الإهداء
إلى: سيدي رسول الله ﷺ ... صاحب خبر السماء ﷺ ... نفسي له الفداء ...
أنفاسك الطاهرة ... طالما أقرأت الكتاب المجيد ... فكان من يديك- يا سيدي- كلّ برّ أمين مبين رشيد ... فخلف من بعدهم- يا سيدي- خلف ورثوا الكتاب ... يأخذون عرض هذا الأدنى ... طمعا في السراب ... وبلي القران في صدور أقوام كما تبلى الثياب ... وانطلق الملأ منهم ينتجون: إن سيرهم على حرف الكتاب لفي ضلال مبين ... فحرفوه، ورموا به في غيابات الجب، وكانوا فاعلين ... وهم يصعدون ...
يصعدون- يا سيدي- ولا يلوون على أحد ... واشتري بايات الله ثمن قليل ...
وحشرج الصدر لذلك بعويل الأسوار، وسمعت اهات نداء الحق خلف أسوار العويل ... وملأ من المؤمنين للحق كارهون ... يجادلون في الحق بعدما تبين، وهم ينظرون ... وأحلوا الخسر؛ إذ حطموا باستكبارهم التواصي بحق وصبر، وهم لا يشعرون ... وصار ما سوى الكتاب المجيد عندهم هو العجاب ... فمسنا حين من الدهر تاهت عنا فيه حقيقة المتاب ... وأفل عنا كل نور صالح، وتركتنا شفقة عبد لله ناصح، ولغبنا بعوج ماديات المصالح، ونأت خلفنا هدايات عليّ حكيم ...
فذهبت الريح ... وبكى الغار ... وأنّ أحد وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ... ألم تدعهم في أخراهم ... وأخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ...
فكان نداؤك- يا حبيبي- يشق الأزمان للولهى، ويغيث أمة من اضطرام الفتنة حيرى: «هذا الكتاب ... فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا بعده أبدا» ، فسارع إلى الخيرات كلّ ممسّك بالكتاب يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ... يبتغي الحق مظانه، وعلى شدة القروح انقلبوا بنعمة من الله وفضل ... لم يمسسهم سوء ... فإذا
стр. 2
سعيهم محمّد محمود أحمد ... بما علمتهم من الكتاب المجيد ... حتى كادوا يكونون عليه- لهفا وشوقا- لبدا ... ينتظرون ورود الحوض، وشروق شمسك أمامه ... كأن وجهك ورقة مصحف علّمته ... وما زالوا- يا حبيبي- يخرون للأذقان ... يبكون ابتغاء شربة هنيئة لا تظمأ بعدها قلوب لهفى طالما ظمئت إلى يدك الشريفة- أبدا ...
يرددون مع الحبيب الجليل ابن أم عبد- إذ أمرتهم بالتمسك بعهده-:
«اللهم أسالك إيمانا لا يرتد ... ونعيما لا ينفد ... ومرافقة نبينا محمد ﷺ في أعلى جنان الخلد ...
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدّمة
الحمد لله على الائه ... هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ... لقد جاءت رسل ربنا بالحق، ومقال الصدق، صلى اللة عليهم اجمعين ... اللهم صلّ على محمد صلاة أزدلف بها إلى مغفرتك، وسلم عليه تسليما يحشرني في زمرة أوليائه ... الهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة ... الهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والاخرون، وعلى اله وأصحابه الكرام الطيبين، الأخيار الطاهرين.
اللهم إني أعوذ بك أن أقول بحقّ أطلب به غير طاعتك، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك ... أعوذ بك أن أستعين بشيء من معاصيك على ضرّ نزل بي ... أعوذ بك أن تجعلني عبرة لأحد من خلقك في مقام الخزي ... اجعلى ممن ابتدأته بفضلك ... وأعقبته بودك، ورأفتك، ورحمتك.
وبعد: فكم عللت الفؤاد العليل بإشراق غده ان أن كان يتطلع لهفا وشوقا إلى معرفة المنهجية النبوية الصافية في تعليم اللفظ القراني ... فمتى غده إن لم يكن الان؟ والاخرة على الأبواب ... ومعرفة كهذه تفتح أبواب الإيمان واليقين والعمل والإخبات ففيها لكل ذلك مغتسل بارد وشراب ... وقد كانت رسالة العالمية العليا (الدكتوراه) محاوله أولية في سبيل تحقيق ذلك، إلا أن طولها، وعمق أبواب كثيرة من مسائلها دعا عددا من الأحباب النصحة لكتاب الله وللمسلمين إلى طلب اختصارها عسى أن يعم النفع بها لعامة المسلمين بعد أن كان موقوفا على
стр. 4
المختصين والباحثين ... فكان هذا الكتاب ... ملتمسا من الله خير ختام وحسن ماب.
المنهجية النبوية في تعليم اللفظ القراني ... لماذا ؟
١- لأن حاجة علماء الإقراء والتجويد ماسة وضرورية إلى منهج محدد يوضح لهم كيفية إقراء النبي ﷺ اللفظ القراني، ليكون أساسا تقعيديا يعتمدون عليه في تأصيل عمليات الإقراء، وركنا واضحا يتخذونه سبيلا تطبيقيا في تعليم اللفظ القراني وتعلمه.
٢- ليستبين المقياس المطلق لصحة المنهجية التعليمية للفظ القراني، وبالتالي يتم تصحيح بعض الأخطاء الشائعة في المنهجيات التعليمية السائدة كالغلو في حفظ الألفاظ دون مصاحبة ذلك لمنهجية في تعلم المعاني، والتخلق بالخلق القراني ... فتكون هذه الدراسة محاولة في سبيل إعادة المنهجية النبوية إلى واقع الأمة، وتمثل أساسا لتقويم واقع الإقراء وتسديده في العصر الحاضر.
٣- ليأوى معلم القران ومتعلمه من المسلمين عامة إلى ظلال وارفة عيشا مع قضايا علم القراءة والتجويد في صورتها الصافية، وسيرتها الأولى ... حيث كان الموجه القران الكريم، والسنة النبوية قبل حدوث الأقوال وتعددها- على فضلها- ... عسى أن ينشر الله له فيها من رحمته، ويهيئ له من أمره مرفقا إذا دلف إلى جنانها في عصر أحزاننا المستديمة على حد قول القائل:
دخلت، وقلبي قد طار مني ... ولكنه عاد لمّا دخلت
دخلت الرحاب، وأسلمت نفسي ... إلى تلف الوجد حتى سلمت
وكان المقام العظيم العظيم ... عليه يخيم نور وصمت
فطوف بي من جلال القران ... ذهول فهمت، وهمت، وهمت
стр. 5
٤- لسد الثغرة القائمة في مؤلفات علوم القران الكريم؛ إذ لا يوجد- فيما أعلم- كتاب جامع يتضمن دراسة وصفية لتعليم النبي ﷺ القران الكريم لأصحابه رضى الله عنهم، ويؤصل لقواعد علم التجويد، وإن سدت كتب فضائل القران ومقدمات التفاسير جزا عظيما وهاما من ذلك.
الأهداف التفصيلية للكتاب:
١- التأصيل الشرعي الدقيق لمناهج القراء، وقواعد التجويد حيث تخلو الكتب المؤلفة في هذا العلم- غالبا- من ذلك.
