وجائز أن يقال: حقيقة الأيمان عهد بين الله والعبد أن يقوم بكل ما أمر به ويجانب كل ما نهى عنه. وقد أمر بالتعاون على البر والتقوى. ومن البر بذل الماء وحرّم منع الخير بقوله في سياق الذم مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ «١» ومنه منع الماء وعلى ذلك فالثلاثة داخلة تحت الآية.
ومعنى الآية أن من لم يوف بعهد الله، أو لم يصدق فيه ويخلص، وكذلك من لا يصدق في يمينه واستبدل بذلك عوضا قليلا. وعوضا ضئيلا من نحو ما ذكرنا- وكل ثمن نظير الحق والصدق فإنه قليل مهما كان في نظر الشهويين عظيما- لا نصيب له في نعيم الآخرة ولا حظ. ولا يكلمه الله كلمة رضا وعطف ولا ينظرن إليه نظرة محبة ورعاية يوم القيامة. ولا يشهد له بما ينجيه. أولا يطهره في الدنيا من الأوزار ما دام عاكفا على ما يلوث نفسه. ويدنس فطرته ويعذبه في الآخرة عذابا أليما- فإن تاب وعمل صالحا عاد عليه بالمغفرة والرحمة وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى «٢» .
فالحديث يحتم الوفاء بالعهود، والإخلاص فيها، والنصيحة للرعية في تخير الحكام العادلين، والموظفين المخلصين، ويحرّم الأيمان الكاذبة، والغش في المعاملة وبيع الحق بالشهوات والأعراض الزائلة، ويأمر ببذل المعونة للمحتاجين.
وإنفاق العفو للبائسين وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ «٣» يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ «٤» .
١٧- باب: الرفق بالحيوان
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينا رجل
стр. 37
يمشي، فاشتدّ عليه العطش، فنزل بئرا، فشرب منها، ثمّ خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثّرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه، ثمّ أمسكه بفيه، ثمّ رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له» . قالوا: يا رسول الله وإنّ لنا في البهائم أجرا؟ قال: «في كلّ كبد رطبة أجر» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
بينا: هي بين أشبعت فتحتها فصارت ألفا؛ وكذلك بينما هي بين زيدت عليها ما. وهي ظرف بمعنى وسط. اللهث: ارتفاع النفس من الإعياء والتعب؛ وفي الحيوان خاصة إخراجه اللسان من شدة العطش والحر. لهث الكلب وغيره يلهث لهثا. والثرى: التراب الندي؛ والخف: ما يلبس في الرّجل. ورقى يرقى: صعد.
والكبد: عضو في الجنب الأيمن يفرز الصفراء ويقال: للجوف كله. والمراد برطوبة الكبد حياته.
الشرح:
يقص علينا رسول الله ﷺ قصة رجل مؤمن كان يمشي بطريق أو بادية فعطش عطشا شديدا فنزل بئرا شرب منها حتى روي، ثم خرج منها فإذا به يجد كلبا قد أخرج لسانه من شدة الظمأ يلحس به الأرض الندية لعلّ في رطوبتها ما يقلّل من حرارة العطش.
فقال في نفسه أو بلسانه: لقد بلغ هذا الحيوان الدرجة التي بلغتها في العطش، وآلمه منه ما آلمني، فنزل إلي البئر ثانية وملأ خفه بالماء، وأمسكه بفمه لتخلص له يداه ويمسك بهما في جدارن البئر عند الصعود ثم صعد فسقى الكلب من خفه.
فشكر الله هذا الصنيع. وما شكره إلا عفوه عن ذنوبه السالفة. بل من شكره المنّ بنعمه على المحسنين من عباده.
فسأل الحاضرون رسول الله ﷺ : هل لنا في البهائم إذا دفعنا عنها الأذى.
وأحسنّا إليها أجر وثواب؟ فقال النبي ﷺ : «في كل كبد رطبة أجر» ، وهذه الجملة تعم كل حيوان من كلب أو قط أو جمل أو بقرة أو شاة ... إلخ، وتشمل دفع أنواع
стр. 38
الأذى عنه من عطش، أو جوع أو مرض أو حر، أو برد، أو حمل ثقيل، أو عمل شديد، أو غير ذلك مما يتأذى به الحيوان، وتشمل إيصال ضروب النفع له من تقديم الطعام والشراب والسكن له وإزالة الدرن عن جسمه. بل الكبد الرطبة تشمل الإنسان والحيوان. فكل عمل تعمله تزيل به ضرا. أو تجلب به نفعا لإنسان أو حيوان لك أجر فيه.
ولا تستكثر الشكر من الله والمغفرة لهذا الذي أنقذ الكلب من ظمئه. فإنه نزل البئر له خاصة ليسقيه. وملأ خفه بالماء. وذلك مما يضر بجلده. وأمسكه بفمه وذلك مما يعافّه المتكبرون. وعانى ما عنى من النزول والصعود مثل ما عانى لنفسه. كل ذلك تجشمه «١» في سبيل رأفته بالحيوان الظمان. وهل ترى نفسا تبلغ منها الرحمة يالحيوان هذا المبلغ لا تكون رحمتها بالناس أشد؟ إن هذا العمل ليدّل على شعور راق. ورحمة فياضة. سكنت تلك النفس العالية. فكانت لا ريب خليقة بهذا الجزاء. والراحمون يرحمهم الرحمن، ولعلك عرفت من هذا الحديث تربية الشدائد للنفوس. وأنها تدعوها للخير. وتلفتها إلى مثل ما حل بها. فتعمل على دفعه كما عملت لنفسه. ومن ذاق الآلام المريرة شعر بالام الناس. وتلك حكمة من حكم الصيام أنه يزكي في الناس الشعور بحال البائسين فيمدون أيديهم بالإحسان إليهم.
فالحديث يحث على الرأفة بالحيوان ودفع الضر عنه. ويحبذ النصب في سبيله ويعظم الأجر على ذلك. وهذا الحديث أصل في إنشاء جمعيات الرفق بالحيوان.
ويشكر للذين يقيمون حياضا في الطرق ليشرب منها الحيوان.
١٨- باب: عقاب من آذى الحيوان
عن عبد الله بن عمر ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «عذّبت امرأة في هرّة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النّار» ، وفي رواية:
«دخلت امرأة النّار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش
стр. 39
الأرض» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
الهرة: القطة، وخشاش الأرض: هوامها وحشرتها.
الشرح:
يذكر الرسول ﷺ أن امرأة حبست هرة في حجرة أو ربطتها حتى ماتت جوعا، فلا هي قدّمت لها طعاما وشرابا، ولا هي أطلقتها تأكل من هوام الأرض وحشراتها كالفيران والصراصير ونحوها فعذبها الله لذلك.
وفي هذا دلالة واضحة على أن تعذيب الحيوان بلا سبب معصية تستوجب العقاب، وكذلك قتله إذا لم يكن مؤذيا. وهذا يدخل في عموم قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «٢» ، وفيه إشارة إلى جواز اتخاذ الهرة وربطها إذا لم يهمل طعامها وشرابها.
ولا يدل الحديث على إحباط عمل صالح إن كان لهذه المرأة بإماتتها الهرة جوعا، بل لكل حسنة ثوابها، ولكل جريمة عقابها، فإن كان لها من الحسنات ما يغمر الجريمة شملها قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ «٣» ، وإذا كان هذا جزاء من يعذب الحيوان الأعجم فما بالك بمن يصب على الناس وابلا من شروره وآثامه، بل ما ظنك بمن يؤذي إخوانه الذين تربطه بهم رابطة الدّين أو القرابة أو المصاهرة أو الجوار أو الاتحاد في العمل أو غيرها من الروابط؟.
فالحديث يتوعد بالعذاب الشديد من يؤذي الحيوان ويوجب علينا الإنفاق عليه أو تركه يسعى في رزقه.
١٩- باب: أداء الحقوق
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال النّاس
стр. 40
يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» . [رواه البخاري وابن ماجه «١» وغيرهما] .
من الناس من يقترض الأموال لحاجة من حاجته. عازما على أدائها في الموعد المضروب، أو حين يقع في يده مال، فهذا يؤدي الله عنه ديونه فيفتح له من أبواب الرزق ما لم يكن يحتسبه مكافأة على نيته الصالحة، وعزمه المحمود، على أن لتلك الإرادة أثرا في اكتساب الرزق فإنها لا تزال بصاحبها تدفعه إلى تلمس أبواب المكاسب، والبحث عن طرق المال، حتى يهتدي إليها، ويؤدي ديونه ومثل هذا من يشتري من التجار طعامه وشرابه وحاجياته الآخرى، أو بضاعة يتجر فيها إلى أجل وليس بيده ما يدفعه نقدا. فإن عزم على الأداء والوفاء يسّر الله له المال حتى يوفي بما عاهد.
أما من استقرض أو اشترى شيئا دينا أو طلب إلى الناس أن يودعوه أموالهم، أو استعار، أو استأجر عينا عازما على الجحود والإنكار. أو الإتلاف والإهلاك فإن الله تعالى يتلفه؛ فيوقعه في خبث نيته وسوء طويته، ويفتح له من أبواب النفقات ما يذهب بماله، طارفه وتليده «٢» ، أو يسلط عليه من البلايا والمصائب ما يستأصل ملكه، أو يرسل إليه جيشا من الأمراض الفتاكة يعمل في نفسه وأهله وولده ما يحرمهم لذة الحياة ونعيمها إلى عذاب في الآخرة شديد. وهل رأيت أكرمك الله من اغتنى وتنعم في مال غيره المغضوب؟ ولئن ضحكت له الدنيا أياما أو سنين استهزاء به، واستدراجا له لهي كاشرة له عن أنيابها. ثم تلتهمه التهاما. أو تستلب ما كنز من أولاده وأحفاده استلابا: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «٣» ، وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ «٤» فالنية الصالحة. والإرادة الصادقة لها أثرها في كسب المال. والهداية لسبله؛ والنية الخبيثة جائحة المال. ومبددة الثروة. والقاضية علي صاحبها بالفقر
стр. 41
والمتربة. بل بالهلاك والخسار؛ فلا تستدن إلا عند الحاجة؛ وإن استدنت فاعزم على الوفاء. ومهد لتنفيذ العزم بتذليل الأسباب. والبحث عن مسالك المال.
وحذار أن تأخذ أموال الناس في صورة استدانة؛ وطوية نفسك غصب وسرقة؛ وانتهاب وخيانة؛ فتكون غشاشا لمن أعانك؛ بل تكون منافقا تبدي للناس غير ما تضمر؛ ولا تنس قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «١» .
