرة كالفجور في المخاصمة وإنما الغرض التنبيه إلى أصولها إذ التدين ينحصر أصله في ثلاثة القول والعمل والنية فنبّه إلى فساد القول بالكذب، وإلى فساد الفعل بالخيانة، وإلى فساد النية بالإخلاف لأن الإخلاف القادح «٢» ما كان العزم عليه مقارنا للوعد، وباقي الشرح للحديث في شرح ما قبله.
٧- باب: الدين النصيحة
عن تميم الدّاري أنّ رسول الله ﷺ قال: «الدّين النّصيحة» ، قالوا: لمن
стр. 17
يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه. ولرسوله، ولأئمّة المسلمين، وعامّتهم» .
[رواه البخاري ومسلم والترمذي] «١» .
اللغة:
قال صاحب النهاية «٢» : النصيحة: كلمة تعبر عن جملة هي (إرادة الخير للمنصوح له) وليست كلمة تعبر عن هذا المعنى سواها.
وأصل النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحته ونصحت له، وقال الخطابي:
النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له.
الشرح:
حصر رسول الله ﷺ الدّين في النصيحة لعلو شأنها، ولأنها بالتعميم الذي ذكره الرسول شملت الدين كله، فأخبر بها عنه بصيغة القصر، والنصيحة وإن كان معناها العام ما ذكرناه فإنها تختلف باختلاف المنصوح له فالنصيحة لله الإيمان به، ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بأوصاف الكمال، وتنزيهه عن النقائص، وطاعة أمره، واجتناب نهيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وغير ذلك مما يجب له، وجميع هذه الأشياء في الحقيقة ترجع مصلحتها إلى العبد، فهي نصيحة لنفسه وكسب خير لها.
والنصيحة لكتابه: الإيمان بأنه كلامه تعالى، وتحليل ما حلله، وتحريم ما حرمه، والاهتداء بما فيه، والتدبر لمعانيه، والقيام بحقوق تلاوته، والاتعاظ بمواعظه، والاعتبار بزواجره، والمعرفة له ... إلخ.
والنصيحة لرسول الله ﷺ : تصديقه فيما جاء به، واتباعه فيما أمر به ونهى عنه، وتعظيم حقه، وتوقيره حيا وميتا ومعرفة سنته، ونشرها، والعمل بها ... إلخ.
والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتذكيرهم بحوائج العباد، ونصحهم في رفق وعدل ... إلخ، والمراد بأئمة المسلمين: إعانتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتذكيرهم بحوائج العباد،
стр. 18
ونصحهم في رفق وعدل ... إلخ، والمراد بأئمة المسلمين قادتهم في تنظيم شؤون الدنيا، وفي إقامة معالم الدين ونشره بين الناس، فتشمل الملوك والأمراء والرؤساء والعلماء.
والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم في دنياهم وأخراهم، وكف الأذى عنهم، وتعليمهم ما جهلوه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونحو ذلك واعلم أن نصيحة المسلمين فرض كفاية على من هو أهل لها وهي واجبة على قدر الطاقة البشرية مادام هناك أمل في قبولها- والمسلم لا ييأس- ولم يخش في سبيلها أذى لا يحتمل، فإن خشيه فهو في سعة.
٨- باب: أثر العلم في النفوس واختلافه باختلافها
عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقيّة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب- في رواية «إخاذات- أمسكت الماء، فنفع الله بها النّاس، فشربوا وسقوا وزرعوا» - في رواية «ورعوا- وأصابه منها طائفة أخرى إنّما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلمه وعلّمه، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الّذي أرسلت به» . [رواه البخاري ومسلم والنسائي] «١» .
اللغة:
المثل: المثيل والنظير، ويقال: للصفة العجيبة؛ والهدى: الدلالة الموصلة للغاية، والغيث: المطر، والنقية: الطيبة المعدن، الخالصة من عوائق الإنبات، والكلأ: النبات رطبا ويابسا، والعشب: النبات الرطب، والأجادب: جمع
стр. 19
جدب على غير قياس وهي: الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء، والإخااذات:
جمع إخاذة وهي الأرض التي تمسك الماء. والرعي: تغذية الحيوان من المرعى، والقيعان: واحدها قاع وهي الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت، وفقه: فهم، وفقه: صار فقيها.
الشرح:
بعث الله محمدا بالقرآن الذي يرشد الناس إلى طريق الخير، ويهداهم إلى وجوه المصلحة، والذي يعرفهم الحقائق، ويبين لهم الأحكام، ويرفع عن قلوبهم غشاء الجهالة، فهو هدى ورشاد، وهو علم ونور شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ «١» . وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً «٢» غير أن الناس لم يكونوا في الانتفاع به بدرجة واحدة بل اختلفوا وتباينوا لاختلاف نفوسهم وتفاوت استعدادهم.
ففريق طيب النفس، صافي الفطرة، لم يدنسها بالآثام، ولم يفسدها بالأوزار، فهذا حينما يسمع الوحي يصغي إليه بأذنيه، ويتفهمه ويتدبره؛ ويفقهه ويحفظه، وتتأثر به نفسه الطيبة، وقلبه السليم، فيوحي إلى الأعضاء بالعمل به، ويأخذ في دعوة الناس إليه، فهو للقرآن سميع، وبأحكامه عليم، ولإرشاده مجيب، وللناس به ناصح أمين.
وهذا قد مثّله الرسول ﷺ بالأرض الطيبة التربة، النقية الخصبة، إذا نزل بها المطر الغزير نفذ إلى صميمها، فأثر فيها، فاهتزت «٣» وربت، وأنبتت بالماء العشب والكلأ، فرعاه الحيوان، وعاد خيره للإنسان، بل أنبتت بالماء من كل زوج بهيج مما هو طعام للإنسان وغذاء أو فاكهة ومتاع، فالأرض لجودتها قد حبست الماء في جوفها لمصلحتها، فأخصبت به بعد إجدابها، وحييت به بعد موتها، ونفعت الإنسان والحيوان بما أخرجت من الكلأ والثمار، كذلك القرآن إذا نزل صيب آية بالنفوس الطيبة حييت به القلوب الهامدة، فأوحت للمرء بالأعمال الصالحة وأخذ يعلم الناس ما علم وينفعهم بما به انتفع، وهذا الفريق هو الذي قال الله فيه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ «٤» .