٢- الوصول إلى نتائج مبينة في بعض قضايا اللفظ القراني الشائكة كمسألة التواتر القراني ... والتكبير عند خواتم القران ... عدد الحفاظ في عهد النبي ﷺ ...
صورة حفظ القران مسألة عامة شائعة ... التأكيد على حفظ كبار الصحابة ﵃ للقران كله في حياة النبي ﷺ ... العرضة الأخيرة ... حل إشكالات في الفهم لبعض الروايات والنصوص التعليمية ... الكلام عن القراءة التفسيرية ... نظرية القراءة بالمعنى ... أسلوب إدارة النبي ﷺ للجامعة النبوية القرانية ... تخرج الاف الحفاظ للقران الكريم على أيدي أئمة الإقراء من أصحابه ﵃.
٣- إظهار الأداة الواقعية التي تؤدي إلى الاطمئنان على دقة نقل ألفاظ القران الكريم، وعدم طروء أي تطور مخالف لما كان عليه الأمر قديما في نقلها إلا ما كان عائدا إلى خدمة الأصل التوقيفي ... فتتجلى عند ذاك واقعية الحقيقة الإيمانية (العقدية) الخالدة (حقيقة الحفظ الإلهي للقران الكريم) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩) ، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ (البقرة: ٢) ، تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (السجدة: ٢) ، من خلال وصف ذلك في العهد النبوي، وعرض حقائق التلاوة بطريقة فيها تنوع جديد.
стр. 6
٤- رام المؤلف أن يبين أن النبي ﷺ كان- في أداء البلاغ المبين للفظ القراني- كرئيس جامعة عصرية تضم تحتها عددا من الكليات، ومجموعة متخصصة من هيئة التدريس يبرز بعضهم ككبار المدرسين، ويمكن تشبيه بعضهم بالمعلم الأول في عصرنا ... وأما الطلاب فأعداد غفيرة تشكل الأمة بأسرها، ومنهم المتفرغون لتعلم القران الكريم كالسبعين الذين قتلوا في بئر معونة، كما حاول أن يبين مفردات المنهج الذي يجب على جميعهم أن يتعلموه «الواجب العيني» ، ثم يرتقي بعضهم إلى الدراسات العليا ليحيطوا بنسبة أكثر وأدق من المعرفة القرانية لهذا المنهج التعليمي «الفرض الكفائي» ...
٥- فصّل الكتاب كيفية تعليم الناس اللفظ القراني وفق منهجية التلقي، وكيف كانت تتم عملية التلقين والتلقي على الرغم من كثرة العدد، مع ضرورة تطبيق اللفظ القراني، ومعرفة معانيه.
لماذا اختار الكتاب مصطلح (أصحاب) ولم يختر مصطلح (تلاميذ) ؟
لأن هذا هو المصطلح النبوي لتلاميذ النبي ﷺ ... والاصطلاح على المتعلم بأنه (تلميذ) نشأ متأخرا «١» ، والأصحاب مأخوذ من الصحبة التي «تعني المصاحبة والمرافقة والمجالسة على حب الله تعالى وحب رسوله ﷺ ، والصحابة هم أصحاب محمد ﷺ الذين صاحبوه وجالسوه وسمعوا منه وأخذوا عنه هدي الإسلام وسننه، فنصروه وعزّروه وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.
ولقد قام المنهج النبوي على تأسيس الصلة والصحبة والجندية كلها على المتابعة بالمحبة والصدق والإخلاص» «٢» ، ولا شك أن الظلال النفسية لمصطلح صاحب لها
стр. 7
أثرها الراقي بصورة أعلى بكثير من الظلال التي يثيرها مصطلح تلميذ خاصة في المرحلة الثانوية والجامعية، وقد طلب البعض عدم استعمال مصطلح تلميذ لطلاب العلم في هاتين المرحلتين.
حول الروايات الواردة في الكتاب:
يلتزم الكاتب إيراد الروايات المقبولة دون غيرها في صلب البحث، وقد يورد غيرها مما لم يشتد ضعفه على سبيل الاستشهاد- إن كانت تلك الروايا صالحة للاعتبار- وذلك ينسجم مع ما قاله الإمام أحمد- ﵀: «الأحاديث الضعيفة قد يحتاج إليها في وقت، والمنكر أبدا منكر» «١» ، وكل ذلك بحسب ما يلائم كل قضية من درجة في التوثيق. وقد يذكر الكاتب تخريج الهيثمي في مجمع الزوائد وحكمه على الرواية، مع أنه إنما يحكم على السند الذي أمامه وليس على الحديث، ولذا فقد يضعّف بعض الأحاديث مع أنها مقواة من جهات أخرى، فأرجو ألا يغتر بذلك.
معوقات في مواجهة البحث:
١- شح المادة العلمية التفصيلية لهذا البحث، وما ذاك إلا لصيرورة مفردات مناهج التعليم للفظ القراني بدهيات لا يستغنى عنها، فصار الجانب العملي فيها مغنيا عن النقل العلمي، كما أن هذا اقتضى التنقيب البالغ عن النصوص المطلوبة في كل كتاب علمي يمكن الاطلاع عليه ... وهو ما جعل العبء مضاعفا.
٢- غموض الترتيب في المادة المجموعة لعدم النسج على مثال سابق في خصوص الموضوع، كما أن جلالة الموضوع، وهيبته؛ إذ إن حقيقته محاولة العيش بين الرسول ﷺ والقران الكريم والصحابة ﵃ مع أشرف وظيفة بعث بها
стр. 8
الرسول ﷺ هي تعليم الكتاب ... وهذا قد يؤود الباحث فيتنكب الصواب في ثنايا الاضطراب ... وذا أثر نفسي لا ينكره الباحث.
منهج الاختصار للبحث:
١- قرئ أصل هذا الكتاب عدة مرات أخر من أوله إلى اخره حتى يتم حذف ما يمكن حذفه، وتعديل ما يجب تعديله بحيث يتناسب مع الحيز المقترح له من عدد الصفحات.
٢- حذفت الاراء الفقهية المختلفة، واكتفي ببيان الراجح فقط عند وجود الاختلاف في المسألة ... ومن أراد الاستزادة فعليه بالأصل.
٣- اكتفي بأهم النصوص القرانية والحديثية التي توضح فكرة الموضوع، واقتصر على واحد منها عندما يسوغ ذلك، كما اكتفي في غالب الأحيان بموضع الشاهد من النص القراني أو النبوي، وحذف تفصيل الكلام على تخريج الأحاديث، وكلام الشراح حولها إلا ما لابد منه في نظر الكاتب.
٤- حذفت العبارات التي يمكن بدونها فهم الفكرة الأصلية، وكان وجودها زيادة إيضاح وبيان، وامتد هذا التصرف إلى النصوص المنقولة عن أهل العلم.
٥- حذفت الاعتراضات على الفكرة أو المعنى الراجح والأجوبة على ذلك غالبا.
٦- دمجت عدد من المطالب والمباحث، وحذف بعضها لكن الكاتب أبقى على الهيكل العام (الفصول) كما هو.
٧- تم حذف كثير من تفاصيل براهين النظريات التي مال إليها الباحث في الفصل الخامس، كما حذف موضوع التواتر القرائي بأكمله من هذا الفصل مما لا أظن الباحث يستطيع الاكتفاء بما هو موجود في هذا المختصر، فأنصح بالرجوع إلى الأصل في هذا الموضوع الكبير.
