← Тараджим

Тараджим · id 9767

الإصابة في تمييز الصحابة

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكان من وسائل إيضاحه ﷺ تمثيله بالعمل يصلّي ويقول: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» [ (١) ] ويحج ويقول: «خذوا عنّي مناسككم» [ (٢) ] ويشير بإصبعيه السّبابة والوسطى ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» . العامل الحادي عشر التّرغيب والتَّرهيب اللّذان يفيض بهما بحر الكتاب والسّنّة، ولا ريب أن غريزة حب الإنسان لنفسه كدفعه إلى أن يحقق لها كلّ خير، وأن يحميها من كل شرّ، سواء ما كان فيهما من عاجل أو آجل، ومن هنا تحرص النّفوس الموفقة على وعي هداية القرآن وهدي الرّسول، وتعمل جاهدة على أن تحفظ منها ما وسعها الإمكان. ولسنا بحاجة أن نلتمس شواهد التّرغيب والتّرهيب من الكتاب والسّنّة، فمددها فياض بأوفى ما عرف العلم من ضروب التّرغيب والتّرهيب، وفنون الوعد والوعيد، وأساليب التّبشير والإنذار، على وجوه مختلفة، واعتبارات متنوّعة في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق على سواء. وهذا نموذج من ترغيبات القرآن وترهيباته على سبيل التذكرة، والذكرى تنفع المؤمنين. يقول اللَّه تعالى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ. قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ. وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ

стр. 37

ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ. وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [ (١) ] . فانظر بعين البصيرة في هذه الأساليب، والقرآن مليء كلّه من هذه الأنوار على هذا الغرار. ولا تحسبنّ السّنّة النّبوية إلّا بحرا متلاطم الأمواج في هذا الباب، وهاك نموذجا بل نماذج منها. ها هو ﷺ يبشر واصل رحمه بسعة الرزق والبركة في العمر فيقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» [ (٢) ] . وها هو ﷺ يتحدث بالوعد لمن جعل الآخرة همّه، وبالوعيد لمن جعل الدنيا همّه فيقول: «من كانت الآخرة همّه. جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدّنيا وهي راغمة، ومن كانت الدّنيا همّه جعل اللَّه الفقر بين عينيه، وفرّق اللَّه عليه شمله، ولم يأته من الدّنيا إلّا ما قدّر له» [ (٣) ] .

стр. 38

وها هو ﷺ يحرض المؤمنين على القتال فيقول: «ضمن اللَّه لمن خرج في سبيل اللَّه، لا يخرجه إلّا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة أو أرجعه إلى مسكنه الّذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والّذي نفس محمّد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل اللَّه إلّا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون الدّم، وريحه ريح مسك، والّذي نفس محمّد بيده، لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل اللَّه أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة فيتبعوني ويشقّ عليهم أن يتخلّوا عنّي، والّذي نفس محمّد بيده لوددت أن أغزو في سبيل اللَّه فأقتل ثمّ أغزو فأقتل» [ (١) ] . أنت ترى في هذه الكلمات النّبوية قوة هائلة محولة تجعلها ماثلة في الأذهان كما تجعل النّفوس رخيصة هيّنة في سبيل الدّفاع عن الدين والأوطان، حتى لقد كان الرّجل يستمع إلى هذه المرغبات والمشوّقات وهو يأكل، فما يصبر حتى يتم طعامه، بل يرمي بما في يده، ويقوم فيجاهد متشوّقا إلى الموت، متلهفا على أن يستشهد في سبيل اللَّه. العامل الثّاني عشر اهتداء الصّحابة- رضوان اللَّه عليهم- بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ يحلّون ما فيهما من جلال، ويحرّمون ما فيهما من حرام، ويتبعون ما جاء فيهما من نصح ورشد. ويتعهدون ظواهرهم وبواطنهم بالتربية والآداب الإسلامية دستورهم القرآن، وإمامهم الرسول ﵊. وما من شك أن العلم بالعمل يقرّره في النّفس أبلغ تقرير وينقشه في صحيفة الفكر أثبت نقش، على نحو ما هو معروف في فن التّربية وعلم النّفس، من أن التّطبيق يؤيد المعارف والأمثلة تقيد القواعد، ولا تطبيق أبلغ من العمل، ولا مثال أمثل من الاتباع، خصوصا المعارف الدّينية، فإنّها تزكو بتنفيذها، وتزيد باتباعها. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [ (٢) ] أي هداية ونورا تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الرشد والغيّ كما جاء في بعض وجوه التفسير.

стр. 39

وذلك أن المجاهدة تؤدي إلى المشاهدة، والعناية بطهارة القلب وتزكية النفس تفجر الحكمة في قلب العبد، قال الغزالي: أما الكتب والتّعليم فلا تفي بذلك- أي بالحكمة تتفجّر في القلب بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعدّ إنّما تتفتح بالمجاهدة ومراقبة الأعمال الظاهرة والباطنة، والجلوس مع اللَّه في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة، والانقطاع إلى اللَّه عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف فكم من متعلّم طال تعلّمه ولم يقدر على مجازاة مسموعه بكلمة وكم من مقتصر على المهم في التّعليم، ومتوفر على العمل ومراقبة القلب، فتح اللَّه عليه من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب، ولذلك قال- ﷺ : «من عمل بما علم ورّثه اللَّه علم ما لم يكن يعلم» [ (١) ] . العامل الثّالث عشر: وجود الرّسول ﷺ بينهم يحفظهم الكتاب والسّنة ويعلمهم ما لم يتعلموه، ويفقههم في أمور دينهم. قال الشيخ الزّرقانيّ: «ولا ريب أن هذا عامل مهمّ ييسر لهم الحفظ ويهون عليهم الاستظهار ... » . عوامل خاصّة بالقرآن الكريم: وهذه العوامل- الخاصّة توافرت في حفظ الصّحابة للقرآن الكريم دون السّنّة النّبوية المطهرة. أوّلها: تحدّي القرآن للعرب بل لكافّة الخلق. قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [ (٢) ] ، ولما عجزوا قال: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [ (٣) ] ، ولما عجزوا قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ (٤) ] ، ولما عجزوا سجّل عليهم هزيمتهم وأعلن إعجاز القرآن فقال عز اسمه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ (٥) ] . ثانيها: عنايته ﷺ بكتابة القرآن فيما تيسر من أدوات الكتابة، إذ اتخذ كتّابا للوحي من

стр. 40

أصحابه، وأقر كل من يكتب القرآن لنفسه في الوقت الّذي نهى فيه عن كتابة السنة ففي الحديث «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي شيئا غير القرآن فليمحه» [ (١) ] . ثالثها: تشريع قراءة القرآن في الصّلاة، فرضا كانت أو نفلا، سرّا أو جهرا.. وتلك وسيلة فعّالة جعلت الصحابة يقرءونه ويسمعونه ويحفظونه. رابعها: الترغيب في تلاوة القرآن في كل وقت، واقرأ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [ (٢) ] . ويقول النبي ﷺ : «الّذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به مع السّفرة الكرام البررة والّذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران» [ (٣) ] . وغير هذا الكثير والكثير مما حفل به القرآن والسنة. فهل يعقل أنّ أصحاب محمد ﷺ يتوافون لحظة بعد سماع ذلك عن قراءة القرآن؟!! خامسها: عناية الرّسول ﷺ بتعليم القرآن وإذاعته ونشره إذ كان يقرؤه على النّاس على مكث كما أمره اللَّه.. وكان يرسل بعثات القرّاء إلى كل بلد يعلّمون أهلها كتاب اللَّه.. قال عبادة بن الصّامت: كان الرّجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلّمه القرآن. سادسها: القداسة التي امتاز بها كتاب اللَّه عن كل ما سواه.. تلك القداسة التي تلفت الأنظار إليه، وتخلع همم المؤمنين به عليه، فيحيطون به علما، ويخضعون لتعاليمه عملا.. قال الشّيخ الزّرقانيّ: «ونحن نتحدّى أمم العالم بهذه الدّواعي التي توافرت في الصّحابة حتى نقلوا الكتاب والسنة وتواتر عنهم ذلك خصوصا القرآن الكريم. أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع [الطويل] : غمرهم اللَّه برحمته ورضوانه.. آمين.

стр. 41

ثانيا: عوامل تثبّت الصّحابة في الكتاب والسّنّة بعد أن ألقينا الضّوء على عوامل حفظ الصّحابة للكتاب والسّنة نعرج على بيان عوامل تثبتهم- رضوان اللَّه عليهم- فيهما. قال الشّيخ الزّرقانيّ: «إنّ النّاظر في تاريخ الصّحابة يروعه ما يعرفه عنه في تثبتهم أكثر مما يروعه عنهم في حفظهم، لأن التثبت فضيلة ترجع إلى الأمانة الكاملة والعقل الناضج من ناحية، ثم هو في الصّحابة بلغ القمّة من ناحية أخرى. ولهذا التّثبّت النادر في دقته واستقصائه بواعث ودواع أو أسباب وعوامل إليك بيانها: العامل الأوّل أمر اللَّه تعالى في محكم كتابه بالتّثبّت والتّحرّي، وحذّر من الطّيش والتّسرّع فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [ (١) ] . وكذلك نهى اللَّه عن اتباع ما لا دليل له فقال: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ (٢) ] . وقد عاب القرآن على من يأخذون بالظّن فقال جلّ شأنه: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [ (٣) ] وكان الصّحابة هم المخاطبين بهذه التعاليم والمشافهين بها فلا ريب أن تكون تلك الآداب الإسلامية من أهم العوامل فمن تثبيتهم وحذرهم خصوصا فيما يتصل بكتاب ربهم وسنّة نبيهم، وبعيد كل البعد أن يكونوا قد أهملوا هذا النصح السّامي وهم خير طبقة أخرجت للناس. العامل الثّاني: الترهيب الشديد، والتهديد والوعيد لمن يكذب على اللَّه أو يفتري على رسوله ﷺ قال عز اسمه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [ (٤) ] والآيات في هذا الشأن كثيرة. ونقرأ في السّنة النبويّة قوله ﷺ : «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوَّأ مقعده من النّار» وهو حديث مشهور، بل متواتر، ورد أنه قد رواه اثنان وستون صحابيّا منهم العشرة المبشرون بالجنة، والسّنّة أيضا مليئة بأحاديث من هذا النوع.