وفريق خبثت نفسه، وفسدت فطرته، ومات استعداده، فهذا إن قرعت أذنه آي
стр. 20
الوحي ولّى مستكبرا كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرا، لا يرفع به رأسا، ولا يفتح له قلبا، ولا يقبل منه هدى. وهذا مثّله الرسول ﷺ بالأرض المستوية؛ الرخوة السّبخة «١» ؛ إذا نزل بها الماء أضلته في جوفها؛ وأضاعته في مسامها؛ ولم تخرج به كلأ ولا عشبا؛ ولا نباتا ولا ثمرا، فلا هي انتفعت بالماء ولا هي أمسكته على ظهرها، فانتفع به الحيوان والإنسان أو سقي به أرض أخرى طيبة نقية فكذلك هذا الفريق لم ينتفع بالوحي ولم ينفع به فكان مثله كمثل الأرض الخبيثة، وهذا الفريق الذي قال الله فيه: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٢» .
وفريق ثالث بين الفريقين لم يذكره الرسول ﷺ ؛ وذكر مثله ومن عرف الفريقين عرفه: بل المثل وحده يرشد إليه؛ فهو ذلك الشخص الذي سمع القرآن؛ فعقله وفهمه، ووقف على أحكامه، وحلاله وحرامه، ولكن لم يعمل به في خاصة نفسه، ولكن دعا الناس إليه علمهم ما تعلم، فهو كالذين قال الله فيهم: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ «٣» فهذا قد نفع الله به العباد، وجعله معبر خير لهم ولم ينتفع هو بما علم وعلّم، وكان حريا «٤» به أن يهذب نفسه بما هذب به غيره، فهذا مثله كالأرض الصلبة التي تمسك الماء لا تشربه، فيشرب منه الناس والحيوان، وتسقي به الأرض الطيبة الخصبة، ويلقي بها الحب والبذور، فينبت بالماء نباتا حسنا، فيأكل الإنسان ويرعى الحيوان، فالأجادب نفعت ولم تنفع، كذلك العالم بالقرآن يعلمه ولا يعمل به، أفترضى أن تكون أرضا مجدبة؟ أليست نفسك أولى ببرّك وعلمك، أتريد أن تكون ممن قال الله فيهم: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ.
كَبُرَ مَقْتاً «٥» عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ «٦» فاستمع للوحي وتدبره، وهذب به نفسك؛ وكمل به خلقك؛ وادع الناس إليه بقولك، كما تدعوهم بعلمك وَمَنْ
стр. 21
أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ «١» .
٩- باب: الهلع عند المصائب
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «ليس منّا من لطم الخدود. وشقّ الّجيوب، ودعا بدعوى الجاهليّة» . [رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه] «٢» .
اللغة:
جيب الثوب: فتحته التي يدخل منها الإنسان الرأس أي طوقه، والجاهلية: الحال التي كان العرب عليها قبل الإسلام من الجهل بالله؛ وبالدين الحق، والمفاخرة بالأنساب، والكبر، والتجبر، ووأد البنات، وغير ذلك.
الشرح:
من خلق المؤمن الصبر عند نزول المصائب، ومقابلتها بالرضا والتسليم إذ يقول: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ «٣» ويقول: إن لله ما أخذ ولله ما أعطى، والصبر يخفف المصيبة؛ ويحلل صلدها «٤» ؛ ويقتل جرثومتها.
وأما الجزع والهلع والسخط على ما قضى الله وقدّر، فليس من الإيمان في شيء وليس الذي يقوم به من حزب محمد ﷺ وصحبه.
فالذي ينخلع قلبه للمصيبة ولا يعرف الثبات والشجاعة في ملاقاة الإحن «٥» ،
стр. 22
وملاقاة المحن، بل يلطم الخدود، ويسخم «١» الوجوه، ويدق الصدور، ويشق الجيوب، ويمزق الثياب ويقطع الهندام، ويدعو بدعوى الجاهلية فيقول: واأبتاه، وا أماه، وا ولداه، وا زوجاه، وا قريباه، وا مصيبتاه، وا داهيتاه، وا مالاه، وا بيتاه، ويقول كلّما يعترض بها على القدر؛ وينقد قضاءه- من كان كذلك فليس من المسلمين.
إنما المسلم الثابت الرزين الصابر المحتسب: الذي لا يدفعه الحزن إلى التسخط، بل يكون كما قال رسول الله ﷺ : حال وفاة إبراهيم ولده، جعلت عيناه تذرفان الدمع، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة» ، ثم أتبعها بأخرى، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ، فليتق الله رجالنا ونساؤنا فيما يصنعون وقت المصائب، وليعلم الأزواج الذين يسمحون لنسائهم بالنياحة والتعديد «٢» ، ولطم الخدود، ودق الطبول، أنهم شركاؤهن في الإثم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ «٣» .
١٠- باب: أنواع الصدقة
عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «على كلّ مسلم صدقة» ، وفي رواية زيادة: «كلّ يوم» ، فقالوا: يا نبيّ الله فإن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدّق» . قالوا: فإن لم يجد؟ قال:
«يعين ذا الحاجة الملهوف» . قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليعمل بالمعروف» - وفي رواية- «فليأمر بالخير أو بالمعروف، وليمسك عن الشّرّ» ، وفي رواية- قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: «فليمسك عن الشّرّ فإنّها له صدقة» . وفي رواية: «فإنّه» [رواه البخاري ومسلم والنسائي] «٤» .
стр. 23
اللغة:
الصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوع به والزكاة للواجب.
وقد يسمي الواجب صدقة إذا تحرى مخرجه الصدق في فعله بأن يكون مخلصا فيه، طيبة به نفسه. والملهوف: المظلوم يستغيث أو هو المستغيث مظلوما أو عاجزا، والمعروف: اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر ما ينكر بهما.