стр. 9
٨- حذفت معلومات المرجع من أول موضع ورد فيه غالبا، واكتفى بمختصره، حيث يغني فهرس المراجع عن ذلك، كما تم حذف تراجم الأعلام، وتفاصيل التعريفات اللغوية.
٩- تركت ما فيه ذكر لأخبار القراء من الصحابة والتابعين مما يزيّن القارئ به مجالسه وحلقته.
فإن اعترض على هذه الطريقة في الاختصار ... فأنا أسلم بذلك، وليكن هذا كتاب جديد يكون مدخلا للأصل.
الهيكل العام للبحث «خطة البحث» :
يتكون البحث من مقدمة وخمسة فصول، وقد اختار الباحث أن يسير سيرا متدرجا بالنسبة لتعليم قراءة القران الكريم، ابتداء بما قبل القراءة وحتى ختامها ...
ولما كان البحث دائرا حول شخصية النبي ﷺ التعليمية في الإطار الخاص وهو تعليم ألفاظ القران الكريم لا التعليم لكل ما يتعلم فقد انعقد الفصل الأول لأجل ذلك فكان حول شخصية النبي ﷺ التعليمية من الناحية العامة إشارة إليها، ومن الناحية الخاصة المتعلقة بتعليم اللفظ القراني.
ولما كان البحث دائرا حول تعليم ألفاظ القران الكريم فقد لزم من هذا بيان أصول هذا التعليم في منهجية النبي ﷺ من الناحية الإدارية والمنهجية وعقد الفصل الثاني لأجل ذلك.
ولما كان محور البحث متركزا في كيفية تعليم تلاوة الألفاظ القرانية فقد عقد الفصل الثالث لإيضاح ذلك بالتفصيل، وبيان منهجية النبي ﷺ في تعليم الترتيل «التجويد» .
стр. 10
ولما كان حفظ «جمع» القران يمثل الغاية من هذا التعليم فقد انعقد الفصل الرابع لبيان جمع القران كتابة وعن ظهر قلب، واستتبع هذا الكلام عن جامعي القران الكريم من الصحابة على يد النبي ﷺ «المخرجات التعليمية» .
ولأن القران قد اختص من بين سائر الكتب السماوية بنزوله على لغة العرب ومن ثم امتناع ترجمته حرفيا، مع الإذن بقراءته على سبعة أحرف ... فقد انعقد الفصل الخامس لبيان كيفية تعليم النبي ﷺ ذلك، واستتبع هذا ربط ذلك بحقيقة التواتر القراني واثاره التي تدل على عدم مس القران الكريم كما أنزله الله تعالى بزيادة أو نقصان، وبيان الحقائق التي تجلي بعض الاستشكالات التي أوردت على المنهجية الشرعية لتناقل القران الكريم.
وعلى هذا انحصرت تبويبات البحث بعد المقدمة في التالي:
الفصل الأول: شخصية النبي ﷺ التعليمية: وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: طبيعة الوظيفة الرسالية لسيدنا محمد ﷺ .
المبحث الثاني: وظيفة التلاوة.
المبحث الثالث: حكم تعلم القران الكريم وتعليمه.
الفصل الثاني: أصول تعليم النبي ﷺ أصحابه ألفاظ القران: وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعليمه ﷺ كيفية تعلمه لكلام الله القراني.
المبحث الثاني: وسائل تعليم ألفاظ القران الكريم كما وضعها النبي ﷺ .
المبحث الثالث: وسائل النشر التعليمية لألفاظ القران الكريم في عموم المجتمع المسلم كما قام بها النبي ﷺ .
المبحث الرابع: القواعد التربوية المصاحبة لعملية الإقراء «من حيث اللفظ» .
стр. 11
الفصل الثالث: جماع منهجية النبي ﷺ في تحفيظ الألفاظ وترتيلها: وفيه ستة مباحث وهي:
المبحث الأول: تعليمه ﷺ أساسيات الدرس القراني «منهج الحلقات القرانية» .
المبحث الثاني: تعليمه ﷺ ماهية التجويد وحكمه.
المبحث الثالث: تعليمه ﷺ أهمية التجويد وضوابطه الشرعية.
المبحث الرابع: تعليمه ﷺ ترتيل ألفاظ القران الكريم.
المبحث الخامس: تعليمه ﷺ مراتب الأداء الأعلى من التجويد.
المبحث السادس: تعليمه ﷺ الملحقات بأحكام التجويد.
الفصل الرابع: تعليمه ﷺ جمع القران الكريم حفظا وكتابة «المخرجات التعليمية» : وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: أثر عامل السن في أسلوب تعليمه «منهجية النبي ﷺ في تعليم الصغار» .
المبحث الثاني: تعليمه ﷺ ألقاب حامل القران وصفاته.
المبحث الثالث: أصحاب «تلاميذ» النبي ﷺ من أئمة الإقراء «المخرجات التعليمية» .
المبحث الرابع: تعليمه ﷺ جمع القران.
الفصل الخامس: تعليمه ﷺ قراءة القران على أحرفه المنزلة: وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعليمه ﷺ القراءة بما تيسر من الأحرف السبعة.
المبحث الثاني: تعليمه ﷺ أن القراءة سنة يأخذها الاخر عن الأول.
стр. 12
المبحث الثالث: المنهجية الشرعية لتناقل القران الكريم «التواتر في نقل ألفاظ القران» .
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ.
وهذا أوان انطلاق القلم في البحث سائرا بسم الله مجراه ومرساه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، على الله ربنا توكلنا.
الدكتور عبد السلام مقبل المجيدي
стр. 13
الفصل الأول: شخصية النبي ﷺ التعليمية «الرسول المعلم» :
وفيه ثلاثة مباحث:
يتناول هذا الفصل شخصية النبي ﷺ التعليمية بما يعطي لمعلم القران الكريم الدلالات الاتية:
١- الاعتزاز بهذه الوظيفة، واستشعار أنها فعل النبي ﷺ وهديه، وسمته ...
فهي أفضل الأعمال.
٢- استشعار الاهتمام الشديد الذي أولاه الشرع لتلاوة القران وتعليمه بما يعين الفرد والمجتمع على استيعاب مدى الأهمية الشرعية ومن ثم الواقعية لهذين العملين في الحياة، وذلك لأن جميع وظائف النبي ﷺ تفصيلا تعود إلى تلاوة الكتاب المجيد، وتعليمه ... وبناء على ذلك يبين الفصل الأخير حكم تعلم ألفاظ القران الكريم وتعليمه، ولتحقيق الغاية من هذا الفصل فقد انقسم منطقيا إلى ثلاثة مباحث هي:
المبحث الأول: طبيعة الوظيفة الرسالية لسيدنا محمد ﷺ .
المبحث الثاني: وظيفة التلاوة.
المبحث الثالث: حكم تعلم القران الكريم وتعليمه.
ولما كان المبحث الأول كالتقدمة للثاني والثالث كالتتمة كان الثاني أطول منهما.
стр. 14
المبحث الأول: طبيعة الوظيفة الرسالية لسيدنا محمد ﷺ :
وفيه ثلاثة مطالب:
يناقش هذا المبحث وظيفة النبي ﷺ العامة، ويحلل الدلالات اللفظية لوصفها المصطلحي، وماهية مرتكزاتها تفصيلا ... ويرجع ذلك إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الوظيفة العامة للنبي ﷺ .
المطلب الثاني: تحليل دلالات الوصف الإجمالي للوظيفة النبوية.
