وكان النبي ﷺ يكثر من تلاوة القران الكريم على من يبلغهم عامة، فيصل إلى شغاف من أراد الله بهم خيرا، ويحجب عن غفلة القلوب فكانوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (الكهف: ١٠١) ف «لعداوتهم النبي ﷺ لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلو عليهم» «١» .
٣- نقله ﷺ الوظيفة لأصحابه ﵃ تعبدا لجعل نطاق المستمعين أكثر:
فقد قام الصحابة ﵃ بتلاوة القران الكريم على الناس منذ وقت مبكر فعن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة- وهو سيد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر:
أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج، ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلادك. فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه
стр. 37
في داره، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القران، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القران، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى بن الدغنة أبا بكر فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك وأرضى بجواز الله. ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة «١» .
وهذا يدل على أن القراءة العامة كانت مذ كان الوحي، ولم تكن قاصرة على الرسول ﷺ .
٤- زيادة التكرار على المؤمنين، ليحفظوها ويعوها كما قال : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ (الأنعام: ٥١) ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (ق: ٤٥) مع أنه ينذر به إنذارا عاما كما في قوله ﷻ : كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (الأعراف: ٢) ، وكما في قوله : كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ (الرعد: ٣٠) .
стр. 38
٥- أمر بمداومة التلاوة والحرص عليها كما في قوله : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ (النمل: ٩١- ٩٢) ، اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ (العنكبوت: ٤٥) ، ف (اتل) هنا «أمر من التلاوة والدأب عليها» «١» .
٦- كان يقرأ جميع القران في الصلاة وإن لم يرو حديثيا جزئيات تلك القراءة، لكن روي إجمالا ما يدل على ذلك فروى عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ قال: «ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة» «٢» ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: أنزل الله على رسوله ﷺ المفصل بمكة، فكنا حججا نقرؤه لا ينزل غيره «٣» .
وصف التلاوة في القران الكريم:
تكرر وصف مهمة النبي ﷺ بتلاوة القران وحصرها في ذلك كما في قوله تعالى ذكره وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا (القصص: ٥٩) ، وعرف الصحابة أن هذه الوظيفة هي أساس وظائفه كما كان يؤديها بمقتضياتها كما قال عبد الله بن رواحة ﵁:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الصبح ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع «٤»
стр. 39
ولا شك في المراد التعليمي مع القصد التعبدي المحض في هذه القراءة كما يقول (سير وليم موير) الذي نقل رأيه صاحب كتاب (حياة محمد) : «كان الوحي المقدس أساس أركان الإسلام، فكانت تلاوة ما تيسر منه جزا جوهريا من الصلوات اليومية عامة أو خاصة، وكان القيام بهذه التلاوة فرضا وسنة يجزى من يؤديهما جزاء دينيا صالحا ... لذلك وعت القران ذاكرة كثرة المسلمين الأولين إن لم يكونوا جميعا. وقد يسرت عادات العرب هذا العمل. فقد كانوا ذوي ولع بالشعر عظيم ... ولما كانت الوسائل لتحرير ما يفيض عن شعرائهم في غير متناول اليد، فقد اعتادوا أن ينقشوا هذه القصائد كما كانوا ينقشون ما يتعلق بأنسابهم وقبائلهم على صفحات قلوبهم، وبذلك نمت ملكة الذاكرة غاية النمو ... وقد بلغ بعض أصحاب النبي ﷺ من قوة الذاكرة ودقتها، ومن التعلق بحفظ القران واستذكاره حدا استطاعوا معه أن يعيدوا بدقة يقينية كل ما عرف منه إلى يوم كانوا يتلونه» «١» .
ملامح تعليمية في حياة المعلم القدوة ﷺ :
١- ظهر التأكيد على التلاوة في الايات المدنية، فالايات الأربع التي ذكرت فيها وظائف النبي ﷺ الثلاث كلها في سور مدنية دلالة على أهمية إيلاء هذا الجانب أشد الاهتمام بعد تأمين الدولة الإسلامية، وليس معنى ذلك عدم الاستنفار لأداء هذه الوظيفة في عهد قبل ذلك بل المراد توسيع دائرة التعليم في هذا العهد، وابتكار محاضن فردية ومؤسسية له بحسب نمو المجتمع مدنيا، واتساعه جغرافيا، ولذا ورد المن بأن النبي ﷺ إنما أرسل لأجل ذلك كما قال ﷻ : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ (البقرة: ١٥١) .
стр. 40
٢- أن هذه الوظيفة وظيفة مشتركة بين جميع الأنبياء، على أنه قد تميز بها النبي ﷺ تميزا ظاهرا لتميزه بالقران ثم بالخاتمية، وقد حدد هذه الوظيفة ابتداء إبراهيم وإسماعيل ﵉ «١» .
٣- أن النبي ﷺ تأهل بالصفات التعليمية اللازمة للمعلم الكامل القدوة (النموذج) ، وعرف الصحابة عنه ذلك، ومما يؤشر في هذا السبيل: ما قاله معاوية بن الحكم السلمي ﵁: «فلما صلّى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني» «٢» ، والمراد الإشارة إلى هذا المعلم من صفاته ﷺ لا التفصيل.
٤- كان النبي ﷺ يجعل ذلك أول شيء يجب أن يتعلمه العبد عند إسلامه، وإن كان مقدار المحفوظ المعلّم يتفاوت بحسب الأهلية للتصدر معلّما دائما للإقراء، أو مسلما يجب عليه حفظ ورد معين ... ويوضح ذلك ما رواه سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت فيمن أتى النبي ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر فصاعدت في الجبل، ثم هبطت فأتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلمني قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص: ١) وإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (الزلزلة: ١) وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال: «هن الباقيات الصالحات وفي رواية قل يا أيها الكافرون» «٣» .
стр. 41
ويتضح مما سبق أن تعليم القران الكريم على الهيئة التي كانت في عهد النبي ﷺ أفضل الأعمال: وقد أثبت النبي ﷺ هذه الحقيقة بقوله: «خيركم من تعلم القران وعلمه» «١» ، ولا شك أن أول ما أمر النبي ﷺ بتعليمه إنما كان تعليم ألفاظ القران الكريم كما في صريح تلك الايات المتقدمة، وهو أول جزء من أجزاء وظيفة البلاغ الذي أمر به في رسالته، وقد سئل الثوري- رحمه الله تعالى- عن الجهاد وإقراء القران فرجح الثاني واحتج بهذا الحديث.
فإن اعترض على كون تعليم القران الكريم أفضل أنواع التعليم بحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم من بعض حجره، فدخل المسجد، فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرؤون القران ويدعون الله، والاخرى يتعلمون ويعلّمون، فقال النبي ﷺ : «كلّ على خير: هؤلاء يقرؤون القران ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلّمون وإنما بعثت معلما» فجلس معهم «٢» ، فدل هذا بظاهره على تقديم تعليم غير القران من أمور الشرع.
