← Сира

Сира · id 9764

إذهاب الحزن وشفاء الصدر السقيم

عبد السلام مقبل المجيدي

Полный текст (569 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وبينه» «١» ، فإن هجر القران أنواع ومنها: هجر تعلمه ثم تلاوته، وسماعه والإيمان به، والإصغاء إليه «٢» . والاية توجب تعلم القران بطريق أسلوب الحكيم، حيث يظهر فيها التهديد على الهجر، وتسمية فاعله من المجرمين عند توضيح دعاء الرسول؛ إذ قال تعقيبا على دعاء الرسول ﷺ الذي جاء بصيغة شكوى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ (الفرقان: ٣١) ، فبين أن من هجر القران فهو من أعداء الرسول ﷺ ، وأن هذه العداوة أمر لابد منه ولا مفر عنه» «٣» ، كما أن هذا الفعل فيه تشبه بالمشركين الذين هجروا القران وأعرضوا عنه ولم يسمعوا له فهم كما قال الله ﷻ : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ (الأنعام: ٢٦) «٤» ؛ ولذا جاء عن الأوزاعى قال: كان يعجبهم النظر في المصحف بعد القراءة هنيهة، قال بعضهم: وينبغي لمن كان عنده مصحف أن يقرأ فيه كل يوم ايات يسيرة ولا يتركه مهجورا «٥» . ملحوظة: يتضح من الدليلين السابقين أن حفظ القران أو النظر الدوري فيه ملزم لكل أفراد الأمة حتى لا يحدث الهجر له، وحتى يقرأ ما تيسر منه امتثالا للأمر الذي تكرر مرتين في اية واحدة هي الاية الأخيرة من سورة المزمل ... دلالة على التأكيد والأهمية مع إعلام الله للقوم أنه يعلم تشتت أحوالهم الدنيوية، وعلى الرغم من ذلك فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ، وهذا أمر عام لكل قطاعات الأمة يتطلب بذل الوسائل المتاحة لتعميم التعليم القراني.

стр. 72

٤- الأمر الصريح بتعلم كتاب الله ، مع إجماع الأمة على أن الوجوب كفائي: ومن هذه الأوامر: قوله «تعلموا القران، واقرؤه (وفي لفظ: فاقرؤوه، وفي لفظ للترمذي: وأقرئوه «١» » ... ) فقوله (تعلموا القران) «أي لفظه ومعناه» «٢» ، والفاء في قوله (فاقرأوه) كحرف العطف (ثم) في قوله : وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (هود: ٣) ، أي تعلموا القران، وداوموا تلاوته، والعمل بمقتضاه يدل عليه، والدلالة في الحديث تصريحا وتشبيها واضحة على الأمر بتعلم القران وتعليمه، وإنما تترتب تلاوته وقراءته على ذلك. ٥- أن ذلك التعلم والتعليم هو حقيقة الرسالة النبوية لسيدنا محمد ﷺ ، توجد بوجوده، وتنتفي بانتفائه.. وهو قد أرسل للعالمين نذيرا كما في قول الله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (الأنبياء: ١٠٧) ، والشيء الذي أمر بتبليغه والإنذار به هو القران كما في قوله ﷻ : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (الفرقان: ١) ، وما سبق من إيضاح لحقيقة وظيفة البلاغ للنبي ﷺ يفصل هذا المعنى، ولأنه مات ﷺ فلا يستطيع تجاوز حدود الزمان والمكان فإن أتباعه يدعون إلى سبيله قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (يوسف: ١٠٨) ، وهذا يدل على وجوب تعلم القران عليهم وتعليمه، ولذا خص الاية بذكر البلاغ في قوله (بلغوا عني ولو اية) مع أنه قد يبلغ غيرها من الأحاديث مثلا، وقد سبق أن تبليغ القران هو الأصل كما في قول الله ﷻ : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (الأنعام: ١٩) ، وسمى الله ﷻ القران بلاغا هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ (إبراهيم: ٥٢) .

стр. 73

٦- كل أصل عقدي، أو حكم فقهي، أو قاعدة شرعية ... يحتاج إلى القران، ويفتقر إليه، فأي دليل يساق على وجوب العلم، أو العمل بشيء من ذلك هو دليل على وجوب تعلم القران الكريم، وتعليمه، ولذا قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: «فإن إعانة المسلمين بأنفسهم وأموالهم على تعلم القران وقراءته وتعليمه من أفضل الأعمال» «١» . ٧- أن ذلك من النصيحة المطلوبة لكتاب الله كما قال ﷺ : «الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم» «٢» ، كما قرر الطحاوي- رحمه الله تعالى-: «أنّ ذلك عندنا على تعليم كتابه ... » «٣» . ٨- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «تعلموا القران وعلموه الناس ... » «٤» ، وعن أبي هريرة ﵁ وأبي بكرة نحوه «٥» ورواه الدارقطني عن أبي سعيد أيضا ولكنه قال: «تعلموا العلم ... » بدلا من «القران» «٦» ، وبقية الحديث مثل حديث ابن مسعود ... وهو يدل على ما هو معلوم من كون القران مصدر العلم والبصيرة والبيان. ٩- وكتب معاوية إلى عبد الرحمن بن شبل أن علم الناس ما سمعت من رسول الله ﷺ فجمعهم فقال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعلموا القران

стр. 74

فإذا علمتموه فلا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به» فذكر الحديث «١» . وقد كثر في الأحاديث تكرار الأمر (تعلموا القران، تعلم كتاب الله ... ) ونكتفي بما سبق. معنى الكفائية في هذا الفرض: أي «هل يشترط في كلّ ناحية، تعلّم واحد أو لا بدّ من جمع بحيث يظهر حفّاظه، أو لا بدّ في كلّ بلد من ذلك؟» «٢» ، بين أهل العلم أن معنى فرض الكفاية هنا «ألا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف، فإن قام بذلك قوم يبلغون هذا العدد سقط عن الباقين وإلا أثم الكل، وتعليمه أيضا فرض كفاية» «٣» ، بل ذكروا ضرورة الاحتياط بموت بعض هذا العدد أو نسيانهم؛ ومما قرروه هنا أنه ينبغي أن يكون حافظ القران كالقاضي والمفتي في لزوم وجودهما، وهذا مما يرفع من مكانة الحافظ، ويجعله شديد الاعتزاز بما عنده في غير غرور «٤» . تفريعات على هذه المسألة: استنبط العلماء من الأدلة السابقة وأمثالها عدة أمور تعليمية في المنهجية النبوية في علم القراءة، منها:

стр. 75

١- قرروا أنه يجوز للحائض: «القراءة للتعلم لأن تعلم القران من فروض الكفايات وينبغي لها جواز مس المصحف وحمله إذا توقفت قراءتها عليهما» «١» . ٢- أكدوا على تقديم حفظ القران على غيره من العلوم الكفائية فقد «سئل شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: أيّما طلب القران أو العلم أفضل؟ فأجاب: أمّا العلم الّذي يجب على الإنسان عينا كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدّم على حفظ ما لا يجب من القران، فإنّ طلب العلم الأوّل واجب، وطلب الثّاني مستحبّ، والواجب مقدّم على المستحبّ. وأمّا طلب حفظ القران: فهو مقدّم على كثير ممّا تسمّيه النّاس علما: وهو إمّا باطل، أو قليل النّفع، وهو أيضا مقدّم في التّعلّم في حقّ من يريد أن يتعلّم علم الدّين من الأصول والفروع، فإنّ المشروع في حقّ مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القران، فإنّه أصل علوم الدّين» «٢» . ٣- ولكن لابد للباحث أن يكرر أن المراد بحفظ القران هنا هو على المنهجية النبوية التي يقوم هذا البحث بتوضيحها لا على المنهجية السائدة من بتر المحفوظ عن معانيه أو العمل به على ما سيأتي تفصيله في الفصول القادمة- إن شاء الله تعالى-. ٤- كما قرروا أن «تعلّم بواقي القران أفضل من صلاة التّطوّع» «٣» . أثر ذلك في حياة الصحابة ﵃: ما سبق وأمثاله- وهو كثير «يحفز الهمم ويحرك العزائم إلى حفظ القران، واستظهاره والمداومة على تلاوته» «٤» فضلا عن تعلم شيء منه.

