← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9763

الأدب النبوي

محمد عبد العزيز الخولي

Полный текст (300 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فبين الرسول ﷺ أن الخدم والمماليك إخوان في الدّين أو في الإنسانية. وكان الظاهر أن يقول: خولكم إخوانكم. ولكن قدّم ما أصله التأخير اهتماما بالأخوة. وأنه لا ينبغي أن تنسيها الخدمة. وهل الخدمة إلا إعانة. فكيف تجعلها سبب تحقير وإهانة؟ إن الأخوة وحدها داعية التبجيل والإكرام. فكيف إذا انضمت إليها الخدمة. والمعونة والمساعدة؟ كنت تحسب أنك تطعم الخادم وتسقيه، وتكسوه وتؤويه أو تنقده أجرا على خدمته، فلا تنسى أنه يقوم لك بأمور، أنت مضطر إليها في حياتك، وكثيرا ما تعجز عن معالجتها، والقيام بها، فهو يكمل نقصك، ويوفر عليك وقتك، ويحقق غرضك، وتصور الوقت الذي تفقد فيه الخادم كيف تعتل أمورك، ويقف دولابك، ويختل النظام وتتعسر الحاجات؟ فالذي يكفيك شؤونك، ويحقق مصالحك جدير بمعونتك، خليق برعايتك، فهؤلاء الخدم الإخوان جعلهم الله تحت يدك، ومكنك منهم بالملك أو الأجر، وصاروا مسخرين لك طواعية وأخيارا، فالواجب عليك العناية بهم. والإحسان إليهم وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى ... أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ «١» ، فتطعمهم من جنس ما تطعم فلا تعد لهم طعاما دون طعامك، ولا عيشا دون عيشك، وكيف تستمرىء «٢» طعاما يطهوه الخادم ويعده، وعينه إليه ناظرة، ويده فيه عاملة فتأكله كله، ولا تبقي له بعضه، أما تخشى سم عينيه؟ فإن كان طبيخك لحما وأرزا، وخضارة وحلوى فأبق له من كل، ولا تحرمه من بعض، وخل عنك الكبر والتعاظم، فلولا هذا ما طعمت الشهي، ولا شربت الهني، وكذلك تلبسهم مما تلبس، وإن لم يكن مثله من كل الوجوه، فإن المدار على المواساة. وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه» «٣» - رواه البخاري. فالغرض أن تكون نفوسهم قانعة؛ وبحالهم راضية؛ وقد نهانا الرسول ﷺ أن

стр. 72

نكلفهم من الأعمال ما يشق عليهم، ويهد من قوتهم، أو يستفرغ جهدهم «١» ، بل التكليف بالسهل المستطاع الذي لا يسأمه الخادم، فإن كلفناهم بالشاق وجب علينا أن نعينهم بنفوسنا أو بخدم إلى خدمنا والحديث نصر للعمال، وأخذ بيد الخادم والغلمان؛ ورفع لمستواهم وتنبيه لهم إلى حقوقهم قبل ساداتهم؛ وإرشاد لأرباب البيوت أن يقفوا منهم موقف العدالة. ولا يتناسوا رابطة الأخوة. ولا تبادل المنافع؛ وفيه النهي عن سباب للخدم وعدم التعرض لآبائهم وأمهاتهم بما يسوؤهم. أو يحط من قدرهم. وبعد: فهذه اشتراكية الإسلام وهذا موقفه نحو الأرقاء. وهذا حرصه على مصلحة العمال. فهل بعد هذا رقي في دين؟ ٣١- باب: أكبر الكبائر عن أبي بكرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر- ثلاثا» - قالوا: بلى يا رسول الله قال: «الإشراك بالله. وعقوق الوالدين» ، وجلس، وكان متّكئا فقال: «ألا وقول الزّور» ، قال: فما زال يكرّرها حتّى قلنا: ليته سكت. [رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي «٢» ] . اللغة: نبأه وأنبأه: أخبره بمهم. وبلى: حرف تصديق مثل نعم؛ وأكثر ما تستعمل بعد الاستفهام، والعقوق: الإيذاء والعصيان، أصله من العق: وهو الشق والقطع والزور الباطل. وأصله تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل لمن سمعه أنه بخلاف ما هو به. الشرح: الذنوب درجات؛ فما فحش ضرره فكبيرة؛ وما زاد فحشه فأكبر

стр. 73

الكبائر، وما قل ضرره فهو الصغيرة، وكل حرّم الله، ومنع مقارفته، والرسول ﷺ وسلم يعرض على حاضريه تحديثهم بأكبر الكبائر؛ وفي هذا العرض لفتهم إلى ما يحدّث به؛ وصرف آذانهم لسماعه؛ وقلوبهم لوعيه وقد كرر كلمة العرض ثلاث مرات حتى يزدادوا تنبهيا، ويتوجهوا إليه توجها، فقالوا: نعم يا رسول الله حدثنا بأكبرها؛ فحدثهم الرسول ﷺ بثلاث. أولها: الشرك بالله: واتخاذ الأنداد والوسطاء، والأولياء والشفعاء، ودعاؤهم في الملمات كما يدعي وعبادتهم كما يعبد. والتقرب إليهم بالقرابين والنذور وضروب التقديس. وتلك أكبر جريمة أن تجعل لمن خلقك ندا. أن تشرك به ما لا يملك ضرا ولا نفعا. ولا حياة ولا موتا. أن تشرك به أمواتا غير أحياء عجزة غير أقوياء. أن تشكر من لا نعمة له عليك ولا يد له واصلة إليك؛ أن تعبد وهما وخيالا. وتدعو أسماء أن تنادي من لا يسمع ولا يبصر. وربك أقرب إليك من حبل الوريد. قد فتح أبوابه للسائلين. ووعد بالإجابة للداعين؛ فادع الله وحده مخلصا له الدين. وصدق بعملك. قولك لربك إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ «١» ، واذكر قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٢» . وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً «٣» ، وقوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ «٤» . وثانيها- عقوق الوالدين: وإيذاؤهما بالقول أو العمل. فسبهما وشتمهما بل قول أف لهما عقوق وقطيعة. وكذلك عصيان أمرهما. والتلكؤ في قضاء شؤونهما. ومد اليد بالسوء إليهما. كل ذلك عقوق. ونكران للجميل. نعم إن دعواك إلى الإشراك، أو عصيان الخلاق فلا تطعمهما. وإن وجب عليك البر بهما. وحسن المصاحبة لهما وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ «٥» ، واعلم أن الله تعالى قرن

стр. 74

الإحسان إليهما بالقضاء له بتوحيده في العبادة إذ يقول: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً «١» ، وأمرك بالقول الكريم، والصنع الجميل. والدعاء لهما بالرحمة. فلا تضع الإساءة موضع الإحسان. ولا الكفران مكان الشكران؛ واعلم أن الله لا ينظر يوم القيامة إلى ثلاثة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر؛ والمنان- روى ذلك النسائي والحاكم وصححه ابن حبان «٢» . وقد قرر العلماء وجوب طاعتهما في المباحات فعلا وتركا واستحبابها في المندوبت وفروض الكفاية كذلك؛ ولقد استأذن امرؤ رسول الله ﷺ في الجهاد فأبى الإذن له إلا بعد استرضاء والديه؛ فإياك أن تهمل في حق من ربياك صغيرا. وثالثهما- قول الزور والباطل: وقد أكبر الرسول ﷺ خطره؛ وأعظم جرمه؛ إذ جلس له بعد اتكائه؛ اهتماما بشأنه، وصدّر قوله بأداة التنبيه؛ وكرّر كلمته حتى شق على نفسه؛ وبدأ الغضب في وجهه؛ وتمنى أصحابه لو سكت؛ شفقة عليه ورحمة به؛ كما كان بهم رؤوفا رحيما، وقول الزور قرنه القرآن بالشرك في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ «٣» ، وجاء في ضمن أوصاف عباده المخبتين «٤» ، قوله: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ «٥» . وقول الزور يشمل شهادة الباطل؛ والحكم الجائر؛ ورمي الأبرياء بما هم منه براء؛ والقول على الله بغير علم؛ فكل ذلك داخل في قول الزور؛ هذا وإن شاهد الزور يسيء إلى نفسه؛ إذ يبيع آخرته بدنيا غيره. ويسيء إلى من شهد له بإعانته على ظلمه؛ وإلى من شهد عليه بإضاعة حقه؛ وإلى القاضي بإضلاله عن المحجّة «٦» ، وإلى الأمة بزلزلة الحقوق فيها؛ وعدم الإطمئنان عليها. ومن الخزي الفاضح أن يكثر بيننا من يشهدون زور لمجرد صداقة أو رجاء. أو نظير مبلغ يسير يتقاضونه. أولئك الذين

стр. 75

خربت ذممهم. وخبثت نفوسهم. ولم يخالط الإيمان قلوبهم. أولئك قرناء المشركين وإخوان الشياطين. ٣٢- باب: اليمين الفاجرة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين صبر» ، وفي رواية «يمن كاذبة ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» ، وفي رواية «فليتبوّأ مقعده من النّار» ، فأنزل الله تصديق ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا «١» إلى آخر الآية فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما حدّثكم أبو عبد الرّحمن، فقالوا: كذا: قال فيّ أنزلت: كان لي بئر في أرض ابن عم لي: فجحدني فقدّمته إلى رسول الله ﷺ فقال: «بيّنتك أو يمينه» ؛ وفي رواية: فقال لي: «شهودك قلت: ما لي شهود» ، قال: «فيمينه» ؛ فقلت إذن يحلف ويذهب بمالي؛ فقال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر ... إلخ» [رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن «٢» وغيرهما بعبارات متقاربة] . اللغة: يمين الصبر: هي التي ألزم بها صاحبها. وحبس عليها وكانت لازمة له من جهة الحكم. والفجور: شق ستر الديانة مأخوذ من الفجر، وهو شق الشيء شقا

