← Тараджим

Тараджим · id 9767

الإصابة في تمييز الصحابة

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

العلماء الّذين ألّفوا في الصّحابة لقد ألّف كثير من العلماء في الصّحابة منهم: إمام الجرح والتّعديل «عليّ بن المدينيّ» في كتابه: «معرفة من نزل من الصّحابة سائر البلدان» ، وهو في خمسة أجزاء فيما قاله الخطيب [ (١) ] . ومنهم: البخاريّ [ (٢) ] ، قال ابن حجر: «إنّه أول من صنّف فيه فيما علم» . ومنهم الترمذيّ [ (٣) ] ، ومطيّن [ (٤) ] ، وأبو بكر بن أبي داود وعبدان، وأبو عليّ بن

стр. 72

السّكن [ (١) ] في «الحروف» وأبو حفص بن شاهين [ (٢) ] ، وأبو منصور الباوردي، وأبو حاتم بن حبان [ (٣) ] ، وأبو العبّاس الدّغوليّ [ (٤) ] ، وأبو نعيم [ (٥) ] وأبو عبد اللَّه بن مندة [ (٦) ] والذيل عليه لأبي

стр. 73

موسى المديني [ (١) ] ومنهم: أبو عمر بن عبد البرّ [ (٢) ] في «الاستيعاب» و «الذّيل» عليه لجماعة كأبي إسحاق بن الأمين [ (٣) ] وأبي بكر بن فتحون [ (٤) ] وثانيهما أحسنهما، واختصر محمد بن يعقوب بن محمد بن أحمد الخليلي [ (٥) ] «الاستيعاب» وسماه: «أعلام الإصابة بأعلام الصّحابة» . ومنهم: أبو الحسن محمد بن صالح الطّبريّ. وأبو القاسم البغويّ [ (٦) ] والعثماني وأبو الحسين بن قانع [ (٧) ] في معاجيمهم، وكذا أبو

стр. 74

القاسم الطّبرانيّ [ (١) ] من «معجمه الكبير» خاصة. ثم العز أبو الحسن بن الأثير [ (٢) ] أخو صاحب «النهاية» في كتابه: «أسد الغابة» جمع فيه بين عدة من الكتب السابقة كابن مندة وأبي نعيم، وابن عبد البرّ، وذيل أبي موسى، وعوّل عليه من جاء بعده، حتى أن كلّا من النّووي [ (٣) ] والكاشغري [ (٤) ] اختصره، واقتصر الذهبي [ (٥) ] على (تجريده) وزاد عليه العراقي [ (٦) ] عدة أسماء.

стр. 75

وكذا لأبي العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري [ (١) ] مؤلف في الصحابة. ولأبي أحمد العسكري فيه كتاب رتبه على القبائل. ولأبي القاسم عبد الصّمد بن سعيد الحمصي [ (٢) ] «من نزل منهم حمص خاصّة» . ولمحمد بن الربيع الجيزي من نزل منهم مصر. وللمحب الطّبريّ [ (٣) ] «الرّياض النّضرة في مناقب العشرة» ، ولأبي محمد بن الجارود [ (٤) ] «الآحاد» منهم. ولأبي زكريّا بن مندة «أردافه» منهم وكذا من عاش منهم مائة وعشرين. ولأبي عبيدة معمر بن المثنى [ (٥) ] ، وزهير بن العلاء العبسيّ [ (٦) ] وغيرهما.

стр. 76

وللمحب الطّبريّ كتاب «السّمط الثّمين في مناقب أمّهات المؤمنين» . وللخطيب «من روى منهم عن التّابعين» . ولأبي الفتح الأزديّ [ (١) ] «من لم يرو عنه منهم سوى واحد» وللحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي [ (٢) ] «الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة لأبي نعيم في جزء كبير ولخليفة بن خيّاط [ (٣) ] ، ومحمد بن سعد [ (٤) ] ، ويعقوب بن سفيان [ (٥) ] وأبي بكر بن أبي خيثمة [ (٦) ] وغيرهم من كتب لم يخصها بهم بل يضم من يعدهم إليهم.