стр. 76

وكان تعلم القران هو الأصل، بل هو بدهية إسلامية في مجتمع المسلمين، ويظهر هذا من قول عمر ﵁: تعلموا الفرائض واللحن والسنة كما تعلمون القران «١» ، فجعل تعلم القران هو الأصل الذي يتم بناء عليه القياس، فمن هنا هب الصحابة «هبة واحدة يحفظون القران ويفهمون القران ويعملون بالقران وينامون ويستيقظون على القران، نقرأ في القران الكريم قوله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (فاطر: ٢٩- ٣٠) ، فتأمل كيف قدم تلاوة القران على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة» «٢» ، وكانوا يقلون من الحديث عن رسول الله ﵁، «وكأن ابن عمر اتبع رأي أبيه في ذلك فإنه كان يحض على قلة التحديث عن النبي ﷺ لوجهين أحدهما خشية الاشتغال عن تعلم القران» «٣» . تسلسل المنهجية: وكان هذا هو منهج أصحاب النبي ﷺ مع تلاميذهم حثا على تعلم القران وتلاوته فقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «تعلموا القران، واتلوه، تؤجروا بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» «٤» ، وعنه ﵁ قال: «يا أيها الناس تعلموا القران فإن أحدكم لا يدري متى يخيل إليه» ، وأتى بمصحف قد زيّن بذهب فقال ﵁: «إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته بالحق» «٥» .

стр. 77

كما حث أصحاب رسول الله ﷺ على قراءة للقران يكون معها المرء غير هاجر لكتاب الله فقد أخرج ابن أبي داود عن ابن عمر ﵁ قال: «إذا فرغ الرجل من حاجته ثم رجع إلى أهله ليأت المصحف فليفتحه فليقرأ فيه فإن الله سيكتب له بكل حرف عشر حسنات أما أني لا أقول ألم ولكن الألف عشر واللام عشر والميم عشر» ، وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: «إن استطعت أن تقرب إلى الله فإنك لا تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه» «١» . وبذا تتوافر أدوات الحفظ الواقعي المعجز للقران الكريم، وهذا جعل واحدا من المستشرقين المعاصرين يقول عن القران الكريم: «فبين أيدينا كتاب معاصر فريد في أصالته وفي سلامته لم يشك في صحته كما أنزل أي شك جدي، وهذا الكتاب هو القران، وهو اليوم كما كان يوم كتب لأول مرة تحت إشراف محمد، وعلى الرغم من أن الأفكار قد دونت في الرقاع وسعف النخل، والعظام في لحظات غريبة فالسور والايات الأصلية قد حفظت ... وهذا الكتاب ليس مجموعة أحاديث أو تقارير يفترض فيها أن محمدا قد قالها فهي نفس الايات التي أملاها بنفسه يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر خلال حياته ... والمهم هو أن القران هو العمل الوحيد الذي عاش أكثر من اثني عشر قرنا دون أن يبدل فيه، ولا يوجد شيء يمكن أن يقارن بهذا أدنى مقارنة في الديانة المسيحية» «٢» .

стр. 78

الفصل الثاني: أصول تعليم النبي ﷺ أصحابه ألفاظ القران: يناقش هذا الفصل أصول تعليم اللفظ القراني عند النبي ﷺ ، وهي تقوم على أربعة محاور: تعليمهم كيف تعلم هو اللفظ القراني ليتم الاقتداء به في تلك الكيفية ما دامت في حدود الطاقة البشرية. والوسائل التي اعتمد عليها مكانا وأسلوبا وطريقة إدارة ليتم التعليم. ووسائل النشر لقيام هذا التعليم باتساع أفقي ورأسي. والقواعد التربوية الضرورية المصاحبة لتعليم اللفظ القراني. وبها تتضح الهيئة الإدارية للجامعة القرانية النبوية، كما تتضح بعض ملامح مفردات المنهج العلمي فيها ... فهذه محاور أربعة في أربعة مباحث ... وإليها تشد رحال أهل العزم من حملة القران ومقرئيه المصطفين الأخيار:

стр. 79

المبحث الأول: تعليمه ﷺ كيفية تعلمه لكلام الله القراني: وفيه ثلاثة مطالب: يبين هذا المبحث دقة ضبط النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لما يتعلق بألفاظ القران الكريم كما يبين تعلم الصحابة ﵃ ذلك من النبي ﷺ ، وأنه علمهم كيف تلقى القران الكريم عن جبريل ﵇ عن الله ، ليقتدوا به في حدود قدرتهم البشرية، ولذا انقسم المبحث إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعليمه ﷺ كيفية نزول ألفاظ القران وتلقيها . المطلب الثاني: تعليمه ﷺ أماكن القراءة. المطلب الثالث: مقتضيات ذلك: إلزامهم الاقتداء به في هيئة تلاوته لألفاظ القران الكريم. المطلب الأول: تعليمه ﷺ كيفية نزول ألفاظ القران وتلقيها: علّم النبي ﷺ أصحابه ﵃ التفاصيل الدقيقة التي أحاطت بالنزول القراني من السماء إلى الأرض حيث بين لهم زمن النزول، ومدته، وسببه: فعن ابن عباس ﵁ قال: «أنزل الله القران إلى السماء الدنيا (في رمضان) في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، أو أن يحدث منه في الأرض شيئا أحدثه» «١» ، ومثل هذا لا يقال بمحض الرأي فله حكم الرفع، فهو تعليم منه ﷺ لأنه أضافه إلى زمن النبي ﷺ كما هو مقرر في مواضعه «٢» .

стр. 80

وعلمهم النبي ﷺ اليوم والشهر الذي نزل فيه القران، فالشهر كما في قوله شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (البقرة: ١٨٥) واليوم وصفا كما في قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ (الدخان: ٣) وقول الله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (القدر: ١) واليوم تاريخا كما في قول الله : وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ (الأنفال: ٤١) ، واليوم تحديدا كما جاء عن النبي ﷺ أن رجلا قال له: يا رسول الله صوم يوم الاثنين؟ قال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي القران» «١» . وعلمهم ﷺ متى يكثر النزول: فقد تتابع الوحي قبل وفاته مثلا، فعن أنس ابن مالك ﵁: «أن الله تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته حتى توفي أكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله» «٢» ، والمراد بالنسبة لما كان ينزل سابقا، فالأمر نسبي على ما هو معلوم. كما علمهم ﷺ متى يقل كما في حديث عائشة: «ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ » «٣» ، وعائشة ﵂ لم تشهد ذلك، فيكون علمها بذلك عن تعليم تلقيني. وتعلموا أماكن النزول، وهو ما يسمى بعلم المكي والمدني، وهو علم مستقل، فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنزل القران في ثلاثة أمكنة مكة والمدينة والشام» «٤» ، ولعله يعني بالشام- إن صح الحديث- أطراف الجزيرة حيث تبوك ... كما ضبطوا الليلي والنهاري، والصيفي والشتائي «٥» .