стр. 76

واسعا. والإقتطاع: من القطع وهو الفصل. وذلك أن الحالف كذبا يقطع المال عن صاحبه أو يأخذ قطعة من ماله. وتبوأ المكان: سكنه ونزل به مأخوذ من البواء، وهو استواء المكان وعدم الإنخفاض فيه والإرتفاع، يقال بوأت لفلان مكانا سويته له فتبوأه أي أقام فيه. والآية تقدم شرحها في الحديث (١٦) . والجحود: الإنكار. والبينة: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو حسية. وتقال للشاهدين لأنهما يبينان الحق. الشرح: عبد الله بن مسعود كان يحدث جماعة بحديث اليمين الكاذبة. ويذكر الآية التي أنزلها الله من آل عمران تصديقا للرسول ﷺ في حديثه. فدخل عليهم الأشعث بن قيس، وسألهم عما يحدثهم به أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود فقالوا: كذا وكذا يعنون حديث اليمين والآية المصدقة له. فقال: هذه الآية نزلت فيّ. وذلك أنه كان لي بئر ضمن أرض لابن عم لي فجحدني ملكي. ومنعني حقي. فاختصمته إلى رسول الله ﷺ ورفعت أمره إليه. فقال: بينتك أو يمينه. أي لك بينتك تقيمها على صدق دعواك. أو يمين خصمك إن لم تكن لك بينه. فإن حلف لم يكن لك عليه طلب وإن نكل كان لك ما ادعيت. فقال: إنه إذا وجهت إليه اليمين حلفها زورا. ويذهب بمالي. ويضيع عليّ بئري. فقال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين صبر» ... إلخ أي أنه إن كذب عليك في اليمين. واقتطع مالك فإن الله يتولى عقابه في الآخرة. ولسوف يعوضك الله من حقك المال الكثير. أو الثواب الجزيل. ذلك ملخص القصة. ومعنى الحديث أن من حلف على شيء حلفا كاذبا أجأته إليه الخصومة. وحمله عليه الجحود والمكابرة في الحق. وهو بها محدث في دينه حدثا. وفاتق فيه فتقا وخارج عن الحق خروجا- من حلف هذه اليمين ليسلب به مال إنسان أو حقه. ويحول بينه وبينه لقي الله في القيامة وهو عليه غضبان. فينتقم منه على كذبه واستيلائه على مال غيره، بهذه الطريقة الخاطئة، واليمين الفاجرة. ويدخله ناره ليتخذ له فيها منزلا، يصلى سعيه، ويقاسي جحيمه، فإن كان الذي اقتطع ماله أخا مسلما كان الجرم أكبر، والعقاب أعظم فإن واجب المسلم نحو المسلم مساعدته على استرداد حقوقه، واسترجاع ماله؛ أما أن يقتطع قطعة من ماله ظلما وعدوانا ويكذب في سبيلها

стр. 77

ويمتهن «١» اسم الله لسلبها فذلك ما ينافي الإيمان؛ وبهذا التحليل عرفت أن ذكر المسلم لا يراد به التخصيص؛ وقصر الحكم عليه؛ وإباحة أموال غيره ممن لا يدين بدينه؛ بل ذكره لتفظيع الجريمة، وأن أخوّة الإسلام تستدعي الصدق؛ والتزام الحق؛ وكذلك كلمة «يمين» في قوله: من حلف على يمين صبر يراد بها المحلوف عليه وسمي يمينا لتعلقه بها، أو تقول «على» زائدة والمعنى من حلف يمين صبر.... الكذب في نفسه جريمة لأنه قلب للحقائق، وتعمية على الناس؛ وإضلال لهم عن الحقيقة؛ وداعية فقد الثقة في المعاملة والمحادثة، فإن انضم إليه تأكيده بالأيمان الكاذبة الفاجرة؛ التي فيها امتهان أسماء الله المقدّسة، وصفاته العالية كانت الجريمة أكبر، فإذا أضيف إلى ذلك قطع الحقوق عن أربابها. والحيلولة بينهم وبينها كان فحش الجريمة نهاية. فإن كان إلى ذلك وقوعها على أخيك في الدّين وتربك «٢» في العقيدة كان الفحش نهاية النهاية؛ وأقصى الغاية؛ فلا تعجب أن يكون العقاب غضب الجبار؛ وأن يكون المتبوأ النار؛ فإياك واليمين الفاجرة؛ وإياك ومال أخيك؛ واحترم للقضاء مكانته، ولبارئك أسماءه وصفاته؛ ولا تبتغ بها عرضا من الدنيا؛ غناؤه قليل؛ وعقباه جحيم؛ واقرأ الآية المرة تلو المرة؛ وعد بأولها على آخرها وباخرها على أولها لترى عظم الجريمة؛ وشدة العقوبة. [الأحكام المستنبطة من حديث اليمين الفاجرة] وقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث أحكاما كثيرة نذكر لك منها ما صلته بالحديث ظاهرة: ١- الأحكام تبنى على الظاهر وإن كان المحكوم له مبطلا في نفس الأمر. ٢- حكم الحاكم لا يبيح للمرء ما ليس بحلال له؛ وقد خالف في ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف في مسائل الفروج دون الأموال. ٣- البينة على المدعي واليمين على من أنكر. ٤- صاحب اليد أولى بالمدعى فيه. ٥- يمين المدعى عليه تصرف عنه دعوى المدعي فقط، ولا تستوجب الحكم له بالمدعي فيه، فلا يحكم له القاضي بملكيته أو حيازته، بل يقره على حكم يمينه.

стр. 78

٦- يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى، ولا يؤثر في اعتبارها فجور. ٧- من أقام البينة قضي له بحقه من غير طلب يمين منه على صدق بينته. ٨- شرح طريقة القضاء، فالقاضي يسمع الدعوى أولا من الطالب؛ ثم يسأل عنها المطلوب: هل يقرّ أو ينكر، فإن أنكر طلب من المدعي البينة، فإن لم يقمها وجّه اليمين إلى المدعى عليه. ٩- يعظ الحاكم المطلوب أذاهمّ بالحلف لعله يرجع إلى الحق إن كان مبطلا، ويدع اليمين الغموس. ٣٣- باب: الوصية بالمال عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: جاء النّبيّ ﷺ يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التّي هاجر منها، قال: «يرحم الله ابن عفراء» . قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كلّه؟ قال: «لا» . قلت: فالشّطر؟: قال: «لا، قلت: الثّلث؟ قال: «فالثلث، والثلث كثير، إنّك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون النّاس في أيديهم، وإنّك مهما أنفقت من نفقة فإنّها صدقة حتّى اللّقمة ترفعها إليّ في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك، فينتفع بك ناس، ويضرّ بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلّا ابنة» . [رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن «١» وغيرهم] .

стр. 79

اللغة: الشطر: النصف. والعالة: جمع عائل وهو الفقير يقال: عال الرجل يعيل عيلة وعيولا إذا افتقر. وتكفف: واستكف بسط كفه للسؤال. أو سأل ما يكف عنه الجوع. أو سأل كفافا من طعام. الشرح: لما كان النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع ذهب إلى سعد بن أبي وقاص يعوده من مرض اشتد به. حتى أشفى على الموت «١» . وكان سعد يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها. ففي الحديث إلتفات من التكلم إلى الغيبة كما يدل لذلك رواية مسلم عن سعد قال: يا رسول الله خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة- لأنها كانت حصن المشركين الذين آذوا الرسول ﷺ وأصحابه وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. ويودّ أن يموت بدار الهجرة التي أعزّ الله فيها الإسلام. وسكنها المهاجرون المخلصون. الذين نصروا رسول الله ﷺ بكل ما استطاعوا حتى ظهر دين الله. وصارت كلمته هي العليا. وكلمة الذين كفروا هي السفلى. فمن أجل ذلك رغب سعد عن مكة إلى طيبة. عن الأرض الملوثة بالشرك وأرجاس «٢» الأعداء. إلى الأرض المطهرة بالتوحيد وأعمال البررة الأتقياء. ولما سمع الرسول ﷺ اسم سعد بن خولة من سعد بن أبي وقاص ترحّم عليه. وكان ﷺ بالمؤمنين رؤوفا رحيما. فكان يواسيهم ويعطف عليهم في حياتهم. ويدعو لهم بعد وفاتهم. وابن خولة هذا من المهاجرين الأولين الذين شهدوا بدرا. وقد توفي بمكة في حجة الوداع. فخشي سعد أن يكون نصيبه نصيب أخيه- فكلمة عفراء في الحديث وهم من الراوي صوابها خولة كما جاء ذلك في رواية الزهري «٣» - ولقد قال سعد للرسول ﷺ لما عاده: إنه قد بلغ بي الوجع ما ترى. وأنا ذو مال. أفأوصي بمالي كله؟ قال: «لا» ، قال: أفأوصي بالثلثين- جاء ذلك في رواية. قال: «لا» : قال: أفأوصي بالنصف؟ قال: «لا» : قال: أفأوصي بالثلث؟ قال: «فالثلث توصي به.

стр. 80

والثلث كثير» . إن الأولى النقصان عنه. ولا يزاد عليه، ذلك ما يتبادر إلى الفهم من هذه العبارة. ويجوز أن يكون معناها: الثلث كثير في الأجر فهو الأكمل. ثم ذكر الرسول ﷺ الحكمة في ترك الوصية بالكثير إلى الوصية بالقليل وهي أن ترك الورثة أغنياء. بما يرثونه عن الآباء. خير من تركهم فقراء يمدّون أكفهم إلى الناس استجداء «١» . ليضعوا في أيديهم من صدقاتهم ما يدفعون به الجوع. ويزيلون به مضض الحاجة «٢» . ثم بيّن الرسول ﷺ له أن كل نفقة ينفقها على زوجه أو ولده. أو أقاربه أو خدمة صدقة وله ثوابها. ما دام يبتغي بها وجه الله ويقصد وقاية هذه النفوس من ذلة المسألة. وكرب الحاجة أو يقصد كف أيديهم عن الحرام. وتوفيرها على العمل في سبيل الله. فكل ما أنفق صدقة. ولو كان قليلا. حتى اللقمة يرفعها إلى فم امرأته- إذا كانت مريضة مثلا. أو كان يداعبها بذلك. أو الغرض من رفعها إعدادها للأكل- وأما ذكر الرسول ﷺ ذلك لسعد ليبين له أن إنفاق المال على الأهل والأقرباء طريق إلى تكثير الأجر، فإن استقل أجر الوصية بالثلث أو بما دونه فليستكثره بالإنفاق. والأقربون أولى بالمعروف. فإن امتدت به الحياة فليسلك هذا الطريق ثم رجا له الرسول ربه أن يرفعه من مرضه. ويطيل عمره. ويعلي من شأنه. حتى ينتفع به أناس. ويضرّ به آخرون، وقد حقق الله رجاءه لسعد. فبرىء «٣» من مرضه وأطال في عمره. حتى عزّ به الإسلام. وذلّ به خصومه كما ترى بعد، ولم يكن لسعد ساعة مرضه إلا ابنة واحدة وقد وهب الله له من الذرية بعد برئه بضعه عشر ابنا، أربعة ذكور واثنتا عشر بنتا. والحديث يدل على جواز الوصية بالثلث، وعلى أن الأولى أن ينقص عنه واستدل به على منع الوصية بأزيد من الثلث. قال في الفتح: وقد استقر الإجماع على ذلك لكن اختلف فيمن ليس له وارث