стр. 42

فهل يستبيح عاقل منصف أن يقول: إن الصّحابة الذين سمعوا هذه النّصائح وتلك الزّواجر يقدمون على كذب في القرآن والسّنّة أو يقصرون في التّثبّت والتّحرّي والاحتياط..؟!! العامل الثّالث: أمر الإسلام لهم بالصّدق ونهاهم عن الكذب إطلاقا فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [ (١) ] . ففي هذا إشارة إلى أن الصدق من مقتضيات الإيمان، ويفهم منه أن الكذب سبيل الكفر والطغيان، وقد صرح اللَّه سبحانه بذلك في قوله: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ [ (٢) ] . ويقول النبيّ ﷺ : «عليكم بالصّدق فإنّه من البرّ وهما في الجنّة، وإيّاكم والكذب فإنّه من الفجور وهما في النّار» [ (٣) ] . وفي الكتاب والسّنّة أضعاف أضعاف ما ذكر في الموضوع فهل بعد ذلك ترضى هذه الطبقة- الصحابة- أن تركب رأسها وتنكص على أعقابها فتكذب على اللَّه ورسوله أو لا تتحرى الصدق في كتاب اللَّه وسنة رسوله!! ذلك شطط بعيد لا يجوز إلا على عقول المغفلين. العامل الرّابع: أن الصّحابة- رضوان اللَّه عليهم- كانوا مغرمين بالتّفقه والتعلّم مولعين بالبحث والتنقيب، مشغوفين بكلام اللَّه وكلام رسوله روى البخاريّ ومسلم أن ابن مسعود قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : «اقرأ عليّ القرآن» [ (٤) ] قلت: يا رسول اللَّه أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:

стр. 43

«إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال: «حسبك الآن» فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. وكذلك كان الصّحابة همّتهم أن يقرءوا القرآن ويستمعوه روى الشّيخان عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ «إنّي لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنّهار» [ (١) ] . أليس هذا الولوع بالكتاب والسّنة من دواعي تثبتهم فيهما كما هو من دواعي حفظهم لهما، لأن اشتهار الشّيء وذيوعه ولين الألسنة به يجعله من الوضوح والظّهور بحيث لا يشوبه لبس ولا يخالطه زيف، ولا يقبل فيه دخيل. العامل الخامس: يسر الوسائل لدى الصّحابة إلى أن يتثبتوا، وسهولة الوصول عليهم إلى أن يقفوا على جليّة الأمر، فيما استغلق عليهم معرفته من الكتاب والسّنة، وذلك لمعاصرتهم رسول اللَّه ﷺ يتصلون به في حياته، فيشفي صدورهم من الرّيبة والشّك، ويريح قلوبهم بما يشع عليهم من أنوار العلم وحقائق اليقين. أما بعد غروب شمس النّبوة، وانتقاله ﷺ إلى جوار ربّه، فقد كان من السّهل عليهم أيضا أن يتّصلوا بمن سمعوا بآذانهم من رسول اللَّه ﷺ والسامعون يومئذ عدد كثير وجمّ غفير، يساكنونهم في بلدهم، ويجالسونهم في نواديهم فإن شك أحدهم في آية من كتاب اللَّه تعالى، أو خبر عن رسول اللَّه أمكنه التثبت من عشرات سواه دون عنت ولا عسر. العامل السّادس: الشّجاعة الفطرية للأصحاب، والصّراحة الطّبيعية لهم، حتى لقد كان الرّجل منهم يقف في وسط الجمهور يرد على أمير المؤمنين وهو يلقي خطاب عرشه ردّا قويّا صريحا

стр. 44

خشنا، بل كانت المرأة تقف في سترة المسجد الجامع فتقاطع خليفة المسلمين وهو يخطب، وتعارض رأيه برأيها، وتقرع حجته بحجتها فيما تعتقد أنه أخطأ فيه شاكلة الصّواب. فهل يرضى العقل والمنطق أن تجرح هذه الأمة الصريحة القوية وتتهم بالكذب أو بالسكوت على الكذب في كلام اللَّه، وفي سنة رسول اللَّه؟! ثم ألا يحملهم هذا الخلق المشرق فيهم على كمال التّثبت ودقة التحرّي في كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه؟! العامل السّابع: تكافل الصّحابة تكافلا اجتماعيا فرضه الإسلام عليهم. لقد كان كلّ واحد منهم يعتقد أنه عضو في جسم الجماعة، عليه أن يتعاون هو والمجموع في المحافظة على الملّة، ويعتقد أنه لبنة في بناء الجماعة، عليه أن يعمل على سلامتها من الدغل والزغل والافتراء والكذب خصوصا في أصل التّشريع الأول وهو القرآن وأصله الثّاني وهو سنة الرّسول ﵊. واقرأ آيات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر التي تقرر ذاك التّكافل الاجتماعي الإسلامي بين آحاد الأمّة بما لا يدع مجالا لمفتر على اللَّه، ولا يترك حيلة لحاطب ليل في حديث رسول اللَّه ﷺ . يقول اللَّه تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ إلى أن قال جلّ ذكره: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ (١) ] . وهكذا قدّم اللَّه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان باللَّه، تنويها بجلالتهما، وحثّا على التمسّك بحبلهما، وإشارة إلى أن الإيمان باللَّه لا يصان ولا يكون إلا بهما. وأما السّنة فيقول ﷺ : «والّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشكنّ أن يبعث اللَّه عليكم عقابا منه، ثمّ تدعونه فلا يستجاب لكم» [ (٢) ] .

стр. 45

فهل بعد هذا كلّه يعقل أن يعبث الصّحابة، أو يقرون من يعبث بكتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله ﷺ . العامل الثّامن: تعويدهم الصّدق وترويضهم عليه عملا، كما أرشدوا إليه وأدبوا به فيما سمعوا علما، والتّربية غير التّعليم، والعلم غير العمل، ونجاح الفرد والأمّة مرهون بمقدار ما ينهلان من رحيق التّربية، وما يقطفان من ثمرات الرّياضة النفسية والقوانين الخلقية، أما العلم وحده فقد يكون سلاح شقاء، ونذير فناء، كما نرى ونسمع. ولقد أدرك الإسلام هذه النّاحية الجليلة في بناء الأمم فأعارها كل اهتمام، وعني بالتّنفيذ والعمل أكثر مما عني بالعلم والكلام. انظر إلى قول الرّسول ﷺ لمن يدرسون العلم في مسجد قباء «تعلّموا ما شئتم أن تعلّموا فلن يأجركم اللَّه حتّى تعملوا» . ولقد مرّ بنا قبل ذلك الحديث عن الكذب، وهو أنواع، وشرع اللَّه عقوبة من أشنع العقوبات لمن اقترف نوعا منه وهو الخوض في الأعراض، تلك العقوبة هي حدّ القذف الّذي يقول الحقّ جلّ شأنه فيه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ (١) ] . أفبعد هذه التربية العالية يصح أن يقال: إن الصحابة يكذبون على اللَّه ورسوله، ولا يتثبتون، ألا إن هؤلاء من إفكهم ليهرفون بما لا يعرفون، ويسرفون في تجريح الفضلاء واتهام الأبرياء ولا يستحون، فويل لهم من يومهم الّذي يوعدون. العامل التّاسع: القدوة الصّالحة، والأسوة الحسنة، التي كانوا يجدونها في رسول اللَّه ﷺ ماثلة كاملة، جذابّة أخّاذة، ولا شكّ أن القدوة الصّالحة خير عامل من عوامل التّعليم والتربية والتّأديب والتّهذيب. ولم يعرف التّاريخ ولن يعرف قدوة أسمى ولا أسوة أعلى ولا إمامة أسنى من محمد ﷺ في كافة معناه الكمال البشري، خصوصا خلقه الرّضي، وأدبه السّني، ولا سيما صدقه وأمانته وتحريه ودقته.

стр. 46

وكانت هذه الفضائل المشرقة فيه، من بواعث إيمان المنصفين من أهل الجاهليّة به، ولقد اضطر أن يشهد له بها أعداؤه الألدّاء، كما آمن بها أتباعه الأوفياء. ومما يذكر بالإعجاب والفخر لبني الإسلام أنه ﷺ عرض الإسلام على بني عامر بن صعصعة، وذلك قبل الهجرة، وقبل أن تقوم للدين شوكة، فقال كبيرهم: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك اللَّه على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك، فأجابه ﷺ بتلك الكلمة الحكيمة الخالدة: «الأمر للَّه يضعه حيث يشاء» [ (١) ] فقال له كبيرهم: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك اللَّه كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك. وهنا تتجلّى سياسة الإسلام، وأنها سياسة صريحة مكشوفة، رشيدة، شريفة لا تعرف الالتواء والكذب والتّضليل كما تتجلّى صراحة في نبيّ الإسلام وصدق نبي الإسلام، وشرف نبيّ الإسلام، ﵊. العامل العاشر: سموّ تربية الصّحابة على فضائل الإسلام كلّها، وكمال تأدبهم بآداب هذا الدين الحنيف وشدة خوفهم من اللَّه، وصفاء نفوسهم إلى حدّ لا يتفق والكذب، خصوصا الكذب على اللَّه تعالى، والتجنّي على أفضل الخليقة صلوات اللَّه وسلامه عليه. وإذا استعرضنا تاريخ الصّحابة رضوان اللَّه عليهم نشاهد العجب من عظمة تأديب الإسلام لهم، وتربيته إيّاهم تربية سامية جعلتهم أشباه الملائكة يمشون على الأرض لا سيما ناحية الصّدق والأمانة، والتثبّت والتّحرّي والاحتياط، وذلك من كثرة ما قرر القرآن فيهم لهذه الفضائل. ومن عناية الرّسول ﷺ بهم علما وعملا ومراقبة حتى أصبحوا بنعمة من اللَّه وفضل منطبعة قلوبهم على هذه الجلائل متشبّعة نفوسهم بمبادئ الشّرف والنبل تأبى عليهم كرامتهم أن يقاربوا الكذب أو يقارفوا التّهجم لا سيّما التّهجّم على مقام الكتاب العزيز وكلام صاحب الرسالة ﷺ . قالت عائشة ﵂ «ما كان خلق أشد على أصحاب رسول اللَّه ﷺ من الكذب، ولقد كان رسول اللَّه ﷺ يطّلع على الرّجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه أحدث توبة للَّه » [ (٢) ] .