المطلب الثالث: تفصيل الوظيفة الرسالية للنبي ﷺ .
المطلب الأول: الوظيفة العامة للنبي ﷺ :
يمكن إيجاز وظيفة النبي ﷺ في أن الله ﷻ إنما بعثه معلما كما قال ﷺ : «إن الله لم يبعثني معنتا، ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا» «١» ، وجعل وظيفته الكاملة القيام ب (البلاغ المبين) كما قال : فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (المائدة: ٩٢) وهذا الأسلوب يفيد حصر الوظيفة على البلاغ، وقصر المهمة على أن يكون البلاغ مبينا، وحصرت مهمته ﷺ في ذلك ليعلم طبيعتها أهل المشرق والمغرب ممن اهتدى، أو اثر الردى ... فقد بين الله ﷻ لنبيه ﷺ أن المعاندين إن «جادلوك بالأقاويل المزورة، والمغالطات فأسند أمرك إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ» » .
стр. 15
تحديد نطاق وظيفة الرسول ﷺ :
وإذا كان ما سبق هو إخبار للمخاطبين يبين مهمة الرسول ﷺ ويحصرها؛ فقد أكّد هذا الحصر بخطاب الله تعالى للرسول ﷺ ذاته مباشرة بما يبين له نطاق مهمته ووظيفته ﷺ قوله: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (النحل: ٨٢) ، وعمم الأمر خطابا للرسول ﷺ وغيره زيادة في الإيضاح والتأكيد في قوله : وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (العنكبوت: ١٨) ، وهذه هي وظيفة الرسل عامة كما قال ﷻ : فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (النحل: ٣٥) ، وقد أخذ هذا التحديد النظري طابعا تطبيقيا في إيضاح الرسل وظيفتهم لأقوامهم كما في قوله على لسان نوح وهود- ﵉ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي (الأعراف: ٦٢، ٦٨) ، وعلى لسان صالح ﵇: لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي (الأعراف: ٧٩) ، وشعيب ﵇: لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي (الأعراف: ٩٣) ، ورسل صاحب يس: وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ «١» (يس: ١٧) .
تعليم النبي ﷺ أصحابه ﵃ حدود مهمته:
وقد علم النبي ﷺ أصحابه نطاق مهمته الرسالية، لما يترتب على ذلك من ضرورات منهجية ترجع إلى حفظ أصول الدين وقواعده، وتتلخص في عنصر واحد: أن يكونوا شهودا على ذلك في الدنيا والاخرة:
أما في الدنيا فحتى لا يفتري عليه أحد بكتمان، أو نقصان، ويعلم الثقلان أن ما بلغه هو الدين الكامل.
стр. 16
وأما في الاخرة فحتى يشهدوا له عند الله ﷻ .
من أجل ذلك بين لهم ﷺ غير ما تقدم- أن الله أوجب عليه البلاغ لكل ما أوحى إليه من ربه ، وإن لم يفعل فما قام بوظيفته التي أرسل من أجلها، كما قال : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (المائدة: ٦٧) ، كما قال الزهري في فقه هذه الاية:
«من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم» «١» ، ... فكل شيء سكت عنه ﷺ فهو مما لم يؤمر بتبليغه- إن كان ثم شيء يبلّغ-، وقد علم الصحابة ﵃ بأنه لو كان ثم شيء يستحق البلاغ لأمر بتبليغه فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ قال إبراهيم: زاد أو نقص- فلمّا سلّم قيل له: يا رسول الله! أحدث في الصّلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا:
صلّيت كذا وكذا. قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين ثمّ سلّم، ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال: «إنّه لو حدث في الصّلاة شيء أنبأتكم به» «٢» .
استشهاده ﷺ الخلق على قيامه بالبلاغ: وقد شهّد أمته على إبلاغه الرسالة، واستنطقهم بذلك في أعظم المجامع، كما في خطبته في حجة الوداع، فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: «أيها الناس! إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول: اللهم اشهد» «٣» .
стр. 17
وشهد له الصحابة ﵃ بكمال البلاغ في الدنيا: فمنعوا بذلك أوهام المتخرصين أن يكون فرّط أو كتم أو خص بعض الناس بشيء من البيان العام الواجب تبليغه عليه ﷺ ، فعن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال له: إن ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله ﷺ للناس، فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله قال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «١» ، وعن مسروق عن عائشة قالت: من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب وهو يقول يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «٢» .
مادة البلاغ الأساسية:
ومادة البلاغ الأساسية هي القران الكريم كما قال ﷻ : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (الأنعام: ١٩) ، وقال : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (الأنعام: ٩٢) أي:
«مكة ومن حولها من أحياء العرب وسائر طوائف بني ادم من عرب وعجم» «٣» ، وقال ﷻ : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ (هود: ١٧) ، وقال :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (الفرقان: ١) .
ولأن مادة البلاغ الأساسية هي القران قال ابن عباس ﵂ في قوله :
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (المائدة: ٦٧) : «يعني إن كتمت اية مما أنزل
стр. 18
إليك من ربك لم تبلغ رسالته» «١» ، وقال لهم النبي ﷺ : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً (الأنعام: ٩٠) ، «أي لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القران أجرا أي أجرة ولا أريد منكم شيئا» «٢» كما كان يبين أن هذا العلم الذي أوتيه، وأمر بتبليغه خير كثير كما قال ﷺ : «قد علمني الله خيرا» «٣» ، فتحددت وظيفة البلاغ بإيصال مادته الأساسية إلى هؤلاء الأحزاب باختلاف أمصارهم وأعصارهم.
الإبانة في البلاغ:
ونلحظ أن (الإبانة) صفة ضرورية ملازمة لوظيفة البلاغ، والإبانة نوعان:
١- إبانة لفظية: أي يجب على الرسول ﷺ أن يكون لفظه بالبلاغ مبينا كما في قوله تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الشعراء: ١٩٥) .
٢- وإبانة معنوية: أي يجب على الرسول ﷺ أن يبين تأويل الكلام الذي أمر بتبليغه كما في قوله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النحل: ٤٤) ، فمما «يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بين لأصحابه ﵃ معاني القران، كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ يتناول هذا وهذا» «٤» .
الاتصال بين الإبانة اللفظية والإبانة المعنوية:
واللفظ والمعنى متصلان اتصالا وثيقا إلا أنه لا يمكن للمعنى الثبات مع اهتزاز لفظه أو تغييره في الكلام المعجز إذ أول أوجه إعجازه تتمثل في إعجازه في لفظه كما لخص الخطابي- رحمه الله تعالى- أركان إعجاز القران في: «اللفظ الحامل،
стр. 19
المعنى القائم به، الرباط الناظم لهما» «١» ، ولأن إعجاز القران يعتمد على حقيقة واحدة هي أن الله قاله، كان لا بد من بلوغ أقصى درجات الإبانة اللفظية في كلام الله ﷻ تمهيدا للإبانة المعنوية؛ ولذا يظهر الاهتمام بألفاظ القران واضحا في القران، ومن ذلك قول الله : حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ «أي البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ؛ لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، ولهذا قال تعالى إِنَّا جَعَلْناهُ أي أنزلناه قُرْآناً عَرَبِيًّا أي بلغة العرب فصيحا واضحا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي تفهمونه وتتدبرونه كما قال : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» «٢» .