стр. 81

خاص. فذهب الجمهور إلي منعه من الزيادة على الثلث. وجوزه الحنفية وإسحاق وشريك وأحمد في رواية، وهو قول علي وابن مسعود، واحتجوا بأن الوصية في القرآن مطلقة. فقيدتها السنة بمن له وارث. فبقي من لا وارث له على الإطلاق، وفي الحديث زيارة الإمام للمرضى، فلا يستنكف «١» الملوك والوزراء والعظماء من زيارتهم، وإن كانوا من الطبقة الدنيا، وفيه الفسح للمريض في طول الحياة، وجواز تحدثه بشدة مرضه. وزيادة ألمه. إذا لم يقترن ذلك بالاعتراض على القدر وأن ذلك لا ينافي الصبر على البلاء. خصوصا إذا كان في ذلك رجاء دعاء أو طلب دواء، وفيه الحث على صلة الرحم. والإحسان إلى الأقارب؛ وأن ذلك أولى من صلة الأباعد والإنفاق في وجوه البر الآخرى؛ وفيه التزام العدالة في الوصية. ومنع حرمان الورثة، ولو كانوا بنات كما جرت به عادة الجهلاء. يكتبون أموالهم لبنيهم، ويحرمون بناتهم خشية أن تنتقل الثروة لغير الأسرة. وما درى هؤلاء أن المال يرفع من شأن الزوجة لدى زوجها ويعظم مكانتها. ويرغّب الخاطبين في الفتيات. وأن البنات قد ينكبن «٢» في أزواجهن الذين يعولونهن. وقد يدّعون لهن ذرية ضعافا. فالمال عدة لهن إذا ترملن. بل عدة لهن إذا قل مال الأزواج أو زال، فالعدالة في العمل على تنفيذ ما أوصانا الله به في أولادنا، بل في سائر ورثتنا، وإنك لا تحسن التوزيع في حال الحياة. فدعه لله بعد الوفاة. والله يعلم وأنتم لا تعلمون. تتمة: سعد بن أبي وقاص هذا الذي رجا له رسول الله ﷺ العلو، هو صحابي جليل هاجر إلي المدينة قبل أن يهاجر رسول الله ﷺ ، وقد شهد بدرا والمشاهد كلها وبشره الرسول ﷺ بالجنة. وأول من رمى في سبيل الله؛ وأحد ستة الشورى الذين عيّنهم عمر للخلافة. وفارس الإسلام. وقائد جيوشه في فتح العراق ومدائن كسرى. وهو الذي خطط أرض الكوفة لقبائل العرب ومكث واليا عليها مدة عمر؛ وأقرّه عثمان زمنا ثم عزله؛ فعاد إلى المدينة. وفقد بصره؛ وعاش قليلا ثم مات في قصره بالعقيق على مقربة من المدينة سنة ٥٥.

стр. 82

٣٤- باب: الجرائم الموبقة والسبع المهلكة عن أبي هريرة عن النّبي ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» ، قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر وقتل النّفس التي حرّم الله إلّا بالحق، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّوليّ: يوم الزّحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي «١» ] . اللغة: الاجتناب: الابتعاد وأصله جعل الشيء على جنب. والموبق: المهلك، والسحر: يطلق عند العرب على كل ما لطف مأخذه ودق وخفي؛ يقال سحرت فلانا وسحرته إذا خدعته واستملته. وكل من استمال شيئا فقد سحره: ومنه سحر العيون وقول الرسول ﷺ : «إن من البيان لسحرا» «٢» ، وأصل المادة السحر- بالفتح والتحريك- بمعنى طرف الحلقوم أو الرئة لأنهما باطنان خفيان فأخذ من اسمهما السحر لدقة مسلكه. وخفاء سببه على أكثر الناس. ويطلق على ضرب من التخييل لا حقيقة له تخدع به العيون حتى ترى ما ليس واقعا واقعا. كالذي يفعله المشعوذ «٣» يصرف به الأبصار عمّا يعمله بخفة يده وسرعة حركته وإلى ذلك الإشارة بقوله: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى «٤» ، وقد يستعان على ذلك باستخدام خواص الأشياء وطبائعها التي لا يعرفها العامة، كخاصية جذب المغناطيس للحديد، فهذا

стр. 83

الضرب إما حيلة وشعوذة؛ وإما صناعة عليمة خفية. يجهلها أكثر الناس. فيسمونها سحرا كالذي حكاه المؤرخون عن سحرة فرعون أنهم استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصورة الحيات والثعابين. حتى خيّل إلى الناس أنها تسعى. وقال بعض العلماء: إنه يطلق على ضرب ثالث يحصل بمعونة الشياطين. والتقرب إليهم بالمعاصي؛ يؤثر في القلوب بنحو الحب والبغض. وفي الأجسام بنحو الألم والسقم؛ وهذا الضرب يحتاج إلى برهان عملي. قال القرطبي: السحر حيل صناعية يتوصل إليها باكتساب غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته. وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإبهامات «١» بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ «٢» مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا. ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر. وفي الأبدان بالألم والسقم. وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانا أو عكسه بسحر الساحر ونحو ذلك. والمراد به في الآية الضربان الأخيران أما الأول: فإنه السحر الحلال. والربا في اللغة: الزيادة مطلقا يقال: ربا يربو ربوا إذا زاد ونما. وفي اصطلاح الفقهاء: الزيادة على رأس المال من وجه خاص. والربا المعروف في الجاهلية أن يقول الدائن لمدينه إذا حل الأجل: إما أن تعطي وإما أن تربي. واليتيم من الإنسان: الذي فقد أباه. ومن الحيوان: ما فقد أمه. والتولي: الفرار والهرب وأصله إعطاؤك الغير وليك أي ظهرك. والزحف: المشي. وزحف الجيش مشيه إلى عدوه في ثقل لكثرته. وأصل الزحف: الدب على المقعدة أو الركبتين قليلا قليلا. والقذف: الرمي. والمراد به هنا الرمي بالزنى. والمحصنات: العفيفات اللاتي أحصنّ نفوسهن من الخنا «٣» مأخوذ من الحصن وهو المكان المنيع،

стр. 84

إذ نفوسهن في حصن من العفاف، وتقال للحرائر «١» ، وللمتزوجات لأن الحرية والزواج من دواعي العفة، والابتعاد عن الفاحشة. والغافلات: اللاتي لم تخطر الفاحشة على بالهن لطهارة قلوبهن. فهن ساهيات عن المنكر. والشرح: الحسنات درجات. والسيئات درجات فما كان من الحسنات نفعه كبيرا كان ثوابه عند الله عظيما. وما كان نفعه دون ذلك كان ثوابه أدنى وما كان من السيئات ضرره بليغا فهو الكبيرة الموبقة «٢» والفاحشة المهلكة. وما كان ضرره دون ذلك فهو الصغيرة التي يكفرها مجانبة الكبيرة. وفي هذا الحديث أمرنا الرسول ﷺ باجتناب السبع الموبقات وليس الغرض حصر الموبقات في هذه السبع. بل الغرض التنبيه بها إلى أمثالها. أو ما زاد فحشه عن فحشها. كالزنى والسرقة والغلول- الخيانة في الغنيمة- والعقوق. واليمين الغموس. والإلحاد في الحرم «٣» ، وشرب الخمر، وشهادة الزور والنميمة، ونكث البيعة «٤» ، وفراق الجماعة، وترك التنزه من البول، والأمن من مكر الله، والقنوط «٥» من رحمته، والاضرار في الوصية والجمع بين الصلاتين من غير عذر. فكل هذه من الجرائم المهلكة. والموبقات المردية. التي جاء فيها الوعيد الشديد بالعذاب الأليم. وهاك بيان السبع. فأولاها الشرك: وهو أكبر الذنوب. وفيه يقول الله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٦» ، وقد فصلت ذلك في الحديث (٣١) . ثانيتها السحر: وهو حوب «٧» كبير، ووزر عظيم، لأن فيه تلبيسا وتعمية وسترا للحقائق، ووضع غشاء على الأبصار، وإضلالا للعامة وزلزالا لعقيدتهم في ترتب المسببات على أسبابها. والنتائج على مقدماتها، فإن كان من سبله الإتصال

стр. 85

بالشياطين، والتقرب إليهم بالعصيان كانت تلك أضرار أخرى. وإن كان منه ما يؤثر في القلوب بالحب والبغض وفي الأجسام بالصحة والسقم كان أشد فحشا وأعظم وقد اتفق العلماء على حرمة تعلم السحر وتعليمه وتعاطيه. وقالوا: إن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كان كفرا. وقال مالك وأحمد وجماعة من الصحابة والتابعين: تعاطي السحر كفر يوجب القتل، وكأن حرمة التعلم والتعليم لأن ذلك وسيلة إلى العمل به. فإن كان ذلك لمجرد الإحاطة به، والوقوف عليه وأمن العمل به، ولم يكن في سبيله إقتراف جريمة لم يتجه التحريم كمن يتعرف الأديان الباطلة وطرق العبادة فيها لا يأثم بذلك، ولا يخرج من حظيرة الملّة، بل له ثواب إن أراد النهي عنه. والتحذير منه. وثالثتها قتل النفس المحرمة: وإزهاق «١» الروح الآمنة البريئة، وإراقة الدماء الطاهرة الزكية. فتلك جريمة ترفع الأمن، وتنشر الخوف، وتفتك بالأمة وتضعفها. وتقطع روابط الإخاء بينها تلك الجريمة المرملة للنساء، الميتّمة للأطفال، الزرّاعة للإحن والعداوات. تلك التي يقول الله فيها: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً «٢» ، تلك التي يقول الله في عذابها: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً «٣» تلك الجريمة التي لا تخطر على قلب مؤمن، أو لا تطاوعه نفسه عليها وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً «٤» ، وقتل النفس يشمل قتل العدوان. وقتل الأولاد خشية الإملاق «٥» ، ووأد «٦» البنات مخافة العار. فالنفس الإنسانية محترمة إلا إن كانت نفسا شريرة، مجرمة مفسدة. فإن دواءها إراحة المجتمع منها، فالقاتل يقتل وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ «٧» ، والزاني الذي تحت يده امرأة تعفه إذا انتهك عرض امرأة، واقترف الفاحشة يرجم. والتارك لدينه المفارق للجماعة،