فالحديث يحض على الإخلاص في النية؛ وعلى أداء الحقوق؛ ويتوعد من يضمر الشر؛ ويستلب الأموال بالطرق الخفية. وإنه ليؤذن أولئك التجار الذين يملأون مخازنهم بالبضاعات يشترونها لأجل. وفي نيتهم أن يعلنوا الإفلاس بعد أن تمتلىء جيوبهم- يؤذنهم بالخسار والبوار. بل يؤذنهم بحرب من الله لا قبل لهم بها.
فليتقوا الله في أموال الناس ليرزقهم من حيث لم يحتسبوا وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً «٢» .
٢٠- باب: المماطلة في أداء الحق
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مطل الغنيّ ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملىء، فليتبع» . [رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه «٣» ] .
اللغة:
المطل: في الأصل: المد، يقال: مطلت الحديدة أمطلها مطلا إذا مددتها لتطول. وقال الأزهري: المطل: المدافعة. والمراد به هنا تأخير ما استحق اداؤه بغير عذر. والغني هنا: من قدر على الأداء ولو كان فقيرا. والمليء: الغني المقتدر مأخوذة من ملؤ الرجل ملاء وملاءة إذا اغتني.
стр. 42
وقال صاحب المختار: المليء الثقة ويقال: الملي بلا همز تسهيلا. والإضافة في مطل الغني من إضافة المصدر لفاعله. وقيل من إضافته لمفعوله وهو بعيد.
الشرح:
مما يحقق الثقة بالمرء أداؤه لحقوق الناس ولو لم يكن من كبار المثرين. ومما يزلزل الثقة أو يزيلها تلكؤه في أداء الحقوق ولو كان في مقدمة الأغنياء الموسرين.
والثقة رأس مال كبير تسهّل للمرء طرق أبواب التجارة وإن كان ماله قلا «١» .
وتقرّب إليه جيوب الناس وخزائنهم وإن لم يكن مليا. فلا جرم حذرنا الرسول ﷺ مما ينزع الثقة بالمرء من نفوس الناس وهو المماطلة. ولقد عرّف علماء الأخلاق العدل بأنه إعطاء كل ذي حق حقه. ولما كانت مماطلة الغني القادر على الدفع وتأخره في أداء الحقوق منعا للحق عن صاحبه عدها الرسول ﷺ ظلما فالمماطل ظلم غيره بتأخير حقه بدون عذر. بل ظلم نفسه إذ حرمها الثقة، وعرضها للطعن والثلب في الحياة الدنيا، ولعقوبة الله في الحياة الآخرى. فمن كان مدينا في تجارة، أو في متاع اشتراه، أو كان قبله حقوق لرعيته أو لمن تحت يده إن كان ملكا أو أميرا أو رئيسا أو وزيرا أو كان عليه نفقة لزوجه، أو والده أو ولده، أو قريبه أو عبده، أو كان عليه زكاة أو ضريبة مشروعة، وحل موعد الدفع وتلكأ «٢» والمال في جيبه أو تحت يده- كان ظالما- بل قال بعض الفقهاء: لو أمكنه الاكتساب لسداد الدّين فتركه كان ظالما فاسقا. فالواجب على المستطيع بأي طريق كان أداء الحق متى حل أجله. ولو لم يطالبه به أهله. بل لو أمكنه الدفع قبل الموعد بادر إليه تبرئة لذمته. ورحمة لنفسه من ذل الدّين وهمه. وربما عسر عليه غدا ما تيسر له الساعة. والمال غاد ورائح. أما إن كان عاجزا عن الأداء فليس بظالم. بل لا يعد مماطلا. والواجب على الدائن في هذه الحال- إن كان له دين- وفي قلبه رحمه.
أحد أمرين: إما مهلة وإما صدقة وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٣» .
стр. 43
وإذا قلنا: إن الإضافة في مطل الغني على معنى مطلك الغني فمعنى العبارة أنه يجب وفاء الدّين ولو كان مستحقة غنيا. فلا نتخذ من غناه ذريعة لمماطلته، وإذا كان تأخير ديون الأغنياء ظلما فالفقراء من باب أولى.
ولقد أمر الرسول الله ﷺ الدائن إذا أحاله المدين على غني مليء موسر قادر- أن يقبل هذه الإحالة، وأن يتبع الذي أحيل عليه بالمطالبة حتى يستوفي حقه، وإنما أمره بالإتباع إذا أتبع تنجية للمدين من الظلم أو الإشراف عليه بالمماطلة، وتعجيلا لإستيفاء حقه بلا مساوفة «١» ، ولقد قال أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر. إنه يجب على الدائن قبول الإحالة على الملىء عملا بهذا الأمر.
قال الجمهور: إن الأمر هنا للاستحباب وأي مانع يمنعك أيها المسلم الرحيم من أن تلزم نفسك القبول، وفي ذلك خيرك وخير أخيك؟ إنه لا مانع إلا المعاكسة والمشاكسة «٢» وليست من أخلاق المؤمن.
وقد استدل بهذا الحديث على اعتبار رض المحيل والمحال دون المحال عليه لعدم التعرض لذكره، وبذلك قال جمهور الفقهاء، وعن الحنفية والاصطخري من الشافعية اشتراط رضاه أيضا.
وكذلك استدل به على أن المعسر لا يحبس، ولا يطالب حتى يوسر لأنه لو جازت مؤاخذته لكان ذلك لظلمه والفرض أنه غير ظالم لعجزه، وقيل: يحبس وقيل:
يطالب وقد قدمنا لك حكم القرآن في ذلك، أما المماطل فنسلك معه كل سبيل حتى يصل ذو الحق لحقه، ولو كان بالإيذاء له أو الحبس.
فأد الأمانات لأهلها، ولا تكن ظلوما، واعمل على تحقيق الثقة بك، وارحم المدين العاجز وأمهله أو تصدّق عليه، ولا ترفض ما ينفع غيرك وينفعك، أو ينفعه ولا يضرك ودع النزاع والخصام وأحل محلهما الألفة والوئام إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ «٣» .
стр. 44
٢١- باب: واجب الرؤساء نحو مرؤسيهم
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته، الإمام راع ومسؤول عن رعيّته، والرّجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيّته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيّتها، والخادم راع في مال سيّده ومسؤول عن رعيّته» . قال:
وحسبت أن قد قال: «والرّجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيّته، وكلّكم راع ومسؤول عن رعيّته» . [رواه البخاري ومسلم والترمذي «١» ] .
اللغة:
الراعي: الحافظ المؤتمن. وبعبارة أخرى من إليه تدبير الشيء وسياسته وحفظه ورعايته مأخوذ من الرعي وهو الحفظ. والرعية: كل ما يشمله حفظ الراعي ونظره. وحسبت: ظننت.
الشرح:
ما من إنسان إلا قد وكل إليه أمر يدبره ويرعاه. فكلنا راع وكلنا مطالب بالإحسان فيما استرعيه ومسؤول عنه أمام من لا تخفى عليه خافية، فإن قام بالواجب عليه لمن تحت يده كان أثر ذلك في الأمة عظيما. وحسابه عند الله يسيرا وثوابه جزيلا.
وإن قصر في الرعاية. وخان الأمانة أضر بالأمة وعسر على نفسه الحساب.
وأوجب لها المقت والعذاب. فإن فرّ في الدنيا من يد الإدارة، أو النيابة، أو برأه القضاء، أو لم يكن تقصيره داخل في حدود القوانين القائمة فإن حساب الله آت، وعقابه بالمرصاد. وكل امرىء بما كسب رهين.
فإمام الناس من ملك أو أمير- راع كفيل. وحافظ أمين مسؤول عن أهل مملكته أو إمارته. فعليه إقامة العدالة فيهم؛ وردّ الحقوق لأربابها. واحترام حرياتهم في دائرة
стр. 45
الحق والأدب واستشارتهم في الأمور، والإستماع لنصائحهم والذود عن كرامتهم، والحرص على مصالحهم، والدفاع عن حقوقهم، وفتح الأبواب لمعايشهم، وتذليل السبل لتنمية ثروتهم. والضرب على أيدي المفسدين والتنكيل بالمجرمين الخائنين، والعمل على قطع الفساد في الأرض، ومنع الجرائم منها- إلى غير ذلك مما ترقي به الأمة. وتسلم من الأضرار. وإن الإمام المسؤول أمام الله عن أمته وجماعته، يسأل عن كل فرد فيها. وعن كل عمل من أعمالها. يسأل عن ثروتها موردا ومصرفا. وعما عمل لمصلحتها وسلك لسعادتها بل يسأل عن حيوانها: ماذا صنع لراحته. وتخفيف مشقته. وبعبارة أوجز: بقدر ما في يده من الشؤون وما وكل إليه من الأمور يكون الحساب. وتكون المسؤولية. فلا يله ذو منصب بمنصبه عن القيام بواجبه. ولا يغترن الرؤساء بمظاهر الرياسة من الحيطة والكياسة. وإعداد العدة لحساب أحكم الحاكمين.
كذلك الزوج أو رب الأسرة راع في أسرته. ومؤتمن على من تحت ولايته فعليه التعليم لهم والتثقيف، والتربية والتهذيب، بنفسه أو بوساطة ماله حتى يكونوا كملة في الأخلاق، أئمة في الآداب، سواء في ذلك بنوه وبناته وإخوته وأخواته وزوجه وخدمه. وفي مقدمة التهذيب تعليمهم فرائض الدّين. وتأديبهم بأدب العليم الحكيم.
وتأديبهم له من طريق عمله. أجرى «١» عليهم من كلمة. وعليه الأخذ بهم عن طريق الدنايا. والإبتعاد عن مواطن الريب. ومياآت الفتن. وعليه أن يقدم لهم مسكنا مناسبا. وطعاما وشرابا موافقا. ولباسا في دائرة الأدب والحشمة وزينة لا تدعو إلى الفتنة. كل ذلك في غير تقتير ولا إسراف. بل يسلك طريق الاقتصاد ليدّخر لهم ما يكون عدّة للشدائد، وسعة في المضايق، وتركة تقيهم ذل المسألة وتحفظ عليهم الكرامة. وليكن في بيته عينا راعية وأذنا واعيّة. يتفقد الأمور ويتحرى المصالح ويقيم العدل في رعايا هذه المملكة الصغيرة. وليعلم أن الله سائله عن زوجه: هل عاشرها بالمعروف. وقام لها بالحقوق ولم يخنها في غيبته؟ وسائله عن ولده: ماذا صنع في نفسه. وما عمل في ماله. وعن أقربائه الذين هم تحت كنفه: ماذا قدّم لهم وكيف واساهم فليعدّ الجواب الحسن من عمله وخلقه وكرم رعايته وحسن ولايته يا أَيُّهَا
стр. 46
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ «١» .