وصار الطلب الشرعي لضبط ألفاظ القران الكريم استحضارا واستظهارا وإتقانا للأداء بديهية شرعية في حياة الصحابة ﵃، كما كان تعظيمه، وصونه باستظهار ألفاظه، والعمل على نشره كتابة وحفظا وتعليما من أبرز مقاصد التنزيل الحكيم: أي ليعظم عندهم بألفاظه، فيحافظ عليها، ويتبع معانيها: كما في قوله : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (الزخرف: ٤) ف «بين شرفه في الملأ الأعلى ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض ... » «٣» وكما قال ﵎: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) (الواقعة: ٧٧- ٨٠) وقال تعالى: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (عبس: ١١- ١٦) فإذا كانت «الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القران في الملأ
стр. 20
الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى لأنه نزل عليهم وخطابه متوجه إليهم فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم لقوله ﷻ :
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (الزخرف: ٤) » «١» .
وبايات الله التي تبلغ البحار، وما وراء البحار ... كان مستمسك العارفين ...
ولها كان تعظيم السادات من المؤمنين ... يعظمون ايات الله ... وهي حبل النجاة في يوم الهول المبين:
قرت بها عين قاريها فقلت له ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
إن تتلها خيفة من حر نار لظى ... أطفأت نار لظى من وردها الشبم
كأنها الحوض تبيض الوجوه به ... من العصاة وقد جاؤه كالحمم
وكالصراط وكالميزان معدلة ... فالقسط من غيرها في الناس لم يقم
المطلب الثاني: تحليل دلالات الوظيفة الرسالية الإجمالية:
بعد أن استقر أن وظيفة النبي ﷺ هي (البلاغ) ، وعلمت مادته فيجب معرفة ماهيته؛ وسر اختيار هذا المصطلح للدلالة عليه.
فأصل البلاغ البلوغ وهو الوصول من بلغ يبلغ بلوغا «٢» ، وتظهر من مفاهيم البلاغ الدلالات التالية:
١- أنه يجب وصول المبلّغ به ليتم البلاغ:
فعدم وصوله نقص في التبليغ، إذ بلغ الشيء يبلغ بلوغا وبلاغا: وصل وانتهى، والبلاغ: ما بلغك، وفي التنزيل العزيز: إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ
стр. 21
(الجن: ٢٣) ، أي لا أحد منجى إلا أن أبلّغ عن الله ما أرسلت به، والإبلاغ:
الإيصال، وكذلك التّبليغ، والاسم منه البلاغ «١» ، وهذا يقتضي فعل الوسائل القولية والعملية لإيصال المبلغ به.
٢- الكفاية بالمبلغ به كما في قوله ﷻ : إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (الأنبياء: ١٠٦) ، وكما في قوله : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ (إبراهيم: ٥٢) والإشارة للقران الكريم كما في قوله : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ (العنكبوت: ٥١) والبلاغ هنا الكفاية «أي كفاية لأنه يبلغ مقدار الحاجة» «٢» ؛ ومنه قول الراجز:
تزجّ من دنياك بالبلاغ ... وباكر المعدة بالدّباغ
«٣» ويظهر من هذه الايات أن المادة الأساسية للتبليغ هو القران الكريم.
٣- أن القران المبلغ به هو السبيل الوحيد الذي يوصل إلى مطلوب الإنسان من السعادة، فالبلاغ ما يتبلّغ ويتوصّل به إلى الشيء المطلوب «٤» ، وتبلّغ بالشيء:
وصل به إلى مراده «٥» .
٤- الاجتهاد في أداء الرسالة فقولك: «أراه من المبالغين في التبليغ، بالغ يبالغ مبالغة وبلاغا إذا اجتهد في الأمر» «٦» .
стр. 22
٥- ويدل الوصف الشخصي للنبي ﷺ ب (الرسول) ، والوصف الوظيفي له ب (البلاغ) على المصدر الإلهي لتعلم الأنبياء، وذكر هذا والتأكيد عليه هو دأب كل نبي ورسول يقولون: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ (الأحقاف: ٢٣) أي لا أعلم من ذلك إلا ما علمني الله، وإنما أنا رسول إليكم من الله مبلغ أبلغكم عنه ما أرسلني به من الرسالة «١» ، فهذا قول هود ﵇، ومثله قول النبي ﷺ قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ (الكهف: ١١٠) «أي قل يا محمد إنما أنا بشر مثلكم من بني ادم لا علم لي إلا ما علمني الله» «٢» ومثله على لسان يوسف ﵇: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي (يوسف: ٣٧) ، وكان يبلغهم بالقران كمادة أساسية في منهاج التبليغ، فيحاولون إبعاده عن ذلك، وصرفه عنه فيقولون ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ (يونس: ١٥) ، فيكون رده هو التأكيد على هذه المصدرية كما في قوله تعالى قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي (يونس: ١٥) «وإنما هو رسول مبلّغ، ومأمور متبّع» «٣» .
ونظرا لهذه المقتضيات يحاسب الرسل على ذلك كما في قوله : لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ (الجن: ٢٨) ، وكما في قوله ﷻ : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ (المائدة: ١١٧) .
стр. 23
المطلب الثالث: تفصيل الوظيفة الرسالية للنبي ﷺ :
جاء تفصيل هذه الوظيفة (البلاغ) ، وبيان امتداداتها في ايات أخر؛ إذ ورد بيانها في أربع ايات من القران الكريم: في سورة البقرة موضعان، وموضع في سورة ال عمران، وموضع في سورة الجمعة، وترجع صيغها الإجمالية إلى قوله : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (البقرة: ١٥١) وقوله : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الجمعة: ٢) ، وقد فرّعت هذه الايات وظيفة البلاغ إلى ثلاثة فروع:
[فروع وظيفة البلاغ]
الأول: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ:
وقدم تلاوة الايات على سائر الفروع الاخرى في كل الايات، بل قد انفردت هذه الوظيفة بالذكر في عدد من المواضع كقوله ﷻ : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (البينة: ٢) ، وكذلك قوله : رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ (الطلاق: ١١) ، ويَتْلُوا هنا في موضع نصب نعت لرسول ومعناه يقرأ، والتلاوة القراءة، وآياتِ اللَّهِ يعني القران «١» فقوله : يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي يقرأ عليهم اي كتابه وتنزيله «٢» .
стр. 24
الثاني: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ:
فالكتاب يعني القران، ويعني بالحكمة السنة التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله ﷺ وبيانه له، وقال ابن عباس: الكتاب الخط بالقلم لأن الخط فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط، وقال مالك بن أنس: الحكمة الفقه بالدين «١» ، ولخص بعضهم معاني الحكمة بقوله:
والحكمة العلم وقول الحق ... وفعله مقترنا بالصدق
«٢» فالمراد أنه يعلمهم كتاب الله الذي أنزل عليه مقروا ومكتوبا، ويبين لهم تأويله ومعانيه «٣» ، و (يعلمهم الكتاب والحكمة) صفة أيضا ل (رسولا) مترتبة في الوجود على التلاوة «٤» ، وكذلك التزكية تترتب في الوجود على التلاوة ...
والفرعان الأولان هما مدار هذا الكتاب؛ إذ يتحدث الأول عن التلاوة، والاخر عن تعليم الكتاب تلاوة وكتابة ... وبذلك تعلم ألفاظ القران الكريم.