стр. 47

الصّحابة والفقه الصّحابة رضوان اللَّه عليهم كانوا يسألون عما يقع لهم من الحوادث، وحكم اللَّه فيها، يتوجّهون بالسؤال إلى النّبيّ ﷺ فيفتيهم تارة بالآية أو الآيات ينزل الوحي بها عليه وتارة عند ما لا يسعفه الوحي يفتيهم باجتهاده. وعند ما لا يتيسّر لهم سؤال الرّسول ﷺ يسأل الصّحابة بعضهم بعضا فيما يعنّ لهم من أمور وما يشكل عليهم من حوادث، علّه يعرف في الواقعة حكما لم يعرفه، فهم ليسوا سواء في العلم والفقه، فقد كان علم التّيمّم عند عمّار وغيره ولم يعلمه عمر، وكان حكم المسح عند عليّ وحذيفة ولم تعلمه عائشة وابن عمر وأبو هريرة. والنّاس في البلاد البعيدة عن المدينة يسألون الصحابة الموفدين إليهم من قبل الرّسول ﷺ فيما يعرض لهم من أمور. وبعد أن ألحق النّبي ﷺ بالرفيق الأعلى، وانتقلت السّلطة التّشريعية إلى الخلفاء الرّاشدين وإلى كبار الصّحابة من بعده، بدأ الفقه يظهر بوضوح: ويأخذ في الظهور شيئا فشيئا، ذلك أن الفتوحات الإسلامية انتشرت وامتدت رقعة البلاد شرقا وغربا، وانتقل إلى هذه البلاد المفتوحة الصّحابة يحكمون ويقضون، ويفتون على وفق ما يفهمون من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ فإن لم يجدوا في كتاب اللَّه ولا في سنّة رسول اللَّه ﷺ ما يسعفهم فيما يسألون عنه أعملوا رأيهم واجتهدوا وحاولوا الوصول إلى حكم اللَّه في المسائل التي تعرض عليهم ملبّين رغبات الناس وأهل البلاد المفتوحة، واتّسعت صدورهم ولم يتقيّدوا بقيود في المصلحة الواجب مراعاتها، وقبلوا من غير تفكير طويل الأمور الغريبة عنهم ما دام لا يوجد ضدّها اعتراض ديني أو خلقي أو واقعة فقهية حصلت، وبهذا كان اجتهادهم فسيحا متّسعا لحاجات النّاس ومصالحهم، وكانت حريّة هذا الاجتهاد كفيلة بالتّقنين والتّشريع لكل معاملاتهم وحاجاتهم، ومن هنا أخذ الفقه يتطور حثيثا، ويخطو خطوات سريعة نحو التقدّم والازدهار.

стр. 48

كان عصر الخلفاء الراشدين، وعصر كبار الصحابة عصرا يحمل طابع التّقوى والصّلاح والتّمسك بروح الدّين والفضيلة التي عرفوها من الرّسول ﷺ . هذا العصر الّذي امتاز بالهدوء والنّظام، ولم تختلف فيه وجهات النّظر كثيرا في الحكم بين الأمّة وحكامها، وكان عصر انتصار يقود من نصر إلى نصر، ومن فتح إلى فتح، واتّسعت به رقعة البلاد الإسلامية وامتدت أطرافها ونعم الناس فيه بنعمة الدّين والدّنيا. ومن هذا يتّضح أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم تفرقوا في البلاد المفتوحة حاكمين ومعلّمين حرّاسا ومرابطين قضاة ومفتين، وآثر بعضهم البقاء في المدينة كزيد بن ثابت وعبد اللَّه بن عمر، ففي مكّة كان عبد اللَّه بن عباس، وذهب إلى الكوفة عبد اللَّه بن مسعود، وإلى مصر عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وإلى الشّام معاذ بن جبل وعبادة بن الصّامت وأبو الدّرداء، وإلى البصرة أبو موسى الأشعريّ، وأنس بن مالك، وكانت الأمصار متعطّشة إلى معرفة تعاليم الدّين الإسلاميّ الّذي بزغ نوره منذ فجر قريب، فأقبل أهل كل مصر على من نزل بهم من الصّحابة يغترفون من بحورهم ويستفتونهم ويتعلّمون منهم، واكتفى كل مصر بما عنده، ووثقوا به لقلة الاتّصال وصعوبة المواصلات. ولم يكن الصّحابة جميعا في العلم والفهم ومعرفة أحاديث الرّسول ﷺ سواء، فمنهم من لازم النبي ﷺ مدّة طويلة، فسمع من الحديث أكثر من غيره ومنهم من لازمه في الغزوات والأسفار، ومنهم من لم يظفر بذلك. وقد كان لهؤلاء الصّحابة آثارهم الخاصّة في البلاد التي استوطنوها أو نزلوا بها ممّا تركوا فيها من ثروة تشريعية كبيرة، وبما كان لهم فيها من تلاميذ أخذوا عنهم علمهم وفقههم وخلفوهم في التّشريع وإفتاء الناس. وقاموا بما كان يقوم به أساتذتهم من الصّحابة، وذلك هم التّابعون كسعيد بن المسيّب بالمدينة ومجاهد وعطاء بن أبي رباح بمكّة وإبراهيم النّخعي بالكوفة وابن سيرين والحسن البصري بالبصرة ومكحول وعمر بن عبد العزيز، وأبي إدريس الخولانيّ بالشام وطاوس باليمن، ويزيد بن حبيب بمصر. وتبعا لشخصيّات الصّحابة ومناحيهم في التشريع وتبعا لشخصيّات تلامذتهم الّذين ترسّموا خطاهم، ونظرا لاختلاف عادات البلاد وتقاليدها واختلاف معيشتها وأحوالها الاجتماعية، والاقتصادية أخذت تبرز الخلافات التّشريعية في الأمصار المختلفة، وبدأت تتكوّن المدارس الفقهيّة في هذه الأمصار وتظهر آثارها واضحة جليّة. وفي مقدمة هذه المدارس ومكان الصدارة منها كانت تقوم مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة، وبعبارة أخرى مدرسة الحجاز، ومدرسة العراق، نظرا لما تركتاه من آثار تشريعية

стр. 49

كبيرة، وبما تميّزت به كل واحدة عن الأخرى من سمات ظاهرة كانت علما عليها، وكانت المنافسة بين هاتين المدرستين حامية الوطيس، كل تعيب على الأخرى مسلكها في التشريع، وكان لكل منها رجالها وأعلامها المبرزون. مدرسة المدينة كان لمدرسة المدينة في العصر الأول للإسلام المكانة المرموقة إذ كانت الجامعة التي يقصدها طلاب الفقه والحديث الرّاغبون في العلم والمعرفة، لأنّها دار هجرة المصطفى ﷺ والبلد الّذي نزل فيها الوحي وعاش فيها الصّحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعون فضلا عن كونها العاصمة السّياسيّة للدولة الإسلامية، ومركز الخلافة بعد النّبيّ ﷺ فكانت مجمع العلماء ومثوى الفقهاء، ودار الأتقياء والصّالحين، وبقيت كذلك وقتا طويلا. وكان إمام هذه المدرسة سعيد بن المسيّب، يرى هو وأصحابه أن أهل الحرمين أثبت النّاس في الفقه، حيث الصّحابة كثيرون والسّنة متوافرة، فما وجدوه مجمعا عليه بين علماء المدينة فإنّهم يتمسكون به، وما كان فيه اختلاف عندهم فإنّهم يأخذون بأقواه وأرجحه، إمّا بكثرة من ذهب إليه أو لموافقته لقياس جليّ أو تخريج صريح من الكتاب والسّنّة أو نحو ذلك، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة، خرجوا من كلامهم وتتبّعوا الإيماء والاقتضاء فحصل لهم من ذلك مسائل كثيرة في كل باب من أبواب الفقه. أصول هذه المدرسة الصّحابة الّذين أثروا فيها هم: عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر، وأم المؤمنين عائشة، وعبد اللَّه بن عباس. قال الشّعبي: من سرّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقول عمر. وقال مجاهد: إذا اختلف النّاس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به. وقال ابن المسيّب: ما أعلم أحدا بعد رسول اللَّه ﷺ أعلم من عمر بن الخطاب. وقال بعض التّابعين: دفعت إلى عمر فإذا الفقهاء عنده مثل الصّبيان قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه. وأما عن زيد بن ثابت، فقد قال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الرّاسخين في العلم، وصح عن النّبي ﷺ أنه قال للصحابة: «أفرضكم زيد» . وقال الشّعبي: غلب زيد النّاس على اثنتين: الفرائض والقرآن.

стр. 50

وقال سليمان بن يسار: ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد أحدا في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة، وبالجملة: فقد كان واسع الاطّلاع ضليعا في فهم تعاليم الإسلام له القدرة الفائقة على استنباط الأحكام ذا رأي فيما لم يرد فيه أثر. وأما عن ابن عمر وابن عبّاس، فكان ميمون بن مهران يقول عنهما إذا ذكرا عنده: ابن عمر أورعهما، وابن عباس أعلمهما، وقال أيضا: ما رأيت أفقه من ابن عمر ولا أعلم من ابن عباس، وكان ابن سيرين يقول: اللَّهمّ أبقني ما أبقيت ابن عمر أقتدي به. وقال ابن الأثير: كان ابن عمر شديد الاحتياط والتوقّي لدينه في الفتوى، وكل ما تأخذه به نفسه. وقال الشّعبي: كان جيد الحديث ولم يكن جيد الفقه، وقد حمله الورع على أن لا يكثر من الفتوى، ومن مذهبه في الفقه تفرّع مذهب المدنيين ثم مالك وأتباعه. وقال ابن عباس: ضمّني رسول اللَّه ﷺ وقال: «اللَّهمّ علّمه الحكمة» ، وقال أيضا: دعاني رسول اللَّه ﷺ فمسح على ناصيتي، وقال: «اللَّهمّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب» . ولما مات ابن عبّاس قال محمّد بن الحنفيّة: مات رباني هذه الأمّة، وقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسّنّة ولا أجلد رأيا ولا أثقب نظرا حين ينظر مثل ابن عباس. وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشّعر عنده يصدرهم كلهم من واد واسع. وقال ابن عبّاس: كان عمر بن الخطاب ﵁ يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ . وقال الأعمش: كان ابن عباس إذا رأيته قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، فإذا حدث قلت: أعلم الناس. وأما عائشة- ﵂ فكانت مقدمة في العلم والفرائض والأحكام والحلال والحرام، وكان من الآخذين عنها الّذين لا يكادون يتجاوزون قولها المتفقّهون بها القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وعروة بن الزبير ابن أختها أسماء. قال مسروق، لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول اللَّه ﷺ يسألونها عن الفرائض. وقال عروة بن الزّبير: ما جالست أحدا قطّ كان أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية ولا أروى للشعر، ولا أعلم بفريضة ولا طبّ من عائشة.