وكذلك المرأة في بيت زوجها راعية، ومؤتمنة موكلة وربة مملكة، رعيتها البنات والبنون. والزوج الرؤوم. والبيت وما وعى. والمال والخدم. فلتكن للأولاد خير مربية. ولزوجها خادما طائعة. وفي بيتها حكيمة مدّبرة. وعلى المال قائمة راعية حافظة له منمية ولخدمها قدوة صالحة، ترشدهم إلى الواجب. وتهداهم إلي الصالح.
تهذب من أخلاقهم. وتقوم بواجبهم. تراقب سيرتهم وترعى نفوسهم ولا تهجر في زجرهم «٢» . وبعبارة أخرى: نريد من المرأة بيتا نظيفا منظما. وولدا صحيحا مؤدبا ومالا مرعيا وطعاما شهيا وثمرا جنيا. وطاعة لزوج في معروف. وأدبا في منطق وكمالا في نفس. ونظافة في بدن وزي. وفي ولد وخدم فإن فعلت ذلك فنعمت الراعية. ونعمت من ترعى وإن المرأة مسؤوله أمام الله عن هذه الرعية: أقامت بواجبها أم قصرت في حقها فإن كان القيام فروح وريحان وجنة نعيم. وإن كان التقصير فنزل من حميم وتصلية جحيم فليتق الله نساؤنا ولا يكن كل همهنّ الطعام والشراب، وزيارة الأحباب، والتفنن في الزينات، والمشي في الطرقات.
أما البيت وتدبيره، والولد وتقويمه؛ والزوج وشؤونه فلا عناية ولا رعاية. ذلك شين في الدين. الخطر فيه كبير. والوزر عظيم والحساب عليه عسير.
كذلك الخادم راع في مال سيده، وحافظ مؤتمن، فليرعه كما يرعى ماله. ينميه بما استطاع. ويحفظه من الضياع، يرحم حيوانه ويرأف به، ويتفقد صالحه وخيره، أليس من هذا المال يطعم ويشرب ويلبس ويسكن؟ أليس منه يتخذ الأجر؟ فلم لا يكون فيه أمينا، وعلى تثميره حريصا. وإذا كان مكلفا برعاية المال فما بالك برعاية الأهل والولد. فلا يخن سيده في ماله، أو ولده أو أهله. وليبعد عنهم الدنس والدنايا ولينصح لسيده في كل ماله صلة به والدين النصيحة وليعلم أن الله سائله عن رعيته.
كذلك الولد راع في مال أبيه يستثمره وينميه، ويحفظه ويرعاه، فلا يبذره تبذيرا، ويبدده تبديدا، ولا يخونه فيه بالسرقة أو الإغتصاب، أو الكذب عليه في
стр. 47
الحساب. وهل مال أبيه إلا ماله؟ فإن رعاه فإنما يرعى لنفسه، ويدبر لمستقبله وسيسأل الله الأبناء عما صنعوا في مال الآباء فليتقوا الله فيه، وليعملوا ما يحمدون عليه.
وكلنا راع، وكلنا مسؤول عن رعيته. فالعمدة راع في بلده. ومسؤول عن رعيته، والمأمور راع في مركزه، ومسؤول عن رعيته، والنائب أو الشيخ راع في دائرته، ومسؤول عن رعيته، ورئيس النواب أو الشيوخ راع في مجلسه، ومسؤول عن رعيته، والناظر راع في مدرسته، ومسؤول عن رعيته، والمدرّس راع في فصله، ومسؤول عن رعيته، وكل رئيس راع في مصلحته، ومسؤول عن رعيته، والصانع راع في صنعته، ومسؤول عن رعيته، والتاجر راع في تجارته، ومسؤول عن رعيته، والزارع راع في مزرعته، ومسؤول عن رعيته.
فالحديث دعامة كبيرة في القيام بالواجبات والحقوق. والإحسان في الأعمال والرعاية لما تحت اليد؛ وإنه ليقرر مسؤولية كل فرد فيما وكل إليه من نفوس وأموال ومصالح وأعمال.
٢٢- باب: وجوب صلاة الجماعة
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب، ثمّ آمر بالصّلاة فيؤذّن لها، ثمّ آمر رجلا فيؤمّ النّاس، ثمّ أخالف إلى رجال فأحرّق عليهم بيوتهم، والّذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنّه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» . [رواه البخاري ومسلم والنسائي «١» ] .
اللغة:
الهم: العزم أو ما دونه. ويحتطب: يكسر. ويؤم الناس: يصلي بهم
стр. 48
إماما وأخالف: أتخلف أو آتي من الخلف. أو ذهب إلى من تخلف. والتحريق:
المبالغة في الحرق والعرق: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، وجمعه عراق، وهو جمع نادر. ويقال: عرقت العظم واعترقته وتعرقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك.
وقال الأصمعي: العرق قطعة لحم. والمرماة: ظلف الشاة وقيل ما بين ظلفيها من اللحم. وتطلق المرماة على: سهم صغير غير محدد يتعلم به الرمي وهو أبخس السهام وأدناها.
الشرح:
مما شرعه الإسلام أداء الصلوات جماعة في المساجد لحكم بالغة، ومزايا جمة. ذلك أن القيام بها تأليف بين المسلمين وجمع لقلوبهم في أكبر عباده مهذبة للنفوس، مرقية للشعور، مذكرة بالواجب، معلقة الآمال بالكبير المتعال.
وفيها يقف الأمير بجانب الصغير، والغني بجانب الفقير. فتتساوى الرؤوس كما تساوت الأقدام في الصفوف. وإذ ذاك تنسى مظاهر الترف التي كثيرا ما فتنت الناس.
وفيها يتعلمون من الإمام الدّين بطريق عملي أو نظري بما يزودهم به من النصائح عقب الصلوات. وفيها معنى الوحدة. والتمرين على الأعمال المشتركة. والتدريب على مواقف الحرب تحت إمرة قائد واحد. وفي صلاة الجماعة أيضا حركة بالسعي إلى المساجد. فيزول الكسل ويحلو العمل. وفيها سهولة إعلام الناس بالأمور العامة- والحوادث المهمة- إلى غير ذلك من مزاياها.
فلما كانت بهذه المثابة أكد الرسول ﷺ طلبها، وحتم على الرجال حضورها.
فالرسول ﷺ يقسم بمن نفسه بيده، وروحه بقدرته، يتصرف فيها كما يشاء أنه قد همّ وعزم، وقدّر وصمم أن يأمر بعض الناس بإحضار حطب يحطم ويكسر ليسهل اشتعال النار فيه. ثم يؤمر بعض الناس بإحضار حطب يحطم ويكسر ليسهل اشتعال النار فيه. ثم يأمر بالصلاة يؤذن بها المؤذن. ثم يتخير من بين الحاضرين رجلا يؤم الناس في الصلاة نيابة عنه. ويتخلف هو إلى رجال في منازلهم قعدوا عن صلاة الجماعة. وتركوها بلا عزر. فيحرق عليهم بيوتهم بالحطب الذي يحطب. فيذهب الحريق بنفوسهم وأموالهم عقابا لهم على ترك هذه الشعيرة.
ثم أعاد الرسول ﷺ القسم تأكيدا وتثبيتا، وقال: لو يعلم أحد هؤلاء المتخلفين أن في الذهاب إلى المسجد شيئا حقيرا من متاع هذه الحياة يأكله أو ينتفع به لحضر
стр. 49
صلاة العشاء التي هي من أثقل الصلوات على ضعفاء النفوس لظلام الطريق. واقتراب موعد النوم. والميل فيه إلى الراحة من عناء الأعمال طوال النهار. وقد مثل الشيء الحقير بظلف الشاة- نعلها الطبيعي- أو بعظم به بقايا لحم أو بلحيمة. وبسهمين دقيقين حسنين، يتعلم بهما الصبيان الرماية. وقيمتها ضئيلة. يعني بذلك الرسول أن هذا المتخلف لو وجد في الحضور إلى المساجد منفعة دنيوية يسيرة لهرول «١» إليها، فهو ضعيف الإيمان. غافل عن مزايا الجماعة. مؤثر لعرض هذه الحياة على ما عند الله.
والحديث كما ترى فيه وعيد شديد لتاركي صلاة الجماعة؛ وأنه همّ بقتلهم، وتحريق بيوتهم ولعله منعه من التنفيذ أن غرضه مجرد التهديد، أو نساء وصبيان يسكنون بيوتهم لا ذنب لهم ولا جريرة.
ومن أجل هذا الوعيد ذهب عطاء والأوزاعي، وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان إلى أن صلاة الجماعة فرض عين.
بل بالغ داود بن علي وأتباعه من الظاهرية، فاشترطوا الجماعة لصحة الصلاة بناء على أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها، وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية إذا قام بها جماعة سقطت عن الباقين، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه وكثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة.
وأجابوا عن حديثنا بجملة أجوبة لا تسلم من قدح «٢» ، وأمثلها أن المراد بالصلاة الجمعة. واستدلوا لذلك بالتصريح بها في رواية لمسلم، ولكن جاء التصريح بالعشاء في روايات كثيرة صحيحة، ومن الأجوبة الأحاديث المفصلة لصلاة الجماعة على صلاة الفرد كحديث «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة» ، وفي رواية: «بخمس وعشرين» - رواه البخاري «٣» عن أبي هريرة. فقالوا: إن الأفضلية
стр. 50
تقتضي الإشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.
والحديث يدل على جواز أخذ مقتر في الجرائم على غرة لأنه ﷺ همّ بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بصلاة الجماعة، فأراد أن يبغتهم «١» في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد.
ويدل أيضا على تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسر ذلك أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأغلظ من العقوبة.
فاحرص أخي على صلاة الجماعة؛ ولا تدعها إلا لعذر قوي، ولا يشغلنك عنها لعبة، أو أكلة، ولا تتساهل في حق الله كما لا تقصر في حق نفسك، وكن لبيت الله معمرا، ولمصلحة إخوانك راعيا. كما راعى رسول الله ﷺ مصلحة صحبه وحملهم على القيام بالواجب. ولو ناداك عظيم لبيت نداءه. وهرولت نحوه لتنفذ إشاراته. فالله يناديك: حي على الصلاة: حي على الفلاح ويثني لك النداء فلا تجيب نداءه؟ ألا تهرول إلى الجماعة؟ ألا تعدو إلى التشرف بلقائه. والتلذذ بمناجاته في ذلك الجمع العظيم. من أولي النفوس الطاهرة؟ أكبر ظني أنك مجيب وكيف؟ وأنت الفطن اللبيب.
٢٣- باب: معاونة الإخوان في الدين
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» . [أخرجه البخاري؛ ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي «٢» وقال: حسن صحيح] .