стр. 77

وكتاب الحافظ ابن حجر المسمى «بالإصابة» جامع لما تفرق منها مع تحقيق ولكنه لم يكمل [ (١) ] . طبقات الصّحابة للعلماء آراء في طبقات الصّحابة، فمنهم من جعلها خمس طبقات، والأشهر ما ذهب إليه الحاكم حيث جعل الطبقات اثنتي عشرة طبقة وهي: ١- قوم تقدّم إسلامهم بمكة كالخلفاء الأربعة. ٢- الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور أهل مكة في دار الندوة. ٣- مهاجرة الحبشة. ٤- أصحاب العقبة الأولى. ٥- أصحاب العقبة الثانية. ٦- أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي ﷺ بقباء قبل أن يدخل المدينة. ٧- أهل بدر. ٨- الذين هاجروا بين بدر والحديبيّة. ٩- أهل بيعة الرضوان في الحديبيّة. ١٠- من هاجر بين الحديبيّة وفتح مكة مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. ١١- مسلمة الفتح الذين أسلموا في فتح مكة. ١٢- صبيان وأطفال رأوا النبي ﷺ يوم الفتح في حجّة الوداع [ (٢) ] . أوّلهم إسلاما وآخرهم موتا تنوعت آراء السّلف الصّالح من الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم في أي الصحابة أول

стр. 78

إسلاما؟ على أقوال: قيل: أبو بكر، وقيل: عليّ وقيل: زيد، وقيل: خديجة، والصّحيح أن أبا بكر أوّل من أسلم من الرّجال الأحرار، قاله ابن عباس وحسّان والشّعبي والنّخعي في آخرين، ويدلّ له ما رواه مسلم عن عمرو بن عبسة في قصّة إسلامه، وقوله للنّبيّ ﷺ : من معك على هذا؟ قال: «حرّ وعبد» ، قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممّن آمن به [ (١) ] . وروى الحاكم في «المستدرك» من رواية خالد بن سعيد قال: سئل الشّعبي: من أوّل من أسلم؟ فقال: أما سمعت قول حسّان: البسيط إن تذكّرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا فخير البريّة أتقاها وأعدلها ... بعد النّبيّ وأوفاها بما حملا والثّاني التّالي المحمود مشهده ... وأوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا وروى الطبرانيّ في «الكبير» عن الشعبي قال: سألت ابن عباس، فذكره [ (٢) ] . قال ابن الصّلاح: والأورع أنه يقال: أوّل من أسلم من الرّجال الأحرار أبو بكر، ومن الصّبيان عليّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. قال البرماويّ: ويحكى هذا الجمع عن أبي حنيفة. قال ابن خالويه: وأول امرأة أسلمت بعد خديجة لبابة بنت الحارث زوجة العبّاس. وآخرهم موتا أبو الطّفيل عامر بن واثلة اللّيثي مات سنة مائة من الهجرة، قاله مسلم في صحيحه، ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط، وقال خليفة في غير رواية الحاكم: إنه تأخر بعد المائة، وقيل: مات سنة اثنتين ومائة، قاله مصعب بن عبد اللَّه الزبيريّ، وجزم ابن حبان وابن قانع وأبو زكريّا بن مندة أنه مات سنة سبع ومائة. وقال وهب بن جرير بن حازم عن أبيه: كنت بمكّة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازة فسألت عنها فقالوا: هذا أبو الطّفيل، وصحح الذّهبيّ أنه سنة عشر وأما كونه آخر الصّحابة موتا مطلقا، فجزم به مسلم ومصعب الزبيريّ وابن مندة والمرّيّ في آخرين.