стр. 51

الفقهاء السّبعة بالمدينة هم على أشهر الرّوايات: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزّبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصّديق، وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت. عبد اللَّه بن عمر عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه ابن عتبة ابن مسعود ٩٤ هـ/ عروة بن الزبير بن العوّام ٩٤ هـ/ القاسم بن محمد بن أبي بكر ١٠٦ هـ/ سعيد ابن المسيب ٩٤ هـ/ سليمان ابن يسار ١٠٧ هـ/ خارجة ابن زيد ١٠٠ هـ/ أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث ابن هشام ٩٤ هـ/ وقد ذاعت شهرة هؤلاء الفقهاء حتى سمّي عصرهم بعصر الفقهاء السّبعة، وكان عملهم هو تأسيس الفقه الإسلامي، وصبغ الحياة كلها والعمل على نفاذها بأسرها على قواعد من الدّين والأخلاق. مدرسة الكوفة وفي موازاة مدرسة المدينة، وفي النّصف الثّاني من القرن الهجريّ الأوّل كانت تقوم بالعراق مدرسة أخرى مركزها الكوفة تناهض مدرسة المدينة وتحاول جاهدة في إفساح الطّريق أمام مبادئها، وقد كان لهذه المدرسة قيمة فقهيّة كبيرة وشهرة ذائعة حصلت عليها بفضل جهود فقهائها الّذين عملوا مخلصين في إرساء قواعدها، وكافحوا في سبيل إعلاء منارتها، وإن كانت لم تصل إلى مركز مدرسة المدينة وشهرتها، بل ولم تتبوّأ مركزها الممتاز إلا في القرن الثّاني الهجريّ بفضل جهود تلامذتها، وعلى الأخصّ في عصر وعلى يد أبي حنيفة النّعمان وأصحابه وتلامذته. مؤسّس هذه المدرسة ومؤسّس هذه المدرسة من الصّحابة هو عبد اللَّه بن مسعود بن غافل الهذليّ من السّابقين إلى الإسلام، وممّن شهدوا بدرا، وأحد المبشّرين بالجنّة، أقرب الناس سمتا ودلّا

стр. 52

وهديا برسول اللَّه ﷺ كما قال حذيفة، معلّم أهل الكوفة وقاضيها، ومؤسّس طريقتها، كان ينحو منحى عمر بن الخطّاب- رضي اللَّه تعالى عنه- وعلى منحاه كان يسير من الاعتداد بالرّأي حيث لا نصّ من كتاب أو سنّة وهو الّذي يقول: لو سلك النّاس واديا وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه، وكان لا يخالفه إلا في القليل النّادر، وكان ذلك القليل النّادر أقرب إلى القبول عند هذه المدرسة مما اجتمع عليه هو وعمر- ﵁. عن الأعمش عن إبراهيم النّخعي أنه كان لا يعدل بقول عمر وعبد اللَّه إذا اجتمعا، فإذا اختلفا كان قول عبد اللَّه أعجب إليه، لأنه ألطف، وقرأ القرآن فأحلّ حلاله وحرم حرامه، فقيه في الدين عالم بالسّنة، ولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان- ﵁ وقدم آخر عمره المدينة ومات بها في خلافة أمير المؤمنين عثمان- ﵁ سنة ٣٢. هـ. تلاميذ هذه المدرسة وأشهر تلاميذ هذه المدرسة من أصحاب عبد اللَّه بن مسعود الّذين أخذوا أقواله وتثقّفوا بآرائه هم هؤلاء الفقهاء السّتة: علقمة بن قيس النّخعي، والأسود بن يزيد النّخعي، ومسروق ابن الأجدع الهمدانيّ، وعبيدة بن عمرو السّلماني، وشريح بن الحارث القاضي، والحارث الأعور. مدرسة الكوفة عبد اللَّه بن مسعود شريح بن الحارث الكندي ٧٨ هـ/ الأسود بن يزيد النخعي ٧٥ هـ/ علقمة بن قيس النخعي ٦٢ هـ/ مسروق بن الأجدع الهمدانيّ ٦٣ هـ/ عبيدة السلماني ٧٢ هـ/ الحارث الأعور ٦٥ هـ/ إبراهيم النخعي ٩٥ هـ/ عامر بن شراحيل الشعبي ١٠٤ هـ

стр. 53

أصول مدرسة الكوفة كان أهل الكوفة يرون أن عبد اللَّه بن مسعود وأصحابه أثبت النّاس في الفقه، واعتقدوا أنّهم في الدّرجة العليا من التّحقيق وكانت قلوبهم أميل شيء إلى أصحابهم كما قال علقمة لمسروق: هل أحد منهم أثبت من عبد اللَّه؟ وقال أبو حنيفة: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت علقمة أفقه من ابن عمر، وعبد اللَّه هو عبد اللَّه، وقد جمعوا من فتاوى ابن مسعود وقضايا علي وفتاواه وكل ما تيسّر لهم جمعه، وصنعوا في آثار أصحابهم كما صنع أهل المدينة، وخرجوا كما خرج هؤلاء ولم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث، ولم تنشرح صدورهم للنّظر في أقوال علماء البلدان وجمعها، وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذّهن من شيء إلى شيء ممّا يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم وكلّ ميسّر، لما خلق له و «كلّ حزب بما لديهم فرحون، فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج. مقارنة بين المدرستين كان طابع كلتا المدرستين فقهيّا، غير أن مدرسة المدينة كانت تعتمد في الاستنباط الفقهي على النصوص لقيامها في المدينة تلك البلد التي عاش فيها النبيّ ﷺ والخلفاء الرّاشدون وأكثر الصّحابة، فالأحاديث فيها كثيرة والآثار متوافرة، وقد توجّهت هممهم وانشرحت صدورهم لجمع أحاديث الرّسول وآثار الخلفاء الرّاشدين والصّحابة المقربين بها، فحصل لهم من ذلك الشّيء الكثير أغناهم في كثير عن استعمال الرّأي، فما من مسألة مسائل إلا وجدوا فيها حديثا مرفوعا متّصلا أو مرسلا أو موقوفا، صحيحا أو حسنا أو صالحا للاعتبار، أو وجدوا أثرا من آثار الخلفاء الرّاشدين والصّحابة عندهم، وقلّما تعرض مسألة ليس فيها نصّ من كتاب أو سنّة أو أثر صحابي ولم يكن عندهم من العمران ما تتّجه به المسائل وتتكاثر فالحياة بمنأى عن المؤثرات الخارجية والأعراف الأخرى فهي لا زالت يدويّة متكررة، ما يحدث اليوم قد حدث بالأمس القريب أو البعيد، وإن وقعت حادثة ليس لها سابقة وقلّما يكون أعملوا رأيهم على نحو ما كان يفعل سلفهم من الصّحابة مع مراعاة اقتضاء النّصّ وإيمائه، ولم يذهبوا بعيدا، فكانت بذلك أقرب إلى السّنن النّبوية وإلى الحديث. وأمّا مدرسة الكوفة، فإنّها وإن كانت تقليدية من حيث المبدإ واعتمادها على الأحاديث والآثار المروية عن طريق الصحابة الذين عاشوا بينهم ووثقوا بهم إلا أن الأحاديث

стр. 54

عندهم كانت قليلة، فقد روي أن عمر- ﵁ حينما يعث رهطا من الأنصار إلى الكوفة نهاهم عن كثرة التّحديث وقال لهم: إنكم تأتون قوما لهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقلّوا الرّواية عن رسول اللَّه ﷺ . ونظرا لشيوع الوضع في العراق من جانب الشّيعة وغيرهم وتهيبهم من رواية الحديث كان بالتّالي ذخيرة الأحاديث عندهم قليلة، ونظرا لأن هذه المدرسة كانت تقوم في جوّ أوسع من جوّ التّقليد المدني، فالحياة في العراق مزدحمة بالعمران والحضارات متشعّبة من رومانيّة وفارسيّة والمسائل متشابكة كان لا بد من استعمال الرّأي كثيرا وكثيرا جدّا، وكانوا لا يكرهون المسائل ولا يهابون الفتيا فخرجوا المسائل على أقوال أصحابهم وافترضوا وأجابوا وساروا في هذا الاتّجاه شوطا طويلا. [ (١) ] وللَّه الحمد والمنّة.

стр. 55

جهود الخلفاء الرّاشدين في نشر الإسلام فإنّ اللَّه حين اختار نبيّه محمدا ﷺ لتبليغ رسالته اختار له أصحابا على شاكلته، عزّروه ونصروه واتّبعوا النّور الّذي أنزل معه، عاشوا تحت راية نبيّهم سعداء، وماتوا صديقين أو شهداء، كان التّوحيد مبدأهم، والحب ديدنهم، والسلام طبيعتهم، والصلاة والصيام والصدقة وصلة الأرحام منهجهم، ورضا اللَّه غايتهم. ملئوا الدنيا نورا، وأشاعوا في الكون بهجة وسرورا، وقادوا الإنسانية إلى ركب الحضارة المستنيرة، وأرسوا قواعد الدين فلم يغيروا ولم يبدّلوا، حبب اللَّه إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من اللَّه ونعمة. ولما ختار اللَّه نبيه إلى جواره بعد أن ترك الناس على المحجّة البيضاء تألق في سماء الإسلام نجم كان الوزير الأول في حياته ﷺ ثم صار الخليفة بعد مماته، ذلكم هو أبو بكر الصديق الّذي سار على النّهج المحمدي في غير تحريف ولا تبديل. فقضى على أول فتنة ظهرت بعد وفاة النبي ﷺ في سقيفة بني ساعدة ... تلك التي أثارها وأشعل نارها سعد بن عبادة الخزرجي، بعد أن منّ اللَّه على أبي بكر بقوة الحجّة والبرهان، ومنّ على سعد بن عبادة ومن اتبعه بالطاعة والإذعان، ثم توجّه إلى مانعي الزّكاة فأعادهم بقوة بأسه ورباطة جأشه إلى ما كانوا عليه في عهد النبي ﵊، وحارب المرتدين فعادوا إلى حظيرة الإسلام صاغرين، وأنفذ جيش أسامة إلى الرّوم، وكان قد جهزه رسول اللَّه ﷺ للخروج إليهم، ولتأديب الغساسنة العرب الذين هجروا الجزيرة العربية، واستقروا في الشام، وواجه أدعياء النّبوة من أمثال مسيلمة الكذّاب والأسود العنسيّ وطليحة الأسديّ وسجاح التميمية وغيرهم فارتدوا خاسرين. ثم انطلق أبو بكر يرسل كتائب الإيمان خارج الجزيرة العربية في العراق والشام، ليكسر حاجز الخوف الّذي استولى على نفوس العرب من بطش هاتين الدّولتين العظيمتين (الفرس والروم) .