стр. 86

المحارب لله ورسوله يقتل. وبعبارة أخرى. لا نريد نقض المجتمع، والإعتداء على حياته. ولكن ننقض من نقض بناءه، وأراق دماءه. ورابعة الموبقات أكل الربا: وهو ظلم للإنسان، وأكل لماله بالباطل. ومحاربة لله ورسوله. وموجب للخلود في النار كما حكى القرآن. وكيف لا يكون كذلك وأنت تنتهز فرصة الإعسار. وشدة الفقر. وخلو اليد. الذي يوجب عليك الصدقة. فتخرج الجنيه بعشرة قروش أو عشرين؛ ثم تفعل ذلك كلما حل الأجل حتى يكون الربا أضعافا مضاعفة. فتثقل ظهر أخيك وتذهب بما قد يكون في يده من مال يتكىء عليه في الحياة، أو من بيت يؤويه، ويؤوي زوجه وبنيه؟ وإن الربا لممحقة للمال «١» . ومذهبة للبركة. ونازع للرحمة. وموجب للعداء. وناشر للبلشفية «٢» التي تهدد أرباب الثراء يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ «٣» . ولقد كان من آثاره الوخيمة أن أصبحت ضياعنا الواسعة، وعماراتنا الشاهقة ملكا للأجانب. أو نستغلها لحسابهم. ليس لنا منها إلا الشقاء والنصب «٤» ؛ ولهم منها الثمرة والربح أصبحت الأمم مستعمرة لنا اقتصاديا وإن ذلك من أخطر الأنواع في الاستعمار. من أجل هذا كله عده الرسول ﷺ من الموبقات ولعن آكله وموكله؛ وكاتبه وشاهده. وخامستها أكل مال اليتيم: وكان واجبا على الناس أن يكفلوه، وينمّوا ماله ويرعوه؛ ويساعدوه حتى يبلغ أشده. ويدرك رشده. ولكن هناك نفوس خبيثة، نهمة «٥» شرهة «٦» . تنتهز فرصة الصغر والضعف، فتأكل أموال اليتامي إسرافا وبدارا أن يكبروا؛ وفيهم يقول الله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي

стр. 87

بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً «١» ، وهل ترضى أخي أن تكون لك ذرية ضعاف تتركهم صغارا، فيأتي ظالم يقص أجنحتهم، ويجتاح ثروتهم؟ إذا كنت تمقت ذلك أشد المقت فلماذا لا تمقته من نفسك، لأولاد غيرك؟ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» «٢» ، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً «٣» . وسادستها التولي يوم الزحف: والفرار من لقاء العدو، والهرب من وجه الجيش المهاجم. والعدو المناجز «٤» . فإن ذلك الجبن، وإن ذلك إضعاف الشوكة، والفت «٥» في عضد المجاهدين، وإن ذلك ضياع البلاد، وإضعاف الدّين أو القضاء عليه؛ في ذلك تمكين الأعداء من دمائنا ونسائنا، وأولادنا وأموالنا، في ذلك الاستعباد والاستذلال، والقضاء على الحريات؛ فبع نفسك لربك واشتر بمالك ونفسك جنة عرضها السموات والأرض؛ وما الشجاع إلا من يميت نفسه في سبيل حياة دينه، وإرضاء ربه، وإن الموت لا محالة مدركك، فليكن في سبيل العزة والكرامة، ليكن في سبيل الحياة لقومك؛ وفي التولي يوم الزحف يقول الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ «٦» . وخاتمة السبع قذف المحصنات: الغافلات المؤمنات، وكيف لا يكون جريمة

стр. 88

منكرة؛ وإفكا إدا «١» أن تعمد إلى امرأة متمتعة بالحصانة، بعيدة عن الريبة، لا تخطر بقلبها الفاحشة، ولا تتحدث بها نفسها الطيبة، تعمد إلى هذه الحرة العفيفة، التي مليء قلبها بالإيمان، فلم يكن فيه موضع لنية خبيثة؛ ورطب لسانها بذكر الرحمن؛ فلم ينطق بالزور؛ ولم يتحرك بالخنا، وصرفت كل جوارحها في العمل الصالح وكل وقتها في تدبير بيتها؛ وتربية ولدها وتطهير نفسها؟ من يرم هذه بالفاحشة ويقذف الطهارة بالقذارة؛ والعفة بالعهارة «٢» ؛ والطيب بالخبث فجزاؤه ما قال الله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «٣» . إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٤» ، إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٥» ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «٦» . فيا أيها المسلم لا تدنّس نفسك بهذه الموبقات؛ فتوجب لها مقت الله ومقت الناس وتعرّضها لشديد العذاب في الدنيا والآخرة بل اجعلها الطاهرة النقية الطيبة المهذّبة؛ التي لا ترضى بالخير بديلا. ٣٥- باب: أداء الصلاة لوقتها وبرّ الوالدين والجهاد عن عبد الله بن مسعود قال: سألت النّبيّ ﷺ أيّ العمل أحبّ إلى الله؟ وفي رواية: أيّ العمل افضل؟ قال: «الصّلاة على وقتها» . قال: ثمّ أيّ؟ قال: «برّ الوالدين» . قال: ثمّ أيّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» . قال: حدّثني بهنّ

стр. 89

رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني. [رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي «١» ] . الشرح: سأل عبد الله بن مسعود رسول الله ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله؛ وأفضلها عنده؛ ليكون حرصه عليه أشد؛ وعنايته به أكبر؛ فأجابه الرسول ﷺ بأن الأحب؛ والأفضل والأرفع درجة والأجزل ثوابا الصلاة على وقتها؛ وفي رواية: «الصلاة لوقتها» «٢» . وقد قال الشراح: إن على هنا بمعنى اللام؛ واللام هنا تحتمل الاستقبال؛ مثلها في قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ «٣» أي مستقبلات عدتهن؛ وتحتمل الإبتداء مثلها في قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ «٤» أي ابتداء زوالها؛ وتحتمل الظرفية أي في وقتها؛ ويشهد للإبتداء رواية مرجوحة «٥» فيها: الصلاة في أول وقتها وقد سبق الكلام على الصلاة وآثارها في الحديث الثاني. وهنا يبين الرسول ﷺ الصلاة في أوقاتها المحددة أفضل الأعمال إذ في ذلك العمل بقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً «٦» وتعوّد النظام واحترام المواعيد، وذكر الله، والقيام بين يديه ومناجاته خمس مرات في اليوم والليلة؛ وتلبية داعي الحق كلما دعا: حيّ على الفلاح والدأب «٧» على رياضة النفس وتهذيبها، والمبادرة إلي الخيرات، وملك النفس والشهوات. وعدم التمكين للشيطان في الفتنة، فإنه يتصيد النفوس الغافلة عن ذكر الله، المنهمكة في شؤون الحياة؛ وأداء

стр. 90

الصلاة في غير وقتها يعرضك للإثم والعذاب، بل يعرضك لعدم قبول الصلاة منك، فإن كثيرا من المحققين على أن الصلاة لا تؤدي في غير وقتها، فإن فاتتك بؤت «١» بإثمها، ولم يكن لك مخلص من عقابها، على أنه إذا كان القضاء جائزا مع الحرمة فإن الصلاة تكون ثقيلة على النفس. إذ تضم إلى أخواتها التاليات، فيثقل الحمل، فتنوء «٢» به النفس، أو تؤديه على مضض؛ أو بسرعة تفوت الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها. نعم لو نسي الإنسان صلاة. أو نام عنها. أو كان هناك عذر شرعي يبيح تأخيرها لم يكن عليك إثم في التأخير. وكان وقتها وقت الذكر. أو التيقظ. أو زوال العذر. وإذا قلنا: إن اللام للابتداء كان أفضل الأعمال أداء الصلاة في أول وقتها. إذ ذلك مبادرة إلى الخيرات. ولحاق لأول الجماعات. وتبرئة للذمة من دين الصلوات وأنك أول الملبين. المسرعين إلى مرضاة الله. والحظوة بمناجاته. فأداء الصلاة كل يوم في أوقاتها أو في أول الأوقات أفضل عند الله من سائر الأعمال الآخرى. ثم سأله عبد الله عما يلي ذلك في المرتبة فقال له: بر الوالدين. وكأن الرسول ﷺ استنبط ذلك الترتيب من قوله تعالى في وصية الإنسان بوالديه أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ «٣» فشكر الله بالصلاة وشكر الوالدين ببرهما. وبرهما بطاعة أمرهما. وتفقد مصالحهما والإنفاق عليهما وحسن معاملتهما، وخفض الجناح لهما. وأن تقول: رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً «٤» وهل التربية. والعطف والرحمة. والحب الطبعي. والكد «٥» لراحتك. والسهر لنومك. والشقاء لسعادتك، تقابل منك إلا بالبر إلا أن تكون جحودا كفورا؟ ولا إخالك. وحسبك بيانا لمنزلة الوالدين وإشادة «٦» بحقهما أن الله قرن الإحسان إليهما بالأمر بتوحيده في كثير من الآيات. وأن الرسول ﷺ لم يأذن لراغب في الجهاد إلا بعد استئذانه من أبويه. وأنه جعل السعي