فالجواب: ليس في الحديث ذكر لتعليم القران الكريم في الحلقة الأولى بل غاية ما فيه ذكر قراءتهم للقران لا تعليم ألفاظه، وليس هذا مدار المسألة، على أن ذكر التعليم في الحلقة الثانية منصرف أول ما ينصرف إلى تعليم القران الكريم، ولذا طلب الأوس والخزرج من يعلّمهم القران الكريم، كما أن الرسول ﷺ عندما طلب منه إرسال من يعلم القبائل كان يرسل معهم القراء، ويحمل على هذا الرواية الاخرى عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بمجلسين في
стр. 42
مسجده فقال: «كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه: أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم، ويعلّمون الجاهل، فهم أفضل وإنما بعثت معلما» قال:
ثم جلس فيهم «١» ، وفي لفظ: دخل النبي ﷺ المسجد وقوم يذكرون الله ، وقوم يتذاكرون الفقه، فقال النبي ﷺ : «كلا المجلسين إلى خير، أما الذين يذكرون الله ويسألون ربهم فان شاء أعطاهم وان شاء منعهم، وهؤلاء يعلّمون الناس ويتعلمون، وإنما بعثت معلما وهذا أفضل» فقعد معهم «٢» .
وقد أمر ﷺ بالصبر على ذلك، وكانت له الحلقات الخاصة للقراءة والإقراء:
كما في قول الله- تعالى ذكره-: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ (الكهف: ٢٨) ، فقد قال بعض المفسرين فيها: «كان ذلك تعلّمهم القران وقراءته» «٣» ، ويدل لهذا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إني لجالس ذات يوم في عصابة من ضعفاء المهاجرين، ورجل منا يقرأ علينا القران ويدعو لنا، وإن بعضنا لمستتر ببعض من العري وجهد الحال؛ إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فلما راه قارئنا أمسك عن القراءة، فجاء وجلس إلينا، فقال بيده، فاستدارت له حلقة القوم فقال: «ألم تكونوا ترادون حديثا بينكم» قالوا: بلى يا رسول الله صاحبنا يقرأ علينا القران ويدعو لنا. قال: «فعودوا في حديثكم» فقال الرجل: يا رسول الله اقرأ وأنت فينا؟ قال: «نعم» . ثم قال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن
стр. 43
أصبر نفسي معهم» .. «١» .، وعن ابن عباس ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم إلى المسجد، فوجد أصحابه عزين يتذاكرون فنون العلم، فأول حلقة وقف عليها وجدهم يقرؤون القران وجلس إليهم، فقال: «بهذا أرسلني ربي» ثم قام إلى الثانية فوجدهم يتكلمون في الحلال والحرام وجلس إليهم ولم يقل شيئا ثم قام إلى الثالثة فوجدهم يذكرون توحيد الله ونفي الأشباه والأمثال عنه وجلس إليهم كثيرا ثم قال: «بهذا أمرني ربي» قال جابر: لأن التوحيد معرفة الله ، ومن لا يعرف توحيد الله فليس بمؤمن «٢» .
المطلب الثالث: المنهج المقرر للتلاوة والتعليم:
بعد تقرير أن التلاوة وظيفة تعليمية في ذاتها ولكن للألفاظ فقط كالتعليم للكتاب الذي يزيد عليها في تفهيم المعاني لا بد من الكلام على المنهج الذي اختاره الله ﷻ للبلاغ تلاوة وتعليما، وحدوده اللفظية «٣» ، غير أننا نشير هنا إلى أن النبي ﷺ علم أصحابه عمومية القران وعدم جعله مادة خاصة، لا يعلمها إلا المتخصصون «٤» :
стр. 44
الحدود اللفظية للقران الكريم:
كانت سور القران وآياته النازلة معلومة معروفة، ومن ثم فحدوده باتت بدهية عند جملة المسلمين، وسوره النازلة يتابعها كل مسلم يكون قريبا من النبي ﷺ ، وذلك للتالي:
١- لأنه مادة البلاغ الأساسية: فليس للنبي ﷺ من همّ صباح مساء إلا تبليغه تلاوة وتعليما: بلغ النبي ﷺ القران الكريم بخصوصه، وغيره من أنواع الوحي كالحديث النبوي تابع له إيضاحا وتفسيرا غالبا، فالقران هو أساس البلاغ كما هو منهاج التعليم فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول ﷺ يعرض نفسه على النّاس في الموقف فقال ألا رجل يحملني إلى قومه فإنّ قريشا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربّي «١» ، ولذا اشتد اهتمامه بإقراء القران: فهو وسيلة إنذاره وإبلاغه رسالته هي القران فبه ينطق، وبه يتكلم، وبه يخبر عن ماهية رسالته عندما يريد البيان، وبه يجادل، وبه يجاهد كما قال ﷻ : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (الأنعام: ١٩) ، فمن بلغه هذا القران من عرب وعجم وأسود وأحمر وإنس وجان فهو نذير له ولهذا قال : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ (هود: ١٧) ، ولا يكفرون به إلا بعد سماعه» «٢» ، وهي في الدّلالة كقوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (الفرقان: ١) فصارت المهمة في المقام الأول إبلاغ القران، ولما جادل عتبة بن ربيعة النبي ﷺ لم يعد جواب النبي ﷺ أن قرأ ﷺ على عتبة بن ربيعة أوائل سورة فصلت لما أراد ﷺ أن يرد عليه «٣» .
стр. 45
وكما أن القران بلاغ فهو بيان لسائر المكلّفين من النّاس من عرف لغة العرب منهم ومن لم يعرف، «وإن كان من لا يعرف لغة العرب يحتاج إلى أن يعرف معناه بلغته وينقل إلى لسانه» كما في قوله : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ (ال عمران: ١٣٨) ، وقال : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (التكوير: ٢٧) فلما كان يخبرهم عن القران إنما كان يخاطبهم به عنه حتى كأنه بدهية معروفة بينهم، يعلمونها، ويعلمون حدودها كما لو كانت أسماءهم «١» .
ولما توفي النبي ﷺ انقطع الوحي كما قال عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الان بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة» «٢» ... وانقطاعه يعني كمال المنزل، وضرورة إبلاغه للعالمين، فالانقطاع دليل الكمال.
٢- تكرير ذكره في مقام الإيصاء: ويتضح ذلك بذكره له في مقام الإيصاء ...
فلا يوصيهم بمجهول فعن أبي شريح الخزاعي قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «أبشروا وأبشروا أليس تشهدون ألاإله إلا الله وأني رسول الله؟» قالوا: نعم قال: «فإن هذا القران سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا» «٣» ، وعن زيد بن أرقم قال:
قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى خمّا بين مكة والمدينة، فحمد الله،
стр. 46
وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» (هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة) فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال:
«وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» «١» ، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا جاءه فقال: أوصني فقال: «سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك» فقال: «أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القران فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض» «٢» .