الثالث: وَيُزَكِّيهِمْ:
التزكية هي التطهير والزكاة النماء والزيادة فيكون معنى قوله ﷻ وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الشرك بالله، وعبادة الأوثان، ودنس الكفر والذنوب، وينميهم ويكثرهم بطاعة الله»
، فالتطهير إنما يكون باتباعهم إياه، وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم «٦» ، فيحملهم على ما يصيرون به أزكياء طاهرين من خبائث العقائد
стр. 25
والأعمال «١» ، وبذلك «يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان» كما قاله ابن عباس «٢» ، وبين ابن كثير- رحمه الله تعالى- الوسيلة العملية لأداء عملية التزكية بقوله:
«يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم» «٣» .
ومعنى الاية إجمالا: «يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من البينات، ويعلمهم القران، والحكمة وما يكمل به نفوسهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة» «٤» .
من حكم ترتيب هذه الفروع في المواضع الأربعة «٥» :
نلحظ أن التلاوة جاءت في الايات كلها في أول الفروع، ثم اختلف ترتيب الفرعين الاخرين حيث جاء التعليم للكتاب والحكمة أولا في دعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ في قوله : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (البقرة: ١٢٩) ، والدعاء من أساليب الطلب، وجاءت التزكية قبل التعليم في ايات الإخبار في الموضع الثاني من سورة (البقرة: ١٥١) ، و (ال عمران: ١٦) ، و (الجمعة: ٢) ، وقد تجلت من ذلك عدة حكم:
١- جاءت الفروع بهذه الهيئة في الترتيب مع أنها تعود لأمر واحد هو البلاغ المبين لأن المقام مقام تفصيل للنعم المطلوبة أو المرادة في العباد، ويدل على ذلك
стр. 26
قوله : وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (البقرة: ١٥١) فإن الموصول مع كونه عبارة عن الكتاب والحكمة قطعا قد عطف تعليمه على تعليمهما وما ذلك إلا لتفصيل فنون النعم في مقام يقتضيه كما في قوله تعالى وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (هود: ٥٨) عقب قوله تعالى نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا (هود: ٥٨) «والمراد بعدم علمهم أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالفكر والنظر وغير ذلك من طرق العلم لانحصار الطريق في الوحي» «١» .
٢- رتّبت بهذا الشكل دلالة على ضرورتها وترتبها في الوجود، والمعلم البارز في الترتيب أن التلاوة جاءت أولا في كل الايات، وذلك لأنها أساس الفرعين الاخرين، إذ حقيقة التعليم للكتاب تلاوة متعدية بإقراء ألفاظه، وتحفيظها وتفهيمها ببيان أحكامه للاخرين، وقد كان معظم تبليغه وكلامه ﷺ تلاوة القران لا يزيد عليه إلا الأقل منه، ويدل على أن ذلك هو أساس وظائفه قوله إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ (النمل: ٩١- ٩٢) .
٣- وجاءت وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ثانية في الدعاء: لأنها صفة أخرى مترتبة في الوجود على التلاوة، وأخر التزكية لأنها عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة «٢» .
٤- ويمكن النظر إلى الحكمة في الترتيب في كل سورة على حدة بالنظر إلى طبيعة وصف المخاطبين أو المتكلم عليهم: فلما كان ظاهر دعوته ﵇ أن البعث
стр. 27
لأمة مسلمة كانوا إلى تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية؛ فإن أصلها موجود بالإسلام، فأخر قوله وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهر قلوبهم بما أوتي من دقائق الحكمة فترتقي بصفائها ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه من أن ترتد على أدبارها، وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية اكتساب الزكاة بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم، «ولما ذكر سبحانه في سورة الجمعة بعثه في الأميين عامة اقتضى المقام تقديم التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر ليقبلوا ما جاءهم من العلم، وأما تقديمها في ال عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال بالمعاتبة على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالا على الدنيا التي هي أم الأدناس» «١» .
٥- ومن حكم الترتيب أن التلاوة عامة لجميع الناس، والتزكية خاصة بمن استجاب للايات فامن بها، وتعليم الكتاب والحكمة خاص ببعض المؤمنين «٢» .
٦- وفي هذا الترتيب يظهر لنا الفرق في عملية تعليم القران (علم القراءة) عن عملية تعليم الأحكام، فعلم القراءة طريقه (التلقي) الذي تشير إليه لفظة يَتْلُوا، وعلم الأحكام أعم من التلقي فقد يكون بالاستنباط مثلا كما تشير إليه لفظة وَيُعَلِّمُهُمُ فرتب «التعليم على التلاوة كما هو الواقع لأن التلاوة أول ما يقرع السمع، والتعليم الذي هو التفهم بعده» «٣» .
стр. 28
٧- ومن الحكم الظاهرة لهذا الترتيب: أن التلاوة للقران يجب أن تكون عامة للناس، وعامة في مجتمع المؤمنين ظاهرة لا يكون أحد من المؤمنين في المجتمع إلا سامعا أو قائما بها ... بالقدر الذي يجعل هجران القران المذكور في قول ﷻ : وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (الفرقان: ٣٠) ، منتف عنه.. أما التعليم للكتاب تعليما تفصيليا دقيقا ففرض كفاية يقوم به بعض المؤمنين عن المجتمع كله.
وهذا يقتضي منهجيا من الدولة المسلمة: العمل على إشاعة القران بالوسائل الإعلامية والتوجيهية المختلفة، ومواكبة تطور العصر في هذا السبيل.
علاقة البلاغ بالتلاوة والتعليم:
تقدم أن البلاغ هو الوصف المجمل لوظيفة النبي ﷺ ، ويزاد هنا توضيح ذلك:
فالبلاغ هو غاية التلاوة وهو باعث التعليم كما في قوله تعالى بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (المائدة: ٦٧) ، ولا يبلغه إلا إذا تلاه، ولا بد من الإبانة في محاور البلاغ الثلاثة: التلاوة، والتعليم، والتزكية ... وهذا البلاغ ينبغي أن يبقى متواصلا لكل الأجيال القادمة كما في قوله- تعالى ذكره-: «لأنذركم به ومن بلغ» ، فاقتضى هذا أمورا من حيث العملية التعليمية لألفاظ القران الكريم:
بقاء تلاوته بعد النبي ﷺ ليحدث البلاغ.
أن تكون تلاوته بالطريقة ذاتها التي تلاه بها رسول الله ﷺ من حيث أداء اللفظ الخارجي ومن حيث أداؤه الداخلي، وإن لم يكن هذا فما بلغت رسالة الله إلى العالمين.
أن يعلم النبي ﷺ صحابته طريقة تلاوته للقران الكريم وحفظه وأدائه ليتم ذلك البلاغ المتواصل، وأن يعلمهم ﷺ طريقة التعليم ليعلموا من بعدهم حتى يبقى البلاغ متصلا.