الشرح:
المسلم لا يعمل لخير نفسه فقط؛ بل لخيرها وخير غيره، وقد أكد عليه الرسول ﷺ كل يوم صدقة، يعود بها نفسه البذل ويثبت فيها خلق الكرم، وينفع بها الفقراء والمساكين، فإن لم يجد ما يتصدق به جد في العمل، وكدح في تحصيل الرزق من طريق التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو غيرها من طرق الكسب حتى يكون بيده مال ينفع نفسه بالطعام، والشراب، واللباس، والسكن والركوب، وتخير المرأة الصالحة، والإنفاق عليها وعلى أولادها منه وينفع غيره بالتصدق عليه، والإقراض له؛ وتحمل الدّين عنه، فإن لم يجد العمل أو وجده ولا يستطيعه أعان ذا الحاجة من مظلوم يستغيث، ومكروب يستجير، وعاجز يستعين. فينصر المظلوم بمساعدته على نيل حقه، ومنع الحيف «١» عنه، ويجير المكروب بتفريج كربته وتخفيف بليته، فإن كان مريضا رجا له طبيبا يداويه، أو ساعده على دخول مستشفى يطببه ويراعيه، وإن كان له مال ضائع ساعده على الوصول إليه، ويعين العاجز على قضاء ماربه، وتحقيق أمانيه، فإن لم يكن في قدرته الإعانة وكشف الكرب أمر الناس بالمعروف من صلاة وصيام، وحج وزكاة، وحسن أخلاق، وجميل معاشرة، وأدب في معاملة وتعلم علم، وإخلاص في عمل، وابتغاء خير، ونهاهم عن المنكر من زني وشرب خمور، وشهادة زور، وتهتك وفجور، وظلم وسرقة، ونفاق ومداهنة «٢» ، وليعمل بما يأمر.
стр. 24
وليترك ما نهي عنه فإن ذلك أساس الدعوة الحقة: أن يعمل أولا بما يدعو إليه فإن لم يكن ذلك في المكنة «١» جنّب الناس شره، ومنع ضره، كما يجنب نفسه موارد الهلكة، ومزالق الفتنة، ومواقف التهمة.
ذلك ما ينبغي للمسلم نحو الناس: أن يكون نفّاعا لهم بقدر ما يستطيع، لا يدخر وسعا في جلب الخير لهم، ودفع الشر عنهم، فلو أمكنه أن يقوم بكل ذلك فيتصدق ويعمل، ويعين وينفع، ويأمر بالخير، ويمسك عن الشر كان مطالبا بالقيام به، بل لو أمكنه إلى ذلك غيره، فعل ما استطاع.
فالحديث يرغب في الصدقة إذ جعلها أول ما يبدأ به المسلم، ويحبب في العمل والكسب، ويقدم حاجة النفس على حاجة الغير «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ويحث على الإعانة، ويدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويأمر بمنع الأذى عن الناس.
١١- باب: ترك المشتبهات
عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبّه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشكّ فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» .
وفي رواية أخرى عن النعمان: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشبّهات لا يعلمها كثير من النّاس فمن اتّقى الشّبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشّبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا
стр. 25
صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت الجسد كلّه ألا وهي القلب» .
[رواه البخاري ومسلم «١» وغيرهما] .
اللغة:
الحلال: المأذون فيه؛ والحرام: الممنوع منه، وبيّن: واضح، والمشتبه: أو المشبه الخفي أمره، والإثم: الذنب، والاستبانة: الظهور، واجترأ:
تشجع، وأوشك: قرب، والرتع: رعي الماشية والإتساع في الخصب، والحمى:
المكان المحمي الممنوع على غير من حماه، واتقى: حذر واتخذ الوقاية مما يضر، استبرأ: طلب البراءة، والدّين: الطاعة وما يتدين به، والعرض: موضوع المدح والذم من الإنسان؛ والمضغة: القطعة قدر ما يمضغ؛ والقلب: معروف، ويقال للعقل:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها «٢» .
الشرح:
يرشدنا الرسول ﷺ إلى ما هو خير لنا في ديننا وأعراضنا وهو الابتعاد عن مواطن الريب فيسلم الدّين من النقص، والعرض من الطعن؛ فذكر أن الحلال بين واضح إذ هو ما أذن الشارع في فعله بنص في القرآن أو في كلام الرسول ﷺ وكذلك الحرام واضح لأنه ما منع الشارع فعله بنص قرآني أو حديث نبوي، وبعبارة أخرى الحلال هو الطيب النافع، والحرام هو الخبيث الضار، وبين الحلال والحرام أمور خفية مشتبهة لا يدري كثير من الناس أهي من الحلال أم من الحرام؟ كالأشياء التي تعارضت فيها الأدلة كلحوم الحمر الإنسية وكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير، فإن ظاهر الحصر في آية قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ «٣» يدل على حل ما ذكرناه؛ وجاء في الحديث النهي عنها، ومن أجل ذلك اختلف العلماء في حلها، ومن الشبيهات الأمور التي لا تطمئن إليها نفسك الطيبة.
فدعها إلى ما تطمئن إليه عملا بحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . رواه الترمذي والنسائي «٤» وغيرهما عن الحسن بن علي.
стр. 26
ومن هذا القبيل أمر الرسول ﷺ زوجة سودة بنت زمعة بالاحتجاب من أخيها ابن جارية أبيها لما ادعى بنوته عتبة بن أبي وقاص. فقال الرسول ﷺ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» «١» وحكم به لزمعة، وأمر سودة بالاحتجاب منه لما رآه شبيها في الصورة بعتبة. ومن هذا أيضا شخص أرسل كلبه للصيد وسمى عند الإرسال. فوجد عند الصيد مع كلبه كلبا آخر لم يسم عليه ولا يدري أيهما الذي صاد، فإنه يترك الأكل منه، وكذلك مر النبي ﷺ بتمرة ساقطة فقال: «لولا أن تكون صدقة لأكلتها» - ذكر هذه المسائل الثلاث البخاري في صحيحه- وعد بعض العلماء المكروه من المشتبهات إذ تنازعه الإذن فيه والمنع منه، ومن المشتبهات مال شخص لا يتحرج في كسبه عن الحرام، فترك معاملته والأكل من ماله الورع، كذلك من الشبهات المكاسب الناتجة عن صلح لم تكن نفوس المتصالحين به طيبة لقسر شابه «٢» .