وهو عندما يوصيهم بذلك، ويكرر، ويؤكد ... أفتراه يوصيهم بمجهول، غير معلوم الماهية أو الحدود عندهم؟ وقد حصر وصيته بالكتاب الشريف، وأخبر ﷺ أن «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض» «٣» ليدل على عمومه وشيوعه، وصيرورته من العلم العام بينهم، فمن لم يحفظه عرف ماهيته الجملية وحدوده العامة، بخلاف الحديث النبوي الذي لا يعلمه إلا الخاصة غالبا، وقد يعترض معترض هاهنا بقول النبي ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القران فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ... » «٤» ، فالحديث يدل على
стр. 47
حجية السنة، وهذا صحيح وليس تقرير الباحث حول ذلك؛ إنما التقرير حول شيوع القران وصيرورته من العلم العام بين المسلمين وغيرهم، على أن هناك فرقا ضروريا بين علم القران وعلم الحديث أن القران محدود معلوم ومعروف يتردد في المحاريب أما الأحاديث فيعلمها الخاصة دون غيرهم.
٣- القران هو معجزته التي قامت مقام العصا عند موسى ﵇ وأربت عليها، وقامت مقام إحياء الموتى عند عيسى ﵇ وأربت عليها ... لذاك لا يعرض على الناس مسلمهم وكافرهم إلا القران ... فصار شيوع العلم به، وبماهيته وحدوده كالعلم بهذه المعجزات ... وقد ذكر النبي ﷺ ذلك فقال: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي ما مثله امن عليه البشر وإنّما كان الّذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١» .
٤- حديث القران عن نفسه حديث يدل على شدة ظهوره بين الناس، كما في قوله هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ (إبراهيم: ٥٢) ، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت: ٤١- ٤٢) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (الواقعة: ٧٧- ٧٨) وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) (الطور: ١- ٣) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) (الشعراء: ١٩٦) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) (الأعلى: ١٨) ، وقال: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) (الزخرف: ١- ٢) ، (الدخان: ١- ٢) .
وقال الله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا (الأعراف: ٢٠٤) وقال : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ
стр. 48
قالُوا أَنْصِتُوا (الأحقاف: ٢٩) . وقال الله : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (الجن: ١- ٢) .
٥- تحديده كتابيا بشكل دقيق: حدد النبي ﷺ القران الكريم مكتوبا على صورة دقيقة؛ فكان القران- كلام الله المنزل- محصورا معلوما معروفا لا يعتريه ريب ولا التباس عند المسلمين واليهود والنصارى وباقي العالمين، وهو الموجود بين الدفتين عندنا فيما عدا ما هو معلوم من أسماء السور، والتحزيب، وقد ورد تحديد هذا المنهج على لسان النبي ﷺ ، وأنه بين دفتين قبل أن يجمع بين دفتين فقد قدم أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ بيت المقدس ليصلي فيه، فلما انصرف خرجوا معه ليشيعوه، فلما أرد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقا أن أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قلنا: هات رحمك الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، وفي لفظ: ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقلنا: يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرا؟ امنا بك واتبعناك.
قال: «ما يمنعكم من ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهركم يأتيكم الوحي من السماء؟ بلى قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين فيؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا، أولئك أعظم منكم أجرا، أولئك أعظم منكم أجرا» » .
стр. 49
وترى النبي ﷺ انتقل من ذكر الكتاب وتحديده بأنه بين لوحين إلى ذكر الإيمان به والعمل دلالة على ظهوره، ولا شك أن العمل به لا يكون إلا عن معرفته أي معرفة ما فيه.
و (علم القران) هو المصطلح العلمي المعروف لعلوم القراات والتجويد عند السلف:
فقد قال أهل العلم في تقسيم العلم: «العلوم الاعتقادية إما متعلقة بالنقل، أو فهم المنقول وتقريره وتشييده بالأدلة، أو استخراج الأحكام المستنبطة، فالنقل إن كان مما أتى به الرسول ﷺ بواسطة الوحي فهو علم القران ... » «١» ، وقد يطلق على علم القران علم القراءة كما يكثر هذا الاصطلاح في كشف الظنون «٢» .
стр. 50
ويتضح أن (علم القران) هو أساس بقية العلوم:
في تقديم التلاوة على تعليم الكتاب والحكمة، فقد تكرر بذلك تعليم القران في التلاوة ثم في تعليم الكتاب لأن تعليم ألفاظ القران تدخل في ذلك دخولا أوليا، فهو أساس وظائف النبي ﷺ ، فالتلاوة أساس التعليم، والتعليم أساس التزكية كما في قوله وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى إذ كان المطلوب من النبي ﷺ أن يقرئ ابن أم مكتوم ﵁، وكان علم نقل اللفظ القراني أساس العلوم الشرعية الاخرى وعليها تأسس بناؤها ثم شمخ واشمخر، فالألفاظ أساس التفسير، والمباني أوعية المعاني، ولذا عرفوا علم التفسير بما يفيد شمول نقل علم اللفظ القراني: فقالوا: «هو العلم الباحث عن أحوال ألفاظ كلام الله من حيث الدلالة على مراد الله تعالى» «١» ، ففي كل ذلك يكون علم القران في مقدمات مصادر علم التفسير.
وكون الإقراء هو الأساس بالنسبة إلى تعليم العلوم الاخرى:
مما عرفه السلف فقد سئل ابن محيريز عن مسألة فقال للسائل: ما تصنع بالمسائل؟ قال: لولا المسائل لذهب العلم قال: لا تقل ذهب العلم، إنّه لا يذهب العلم ما قرئ القران ولكن لو قلت يذهب الفقه، وعن الوليد بن مسلم قال: كنا إذا جالسنا الأوزاعي فرأى فينا حدثا قال: يا غلام! قرأت القران؟ فإن قال: نعم قال: اقرأ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ (النساء: ١١) ، وإن قال: لا! قال: اذهب تعلم القران قبل أن تطلب العلم، وعن أبى هشام الرفاعي يقول:
كان يحيى بن يمان إذا جاءه غلام أمرد استقرأه رأس سبعين من الأعراف، ورأس سبعين من يوسف فإن قرأه حدّثه وإلا لم يحدثه «٢» .
стр. 51
ومجالس العلم التي كان يحييها الصحابة ﵃ تنصرف في الغالب للإقراء:
وغيره يأتي تبعا فقد قال بعض أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القران فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله ﷺ كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك.. «١» .، وعن أبي رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى يقرئنا يجلسنا حلقا حلقا عليه ثوبان أبيضان، فإذا قرأ هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) (العلق: ١) قال: «هذه الاية أول سورة أنزلت على محمد ﷺ » «٢» .
ومن ناحية عقلية:
فقد اجتمعت ثلاثة أمور توجب في الضرورة العقلية البدء بتعليم ألفاظ القران الكريم، وصرف الأوقات إليه:
أحدها «من جهة الموضوع فإن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة.
وثانيها من جهة الغرض فإن الغرض منه الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي هي الغاية القصوى.