стр. 79

وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل: رأيت رسول اللَّه ﷺ وما على وجه الأرض رجل رآه غيري. قال العراقيّ: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دريد من أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك، وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة فهذا باطل لا أصل له، والّذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة، فقد سبقه إلى ذلك، وهو إمّا باطل أو مؤول بأنه استكمل المائة بعد الجمل لا أنه بقي بعدها مائة سنة. وأما قول جرير بن حازم أنه آخرهم موتا سهل بن سعد، فالظّاهر أنه أراد بالمدينة وأخذه من قول سهل: لو مت لم تسمعوا أحدا يقول: قال رسول اللَّه ﷺ إنما كان خطابه بهذا لأهل المدينة. وآخرهم موتا قبله أنس بن مالك مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: تسعين، وهو آخر من مات بها. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدا مات بعده ممن رأى رسول اللَّه ﷺ إلا أبا الطّفيل. وقال العراقيّ: بل مات بعده محمود بن الرّبيع بلا خلاف في سنة تسع وتسعين، وقد رآه وحدث عنه كما في صحيح البخاريّ، وكذا تأخر بعده عبد اللَّه بن بسر المازني في قول من قال وفاته سنة ست وتسعين. وآخر الصّحابة موتا بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري، قاله ابن المدينيّ والواقديّ وإبراهيم بن المنذر وابن حبّان وابن قانع وابن مندة، وادّعى ابن سعد نفي الخلاف فيه، وكانت وفاته سنة ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين، وقال قتادة: بل مات بمصر، وقال ابن أبي داود: بالإسكندرية. وقيل: السائب بن يزيد، قاله أبو بكر بن أبي داود، وكانت وفاته سنة ثمانين، وقيل: جابر بن عبد اللَّه، قاله قتادة وغيره. قال العراقيّ: وهو قول ضعيف، لأن السّائب مات بالمدينة بلا خلاف، وقد تأخّر بعده، وقيل: بمكّة، وكانت وفاته سنة اثنتين وسبعين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل سبع، وقيل ثمان، وقيل: تسع. قال العراقيّ: وقد تأخّر بعد الثّلاث محمود بن الرّبيع الّذي عقل المجّة، وتوفى بها سنة تسع وتسعين، فهو إذا آخر الصّحابة موتا بها. وآخرهم بمكّة ذكرنا أنه أبو الطّفيل، وهو قول ابن المدينيّ وابن حبان وغيرهما،

стр. 80

وقيل: جابر بن عبد اللَّه، قاله ابن أبي داود، والمشهور وفاته بالمدينة، وقيل: ابن عمر قاله قتادة، وأبو الشّيخ بن حبان، ومات سنة ثلاث وقيل: أربع وسبعين. وآخرهم بالكوفة عبد اللَّه بن أبي أوفى، مات سنة ست وثمانين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقال ابن المديني: أبو جحيفة، والأوّل أصح فإنّه مات سنة ثلاث وثمانين، وقد اختلف في وفاة عمرو بن حريث فقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين فإن صحّ الثّاني فهو آخر من مات من أهل بيعة الرّضوان ﵃. وآخرهم بالشّام عبد اللَّه بن بسر المازنيّ، قاله خلائق ومات سنة ثمان وثمانين، وقيل: ستّ وتسعين، وهو آخر من مات ممّن صلّى للقبلتين، وقيل: آخرهم بالشّام أبو أمامة الباهليّ، قاله الحسن البصري وابن عيينة، والصحيح الأول فوفاته سنة ست وثمانين، وقيل: إحدى وثمانين وحكى الخليل في «الإرشاد» القولين بلا ترجيح. ثم قال: روى بعض أهل الشّام أنه أدرك رجلا بعدهما يقال له الهدّار رأى النّبيّ ﷺ وهو مجهول. وقيل آخرهم بالشّام واثلة بن الأسقع، قاله أبو زكريا بن مندة بدمشق، وقيل: ببيت المقدس، وقيل: بحمص سنة خمس وثمانين، وقيل: ثلاث وقيل ست وآخرهم بحمص عبد اللَّه بن بسر، وآخرهم بالجزيرة العرس بن عميرة الكندي، وآخرهم بفلسطين أبو أبيّ عبد اللَّه بن حرام ربيب عبادة بن الصّامت، وقيل: مات بدمشق، وقيل: ببيت المقدس. وآخرهم بمصر عبد اللَّه بن الحارث بن جزء الزّبيديّ، مات سنة ست وثمانين، وقيل: خمس، وقيل: سبع وقيل: ثمان، وقيل: تسع، قاله الطّحاويّ، وكانت وفاته ب «سفط القدور» وتعرف الآن ب «سفط أبي تراب» وقيل: باليمامة، وقيل: إنه شهد بدرا ولا يصحّ فعلى هذا هو آخر البدريّين موتا. وآخرهم باليمامة الهرماس بن زياد الباهليّ سنة اثنتين ومائة أو مائة، أو بعدها. وآخرهم ببرقة رويفع بن ثابت الأنصاريّ، وقيل: بإفريقية، وقيل بأنطابلس، وقيل ب «الشام» ومات سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين. وآخرهم بالبادية سلمة بن الأكوع، قاله أبو زكريا بن مندة، والصّحيح أنه مات بالمدينة، ومات سنة أربع وسبعين، وقيل: أربع وستين، وهذا آخر ما ذكره ابن الصّلاح. وآخرهم ب «خراسان» بريدة بن الحصيب، وآخرهم بسجستان العدّاء بن خالد بن هوذة ذكرهما أبو زكريّا بن مندة.