стр. 91

عليهما جهادا في سبيل الله «١» . ثم سأله عبد الله عما يلي بر الوالدين. فأخبره الرسول ﷺ بأنه الجهاد في سبيل الله. وسبيله دينه الذي شرعه. والحق الذي رسمه. وما الجهاد إلا بذل المستطاع من مال ونفس. ومركز وجاه. وقوى وتفكير. وقلم ولسان، في سبيل إعلاء كلمته. وحفظ دينه. ونشره بين الناس وتعليمه وحفظ البلاد التي يقطنها «٢» الإسلام. وحفظ أهله ممن أرادهم بسوء من الأمم الغاشمة «٣» . والدول المستعمرة. التي لا ترعى فينا إلا «٤» ولا ذمة. فلنستخدم كل وسيلة في سبيل إقامة الدّين. ورفع لواء القرآن والتمكين للحق في الأرض. وفي نفوس الناس عامة وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ «٥» . قال عبد الله: ولو طلبت من الرسول ﷺ الزيادة على ذلك مما هو بيان لدرجات الأعمال. أو مما يحتاج إليه المرء في دينه لزاد. لأنه إمام الإرشاد. فكيف لا يجيب السائل. ولو تابع السؤال وكان عبد الله وقف عند هذا الحد شفقة على الرسول ﷺ وحرصا على راحته، ويؤيد ذلك ما جاء في رواية لمسلم «٦» عن عبد الله. فما تركت أن أستزيده إلا إرعاء عليه. أي شفقة عليه لئلا يسأم «٧» . وفي هذا إرشاد للطلبة والمتعلمين ألا يكثروا من الأسئلة حتى يشقوا على أساتيذهم المربين. وإرشاد للمربين أن يتقبلوا أسئلة الطلبة بصدور رحبة ولو سألوا مرارا. ما دام لم يكن في ذلك مضيعة ولا مضرة. وكان الظاهر أن يقدّم فيه الجهاد على الصلاة لوقتها وبر الوالدين؛ لأن المشقة فيه أكبر، إذ فيه بذل المال والنفس، ولكن الجهاد واجب وقتي، والصلاة واجب دائم

стр. 92

كالبر بالوالدين، فالصبر على مشقتهما وإن كان أدنى من الصبر في مواطن الكفاح ولقاء الأعداء، لكن المداومة على ذلك طوال السنين مما أكبر المشقة فيهما، ورفع درجتهما عن الجهاد قرينهما. وأعلم أن الرسول ﷺ قد أجاب في مواطن أخرى عن سؤال «أفضل الأعمال» بغير هذه الإجابة، وليس من تعارض بين ذلك وتضارب، لأنه كان يجيب كل سائل بما يناسب حاله، أو يلتئم مع رغبته وميله. أو لاختلاف الأوقات والأحوال؛ ففي أوقات الحرب والنزال، وهجوم الأعداء: الجهاد أحب، وفي أوقات المجاعات: الصدقة أفضل: وفي أوقات الهدوء والطمأنينة: الصلاة أهم، وهكذا لكل حال ما يناسبها، فالرسول ﷺ كان يلبس لكل حال لبوسها، ويجيب بما يسايرها، وهو البليغ الحكيم. ولعن تاركي الصلاة، الذين يحسبون أنفسهم مؤمنين؛ ولم يركعوا لله ركعة أو يسجدوا له سجدة؛ ولم يغشوا «١» بيوت الله؛ وإن غشوا بيوت الناس- لعلهم يعتبرون بهذا الحديث؛ فيقلعوا عن جرمهم؛ ويتوبوا إلى ربهم؛ ولعل الكسالى الذين يجمعون الصلوات؛ أو يؤدونها آخر الأوقات يكون لهم من ذلك موعظة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ٣٦- باب: طاعة الأئمة والرؤساء في المعروف عن عبد الله بن عمر عن النّبيّ ﷺ قال: «السّمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . [رواه البخاري «٢» ] . الشرح: قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي

стр. 93

الْأَمْرِ مِنْكُمْ «١» فأمر عباده المؤمنين بطاعته. وطاعة رسوله. وأولي الأمر فأفاد أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لأنه إذا أمر بمعصية فأطعناه لم نحقق طاعة الله وطاعة الرسول. فكانت الآية شاهد ما قال الرسول ﷺ وأنه لا طاعة لأولياء الأمور. فيما فيه مخالفة الله أو الرسول. أولو الأمر: هم الذين وكل إليهم القيام بالشؤون العامة. والمصالح المهمة. فيدخل فيهم كل من ولي أمرا من أمور المسلمين: من ملك ووزير. ورئيس ومدير. ومأمور وعمدة. وقاض ونائب وضابط وجندي وقد أوجب الرسول ﷺ على كل مسلم السمع لأوامر هؤلاء. والمبادرة إلى تنفيذها. سواآ كانت محبوبة له. أم بغيضة إليه وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ «٢» فإذا دعونا إلى الحرب. وبذل المال في سبيلها لبّينا الطلب. وإذا طالبونا بالضرائب المشروعة دفعناها. وإن طلبوا منا المساعدة على حفظ الشواطىء والمزارع من المياه الطاغية «٣» أجبنا. وإن رغبوا في معونتنا لأهل بلد اجتاحهم حريق أو نابتهم نائبة حققنا رغبتهم. وهكذا نسمع كل ما أمروا به وننفذه، سواء وافق رغباتنا وميولنا أو خالفها، وسواء شق علينا أم سهل ما دام في المصلحة العامة، وما دام في دائرة الحلال المشروع، أما إن أمرونا بمعصية كإتهام بريء، أو حبسه. أو إيذائه، أو مصادرة ماله ظلما وعدوانا، أو رغبوا إلى القضاء أن يحيد عن الحق ويحكم بالباطل، أو أرادوا مالنا وحيواننا ورجالنا لمساعدة عدونا. أو أرادوا أن نخط بيدنا صك الاستعباد لنا ولأبنائنا وأحفادنا، أو طلبوا أن نرخص لمن يرغبن في الإتجار بأعراضهن، أو من يتجرون في الخمور، أو يفتحون ناديا للميسر- إن أمرونا بشيء من ذلك أطعنا الله وعصيناهم وأرضيناه وإن أغضبناهم. فطاعتهم محرمة، ومخالفتهم واجبة. هذا وقد جاءت أحاديث فيها إطلاق الأمر بطاعة الولاة، والصبر على مكارههم، وعدم الخروج عليهم، كحديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 94

«اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» «١» يريد بذلك صغرها. وكحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا، فيموت إلا مات ميتة جاهلية» «٢» . وكحديث عبادة بن الصامت قال: دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا- في حال النشاط والكراهة- وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا- استئثار بحظ دنيوي- وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا- جهارا- عندكم من الله فيه برهان «٣» . روى هذه الأحاديث الثلاثة البخاري، فيجب تقييد الإطلاق فيها بالآية السابقة وبحديثنا الذي نشرحه، وبحديث معاذ الذي رواه أحمد: «لا طاعة لمن لم يطع الله» «٤» . وأحاديث أخرى تحرّم علينا طاعتهم في المعصية، ويدل لتقييد حديث أنس حديث أم الحصين عند مسلم: «اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله» «٥» ، والمكروه الذي أمرنا بالصبر عليه في حديث ابن عباس ما شق على نفوسنا، ولم يكن معصية الله والرسول، فإن كان معصية فالنهي عن المنكر واجب، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا نثير الفتن ونبدد «٦» شمل الأمة، ونعرّض دماءها وأموالها ومصالحها للضياع إذا أمكننا إزالة المنكر بالحسنى والمسالمة. وكذلك إذا كان ضرر المنكر دون الضرر المترتب على الإنكار. وأما حديث عبادة الذي فيه: ألا ننازع الأمر أهله إلا أن نرى كفرا بواحا فالمراد بالكفر هنا المعصية، وكل معصية للخالق جحود بنعمته.

стр. 95

يدل على ذلك رواية: إلا أن يكون معصية لله بواحا فلا ننازع ولاة الأمور في ولايتهم، ولا نعترض عليهم في تدبيرهم إلا إن رأينا منهم منكرا محققا لا شبهة فيه ولا تأويل. فإن رأينا ذلك أنكرنا عليهم إنكارا يقلعون به عن المعصية مع إلتزام الحكمة في النصيحة. فأطع من ولوا أمرك ما داموا لله مطيعين، واصبر على ما تبغض منهم ما لم يكن معصية بينة، واحرص على اتحاد الكلمة، وبقاء الألفة. وسلامة الجماعة، ما دامت على الحق قائمة. وبأمر الله عاملة. وإياك أن تداهن «١» الولاة في معصية. أو تجاريهم على مظلمة وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ «٢» . ٣٧- باب: من يضاعف الله لهم الأجر عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يئتون أجرهم مرّتين: الرّجل تكون له الأمة، فيعلّمها. فيحسن تعليمها. ويؤدّبها فيحسن تأديبها، ثمّ يعتقها، فيتزوّجها فله أجران، ومؤمن أهل الكتاب الّذي كان مؤمنا، ثمّ آمن بالنّبي ﷺ فله أجران، والعبد الّذي يؤدّي حقّ الله، وينصح لسيّده، له أجران» . [رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه «٣» ] . الشرح: لكل حسنة أجرها وثوابها. وعلى قدر الإخلاص فيها والنفع بها يكون مقدار الأجر. وإذا كانت الحسنة واحدة. وكان لها جهات متعددة تعدد الأجر. كما

стр. 96

يتعدد بتعدد الحسنات. وفي هذا الحديث يذكر الرسول ﷺ ثلاثة أشخاص يؤتون أجرهم مرتين. أولهم [من يحسن إلى أمته] : الرجل تكون له أمة تحت يده ملكا واستخداما. فيحسن إليها الإحسان كله. فيعلمها فرائض الدّين وسننه. وشؤون المنزل وأعماله من نظافة وطهي. وعجن وخبز. وترتيب ونظام. وخدمة أولاد. سواء أكان ذلك التعليم بنفسه أم بوساطة غيره، من زوج وخدم، أو بنات وحشم «١» ولا يقتصر على تعليم ناقص، بل يجدّ فيه، حتى تبلغ نهايته، وتدرك غايته وتكون فيه الحاذقة «٢» الماهرة، والحكيمة المدبرة، وكذلك يؤدبها ويهذبها، ويروّضها «٣» على مكارم الأخلاق. وأحاسن الآداب كالعفة والقناعة والصدق والأمانة. وحسن المعاشرة. والأدب في المحادثة. ويبالغ في ذلك التأديب. حتى تكون الفتاة المهذبة. والأمة المكملة؛ وبعد ذلك التعليم والتأديب، والبلوغ بهما الغاية يعتقها من رقها، ويطلقها من قيدها، ويمنّ عليها بالحرية التي فطر الناس عليها، فتصبح ذات شأنها، والمستقلة بأمرها لا سلطان لأحد عليها، تتصرف في مالها ونفسها كما تريد في الدائرة المشروعة، والخطة المحمودة. ثم يضيف إلى ذلك منة أخرى، وحسنة كبرى: أن يتخذها زوجا له فيسويها بزوجة الحرة. ويلحقها بسيدتها، ويرفعها من درجة الخدمة إلى مرتبة القرينة «٤» ، فهذا الشخص له أجران في هذه الأمة، أجر التحرير بعد الاستعباد، وأجر الزواج بعد الاستخدام. وله فوق ذلك أجر التعليم، وأجر التأديب، وكأنه لما كان العتق من الحسنات في الدرجة العليا حتى عدّه الله في القرآن اقتحام العقبة وكان زواج الأمة بعد تحريرها أكبر نعمة تسدى إليها اقتصر على أجريهما، إشارة إلى علو شأنهما، وبعد مرتبتهما، ولم يذكر أجري التعليم والتهذيب؛ وحكمة أخرى، وهي التنبيه إلى أن التعليم والتأديب لا يختص بالإماء والعبيد، بل ذلك واجب السيد نحو البنات والبنين، أفترى بعد ذلك أن الإسلام لم يرفع من شأن الرقيق، ولم يرق به إلى درجة