وقد نفى الرسول ﷺ العلم بالمشتبهات عن كثير من الناس فأفاد أن بعضهم قد يعلم حقيقتها، وأنها من وادي الحلال أو الحرام، فلا تكون إذ ذاك مشتبهة عنده، بل لها حكم الحلال البين أو الحرام البين، وقد بين الرسول ﷺ أن من تحامى المشتبه الذي قد يكون في الواقع إثما حراما كان للحرام البين أشد تحاميا، ومن جرأ نفسه وشجعها على اقتحام الشبهات والوقوع فيها مع قيام الشك ومخالطة الريب كاد يواقع الحرام البين. فالشبهات وقاية دون الحرام، فمن انتهكها كاد يتردى في هاوية الحرام، ومن تجنبها كان في مأمن منها، بعيدا عنها، فاجعل بينك وبين الحرام حصنا، واضرب دونه سدا.
وما المعاصي إلا كالأرض التي يحميها الملوك، فيخصونها ببهمهم «٣» ويمنعونها من غيرهم، فمن ترك من الرعاة منطقة حولها، لا يرعى فيها بهمه أمن الوقوع في الحمى، وسلم من سخط الملوك والتعرض لعقابهم، ومن رعى في المنطقة المجاورة لا يأمن الوقوع فيه، كذلك المعاصي هي حمى الله في أرضه، والشبهات منطقة حولها فمن ترك الشبهات كان للمعاصي أترك، ومن خالطها كان إلى
стр. 27
الوقوع في المعاصي أقرب، وقد جاء في الرواية الثانية أن من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه أي من حذرها طلب البراءة والسلامة لدينه بالتحرز من المعصية، وتحامى «١» المنطقة التي دونها، وكذلك طلب البراءة لعرضه، فلا يتهمه الناس بمقارفة «٢» المعاصي وانتهاك الحرمات، وكيف؟ ولم يقارب الشبهات، فأنى يتهم بالمحرمات؟.
وفي الرواية الثانية: أن في الجسد مضغة صلاحها صلاح للجسد كله، وفسادها فساد له، تلك المضغة هي القلب موزع الدم في عروق الجسم، ومصلحه بعد فساده والمراد به هنا العقل الذي لا يعمل إلا بحرارة الحياة المنبعثة من الدورة الدموية، ولا ريب في أن صلاح العقل، واستقامته في الإدراك والتفكير، ووزنه الأشياء بميزان الحقيقة، وتحريه «٣» الإنصاف في أحكامه يترتب عليه صلاح الأعضاء كلها، فلا تصدر إلا خيرا، ولا تعمل إلا صالحا، ولا تقول إلا حسنا، لأنه الحاكم عليها، والرئيس بينها، وإذا صلح الرئيس صلحت الرعية.
أما إذا فسد العقل، واختل نظام التفكير، وغلبه على ملكه باعث الشهوة، وسلطان الهوى فسد سائر الأعضاء فلا يصدر غير الشر، إذ حكمة العقل مفقودة، وحركته مشلولة، وهل إذا أصيب القلب تسلم الحياة، ويصح الجسد؟ كلا. كذلك العقل في مرضه مرض القوى كلها، فربوا العقول، وعودوها التفكير المستقيم، والحكم الصحيح، وحذار أن تهملوها، ولا تغذوها بالنظر والبحث، فتفقدوا الانتفاع بقوى الجسم التي تستطيعون بها أن تسخروا العالم كله لخدمتكم.
فالحديث يحذرنا من الشبهات، والوقوف في مواقف الرّيب «٤» ، ويدعونا إلى الاحتراس وبعد النظر؛ ويحضنا على تخليص الدّين من الشوائب. وإبعاد العرض من المثالب «٥» ؛ بتجنب أسبابها، ويدعونا إلى تنمية العقل؛ وترقية التفكير لتكون الأعمال منظمة؛ طيبة العاقبة.
стр. 28
١٢- باب: فضل الكسب باليد
عن المقدام ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيّ الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده» . [رواه البخاري وأبو داود والنسائي «١» وغيرهم] .
طرق المال كثيرة كالوراثة والهبة والصدقة؛ وكالاشتغال في عمل حكومي يتقاضى في نظيره أجرا؛ وكالتجارة والزراعة والصناعة، وقد بين الرسول ﷺ أن خير طعام يأكله المرء ما كان من عمل يده، فالذي يشتغل بيده، ويكدح ببدنه ويستجدي الرزق من عرق جبينه ويأكل من إنتاجه خير ممن يأكل من تركة موروثة، أو هبة مبذولة، أو صدقة تعطى له عفوا أو إستجداء ذلك أن ما كسبه الإنسان بكدحه وكده يفيد جسمه نشاطا ويكسبه صحة، ويزيده قوة فإذا ما أكل أكل هنيئا؛ وهضم سريعا، فاستفاد وقويت النية، ولا كذلك الكسل الخمول الذي يعتمد على مال وقع في يده عفوا، ويعطل أعضاءه عن العمل والحركة، ويمكث طوال يومه على مقهى أو مسطبة، فيأكل من غير شهية إذا لم يهضم الطعام السابق فيزداد خمولا إلى خمولاه وتعتل الصحة، فلا يجد حلاوة لطعام أو شراب، أضف إلى ذلك أن المال الناتج من الكد أغلى قيمة عند صاحبه مما جاءه عفوا، ولذلك تجده أحرص عليه مما سبق إليه، وإنه ليشعر بلذة كبيرة ساعة ينتفع به، وهل ترى تناول الثمرة من يد البائع كتناولها بيدك من الشجرة؟ وإلى ذلك أيضا أن الثروة المسوقة إن ضاعت قلما تجد لها عوضا، أما الثروة الكسبية فقلما تضيع، وإن ضاعت فمنبعها قائم وهو اليد العاملة.