وثالثها من جهة شدة الحاجة فإن كل كمال ديني أو دنيوي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى» «٣» ولأن ألفاظ القران الكريم تكون حقيقة (القران) وماهيته، فهي أول العلم بكتاب الله ودينه مما يجعل تحديده يظهر ظهورا عاما على مستويين إجمالي، وتفصيلي.
стр. 52
من جهة أخرى: تنقسم العلوم الشرعية إلى نقلية وعقلية «وأصناف العلوم النقلية كثيرة؛ لأن المكلف يجب عليه أن يعلم أحكام الله المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه، وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالإجماع أو بالإلحاق، فلا بد من النظر في الكتاب ببيان ألفاظه أولا، وهذه هي علوم أداء الألفاظ القرانية من تلقين وتجويد وإقراء.
ثم بإسناد نقله وروايته إلى النبي ﷺ الذي جاء به من عند الله واختلاف روايات القراء في قراءته وهو علم القراات ... » «١» .
تعريف القران (المنهج التعليمي) :
وعلى هذا فكتاب الله سبحانه هو كلامه، وهو القران الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، ولا يعترض على هذا بأن البعض قد ذهبوا إلى أن الكتاب غير القران، إذ هذا القول على غرابة فلسفته عن الدين، فهو مخالف لصريح القران الكريم؛ إذ يقول الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (الأحقاف: ٢٩- ٣٠) ، وقال فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (الجن: ١) فأخبر الله تعالى أنهم استمعوا القران وسموه قرانا وكتابا، وقال تعالى: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الزخرف: ١- ٣) سماه قرانا وكتابا وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين وهو «ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلا متواترا، وقيدناه بالمصحف
стр. 53
لأن الصحابة ﵃ بالغوا في نقله وتجريده عما سواه حتى كرهوا التعاشير والنقط كيلا يختلط بغيره فنعلم أن المكتوب في المصحف هو القران وما خرج عنه فليس منه؛ إذ يستحيل في العرف والعادة مع توفر الدواعي عل حفظ القران أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه» «١» ، واحد أول القران واخره من بدهيات الإسلام، فالقران هو الكتاب، وهو قول الله، وهو «الذي أجمع المسلمون عليه من السور والايات في القران» «٢» .
المطلب الرابع: قيامه بوظيفة تعليم القران على أوسع نطاق:
تقدمت الإشارة إلى أن التلاوة وظيفة تعليمية بحد ذاتها، أضيف لها وظيفة التعليم التفصيلي للكتاب والحكمة ... فصار ملخص ذلك أن النبي ﷺ إنما بعث معلما وهو ما ذكره النبي ﷺ في قوله: «إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا» «٣» ... ولذا قام بوظيفة تلاوة الكتاب وتعليمه على أوسع نطاق:
تلاوته ﷺ على المشركين:
أما تلاوته ﷺ القران على المشركين، فمن مؤشراته ما تقدم من ايات وأحاديث، وقد قرأ النبي ﷺ سورة النجم على أهل مكة مسلمهم وكافرهم، فسجد فيها وسجد من معه «٤» ...
стр. 54
تعليمه ﷺ القران للمسلمين:
وأما إقراؤه للمسلمين، فذلك دأبه ودينه، فكان يقرئ من استطاع من المسلمين بنفسه، وذلك ظاهر، وهو ما يشغل معظم يومه وليلته: فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بمجلسين في مسجده، فقال: «كلاهما على خير وأحدهما أفضل من صاحبه أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه فإن شاء أعطاهم وان شاء منعهم واما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل وإنما بعثت معلما» قال ثم جلس فيهم «١» ، وقد سبق أن رأس التعليم الذي بعث له ﷺ تعليم القران الكريم، وصرح النبي ﷺ بذلك في قوله: «خيركم (وفي لفظ: إن أفضلكم) من تعلم القران وعلمه» «٢» والتعليم ليس إلا الإقراء كما ثبت في الرواية الاخرى «خيركم من قرأ القران وأقرأه» «٣» وكمثل تطبيقي على ذلك فإن سعد بن أبي وقاص روى أن رسول الله رسول الله ﷺ قال: «خياركم من تعلم القران، وعلم القران» ثم قال الراوي عن سعد: فأخذ بيدي وأقعدني هذا المقعد أقري «٤» .
وعن أنس ﵁ قال: أتى أبو طلحة أم سليم وهي أم أنس فقال: عندك يا أم سليم شىء؟ فإني مررت على رسول الله ﷺ وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرا من الجوع ... الحديث «٥» .
стр. 55
وقد كان جبريل ﵇ يقرئه الايات فيقرئ أصحابه من فوره ولئن سألوه عن المعنى لأحرى أن يستوثقوا من اللفظ قبل المعنى ومن ذلك ما ذكره أبو سعيد الخدري: لما نزلت وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ (الفجر: ٢٣) تغير لون رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى أشتد على أصحابه ثم قال: أقرأني جبريل كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ (الفجر: ٢١- ٢٣) .. «١» ..
وقد كان القراء والمقرئون أحب الناس إلى رسول الله ﷺ فقد سمع علي بن أبي طالب ﵁ ضجة في المسجد يقرؤون القران ويقرئونه فقال: طوبى لهؤلاء! هؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله ﷺ «٢» .
إرساله ﷺ المقرئين لتأدية الوظيفة:
من لم يستطع ﷺ أن يقرئه أرسل إليه المعلمين للقران الكريم إلى مختلف الأصقاع كوظيفة أساسية في بدء نشر الإسلام في أي منطقة: فعن أبي موسى ﵁ أنّ رسول الله ﷺ بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن فأمرهما أن يعلّما النّاس القران «٣» ، وإلى المدينة أرسل مصعب بن عميرو هو المقرئ الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى الأنصار يقرئهم القران بالمدينة قبل قدوم رسول الله ﷺ فأسلم معه خلق كثير «٤» .
стр. 56
وكذلك كان يفعل مع البلاد المفتوحة، ومن ذلك أنه لما فتح رسول الله ﷺ مكة استخلف عليها عتاب بن أسيد يصلي بهم وخلف معاذا يقرئهم ويفقههم «١» .
وعن أنس ﵁ أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلّمنا كتاب ربّنا والسّنّة قال فأخذ النّبيّ ﷺ بيد أبي عبيدة فدفعه إليهم وقال: «هذا أمين هذه الأمّة» «٢» ، ويعني باليمن هنا أهل نجران.
داخل بيته ﷺ : وقد قام بذلك خير قيام داخل بيته كما قام خارجه: فقد كان الوحي ينزل داخل بيوت النبي ﷺ ، والقران يتلى كما قال : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ (الأحزاب: ٣٤) ف آياتِ اللَّهِ القران ووَ الْحِكْمَةِ السنة «٣» .