стр. 97

الحر في تربيته وتهذيبه، ولم يأخذ بيده إلى الحرية المنشودة والحقوق العامة؟ ثم أترى بعد ذلك أن الإسلام لم يحضّ على تعليم البنت وتأديبها، وتهذيبها وتثقيفها، بما ينمّي عقلها، ويحسن أخلاقها، ويرفع شأنها، ويعلمها واجبات بيتها؟ إذا كان الشارع يشيد بذلك في الإماء، فما بالك بالحرائر المحصنات؟ فعلّم بنتك وأدبها يكن لها ولك المستقبل السعيد والعيشة الراضية، والكرامة العالية. وثانيهم: من آمن بديننا وكتابنا، وإمامنا ونبينا من أهل الكتب المقدسة يهودا أو نصارى، فأولئك لهم أجران على الإيمان لتعدد جهته. أجر على الإيمان بدينهم، والعمل بكتابهم. وأجر على الإيمان بنبينا، والعمل بكتابنا، وفي هذا ترغيب عظيم لليهود أو النصارى في المسارعة إلى اعتناق الإسلام. الذي هو خاتمة الأديان، وأن ما أرادوه من الثواب في المحافظة على دينهم محفوظ لهم إلى ما ينالون من ثواب الإيمان الجديد، والعمل بالقرآن المجيد، فالإسلام لا يغمط «١» لذي حق حقه، ولا يحرم عاملا أجره. وثالثهم: العبد الذي يقوم بواجب الرق لسيده وواجب العبودية لربه ، فهو لسيده الخادم المطيع والحافظ الأمين، يخلص لسيده في سائر أعماله، يحرص على ماله وينميه، ويحافظ على بناته وبنيه، يرشده إلى ما يراه الخير، وينبهه إلي مواطن الشر، وهو لربه مؤد للحقوق، قائم بالواجبات فلا يلهيه القيام بخدمة سيده، عن القيام بحق بارئه، فإذا ما نودي للصلاة هرول إليها، وإذا ما دعي لمكرمة أجابها، وإذا ما رغب إليه سيده في اقتراف جريمة نصحه وأطاع ربه، فهو بأوامر الدين قائم، ولنواهيه تارك، وللقرآن ذاكر، وللسوء مخاصم، فهذا له أجران: أجر النصح لسيده، وأجر الطاعة لربه. هذا والعدد لا مفهوم له. فهناك من يؤتى أجره مرتين غير أولئك. كنساء الرسول ﷺ فقد قال الله فيهن: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً «٢» ، وكمن يتصدق على قريبه له أجران: أجر

стр. 98

الصدقة، وأجر الصلة. وكالحاكم إذا أصاب في حكمه فله أجران. وكالذي يسن سنة حسنة له أجرها وأجر من عمل بها. وكالذي تيمم وصلّى، ولما وجد الماء أعاد الصلاة، فقد قال الرسول ﷺ : «لك الأجر مرتين» ، وكالذي يقرأ القرآن وهو شاق عليه له أجران. كل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة، فدل على أن مضاعفة الأجر ليست قاصرة على الثلاثة وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ «١» . ٣٨- باب: التيسير والتبشير عن عامر بن أبي موسى عن أبيه قال: لمّا بعثه رسول الله ﷺ ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال لهما: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» . [رواه البخاري «٢» ] . اللغة: التيسير: التسهيل، وضده التعسير. والتبشير: الإخبار بما يسر ويبدو أثره على البشرة، ويقابله الإنذار. والتنفير: إزعاج الشيء وإثارته من مكانه، وضده التسكين. والتطاوع: إطاعة كل واحد منهما صاحبه، وضده التخالف. كان من عادة الرسول ﷺ إذا بعث ولاته وعماله إلى الأقطار المختلفة أن يزودهم بالنصائح، حتى يكونوا للناس قدوة حسنة، ويجمعوا قلوبهم على الإسلام، فلما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن كلا منهما على مخلاف فيها- إقليم- زودهما بهذه النصيحة فأمرهما بثلاثة، ونهاهما عن ثلاثة. ١- أمرهما بالتيسير، ونهاهما عن التعسير ، فالتيسير التسهيل على الناس وقد ندب إليه القرآن في قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ «٣» ، وقوله:

стр. 99

وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «١» ، فلا يجشمهم «٢» صعبا، ولا يكلفهم عسرا، يتأذون به، أو تتململ منه نفوسهم، فإذا صلّى بهم إماما لا يطيل في صلاته، بل يخفف كتخفيف رسول الله ﷺ فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة. وإذا خاطبه بعضهم بعبارات جافة، لكنها فطرية لا يتغير منها، وفي جباية الزكاة يأخذ منهم ما يسهل على نفوسهم، دون ما يشق عليها، من غير تقصير في حق، وإذا أراد نهيهم عن قبيح، وإقلاعهم عن باطل سلك بهم في الزجر سبيلا سهلا، خاليا من الغلظة في القول، والقسوة في الموعظة، كالذي فعله رسول الله ﷺ لما بال أعرابي في المسجد، وثار إليه الناس ليوقعوا به فقال لهم الرسول ﷺ : «دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء» - الذنوب والسجل الدلو- «فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» «٣» . وكما تيسر على الناس في معاملتهم، ونهيهم وزجرهم؛ كذلك تيسر على النفس، فلا تكثر عليها من الطاعات حتى تسأمها وتملها، ولا تشق عليها في أداء الواجبات إذا أمكن القيام بها في يسر، فالذي يشق عليه القيام في الصلاة يتركه إلى القعود. أو يشق عليه الصوم لمرضه أو سفره أو كبره يتركه إلى الإفطار، أو يصعب عليه التوضؤ بالماء في البرد القارس ولم يتيسر له الماء الساخن يستبدل به التيمم، وهكذا يرفق بنفسه ولا يعسر عليها حتى تخرج عن أمره. ومن فهم التيسير عرف التعسير. وإنما نهى الرسول ﷺ عن التعسير بعد أمره بالتيسير مع أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده تقوية وتأكيدا؛ حتى لا يبقى لمتنطع «٤» علة يعتل بها لتنطعه. على أنه لو اقتصر على «يسروا» لتحقق الإمتثال بالتيسير مرة. وإن عسر مرارا. فلما قرنه بالنهي عن التعسير. والنهي يقتضي الكف عن الفعل دائما فهمنا المداومة على التيسير. وكذلك يقال في الأمر والنهي الآخيرين. ٢- وأمرهما بالتبشير؛ ونهاهما عن التنفير . فتبدأ الناس بالأخبار السّارّة

стр. 100

المروحة للنفوس، المزيلة للهموم، فتشحذ «١» منهم العزائم؛ وتعلو الهمم. فيقبلون على الأعمال الطيبة، فإذا دعونا جماعة إلي هذا الدين بدأناهم بذكر الثمرات التي يجنيها العبد من ورائه. فنذكر لهم العزة في الدنيا والملك والغني وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ «٢» . وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ «٣» . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً «٤» ، ونذكر ما أعد الله للمؤمنين في الحياة الآخرة. مما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر، ونبين لهم سهولة الدّين، وأن شرائعه لا تثقل النفوس، ولا تحرجها، بل هي لها طهارة وسعادة وبرد وراحة وإذا وعظنا شريرا ليرعوي عن غيه رغبناه في التوبة، وعرّفناه أنها تجبّ «٥» السيئات وأن أبواب الله لها مفتحة، وأن الإستقامة أجدى عليه من الإجرام، وإذا نصحنا طالبا ليجد في دروسه بيّنا له آثار الجد، وثمراته في المجدين، وما كسبوا من كبير المناصب، وعلو الجاه، وسعة الثروة، ذلك هو التبشير. أما التنفير فجانب سبيله، فلا تبدأ من دخل الإسلام حديثا؛ ولم يتمكن من نفسه بذكر أنواع المياه، وأحكام الاستنجاء، وفروض الوضوء وسننه وآدابه؛ والغسل وأحكامه وأسبابه؛ والتيمم وأركانه ... وتستقصي في ذكر الأحكام له استقصاء حتى يرى نفسه أمام تعليمات ثقيلة وأحكام كثيرة؛ وكل هذا للصلاة وسيلة؛ فما الحال في المقاصد؟ إنها لكبيرة فينفر من الدّين بعد أن رغب فيه؛ ويهم بالنكوص «٦» بعد أن خطا فيه خطوة. وكذلك لا تنفر العاصي بأن ما أسلفه من السيئات لا توبة له منه ولا إنابة؛ ولا بد من عقابه على ما أجرم فيرجع عن الإقلاع؛ ويستمر في الإجرام؛ وكذلك لا تبدأ الطالب الكسلان بوخامة «٧» العاقبة؛ وسوء النتيجة، فتفت في عضده؛ وتذهب ببقية