стр. 81

قال العراقيّ: وفي بريدة نظر فإن وفاته سنة ثلاث وسبعين، وقد تأخر بعده أبو برزة الأسلميّ، ومات بها سنة أربع وسبعين. وآخرهم ب «أصبهان» النابغة الجعديّ، قاله أبو الشّيخ وأبو نعيم. وآخرهم ب «سمرقند» الفضل بن العباس وقيل: قثم بن العباس، وب «واسط» لبي- مصغر- ابن لبا- ك «عصا» وآخر البدريّين من الأنصار أبو أسيد مالك بن ربيعة السّاعدي، أو أبو اليسر كعب بن عمر، ومن البدريين المهاجرين سعد بن أبي وقاص، وهو آخر العشرة المبشّرين أيضا، وآخر أزواجه- ﵇ ميمونة، وقيل: أم سلمة- ورجّحه ابن حجر كما ذكر كل ذلك السّخاويّ [ (١) ] . العبادلة من الصّحابة قيل لأحمد بن حنبل: من العبادلة؟ فقال: عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن عمرو، وقيل له: فأين ابن مسعود؟ قال: لا ليس من العبادلة. قال البيهقيّ: وهذا لأنه تقدم موته وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى عملهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة. وما ذكر من أن العبادلة هم هؤلاء الأربعة هو المشهور بين أهل الحديث وغيرهم. واقتصر الجوهري صاحب «الصّحاح» على ثلاثة، وأسقط ابن الزبير، وأما ما حكاه النّوويّ في «التّهذيب» أن الجوهري ذكر فيهم ابن مسعود وأسقط ابن العاص فوهم، نعم وقع في كلام الزّمخشريّ في «المفصل» أن العبادلة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وكذا قال الرّافعيّ في «الشّرح الكبير» في «الدّيات» وغلط في ذلك من حيث الاصطلاح. قال ابن الصّلاح: ويلحق بابن مسعود في ذلك سائر العبادلة المسمين بعبد اللَّه من الصّحابة وهم نحو من مائتين وعشرين نفسا أي فلا يسمون العبادلة اصطلاحا» [ (٢) ] . عدد الصّحابة قال العراقيّ: حصر الصحابة- ﵃ بالعدّ والإحصاء متعذّر لتفرقهم في البلدان والبوادي. وقد روى البخاري في صحيحه أن كعب بن مالك قال في قصة تخلّفه عن غزوة «تبوك» : وأصحاب رسول اللَّه ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ- يعني الدّيوان ولكن

стр. 82

قد جاء ضبطهم في بعض مشاهده ك «تبوك» و «حجّة الوداع» . المكثرين من الصّحابة رواية وإفتاء والمقلّين قال الحافظ ابن كثير وغيره نقلا عن الإمام أحمد: الذين زاد حديثهم على «ألف» ستة هم: أنس بن مالك. ﵁. وعبد اللَّه بن عمر ﵄. وأم المؤمنين عائشة- ﵂. والبحر عبد اللَّه بن عباس- ﵄ وسمي بحرا لسعة علمه وكثرته، وممن سمّاه بذلك أبو الشّعثاء جابر بن زيد أحد التّابعين ممن أخذ عنه، ووصفه بالبحر ثابت في صحيح البخاري وغيره وجابر بن عبد اللَّه- ﵁. وأبو هريرة- ﵁ قال السّخاويّ: وهو بإجماع- حسبما حكاه النّوويّ- أكثرهم، كما قاله سعيد بن أبي الحسن وابن حنبل، وتبعهما ابن الصّلاح غير متعرض الترتيب من عداه في الأكثرية، والّذي يدل لذلك ما نسب لبقيّ بن مخلد مما أودعه في مسندة خاصّة كما أفاده شيخنا لا مطلقا، فإنه روى لأبي هريرة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وستّين. ولابن عمر ألفين وستّمائة وثلاثين، ولأنس ألفين ومائتين وستة وثمانين، ولعائشة ألفين ومائتين وعشرة، ولابن عباس ألفا وستمائة وستين، ولجابر ألفا وخمسمائة وأربعين ولهم سابع- كما حكاه ابن كثير- وهو أبو سعيد الخدريّ، فروى له بقيّ بن مخلّد ألفا ومائة وسبعين، وقد نظمه اليرهابيّ الحلبيّ، فقال أبو سعيد نسبة لخدرة سابعهم أهمل في القصيدة. وكذا أدرج ابن كثير في المكثرين ابن مسعود وابن عمرو بن العاص ولم يبلغ حديث واحد منهما عند بقي ألفا إذ حديث أولهما عنده ثمانمائة وثمانية وأربعون والآخر سبعمائة، واستثناء أبي هريرة له من كونه أكثر الصّحابة حديثا كما في الصّحيح لا يخدش فيما تقدّم ولو كان الاستثناء متّصلا فقد أجيب بأن عبد اللَّه كان مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتّعليم، فقلّت الرّواية عنه أو أن أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار كان بمصر أو بالطّائف، ولم تكن الرّحلة إليهما ممّن يطلب العلم كالرّحلة إلى المدينة. وكان أبو هريرة يأتيها للفتوى والتّحديث حتى مات، أو لأن أبا هريرة اختصّ بدعوة