стр. 51
اللغة:
يقال: أسلم فلان فلانا إذا ألقاه إلي الهلكة، ولم يحمه من عدوه. وهو عام في كل من أسلمته إلى شيء لكن غلب على الإلقاء في الهلكة. والكربة: الغم الذي يأخذ بالنفس. وتفريجها: كفها وإزالتها.
الشرح:
المراد بإخوّة المسلم للمسلم توثق العلاقة بينهم كتوثقها بين إخوة النسب توثقا يترتب عليه المحبة والمودة، والمواساة والنصر. وجلب كل خير ودفع كل ضر، ومن مقتضى الأخوة أنه لا يظلمه ولا يسلمه، وظلمه انتقاص حقه في نفسه أو ماله أو عرضه؛ طيبا أو فاسقا؛ فالظلم باطلاقه محرم؛ وقد نهى عنه القرآن في مواضع كثيرة، وفيه يقول الرسول ﷺ : «الظلم ظلمات يوم القيامة» - رواه الشيخان «١» - وإسلامه خذلانه وتركه لعدوه ينكل به، أو يقضي عليه؛ وإذا كان الإنسان يحمي أعضاءه مما يضرها فليحم أخاه المسلم الذي اعتبره الشارع كعضو منه فلينصره ظالما أو مظلوما؛ ونصره ظالما منعه من ظلمه.
وقوله: ومن كان في حاجة أخيه إلخ حث على السعي في مصالح الناس سواء كانت مصالح مالية؛ أو علمية، أو أدبية؛ وقد دلت هذه العبارة على أن الوقت الذي ينفقه الإنسان في قضاء مصالح لغيره لا يضيع عليه؛ بل القدير العليم الذي بيده خزائن السموات والأرض يسعى في قضاء حاجاته، فهو إن بذل للإنسان قليلا نال به من الله خيرا كثيرا، فليستعن المرء على قضاء حاجته بقضاء حاجات الناس، وهذا المعنى يدخل في عموم قوله تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ «٢» ، وكذلك ما بعده؛ وقوله: «ومن فرج عن مسلم كربة» إلخ، حض على السعي في دفع البلايا التي تحل بالمسلمين في الحياة الدنيا؛ فمن أصابته مسغبة بذلت له من مالك أو حثثت الأغنياء على معونته؛ ومن بلي بالعطلة سعيت له في عمل، ومن حاق به ظلم ظالم رفعت عنه الظلم ما وجدت لذلك سبيلا، ومن انتابه مرض داويته؛ أو أحضرت له طبيبا؛ وعلى
стр. 52
الجملة تسعى لإخوانك في إزالة النوائب أو تخفيفها؛ وقد ضمن الله لفاعل ذلك رفع الكرب عنه يوم القيامة؛ وكرب يوم القيامة شديدة لا تماثل كرب الدنيا؛ فليس لدرئها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا معونة تقدمها في الدنيا لذوي الحاجة؛ وقوله: «من ستر مسلما» ، إلخ حث على ستر زلات أخيه المسلم إذا اطلّع عليها؛ وظاهر هذا الإطلاق يشمل كل زلة صغيرة أو كبيرة مما يوجب الحسد كسرقة وزني وشرب خمر أو لا، فستر الجميع مطلوب، ولكن للعلماء في ذلك تفصيل فقالوا، إذا رأى المجرم أثناء ارتكابه الجريمة تقدم إليه منكرا، ومنعه منها ما استطاع، فإن تركه كان آثما لأنه لم يقم بواجب النهي عن المنكر، ويعتبر كمساعد له على الجريمة، والله يقول: وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ «١» ، وإن عرف الجريمة بعد ارتكابها فإن كان مرتكبها من المعروفين بالإجرام وجب عليه تبليغ أولي الأمر «الإدارة أو النيابة» ما لم يخش من ذلك مفسدة راجحة لأن الستر في هذه الحال يدعوه إلى التمادي في الإجرام، ويجرىء غيره من أهل الفساد على الطغيان، وإن لم يعرف بالإجرام فالستر عليه مستحب، ويجوز له تبليغ أولي الأمر، ولا يكون بذلك آثما ما لم يعرف أنه تاب وأقلع، فإن التبليغ يحرم عليه وقد قالوا: إن جرح الشهود والرواة والأمناء على الأوقاف والصدقات وغير ذلك من باب نصيحة المسلمين الواجبة على كل من اطّلع عليها. ولا يعتبر ذلك من باب الغيبة، ولا من قبيل هتك العورة.
ومدار البحث في هذا الموضوع أن النهي عن المنكر واجب قولا فلا تمكن شخصا من ارتكاب جريمة أو إتمامها إن استطعنا، وأن العورة أو السيئة إذا كان في الإخبار بها مصلحة للمسلمين أو دفع مضرة عنهم وجب التبليغ لمن يملك التأديب، وإن كان في الإخبار مجرد الفضيحة ولا مصلحة من ورائه فينبغي الستر خصوصا على الذين لم يعرفوا بالفساد.
واعلم أن هناك عيوبا خلقية، مستورة عن عيون الناس؛ ويؤلم الشخص أن تعرف عنه، فالواجب على من اطلع عليها ألا يذيع أمرها فإن الإذاعة إيذاء والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
وقد وعد الله سائر العورات بالستر عليه يوم القيامة، فلا يفضحه على رؤوس
стр. 53
الأشهاد، بل يتجاوز عن سيئاته بما قدم من حسناته؛ ولو فسرنا ستر المسلم بسكوته لم نبعد، ولكن الأول أظهر.
٢٤- باب: نصر الظالم والمظلوم
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . قالوا: يا رسول الله هذا ننصر مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ فقال: «تأخذ فوق يديه» . [رواه البخاري ومسلم والترمذي «١» ] .
الشرح:
الإخوة في الدين رابطة متينة؛ وعلاقة وثيقة؛ توجب على المرء السعي في خير أخيه؛ من طريق المساعدة على الخير، والمنع من الشر إن أراده أو سلك طريقه وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ- ترجع- إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «٢» .
ولقد أمرنا الرسول ﷺ بنصر الأخ ظالما أو مظلوما، فالمظلوم في حقه أو ماله نمنع عنه الظلم، ونرفع الحيف، بكل ما نستطيع من الوسائل، فإن كان الكلام مجديا في ارعواء «٣» الظالم عن ظلمه آثرناه، وإن كان القضاء هو السبيل لاسترداد الحق المسلوب ساعدناه بالمال رسما للقضايا وأجرا للمحامين، ومكافأة للخبراء، وإن كان لا يرتدع عن بغيه إلا بشكايته على صفائح الجرائد سننا له القلم، وسودنا له الصحائف؛ وإن كان غشوما «٤» لا تردعه إلا القوة سلكنا سبيلها، والمضطر يركب الصعاب؛ والقصد أن تكون يدنا إلى يد المظلوم حتى يأخذ حقه، ويبرد غضبه وتطمئن نفسه.
стр. 54
أما نصر الظالم فربما خلته مساعدته على ظلمه، أو مجاراته في عدوانه كما كان العرب يصنعون في عهد الجاهلية.
إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم ... على القوم لم أنصر أخي حين يظلم
وكما يصنع أولو العصبية والجهالة، المتهالكون في الحزبية؛ ينصرون شيعتهم بالحق وبالباطل، وليس نصر الظالم ذلك؛ بل تمنعه من الظلم؛ فإن أراد استلاب مال أخذت بيديه وإن أراد اغتصاب حق حلت بينه وبينه؛ وإن أراد البطش ببريء ضربت على يده إن كانت يدك أقوى منها. وتراعي الحكمة في المنع لئلا ينقلب ظالما لك؛ وقد يكون شديد النكاية. وأنت ضعيف الرماية فإن كانت النصيحة رادعة سلك سبيلها؛ فإن لم تكن مجدية فاستعن عليه بمن هو أعلى منه.
ممن يخشى بأسه، أو يرهب سلطانه، أو يرجو مصلحة عنده، فلا يكن في ذلك رادع فاستعمل معه القوة ما قدرت عليه حتى يعود إلى حظيرة الحق، ويستقيم على النهج وإنما سمى الرسول ﷺ ذلك نصرا وإعانة مع معاكسة وعداوة لأن ظلمه إضرار بنفسه في حياته الحاضرة، يعرضها للعقوبات القضائية ويشين سمعتها بين البرية، ويدنسها بالعيش من الحرام واستمراء الحقوق ويعرضها لعقوبة الله في الحياة الآخرة، بل في الحياة الدنيا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ «١» ، فمن أراد قتل نفس عدوانا وظلما إذا أرخيت له العنان حتى ارتكب هذا الجرم الكبير عرض نفسه للقصاص، واستلاب الحياة، فأعقب ذكرى سيئة وتاريخا أسود؛ ورمّل زوجه، ويتّم ولده، وأساء إلى أسرته، وكان مثلا سيئا في الباقين، فإذا منعته من جرمه، وضربت بسيفك على يده حفظت له الحياة، وأبقيت على ذكراه، وأنجيت أهله وولده وحفظت الشرف على أسرته؛ فكان ذلك نصرا مؤزرا، بل كنت له الصديق في ثوب العدو والحريص على خيره في لباس الراغب في شره.
فيا أيها المسلم لا تجعل للظلم بين المسلمين وجودا، ولا ترى فيهم ظالما أو مظلوما بل اعمل على تمتع كل امرىء بحقوقه، وطمأنته على شؤونه، وآثر «٢» الحق
стр. 55
والخير. وإن أغضبت الجهول، فإنه لك بعد نعم الشكور. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
٢٥- باب: تعاون المؤمنين
عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا، ثمّ شبّك بين أصابعه» . [رواه البخاري ومسلم والترمذي «١» ] .
البيت مكون من جدران اتصل بعضها ببعض، والجدار مكون من لبنات أو طوب أو حجارة، وللقطعة منها في الجدار من القوة والمتانة ما ليس لها خارجة إذ شدت إلى ما حولها بالشيد «٢» ، وكان لها سند من جميع نواحيها، ولهذا يصعب تحريكها في جدارها، بل يصعب تكسيرها، أما خارج الجدار فليس لها مناعة وقوة فكسرها سهل، ونقلها أسهل، وكذلك الجدار إذا كان قائما وحده. وعمره قصير تزلزله حوامل الأثقال إذا مرت بجانبه، وتهزه العواصف الشديدة، أو تطرحه أرضا فإذا ما اتصل بغيره من طرفيه حتى كانت في الجدار حجرة. وكان من الحجرات منزل أو عمارة؛ رسخ في مكانه وصلب في مقامه، ولا تؤثر فيه الحوادث إلا بقدر، فالجدار وحده ضعيف، وبأمثاله قوي شديد.