стр. 81

وتعلموا كم بين نزول أول القران وبين اخره: فقد قال ابن عباس ﵁: «فكان بين أوله واخره عشرين سنة» ، بل ضبطوا كيفية النزول في السماء، ومقدار النازل منه، فعن ابن عباس ﵁ قال: «فصل القران من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ [يتلوه] يرتله ترتيلا» قال سفيان: خمس ايات ونحوها «١» ، وتعلموا مدة نزوله في كل مكان نزل فيه: فعن عائشة وابن عباس ﵃: «أن رسول الله ﷺ لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القران وبالمدينة عشرا» «٢» . وقد علمهم ﷺ تفاصيل أدق من ذلك: بعضها علموها من القران مباشرة، وبعضها منه ﷺ حتى ضبطوا هيئة النزول: من حيث كمية المنزل الجملي إلى السماء الدنيا، والمنزل التفصيلي إلى الأرض، وعلامات نزوله (سبب النزول) ، ومن ذلك- مثلا- ما جاء عن ابن عباس قال: «أنزل القران جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة» وقرأ: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ (الإسراء: ١٠٦) الاية وفي رواية (فرّق في السنين) ، وفي أخرى: «وضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل على النبي ﷺ » «٣» ، وعنه في الله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (القدر: ١) قال: «أنزل القران جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ونزله جبريل ﵇ على محمد ﷺ بجواب كلام

стр. 82

العباد وأعمالهم» «١» ، وعنه قال: نزل القران جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وكان بموقع النجوم، وكان الله ينزل على رسول الله ﷺ بعضه في أثر بعض فقالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً (الفرقان: ٣٢) «٢» . وعلمهم ﷺ كيف علمه الله قراءة القران وإقرائه كما في قول الله ﷻ : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) ، وقوله لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ (الإسراء: ١٠٦) «٣» . وكان فقهاء الصحابة ﵃ يجمعون بين الأدلة وفق هذه القاعدة: فقد قال ابن عباس ﵁ وسئل عن قوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (القدر: ١) وقوله شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (البقرة: ١٨٥) وهو ينزل في غيره- فقال: «نزل به جبريل ﵇ جملة واحدة ثم كان ينزل منه في الشهور» «٤» . وذكر الله ذلك التنجيم في كتابه تعليما للصحابة ﵃ ثم لمن بعدهم في الإسراء والفرقان والواقعة، وقد صرح بذلك في الواقعة عدد من المفسرين «٥» ، ويرجحه ذكر القران بعده وحفظه جملة في السماء «٦» ، فقد جاء «عن عكرمة في قول الله فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (الواقعة: ٧٥) قال: القران نزل جملة واحدة فوضع في مواقع النجوم فجعل جبريل ﵇ ينزل بالاية والايتين وقال غيره: بمواقع النجوم بمساقط نجوم القران كلها أوله واخره» ، ومن الحجة لهذا

стр. 83

القول قوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (الواقعة: ٧٦- ٧٧) . كمية المنزل: الذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها أن القران كان ينزل بحسب الحاجة خمس ايات وعشرا وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر ايات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر ايات من أول المؤمنون جملة، وصح نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (النساء: ٩٥) ، واحدها وهي بعض اية، وكذا قوله ﷻ : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (التوبة: ٢٨) نزلت بعد نزول أول الاية وذلك بعض اية، وأخرج ابن أشته في كتاب المصاحف عن عكرمة قال: «أنزل الله القران نجوما ثلاث ايات وأربع ايات وخمس ايات» «١» . وكل هذا تعليم منه ﷺ لكيفية نزول ايات القران عليه. تعليمه ﷺ كيفية تلقيه للقران: وتم تعليمهم هذا النوع تعليما تفصيليا، وقد بحث في رسالة ماجستير تحت عنوان تلقي النبي ﷺ ألفاظ القران الكريم فيرجع إليه «٢» ، وقد قالت أم سلمة: كان جبريل ﵇ يملي على النبي ﷺ «٣» ، أي يلقنه الحروف تلقينا بطيئا كهيئة المملي، وكما كان النبي ﷺ يتلقى من جبريل الحرف بعد الحرف، كذلك كان الصحابة منه ﷺ . والحكمة الواضحة من هذا كله متابعة التعلم على هيئة متدرجة تمكّن أكبر قدر منهم على حفظ المنزل الجديد من القران.

стр. 84

تسلسل المنهجية: وكذلك كان من بعدهم عنهم فقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: «قرأت على أمير المؤمنين علي ﵁ القران كثيرا، وأمسكت عليه المصحف فقرأ علي، وأقرأت الحسن والحسين حتى قرا عليّ القران، وكانا يدرسان على أمير المؤمنين علي ﵁ فربما أخذ على الحرف بعد الحرف» «١» . المطلب الثاني: تعليمه ﷺ أماكن القراءة: مكان القراءة الأساس هو المسجد فهو المقر الرئيس للجامعة النبوية القرانية، فعن عقبة بن عامر الجهنيّ ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن في الصّفّة، فقال: «أيّكم يحبّ أن يغدو إلى بطحان أو العقيق فيأتي كلّ يوم بناقتين كوماوين زهراوين فيأخذهما في غير إثم ولا قطع رحم؟ قال: قلنا: كلّنا يا رسول الله يحبّ ذلك قال: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلّم ايتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع ومن أعدادهنّ من الإبل» «٢» . وكان يحثهم على لزوم المسجد لذلك حثا شديدا: فعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما من قوم يجتمعون في بيت من بيوت الله يقرؤن ويتعلّمون كتاب الله يتدارسونه بينهم إلا حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم الرّحمة، وذكرهم الله فيمن عنده ... » «٣» ، وكان ﷺ يعلمهم أن ذلك جزء من وظيفة المسجد: فقد قال ﷺ لهم معلما: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة،

стр. 85

وقراءة القران ... » الحديث «١» ، وهذا يقتضي منهجيا: أن تقوم خطط المؤسسات القرانية الرسمية وغيرها على جعل المسجد هو المكان النموذجي للإقراء، وفي حالة التوسع لا مانع من جعل دور القران دائرة حول المسجد أو ملتصقة به بطريقة أو بأخرى. هل الإقراء منحصر في المسجد ؟: وكون المسجد هو المكان النموذجي لتعلم القران وتعليمه، لا يمنع ذلك من قراءة القران في أي مكان، وعلى أي حال، ويدل على ذلك حديث عبد الله ابن مغافل ﵁ حيث قال: «رأيت النبي ﷺ يقرأ وهو على ناقته أو جمله وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة يقرأ وهو يرجع» «٢» ، ففيه دليل على «ملازمته ﷺ للعبادة لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة» «٣» ، وقد بوب البخاري لذلك: «باب القراءة على الدابة» «٤» أي لراكبها، «وكأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك» ، وقال ابن بطال: «إنما أراد بهذه الترجمة أن في القراءة على الدابة سنة موجودة، وأصل هذه السنة قوله : لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ (الزخرف: ١٣) » «٥» ، فالأمر واسع في اتخاذ أماكن الإقراء، وقد قال النبي ﷺ : «إن البيت الذي يقرأ فيه القران يكثر خيره والبيت الذي لا يقرأ فيه القران يقل خيره» «٦» ، فالأصل أن كل مكان