стр. 83

النّبيّ ﷺ بأن لا ينسى ما يحدثه به فانتشرت روايته إلى غير ذلك من الأجوبة. وأمّا المكثرون منهم إفتاء سبعة: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة. قال ابن حزم: يمكن أن يجمع بين فتيا كل واحد من هؤلاء مجلّد ضخم، والبحر ابن عبّاس في الحقيقة أكثر الصّحابة كلهم على الإطلاق فتوى فيما قاله الإمام أحمد بحيث كان كبار الصّحابة يحيلون عليه في الفتوى، وكيف لا وقد دعا النّبي ﷺ بقوله: «اللَّهمّ علّمه الكتاب» [ (١) ] ، وفي لفظ «اللَّهمّ فقهه في الدّين وعلّمه التّأويل» [ (٢) ] ، وفي آخر: «اللَّهمّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب» [ (٣) ] . وفي آخر: «اللَّهمّ بارك فيه وانشر منه» [ (٤) ] . وقال ابن عمر: هو أعلم من بقيّ بما أنزل اللَّه على محمد ﷺ . وقال أبو بكرة: قدم علينا البصرة وما في العرب مثله حشما وعلما وبيانا وجمالا. وقال ابن مسعود: لو أدرك أسناننا ما عاشره منّا أحد. وقالت عائشة: هو أعلم النّاس بالحجّ.

стр. 84

قال ابن حزم: ويلي هؤلاء السّبعة في الفتوى عشرون وهم: أبو بكر الصديق- ﵁. وعثمان بن عفان- ﵁. وأبو موسى الأشعريّ- ﵁. ومعاذ بن جبل- ﵁. وسلمان الفارسيّ- ﵁. وجابر بن عبد اللَّه- ﵄. وأبو سعيد ﵁. وطلحة بن عبيد اللَّه- ﵁. والزبير بن العوّام- ﵁. وعبد الرحمن بن عوف- ﵁. وعمران بن حصين- ﵁. وأبو بكرة ﵁. وعبادة بن الصّامت ﵁. ومعاوية بن أبي سفيان ﵄. عبد اللَّه بن الزّبير ﵄. وأم سلمة- ﵂. قال ابن حزم: وفي الصّحابة نحو من مائة وعشرين نفسا مقلّون في الفتيا جدا لا تروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث كأبيّ بن كعب، وأبي الدّرداء، وأبي طلحة، والمقداد ﵃، وسرد الباقين ممّا في بعضه نظر. وقال: ويمكن أن يجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير [ (١) ] . ابن حجر ١- نسبه ومولده هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر الكناني العسقلاني الشافعيّ المصري المولد والمنشأ والدّار والوفاة القاهري.