ذلك مثل المؤمن للمؤمن، فهو معه كالبنيان يشد بعضه بعضا فالمؤمنون شأنهم التعاون والتناصر، والتظاهر والتكاتف على مصالحهم الخاصة والمصالح العامة:
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ «٣» ، أما التفرق والتخاذل فلا يعرفه الإيمان، وليس من الدّين في شيء فإن كان التعاون كانت القوة
стр. 56
للمسلمين، والشوكة للموحدين؛ يستخدمونها في التنكيل بعدوهم، حتى يستردوا حقوقا مغصوبة وأرضا منقوصة، أو يرهبون بها من يحدثهم جشعهم باستلاب ملكهم، واستعمار بلادهم، فلا يقدمون على ما عزموا وبيتوا وقدروا، أو يسخرونها في الانتفاع بخيرات هذا الكون، وتذليل عناصره، بعمل الجمعيات، وإنشاء الشركات، وإقامة النقابات، وبقدر ما بين المسلمين في أنحاء الأرض من حسن الصلات، ووثيق العلاقات تكون قوتهم، وثبات ملكهم؛ وقيامه خالدا.
وإن كثرت الزلازل، وتوالت العواصف، وأجمع الأعداء من أمرهم. وأجلبوا علينا بخيلهم ورجلهم، وإن كان التخاذل والتدابر والتقاطع وتبديد عرا الإخاء، وانصراف كل إلى نفسه وهواه وشهرته. كان الضعف والإنحطاط، والفشل والخور.
فضيحة من عدونا، وإبراق وإرعاد، يزلزل ملكنا، ويذهب بمجدنا، ويجعلنا أذلاء في ديارنا؛ بل ضعفاء في ديننا. فلا دنيا حصلنا ولا دينا أقمنا؛ ولا ثوابا آجلا ضمنا فخسرنا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين؛ والذئب إنما يأكل من الغنم القاصية التي تركت جماعتها واستقلت عن فصيلتها.
ولقد مثل الرسول ﷺ اتحاد المسلمين ومعونة بعضهم لبعض بالتشبيك بين أصابعه. وإدخال بعضها في خلال بعض، ولا شك أن ذلك يزيد في متانة كل إصبع ويعطي كل يد قوة إلى قوتها؛ كذلك المسلمون إذا تضامت «١» أيديهم، وتظاهرت «٢» قواهم، وتحابّت نفوسهم؛ وتساندت أممهم، زادوا قوة، وخلقوا لهم عزة فدانت الأمم لسلطانهم وخضعت لأمرهم وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ «٣» .
فيا أيها المسلمون ذلكم رسولكم، وأسوتكم وإمامكم، يرشدكم إلي سلاح ماض وجيش غلاب، وعدة عتيدة. تنفعكم في البأساء والضراء، وتدفع عنكم الأعداء وتزيل عنكم الاستعباد، وترد إليكم العزة الماضية، والكرامة الراحلة، وتبوّئكم المكانة العالية ذلكم هو سلاح الائتلاف، والاتحاد والوفاق، سلاح ضم اليد إلى
стр. 57
اليد. ومعونة الأخ للأخ، وترك النزاع جانبا، والعداء ظهريا. فاستمعوا لإرشاده، واعملوا بنصحه فإنه من يطع الرسول أطاع الله، ومن يعصه عصاه واذكروا قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً «١» ، وقوله: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ «٢» .
٢٦- باب: دعوة المظلوم
عن عبد الله بن عباس ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ بعث معاذا إلى اليمن، فقال «اتّق دعوة المظلوم، فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب» . [رواه البخاري ومسلم «٣» ] .
اللغة:
الحذر. وأصله اتخاذ الوقاية مما يضر. والحجاب: الحاجز المانع حسيا أو معنويا. وهو في الأصل مصدر حجبه يحجبه حجبا وحجابا إذا منعه وستره.
الشرح:
هذا الحديث قطعة من وصية وصى بها رسول الله ﷺ معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن سنة عشر قاضيا عليها. أو واليا قال له: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلي أن يشهدوا ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم.
نفائسها. واتق دعوة المظلوم ... » . إلخ.
دعوة المظلوم على ظالمه دعوة حقة، وإنها لانتصار من ظلمه: وَلَمَنِ انْتَصَرَ
стр. 58
بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ «١» ، وهي دعوة حارة سخنت من نار الغضب صادرة من أعمال النفس، فكانت في السماء متصعدة، شأن الهواء إذا سخن بعيدة المدى، شأن القنبلة إذا أطلقت من مدفع بعيد الغور، فما تزال تشق أجواء الفضاء لا يحجبها حاجب ولا يردها صادر حتى تصل إلى السماء، فتخترق طبقاتها، وتنفذ من بنائها، فيتقبلها ربها بردا وسلاما لمن دعا، ونارا وجحيما لمن ظلمه، وكأن الرسول ﷺ استنبط هذا المعنى من قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً «٢» ، فالدعوة مشروعة بقوله: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، ومقبولة مسموعة بتعقيب الاستثناء بقوله: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً، وقد جاء في حديث رواه أحمد بسند حسن: قبول دعوة المظلوم وإن كان فاجرا، وأن فجوره على نفسه لا يقف دون دعوته. وجاء في الحديث أن إجابة الدعاء على ثلاث مراتب إما أن يجاب الداعي إلى ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله، فلا تعجب إذا لم تجب إلى عين ما طلبت وقد ظلمت، فإن الله عليم حكيم قد تقتضي حكمته عدم الإجابة إلى ما سألت وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٣» .
وقد حذّر الرسول ﷺ واليه وعامله، وبعيثه وقاضيه من دعوة المظلوم، وأمره أن يتخذ من دونها وقاية، وما اتقاؤها إلا بتجنب أسبابها، فلا يظلم أحدا ممن تحت ولايته في نفسه إيذاء، أو في ماله بانتقاص كأن يأخذ في الزكاة كرائم أمواله، ونجائب «٤» حيوانه، دون الوسط من ذلك، فيوغر صدره ويسن لسانه؛ ويبعث بدعوة المظلوم من قلبه، ولا يحابي في عمله الأغنياء، ويعرض عن الفقراء، ولا يعفو عن ظالم لمكانة أو وجاهة، ولا يقبل رشوة أو شفاعة أو باطل، وإن كان قاضيا تجنب المحاباة ووزع المساواة، وأخذ للضعيف من القوي وتحرى الحق في قضائه، والعدل في أحكامه. إلى غير ذلك من آداب الولاة والقضاة، فليكن قاضي الجنة، والإمام العادل الذي يظله الله في يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 59
فيا أيها القضاة والولاة، ويا أيها الحكام والرعاة، خوّلكم الله رعية وجعل تحت أيديكم حقوقا وأمانات، فاتقوا الله فيها؛ وأدوا الأمانات لأهلها، ولا تنقصوا أحدا حقه، ولا تبخسوا عاملا عمله؛ ولا تسلبوا مجدا أمله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً «١» واعلموا أن من ظلمتم أو خذلتم فالله ناصره ومعينه؛ ووليه وكفيله؛ وإنه لمتقبل دعوته، ومستمع شكايته؛ ومنتقم ممن ظلمه؛ وآخذ له منه حقه، فاتقوا الدّيان؛ واحذروا النكال: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ «٢» .
٢٧- باب: جزاء من اغتصب أرضا
في اغتصاب الأراضي عن عائشة ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين» . [رواه البخاري ومسلم «٣» ] .
اللغة:
القيد بكسر القاف: القدر كالقاد والقيس والقاس؛ فكلها بمعنى واحد؛ والتطويق: وضع الطوق في العنق، ويقال: للتكليف والإلزام.
الشرح:
هذا الحديث روي عن عبد الله بن عمر أيضا بلفظ: «من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين» «٤» .
وكذلك روي عن سعيد بن زيد في قصة حكاها مسلم: قال سعيد: إن أروى خاصمته في بعض داره، فقال: دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة اللهم إن كانت كاذبة
стр. 60
فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها» «١» ، قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول:
أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها.
الظلم حرام قليله وكثيره؛ وسرقة الأرض وغصبها باب من أبواب الظلم، شبرا كان المأخوذ أو ذراعا، قصبة كان أو فدانا، ملكا للأفراد أو من المنافع العامة لما رواه أبو يعلى بإسناد عن الحكم بن الحارث أن رسول الله ﷺ قال: «من أخذ من طريق المسلمين شبرا جاء يوم القيامة يحمله من سبع أرضين» »
. فالذين يأكلون من الطرق الخاصة أو العامة في المباني أو المزارع أو يأخذون من جسور السكك الحديدية أو من شواطىء الأنهار والترع كل أولئك ظلمة غصبة، وكذلك الذين يغيرون معالم الضياع أو أراضي البناء، ويزحزحون حدودها عن أماكنها ليضموا إلى ملكهم من أملاك غيرهم وقد بين الرسول ﷺ أن من ظلم مقدار شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين، أي ألزم إثم ذلك، ولم يكن له مفر من عقابه فليس معنى التطويق أن يجعل ذلك طوقا بوم القيامة يحيط بعنقه، أو أن يكلف نقل تراب ذلك الشبر من سبع أرضين تعذيبا له فإن ذلك مرّ في ذوق اللغة في هذا الموطن وأشباهه، وإنما الغرض لزوم الإثم له لزوم الطوق، وأخذ العذاب الشديد بخناقه، وليس العقاب على سطح ما أخذه ليزرع فيه أو يا بني عليه فقط، بل العقاب على ما اغتصبه بالغة في جوف الأرض وطبقاتها أقصاها، وهذا يفيد أن السفل تابع للسطح كما أن العلو تابع له، ولذلك استنبط الفقهاء من هذا الحديث أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارة ثابتة، وأبنية ومعادن. وعيون ومنابع. وغير ذلك وله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بجيرانه. فإنه لا ضرر في هذا الدّين ولا ضرار. وله أن يمنع من يريد حفر
стр. 61
بئر أو سرداب تحت أرضه ليسلكه أو ليسير فيه عربات أو قطارات. وكذلك له منع الأنابيب وأسلاك البرق والكهرباء أن تمدّ تحت ملكه. والمراد بالأرضين هنا: طبقات الأرض السبع التي نبّه إليها القرآن اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ «١» ، وليعلم القارىء أن الاعتداء على الحدود كثيرا ما سبب مشاكل خطرة، وقضايا عدة. بل كثيرا ما أريقت فيه دماء. وأنفقت في سبيله خزائن الأموال. فلو أنّ الناس عملوا بهذا الحديث ووقف كل عند حدّه. ما وقعنا في هذه البلايا. بل لأرحنا الحكومة. وخففنا عن مصلحة المساحة ولم تثقل عبء المالية بما تنفقه من مئات الآلاف في سبيل إقامة الأعلام الحديدية. بل كنا نقتصد ذلك من هذا الباب. لينفق في أبواب أخرى كتعبيد الطرق، وشق الترع، وإقامة السدود والقناطر، وغير ذلك مما يساعد على تنمية الثروة، ويخفف عن الفلاح عبأه.