стр. 29
.. وبذا مضى خليل الله الأكرم ﷺ معلم الناس أكرم كلام ... وخير هدي ونظام ... مضى يجذب القلوب إليه وهو يجري من فمه الطاهر الزكي عسلا مصفى ... يتلو ... ولتلاوته مذاق لم يتغير طعمه أبد الدهر ... فأنى عن حبه يبتعد اللاهون؟ وبمن غيره تستشفي نظرات المتيمين؟
قلبي- وحبّك للقلوب شفاء- ... بهواك يخفق، والهوى استهداء
يا من بعثت مسددا ومؤيدا ... و «محمدا» ، وزكت بك الالاء
الوحي وحي الله أنت مكانه ... وبيانه، وصراطه الوضاء
قرانه يهدي لأقوم منهج ... في العالمين، وايه غراء
стр. 30
المبحث الثاني: وظيفة التلاوة:
لما كانت تلاوة ألفاظ القران الكريم هي أساس الوظائف الاخرى ... فإن هذا يقتضي التوسع في شرح مفهوم التلاوة، وبيان أهميته، وحيزه الواقعي من وظيفة البلاغ ... ولتحقيق ذلك انقسم هذا المبحث إلى أربعة مطالب:
المطلب الأول: مدلول التلاوة:
المطلب الثاني: علاقة التلاوة بالتعليم: والمراد هنا هل التلاوة وظيفة تعليمية في ذاتها؟.
المطلب الثالث: المنهج المقرر للتلاوة والتعليم.
المطلب الرابع: قيامه ﷺ بوظيفة تعليم القران على أوسع نطاق.
المطلب الأول: مدلول التلاوة:
اقترن هذا اللفظ (التلاوة) دون غيره من الألفاظ بقراءة القران الكريم لما له من دلالات تجعله دون غيره المعبر عن مراد الله من القراءة، وأهم مدلولين لهذا اللفظ:
أولا: التلاوة
تعني القراءة: فتلوت القران تلاوة: قرأته، ومن ذلك قول الله ﷻ : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها (ال عمران: ٩٣) «١» ، وعمّ به بعضهم كل كلام؛ كما في قوله ﷻ : فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (الصافات: ٣) سواء كانوا هم الملائكة، أو غيرهم ممن يتلو ذكر الله تعالى، وكما في قوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ (البقرة: ١٠٢) ؛ قال عطاء: على ما تحدّث
стр. 31
وتقصّ، وقيل: ما تتكلم به كقولك فلان يتلو كتاب الله أي: يقرؤه ويتكلم به، ثم صارت التلاوة حقيقة عرفية في قراءة القران الكريم، وقد تكون قراءة لغيره لكن في النادر وعند التقييد بذلك «١» .
وسميت القراءة تلاوة لأن الايات أو الكلمات أو الحروف يتلو بعضها بعضا في الذكر، والتلو التبع «٢» ، كما قال الثعالبي: «يقرؤنه حق قراءته، وهذا أيضا يتضمن الاتباع والامتثال» «٣» ، «فاستعملت التلاوة في القراءة لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى يأتي على نسقه» «٤» ، وفي قوله :
هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ (يونس: ٣٠) ، قرأ حمزة والكسائي تتلو «من التلاوة أي تقرأ ذكر ما قدمت أو من التلو أي تتبع عملها فيقودها إلى الجنة أو إلى النار» «٥» ، والتلاوة بمعنى القراءة من أعظم خصائص القران الكريم فالكتب المتقدمة لا يجب فيها هذه التلاوة «٦» .
ثانيا: الاتباع:
إذ «التاء واللام والواو أصل واحد، وهو الإتباع. يقال: تلوته إذا تبعته» «٧» .
стр. 32
والمراد بالاتباع هنا أمران:
أ- الاتباع اللفظي:
بأن يتبع اللفظ اللفظ في قراءة القران الكريم على هيئة مخصوصة، فسميت قراءة القران تلاوة لأته يتبع اية بعد اية «١» ، ومنه جاءت الخيل تتاليا أي متتابعة «٢» .
ب- الاتباع العملي:
ومنه تلا إذا اتّبع «٣» فعلى قارئ القران يتبع في قراءته ما أنزله الله ، كما كان النبي ﷺ يتبع ذلك إذا قرأه عليه جبريل ﵇، ويقال: كان يتلو كتاب الله؛ هو الذي يقرؤه ويعمل بما فيه، فيكون تابعا له، والقران يكون سائقا له وقائدا «٤» ، ومنه (فإذا قرأناه فاتبع قرانه) ، ويوضح ذلك قوله ﷻ : وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ (البقرة: ٤٤) ففيه توبيخ عظيم لمن فهم، وتتلون تقرؤن الكتاب التوراة وكذا من فعل فعلهم وكان مثلهم، وفلان يتلو فلانا أي: يحكيه ويتبع فعله «٥» ، واتباعه هنا يكون بامتثال الأمر والنهي، وروى سفيان الثوري في تفسيره عن أبي رزين في قوله : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ (البقرة: ١٢١) قال: «يتبعونه حق اتباعه، ويعملون به حق عمله» ، وقال قتادة:
«هم أصحاب محمد ﷺ آمنوا بكتاب الله، وعملوا بما فيه» «٦» .
стр. 33
وأما قول الله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ (البقرة: ١٢١) فشامل للمعنيين «١» ؛ إذ معناه يقرأونه حق قراءته ... ويعملون بما فيه فيتّبعونه حقّ اتّباعه «٢» كما قال الغزالي: «وتلاوة القران حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار، والائتمار. فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ» «٣» .
ثالثا: أن تكون القراءة في التلاوة على هيئة مغنّاة مخصوصة أي مرتلة ترتيلا مع التغني، ف «العرب تسمي المراسل في الغناء والعمل المتالي، والمتالي الذي يراسل المغنّي بصوت رفيع؛ قال الأخطل:
صلت الجبين كأنّ رجع صهيله ... زجر المحاول، أو غناء متال»
«٤» كما تظهر المحاكاة في التلاوة ومحاولة التقليد المقطعي والتنغيمي، ومنه قولهم:
فلان يتلو فلانا أي يحكيه ويتبع فعله «٥» .
стр. 34
العلاقة بين التلاوة والقراءة:
مما سبق يتبين أن العلاقة بين التلاوة القراءة علاقة عموم وخصوص وجهي، فكل منهما خاصة من وجه عامة من وجه اخر، فالتلاوة خاصة من الناحية العرفية بقراءة القران الكريم أو ما يماثله من الكتب المنزلة، عامة من حيث ضرورة اجتماع الاتباع اللفظي مع المعنوي، والقراءة عامة من حيث شمولها لكل مقروء كتابا منزلا أو غيره، خاصة في الأمر النظري دون المعنوي، وعلى هذا ينزل قول الراغب: «التلاوة الاتباع، وهي تقع بالجسم تارة، وتارة بالاقتداء في الحكم، وتارة بالقراءة وتدبر المعنى، والتلاوة في عرف الشرع تختص باتباع كتب الله تعالى المنزلة تارة بالقراءة، وتارة بامتثال ما فيه من أمر ونهي، وهي أعم من القراءة فكل قراءة تلاوة من غير عكس» «١» .
المطلب الثاني: علاقة التلاوة بالتعليم:
والمراد هنا هل التلاوة وظيفة تعليمية في ذاتها؟ وما خصائصها الدالة على ذلك؟.
التلاوة وظيفة تعليمية:
وذلك لأن مجرد إلقاء اللفظ القراني يتضمن الإشارة إلى السامع أن يؤمن به ويتعلمه من حيث هو قران، ويدعم هذه الحقيقة الواقعية من الناحية الشرعية قوله ﷻ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها (الإسراء: ١١٠) كما قال ابن عباس ﵄: «ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبون القران، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم القران حتى يأخذوه عنك» »
، وفي هذا إيضاح لطبيعة الوظيفة التعليمية لألفاظ القران الكريم، وإصرار على تثبيتها في نفوس الملأ على أنها أساس وظائفه، وجوهر تبليغه.