стр. 86

صالح لقراءة القران وإقرائه كما أن الأرض جعلت للنبي ﷺ مسجدا وطهورا إلا ما ورد النص بالمنع من الصلاة فيه، فيمنع فيه من قراءة القران كذلك. هل المسجد مناسب لتعليم الصبيان القراءة ؟: ولا يرد على هذا التقرير تعليم الصبيان وما قد يجره من مفاسد تلويث المسجد والضوضاء والتشويش على المصلين؛ إذ قد يمنع من ذلك لعارض لا لذات الأمر، وقد سئل ابن تيمية: هل تعليم القران بالمسجد من حيث هو حرام أم لا؟ فأجاب: إقراء القران في المسجد قربة عظيمة ففي الحديث الصّحيح «إنّما بنيت المساجد لذكر الله والصّلاة وقراءة القران» قال تعالى: وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ (النور: ٣٦) وهذا عامّ في إقراء البالغين وغيرهم بشرطهم الاتي، وأمّا ما راه مالك من كراهة القراءة في المصحف في المسجد، وأنّه بدعة أحدثها الحجّاج، وأن يقاموا إذا اجتمعوا للقراءة يوم الخميس أو غيره فهو رأي انفرد به ومن ثمّ قال الزّركشيّ: «هذا استحسان لا دليل عليه، والّذي عليه السّلف والخلف استحباب ذلك لما فيه من تعميرها بالذّكر وقراءة القران للحديث الصّحيح، أي الّذي قدّمناه هذا كلّه حيث كان المتعلّمون مميّزين يؤمن منهم تنجيس المسجد وتقذيره وعدم التّشويش على المصلّين، فإن كان فيهم غير مميّزين لا يؤمن تنجيسهم أو تقذيرهم له حرم على المعلّم إدخالهم وعلى الحاكم- وفّقه الله وسدّده- زجره وردعه عن إدخاله مثل هؤلاء، وكذلك عليه نهيه أيضا عن رفع الصّوت لإقامة صلاة فيه، والحاصل أنّه لا يجوز إخراجه من المسجد بالكلّيّة لأجل ذلك من أوّل وهلة، وإنّما يمنع أوّلا من تمكينه من تنجيس المسجد أو تقذيره بمن يدخل إليه فيه ... » «١» .

стр. 87

المقاعد: وقد كان ﷺ يجلس ليتلقى رسول الله ﷺ الوحي من جبريل ﵇ في المسجد في مكان يدعى بمقاعد جبريل ﵇ فعن عائشة: أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص ﷺ أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه ثم أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد.. «١» .. وعن حارثة بن النعمان قال: مررت على رسول الله ﷺ ومعه جبريل ﵇ جالس في المقاعد، فسلمت عليه، ثم أجزت فلما رجعت وانصرف النبي ﷺ قال: «هل رأيت الذي كان معي» قلت: نعم! قال: «فإنه جبريل وقد رد عليك السلام» «٢» . والمقاعد هي الدكاكين «٣» التي كانت عند باب دار عثمان كانوا يجلسون عليها فسميت المقاعد «٤» .

стр. 88

وهي مصاطب حول المسجد «١» ، فهذه المقاعد عرفت بمقاعد جبريل ﵇، وقد صرّح بذلك فيما رواه أنس ﵁ قال: «صلّى رسول الله ﷺ صلاة الظهر يوما ثم انطلق حتى قعد على المقاعد التي كان يأتيه عليها جبريل فجاء بلال فناداه بالعصر» «٢» . وهذا يدل على أن التعلم يمكن أن يكون حول المسجد ملتصقا به على هيئة دور التحفيظ اليوم ... وهذه الأماكن بمثابة قاعات الكليات التي يتمم فيها ما قد يفوت في المسجد. المطلب الثالث: إلزامهم الاقتداء به في هيئة تلاوته للفظ القراني: والدليل الكلي الجامع لهذا: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب: ٢١) ؛ إذ إن معنى أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها» «٣» ، ويدخل في ذلك تلاوته لألفاظ القران الكريم أصلا وأداء ف «الأسوة القدوة، والأسوة ما يتأسى به أي يقتدى به في جميع أفعاله، ويتعزى به في جميع أحواله» «٤» ، وعلى رأس ذلك تلاوة القران الكريم، وعلى هذا فالاية «عامة في

стр. 89

كل أفعاله ﷺ إذا لم يعلم أنها من خصوصياته» «١» ، وبذلك كان الصحابة ﵃ يستدلون بها في جميع أحوالهم، فقد قال بعض أصحاب عبد الله بن عمر ﵄ له: رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها؟ فقال: يا ابن أخي صحبت رسول الله ﷺ كذا وكذا فلم أره يصلي قبل الصلاة ولا بعدها، ويقول الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «٢» ، وعن ابن عمر أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت أيقع على امرأته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ فقال: «قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت، وصلّى خلف المقام ركعتين، وسعى بين الصفا والمروة» ثم قرأ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «٣» ... وإنما كان هذا الاستطراد في وجه الدلالة لئلا يقول قائل بأن السياق هنا يخصص المنساق ... كما ترد هنا جميع أدلة الاقتداء نحو فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (الأنعام: ٩٠) . حكمة تعليمه ﷺ لهم ما سبق: وإنما كان النبي ﷺ يعلمهم بما ذكر في القران، وبما يخبرهم به من حديثه الشريف عن كيفية تلقيه للفظ القران الكريم لأجل أن يقتدوا به في تلاوة القران الكريم وجمع ألفاظه تعلما وتعليما فيما كان في حدود طاقتهم البشرية ... وزاد عن ذلك بما كان يصنعه في حلقات الإقراء التي كان يؤدي فيها درسا يوميا لإقرائهم القران، بالإضافة إلى عرضه اليومي لشيء من القران في ست ركعات جهرية يومية من صلاته حيث كان إمامهم، فلا بد لهم من الاقتداء به في أركان الصلاة وهيئاتها التفصيلية، وكذلك في تلاوة لفظ القران الكريم أصلا وأداء، ومما يوضح

стр. 90

ذلك أكثر ما جاء عن سهل بن سعد ﵁ قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: «انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادا، أكلم الناس عليها» ، فعمل هذه الثلاث الدرجات عندما أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة، ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر، وكبر الناس وراءه، وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى، حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من اخر صلاته ثم أقبل على الناس، فقال: «يا ايها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» «١» . التقعيد على ذلك: تأدية اللفظ كما سمع من النبي ﷺ : ولقد كان من أهم القواعد التعليمية المصاحبة لعملية الإقراء: تأدية اللفظ كما سمعوه من النبي ﷺ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نضر الله امرأ سمع منا حديثا (فحفظه حتى يبلغه غيره) فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع، (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) » «٢» ، ولا شك أن مراد النبي ﷺ بقوله (حديثا) يتسع ليتضمن القران أولا، أو ليدخل من باب قياس الأولى كما قال الله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ (الطور: ٣٤) ، فسمى القران حديثا. وهذا الحديث بين أن من أهم الأهداف التعليمية التي أراد النبي ﷺ أن تتحقق في الصحابة ﵃: الحث على البلاغ لما يسمعه الصحابي من النبي ﷺ .

стр. 91

وأن يكون المبلّغ كما سمع منه ﷺ ، ولذ قال ابن حبان تبويبا لهذا الحديث: «ذكر البيان بأن هذا الفضل إنما يكون لمن أدى ما وصفنا كما سمعه سواء من غير تغيير ولا تبديل» «١» . فهذه الأدلة العامة في مسألة الاقتداء في أداء اللفظ القراني. ومن الأدلة الخاصة: قول علي ﵁: «إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم» «٢» ، فهذا في أداء اللفظ، وويدل على الاقتداء به في الهيئة التي يكون عليها المرء عند أداء اللفظ ما قاله علي بن أبي طالب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته فيقرأ القران، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه- وربما قال- يحجزه عن القران شيء ليس الجنابة» «٣» ، ومن أجل هذا الاقتداء به ﷺ فقد ظهر تعليمه ﷺ في تعليم الصحابة ﵃ من تلاميذه، وتميّز أساليبهم وهي انعكاس صحيح لأسلوبه، وما ذكر من أخبارهم في ذلك حجة على ما لم قيام ما لم يذكر.