وبعد: فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وفي الدنيا نزاع وعداوة، ومتلفة وخسارة والطمع غبه الندم، فلا تدنس نفسك الطاهرة برجسه. ولا تفسد أرضك بشبره فتنتابها الأمراض الزراعية، ويرسل الله عليها من جنوده الخفية. فإذا بالثمر قليل وإذا بالقليل ذاهب البركة، وقليل في عفة، خير من كثير في نهمة.
٢٨- باب: لا يحل القضاء حراما ولا يحرم حلالا
عن أمّ سلمة زوج النّبيّ ﷺ أنّه سمع خصومة بباب حجرته. فخرج إليهم، فقال: «إنّما أنا بشر، وإنّه يأتيني الخصم، فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنّه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحقّ مسلم فإنّما هي قطعة من النّار، فليأخذها أو ليتركها» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود «٢» ] .
стр. 62
اللغة:
الخصومة: المنازعة والمجادلة، وفي بعض الروايات جلبة، خصام، والجلبة: اختلاط الأصوات، والبشر: الخلق يقال للجماعة والواحد، والخصم المنازع وهو في الأصل اسم مصدر يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، والذكر والمؤنث ويجوز تثنيته وجمعه، وأبلغ أكثر بلاغه. وللمتقدمين في بيان البلاغة عبارات مختلفة. فقيل: هي أن يبلغ المرء بعبارة لسانه كنه ما في قلبه. وقيل: إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ. وقيل: قليل لا يبهم وكثير لا يسأل. وقيل: إجمال اللفظ واتساع المعنى وقيل: حسن الإيجاز مع إصابة المعنى. وقيل: الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطأ. وقيل: النطق في موضعه والسكوت في موضعه وقيل:
غير ذلك وأنسب المعاني بحديثنا أولها.
أما المتأخرون فعرفوها بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته وأحسب: أظن. هذا وقد جاء في رواية للشيخين: «ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» «١» . أي أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره. وأصل اللحن الميل عن جهة الاستقامة يقال: لحن فلان في كلامه إذا مال عن صحيح المنطق. وجاء في رواية لأبي داود زيادة: فبكى الرجلان وقال كل منهما حقي لك. فقال لهما النبي ﷺ : «أما إذا فعلتما فاقتسما، وتوخيا الحق. ثم استهما ثم تحاللا» «٢» .
الشرح:
كان لأزواج الرسول ﷺ حجرات بجوار مسجده المعروف. ومن بينها حجرة أم سلمة.
فبينما النبي ﷺ في حجرتها إذ سمع ببابها نزاعا ومحاورة، وخصاما ومجادلة.
ارتفعت فيها الأصوات. واختلط بعضها ببعض، وكان ذلك على إرث قديم كما صرّح بذلك في رواية.
فخرج إلى الخصوم رسول الله ﷺ وقدم لهم هذه العظة البالغة، قبل أن يقضي
стр. 63
في الشجار، ويفصل في النزاع، فقال لهم: «إنما أنا بشر مثلكم» ، إمتثالا لأمر ربه قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا «١» فلا علم لي بالغيب ولا ببواطن الأمور كما يزعم الجاهلون إلا ما يوحي إليّ ربي من آي القرآن وأمور التشريع، وأما الوقوف على دخائل النفوس وخفايا الأمور فأنا وسائر الناس فيه سواء لنا ما ظهر وإلى الله ما بطن، فإذا حضر مجلسي الخصوم لأفصل بينهم في نزاع قائم فربما كان بعضهم أشد بيانا من بعض، وأقوى تأثيرا، وأقوم قيلا، وأقدر على صوغ الحجج. وتوضيح المشتبه. وجلاء الغامض. لذرابة «٢» لسان وقوة بيان. وطول مران. وحدة ذهن.
وسرعة بديهة والآخر دونه في ذلك، فلا يحسن البيان والخصام. والحوار والدفاع.
وقد يكون الحق في جانبه والصدق في قوله ولكن عيه وضعفه ستر معالم حقه. وبيان الأول وبلاغته جلى دعواه، وألبسها ثوب الحقيقة. وقد تكون دعوى باطلة، وقضية مزوّرة، فيغلب على ظني، ويقع في نفسي صدق من علا بيانه وقوي حجاجه «٣» ، وهو في الباطن كاذب، فأقضي له بما ادعى، فمن قضيت له بحق أخيه في الإنسانية مسلما أو ذميا، معاهدا أو حربيا- فذكر المسلم من باب التهييج لالتزام الحق فإنما أقضي له بقطعة من نار إذ كان في الواقع حق غيره لا حقه، فهو معذب به لا محالة، فإن رآه الآن مالا ونفعا فسيراه في الآخرة نارا ولهبا، فإن شاء فليأخذ ما حكمت به، وإن شاء فليترك، فإن أخذ فالنار موعده، وإن ترك فلعل الله مسامحه فالأمر هنا للتهديد مثله في قوله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» «٤» .
والحديث كما ترى أصل كبير في المحاماة والقضاء، وتبين لك المهم من أحكامه:
١- المحاماة عن الباطل إثم كبير .
وفي ذلك يقول القرآن: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً.
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
«٥»
стр. 64
فإن انضم إلى ذلك استخدام القوة الخطابية، والمواهب النفسية في إظهار الحق في معرض الباطل. ورسم الباطل في مظهر الحق كان الإثم أشد، والجرم أكبر أما أن تستخدم البلاغة، وقوة العارضة في نصرة الحق وإزهاق الباطل، في عبارة سياجها الأدب. منزهة عن التشهير بالخصم والثلم للعرض فذلك ما لا حرج عليك فيه. بل لك من الله أجر الدفاع، وثواب الإقناع.
وإذا كان قضاء الحاكم بالباطل لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا فبأي وجه يستحل المحامون أجر الدفاع عن الباطل إذا وقفوا على الحقيقة قبل التوكيل أو في أثناء المرافعة. ليعلموا أن الحياة الدنيا متاع، وأن ما عند الله خير وأبقى، وأنه لا يبقى على الحرام ملك، ولا يضيع عند الله حريص على حق.
٢- من ادّعى حقا أمام القاضي، وعجز عن إثباته
، وطلب يمين المدعي عليه فحلف، فبرّأه القاضي، وهو في الحقيقة مدين- لم يبرأ عند الله ولم يحل له بذلك حق أخيه. فلو تمكن المدعي من إثبات دعواه بعد وجب على القاضي الاستماع لبينته. ونقض الحكم الأول، فإن الحق قديم والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وكذلك لو ادّعى إنسان على آخر مالا، أو ادعى زوجية امرأة لم ترض به زوجا، أو ادّعى على رجل تطليقه لزوجته؛ وأقام البينة على ذلك، وكانت في الظاهر بينة عادلة، فحكم بها القاضي، وهي في الواقع كاذبة مزورة؛ لم يحل له المال، ولم يكن له حقوق الأزواج، ولم تحرم المدعي طلاقها على زوجها بل المدعي مؤاخذ بعلمه ومعاقب على كذبه، ولا يرفع عنه حكم القاضي الذي أداه إليه اجتهاده.
٣- يدل الحديث على أن الرسول ﷺ قد يخالف قضاؤه الواقع
، وليس ذلك بمناف لمقام النبوة، ومبدأ العصمة. فإن ذلك في المبادىء التشريعية؛ والأحكام الدينية، التي هي قانون عام للناس يرجعون إليه في كل العصور؛ فهذه لا يخطىء فيها؛ وإن أخطأ- بأبي هو وأمي- على رأي من يرى له الاجتهاد في سن الأحكام الشرعية نزل عليه وحي الله بالصواب، إذ هو أسوة للناس وقدوة، فلا يقرّ على الأخطاء، وإن كانت من غير قصد، أما الأحكام القضائية فقد يكون فيها الخطأ، لا في مبادئها، ولكن في طرقها فقد يحكم ببينة يراها عادلة والواقع أنها فاسقة؛ وقد
стр. 65
يحكم بيمين خالها «١» صادقة وهي غموس «٢» كاذبة وقد يحسن أحد الخصمين الدفاع والبيان؛ فيحسب الحق في جانبه؛ فيحكم له والحق لصاحبه، فمثل هذا القضاء يجوز من الرسول ﷺ كما يجوز من غيره؛ والقضاء ينفذ فيه ظاهرا لا باطنا فلا يحرم حلالا، ولا يحل حراما؛ فإن كان القضاء طبق الواقع نفذ ظاهرا وباطنا.
فيا أيها المسلم لا تسلك إلى الباطل الحيل؛ ولا تأكل الإثم وإن قضت به لك المحاكم؛ أو عجز صاحب الحق عن رفع دعواه لفقده الرسوم، أو لأنه يخشى بأسك وسلطانك، أو لأنه تعوزه البينة والدليل، واجعل لعلمك قيمة فاعمل به وإن خالفه القضاء، واعلم أن الله رقيب عليك، يعلم سرك وجهرك، وباطلك وحقك، وهو أولى بالخشية؛ وأجدر بالرعاية وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ «٣» .
وأما أنت أيها القاضي فليكن لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فإذا تقدم إليك الخصوم، وقد جدّ بينهم النزاع فتقدم إليهم بالموعظة الحسنة. والمقالة المؤثرة، عسى أن يرجعوا عن خصامهم، ويعترفوا بالحق فيعودوا من مجلسك إخوانا متصافين، ولنصحك شاكرين.
٢٩- باب: حق الطريق
عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «إيّاكم والجلوس على الطّرقات» - في رواية بالطرقات- فقالوا: ما لنا بدّ إنّما هي مجالسنا نتحدّث فيها. قال: «فإذا أبيتم إلّا المجالس فأعطوا الطّريق حقّها» .
قالوا: وما حقّ الطّريق؟ قال: «غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السّلام؛ والأمر بالمعروف، والنّهيّ عن المنكر» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود «٤» ] .
стр. 66
اللغة:
إياكم: كلمة تستعمل للتحذير. والطرقات: جمع طرق. وهذه واحدها طريق. فالطرقات: جمع الجمع. والبد: المناص والمهرب والعوض. والإباء:
الإمتناع. والغض: النقصان من الطرف والصوت وما في الإناء يقال: غض وأغض.
والكف: المنع.
هذا وقد جاء في روايات أخرى. حسن الكلام وهداية الضال، وتشميت العاطس إذا حمد، وإغاثة الملهوف، وإعانة المظلوم، والمساعدة على الحمولة وذكر الله كثيرا فتلك سبع إلى خمس.