تعيينه ﷺ عرفاء الإقراء:
وكان لضرورة إقرائه القران الكريم يدفع من قدم عليه إلى إمام من أئمة الإقراء فعن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يشغل فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله ﷺ ، دفعه إلى رجل منّا يعلّمه القران، فدفع إليّ رسول الله ﷺ رجلا، وكان معي في البيت أعشّيه عشاء أهل البيت فكنت أقرئه القران ... » «٤» ، وهذا يدل أيضا على مقدار اعتناء الصحابة بحفظ القران الكريم، وتعلمه وتعليمه.
стр. 57
إقراؤه ﷺ للجن:
حتى أقرأ الجن القران كما فعل مع الإنس فهو مرسل إلى الثقلين: فقد سئل علقمة تلميذ ابن مسعود: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟
قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا: إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم؟ فقال: «اتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القران» «١» ومعنى عدم حضوره الوارد في قوله: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ووددت أني كنت معه «٢» أي قربه مع النبي ﷺ في المكان ذاته.
وقد بين النبي ﷺ أن داعي الجن جاءه فأمره الله بالإجابة كما في رواية لابن حبان عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «أمرت الليلة أن أقرأ على الجن واقفا بالحجون» «٣» .
وقد اهتم الجن لذلك وفرحوا به حتى كادوا يكونون عليه لبدا فعن ابن عباس ﵁ في الاية قال: «لما سمعوا النبي ﷺ يتلو القران كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه ودنوا منه ... وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، فعجبوا من طواعية أصحابه فقالوا: لقومهم لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ
стр. 58
كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (الجن: ١٩) » «١» ... ألا يكون الفرح في الإنس بكتاب الله أولى وأحرى.
ولم تكن قراءته ﷺ عليهم لمرة واحدة بل تكررت فعن جابر ﵁ قال:
خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى اخرها فسكتوا فقال: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم كنت كلما أتيت على قوله فبأي الاء ربكما تكذبان قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» «٢» ... فأين مردود الإنس- أخي- أين؟.
أمره ﷺ للصحابة ﵁ ومن بعدهم بتعليم القران وتبليغ الاي:
فعن أبي أمامة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بتعليم القران وحثنا عليه..
الحديث «٣» ، وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بلغوا عني ولو اية» » .
وكان الصحابة ﵃ يعرض بعضهم القران على بعض، فعن ابن عباس ﵁ قال: كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف.. «٥» ..
ونعى ﷺ على قوم عدم قيامهم بواجب التعليم العام فكيف يذهب التصور بشأن التعليم القراني؟، فعن عبد الرحمن بن أبزى ﵁ قال:
стр. 59
«خطب رسول الله ﷺ ذات يوم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيرا، ثم قال: «ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم؟ ولا يعلمونهم؟ ولا يفطنونهم؟ ولا يأمرونهم؟ ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم؟ ولا يتفقهون؟ ولا يتفطنون؟ والله ليعلمن قوم جيرانهم، ويفقهونهم، ويفطنونهم، ويأمرونهم، وينهوهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم، ويتفقهون، ويتفطنون، أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا» .
ثم نزل فدخل بيته، فقال قوم: من ترونه عني بهؤلاء؟ قالوا: نراه عنى الأشعريين، هم قوم فقهاء، ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب، فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، ذكرت قوما بخير، وذكرتنا بشر، فما بالنا؟
فقال: «ليفقهن قوم جيرانهم، وليفطننهم، وليأمرنهم، ولينهونهم، ولتيعلمن قوم من جيرانهم، ويتفطنون، ويتفقهون، أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا» فقالوا:
«يا رسول الله أنفطن غيرنا؟» فأعاد قوله عليهم، فأعادوا قولهم: أنفطن غيرنا؟
فقال ذلك أيضا.
فقالوا: «أمهلنا سنة، فأمهلهم سنة ليفقهوهم، ويعلموهم، ويفطنوهم» .
ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الاية: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (المائدة: ٧٨- ٧٩) «١» .
стр. 60
[حثه ص تعليم الأجيال الناشئة القرآن الكريم أولا]
وكان ﷺ يحث على أن تعلّم الأجيال الناشئة القران الكريم أول ما تعلّم:
فعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: «تعلموا البقرة ... وإن القران يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك فيقول: أنا صاحبك القران الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا فيقولان:
عم كسينا هذا فيقال: بأخذ ولد كما القران، ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ حدرا كان أو ترتيلا» الحديث «١» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجيء القران يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول لصاحبه: هل تعرفني أنا الذي كنت أسهر ليلك وأظمئ هواجرك وإن كل تاجر من وراء تجارته وأنا لك اليوم من وراء كل تاجر فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا وما فيها فيقولان يا رب أنى لنا هذا فيقال لهما بتعليم ولد كما القران» «٢» .
стр. 61
وعن معاذ بن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال سبحان الله العظيم نبت له غرس في الجنة، ومن قرأ القران فأكمله وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا هو أحسن من ضوء الشمس في بيوت من بيوت الدنيا لو كانت فيه فما ظنكم بالذي عمل به» «١» ، وعن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: «ما من رجل يعلم ولده القران في الدنيا إلا توج أبوه يوم القيامة بتاج في الجنة يعرفه به أهل الجنة بتعليم ولده القران في الدنيا» «٢» .
والأحاديث يعضد بعضها بعضا، وهي تدل بدلالة الإشارة على الحض الشديد للوالدين على تعليم أولادهم القران، وتحفيظهما إياه وما يستتبع ذلك من العمل به، وهذا يوحي بضرورة أن تكون مادة القران الكريم جزا مستقلا من التعليم العام والتعليم العالي، وأن تكون مادة ملزمة لسائر التخصصات، مع تفاوت الكمية المناسبة لكل بحسبه كلما أنتهي من جزء لفظي أو معنوي انتقل إلى غيره بحيث يبقى الجيل المسلم على صلة لا تنقطع بها.
ولذلك كله كان تعلم القران بدهية في حياة الصحابة ﵃ حتى صار مقياسا لغيره كما قال عمر ﵁: تعلموا الفرائض واللحن والسنة كما تعلمون القران «٣» .
стр. 62
من المقتضيات المنهجية التعليمية لذلك في خطط التنمية الأساسية في البلاد الإسلامية:
١- رسم خطط استراتيجية في مجالات التربية والتعليم والتوجيه والثقافية والعلاقات الخارجية تشمل كيفية تبليغ القران الكريم وتعليمه، والوصول إلى حد الاكتفاء من المتخصصين في جوانبه المختلفة، وفروعه الدقيقة.
٢- متابعة بعث المتقنين من القراء إلى الافاق للتأكد من نشر القران ومعرفة الواجب منه على الأقل، ومن تسلسل المنهجية عند عمر ﵁ في ذلك ما جاء عن أبي موسى ﵁ أنّه قال حين قدم البصرة: بعثني إليكم عمر بن الخطّاب أعلّمكم كتاب ربّكم، وسنّتكم، وأنظّف طرقكم «١» .