стр. 92

المبحث الثاني: وسائل تعليم ألفاظ القران الكريم كما وضعها النبي ﷺ : يبين هذا المبحث وسائل التعليم القراني التي سلكها النبي ﷺ مكانا وأسلوبا وطريقة إدارة ليتم التعليم، وهي ترجع إلى الحلقات القرانية، وإلى القراءة العامة (الجماعية) ، وإلى القراءة الفردية والإقراء الفردي، وإلى أسلوب التعلم الأساسي في ذلك هو التلقي، ويحاول المبحث تجلية أن النبي ﷺ جعل من وسائل هذا التعليم تقسيمه إلى تعليم ملزم، وغير ملزم يشبه أن يكون ملزما، واستتبع هذا الكلام على أجرة التعليم؛ كما تحدث البحث عن ظهور التدرج في تعليم النبي ﷺ ليتم الاستيعاب الكلي للقران الكريم، ولذا انقسم هذا المبحث إلى خمسة مطالب: المطلب الأول: الحلقات القرانية. المطلب الثاني: تعليمهم هيئة التعلم الواجبة لألفاظ القران الكريم (التلقي) . المطلب الثالث: العرضة الأخيرة. المطلب الرابع: التعليم القراني العام. المطلب الخامس: التدرج في التعليم.

стр. 93

المطلب الأول: الحلقات القرانية: الدلالة اللغوية للحلقة: الحلقة بالتسكين: كلّ شيء استدار كحلقة الحديد والفضّة والذهب، وكذلك هو في الناس، فالحلقة فيهم هي الجماعة من الناس مستديرون، وتحلّق القوم جلسوا حلقة حلقة «١» ، والجمع حلق وحلقات وحلق «٢» . فيكون تعريف الحلقة من الناس: القوم الذين يجتمعون متراصين وذلك لاستفادة ما يلقيه شيخ الحلقة من العلوم، ويبثه من أحكام الشريعة، وتعليم الأمة ما ينفعهم في الدارين «٣» . ثانيا: المدلول النفسي لهذا الاجتماع: ولهذا النوع من الاجتماع مدلول نفسي بين المناسبة يبيّن سبب انتقائها كوسيلة تعليمية أساسية؛ إذ إن الحلقة تضرب مثلا للقوم إذا كانوا مجتمعين مؤتلفين كلمتهم وأيديهم واحدة لا يطمع عدوّهم فيهم ولا ينال منهم، ولذا يقال للسلاح والحديد حلقة لمناعته وبأسه ... ورود (الحلقة) في الحديث بمعناها المصطلحي: وردت كلمة الحلقة بمعناها العرفي في كثير من الأحاديث ومن ذلك ما جاء عند البخاري أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل نفر ثلاثة، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة وجلس فيها، وأما الاخر فجلس خلفهم، وأما

стр. 94

الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟: أما أحدهم فأوى إلى الله فاواه الله، وأما الاخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الاخر فأعرض فأعرض الله عنه» «١» ، كما كان ﷺ يحضهم على الاجتماع على تلاوة القران، وتدارسه بينهم، وتكوين حلقات جانبية، ولو كانت دون إشرافه عليهم: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « ... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» «٢» . وكان الصحابة ﵃ يفعلون ذلك فيجتمعون حلقا يذكرون الله ﷻ أو يتدارسون القران: والقران أعظم الذكر فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله! قال: الله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك! قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثا مني وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: «ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال: «الله ما أجلسكم إلا ذاك؟» قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك! قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» «٣» .

стр. 95

الأحكام العامة للحلقات (النظم الإدارية المنظمة للحلقات القرانية) : صارت الحلقات العلمية التعليمية في المسجد مكانا تعليميا، ومرتعا تربويا له ادابه ونظمه التي أرشد لها النبي ﷺ ، وباتت هذه النظم بمثابة لائحة تفصيلية، وتقنين دقيق للحلقات التعليمية، كما صار لها أحكامها المستقلة التي تنظم انعقادها، ووقته، وكيفيته، ومتى يجوز التعدد، ومتى يجتمعون في حلقة واحدة ... وهذا يدل على شيوع هذه الوسيلة التعليمية، واعتيادها، وصيرورتها جزا من النظام التعليمي العام، والأحكام التعليمية للحلقات هي: ١- اعتيادها وكونها جزا من النسيج التعليمي: فقد كان ﷺ إذا جلس جلس إليه أصحابه حلقا حلقا «١» ، وعن أنس ابن مالك ﵁ قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ في الحلقة إذ جاء رجل على النبي ﷺ وعلى القوم.. «٢» .، وكان رجل من أصحاب النبي ﷺ له بني صغير يأتيان النبي ﷺ ، ثم إن بنيّه هلك، فمنعه الحزن عليه أن يحضر الحلقة فلقيه النبي ﷺ فسأله عن ابنه فأخبره أنه هلك، فعزاه النبي ﷺ فقال: «يا فلان! أيما كان أحب إليك أن تمتاع به عمرك أو لا تأتي غدا بابا من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه ففتحه لك؟» قال: فقال: «يا نبي الله! لا بل يسبقني إلى أبواب الجنة أحب إلي» قال: «فذاك لك» قال: فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله! جعلني الله فداءك أهذا لهذا خاصة أو من هلك له طفل من المسلمين كان ذلك له؟ قال: «لا! بل من هلك له طفل من المسلمين كان ذلك له» «٣» .

стр. 96

٢- نهى النبي ﷺ عن القعود وسط الحلقة: وهذا ينظّم الهيكل العام للحلقة كما يجمل منظرها: فقد قعد رجل وسط حلقة فقال حذيفة ﵁: «ملعون على لسان محمد أو لعن الله على لسان محمد ﷺ من قعد وسط الحلقة» «١» ، وذلك لأنه إذا جلس في وسطها استدبر بعضهم بظهره فيؤذيهم بذلك فيسبّونه ويلعنونه «٢» ... والنهي عن القعود وسط الحلقة يجعل منظرها العام شبيها إلى حد كبير بما يحاوله منظمو قاعات التعليم أو العرض بحيث يمكن للجميع مشاهدة مديري الحلقة. ويستثنى من ذلك أن يرى الإمام أو المعلم المصلحة في بقاء أحدهم وسط الحلقة: فعن واثلة ابن الأسقع ﵁ قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو جالس في نفر من أصحابه فجلست وسط الحلقة» فقال بعضهم: يا واثلة! قم من هذا المجلس فإنا قد نهينا عنه. فقال رسول الله ﷺ : «دعوا واثلة فإني أعلم بالذي أخرجه من منزله» قلت: «يا رسول الله! وما الذي أخرجني من منزلي؟» قال: «خرجت تسأل عن البر من الشك» قلت: «والذي بعثك بالحق ما أخرجني غيره» قال: «فإن البر ما استقر في النفس واطمأن في القلب، والشك ما لم يستقر في النفس، ولم يطمئن إليه القلب، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون» «٣» .