ولقد ذكر رسول الله ﷺ أن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده إذ كان يصنع الدروع الحربية، ولا أحدثك عن داود وملكه إذ سخر الله له الجبال والطير والحديد وآتاه السلطان مكافأة له على شجاعته الحربية لما قتل جالوت وفيه يقول الله:
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ «٢» فمع هذا الملك والسيطرة، وما تبعهما من الغنى والثروة لم يستنكف من العمل بيده ليشجع العمال على المضي في
стр. 29
أعمالهم، وليفيد جسمه صحة وقوة، فليعتبر بهذا أولئك الأغنياء الوارث، وأولئك الأمراء والوزراء، الذين يشمئزون من العمل، ويخالونه حطة وضعة، وما دروا أن كثرة الأيدي المنتجة ثروة عظيمة للأمة، وعزة لها وسيادة، وإشادة بذكرها بين الأمم.
فالحديث يرغبنا في العمل، ويدعونا إلى ما يزيدنا صحة، ويبغض إلينا الاعتماد على الثروة المسوقة، وترك الأعمال المنتجة.
١٣- باب: تفضيل الحرفة على السؤال
عن الزّبير بن العوّام ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله: فيأتي بحزمة حطب؛ فيبيعها فيكفّ الله بها وجهه، خير له من أن يسأل النّاس أعطوه أو منعوه» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
الحطب: ما يوقد به، والكف: المنع.
الشرح:
سؤال الناس مذلة وضعة، والمؤمن عزيز غير ذليل: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ «٢» فإن أعطي السائل فالمنة عليه ثقيلة، والجميل أسر له واستعباد، وإن منع خزي وخجل وتأفف من المسؤول أو أبغضه، واضطغن عليه «٣» وإن كان السائل قادرا على الكسب فهو كافر بنعمة الله إذا لم يشكر له نعمة الجوارح، فإن شكرها بالانتفاع بها فيما خلقت له، وما خلقت إلا للكدح بها في سبيل الرزق فلما كان السؤال بكل ذلك، وهو ما لا يلائم أخلاق المؤمن بين الرسول ﷺ أن الاكتساب خير منه، بل الاكتساب هو الخير، والسؤال هو الشر ولو كان الاكتساب من أدنى الحرف، فالذي يأخذ حبله ويخرج إلى المراعي والمزارع، أو الأجران والغابات، فيجمع حزمة حطب مما رغب عنه الناس، أو من كلأ مباح؛ ويحملها على ظهره ويبيعها بقرش أو مليمات يأكل به ويشرب فيحفظ بذلك على نفسه كرامتها وعزتها؛ ويقي وجهه ذلة المسألة خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.
стр. 30
وبذلك عرفت أن أولئك الرجال أو النساء الذين يتّجرون في الفجل أو الكراث أو البصل أو في الخضروات أو البقول أو غيرها من الأشياء الرخيصة يحضرونها من المزارع وعلى ظهورهم أو رؤوسهم خير من أولئك الذين يجوبون الشوارع ليلا ونهارا يتكففون «١» الناس؛ وأكثرهم قادر على الكسب؛ صالح للعمل، بل أولئك المتجرون هم الأخيار، وأولئك الشحاذون هم الأشرار، فلا تعنهم على الشر ورغبهم في الخير، فالحديث يحضنا على اكتساب الرزق ولو من المهن الصغيرة، ويبغضنا في السؤال، ويحفظ علينا العزة والكرامة، ويمنعنا الذلة والمهانة.
١٤- باب: السماحة في المعاملة
عن جابر بن عبد الله ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» ، وفي رواية «وإذا قضى» .
[رواه البخاري والترمذي وابن ماجة «٢» ] .
السمح: يطلق على السهل، وعلى الجواد، والأول هو المناسب هنا، والاقتضاء: طلب قضاء الحق.
يدعو النبي ﷺ بالرحمة وإسباغ النعمة للرجل السمح السهل، ودعاؤه عند الله بمكانة عظيمة لأنه صادر من النفس الطاهرة المخلصة، من اللسان الرطب بذكر الله، فتفتح له أبواب الإجابة إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ «٣» .
وقد ذكر النبي ﷺ السماحة في أربعة أشياء: في البيع، والشراء، والاقتضاء، والقضاء.
فالسماحة في البيع:
ألا يكون شحيحا بسلعته، مستقصيا في ثمنها، مغاليا
стр. 31
في الربح منها، مكثرا من المساومة فيها، بل يكون كريم النفس، راضيا بيسير الربح، مقلا من الكلام.
والسماحة في الشراء:
أن يكون سهلا في كياسة، فلا يدقق في الدانق والملّيم، خصوصا إن كانت السلعة شيئا هينا كفجلة أو بصلة، والمشتري غنيا، والبائع فقيرا معدما، ولا يسأم «١» البائع بالأخذ والرد، وتعطيله عن المشترين الآخرين، أو مصالحة الآخرى، ولا يكثر التقليب في البضاعة بعد أن سبر غورها «٢» ، ووقف على حقيقتها.
والسماحة في الاقتضاء:
أن يطلب حقه أو دينه في هوادة «٣» بلا عنف وفي لين بلا شدة، ويراعي حال المدين فإن كان معسرا أنظره وأخره، بل إن كانت حاله لا تسمح بالسداد تصدق عليه بحقه أو من حقه وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٤» . ومن السماحة في الاقتضاء: ألا يطالب المدين على مشهد من الناس ومسمع، خصوصا إذا كانوا لا يعلمون بالدين. أو يتأذي المدين بالجهر. وألا يلحف «٥» في الطلب. أو يطالبه في أوقات راحته وهناءته؛ فينغص عليه صفوه، وهو من أحرص الناس على قضاء الحقوق وألا يرفع أمره إلى القضاء وهو مستعد للدفع في وقت قريب فيغرمه الرسوم وأجر المحاماة، ويشغل باله. ويستنفذ من وقته من غير جدوى تعود عليه. - إلا الإضرار بأخيه- كل ذلك من حسن الاقتضاء.
وأما السماحة في القضاء:
فأن يرد الحق لصاحبه في الموعد المضروب، ولا يكلفه عناء المطالبة أو المقاضاة، ويشفع القضاء بالشكر والدعاء، أو الهدية إن كان لها مستطيعا إلى غير ذلك مما ينطوي تحت المسامحة.