٣- الاعتزاز والافتخار بوظيفة معلم القران الكريم، وعدم التصاغر من قبل القائم بها، وأن يقذف في وعي الأمة وإدراكها مقدار جلالة هذه الوظيفة، فتتغير النظرة السائدة الان على ضالة وظيفة معلم الصبيان.
٤- أن تعطى هذه الوظيفة حقها من الرعاية والاهتمام سواء من حيث الرواتب الدائمة أو من حيث المحفزات المصاحبة، وحرصا عليها من الابتذال فيهتم بإعداد ملاكاتها التعليمية وفق بقية الصفات التي ستظهرها هذه الدراسة فتكون في مكانها اللائق.
هذا هو النبي ﷺ ... صارخ في برية التيه التي سيطرت على العالم: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ... أبلغه للصغير
стр. 63
والكبير، والإنس والجن، والرجال والنساء، والأعراب والأعاجم ... لم يترك تبليغ القول الثقيل في ليل أو نهار ... فذا ميراثه.. فأين هم ورثته؟ أين ورثته؟ ... لكنّ النور الذي نزل عليك قد عمّ انتشر ... يا رسول الله ... ف:
كيف ترقى رقيك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء
أمع الصبح للنجوم تجل ... أم مع الصبح للظلام بقاء
وإذا ما تلا كتابا من الله ... تلته كتيبة خضراء
حبذا عقد سؤدد وفخار ... أنت فيه اليتيمة العصماء
стр. 64
المبحث الثالث: حكم تعلم القران الكريم وتعليمه:
وبعد ما تقدم لا بد من الخوض بشيء من التفصيل الفقهي في حكم تعليم القران وتعلمه وذلك في الجهتين اللتين تكونان الأمة، وهاتان الجهتان تشكلان مطلبين:
المطلب الأول: على النبي ﷺ .
المطلب الثاني: على الأمة.
المطلب الأول: حكم تعلم القران على النبي ﷺ :
بعث النبي ﷺ معلما، وكان أول أدب قراني أدبه ربه به هو قوله ﷻ :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (العلق: ١) ، مع أنه ليس بقارئ ولا كاتب فيكون المراد بالقراءة التلاوة عن ظهر قلب ... وعلى هذا يكون تعلم القران الكريم وتعليمه جزا من حقيقة كونه نبيا، وهو يمثل ماهية رسالته ... فلا تتصور نبوته، ولا تتأتى حقيقة رسالته إلا بكونه متعلما للقران الكريم من جبريل ﵇، معلما له للثقلين ...
وهذا من أعظم أدلة وجوب حفظ القران عليه، والحفظ يشكل أرقى صور تعلم كتاب الله تعالى، ولذا اشتد حرصه ﷺ على استظهار القران وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشد حالات حرجه وشدته حتى قال الله فقال له في سورة القيامة لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
(القيامة: ١٦- ١٩) ، وقال ﷻ له في سورة طه وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) (طه: ١١٤) ، «ومن هنا كان ﷺ أول جامع للقران في قلبه الشريف، وسيد الحفاظ في عصره المنيف، ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القران
стр. 65
وعلوم القران، وكان ﷺ يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه وكان يحيي به الليل، ويزين الصلاة، وكان جبريل ﵇ يعارضه إياه في كل عام مرة وعارضه إياه في العام الأخير مرتين» «١» .
وأما تفصيل ذلك فقد أشير إليه في كتاب تلقي النبي ﷺ ألفاظ القران الكريم للمؤلف.
المطلب الثاني: حكم تعلم القران الكريم وتعليمه على الأمة:
أول مسألة في هذا الموضوع تتعلق بحفظ القران: هل هو واجب على أمة النبي ﷺ ؟
الجواب: نعم! والأدلة ذاتها الواردة على وجوب حفظ النبي ﷺ عن ظهر قلب ترد هنا لعالمية الرسالة الزمانية والمكانية، والأمة هي التي تحمل هذه الرسالة بعده ﷺ .
[حقيقتان]
وأما قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩) ، وقوله ﷻ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ (الأنعام: ١١٥) فخبر يدل على حقيقتين:
١- الحقيقة الخبرية:
حيث تكفل الله بالحفظ لكتابه فلا مبدل لكلماته، فتكفل الله بحفظه أي من كل ما يقدح فيه كالتحريف والزيادة والنقصان وغير ذلك حتى أن الشيخ المهيب لو غير نقطة يرد عليه الصبيان ويقولون له- أيا كان-: الصواب كذا «٢» ، وأما التوراة فقال الله ﷻ عن أحبارها بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ (المائدة: ٤٤) «فجعل حفظه إليهم فضاع» كما قال
стр. 66
سفيان بن عيينة «١» ، وأما القران فاستحفظه أهله مع تكفل الله بالحفظ، فإن يتول قوم من أهله عن ذلك استبدل الله بهم غيرهم، ولكن الاستحفاظ عام على الأمة جميعا، وهذا معنى ما قرره أهل العلم من أن جمع القران عن ظهر قلب فرض كفاية، مما سيأتي تفصيله بعد قليل- إن شاء الله تعالى-.
٢- الحقيقة الإنشائية:
حيث أمر الله ﷻ عباده بأن يحاولوا التشرف بالدخول في الأدوات الواقعية التي يحفظ الله بها كتابه، ومن هذا الباب فعل الشيخين أبي بكر وعمر ﵃ في الجمع الأول للمصحف بعد زمن الرسول ﷺ ، وفعل عثمان ﵁ في الجمع الثاني، ولم يقولوا قد تكفل الله بحفظه فلا شأن لنا.
وعلى هذا التقرير يكون «المختار أن حفظ القران وإبقاءه كما نزل حتى يأتي أمر الله تعالى بالإعجاز وغيره مما شاء الله ، ومن ذلك توفيق الصحابة ﵃ لجمعه» «٢» .
وتعلم القران الكريم وتعليمه على الأمة:
أمران مجتمعان لا ينفكان؛ إذ الجامع بين تعلم القران وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي ولهذا كان أفضل الخلق كما قال النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القران وعلمه» «٣» ، وهو من جملة من يدخل في قوله ﷻ : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت: ٣٣) «والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم
стр. 67
القران، وهو أشرف الجميع وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام كما قال :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها» «١» .