стр. 56

وتم ذلك كله في غضون عامين مدّة خلافة الصّديق ﵁، ثم ودع الحياة راضيا مرضيا ليحمل الرّاية من بعده الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ ذلك الّذي وضع منهجا للدولة الإسلامية يحوي التنظيمات الإدارية، فدوّن الدواوين كديوان العطاء، وديوان الجند، وديوان الاستيفاء، كما أوجد مصادر للدخل بما أفاء اللَّه على جيوشه من ثروات الدّولة الفارسية والبيزنطية إلى جانب الزّكاة والخراج والجزية. ونظم القضاء بصفة خاصّة، ولم يكن هو وصاحبه في سلوكهما هذا على بدع من القول أو الفعل، وإنما كان اقتداء بالنبيّ القدوة، والرّسول الأسوة ﷺ . وحقق الفاروق قضية الشّورى كما أرادها اللَّه ورسوله في محكم التنزيل. وازدادت السّياسة الخارجية في عهده رسوخا ووضوحا فتمت الفتوحات التي بدأت في عهد الصديق على يده بعد أن عدل الخطط الحربية، وغير القيادات، وفتحت دمشق، وتم الاستيلاء على بيت المقدس، وكانت الخاتمة الحسنى بفتح مصر في العام الثلاثين من الهجرة، ودخل الأقباط في الإسلام أفواجا بعد أن خلصهم عمرو بن العاص وجنوده من اضطهاد الرومان وتعسّفهم. ثم كان عثمان بن عفان الخليفة الثالث بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب، وانكسر الباب، وخرجت الفتنة تطل برأسها من جحرها، فظنوا حلم عثمان ضعفا، وما كان إلا رجلا حييّا ستّيرا تستحي منه ملائكة الرّحمن. انظر إليه حين تولّى هذا الأمر، تجده أمام مهام تنوء بعصبة أولي قوة وقد حملها وحده. فها هو معاوية يتربّع على عرش الشام ويدين له أهلها بالطّاعة العمياء فلم يشأ أن ينقض بناء أرسى قواعده من سبقه، وهذه أساليب الدّهاء والمكر والخداع تحيط به من كل مكان حتى اضطر للاستعانة بأهل الثّقة من أقاربه بعد أن فقدها فيمن حوله. ومع ذلك فإن الإمبراطورية التي امتدت في عهد أمير المؤمنين عمر من أقصى فارس شرقا، إلى حدود برقة وطرابلس غربا، ومن بحر قزوين شمالا إلى بلاد النوبة جنوبا، لم تتوقف في عهد ذي النّورين عثمان بن عفان حيث اجتازت جيوشه أرض فارس حتى وصلت إلى طبرستان شرقا، وإلى بلاد خراسان، كما تكونت أول قوة بحرية لصد عدوان الأساطيل البيزنطية على سواحل مصر والشام، فانضم جزء آخر من بلاد النوبة في الجنوب وانضمت لها بلاد أرمينيّة، ودخلت البحرية الإسلامية جزيرة «قبرص» وما أمر واقعة «ذات الصّواري»

стр. 57

ببعيد حيث كان النصر فيها إيذانا بتفوّق المسلمين على دول البحر المتوسط. وانتقل الخليفة عثمان إلى جوار ربه متوّجا بالشهادة وهو يقرأ القرآن على أثر فتنة تبنّاها عبد اللَّه بن سبإ اليهودي، وأشعل نارها في سائر الولايات الإسلامية بما تحمل من شائعات كاذبة وانتقاصات باطلة تقلّل من شأن الخليفة الراحل، وكانت هذه الفتنة اليهودية سببا في الهرج والمرج والقيل والقال مما واجهه الإمام علي بن أبي طالب في بداية خلافته، وإن شئت قلت: في بداية محنته، فقد كان يمسك بزمام الأمور في عهد عثمان الشهيد بعض الولاة غير الأكفاء، ومنهم متطلّع إلى الخلافة نفسها، أو مطالب بدم عثمان بدعوى أنه ولي دمه. باختصار كان علي بن أبي طالب في موقف لا يحسد عليه، فأراد أن يؤمّن الدولة من الداخل بعزل بعض الولاة، وتولية آخرين ممن يراهم أهلا للمهمّة الخطيرة في المرحلة القادمة، فلم يلق إلا العصيان والتمرد والخروج عليه مما عطل مسيرة الحكم الراشد الّذي أراده لهذه الأمة. وبينما عليّ يفكر في أمر معاوية إذا بأخبار تصله بخروج طلحة والزبير في صحبة أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂، واستمر اليهودي المتآمر عبد اللَّه بن سبإ ليعلن أن الثّوار قد خرجوا لمهاجمة علي وراع عليّا ما كان من خروج أم المؤمنين في صحبة هؤلاء، ولكن سرعان ما هدأ حين علم أنها جاءت للصلح بين أولادها المتنازعين باعتبارها أمّا للمؤمنين، وقال علي: لا بأس. إنها أمّنا وزوجة نبينا، ولكن زعيم الفتنة اليهودي خشي افتضاح أمره وتسليمه ليد العدالة فاجتمع بأتباعه، وقال لهم: يا قوم إن عزكم من خلطة الناس فصانعوهم وتملقوهم، وإذا التقى الطرفان المتنازعان غدا فانشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر والجلوس على مائدة الصلح وبات الجميع على الصلح، وبات ابن سبإ وأنصاره (قتلة عثمان الحقيقيون) بشرّ ليلة حتى إذا أصبح الصباح نشبوا القتال، وظن أصحاب أم المؤمنين أن عليّا قد بدأ القتال بينما تعجب علي مما رأى من تغيير النية فنادى طلحة قائلا. - يا طلحة جئت بعرس رسول اللَّه تقاتل بها، وقد خبأت عرسك في بيتك؟ ماذا أنت صانع يوم القيامة حين يقول لك رسول اللَّه ﷺ : لم جئت بزوجتي إلى هذه الأرض؟ فأحس طلحة بعظم ما ارتكب فأدار وجهه وقفل راجعا، ولكن لم يفلت من القتل على يد أحد أرباب الفتنة، وتذكر الزّبير ما كان من أمره مع علي أمام النّبي ﷺ فعاد وهو يقول: العار ولا النّار، وحرص ابن سبإ على قتل أم المؤمنين، فهاجم هو وجنوده الهودج الّذي يحملها على جملها، ولكن عليّا عاجل الجمل بضربة عقرته وأوقعت الهودج قبل أن يتمكن منه دعاة

стр. 58

الفتنة وأعاد أم المؤمنين إلى بيتها في حماية أربعين حارسا أوصلوها سالمة ولم يكن هؤلاء الجنود إلا نساء من فتيات قريش تزيوا بزيّ الرجال مراعاة لحرمة رسول اللَّه ﷺ وكان على رأسهم أخوها محمد بن أبي بكر، فلما اكتشفت أم المؤمنين ذلك أطرقت برأسها قائلة: لقد أبي أبو الحسن إلا أن يكون عليّا. وبعد شهر من هذه الواقعة بدا يوم صفّين مكشرا عن أنيابه، وكانت نهاية هذه الموقعة أسوأ من بدايتها فقد انتهت بخدعة التحكيم المشهورة، أما الخوارج فقد حكموا على الإمام علي بالكفر وقتله أحدهم وهو عبد الرحمن بن ملجم الّذي ألحقه اللَّه بعاقر ناقة ثمود في النّار بجريمته النكراء وفعلته الشّنعاء. وتولى الخلافة بعده ابنه الحسن بن علي الّذي ما لبث أن ودعها غير آسف عليها تاركا أعباءها لمعاوية بن أبي سفيان ﵁ الّذي لم تصح له الخلافة إلا بعد تنازل الحسن عنها له، وكان قد أخذ البيعة من أهل الحلّ والعقد كما بويع لأبيه الإمام علي من قبل وَصدقت نبوءة النبي ﷺ فيما أخبر به عن الحسن حيث قال: «إنّ ابني هذا سيّد وسيصلح اللَّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» [ (١) ] . وهكذا أصبحت الخلافة ملكا عضوضا على يد معاوية الّذي ورثها لابنه اليزيد، وأجبر الناس على بيعته في حياته حتى لا ينازعه في ملكه منازع من بعده. ولسنا نقول بأن الخبر الّذي قاله النّبي ﷺ عن الملك العضوض حين يفيد انتقاصا من قدر الملوك فإنه غالبا ما يكون فيهم الحزم والكياسة إلى جانب الشّدة والعنف، وها هو داود وابنه سليمان كانا رسولين ملكين، وكان الملك والجاه والسلطان خير سند لرسالتهما، كما كانت ملكة سبإ من خير ملكات العالم بما أوتيت من الحكمة والرشاد حيث حكمت اليمن وقادت الجيوش الجرّارة حتى إذا دعيت للإسلام قادت شعبها وجيشها إلى الدّخول في طاعة سليمان قائلة: «وأسلمت مع سليمان للَّه ربِّ العالمين» وهذه الأرض يعيش عليها الآن ملوك يقودون شعوبهم متّجهين بهم إلى السّير في ركب الحضارة الإنسانية بما أوتوا من الحنكة والتجربة وعراقة الأصل وسلامة الدّين. هذا وما زالت آثار الصّحابة والخلفاء قائمة بين دول الإسلام بما خلّفوه من علم وفهم لكتاب اللَّه وسنّة نبيه ﷺ ، وستظل باقية حتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

стр. 59

(أبو هريرة) المفترى عليه ﵁ طعن أرباب الأهواء قديما وحديثا في أبي هريرة- ﵁ ليتخلصوا من أحاديثه التي تقف دون أهوائهم، وتردّ كيدهم. في نحورهم، وسندهم في هذه المطاعن إمّا روايات مكذوبة أو ضعيفة، وإما روايات صحيحة لم يفهموها على وجهها، بل تأوّلوها تأويلا باطلا يتفق وأهواءهم، وإنّا لذاكرون لك بعضا من هذه الطّعون، والجواب عنها بإيجاز ليكون ذلك نموذجا يحتذي في الدّفاع عن هذا الصّحابي الجليل، فنقول وباللَّه التوفيق: (أ) - مما طعن به أهل الأهواء في صدق أبي هريرة- ﵁ «حديث الوعاءين» وهو ما رواه البخاريّ من باب «حفظ العلم» من كتاب «العلم» عن أبي هريرة قال: «حفظت من رسول اللَّه ﷺ وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» [ (١) ] . قالوا: هذا الحديث لو صح لترتّب عليه أن يكون النّبي ﷺ قد كتم شيئا من الوحي عن جميع الصحابة سوى أبي هريرة، وذلك لا يجوز بإجماع المسلمين. والجواب: أنه ليس في الحديث ما يفيد أن رسول اللَّه ﷺ قد اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصحابة، وعلى تقدير أنه اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصّحابة، فليس فيه شيء من كتمان الوحي الّذي أمر اللَّه رسوله أن يبلغه النّاس. قال ابن كثير: «هذا الوعاء الّذي كان لا يتظاهر به هو الحروب والفتن والملاحم، وما وقع بين الناس من الحروب والقتال وما سيقع» . أهـ. فالإخبار عن بعض الحروب والملاحم الّتي ستقع ليس مما يتوقف عليه شيء من أصول الدّين أو فروعه، فيجوز للنّبيّ ﷺ أن يخص مثل هذا النّوع من الوحي شخصا دون الآخر، أو فريقا دون فريق. (ب) - وممّا اتّخذ شبهة على صدق أبي هريرة في الحديث أنه كان يروي عن رسول اللَّه ﷺ «من أدرك الصّبح وهو جنب فلا يصم» ، ويفتي به النّاس فبلغ ذلك عائشة وأمّ سلمة- ﵄ فأنكرتا عليه، وذكرتا «أن رسول اللَّه ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم «يغتسل ويصوم» ، فرجع إلى حديثهما وقال: كذلك حدثني الفضل بن العبّاس