стр. 85

اختلفت المصادر في اسم جدّه الرابع، فتارة ذكر محمود، وتارة أحمد، والراجح أحمد كما في الترجمة التي كتبها هو لنفسه، كما أن السخاوي أثبت النسب المذكور وقال: هذا هو المعتمد في نسبه، ثم إن السّخاوي أشار إلى الاختلاف في نسبه فقال «لا أذكر أدناه ... إلا ما قرأته بخط أصحابنا بل وبخط المقريزي، وكان عمدته بعد أحمد أحمديل فإنني لا أعلمه، ثم رأيته بخط صاحب الترجمة نفسه في أجزاء من نسخة من صفة النبي ﷺ كما وجد نسبه بخط قريبة الزّين شعبان بإثبات أحمديل وإسقاط محمود. [ (١) ] وينسب إليه القول: «إن نسبه يقرأ طردا وعكسا ولا يتهيأ إلا بتأخير محمود عن أحمد وبإسقاطه» . فإن كان قال ذلك فهو على سبيل التندر لما هو معلوم بأن مفهوم النسب لا يعني سبعة أسماء أو ثمانية لكي يقال: إنه يقرأ طردا وعكسا. وفي «الدرر الكامنة» ذكر عم والده، فقال: عثمان بن محمّد بن عليّ بن أحمد بن محمود، وكذلك في كتابه «رفع الإصر» وفي أول كتابه «إنباء الغمر» بزيادة أحمد بعد محمود بحيث صار محمود بين أحمدين، لكنه خالف ذلك في كتابه «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» وكذلك في ترجمة والده في القسم الثاني من معجم شيوخه، فإنه قال: عليّ بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر العسقلاني. كما ورد اسم أبيه عبد اللَّه في موضع واحد وهذا وهم وأوضح البقاعي وابن خليل أن الحافظ بن حجر ذكر طرفا من نسبه في استدعاء فقال: [الكامل] من أحمد بن عليّ بن محمّد ... بن محمّد بن علي الكنانيّ المحتد ولجدّ جدّ أبيه أحمد لقّبوا ... حجرا وقيل بل اسم والد أحمد وبمصر مولده وأصل جدوده ... من عسقلان المقدسيّة قد بدي

стр. 86

وكان يلقب «شهاب الدين» ويكنى «أبا الفضل» وكناه شيخه العراقي والعلاء بن المحلّى «أبا العباس» كما كني أبا جعفر، غير أن كنيته الأولى «أبو الفضل» - وهي التي كناه بها والده- هي التي ثبتت وصار معروفا بها. نسبتاه: ١- الكناني- نقل السخاوي عن خط ابن حجر أنه كناني الأصل، نسبة إلى قبيلة «كنانة» . وقال الحافظ ابن حجر عن والده: «رأيت بخطه أنه كناني النسب وكان أصلهم من عسقلان» . ٢- العسقلاني: نسبة إلى «عسقلان» وهي مدينة بساحل الشام من فلسطين، والظاهر أن القبيلة التي ينتمي إليها الحافظ ابن حجر كانت قد استقرت في عسقلان، وما جاورها إلى أن نقلهم «صلاح الدين الأيّوبي» عند ما خربها ما بين (٥٨٠- ٥٨٣ هـ) على أثر الحروب الصّليبية. وقال ابن حجر: [الكامل] وبمصر مولده وأصل جدوده ... من عسقلان المقدسيّة قد بدي اشتهاره بابن حجر: لقد اشتهر ب «ابن حجر» واختلفت المصادر في اعتباره اسما أو لقبا، وإذا كان لقبا هل هو لقب أحد أجداده فطغى على العائلة كلها؟ أم أنه لقب لحرفة أو مهنة أو صناعة؟. قال السخاوي: هو لقب لبعض آبائه، وفي موضع آخر قال: قيل: هو لقب لأحمد الأعلى في نسبه، وقيل: بل هو اسم لوالد أحمد المشار إليه. إن هذا الرأي يستند إلى الاستدعاء الّذي كتبه الحافظ ابن حجر بهيئة شعر السابق، وعلى الرغم من الغموض الّذي يكتنقه فهو الراجح. وذهب بعضهم إلى القول بأنه نسبة إلى آل حجر وهم قوم يسكنون الجنوب الآخر على بلاد الجريد وأرضهم قابس وفي شرح ابن سلطان القاري على «توضيح النّخبة» أن ابن حجر هو لقب وإن كان بصيغة الكنية [ (١) ] .