стр. 97

٣- كان النبي ﷺ ينظم كيفية تحلقهم بنفسه في حلقات الإقراء وغيرها: فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنت في حلقة من الأنصار، وإن بعضنا ليستتر ببعض من العري، وقارئ لنا يقرأ علينا، فنحن نسمع إلى كتاب الله؛ إذ وقف علينا رسول الله ﷺ وقعد فينا ليعد نفسه معهم، فكفّ القاري، فقال: ما كنتم تقولون؟ فقلنا: «يا رسول الله! كان قارئ لنا يقرأ علينا كتاب الله» فقال رسول الله ﷺ بيده، وحلق بها يومي إليهم أن تحلقوا، فاستدارت الحلقة.. «١» .. ٤- نهى النبي ﷺ عن التحلق قبل صلاة الجمعة: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «نهى النبي ﷺ عن البيع والابتياع، وأن ينشد الضوال، وعن تناشد الأشعار، وعن التحلق للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة» يعني في المسجد «٢» ، ولعل من حكم ذلك أن تكون «الجماعة كثيرة والمسجد صغيرا وكأن فيه منع المصلين عن الصلاة» «٣» ، كذا ذكر البيهقي ولكن هذا عام في كل حلقة ... والظاهر أن المراد التهيؤ لخطبة الجمعة، والتفرغ قبلها للقران دون التشويش بمناقشة شيء قد يضر بخطبة الخطيب لقرب العهد فيبطلها عن دورها. وربما تكون الحلق كثيرة فيما يمكن فيه الاجتماع في حلقة واحدة، ولا يظهر لتعدد الحلق إلا التشويش: فعن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن حلق متفرقون فقال: «مالي أراكم عزين؟» «٤» أي في حلق متفرقة.

стр. 98

٥- حق من كان في الحلقة في حماية مكانه، والعودة إليه إذا خرج لعارض قريب: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام الرجل من مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به» «١» ، ولو وضع ما يدل على رجوعه فهو أولى فعن أبي الدرداء ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا جلس وجلسنا حوله، فقام فأراد الرجوع نزع نعليه أو بعض ما يكون عليه فيعرف ذلك أصحابه فيثبتون «٢» . ٦- حق أصحاب الحلقة في حماية حلقتهم فلهم رد من يريد السير من وسط الحلقة: فقد قال رسول الله ﷺ : «لا حمى إلا في ثلاث ثلاثة: البئر ومربط الفرس وحلقة القوم» «٣» ، أي لهم أن يحموها حتى لا يتخطّاهم أحد ولا يجلس وسطها «٤» ... وهل يدل هذا على ما يسمى في عصرنا الحرم الجامعي؟ فيه نظر، ولكن لا شك أن لمكان كالجامعة حماها الخاص بها. ٧- وكانوا يجلسون مع النبي ﷺ متحلقين معه حلقة دون حلقة: أي كأنهم صفوف دائرية مرتبة بعضها خلف بعض على وجه لا يحجب المتأخر فيها بالمتقدم كما في القاعات الكبيرة اليوم، ولذا كان النبي ﷺ يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم، وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم، ففي حديث إسلام كعب ابن زهير الشاعر: « ... ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ مع أصحابه مكان المائدة من

стр. 99

القوم متحلقون معه حلقة دون حلقة يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم، وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم ... » «١» . ولكن هذا التنظيم ليس توقيفيا بل يسلك المنظمون لها أقرب السبل لتتم الاستفادة الكاملة منها. خامسا: أنواع الحلقات: تنقسم الحلقات التعليمية إلى نوعين هما: أولا: الحلق العامة الكبيرة: ١- فكان ﷺ يعقد الحلق العامة الكبيرة للتلاوة كجزء من البلاغ للقران، وقد بدأها النبي ﷺ منذ بدأ نزول الوحي كما جاء ذلك عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قرأ النبي ﷺ النجم بمكة فسجد فيها، وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا فرأيته بعد ذلك قتل كافرا «٢» ، واستمرت الحلقات العامة إلى أواخر نزول الوحي فعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ عام الفتح سجدة فسجد الناس كلهم فمنهم الراكب والساجد في الأرض حتى أن الراكب ليسجد على يده «٣» ، ولكن هذه الحلقة قد يستفيد منها المستمع البلاغ، وقد يزيد على ذلك فيعدها جزا من التعليم، فيحفظ ويتقن ما يستمعه ... ٢- وقد تكون القراءة في الحلقة قراءة عرض بأن يقرأ أحدهم وهو ﷺ يستمع، وهذا ما يحتمله حديث ابن عمر قال: كنا نقرأ السجدة عند النبي ﷺ فيسجد ونسجد معه.. «٤» ..

стр. 100

٣- وكان ﷺ يشرف على الحلقات الاخرى التي لا يباشر فيها التعليم بنفسه: فعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: كنا في المسجد نتعلم القران، فدخل علينا رسول الله ﷺ فسلم علينا، فرددنا ﵇ فقال: «تعلموا القران واقتنوه وتغنوا ... » «١» ، ومما يدل على هذا الإشراف أيضا ما جاء عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم إلى المسجد، فوجد أصحابه عزين يتذاكرون فنون العلم فأول حلقة وقف عليها وجدهم يقرؤون القران وجلس إليهم فقال: بهذا أرسلني ربي.. «٢» .. ٤- وعملية الإقراء منه ﷺ دائمة فعن علي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرئنا القران على كل حال ما لم يكن جنبا» . ثانيا: حلقات الإقراء الخاصة: ١- فقد كانت معروفة كأساس لشكل الملتقى التعليمي كما تقدم، وجاء عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح فيه وذكر أن رسول الله ﷺ كان يتحرى ذلك المكان «٣» . ٢- وكان ﷺ يشرف على حلقات الإقراء الخاصة بنفسه أيضا: فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إني لجالس ذات يوم في عصابة من ضعفاء المهاجرين ورجل منا يقرأ علينا القران ويدعو لنا، وإن بعضنا لمستتر ببعض من العري وجهد الحال، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فلما راه قارئنا أمسك عن القراءة، فجاء فجلس إلينا، فقال بيده فاستدارت له حلقة القوم ... الحديث «٤» .

стр. 101

٣- وقد يكون الإقراء فيها أي تعلم القران وتعليمه ثنائيا، كما هو شائع في حلقات المسلمين اليوم: فقد دخل حذيفة ﵁ المسجد فمر على قوم يقرئ بعضهم بعضا فقال: «إن تكونوا على الطريقة لقد سبقتم سبقا بعيدا، وإن تدعوه فقد ضللتم» قال: ثم جلس إلى حلقة فقال: «إنا كنا قوما امنا قبل أن نقرأ وإن قوما سيقرأون قبل أن يؤمنوا» فقال رجل من القوم: تلك الفتنة؟ قال: «أجل قد أتتكم من أمامكم حيث تسوء وجوهكم، ثم لتأتينكم ديما ديما، إن الرجل ليرجع فيأتمر الأمرين أحدهما عجز والاخر فجور» «١» . وكذلك كان الصحابة ﵃ يعقدون حلقات الإقراء فعن أبي إسحاق قال: رأيت رجلا سأل الأسود بن يزيد وهو يعلم القران في المسجد فقال: كيف تقرأ هذه الاية فهل من مدكر أدالا أم ذالا؟ قال: بل دالا سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: مدكر دالا «٢» ، ووصف بعض تلاميذ أبي موسى الأشعري تعليم شيخهم ﵁ لهم فقال: (تعلمنا القران في هذا المسجد يعني مسجد البصرة وكنا نجلس حلقا حلقا، وكأنما أنظر إليه بين ثوبين أبيضين وعنه أخذت هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (العلق: ١) قال: وكانت أول سورة أنزلت على محمد ﷺ «٣» .