стр. 60

وأسامة بن زيد عنه ﷺ ، وأمهات المؤمنين أعلم بمثل ذلك من الرجال. والجواب: أن أبا هريرة لم يسمع الحديث من رسول اللَّه ﷺ وإنما سمعه من الفضل وأسامة عنه ﷺ وهما من أهل الصّدق والأمانة، ولكن لما ترجّح لديه حديث عائشة وأم سلمة رجع إليه، وترك فتواه اتّباعا للحق، وأمّا حديث الفضل وأسامة، فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة (منها) : أنه معارض بما هو أقوى منه، فيترك العمل به إلى الأرجح. (ومنها) : أنه كان في مبدإ فرض الصّيام حين كان الأكل والشّرب والجماع محرّما بعد النوم، ثم أباح اللَّه ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة وأم سلمة ناسخ لحديث الفضل وأسامة، ولم يبلغهما ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه. قال الحافظ ابن جحر: «وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه» [ (١) ] . (ج) - قالوا: روى أبو هريرة حديث: (لا عدوى ولا صفر ولا هامة) ، فقال أعرابيّ: يا رسول اللَّه، فما بال الإبل تكون في الرّمل كأنها الظّباء، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها، قال رسول اللَّه ﷺ : «فمن أعدى الأوّل» [ (٢) ] . وروى أيضا حديث: «لا يوردنّ ممرض على مصحّ» ، أي: صاحب إبل مريضة على صاحب إبل صحيحة مخافة العدوي. قالوا: وبين الحديثين تناقض إذ الحديث الأول ينفي العدوي والثاني يثبتها، والنبي ﷺ لا يتكلم بمثل هذا فدار الأمر بين كذب أبي هريرة أو نسيانه في الرواية فإن قلنا بكذبه ارتفعت الثقة بمروياته، وإن قلنا بنسيانه ناقض حديث ضم الرداء وقوله فيه (فو الّذي نفسي بيده ما نسيت منه شيئا بعد) .

стр. 61

والجواب: أنه لا تناقض بين الحديثين، فحديث: «لا عدوى» معناه نفي أن تكون العدوي مؤثرة بذاتها دون إرادته تعالى. وحديث «لا يوردنّ ممرض على مصحّ» المقصود منه ألّا يورد صاحب الإبل المريضة إبله على إبل صحيحة، لئلا تمرض فيتوهم النّاس أن ذلك المرض جاء للإبل الصحيحة من طريق العدوي بدون إذنه تعالى، ولك أن تقول: إنّ المقصود من الحديث الثّاني هو إثبات العدوي من طريق السّببية العادية التي يجوز فيها تخلّف المسبّب عن سببه، فنهى النّبيّ ﷺ عن تلك المخالطة من باب اتّقاء أسباب الهلاك العادية امتثالا لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ (١) ] . وإذا لم يكن بين الحديثين تناقض فلا كذب ولا نسيان. نعم ثبت أنّ أبا هريرة كان يروي الحديثين جميعا في بعض المجالس، وكان يقتصر على رواية أحدهما في بعضها، اقتصر مرّة على رواية الحديث الثّاني فقيل له: إنك رويت الحديث: «لا عدوى» فرطن بالحبشية، وأنكر على من قال ذلك، فظن أبو سلمة «الراويّ للحديثين عنه» أن إعراضه عن رواية حديث «لا عدوى» في ذلك المجلس نسيان منه روايته. ويجاب عن ذلك بأن إعراضه عن روايته هذا الحديث ليس من قبيل النّسيان كما فهم أبو سلمة، وإنما هو مراعاة حال من يحدثهم، ولذلك يقول القرطبي في «المفهم» : (ويحتمل أن يكون أبو هريرة خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين فسكت عن أحدهما، وكان إذا أمن ذلك حدث بهما جميعا) أ. هـ. وإن أردت زيادة على ذلك فارجع إلى «فتح الباري» في باب (لا هامة) من كتاب «الطّبّ» . (د) - قالوا: كان أبو هريرة يدلّس في الحديث، فيروي عن النّبي ﷺ ما لم يسمعه منه كما في حديث: (من أصبح جنبا فلا صوم له) ، وقد تقدّم، والتّدليس أخو الكذب. والجواب عن ذلك: أن أبا هريرة بحكم تأخّر إسلامه إلى سنة سبع من الهجرة قد فاته كثير من أحاديث رسول اللَّه ﷺ فكان عليه ليستكمل علمه بالحديث أن يأخذه من الصّحابة الذين سمعوه من النّبي ﷺ شأنه في ذلك شأن سائر الصّحابة الذين لم يحضروا مجالسه ﷺ إمّا لاشتغالهم ببعض أمور الدّنيا، وإمّا لحداثة سنّهم وإما لتأخّر إسلامهم، أو لغير ذلك، يؤيد ذلك ما ثبت عن حميد قال: كنا مع أنس بن مالك، فقال: «واللَّه ما كلّ ما نحدثكم عن

стр. 62

رسول اللَّه ﷺ سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا» [ (١) ] . رواه الطّبرانيّ في «الكبير» ، ورجاله رجال الصحيح. وعن البراء قال: «ما كلّ الحديث سمعناه من رسول اللَّه ﷺ كان يحدّثنا أصحابه عنه، كانت تشغلنا عنه رعية الإبل» [ (٢) ] . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم أيضا في «المستدرك» بلفظ: «ليس كلّنا سمع حديث رسول اللَّه ﷺ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ، ويحدث الشّاهد الغائب» [ (٣) ] . قال الحاكم: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، وأقرّه الذّهبيّ. ولا ينبغي أن يعدّ حذف الصّحابي الّذي سمع الحديث، ولقنهم إياه من قبيل التّدليس، إذ الصحابة كلهم عدول بإجماع أهل الحق، وخلاف العلماء في الاحتجاج بالمرسل إنما كان للجهل بحال المحذوف، وذلك لا يتأتّى ها هنا، ولذلك يقول ابن الصّلاح في «مقدّمته» : «مرسل الصّحابي مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول اللَّه ﷺ ولم يسمعوه منه في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصّحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول» أ. هـ. وقال السّيوطيّ في «التّدريب» : «أمّا مرسل الصّحابي وإخباره عن شيء فعله النّبي ﷺ أو قاله مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه فمحكوم بصحته على المذهب الصّحيح الّذي قطع به الجمهور أصحابنا وغيرهم، وأطبق المحدثون المشترطون للصّحيح القائلون بضعف المرسل، وفي «الصّحيحين» من ذلك ما لا يحصى، لأن أكثر روايتهم عن الصّحابة، وكلهم عدول رواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذ رووها بيّنوها، بل أكثر ما رواه الصّحابة عن التّابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليّات أو حكايات أو موقوفات» . ومن ذلك كلّه يتبيّن أنه لا كذب من أبي هريرة، إذ إنه لم يقل في هذا الضّرب من الحديث: «سمعت رسول اللَّه يقول كذا، أو رأيته يفعل كذا» ، بل كان يقول: قال رسول اللَّه ﷺ كذا، أو فعل كذا، وما شابه ذلك، كما أنه لا تدليس منه أيضا، لأن الرّاوي المحذوف من الصّحابة والإجماع قائم على عدالتهم.

стр. 63

(هـ) - قالوا: نهاه عمر عن التحديث، وقال له: «لتتركن الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس» ، وهذا من عمر يدل على كذب أبي هريرة. والجواب: أنّ أبا هريرة كان يرى لزاما عليه أن يحدّث النّاس بما سمعه من رسول اللَّه ﷺ خروجا من إثم كتمان العلم، وقد ألجأه ذلك إلى أن يكثر من رواية الحديث، فكان في المجلس الواحد يسرد الكثير من أحاديثه ﷺ ولكن عمر- ﵁ كان يرى أن يشتغل النّاس أولا بالقرآن، وأن يقلّوا الرّواية عن رسول اللَّه ﷺ في غير أحاديث العمل، وأن لا يروى للناس أحاديث الرّخص لئلا يتّكلوا عليها، ولا الأحاديث المشكلة التي تعلو على أفهامهم، كما أنه كان يخاف على المكثرين الخطأ في رواية الحديث إلى غير ذلك، ومن أجل ذلك كلّه نهى عمر الصحابة عن الإكثار من الرواية، وأغلظ لأبي هريرة القول وهدده بالنّفي، لأنه كان أكثر الصحابة رواية للأحاديث. قال الحافظ ابن كثير: «وقد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك في التّحديث فقال مسدّد بسنده عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديثي فأرسل إليّ فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول اللَّه ﷺ في بيت فلان؟ قال: قلت: نعم، وقد علمت لم تسألني عن ذلك؟، قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول اللَّه ﷺ قال يومئذ: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوَّأ مقعده من النّار» [ (١) ] قال: «أمّا إذن فاذهب فحدّث» [ (٢) ] ، (و) - قالوا: ولم يكن عند أبي هريرة رصيد من الأحاديث أكثر من غيره، وإنّما الّذي جعله يتفوق على غيره من الصّحابة في كثرة الرّواية أنه استجاز لنفسه أن ينسب إلى رسول اللَّه ﷺ كل كلام حسن، قاله أو لم يقله، مما هو خارج عن دائرة الحلال والحرام.. قالوا:

стр. 64

وسند أبي هريرة في ذلك أحاديث رواها عن النّبي ﷺ منها: ١- «إذا لم تحلّوا حراما ولم تحرّموا حلالا، وأصبتم المعنى فلا بأس» [ (١) ] . ٢- «إذا حدّثتم عنّي بحديث يوافق الحقّ فخذوا به حدّثت به أو لم أحدّث» [ (٢) ] . ٣- «ما بلغكم عنّي من قول حسن لم أقله فأنا قلته» . والجواب عن ذلك: أن كثرة أحاديث أبي هريرة مع تأخّر إسلامه لا ترجع إلى ما زعموه، وإنّما ترجع إلى انقطاعه عن الدّنيا إلى مجالسه ﷺ وملازمته إياه سفرا وحضرا، وإلى دعاء النبي ﷺ له ألّا ينسى شيئا من حديثه، وإلى أنه عاش بعد وفاته ﷺ نحوا من خمسين عاما يأخذ عن الصحابة ما فاته من الأحاديث ثم يرويها للناس. وأما زعمهم أنه استجاز لنفسه أن يكذب على رسول اللَّه ﷺ في غير الحلال والحرام فباطل من وجوه: ١- أن أبا هريرة من رواة حديث: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوَّأ مقعده من النّار» ، وثبت عنه أنه كان يذكره بين يدي ما يريد أن يرويه عن رسول اللَّه ﷺ في كثير من مجالسه. ٢- وأن الصّحابة قد أقرّوه على رواية الأحاديث، ورووها عنه، ومن هؤلاء: عمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزّبير، وزيد بن ثابت، وأبو أيّوب الأنصاري، وابن عباس، وعائشة، وجابر، وعبد اللَّه بن عمر، وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعريّ [ (٣) ] ، وهذا إجماع منهم على صدقه وأمانته. ٣- وأنّ الأحاديث التي رواها أبو هريرة وجد أكثرها عند غيره من الصّحابة. وأما الأحاديث التي نسبوها إلى أبي هريرة فنجيب عنها بما يلي: ١- الحديث الأول في الرّواية بالمعنى لا فيما زعموه من إباحة الكذب عليه ﷺ ولم يروه أبو هريرة بل رواه غيره. روى الحافظ الهيثميّ عن يعقوب بن عبد اللَّه بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن جدّه قال: أتينا النّبي ﷺ فقلنا له: بآبائنا وأمّهاتنا يا رسول اللَّه إنا نسمع منك الحديث، فلا

стр. 65

نقدر أن نؤدّيه كما سمعنا قال: «إذا لم تحلّوا حراما ولم تحرّموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس» [ (١) ] . ٢، ٣- والحديثان الثّاني والثّالث مكذوبان على أبي هريرة، إذ في سند الأوّل منهما أشعث بن براز كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه قال النسائي: متروك الحديث، قال البخاري: منكر الحديث. وفي سند الثاني منهما عبد اللَّه بن سعيد كذّاب مشهور، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال الدار الدّارقطنيّ: ذاهب، وقال الفلّاس: منكر الحديث. قال ابن حزم: «وقد ذكر قوم لا يتّقون اللَّه أحاديث في بعضها إبطال شرائع الإسلام، وفي بعضها نسبة الكذب إلى رسول اللَّه ﷺ ، وإباحة الكذب عليه ثم سرد تلك الأحاديث، وفيها هذان الحديثان، وأبطلهما ما ذكرناه، ثم قال ردّا على من أباح أن ينسب إلى رسول اللَّه ﷺ ما لم يقله: «حسبنا أنهم مقرّون على أنفسهم بأنّهم كاذبون، وقد صحّ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «من حدّث عنّي بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» [ (٢) ] [ (٣) ] . دائرة المعارف (الإسلاميّة) ورأيها في أبي هريرة ﵁ كتب أستاذنا العلامة الجليل الشيخ «محمد عرفة» مقالا قيما في الدّفاع عن رواية الإسلام (أبي هريرة) ﵁ يفنّد فيه مزاعم أصحاب دائرة المعارف الإسلامية المترجمة عن الانجليزية، وأنا أنقله حتى يرى القارئ ما عليه أوروبا والغرب من الحقد على الأمة الإسلامية. قال: للمستشرق «جولدسيهر» رأي في الصّحابي الجليل (أبي هريرة) ﵁. نشره في العدد السابع من المجلّد الأول من دائرة المعارف (الإسلامية) ، هذا الرّأي لا يستند إلى بحث تاريخيّ ولا سند علمي. طعن «جولدسيهر» في أبي هريرة طعونا عدة، لكنها تدور حول عدم أمانته في نقل الحديث، فقد ذكر أنه مختلق، ومسرف في الاختلاق، وأنه كان يفعل ذلك بداعي الورع،

стр. 66

وأن الذين أخذوا عنه مباشرة قد شكوا فيما ينقل، وعبروا عن هذا الشّكّ بأسلوب ساخر، وأنه كان يضمن أحاديثه أتفه الأشياء بأسلوب مؤثر، وذلك يدلّ على روح المزاح التي كانت فيه، والّتي كانت سببا في ظهور كثير من القصص، وصاحب هذه المطاعن يعزو مطاعنه إلى كتب إسلامية، ليلقي عليها ثوبا خلّابا. وليوقع في روع الناس أنّها صحيحة، وهذه طريقة فيها كثير من الخداع واللّبس والتزوير، وسنميط اللثام عمّا فيها وباللَّه التوفيق. إن أبا هريرة الّذي يجرحونه هذا التّجريح، ويسيئون إليه هذه الإساءة هو من جملة الصّحابة، ومن أوسعهم رواية، بل هو أوسعهم رواية لا مستثنيا أحدا إلا ابن عمرو وتجريح هذا البحر الّذي مليء علما وأدّاه إلى من حملوه عنه وأدوه إلى من بعدهم حتى وصل إلينا تجريح لهذا العلم الغزير، ورفع الثّقة عن كل مروياته، وفيه إفساد كبير، ولو كان لهذا الطّعن وجه من الصحة لاحتمل، ولكن طعن باطل لا حق فيه. هذا الإمام قد روى عنه ثمانمائة من أهل العلم كما قال البخاريّ، وهذا فيه الدّلالة على ثقتهم به، لأنهم لو لم يثقوا به لما رووا عنه، وهو ثقة ثبت عند الصحابة وأهل الحديث. قال ابن عمر: أبو هريرة خير مني وأعلم بما يحدث. وقال طلحة بن عبيد اللَّه أحد العشرة: ولا شك أن أبا هريرة سمع من رسول اللَّه ﷺ ما لم نسمع وروى النّسائي أن رجلا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شيء، فقال زيد عليك أبا هريرة.. الحديث» . وكان كثير الحفظ شديد الضّبط، شهد له بذلك أهل العلم والثّقات. قال الشّافعيّ: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وحدث الأعمش عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ وقال أبو الزّعثرعة كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه، وكان اجلسني خلف السّرير أكتب ما يحدث به، حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله، وأمرني أن انظر، فما غيّر حرفا عن حرف. هذه آراء الثّقات أصحاب هذا الشأن فيه، فمن عدلوه فهو الثبت الّذي لا يجرح، ومن بهرجوه فهو الزّائف الّذي لم يعدّل، ومن حظي بمثل هذا الثّناء من هؤلاء العلماء الأفاضل، فلا يضيره ما يقال بعد ذلك فيه. إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها [الطويل]

стр. 67

قال الشّيخ: ولا بدّ لنا أن نعرض لهذه الشّبهة التي أثاروها ونفندها: - زعموا أنّ علمه الواسع بالأحاديث أثار الشّك في نفوس الذين أخذوا عنه مباشرة فلم يترددوا في التّعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر، وأحالوا القارئ على البخاريّ في كتاب «فضائل الأصحاب» رقم ١١ يريدون بذلك حديث أبي هريرة أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول اللَّه ﷺ لشبع بطني حتى لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع. الحديث. والمنصف يرى من هذا الأثر أن بعض النّاس قال: أكثر أبو هريرة تعجّبا من كثرة حفظه وروايته، وقد أظهر لهم السّبب في كثرة روايته وحفظه وهو أنه كان ألزم النّاس لرسول اللَّه ﷺ وأنه ما كان يعنيه الغنى، وإنما كان يعنيه الأخذ عن رسول اللَّه ﷺ وكان يلصق بطنه بالحصباء من الجوع، وما كان يشغله عن رسول اللَّه تجارة ولا زراعة، فحفظ ما لم يحفظوا وسمع ما لم يسمعوا، فلما بيّن لهم السبب سكتوا عنه. ولنسلم ما زعموه من أنهم كانوا شاكّين لا متعجّبين، أفما كان ينبغي أن يأخذوا من تركهم إياه يحدّث بعد ذلك مدة عمره- وقد عمّر- بعد رسول اللَّه ﷺ نحوا من خمسين سنة أنهم اقتنعوا بتعليله، وزال هذا الشّكّ من نفوسهم، إذ لو كانوا يرون في حديثه بأسا لكفوه عن التّحديث، وهم من تعلم في المحافظة على حديث رسول اللَّه ﷺ والخوف أن يتسع الناس فيه، ويدخله التّدليس والكذب. ٢- وأمّا زعمهم أن روايته ضمّنها أتفه الأشياء بأسلوب مؤثر، وذلك يدل على ما امتاز به من روح المزاح، الأمر الّذي كان سببا في ظهور كثير من القصص وعزوهم ذلك إلى ابن قتيبة، فليس شيء أوغل في التّضليل والإيهام من هذا- نحن لا ندري ما هي هذه الأحاديث التي زعموها، وكان يجب عليهم أن يبيّنوها لنا لنناقشهم فيها، وكان يجب عليهم أيضا إذ عزوا لابن قتيبة أن يذكروا اسم ذلك الكتاب فإن لابن قتيبة مؤلفات كثيرة، طبع منها كثير، إنهم لو فعلوا ذلك لكنّا نبين لهم أن ما في ابن قتيبة ليس كما فهموه، إذ لا يعقل أن يثني ابن قتيبة الثناء المستطاب على أبي هريرة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» ، ثم هو ينسب إليه ما ذكره أصحاب الدائرة، عليهم دائرة السّوء وغضب اللَّه عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا عظيما. ٣- وأما ما نقلوه من وصف (شيرنجر) لأبي هريرة من أنه المتطرّف في الاختلاق ورعا، فلسنا ممّن يؤمن بقول (شيرنجر) وغير (شيرنجر) من المتطرّفين في الاختلاق على أصحاب رسول اللَّه ﷺ تضليلا للمسلمين وتشويشا على الدّين، وإيذاء للحقيقة، وسترا للواقع.