стр. 101

عزمه. فتضره ولا تنفعه. وإذا قابلت من تزوج حديثا فبشره بالحياة الطيبة؛ والذرية المباركة؛ ولا تقل له: زوجك هذه من أسرة خلقها كيت وكيت. أو هي لا تحسن إدارة منزل؛ ولا خدمة زوج؛ وقد خطبها فلان ورغب عنها؛ مما يدل على حماقتك وقصر نظرك؛ وأنك لا تقدر المواقف قدرها. وإنما ذكر الرسول ﷺ التنفير بجانب التبشير دون الإنذار الذي هو قرينه لأن الإنذار غير منهي عنه، إذ كان الرسول ﷺ مبشرا ونذيرا لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً. ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً «١» ، والقرآن من سننه قرن النعيم بالجحيم. وأن الأول: للمتقين، والثانية: للمجرمين؛ فكيف ينهى الرسول ﷺ عن سنته وطريقته، وعن سلوك منهج القرآن؟ لذلك نهى الرسول ﷺ عن التنفير دون الإنذار. وأن للتبشير مقاما. وللإنذار مقاما. فالإنذار مقاما. فالإنذار لمن لا يقيمه على الصراط الإبراق والإرعاد. والتبشير لمن يحركه إلى العمل بارق الأمل، وكلاهما محمود. أما التنفير فإنه ممقوت ما دام يبعد عن الحق، ويرغب عن الخير، فإن كان مبعدا عن الرذيلة فذلك الإنذار المحمود، وإذا كان للإنذار مقام، وللتبشير مقام، لم يكن الأمر بالتبشير نهيا عن الإنذار لاختلاف الوجهة، ومن التنفير إذا كنت مدرّسا أن تحدث الطلبة بطول المقرر وصعوبته، وأنه لا أمل في الإحاطة به، أو أن تبدأهم بالمسائل الصعبة والأبواب العسرة. بل تحدثهم بسهولة المقرر، وأن الإرادة الماضية تحيط به في يسير من الوقت، وتأخذ بهم من الأسهل إلى السهل، فالصعب ثم الأصعب وكذلك كل من تولى مع آخرين عملا مهما؛ يسهل عليهم أمره؛ ويتدرج بهم فيه، حتى يبلغوا غايته، وكل هذا من الحكمة. ٣- وأمرهما بالتطاوع، ونهاهما عن التخالف . لأن التطاوع قوة وألفة والتخالف ضعف ونفرة. فما دام الأمر في معروف فليطعه. فإن رأى غير ما رأى تباحثا في وجوه الاختلاف، ومحّصا «٢» المسألة، ثم أصدرا عن اتفاق تلك نصيحة الرسول ﷺ لأبي موسى ومعاذ. وجدير بكل من بعث واليا، وعيّن حاكما، على إقليم من الأقاليم أن يضع هذه النصيحة نصب عينيه لينجح في إدارته، ويعلو في ولايته.

стр. 102

هذا وللحديث بقية، فنذكر لك أصله- قال البخاري «١» : حدثنا مسلم، حدثنا شعبة، حدثنا سعيد بن أبي بردة، عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ جده أبا موسى ومعاذا إلى اليمن، فقال: «يسرا ولا تعسرا. وبشرا ولا تنفرا. وتطاوعا ولا تختلفا» ، قال أبا موسى: يا نبي الله إن أرضنا بها شرب من الشعير المزر «٢» ، وشراب من العسل البتع «٣» ... فقال: «كل مسكر حرام» فانطلقا. فقال معاذ لأبي موسى كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائما، وقاعدا، وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقا- أي لا أقرأ وردي منه دفعة واحدة، ولكن أقرؤه شيئا بعد شيء في ليلي ونهاري، مأخوذ من فواق الناقة لأنها تحلب، ثم تراح حتى تدر، ثم تحلب- قال: أما أنا فأنام، فأقوم، وأنام فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، وضرب فسطاطا- بيتا من شعر- فجعلا يتواران فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق، فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم، ثم ارتد، فقال معاذ: لأضربن عنقه. ٣٩- باب: إطعام الجائع وعيادة المريض عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني» . [رواه البخاري «٤» ] . اللغة: العيادة: الزيارة، وكل من أتاك مرة بعد أخرى فهو عائد وقد اشتهرت العيادة في زيارة المريض حتى صارت كأنها مختصة به. والعاني: الأسير. وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو وهو عان. والمرأة عانية، والجمع عوان، ومنه الحديث: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم» أي أسراء أو كالأسراء. الشرح: في هذا الحديث طلب أمور ثلاثة:

стр. 103

أولها: إطعام الجائع . وقد حث على ذلك القرآن في مواضع كثيرة مثل قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ- مجاعة- يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ- لله- أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ «١» ، فيجب علينا كفائيا إطعام الجائع إنقاذا له من ألم الجوع. ومحافظة على صحته بل على حياته إن كان يودي بها فقد الطعام، وليكن إطعامه من خير ما نطعم به عملا بقوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ «٢» ، وقوله: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً «٣» ، ولم يبعد من عمم الجائع في الإنسان والحيوان. وثانيهما: عيادة المريض ؛ وقد أوجبها كفائيا بعض الفقهاء كإطعام الجائع وفك الأسير، وعضد ذلك بحديث أبي هريرة عند البخاري «٤» : حق المسلم على المسلم. وبرواية مسلم «٥» : خمس تجب للمسلم على المسلم، وذكر منها عيادة المريض، ولكن الجمهور على أنها في الأصل مندوبة، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض الناس دون بعض، وعيادة المريض تذكرة ومحبة ومنفعة، فهي تذكر الإنسان بناعي الحياة، وتعرفه قيمة الصحة التي يتمتع بها، فينطق بشكر مسديها «٦» ، وهي تزرع المحبة بين المريض وعواده، بل بينهم وبين قرابته، وهي نافعة للمريض تروّح عنه وتسليه، وربما وصف العائد دواء ذهب بالداء؛ أو تبرع بإحضار نطاسي «٧» ، أو أرشد إلى طبيب ماهر، وينبغي أن تكون العيادة في الأوقات المعتادة، وألا يطيل الجلوس حتى يضجر المريض، أو يشق على أهله، ما لم تدع ضرورة إلى ذلك، وأن يلاحظ أوامر الأطباء في ترك اقتراب أو مكالمة، أو قلة الترداد. وثالثها: فك العاني ، وفكه تخليصه من أيدي العدو بمال أو غيره، والجمهور على وجوب ذلك كفائيا حتى لا تكون ذلة لمؤمن كتب الله له العزة. وقال إسحق بن

стр. 104

راهواه: يجب تخليص الأسرى من بيت المال، وهو رواية عن مالك، فتخليصهم واجب حكومي لا فردي، ولو كان في يدنا أسارى للأعداء فادينا بهم أسارانا، والغرض ألا ندع قوما جاهدوا لإعزازنا، في مذلة أعدائنا، بل علينا أن نستردهم إلى ديارهم بكل ما استطعنا أفرادا وأمة. ٤٠- باب: إئتلاف الأرواح واختلافها عن عائشة ﵂ قالت: سمعت النّبي ﷺ يقول: «الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» . [رواه البخاري وكذلك مسلم «١» عن أبي هريرة] . اللغة: الروح: ما به الحياة والحركة، والجنود: جمع جند، وهم الأعوان والأنصار. وبعبارة أخرى: الجيش والعسكر، وواحد الجند جندي، وأصله المادة الغلظ والتجمع، يقال للأرض الغليظة ذات الحجارة: جند وتجنيد الجند جمعهم، فمعنى مجندة: مجموعة، والتعارف: معرفة بعضها بعضا، والمعرفة: إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، والتناكر: ضده، والائتلاف: الاجتماع مع التئام، وبعبارة أخرى: الإئتناس والمحبة، وضده الاختلاف. هذا والحديث قد رواه البخاري في صحيحه معلقا غير متصل عن الليث عن يحيى، عن سعيد، عن عمرة، عن عائشة. ولكن وصله في كتابه (الأدب المفرد) فرواه فيه عن عبد الله بن صالح عن يحيى ... وقد تكلم في عبد الله هذا بعض أئمة الجرح والتعديل. الشرح: من الظواهر التي نراها في الاجتماعات العامة ميل كل امرىء إلى من يشاكله «٢» ويناسبه روحا وخلقا، أو دينا وأدبا، أو مبدأ ومذهبا، أو حرفة وعملا، فترى المجتمعين بعد مدة وجيزة من بدء الاجتماع قد انقسموا جماعات تتحدث كل جماعة في شؤونها الخاصة، وأمورها المشتركة وتتغير نفوسها إذا رأت دخيلا بين

стр. 105

جماعتها، لا تربطه بهم صلة، ولا تجمعهم به جامعة، وتجلس في ركوب «١» عام قطار أو سفينة أو ترام أو سيارة، أو في مجلس من المجالس فترى نفسك منجذبة إلى بعض الحاضرين. نافرة من آخرين. وربما لم يكن قبل هذا اجتماع ولا تعارف، ولا تعاد وتخاصم فما سر هذا التالف والتحابب، وما علة هذا الاختلاف والتنافر؟ ذلك ما بيّنه الرسول ﷺ بهذا الحديث فهو يقول: «إن أرواح العباد ونفوسهم جنود مجتمعة وجيوش مجيشة فالتي بينها تعارف وتشاكل، وتوافق وتناسب، يألف بعضها بعضا، ويسر باجتماعه، ويفرح للقائه. لاتفاق في المبدأ، وتقارب في الروح» . روى أبو يعلى في مسنده عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة مزاحة، فنزلت على امرأة مثلها في المدينة، فبلغ ذلك عائشة فقالت: صدق حبي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الأرواح جنود مجندة» ... إلخ. أما التي بينها تناكر وتباين وتباعد وتغاير فإنها تختلف، وينفر بعضها من بعض، ولا يود لقاءه، فالأخيار الأبرار، الأمجاد الأطهار إذا وجدوا في مجتمع جذبهم أشباههم، أو انجذبوا إليهم، وسرى بينهم تيار من المحبة جمع قلوبهم، ووثق فيها روابط الصلة، وعرى الإخاء والمودة اما من لا يشاكلهم فتنفر منه قلوبهم. وكذلك الأشرار الفجار إذا حلوا بناد بادر إليهم أضرابهم. وجذبهم قرناؤهم، ونفروا ممن لا يتخلق بخلقهم ولا يسير في سبيلهم. فإذا عرفت رجالا بالبر والإستقامة. ونفرت منهم نفسك ونبا عنهم قلبك. فاعلم أن فيك عيبا ونقصا، وأنت دونهم في الطهارة فداو نفسك من عيوبها، وطهرها من أوزارها حتى تتقارب الأرواح، وتتشاكل النفوس، فتحل الألفة محل النفرة. وإذا رأيتك ميالا من تعرفهم بالشر والفسق والخلاعة «٢» والعهر «٣» ، فاعلم أنك من طبقتهم، ونسبك من شجرتهم. فإذا كانت نفسك تحدثك بأنك البرّ الأمين، أو الصوفي العظيم، أو التقي المخلص، أو الإنسان المهذب فكذب نفسك في حديثها. واعتقد أنك غر «٤» مخدوع، وأبله مفتون، ففتش في زوايا قلبك تجد للباطل ركنا،