стр. 102

المطلب الثاني: تعليمهم هيئة التعلم الواجبة للفظ القراني (التلقي) «١» : صارت هيئة التعلم الواجبة للألفاظ القرانية (التلقي) بدهية من البدهيات في حياة المسلمين حتى لقّبوا من تعلم القران بهيئة تعليمية غيرها كالأخذ من المصحف (مصحفيا) فقالوا: «لا تحملوا العلم عن صحفي، ولا تأخذوا القران من مصحفي» «٢» فلا مجال لإثبات القران الكريم بالكتابة واحدها، وقد ذكر الله هذه الطريقة الواجبة في تعلم الألفاظ القران الكريم صراحة في قوله وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (النمل: ٦) مع قوله ﷻ : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (النجم: ٥) إذ دل مجموع الايتين على أن تعلم النبي لألفاظ القران الكريم كان تعلما خاصا هو التلقي. وقد أمرهم النبي ﷺ بالتلقي فقال لهم: «خذوا القران من أربعة: من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة» «٣» ، وهذا «يدل على أن قراءة القران تؤخذ بالتلقي من أفواه المقرئين، أتدري من خاطب النبي ﷺ بقوله: «خذوا القران من أربعة» ؟ خاطب الصحابة ﵃، وهم عرب فصحاء، بل هم أفصح الأمة، ومع ذلك لم يكلهم إلى فصاحتهم بل أمرهم بالتلقي، وما ذاك إلا لأن قراءة القران لها هيئة مخصوصة توقيفية» «٤» .

стр. 103

ولذا كان الصحابة يظهرون طريقة تعلمهم لألفاظ القران الكريم عند إثبات أهليتهم ليصدر عنهم الناس في القراءة كما في قول ابن مسعود: بينا نحن مع رسول الله ﷺ في غار إذ نزلت عليه وَالْمُرْسَلاتِ (المرسلات: ١) فتلقيناها من فيه وإن فاه لرطب بها.. «١» .، وقال عندما غضب من تولية زيد ابن ثابت أمر نسخ المصاحف: «لقد أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبي فلا أدع ما أخذت من في رسول الله ﷺ » «٢» . وكان الصحابة ﵃ يجعلونه أسلوب تعلمهم للفظ القراني عند النزاع: وكما كان التلقي من فم النبي ﷺ (سماعا أو عرضا) هو الأداة الوحيدة لتعلم القران الكريم وتعليمه، فإنه كان أيضا الحكم بين المتخاصمين في القراءة فعن عاصم ابن أبي النجود عن زر- وهو شيخ عاصم في القران- عن ابن مسعود ﵁ وهو شيخ زر في القران- قال: أتيت المسجد فجلست إلى أناس وجلسوا إلي فاستقرأت رجلا منهم سورة ما هي إلا ثلاثون اية وهي حم الأحقاف «٣» فإذا هو يقرأ حروفا لا أقرأها فقلت من أقراك قال: أقرأني رسول الله ﷺ فاستقرأت الاخر فإذا هو يقرأ حروفا لا أقرؤها أنا وصاحبي فقلت: من أقرأك؟ قال: أقرأني رسول الله ﷺ ، فانطلقنا إليه فأخذت بأيديهما حتى أتيت بهما رسول الله ﷺ وعنده رجل يعني عليا فقلت: يا رسول الله! إنا اختلفنا في قراءتنا قال: فتغير وجهه حين ذكرت الاختلاف فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف» فقال

стр. 104

علي- فلا أدري أسر إليه ما لم أسمع أو علم الذي في نفسه فتكلم به-: «أن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علّم» «١» ، وقال ﷺ «ليقرأ كل إنسان كما علّم كل حسن جميل» «٢» ، وعن أبي الجهم ﵁ أن رجلين اختلفا في اية من القران قال هذا: تلقنتها من رسول الله ﷺ فقال الاخر: تلقنتها من رسول الله ﷺ «٣» ، وعن بن عباس ﵄ قال: بينما أنا أقرأ اية من كتاب الله وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة، فإذا أنا برجل يناديني من بعدي: أتبع ابن عباس، فإذا هو أمير المؤمنين عمر فقلت: أتبعك على أبي بن كعب، فقال: أهو أقرأكها كما سمعتك تقرأ؟ قلت: نعم! قال: فأرسل معي رسولا قال: اذهب معه إلى أبي بن كعب فانظر أيقرئ أبي كذلك؟ قال: فانطلقت أنا ورسوله إلى أبي ابن كعب قال: فقلت: يا أبي قرأت اية من كتاب الله فناداني من بعدي عمر ابن الخطاب اتبع ابن عباس فقلت: أتبعك على أبي بن كعب فأرسل معي رسوله أفأنت أقرأتنيها كما قرأت؟ قال أبي: نعم! قال: فرجع الرسول إليه، فانطلقت أنا إلى حاجتي، قال: فراح عمر إلى أبي فوجده قد فرغ من غسل رأسه، ووليدته تدري لحيته بمدراها فقال أبي: مرحبا يا أمير المؤمنين! أزائرا جئت أم طالب حاجة؟ فقال عمر: بل طالب حاجة. قال: فجلس ومعه موليان له حتى فرغ من لحيته وأدرت جانبه الأيمن من لمته ثم ولاها جانبه الأيسر حتى إذا فرغ أقبل إلى عمر بوجهه، فقال: ما حاجة أمير المؤمنين؟ فقال عمر: يا أبي علام تقنط الناس؟ فقال أبي: يا أمير المؤمنين! إني تلقيت القران ممن تلقاه- وقال عفان ممن يتلقاه- من جبريل ﵇ وهو

стр. 105

رطب «١» وفي رواية فقال أبي: صدق تلقيتها من رسول الله ﷺ قال عمر: أنت تلقيتها من رسول الله؟ قال: نعم أنا تلقيتها من رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك يقوله وفي الثالثة وهو غضبان: نعم والله لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها على محمد فلم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه. فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول: الله أكبر الله أكبر «٢» . التلقي عند أبي ﵁: وبمناسبة أنهم كانوا ﵃ يجعلون التلقي عمدة أدلتهم في إثبات القراءة، فإن البحث يشير إلى أن سيد القراء أبيّ بن كعب ﵁ كان يحتج بذلك، ولكن القراات الثابتة عنه قرائيا بل وفي كثير من روايات الحديث الثابتة لم تخرج عن القراات المتناقلة إلى اليوم إلا أن تكون تفسيرا فأما قرائيا: فإن معظم أسانيد القراء العشرة ترجع إليه ﵁. وأما حديثيا فالأمثلة السابقة توضح رجوع ما نسب إليه إلى القراات المتناقلة إلى اليوم، ومن الروايات الحديثية ما جاء عن ابن عباس قال: أقرأني أبي ابن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (الكهف: ٨٦) مخففة «٣» ، وهذا المثال جد حسن؛ إذ يوضح أن قراءة أبي التي يستغربها عمر إنما هي إحدى قراات من الأحرف السبعة، ولا تخرج عن ذلك، ومثاله أيضا في قراءة أبي ما جاء في قوله ﷺ له: «أمرت أن أقرأ عليك القران» قال فقلت: وسماني لك