стр. 35
وإذا كان البلاغ أصل التعليم، فإن أول جزء في التعليم والبلاغ المبين هو إبانة لفظ القران الكريم تلاوة فردية على نفسه، ومتعدية بقراءته على الغير أو بتعليمه لهم.
من خصائص التلاوة التعليمية للقران الكريم عند النبي ﷺ :
١- ألزم ﷺ برفع صوته رفعا معتدلا تبين معه الايات حتى يستبين لسامعه مع سرية الدعوة أو اشتداد الأذى عليها فيؤخذ عنه، كما تقدم عن ابن عباس ﵄.
٢- التكرار لتلاوة ألفاظ القران الكريم: للناس عامة، ويدل له التكرار في الكلام على مواقف الكفار من القران الكريم، كما في قوله : وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (الانشقاق: ٢١) ، وقوله وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (فصلت: ٢٦) ، فقد كانوا يشتطون في محاولة صرف الناس عن سماع كلام الله بالاستهزاء والسخرية حتى كان ذلك مبررا كافيا لرد اعتدائهم بالقتل فقد روى ابن جرير أن النبي ﷺ قتل يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله! أسيري؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول» فأمر رسول الله ﷺ بقتله، فقال المقداد: يا رسول الله أسيري؟ فقال رسول الله ﷺ : «اللهم أغن المقداد من فضلك» فقال المقداد: هذا الذي أردت. وفيه أنزلت هذه الاية وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الأنفال: ٣١) «١» .
стр. 36
وكان النبي ﷺ يكثر من تلاوة القران الكريم على من يبلغهم عامة، فيصل إلى شغاف من أراد الله بهم خيرا، ويحجب عن غفلة القلوب فكانوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (الكهف: ١٠١) ف «لعداوتهم النبي ﷺ لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلو عليهم» «١» .
٣- نقله ﷺ الوظيفة لأصحابه ﵃ تعبدا لجعل نطاق المستمعين أكثر:
فقد قام الصحابة ﵃ بتلاوة القران الكريم على الناس منذ وقت مبكر فعن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة- وهو سيد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر:
أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج، ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلادك. فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه
стр. 37
في داره، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القران، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القران، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى بن الدغنة أبا بكر فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك وأرضى بجواز الله. ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة «١» .
وهذا يدل على أن القراءة العامة كانت مذ كان الوحي، ولم تكن قاصرة على الرسول ﷺ .
٤- زيادة التكرار على المؤمنين، ليحفظوها ويعوها كما قال : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ (الأنعام: ٥١) ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (ق: ٤٥) مع أنه ينذر به إنذارا عاما كما في قوله ﷻ : كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (الأعراف: ٢) ، وكما في قوله : كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ (الرعد: ٣٠) .
стр. 38
٥- أمر بمداومة التلاوة والحرص عليها كما في قوله : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ (النمل: ٩١- ٩٢) ، اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ (العنكبوت: ٤٥) ، ف (اتل) هنا «أمر من التلاوة والدأب عليها» «١» .
٦- كان يقرأ جميع القران في الصلاة وإن لم يرو حديثيا جزئيات تلك القراءة، لكن روي إجمالا ما يدل على ذلك فروى عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ قال: «ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة» «٢» ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: أنزل الله على رسوله ﷺ المفصل بمكة، فكنا حججا نقرؤه لا ينزل غيره «٣» .
وصف التلاوة في القران الكريم:
تكرر وصف مهمة النبي ﷺ بتلاوة القران وحصرها في ذلك كما في قوله تعالى ذكره وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا (القصص: ٥٩) ، وعرف الصحابة أن هذه الوظيفة هي أساس وظائفه كما كان يؤديها بمقتضياتها كما قال عبد الله بن رواحة ﵁:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الصبح ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع «٤»
стр. 39
ولا شك في المراد التعليمي مع القصد التعبدي المحض في هذه القراءة كما يقول (سير وليم موير) الذي نقل رأيه صاحب كتاب (حياة محمد) : «كان الوحي المقدس أساس أركان الإسلام، فكانت تلاوة ما تيسر منه جزا جوهريا من الصلوات اليومية عامة أو خاصة، وكان القيام بهذه التلاوة فرضا وسنة يجزى من يؤديهما جزاء دينيا صالحا ... لذلك وعت القران ذاكرة كثرة المسلمين الأولين إن لم يكونوا جميعا. وقد يسرت عادات العرب هذا العمل. فقد كانوا ذوي ولع بالشعر عظيم ... ولما كانت الوسائل لتحرير ما يفيض عن شعرائهم في غير متناول اليد، فقد اعتادوا أن ينقشوا هذه القصائد كما كانوا ينقشون ما يتعلق بأنسابهم وقبائلهم على صفحات قلوبهم، وبذلك نمت ملكة الذاكرة غاية النمو ... وقد بلغ بعض أصحاب النبي ﷺ من قوة الذاكرة ودقتها، ومن التعلق بحفظ القران واستذكاره حدا استطاعوا معه أن يعيدوا بدقة يقينية كل ما عرف منه إلى يوم كانوا يتلونه» «١» .
ملامح تعليمية في حياة المعلم القدوة ﷺ :
١- ظهر التأكيد على التلاوة في الايات المدنية، فالايات الأربع التي ذكرت فيها وظائف النبي ﷺ الثلاث كلها في سور مدنية دلالة على أهمية إيلاء هذا الجانب أشد الاهتمام بعد تأمين الدولة الإسلامية، وليس معنى ذلك عدم الاستنفار لأداء هذه الوظيفة في عهد قبل ذلك بل المراد توسيع دائرة التعليم في هذا العهد، وابتكار محاضن فردية ومؤسسية له بحسب نمو المجتمع مدنيا، واتساعه جغرافيا، ولذا ورد المن بأن النبي ﷺ إنما أرسل لأجل ذلك كما قال ﷻ : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ (البقرة: ١٥١) .
стр. 40
٢- أن هذه الوظيفة وظيفة مشتركة بين جميع الأنبياء، على أنه قد تميز بها النبي ﷺ تميزا ظاهرا لتميزه بالقران ثم بالخاتمية، وقد حدد هذه الوظيفة ابتداء إبراهيم وإسماعيل ﵉ «١» .
٣- أن النبي ﷺ تأهل بالصفات التعليمية اللازمة للمعلم الكامل القدوة (النموذج) ، وعرف الصحابة عنه ذلك، ومما يؤشر في هذا السبيل: ما قاله معاوية بن الحكم السلمي ﵁: «فلما صلّى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني» «٢» ، والمراد الإشارة إلى هذا المعلم من صفاته ﷺ لا التفصيل.
٤- كان النبي ﷺ يجعل ذلك أول شيء يجب أن يتعلمه العبد عند إسلامه، وإن كان مقدار المحفوظ المعلّم يتفاوت بحسب الأهلية للتصدر معلّما دائما للإقراء، أو مسلما يجب عليه حفظ ورد معين ... ويوضح ذلك ما رواه سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت فيمن أتى النبي ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر فصاعدت في الجبل، ثم هبطت فأتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلمني قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص: ١) وإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (الزلزلة: ١) وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال: «هن الباقيات الصالحات وفي رواية قل يا أيها الكافرون» «٣» .