وثاني مسألة: ما هو المقدار الواجب حفظه على الأمة من القران الكريم؟
والجواب: هذه المسألة ذات جهتين:
الجهة الأولى: تعلم شيء من القران تؤدى به الصلوات:
فهذا فرض عين إجماعا قطعيا عند الأمة، وهو أمران: سورة الفاتحة، ثم أي قدر من القران يجزئ بعدها، فقد قرر أئمة الفقه أنه « (يجب) أن يحفظ (منه) أي القران (ما يجب في الصّلاة) أي الفاتحة على المشهور، أو الفاتحة وسورة على مقابله» «٢» ، ومن أهم المؤشرات في هذا الموضوع أنه لا يوجد أحد من الأمة يسقط عنه ذلك إلا العاجز الذي ورد في مثله حديث ابن أبي أوفى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أحسن من القران شيئا فعلمني شيئا يجزئني منه، فقال:
«قل سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله أكبر» قال: هذا لربي فما لي؟
قال: «قل اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني وعافني» «٣» ، وقول الرجل (إني لا أحسن) معناه لا أستطيع التعلم كما في قوله في الرواية الاخرى: يا رسول الله إني لا أستطيع أن أتعلم القران فعلمني ما يجزئني من القران «٤» حتى أوجب بعض العلماء على من لم يتعلم القران إلا بعد زمن أن يعيد جميع صلواته التي صلاها قبل تعلمه إن وجد للتعلم سبيلا قبل ذلك فلم يتعلم، ففي حلية العلماء: «واتسع الزمان له
стр. 68
ووجد من يعلمه فصلى بغير القراءة وجب عليه إعادة ما صلى إذا تعلم القران وفي قدر ما يعيده وجهان أصحهما أنه يعيد كل صلاة صلاها إلى أن تعلم» «١» ، كما أوجبوا على الحائض المتحيرة مراجعة القران خوف النسيان «٢» ، وفي هذا قرر أهل العلم أن تعليم الواجب العيني من القران واجب عيني تحرم عليه الأجرة، واختلفوا فيما بعد ذلك.
الجهة الثانية: تعلم ما فوق ذلك وتعليمه:
ينبغي أن يشار هنا إلى أن مسألتي التعليم والتعلم مرتبطتان ارتباطا لا ينفك، فلا تفرد مسألة التعلم عن مسألة التعليم، وكل دليل لهذه هو دليل لأختها.
والصورة العليا لهذه الجهة: أن يتعلم المرء جميع ألفاظ القران وأن يحيط بجوانبها اللفظية المختلفة، إذ «المقصود من التّعليم للقران أن يكون حفظا وإتقانا لقوانينه من إخفاء وإظهار ونحوهما وتعليم مخارج الحروف» «٣» ، فقد علمهم النبي ﷺ أن هذا فرض كفاية على الأمة، ولكن ثم نوع من التلاوة التي تقتضي التعليم والتعلم هو واجب عيني على المكلفين وهو القراءة لأقل شيء لا يكون به القران مهجورا «٤» ، ... وقرر ذلك السيوطي- رحمه الله تعالى- فقال: «اعلم أن حفظ القران فرض كفاية على الأمة صرح به الجرجاني في الشافي والعبادي وغيرهما ...
وتعليمه أيضا فرض كفاية» «٥» وقال في كشف القناع: «وحفظه فرض كفاية
стр. 69
إجماعا» «١» ، وقال في حاشية البجيرمي: «تعلّم القران فرض كفاية بأن تحفظه على ظهر قلب» «٢» ، وقرر الزركشي- رحمه الله تعالى- أنه «إذا لم يكن في البلد أو القرية من يتلو القران أثموا بأسرهم» «٣» ، وهذا الذي عناه ابن الجزري- رحمه الله تعالى- بقوله: «تعلم القراءة فرض كفاية فإن لم يكن من يصلح له إلا واحد تعين عليه، وأن كان جماعة يحصل المقصود ببعضهم فإن امتنعوا كلهم أثموا، وإن قام به بعضهم سقط الحرج عن الباقين» «٤» ، ومن جملة شواهد تعليم النبي ﷺ لهم ذلك غير ما تقدم:
١- علمهم النبي ﷺ أن الله يأمرهم بأن تكون حالة حفظ القران (تعلمه) وتعليمه هي صفتهم الدائمة كأمة في قوله : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (ال عمران: ٧٩) ، فقد قال الضحاك في هذه الاية: «لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القران جهده فإن الله يقول:
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ» «٥» .
٢- علمهم النبي ﷺ أن الله يأمرهم بقراءة القران وذلك لا يكون دون تعليم وتعلم، وذلك في قوله ﷻ : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (المزمل: ٢٠) ، فقد قيل في تأويلها: «إن المراد به قراءة القران في غير الصلاة» «٦» ، والصحيح أن الأمر هنا فيه تفصيل فلا يقال بأنه للوجوب مطلقا ولا للاستحباب مطلقا بل هو للوجوب في حالتين:
стр. 70
الأولى: لأقل ما لا يطلق عليه هجرا للقران الكريم، وهذا في حق جميع الأمة.
الثانية: وللوجوب له جميعا على من يؤدى بهم فرض الكفاية، وللاستحباب فيما عدا ذلك، وقد قيل بأنه للوجوب مطلقا لأن المراد قراءته ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه «لأن حفظ القران من القرب المستحبة دون الواجبة» «١» وهذا قريب من التفصيل المذكور إن لم يكن هو. وأما مقدار ما تضمنه هذا الأمر من القراءة فورد فيه خمسة أقوال: أحدها جميع القران لأن الله تعالى يسره على عباده قاله الضحاك، الثاني ثلث القران حكاه جويبر، الثالث مائتا اية قاله السدي الرابع مائة اية قاله ابن عباس الخامس ثلاث ايات كأقصر سورة قاله أبو خالد الكناني» «٢» ، والظاهر أن القدر المطلوب هو ما لا يعد به عرفا هاجرا للقران، ولا مستهينا به، على أن الترك الذي يسمى هجرا لا يحتاج إلى استحضار نية، بل العمل فيه دليل عليه، وإن لم يقصد ... وسبب هذا الترجيح القرائن التي تتمثل بكل ما في هذا الكتاب من أدلة تبين عظمة القران ومكانته، وحرمة هجره.
٣- وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (الفرقان: ٣٠) ، ومهجورا مفعول ثان أي صيروا القران مهجورا بإعراضهم عنه «٣» بأن «تركوه وصدوا عنه وعنه ﷺ : «من تعلم القران وعلق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني
стр. 71
وبينه» «١» ، فإن هجر القران أنواع ومنها: هجر تعلمه ثم تلاوته، وسماعه والإيمان به، والإصغاء إليه «٢» .
والاية توجب تعلم القران بطريق أسلوب الحكيم، حيث يظهر فيها التهديد على الهجر، وتسمية فاعله من المجرمين عند توضيح دعاء الرسول؛ إذ قال تعقيبا على دعاء الرسول ﷺ الذي جاء بصيغة شكوى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ (الفرقان: ٣١) ، فبين أن من هجر القران فهو من أعداء الرسول ﷺ ، وأن هذه العداوة أمر لابد منه ولا مفر عنه» «٣» ، كما أن هذا الفعل فيه تشبه بالمشركين الذين هجروا القران وأعرضوا عنه ولم يسمعوا له فهم كما قال الله ﷻ : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ (الأنعام: ٢٦) «٤» ؛ ولذا جاء عن الأوزاعى قال: كان يعجبهم النظر في المصحف بعد القراءة هنيهة، قال بعضهم:
وينبغي لمن كان عنده مصحف أن يقرأ فيه كل يوم ايات يسيرة ولا يتركه مهجورا «٥» .