الشرح:
نهى رسول الله ﷺ صحبه عن الجلوس على الطرقات على المساطب أو الأرائك، أو الكراسي. أو على الأرض بجانب الحوائط مفروشة وغير مفروشة.
فقالوا للرسول ﷺ : ما لنا بد منها. ولا غنى لنا عنها. لأنها مجتمعاتنا وأنديتنا. التي نتحدث فيها بشؤوننا. ونتذاكر في مصالحنا. في دنيانا وديننا. ونروّح عن نفوسنا.
ويسرّي بعضنا عن بعض مما ألمّ بنا، فتركها يشق علينا، وكأنهم فهموا أن النهي للتنزيه «١» ، ولا يراد به التحريم. لأنهم لم يعهدوا من الرسول ﷺ تحريم نافع، ولا إباحة ضار، أو أن النهي لمعنى متصل بالمجالس، لا لنفسها وذاتها، وقد يكون في إمكانهم مجانبة المعنى الذي من أجله كان النهي ولذلك راجعوا الرسول ﷺ ذاكرين أنها مجالس محادثة ومذاكرة، ومؤانسة ومجاملة، فلم ينهون عنها؟ ولو علموا أن النهي عزمة من العزمات ما راجعوه ولكانوا أول من يمتثل، كما عهدناهم في مواطن كثيرة؛ ينفذون بمجرد الإشارة؛ فما بالك بصريح العبارة؟.
ولقد أجابهم الرسول ﷺ بما يدل على أن النهي ليس لذات المجالس وإنما هو من أجل حقوق الطريق التي يتعرض لها الجالس؛ وقد يقصر فيها؛ فيبوء «٢» بإثمها؛ فقال لهم: «إذا أبيتم إلا المجالس؛ ورغبتم عن غيرها إليها؛ تجلسون فيها وتتسامرون فأعطوا الطريق حقها» . فسألوه عن حقها؛ شأنهم في استبانة الغامض؛ واستفصال المجمل؛ فبين لهم حقوقها.
стр. 67
فأولها: غض البصر:
فإن أرسلته لتعرف سائر، أو تمتع بمنظر فاتن؛ من خضرة ناضرة؛ ومياه جارية؛ وسماء صافية؛ وصور متحركة- فلا ترسله إلى السيدات، والفتيات المارات، مشبعا بجراثيم الشهوة، محملا ببواعث الفتنة فإن ذلك الذي حرم القرآن بقوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ «١» ، وإذا كان النظر إليهم محرما فما بالك بمن يلفظ بالهنات، ويقول المفظعات ويرمي المحصنات الغافلات؟ إن وزره لكبير، وإثمه عند الله عظيم، وكما تحرم عليك النظرة المسمومة للسائرات كذلك تحرم للاتي يطللن من خدورهن ويبرزن من فتحات دورهن لقضاء مصلحة؛ ولترويح نفس ضائقة؛ كذلك لا ترسل البصر ساخرا بالناس؛ أو حاسدا أو زاريا أو غاضبا؛ بل كفّ منه، وأرسل منه؛ فكفه عن الحرام؛ وأرسله في الحلال.
وثانيها: كف الأذى:
فلا تؤذ سائرا بلسانك أو يدك؛ فتشتمه أو تسبه؛ أو تنهال عليه ضربا باليد أو العصا من غير ما جرم اجترمه «٢» ، ولا ذنب اقترفه، ومن الإيذاء سلبه شيئا مما يحمله من غير أن تطيب به نفسه، أو إراقة الماء في طريقه حتى تزلّ به الأقدام، أو وضع عقبات في الطريق يعثر فيها المشاة؛ أو إلقاء قاذورات، أو أشواك تضر بالسابلة «٣» ، أو تضييقه الطريق بمجلسه أو قعوده حيث يتأذى الجيران فيكشف نساءهم، ويقيد عليهم حريتهم كل ذلك وأضرا به مما يجب كفه، والعمل على إبعاد المارة منه.
وثالثها: رد السلام:
فإن ذلك فريضة محكمة «٤» ، وسنة متبعة. وإنه رسول الألفة وداعية المحبة، ولا تسأم كثرته من المارين. فإن كلا يتحبب به إليك ويحييك ويكرمك، أفلا تجيب التحية بمثلها أو خير منها؟ أفلا تود من وادك، وتكرم من كرمك؟ ذلك خلق الكريم أفلا تكونه؟.
ورابعها وخامسها: الأمر بالمعروف النهي عن المنكر:
وإن ذلك لواجب مقدس للمسلم على أخيه المسلم؛ فإذا رأيت عربة ذات حمل ثقيل. ناء بجرها البهيم، أو رأيت حيوانا حمل فوق طاقته فانه عن هذا المنكر، ومر السائق بالتخفيف، وإذا رأيت
стр. 68
سائرين يتسابان أو يتقاتلان فمرهما بالكف وإذا رأيت شابا يعاكس فتاة ويعترضها في طريقها فانصح له بالاستقامة، فإن أبى إلا بالصفع أو بالأخذ إلى القسم فافعل ما استطعت في غير تهور ولا إضرار بك؛ وإن رأيت من يبخس الكيل، ويطفف «١» الميزان فمره بالعدل أو سلّمه إلى الشرطي، وإن رأيت من يعبث بحديقة الجار أو ببعض حاجاته فحل بينه وبين العبث، وإن رأيت من يبيع طعاما عفنا، أو شرابا أسنا «٢» - فاضرب على يده- إلى غير ذلك مما يقترفه المارة ويجترمه الباعة.
أما سبع الروايات الآخرى:
فأولها: حسن الكلام
، فإن سألك طارق في بعض شؤونه فأرهف له أذنك؛ وأجبه بعبارة حشوها الأدب، وأرشده بهوادة ولطف، ولا تتلقه بالخشونة وتجاوبه بالفظاظة، ولا ترفع من صوتك مع جلسائك. ولا تهزأ. ولا تقل هجرا ولا فحشا، ولا تهوش على جيرانك فتؤذيهم في بيوتهم، أو تقضهم في مضاجعهم.
وثانيها: هداية الضال
فمن استهداك الطريق فاهده. ومن رأيته ضل المحجة «٣» فأقمه على صراطها. وإن رأيت كفيفا فخذ بيده أو وصله إلى مقصده.
وثالثها: تشميت العاطس
فإذا حمد مولاه فقل له: يرحمك الله تدعو له بالرحمة والمغفرة. فتجلب من وده. وتزيد في أنسه. فتشميته الدعاء له وكل داع بخير فهو مشمت.
ورابعها: إغاثة الملهوف
. وقد قدمنا القول فيه في الحديث العاشر.
وخامسها: إعانة المظلوم .
فتأخذ بيده حتى يصل إلى حقه.
وسادسها: إعانة الحمولة
فإن رأيت حيوانا زلّ بحمله. أو فرسا عثر في عدوه.
أو عربة إنقلبت. أو سيارة وقفت. أو فرغ منها الوقود فخذ بيد الكابي حتى يرجع سيرته الأولى. فإن زل إنسان حاملا أو شاغرا «٤» فهو أولى بالمعونة.
стр. 69
وسابعها: ذكر الله كثيرا
حتى يكون لك منه باعث على الخيرات. ومبغض في السيئات. ومرغب على القيام بحق الطرقات.
فتلك اثنتا عشرة خصلة هي حقوق الطريق التي يطالب بها كل جالس فيه، بل يطالب بها من أطل من شرفات منزله. ومن جلس في طنوفه «١» ، ومن جثم في متجره أو مصنعه بحيث يرى السابلة، والساكنون تجاهك في الطبقات العلوية أو السفلية أولى بمراعاة الأدب. وتجنب الضرر. وللجار من الحقوق أضعاف ما للسالك.
وقد استدل بالحديث من قال: إن ما نهى عنه الشارع سدا للذريعة يجوز للمرء فعله إذا أمن شره. وجانب ضره. وإن كان الأولى تركه ابتعادا عن بواعث الفتنة. ونأيا عن المزلة وذلك أن الرسول ﷺ نهاهم عن الجلوس أولا حسما للمادة فلما أبوا إلا الجلوس بيّن لهم مواضع الخطر. فإن تجنبوها فلا عليهم إن جلسوا. واستدل به على أن دفع المفاسد مقدّم على جلب المصالح إذ نهاهم الرسول ﷺ إتقاء للأخطار وإن كان في الجلوس شتى المنافع.
فيا أيها الأخ إن آنست في نفسك القيام بالواجبات، فلا عليك أن تجلس في الطرقات على المقهى أو أمام المسكن، أو دون المتجر، تستنشق الهواء وتستدفىء بالشمس؛ أو ترتاد غير ذلك من المصالح، وإن خشيت عدوان نفسك عليك، ومغالبتها لك. وطغيان شهوتك على عقلك. وشيطانك على ملكك فدعها إلى داخل منزلك: أو إلى السير في الهواء الطلق. أو الجو الدافىء تسلم من المعاطب وتفز بطيب الرغائب.
٣٠- باب: إكرام المماليك والخدم
عن المعرور بن سويد قال: «رأيت أبا ذر الغفاريّ ﵁ وعليه حلة، وعلى غلامه حلّة، فسألته عن ذلك، فقال: إنّي ساببت رجلا فشكاني إلى النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : «أعيّرته بأمّه؟ إنّك امرؤ فيك جاهليّة» . ثمّ
стр. 70
قال: «إنّ إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم: فإن كلّفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
الحلة: الكسوة ولا تسمى بذلك إلا إذا كانت ثوبين من جنس واحد.
وقد نقل بعض أهل اللغة: أن الحلة لا تكون إلا ثوبين جديدين يحملهما من طيهما فأفاد أنها من الحل. والغلام: الطار «٢» الشارب. وساببته: وقع بيني وبينه سباب من السب وهو الشتم الوجيع. والتعيير النسبة إلى العار وهو العيب. وفي بعض الروايات: وكانت أمه أعجمية فنلت منها والأعجمي من لا يفصح باللسان العربي أعجميا كان أو عربيا. وفي رواية: قلت له. يا ابن السوداء. والجاهلية: الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام وقد شرحناها قبل. والخول: الخدم سموا بذلك لأنهم يتخولون الأمور أي يتعهدونها ويصلحونها. ومنه الخولي: لمن يقوم بإصلاح البستان. ويقال: إن الخول جمع خائل وهو الراعي. وقد يطلق الخول على الواحد.
والتكليف. تحميل النفس ما فيه كلفة ومشقة.