стр. 106

وللشيطان حظا؛ وللفساد جوا؛ وهذا ما جذب قلبك إلى الأشرار؛ وإذا رأيتك تميل إلى الأخيار؛ وتحب مجالسهم وتنجذب نفسك إليهم؛ مع علمك بسوء سيرتك واعوجاج طريقتك؛ فأدرك أن فيك بقية من الخير؛ ولا يزال فيك أمل. فربّ هذه البقية؛ وقوّ هذا الأمل؛ حتى يرحل عنك الشر؛ وتدخل بجملتك في حزب الخير. وكذلك إذا كنت طاهرا برا نقيا؛ ورأيت في نفسك بعض الميل للمجرمين، أو الركون إلى الظالمين فاعرف أن الشيطان قد نفث فيك نفثة، وثغر في قلبك ثغرة، فتحضن منه، وقل: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ- الصبح- مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ. وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ- ليل إذا دخل- وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ. وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ «١» . فالحديث يبين لنا طبيعة من طبائع النفوس؛ لننتفع بها، فنجنبها الشر، ونغمرها بالخير. ٤١- باب: برّ الوالدين عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحقّ بحسن صحابتي؟ قال: «أمّك» ، قال: ثمّ من؟ قال: «أمّك» ، قال: ثم من؟ قال: «أمّك» ، قال: ثمّ من؟ قال: «أبوك» . [رواه البخاري ومسلم] «٢» . اللغة: الصحبة والصحابة مصدران: بمعنى المصاحبة، وهي الملازمة، والأصل فيها أن تكون بالبدن، وقد تكون بالعناية والاهتمام كما هنا. الشرح: هذا الحديث يدل على أن لكل من الأبوين حقا في المصاحبة الحسنة؛ والعناية التامة بشؤونه وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً «٣» ، ولكن حق الأم فوق حق الأب بدرجات، إذ لم يذكر حقه إلا بعد أن أكد حق الأم تمام التأكيد، بذكرها ثلاث

стр. 107

مرات، وإنما علت منزلتها منزلته مع أنهما شريكان في تربية الولد هذا بماله ورعايته؛ وهذه بخدمته في طعامه وشرابه، ولباسه وفراشه و ... إلخ. لأن الأم عانت في سبيله ما لم يعانه الأب، فحملته تسعة أشهر وهنا على وهن، وضعفا إلى ضعف؛ ووضعته كرها؛ يكاد يخطفها الموت من هول ما تقاسي، ولكم كان بدء الحياة لوليد نهايتها الأم رؤم «١» ، وكذلك أرضعته سنتين، ساهرة على راحته، عاملة لمصلحته وإن برحت بها في سبيل ذلك الآلام وبذلك نطق الوحي: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً «٢» ، فتراه وصّى الإنسان بالإحسان إلي والديه؛ ولم يذكر من الأسباب إلا ما تعانيه الأم إشارة إلى عظم حقها. ومن حسن المصاحبة للأبوين الإنفاق عليهما طعاما وشرابا، ومسكنا ولباسا؛ وما إلى ذلك من حاجات المعيشة، إن كانا محتاجين. بل إن كانا في عيشة دنيا أو وسطى؛ وكنت في عيشة ناعمة راضية فارفعهما إلى درجتك أو زد. فإن ذلك من الإحسان في الصحبة. واذكر ما صنع يوسف مع أبويه وقد أوتي الملك إذ رفعهما على العرش بعد أن جاء بهما من البدو. ومن حسن الصحبة بل جماع أمورها ما ذكره الله بقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً. وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً «٣» فامنع عنهما لسان البذاءة «٤» ، ولو بالهنات «٥» الصغيرة. وجنبهما أنواع الأذى. وألن لهما قولك؛ واخفض لهما جناحك؛ وذلل لطاعتهما نفسك؛ وأذك في روحك العطف عليهما؛ والرحمة بهما. ورطّب لسانك بالدعاء لهما من خالص قلبك وقرارة نفسك وقل: ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا، ولا تنس زيادة العناية بالأم، عملا بإشارة الوحي؛ ومسايرة لمنطق الحديث.

стр. 108

وقد استنبط جمهور الفقهاء من الحديث تقديم الأم على الأب في النفقة إذا كان مال الولد لا يتسع إلا لواحد منهما. وقيل: إنهما سواء. وهو مروي عن مالك والشافعي. ٤٢- باب: سب الرجل والديه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه» ، قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرّجل والديه؟ قال: «يسبّ الرّجل أبا الرّجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] . اللغة: اللعن من الله: الطرد والإبعاد على سبيل السخط. ومن الناس: السب والدعاء. والسب الشتم الوجيع. الشرح: من الذنوب ما ضرره عظيم. وسوء أثره في المجتمع كبير كالقتل والزنى وشرب الخمر والسرقة وشهادة الزور وقطيعة الرحم وأكل مال اليتيم. وهذا النوع يسمى بالكبائر لكبر المفسدة فيه، وللوعيد الشديد عليه ولهذا النوع درجات بحسب الضرر الذي فيه، فكلما كانت دائرته أوسع كان في الكبر أدخل. فكتمان الشهادة كبيرة؛ ولكن أكبر منه الكذب على رسول الله ﷺ وما كان من الذنوب ضرره يسيرا يسمى بالصغائر. كعبوسة الوجه، وهز الرأس احتقارا، والحديث يبين أن سب الرجل أبويه من أكبر الكبائر. وأعظم الذنوب. لأنه الإساءة في موضع الإحسان، والإثم الكبير مكان البر العظيم، والشتم الذميم عوض القول الكريم، وهل هو إلا كفر بنعمة التربية منهما، وغمط «٢» لحقوقهما، ودناءة نفس، وخسة «٣» طبع، وهل يرجى من شخص يسيء إلى أبويه اللذين ربياه صغيرا أن يحسن إلى أحد من

стр. 109

الناس؟ كلا. فهو مصدر شر ومبعث فساد. فلا جرم أن كان ذنبه عظيما. ووزره خطيرا ولذلك عجب الصحابة واستغربوا وقالوا: كيف يسب الرجل والديه؟ استبعاد أن يكون في بني الإنسان من يقدم على هذا الجرم العظيم. فبين لهم الرسول ﷺ أنه سب غير مباشر، بأن يسب شخص أبا شخص آخر، فيسب هذا أبويه، انتصارا لنفسه، وانتقاما مضاعفا لعرضه، فذلك سب من الأول لأبويه. لأنه تسبب فيه. وإذا كان التسبب لذلك من أكبر الكبائر فما بالك بمن يسبهما كفاحا «١» . بله من يؤذيهما ويضربهما؟ إن ذلك للوزر الأكبر، لا يفوقه إلا الشرك والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً- ظلما- بِغَيْرِ عِلْمٍ «٢» ، فنهى المسلمين عن سب الآلهة التي يعبدها المشركون مخافة أن يسبوا الله انتصارا لآلهتهم. ٤٣- باب: ثمرات صلة الرحم عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» . [رواه البخاري ومسلم، ورواه الترمذي «٣» بلفظ] : إنّ صلة الرّحم محبّة في الأهل، مثراة في المال منسأة في الأثر. اللغة: البسط: النشر والتوسعة، والرزق: يقال للعطاء الجاري كالمرتب. وللنصيب، ولما يتغذى به. والإنساء: التأخير، وأثر الشيء: ما نشأ عنه ودلّ عليه، فأثر المشي في الأرض صورة القدم فيها، والمراد به هنا: الأجل أي بقية الحياة. قال زهير:

стр. 110

والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينتهي الطرف حتى ينتهي الأثر وسميت بقية العمر أثرا لأنها تتبعه في الذهاب كما يتبع الأثر صاحبه، ولأن المرء ما عاش لحركاته آثار. فإذا مات فلا حركات، ولا آثار، أو المراد بالأثر الذكر الحسن، والرحم القرابة لأنها داعية التراحم بين الأقرباء وصلة الأقارب تكون بزيارتهم ومعونتهم بالنفس وبالمال، صدقة إن كانوا فقراء، وهدية إن كانوا أغنياء. وبعمل كل ما يستطيع من جر مغنم، أو دفع مغرم. فيعتبرهم كنفسه في جلب الخير، واتقاء الشر. الشرح: رتب الرسول ﷺ على صلة الرحم أمرين بسط الرزق والإنساء في الأثر. أما ترتب السعة في الرزق على صلة الرحم فلأنه بالصلة يستجلب محبتهم ومودتهم فيعاونونه على كسب الثروة فتزداد. وينفي بالصلة عداوتهم التي إذ شغل بها استنفدت كثيرا من وقته. يتعطل فيه عن ابتغاء الرزق. ولأنه بالصلة يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة وبالصلة يدخل في زمرة المتقين وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ «١» ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً «٢» وفي القرآن آيات كثيرة ترتب السعادة الدنيوية على الأعمال الصالحة مثل وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٣» ، وأما ترتب الإنسان في الأثر على الصلة، فإن فسرنا الأثر بالذكرى الطيبة للإنسان بعد وفاته فالإنساء فيها معناه التأخير والإطالة؛ فألسنة الناس ثناء عليه ودعاء له. لقيامه بواجب القرابة؛ وربما استمرت هذه الذكرى أمدا طويلا. فنفسه الرحيمة كأنها خالدة في عالم الأحياء. وإن فسرنا الأثر ببقية العمر فظاهره أن الأجل يمتد بصلة الرحم؛ وذلك يعارض قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها «٤» ، فالجواب أن الأجل محدد بالنسبة إلى كل سبب من أسبابه. فإذا فرضنا أن الشخص حدد له ستون عاما إن وصل رحمه وأربعون إن قطعها؛ فإذا وصلها زاد الله في عمره الذي حدد له إذا لم يصل.
следующие страницы →