فالحديث يرغبنا في حسن المعاملة، وفي كرم النفس، وفي مراعاة المصلحة، وفي حفظ الوقت.
стр. 32
١٥- باب: فضل الغرس والزرع
عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو بهيمة، إلّا كان له به صدقة» . [رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب المزارعة في (باب فضل الغرس والزرع) ورواه مسلم أيضا والترمذي «١» ] .
الغرس للشجر، والزرع للنبات، والغرس: هو الرشق أو الدفن في الأرض وقريب منه الزرع، والمراد بالغرس والزرع: المغروس والمزروع كالعقل «٢» والحبوب، والطير: جمع مفرده طائر كركب وراكب والمراد به هنا كل ذي جناح يسبح في الهواء. والبهيمة: اسم لكل ما لا ينطق لما في صوته من الإبهام لكن خص في العرف بما عدا السباع والطير، والصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة لكن الصدقة في الأصل تقال: للمتطوع به والزكاة: للواجب، وقد يسمى الواجب صدقة إذا تحرى صاحبه الصدق في فعله.
والحديث يرغبنا في تعمير الأرض بالأشجار والزرع التي ينتفع بها الإنسان أو الحيوان ويبين أن ما أكل من الشجر أو الزرع صدقات للإنسان يستحق الإثابة عليها، وخص المسلم بذلك لأنه الذي ينتفع بثواب الصدقة في الدنيا والآخرة وأما الكافر فيثاب على ما زرع أو غرس في الحياة الدنيا فقط، وقال بعضهم يجوز أن يخفف عنه بذلك من عذاب الآخرة خصوصا إذا لم يرزق الغنى والعافية في الدنيا.
وفي الحديث حث على السعي في مصالح الناس وعلى الرحمة بالحيوان، وقد أخرجه البخاري أيضا في (باب) رحمة الناس والبهائم.
ومن الرحمة بالحيوان التخفيف عنه في الأحمال وعدم تكليفه مشاق الأعمال،
стр. 33
وترك الإسراف في ضربه وإيذائه، ومداواة جراحه، والقيام بحاجاته.
١٦- باب: الإخلاص والمساعدة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطّريق فمنعه من ابن السّبيل. ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلّا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط. ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الّذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدّقه رجل» ، في رواية «فصدّقه وأخذها ولم يعط بها» ، ثم قرأ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. «١» [رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن «٢» ] .
اللغة:
يزكيهم: يطهرهم من الأوزار وقيل: يثنى عليهم؛ وأليم: موجع؛ وفضل: زيادة؛ وابن السبيل: سالك الطريق، والمبايعة: للإمام الرضا به والتعهد له ببذل الطاعة والمراد بالدنيا: هنا عرضها، وسخط: غضب، والسلعة: المتاع والبضاعة وأقامها عرضها أو روجها من قامت السوق إذا راجت، ويشترون:
يستبدلون، وعهد الله: ما عاهدوه عليه، والأيمان: جمع واحدها يمين وهي الحلف، والثمن: العوض، والخلاق: النصيب والحظ.
стр. 34
الشرح:
ثلاثة أشخاص يغضب الله عليهم يوم القيامة يوم تجزى كل نفس ما عملت فلا ينظر إليهم نظر عطف ورحمة، بل نظر مقت وازدراء، أو لا يلتفت إليهم مطلقا إعراضا عنهم، وزيادة سخط عليهم، ولا يطهّر في الدنيا نفوسهم من الأوزار وكيف يطهرها ولم يعدوها لقبول الهداية بل لوّثوها بخبث طويتهم «١» ؟ وكذب أيمانهم الذي هو ضرب من النفاق، ومنعهم المعونة من هم في حاجة إليها، أو معنى عدم التزكية عدم الثناء عليهم والمدح لهم لأنهم مجرمون، ولهم إلى الغضب وعدم التطهير عذاب شديد في الآخرة، يصلون سعيره، ويقاسمون لهيبه.
فأول الثلاثة رجل له ماء بالطريق [فيمنعه من السابلة المارين به]
كبئر: أو مصاصة «٢» ، أو حوض، أو زير به ما يزيد عن حاجته من الماء فمنعه من السابلة المارين به وهم في حاجة إليه، وإنه لذو نفس خبيثة إذ منع نعمة ساقها الله إليه، بها حياة الإنسان والحيوان والنبات وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ «٣» - منعها من أشد الناس حاجة إليها وهو المسافر وربما كان في ذلك هلكه، منعها في حين لم تكن به حاجة إليها، وإذا كان بفضل الماء بخيلا فهو بغيره أبخل، فهو منّاع للخير لا يسمح به لغيره. لو كان في ذلك حتفه. فلا جرم «٤» كان خليقا «٥» بهذا العقاب. وقد استثنى الفقهاء من ذلك الحربي والمرتد إذا أصرا على الكفر لا يجب علينا بذل الماء لهما.
وثاني الثلاثة رجل بايع إمامه: ورضي له بالسمع والطاعة. وهو غير مخلص في بيعته
إنما بايعه لمصلحة خاصة يرجوها كوظيفة يأملها أو ورطة يريد مساعدته على الخلاص منها. أو مال يبتغيه لنفسه أو ولده. فإن أجيب إلى بغيته رضي واطمأن، وإن لم يجب غضب وسخط. وشن الغارة على ذلك الذي بايعه وسمع به في الملأ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ «٦» فمثل هذا جدير بغضب الله وعقابه. ومنعه التوفيق والهداية. إذ باع مصلحة المسلمين والعمل لخيرهم
стр. 35
والنصح لهم في اختيار إمام عادل، ويقوم على دين الله بالحفظ، وعلى ملكه بالعدل، يقيم حدود الله، ويقدس الحق، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. ويتفقد المصالح العامة- مصلحتهم في تخير الإمام العادل- في سوق مصالحه الخاصة. فطلب الحظ لنفسه في غش الرعية. وأراد الطعام الدسم، في سم زعاف قدمه للبرية ومن هذا الوادي الأشخاص الذين ينتسبون لحزب خاص لا لنصرة مبادئه. والعمل تحت لوائه وطلب الخير للأمة من طريقه، بل لمارب شخصية، إن نالوها شكروا له، وإن منعوها انتقضوا عليه. وسلقوه بألسنة حداد ورموه بكل منكر وزور.