ملحوظة: يتضح من الدليلين السابقين أن حفظ القران أو النظر الدوري فيه ملزم لكل أفراد الأمة حتى لا يحدث الهجر له، وحتى يقرأ ما تيسر منه امتثالا للأمر الذي تكرر مرتين في اية واحدة هي الاية الأخيرة من سورة المزمل ... دلالة على التأكيد والأهمية مع إعلام الله للقوم أنه يعلم تشتت أحوالهم الدنيوية، وعلى الرغم من ذلك فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ، وهذا أمر عام لكل قطاعات الأمة يتطلب بذل الوسائل المتاحة لتعميم التعليم القراني.
стр. 72
٤- الأمر الصريح بتعلم كتاب الله ، مع إجماع الأمة على أن الوجوب كفائي: ومن هذه الأوامر: قوله «تعلموا القران، واقرؤه (وفي لفظ: فاقرؤوه، وفي لفظ للترمذي: وأقرئوه «١» » ... ) فقوله (تعلموا القران) «أي لفظه ومعناه» «٢» ، والفاء في قوله (فاقرأوه) كحرف العطف (ثم) في قوله : وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (هود: ٣) ، أي تعلموا القران، وداوموا تلاوته، والعمل بمقتضاه يدل عليه، والدلالة في الحديث تصريحا وتشبيها واضحة على الأمر بتعلم القران وتعليمه، وإنما تترتب تلاوته وقراءته على ذلك.
٥- أن ذلك التعلم والتعليم هو حقيقة الرسالة النبوية لسيدنا محمد ﷺ ، توجد بوجوده، وتنتفي بانتفائه.. وهو قد أرسل للعالمين نذيرا كما في قول الله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (الأنبياء: ١٠٧) ، والشيء الذي أمر بتبليغه والإنذار به هو القران كما في قوله ﷻ : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (الفرقان: ١) ، وما سبق من إيضاح لحقيقة وظيفة البلاغ للنبي ﷺ يفصل هذا المعنى، ولأنه مات ﷺ فلا يستطيع تجاوز حدود الزمان والمكان فإن أتباعه يدعون إلى سبيله قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (يوسف: ١٠٨) ، وهذا يدل على وجوب تعلم القران عليهم وتعليمه، ولذا خص الاية بذكر البلاغ في قوله (بلغوا عني ولو اية) مع أنه قد يبلغ غيرها من الأحاديث مثلا، وقد سبق أن تبليغ القران هو الأصل كما في قول الله ﷻ : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (الأنعام: ١٩) ، وسمى الله ﷻ القران بلاغا هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ (إبراهيم: ٥٢) .
стр. 73
٦- كل أصل عقدي، أو حكم فقهي، أو قاعدة شرعية ... يحتاج إلى القران، ويفتقر إليه، فأي دليل يساق على وجوب العلم، أو العمل بشيء من ذلك هو دليل على وجوب تعلم القران الكريم، وتعليمه، ولذا قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: «فإن إعانة المسلمين بأنفسهم وأموالهم على تعلم القران وقراءته وتعليمه من أفضل الأعمال» «١» .
٧- أن ذلك من النصيحة المطلوبة لكتاب الله كما قال ﷺ : «الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم» «٢» ، كما قرر الطحاوي- رحمه الله تعالى-: «أنّ ذلك عندنا على تعليم كتابه ... » «٣» .
٨- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «تعلموا القران وعلموه الناس ... » «٤» ، وعن أبي هريرة ﵁ وأبي بكرة نحوه «٥» ورواه الدارقطني عن أبي سعيد أيضا ولكنه قال: «تعلموا العلم ... » بدلا من «القران» «٦» ، وبقية الحديث مثل حديث ابن مسعود ... وهو يدل على ما هو معلوم من كون القران مصدر العلم والبصيرة والبيان.
٩- وكتب معاوية إلى عبد الرحمن بن شبل أن علم الناس ما سمعت من رسول الله ﷺ فجمعهم فقال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعلموا القران
стр. 74
فإذا علمتموه فلا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به» فذكر الحديث «١» .
وقد كثر في الأحاديث تكرار الأمر (تعلموا القران، تعلم كتاب الله ... )
ونكتفي بما سبق.
معنى الكفائية في هذا الفرض:
أي «هل يشترط في كلّ ناحية، تعلّم واحد أو لا بدّ من جمع بحيث يظهر حفّاظه، أو لا بدّ في كلّ بلد من ذلك؟» «٢» ، بين أهل العلم أن معنى فرض الكفاية هنا «ألا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف، فإن قام بذلك قوم يبلغون هذا العدد سقط عن الباقين وإلا أثم الكل، وتعليمه أيضا فرض كفاية» «٣» ، بل ذكروا ضرورة الاحتياط بموت بعض هذا العدد أو نسيانهم؛ ومما قرروه هنا أنه ينبغي أن يكون حافظ القران كالقاضي والمفتي في لزوم وجودهما، وهذا مما يرفع من مكانة الحافظ، ويجعله شديد الاعتزاز بما عنده في غير غرور «٤» .
تفريعات على هذه المسألة:
استنبط العلماء من الأدلة السابقة وأمثالها عدة أمور تعليمية في المنهجية النبوية في علم القراءة، منها:
стр. 75
١- قرروا أنه يجوز للحائض: «القراءة للتعلم لأن تعلم القران من فروض الكفايات وينبغي لها جواز مس المصحف وحمله إذا توقفت قراءتها عليهما» «١» .
٢- أكدوا على تقديم حفظ القران على غيره من العلوم الكفائية فقد «سئل شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: أيّما طلب القران أو العلم أفضل؟ فأجاب: أمّا العلم الّذي يجب على الإنسان عينا كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدّم على حفظ ما لا يجب من القران، فإنّ طلب العلم الأوّل واجب، وطلب الثّاني مستحبّ، والواجب مقدّم على المستحبّ. وأمّا طلب حفظ القران: فهو مقدّم على كثير ممّا تسمّيه النّاس علما: وهو إمّا باطل، أو قليل النّفع، وهو أيضا مقدّم في التّعلّم في حقّ من يريد أن يتعلّم علم الدّين من الأصول والفروع، فإنّ المشروع في حقّ مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القران، فإنّه أصل علوم الدّين» «٢» .
٣- ولكن لابد للباحث أن يكرر أن المراد بحفظ القران هنا هو على المنهجية النبوية التي يقوم هذا البحث بتوضيحها لا على المنهجية السائدة من بتر المحفوظ عن معانيه أو العمل به على ما سيأتي تفصيله في الفصول القادمة- إن شاء الله تعالى-.
٤- كما قرروا أن «تعلّم بواقي القران أفضل من صلاة التّطوّع» «٣» .
أثر ذلك في حياة الصحابة ﵃:
ما سبق وأمثاله- وهو كثير «يحفز الهمم ويحرك العزائم إلى حفظ القران، واستظهاره والمداومة على تلاوته» «٤» فضلا عن تعلم شيء منه.