الشرح:
المعرور بن سويد لقي أبا ذر بالربذة- موضع بالبادية بينه وبين المدينة ثلاث مراحل- وعليه حلة. وعلى خادمه مثلها. فسأله. كيف يلبس خادمه مثل ما يلبس. وذلك غير معهود. فأجابه ببيان السبب. وأنه حصل بينه وبين شخص سباب ومشاتمة. وأنه عايره بأمه وعابه بها وقال له. يا ابن الأعجمية أو يا ابن السوداء. أو ما شاكل ذلك من الكلمات. فشكاه إلى النبي ﷺ فقال له الرسول ﷺ أعيرته بأمه؟
منكرا عليه ذلك إذ الأم لا دخل لها في الخصام، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «٣» ، وقال له: إنك امرؤ فيك جاهلية أي خصلة من خصالها التي قضى عليها الإسلام أن تعتدي في الخصام. فتجاوز الخصم إلى أبيه وأمه وما لها من ذنب إليك، ثم أوصاه هذه الوصية القيامة التي رفعت من شأن الخدم إلى درجة المخدومين والسادة.
стр. 71
فبين الرسول ﷺ أن الخدم والمماليك إخوان في الدّين أو في الإنسانية.
وكان الظاهر أن يقول: خولكم إخوانكم. ولكن قدّم ما أصله التأخير اهتماما بالأخوة. وأنه لا ينبغي أن تنسيها الخدمة. وهل الخدمة إلا إعانة. فكيف تجعلها سبب تحقير وإهانة؟ إن الأخوة وحدها داعية التبجيل والإكرام. فكيف إذا انضمت إليها الخدمة. والمعونة والمساعدة؟ كنت تحسب أنك تطعم الخادم وتسقيه، وتكسوه وتؤويه أو تنقده أجرا على خدمته، فلا تنسى أنه يقوم لك بأمور، أنت مضطر إليها في حياتك، وكثيرا ما تعجز عن معالجتها، والقيام بها، فهو يكمل نقصك، ويوفر عليك وقتك، ويحقق غرضك، وتصور الوقت الذي تفقد فيه الخادم كيف تعتل أمورك، ويقف دولابك، ويختل النظام وتتعسر الحاجات؟ فالذي يكفيك شؤونك، ويحقق مصالحك جدير بمعونتك، خليق برعايتك، فهؤلاء الخدم الإخوان جعلهم الله تحت يدك، ومكنك منهم بالملك أو الأجر، وصاروا مسخرين لك طواعية وأخيارا، فالواجب عليك العناية بهم. والإحسان إليهم وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى ... أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ «١» ، فتطعمهم من جنس ما تطعم فلا تعد لهم طعاما دون طعامك، ولا عيشا دون عيشك، وكيف تستمرىء «٢» طعاما يطهوه الخادم ويعده، وعينه إليه ناظرة، ويده فيه عاملة فتأكله كله، ولا تبقي له بعضه، أما تخشى سم عينيه؟ فإن كان طبيخك لحما وأرزا، وخضارة وحلوى فأبق له من كل، ولا تحرمه من بعض، وخل عنك الكبر والتعاظم، فلولا هذا ما طعمت الشهي، ولا شربت الهني، وكذلك تلبسهم مما تلبس، وإن لم يكن مثله من كل الوجوه، فإن المدار على المواساة.
وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه» «٣» - رواه البخاري.
فالغرض أن تكون نفوسهم قانعة؛ وبحالهم راضية؛ وقد نهانا الرسول ﷺ أن
стр. 72
نكلفهم من الأعمال ما يشق عليهم، ويهد من قوتهم، أو يستفرغ جهدهم «١» ، بل التكليف بالسهل المستطاع الذي لا يسأمه الخادم، فإن كلفناهم بالشاق وجب علينا أن نعينهم بنفوسنا أو بخدم إلى خدمنا والحديث نصر للعمال، وأخذ بيد الخادم والغلمان؛ ورفع لمستواهم وتنبيه لهم إلى حقوقهم قبل ساداتهم؛ وإرشاد لأرباب البيوت أن يقفوا منهم موقف العدالة. ولا يتناسوا رابطة الأخوة. ولا تبادل المنافع؛ وفيه النهي عن سباب للخدم وعدم التعرض لآبائهم وأمهاتهم بما يسوؤهم. أو يحط من قدرهم.
وبعد: فهذه اشتراكية الإسلام وهذا موقفه نحو الأرقاء. وهذا حرصه على مصلحة العمال. فهل بعد هذا رقي في دين؟
٣١- باب: أكبر الكبائر
عن أبي بكرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر- ثلاثا» - قالوا: بلى يا رسول الله قال: «الإشراك بالله. وعقوق الوالدين» ، وجلس، وكان متّكئا فقال: «ألا وقول الزّور» ، قال: فما زال يكرّرها حتّى قلنا: ليته سكت. [رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي «٢» ] .
اللغة:
نبأه وأنبأه: أخبره بمهم. وبلى: حرف تصديق مثل نعم؛ وأكثر ما تستعمل بعد الاستفهام، والعقوق: الإيذاء والعصيان، أصله من العق: وهو الشق والقطع والزور الباطل. وأصله تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل لمن سمعه أنه بخلاف ما هو به.
الشرح:
الذنوب درجات؛ فما فحش ضرره فكبيرة؛ وما زاد فحشه فأكبر
стр. 73
الكبائر، وما قل ضرره فهو الصغيرة، وكل حرّم الله، ومنع مقارفته، والرسول ﷺ وسلم يعرض على حاضريه تحديثهم بأكبر الكبائر؛ وفي هذا العرض لفتهم إلى ما يحدّث به؛ وصرف آذانهم لسماعه؛ وقلوبهم لوعيه وقد كرر كلمة العرض ثلاث مرات حتى يزدادوا تنبهيا، ويتوجهوا إليه توجها، فقالوا: نعم يا رسول الله حدثنا بأكبرها؛ فحدثهم الرسول ﷺ بثلاث.
أولها: الشرك بالله: واتخاذ الأنداد والوسطاء، والأولياء والشفعاء، ودعاؤهم في الملمات كما يدعي وعبادتهم كما يعبد. والتقرب إليهم بالقرابين والنذور وضروب التقديس. وتلك أكبر جريمة أن تجعل لمن خلقك ندا. أن تشرك به ما لا يملك ضرا ولا نفعا. ولا حياة ولا موتا. أن تشرك به أمواتا غير أحياء عجزة غير أقوياء. أن تشكر من لا نعمة له عليك ولا يد له واصلة إليك؛ أن تعبد وهما وخيالا.
وتدعو أسماء أن تنادي من لا يسمع ولا يبصر. وربك أقرب إليك من حبل الوريد.
قد فتح أبوابه للسائلين. ووعد بالإجابة للداعين؛ فادع الله وحده مخلصا له الدين.
وصدق بعملك. قولك لربك إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ «١» ، واذكر قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٢» . وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً «٣» ، وقوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ «٤» .
وثانيها- عقوق الوالدين: وإيذاؤهما بالقول أو العمل. فسبهما وشتمهما بل قول أف لهما عقوق وقطيعة. وكذلك عصيان أمرهما. والتلكؤ في قضاء شؤونهما.
ومد اليد بالسوء إليهما. كل ذلك عقوق. ونكران للجميل. نعم إن دعواك إلى الإشراك، أو عصيان الخلاق فلا تطعمهما. وإن وجب عليك البر بهما. وحسن المصاحبة لهما وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ «٥» ، واعلم أن الله تعالى قرن
стр. 74
الإحسان إليهما بالقضاء له بتوحيده في العبادة إذ يقول: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً «١» ، وأمرك بالقول الكريم، والصنع الجميل. والدعاء لهما بالرحمة. فلا تضع الإساءة موضع الإحسان. ولا الكفران مكان الشكران؛ واعلم أن الله لا ينظر يوم القيامة إلى ثلاثة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر؛ والمنان- روى ذلك النسائي والحاكم وصححه ابن حبان «٢» .
وقد قرر العلماء وجوب طاعتهما في المباحات فعلا وتركا واستحبابها في المندوبت وفروض الكفاية كذلك؛ ولقد استأذن امرؤ رسول الله ﷺ في الجهاد فأبى الإذن له إلا بعد استرضاء والديه؛ فإياك أن تهمل في حق من ربياك صغيرا.
وثالثهما- قول الزور والباطل: وقد أكبر الرسول ﷺ خطره؛ وأعظم جرمه؛ إذ جلس له بعد اتكائه؛ اهتماما بشأنه، وصدّر قوله بأداة التنبيه؛ وكرّر كلمته حتى شق على نفسه؛ وبدأ الغضب في وجهه؛ وتمنى أصحابه لو سكت؛ شفقة عليه ورحمة به؛ كما كان بهم رؤوفا رحيما، وقول الزور قرنه القرآن بالشرك في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ «٣» ، وجاء في ضمن أوصاف عباده المخبتين «٤» ، قوله: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ «٥» .
وقول الزور يشمل شهادة الباطل؛ والحكم الجائر؛ ورمي الأبرياء بما هم منه براء؛ والقول على الله بغير علم؛ فكل ذلك داخل في قول الزور؛ هذا وإن شاهد الزور يسيء إلى نفسه؛ إذ يبيع آخرته بدنيا غيره. ويسيء إلى من شهد له بإعانته على ظلمه؛ وإلى من شهد عليه بإضاعة حقه؛ وإلى القاضي بإضلاله عن المحجّة «٦» ، وإلى الأمة بزلزلة الحقوق فيها؛ وعدم الإطمئنان عليها. ومن الخزي الفاضح أن يكثر بيننا من يشهدون زور لمجرد صداقة أو رجاء. أو نظير مبلغ يسير يتقاضونه. أولئك الذين
стр. 75
خربت ذممهم. وخبثت نفوسهم. ولم يخالط الإيمان قلوبهم. أولئك قرناء المشركين وإخوان الشياطين.
٣٢- باب: اليمين الفاجرة
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين صبر» ، وفي رواية «يمن كاذبة ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» ، وفي رواية «فليتبوّأ مقعده من النّار» ، فأنزل الله تصديق ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا «١» إلى آخر الآية فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما حدّثكم أبو عبد الرّحمن، فقالوا:
كذا: قال فيّ أنزلت: كان لي بئر في أرض ابن عم لي: فجحدني فقدّمته إلى رسول الله ﷺ فقال: «بيّنتك أو يمينه» ؛ وفي رواية: فقال لي: «شهودك قلت: ما لي شهود» ، قال: «فيمينه» ؛ فقلت إذن يحلف ويذهب بمالي؛ فقال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر ... إلخ» [رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن «٢» وغيرهما بعبارات متقاربة] .
اللغة:
يمين الصبر: هي التي ألزم بها صاحبها. وحبس عليها وكانت لازمة له من جهة الحكم. والفجور: شق ستر الديانة مأخوذ من الفجر، وهو شق الشيء شقا