أولئك لا خلاق لهم في الآخرة وأولئك الذين في قلوبهم مرض.
وثالث الثلاثة: رجل يغش المسلمين بامتهان اسم الله المقدس
، والحلف به زورا. لينال عرضا زائلا، وربحا كاسدا، وما هو بنائله. فيعرض سلعته وقت قيام السوق، والظاهر أنها كانت تقام إذ ذاك بعد العصر. أو خص هذا الوقت بالذكر لقرب العهد بالصلاة فكان الظاهر أن يرعوي «١» بها عن الكذب ولكن لم يرعوا. فكانت جريمته عند الله أشد وكأنه الرسول ﷺ قال: - بعد الصلاة- ويقيمها بالأيمان المغلظة، ويروجها بالعبارات الكاذبة، فيقول لرواد التجارة: والله الذي لا إله غيره لقد قدرت هذه السلعة ودفع لي خمسة وعشرون أو ستة وعشرون أو ... وما قبلت، يريد بذلك ترغيب المشتري في الأخذ بأزيد مما قال، فصدقه رجل في يمينه التي أكدها أشد التأكيد، وأخذها منه بما قال، أو بما زاد. والواقع أنها لم تقدر بذلك ولم يعط بها الثمن الذي ذكر، بل كذب على أخيه وغشه في الثمن واستهزأ بالله إذ اتخذ اسمه وسيلة للكذب، والتلبيس على الناس.
ثم قرأ ﷺ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا «٢» الآية ليؤكد قوله، ويزيد النفوس إيمانا به وتصديقا له. وواضح دخول المبايعة في عهد الله. ودخول ترويج السلعة بالحلف الكذب في الأيمان. بل هما داخلان تحت العهد والأيمان إذ الأكثر في العهد أن يقرن باليمين. والأيمان تقال للعهود أيضا. وأما دخول من منع الماء وارديه فغير واضح. فالظاهر أن الاستشهاد بالآية على الأخيرين.
стр. 36
وجائز أن يقال: حقيقة الأيمان عهد بين الله والعبد أن يقوم بكل ما أمر به ويجانب كل ما نهى عنه. وقد أمر بالتعاون على البر والتقوى. ومن البر بذل الماء وحرّم منع الخير بقوله في سياق الذم مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ «١» ومنه منع الماء وعلى ذلك فالثلاثة داخلة تحت الآية.
ومعنى الآية أن من لم يوف بعهد الله، أو لم يصدق فيه ويخلص، وكذلك من لا يصدق في يمينه واستبدل بذلك عوضا قليلا. وعوضا ضئيلا من نحو ما ذكرنا- وكل ثمن نظير الحق والصدق فإنه قليل مهما كان في نظر الشهويين عظيما- لا نصيب له في نعيم الآخرة ولا حظ. ولا يكلمه الله كلمة رضا وعطف ولا ينظرن إليه نظرة محبة ورعاية يوم القيامة. ولا يشهد له بما ينجيه. أولا يطهره في الدنيا من الأوزار ما دام عاكفا على ما يلوث نفسه. ويدنس فطرته ويعذبه في الآخرة عذابا أليما- فإن تاب وعمل صالحا عاد عليه بالمغفرة والرحمة وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى «٢» .
فالحديث يحتم الوفاء بالعهود، والإخلاص فيها، والنصيحة للرعية في تخير الحكام العادلين، والموظفين المخلصين، ويحرّم الأيمان الكاذبة، والغش في المعاملة وبيع الحق بالشهوات والأعراض الزائلة، ويأمر ببذل المعونة للمحتاجين.
وإنفاق العفو للبائسين وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ «٣» يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ «٤» .
١٧- باب: الرفق بالحيوان
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينا رجل
стр. 37
يمشي، فاشتدّ عليه العطش، فنزل بئرا، فشرب منها، ثمّ خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثّرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه، ثمّ أمسكه بفيه، ثمّ رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له» . قالوا: يا رسول الله وإنّ لنا في البهائم أجرا؟ قال: «في كلّ كبد رطبة أجر» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
بينا: هي بين أشبعت فتحتها فصارت ألفا؛ وكذلك بينما هي بين زيدت عليها ما. وهي ظرف بمعنى وسط. اللهث: ارتفاع النفس من الإعياء والتعب؛ وفي الحيوان خاصة إخراجه اللسان من شدة العطش والحر. لهث الكلب وغيره يلهث لهثا. والثرى: التراب الندي؛ والخف: ما يلبس في الرّجل. ورقى يرقى: صعد.
والكبد: عضو في الجنب الأيمن يفرز الصفراء ويقال: للجوف كله. والمراد برطوبة الكبد حياته.
الشرح:
يقص علينا رسول الله ﷺ قصة رجل مؤمن كان يمشي بطريق أو بادية فعطش عطشا شديدا فنزل بئرا شرب منها حتى روي، ثم خرج منها فإذا به يجد كلبا قد أخرج لسانه من شدة الظمأ يلحس به الأرض الندية لعلّ في رطوبتها ما يقلّل من حرارة العطش.
فقال في نفسه أو بلسانه: لقد بلغ هذا الحيوان الدرجة التي بلغتها في العطش، وآلمه منه ما آلمني، فنزل إلي البئر ثانية وملأ خفه بالماء، وأمسكه بفمه لتخلص له يداه ويمسك بهما في جدارن البئر عند الصعود ثم صعد فسقى الكلب من خفه.
فشكر الله هذا الصنيع. وما شكره إلا عفوه عن ذنوبه السالفة. بل من شكره المنّ بنعمه على المحسنين من عباده.
فسأل الحاضرون رسول الله ﷺ : هل لنا في البهائم إذا دفعنا عنها الأذى.