стр. 106

ربك؟ قال: «نعم» قال: فقرأ علي فقال أبي قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (يونس: ٥٨) «١» قرأها بالتاء (فلتفرحوا) .. «٢» .، وهذه الأمثلة تدل على عدم خروج قراءة أبي عن المتناقل من القراات ... ومن احتج ببعض ما ذكر عنه من قراات مخالفة يقال له عمدتنا: هو التلقي الذي جعله أبي عمدته أيضا، ومنهج إثبات قرانية أو قرائية قراءة غير منهج إثبات حديث، على أن أبيا لم يثبت عنه حديثيا إلا ما وافق القراات المتناقلة، أو ما كان تفسيرا ظاهرا وقد ينسبه إلى القران تجوزا على أنه المراد من الاية، أو لأنه سمع فيه شيئا عن رسول الله ﷺ . منهجية إثبات القراات غير منهجية إثبات الأحاديث: وبما أن التلقي هو السبيل لإثبات القراءة فإن ما ثبت حديثيا على غير ما ثبت قرائيا- حال وجوده- لا يعول عليه في النسبة إلى القراء فقد تثبت اية قرائيا على غير ما وردت حديثيا كالذي روي عن نافع بن أبي نعيم- رحمه الله تعالى-: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ (البقرة: ٢٨٣) ، قرأها (فرهن) ، ثم قال نافع: أقرأني خارجة بن زيد بن ثابت وقال: أقرأني زيد بن ثابت، وقال: أقرأني رسول الله ﷺ فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ بغير ألف «٣» ، فإن الثابت عن نافع قرائيا فرهان «٤» وهو اختياره فلا يقرأ بالاخرى لعدم التلقي، وأما توجيه الرواية فلها محامل: إما الصحة سندا

стр. 107

ومتنا ولكن نافعا قرأ بالأمرين وبقي المتناقل عنه أحدهما، وإما بأن نافعا أراد إثبات صحة هذه القراءة ولكن لم يقرئ بها، وإما بالغلط في متن الرواية الحديثية. كما أن التلقي هو المرجعية لتصويب كل قراءة: تسلسل المنهجية: قال ابن مسعود ﵁: «فاقرأوا كما علمتم» «١» ، وقد كان الصحابة ﵃ يعلمون الناس القران بذلك، كما قال أنس ﵁: بعثني الأشعري إلى عمر ﵁ فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: تركته يعلم الناس القران، فقال: أما إنه كيس ولا تسمعها إياه «٢» ... فكيف كان تعليمه القران للناس؟ كان تلقيا وتلقينا، فقد قال بعض تلاميذه واصفا هيئة تعليمه ﵁: كان أبو موسى ﵁ إذا صلّى الصبح استقبل الصفوف رجلا رجلا يقرئهم.. «٣» .. الحرص على التلقي من النبي ﷺ ، أو ممن تلقاه عنه: وكان الصحابة ﵃ يأمرون غيرهم بأخذ القران عمن تلقاه مباشرة من النبي ﷺ طلبا للإسناد العالي، وتثبتا في الحفظ فعن معدي كرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين فقال: ما هي معي ولكن عليكم من أخذها من رسول الله ﷺ خبّاب بن الأرتّ قال: فأتينا خبّاب ابن الأرتّ فقرأها علينا «٤» ... وهل كان هذا في حياته ﷺ أو بعد مماته؟ احتمالان، وهل مراد ابن مسعود ﵁ أنه لا يحفظ السورة أو أنه لم يتلقها مباشرة من النبي ﷺ ؟ ... المسألة محتملة، والثاني أرجح لأن سورة الشعراء مكية، وعن عقبة بن عامر قال:

стр. 108

كنت أقود برسول الله ﷺ ناقته في السفر فقال لي: «يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا فعلمني قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (الفلق: ١) وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (الناس: ١) قال: فلم يرني سررت بهما جدا، فلما نزل لصلاة الصبح صلّى بهما صلاة الصبح للناس، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة التفت إلي فقال: «يا عقبة كيف رأيت» «١» ، وهذا من أقوى أنواع التلقي، وطلب العلو في الإسناد. ولضرورة التلقي فقد انتشرت الحلق القرانية التي يحييها أئمة الإقراء: ويتلقن فيها الناس ألفاظ القران الكريم: فصار لأبي حلقة، ولزيد بن ثابت أخرى، ولابن مسعود ثالثة ... كما قال زيد بن أرقم ﵁: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة وأقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي ... تكرار عرض القران: ولأن عرض القران على الشيخ يمثل أسلوبا من أساليب التلقي؛ فقد تعلم الصحابة ﵃ من تكرار عرض النبي ﷺ القران على جبريل ﵇ في رمضان «٢» ، تكرار عرض أصحابهم القران عليهم، وتسلسلت بذلك منهجية تكرار العرض، ومن أمثلته في أئمة الإقراء: ما رواه عاصم بن بهدلة وعطاء بن السائب ومحمد بن أبي أيوب وعبد الله بن عيسى أنهم قرؤوا على أبي عبد الرحمن السلمي وذكروا أنه أخبرهم أنه قرأ على عثمان عامة القران، وكان يسأله عن القران فيقول: إنك تشغلني عن أمر الناس فعليك بزيد بن ثابت فإنه يجلس للناس ويتفرغ لهم، ولست أخالفه في شيء من القران، وكنت ألقى عليا

стр. 109

فأسأله: فيخبرني، ويقول: عليك بزيد فأقبلت على زيد فقرأت عليه القران ثلاث عشرة مرة «١» . وفي تكرار العرض تأكيد بليغ على: دقة المحافظة على النص القراني، ومقدار إتقان القراءة من القراء. تعليمه ﷺ طرق تحمل القران الكريم: وفيما سبق ذكره يتضح لنا أن النبي ﷺ علمهم طرق تحمل القران الكريم عنه ﷺ «٢» ، وأنهما طريقان لا غير: السماع من لفظ الشيخ أو السماع عليه بقراءة غيره، والعرض (القراءة) عليه، وعد أهل العلم من حكم قراءة النبي ﷺ على أبي أن يسنّ «عرض القران على حفاظه البارعين فيه المجيدين لأدائه، وليسن التواضع في أخذ الانسان القران وغيره من العلوم الشرعية من أهلها وإن كانوا دونه في النسب والدين والفضيلة والمرتبة والشهرة وغير ذلك» «٣» . ... وما بقي من الطرق المعروفة عند المحدثين من مناولة وإجازة (بالمعنى الحديثي) ... ونحوها «٤» . «فلا مكان لها في تحمل القران الكريم» «٥» ، كما قال الناظم:

стр. 110

ولا يجوز أخذها من الكتب ... كما به قد صرحوا، بل يجب عليك أن تعرفها ممن يريك ... كيفية النطق بها فاه لفيك «١» إلا أن الإجازة قد توجد بشرط أن تكون تابعة لهاتين الطريقتين بمعنى أنه تم سماع الطالب أو عرضه على شيخ اخر ثم أجيز بعد أن اختبره المجيز، ... أما المناولة ونحوها فلا مكان لها لأمرين أساسين يختلف في علوم القراءة عن علوم الحديث هما: ١- أن علوم القراءة لا تختلف إلا اختلافا محدودا في هيئة أداء اللفظ الداخلية غالبا أما الأحاديث فقد يوجد في هذا الكتاب ما لا يوجد عند ذاك من متن الحديث أو سنده ... ٢- ولأن المقصود هنا كيفية الأداء وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته بخلاف الحديث فإن المقصود فيه المعنى أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القران، وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ﷺ لأنه نزل بلغتهم، دون حاجة كبيرة إلى العرض والمران على قواعد التجويد التي تمثل ظواهر لغوية، ويحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري لما قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع فكان يقرأ عليهم الاية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة فلم يكتف بقراءته. ولكن المستعمل عند القراء سلفا وخلفا هو العرض بالقراءة على الشيخ وأما السماع من لفظ الشيخ فيحتمل أن يقال به هنا لأن الصحابة ﵃ إنما أخذوا القران من النبي ﷺ لكن لم يأخذ به أحد من القراء، وقد يمنع منه؛ إذ ظن أنه لن يؤدي الغرض.
следующие страницы →