стр. 68

وبحسبنا أن نقول: هذا طعن لا مبرر له، وتجريح لا يستند على سند: [الخفيف] والدّعاوى إن لم تقيموا عليها ... بيّنات أبناؤها أدعياء وقولهم: إنه المتطرّف في الاختلاق ورعا، كلام متهافت، لأنّا لا نعلم الورع إلا مانعا من الاختلاق على النّاس، فضلا عن رسول اللَّه ﷺ وكيف يختلق أبو هريرة على رسول اللَّه؟ وهو راوي حديث: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النّار» ، وكان يبدأ به عند ما يرى أن يحدث. فرجل سمع من رسول اللَّه ﷺ هذا الحديث، ووعاه وأدّاه، وكان يستذكره ويذكّر به، ويقدّمه أمام تحديثه عن رسول اللَّه، وهو مؤمن ورع تقيّ، يستحيل في العادة أن يكذب على رسول اللَّه، فضلا عن أن يتطرف في الكذب عليه، ويرى أن الاختلاق والكذب عليه دين وورع. ٤- وأمّا قولهم إنّ كثيرا من الأحاديث التي عزيت إلى أبي هريرة نحلت عليه في عصر متأخر، فنحن نسلّم أن أحاديث كثيرة وضعت وعزيت زورا إلى أعاظم المحدثين مثل أبي هريرة، ولكن رجال نقد الحديث قد عنوا ببيان الموضوع منها، وبهرجوا الزائف، ولم يخف عليهم بطلانه وأفسدوا على الوضّاعين طريقهم. وبعد! فإذا كان أصحاب (دائرة المعارف) قد ألّفوها لغرض أن تكون صورة صحيحة للمعارف الإسلامية فما أبعدها عن أن تكون كذلك، وما أبعدهم فيها عن نيل هذا الغرض، وإذا كانوا قد ألّفوها لغرض تقبيح حال المسلمين في نظر الغربيين وتشويش عقائد المسلمين، وفتنة الشباب في دينهم فهي صالحة لهذا الغرض مؤدية له [ (١) ] . قال الشّيخ محمد محمد أبو زهو في تعليقه على ما سبق «وبعد فقد طفحت كتب المبتدعة والمستشرقين، وأعداء الدّين، ومن تتلمذ لهم من جهلة المسلمين المأجورين قديما وحديثا بالكيد للإسلام في أشخاص أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا سيما أبو هريرة راوية الإسلام الأوّل. وفي هذه الأزمان المتأخّرة، ظهرت شرذمة من أدعياء العلم والخلق التافهين، جمعوا كناسة العصور كلها من الطّعون والإزراء على صحابة رسول اللَّه ﷺ عامة وأبي هريرة خاصة، يريدون ليهدموا ركنا شامخا من أركان الدين وأصلا وطيدا من أصوله ألا وهو سنّة سيّد المرسلين ﷺ فلم يكتفوا بما أوردناه من مزاعمهم الباطلة، ولكنهم ضموا إليها تافها من

стр. 69

القول وزورا، ولا بأس أن نذكر لك شيئا منها مع الرّدّ عليها بإيجاز فنقول: ١- زعموا أنّ أبا هريرة إنما أسلم حبّا في الدّنيا لا رغبة في الدين، وهذه دعوى يكذبها ما كان عليه أبو هريرة من التقشّف والانقطاع إلى العلم والعبادة والجهاد في سبيل اللَّه، والتّفاني في تبليغ أحاديثه ﷺ . ٢- وزعموا أنّ أبا هريرة كان خفيف الوزن في العلم والفقه وهذا محض افتراء على التّاريخ والواقع. قال ابن سعد: كان ابن عبّاس وابن عمر وأبو سعيد الخدريّ وأبو هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وجابر، ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وأبو واقد اللّيثي، وعبد اللَّه بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول اللَّه ﷺ من لدن توفي عثمان إلى أن توفّوا. ومعنى هذا أنّ أبا هريرة مكث يفتي النّاس على ملأ من الصّحابة والتّابعين ثلاثة وعشرين عاما. وقد ذكر ابن القيّم المفتين من الصحابة، وذكر أنهم كانوا بين مكثر منها ومقلّ ومتوسط، وذكر أبا هريرة في المتوسطين مع أبي بكر الصّديق وعثمان بن عفان وأبي سعيد الخدريّ وأم سلمة وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد اللَّه وغيرهم، فمن زعم أن أبا هريرة غير فقيه فهو العاري عن الفقه [ (١) ] . ٣- وزعموا أنّ عمر استعمل أبا هريرة على «البحرين» ، ثم بلغه عنه ما يخل بأمانة الوالي العادل، فعزله وأخذ ما بيده من أموال وضربه حتى أدماه، وهذا كلام من لم يميّز بين الحق والباطل من أقوال المؤرّخين، والرّواية التي يعوّل عليها أن عمر لما استحضر أبا هريرة من «البحرين» قال له: استأثرت بهذه الأموال فمن أين لك؟ قال أبو هريرة: خيل نتجت وأعطية تتابعت، وخراج رقيق لي، فنظر عمر فوجدها كما قال، ثم دعاه عمر ليستعمله أيضا فأبى، فقال له عمر: لقد طلب العمل من كان خيرا منك، قال أبو هريرة: إنه يوسف نبيّ اللَّه ابن نبي اللَّه، وأنا أبو هريرة بن أميمة، ومن ذلك يتبيّن أن عمر حاسبه على ما بيده من مال كما حاسب غيره من العمّال- فوجد الأمر كما قال، فعرض عليه أن يوليه ثانية فأبى، وهذا من عمر يدل على وثوقه بأبي هريرة، وأنه كان لديه أمينا حق أمين. ٤- وزعموا أنه كان في الفتنة يصلي خلف عليّ، ويأكل مع معاوية، فإذا حمي

стр. 70

الوطيس لحق بالجبل، فإذا سئل قال: عليّ أعلم ومعاوية أدسم، والجبل أسلم، وهذا من إفكهم وأباطيلهم، والثابت تاريخيا أنّ أبا هريرة- ﵁ اعتزل الفتنة وأقام بالمدينة ولم يبرحها. ٥- وزعموا أنه كان متشيّعا لبني أمية، ويأخذ من معاوية جعلا على وضع الأحاديث في ذمّ عليّ- ﵁ والتّاريخ الصّحيح يسجّل أن أبا هريرة روى من الأحاديث ما فيه الثّناء المستطاب على عليّ ﵁ وآل البيت. ذكر أحمد في مسندة طرفا منها، وقصته مع مروان حين أرادوا دفن الحسن مع رسول اللَّه ﷺ شاهد عدل على مبلغ حبه لآل البيت [ (١) ] . ثم أين هي تلك الأحاديث الّتي وضعها أبو هريرة في ذمّ علي- ﵁ ومن رواها من الثّقات إنها لا وجود لها إلّا في أدمغتهم وخيالاتهم. إن الّذي تقرءوه عن أبي هريرة- ﵁ في الصّحيح عن رسول اللَّه ﷺ ليس هو الإزراء على أمير المؤمنين عليّ كرم اللَّه وجهه، وإنما هو الإشارة إلى ما سيكون من بعض حكّام الأمويين من ظلم. ومن تلك الأحاديث: «هلاك أمّتي على يدي غلمة من قريش» [ (٢) ] فقال مروان: غلمة قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان» . «يهلك النّاس هذا الحيّ من قريش» ، قالوا فما تأمرنا؟ قال: «لو أنّ النّاس اعتزلوهم» [ (٣) ] . وفي هذا وذاك تعريض ظاهر ببعض أمراء بني أميّة، وتحريض على اعتزالهم، وممّا كان يدعو به كما في الصحيح: «اللَّهمّ إنّي أعوذ بك من رأس الستّين وإمارة الصّبيان» . وقد استجاب اللَّه دعاء أبي هريرة فمات سنة ثمان وخمسين، ولم يدرك سنة ستين التي تولى فيها يزيد، وكان منه ما كان.

стр. 71

العلماء الّذين ألّفوا في الصّحابة لقد ألّف كثير من العلماء في الصّحابة منهم: إمام الجرح والتّعديل «عليّ بن المدينيّ» في كتابه: «معرفة من نزل من الصّحابة سائر البلدان» ، وهو في خمسة أجزاء فيما قاله الخطيب [ (١) ] . ومنهم: البخاريّ [ (٢) ] ، قال ابن حجر: «إنّه أول من صنّف فيه فيما علم» . ومنهم الترمذيّ [ (٣) ] ، ومطيّن [ (٤) ] ، وأبو بكر بن أبي داود وعبدان، وأبو عليّ بن

стр. 72

السّكن [ (١) ] في «الحروف» وأبو حفص بن شاهين [ (٢) ] ، وأبو منصور الباوردي، وأبو حاتم بن حبان [ (٣) ] ، وأبو العبّاس الدّغوليّ [ (٤) ] ، وأبو نعيم [ (٥) ] وأبو عبد اللَّه بن مندة [ (٦) ] والذيل عليه لأبي

стр. 73

موسى المديني [ (١) ] ومنهم: أبو عمر بن عبد البرّ [ (٢) ] في «الاستيعاب» و «الذّيل» عليه لجماعة كأبي إسحاق بن الأمين [ (٣) ] وأبي بكر بن فتحون [ (٤) ] وثانيهما أحسنهما، واختصر محمد بن يعقوب بن محمد بن أحمد الخليلي [ (٥) ] «الاستيعاب» وسماه: «أعلام الإصابة بأعلام الصّحابة» . ومنهم: أبو الحسن محمد بن صالح الطّبريّ. وأبو القاسم البغويّ [ (٦) ] والعثماني وأبو الحسين بن قانع [ (٧) ] في معاجيمهم، وكذا أبو

стр. 74

القاسم الطّبرانيّ [ (١) ] من «معجمه الكبير» خاصة. ثم العز أبو الحسن بن الأثير [ (٢) ] أخو صاحب «النهاية» في كتابه: «أسد الغابة» جمع فيه بين عدة من الكتب السابقة كابن مندة وأبي نعيم، وابن عبد البرّ، وذيل أبي موسى، وعوّل عليه من جاء بعده، حتى أن كلّا من النّووي [ (٣) ] والكاشغري [ (٤) ] اختصره، واقتصر الذهبي [ (٥) ] على (تجريده) وزاد عليه العراقي [ (٦) ] عدة أسماء.

стр. 75

وكذا لأبي العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري [ (١) ] مؤلف في الصحابة. ولأبي أحمد العسكري فيه كتاب رتبه على القبائل. ولأبي القاسم عبد الصّمد بن سعيد الحمصي [ (٢) ] «من نزل منهم حمص خاصّة» . ولمحمد بن الربيع الجيزي من نزل منهم مصر. وللمحب الطّبريّ [ (٣) ] «الرّياض النّضرة في مناقب العشرة» ، ولأبي محمد بن الجارود [ (٤) ] «الآحاد» منهم. ولأبي زكريّا بن مندة «أردافه» منهم وكذا من عاش منهم مائة وعشرين. ولأبي عبيدة معمر بن المثنى [ (٥) ] ، وزهير بن العلاء العبسيّ [ (٦) ] وغيرهما.
следующие страницы →