وأحسنّا إليها أجر وثواب؟ فقال النبي ﷺ : «في كل كبد رطبة أجر» ، وهذه الجملة تعم كل حيوان من كلب أو قط أو جمل أو بقرة أو شاة ... إلخ، وتشمل دفع أنواع
стр. 38
الأذى عنه من عطش، أو جوع أو مرض أو حر، أو برد، أو حمل ثقيل، أو عمل شديد، أو غير ذلك مما يتأذى به الحيوان، وتشمل إيصال ضروب النفع له من تقديم الطعام والشراب والسكن له وإزالة الدرن عن جسمه. بل الكبد الرطبة تشمل الإنسان والحيوان. فكل عمل تعمله تزيل به ضرا. أو تجلب به نفعا لإنسان أو حيوان لك أجر فيه.
ولا تستكثر الشكر من الله والمغفرة لهذا الذي أنقذ الكلب من ظمئه. فإنه نزل البئر له خاصة ليسقيه. وملأ خفه بالماء. وذلك مما يضر بجلده. وأمسكه بفمه وذلك مما يعافّه المتكبرون. وعانى ما عنى من النزول والصعود مثل ما عانى لنفسه. كل ذلك تجشمه «١» في سبيل رأفته بالحيوان الظمان. وهل ترى نفسا تبلغ منها الرحمة يالحيوان هذا المبلغ لا تكون رحمتها بالناس أشد؟ إن هذا العمل ليدّل على شعور راق. ورحمة فياضة. سكنت تلك النفس العالية. فكانت لا ريب خليقة بهذا الجزاء. والراحمون يرحمهم الرحمن، ولعلك عرفت من هذا الحديث تربية الشدائد للنفوس. وأنها تدعوها للخير. وتلفتها إلى مثل ما حل بها. فتعمل على دفعه كما عملت لنفسه. ومن ذاق الآلام المريرة شعر بالام الناس. وتلك حكمة من حكم الصيام أنه يزكي في الناس الشعور بحال البائسين فيمدون أيديهم بالإحسان إليهم.
فالحديث يحث على الرأفة بالحيوان ودفع الضر عنه. ويحبذ النصب في سبيله ويعظم الأجر على ذلك. وهذا الحديث أصل في إنشاء جمعيات الرفق بالحيوان.
ويشكر للذين يقيمون حياضا في الطرق ليشرب منها الحيوان.
١٨- باب: عقاب من آذى الحيوان
عن عبد الله بن عمر ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «عذّبت امرأة في هرّة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النّار» ، وفي رواية:
«دخلت امرأة النّار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش
стр. 39
الأرض» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
الهرة: القطة، وخشاش الأرض: هوامها وحشرتها.
الشرح:
يذكر الرسول ﷺ أن امرأة حبست هرة في حجرة أو ربطتها حتى ماتت جوعا، فلا هي قدّمت لها طعاما وشرابا، ولا هي أطلقتها تأكل من هوام الأرض وحشراتها كالفيران والصراصير ونحوها فعذبها الله لذلك.
وفي هذا دلالة واضحة على أن تعذيب الحيوان بلا سبب معصية تستوجب العقاب، وكذلك قتله إذا لم يكن مؤذيا. وهذا يدخل في عموم قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «٢» ، وفيه إشارة إلى جواز اتخاذ الهرة وربطها إذا لم يهمل طعامها وشرابها.
ولا يدل الحديث على إحباط عمل صالح إن كان لهذه المرأة بإماتتها الهرة جوعا، بل لكل حسنة ثوابها، ولكل جريمة عقابها، فإن كان لها من الحسنات ما يغمر الجريمة شملها قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ «٣» ، وإذا كان هذا جزاء من يعذب الحيوان الأعجم فما بالك بمن يصب على الناس وابلا من شروره وآثامه، بل ما ظنك بمن يؤذي إخوانه الذين تربطه بهم رابطة الدّين أو القرابة أو المصاهرة أو الجوار أو الاتحاد في العمل أو غيرها من الروابط؟.
فالحديث يتوعد بالعذاب الشديد من يؤذي الحيوان ويوجب علينا الإنفاق عليه أو تركه يسعى في رزقه.
١٩- باب: أداء الحقوق
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال النّاس
стр. 40
يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» . [رواه البخاري وابن ماجه «١» وغيرهما] .
من الناس من يقترض الأموال لحاجة من حاجته. عازما على أدائها في الموعد المضروب، أو حين يقع في يده مال، فهذا يؤدي الله عنه ديونه فيفتح له من أبواب الرزق ما لم يكن يحتسبه مكافأة على نيته الصالحة، وعزمه المحمود، على أن لتلك الإرادة أثرا في اكتساب الرزق فإنها لا تزال بصاحبها تدفعه إلى تلمس أبواب المكاسب، والبحث عن طرق المال، حتى يهتدي إليها، ويؤدي ديونه ومثل هذا من يشتري من التجار طعامه وشرابه وحاجياته الآخرى، أو بضاعة يتجر فيها إلى أجل وليس بيده ما يدفعه نقدا. فإن عزم على الأداء والوفاء يسّر الله له المال حتى يوفي بما عاهد.
أما من استقرض أو اشترى شيئا دينا أو طلب إلى الناس أن يودعوه أموالهم، أو استعار، أو استأجر عينا عازما على الجحود والإنكار. أو الإتلاف والإهلاك فإن الله تعالى يتلفه؛ فيوقعه في خبث نيته وسوء طويته، ويفتح له من أبواب النفقات ما يذهب بماله، طارفه وتليده «٢» ، أو يسلط عليه من البلايا والمصائب ما يستأصل ملكه، أو يرسل إليه جيشا من الأمراض الفتاكة يعمل في نفسه وأهله وولده ما يحرمهم لذة الحياة ونعيمها إلى عذاب في الآخرة شديد. وهل رأيت أكرمك الله من اغتنى وتنعم في مال غيره المغضوب؟ ولئن ضحكت له الدنيا أياما أو سنين استهزاء به، واستدراجا له لهي كاشرة له عن أنيابها. ثم تلتهمه التهاما. أو تستلب ما كنز من أولاده وأحفاده استلابا: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «٣» ، وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ «٤» فالنية الصالحة. والإرادة الصادقة لها أثرها في كسب المال. والهداية لسبله؛ والنية الخبيثة جائحة المال. ومبددة الثروة. والقاضية علي صاحبها بالفقر