стр. 87

مولده: كان مولده في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطئ النيل بمصر القديمة وقال: شعبان عام ثلاثة من بعد سبع ... مائة وسبعين اتفاق المولد وكان المنزل الّذي ولد فيه يقع بالقرب من دار النحاس ولبث فيه إلى أن تزوج بأم أولاده، فسكن بقاعة جدها منكوتمر المجاورة لمدرسته «المنكوتمرية» داخل باب القنطرة بالقرب من حارة بهاء الدين واستمر بها حتى مات. وبينا نجده لا يشير إلى تاريخ يوم ولادته، نلاحظ اختلافا بين مترجميه في تحديدهم لتاريخ ذلك اليوم فذكره البقاعي والسيوطي في الثاني عشر من شعبان، وذكر ابن فهد وابن طولون: في الثالث عشر من شعبان كما ذكره ابن تغري بردي والسخاوي في الثاني والعشرين من شعبان على أن الشوكاني اعتبر مولده في الثاني من شعبان وهذا بعيد الاحتمال بسبب كونه متأخرا أخذ عن الّذين سبقوه وفي هذه الحالة لا يؤمن التحريف. ويظهر مما فات أن يوم مولد ابن حجر ينحصر ما بين الثاني عشر والثاني والعشرين من شعبان سنة ٧٧٣ هـ أي بين الثامن عشر من شباط والثامن والعشرين منه من سنة ١٣٧٢ م. نشأته وأسرته نشأ الحافظ ابن حجر يتيما- كما عبر هو عن نفسه- إذ مات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل. وقال: «تركني ولم أكمل أربع سنين وأنا الآن أعقله كالذي يتخيل الشيء ولا يتحققه، وأحفظ عنه أنه قال: كنية ولدي أحمد أبو الفضل» ولم يكن من يكفله، وكان والده قد أوصى قبل وفاته بولده اثنين من الّذين كانت بينه وبينهم مودّة ويبدو أن عليّا كان حفيّا بولده أحمد، فهو الّذي كناه واصطحبه عند ما حجّ وزار بيت المقدس وجاور، ويظن الحافظ ابن حجر أن أباه أحضره في مجاورته مجالس الحديث وسمع شيئا ما، غير أن المنية اخترمته ولم يسعد بولده الّذي صار له فيما بعد شأن عظيم. وأصبح اليتيم في وصاية زكي الدين أبي بكر بن نور الدين علي الخروبيّ، وكان تاجرا كبيرا بمصر، وورث مالا كثيرا وأصبح رئيسا للتجار، كما أوصى به والده العلامة شمس

стр. 88

الدين بن القطان الّذي كان له بوالده اختصاص لكنه لم ينصح له في تحفيظه الكتب وإرشاده إلى المشايخ والاشتغال حتى أنه كان يرسل بعض أولاده إلى كبار الشيوخ.. ولا يعلمه بشيء من ذلك. وقال عنه ابن حجر: وكان له اختصاص بأبي فأسند إليه وصيته فلم يحمد تصرفه. وتشير المصادر إلى أن نشأة الحافظ ابن حجر كانت برغم ذلك- في غاية العفّة والصيانة والرئاسة، وأن الخرّوبي المذكور لم يأل جهدا في رعايته والعناية بتعليمه، فكان يستصحبه معه عند مجاورته في مكّة، وظل يرعاه إلى أن مات سنة ٧٨٧ هـ وكان الحافظ ابن حجر قد راهق ولم تعرف له صبوة ولم تضبط له زلّة. ولم يدخل الكتّاب حتى أكمل خمس سنين فأكمل حفظ القرآن الكريم وله تسع سنين، ومن الذين قرأ عليهم في المكتب شمس الدين بن العلاف الّذي ولى حسبة مصر وقتا وغيره. وأكمل حفظه للقرآن على صدر الدين محمد بن محمد بن عبد الرزاق السفطي، وكان الاتجاه الثقافي السائد آنذاك يقتضي من الّذي يستظهر القرآن أن يصلّي بالناس إماما في صلاة التراويح في ليالي شهر رمضان، غير أن هذه الفرصة لم تتهيأ لابن حجر الصّبي النّابه الّذي حفظ القرآن ولم يزل في التاسعة من عمره، وهذه في الحقيقة مسألة شرعية حيث لا تجزئ صلاة المؤتمين إن لم يكن إمامهم بالغا، ومع الاختلاف النسبي في تحديد سنّ البلوغ، فإن السنة الثانية عشرة من عمر الصبي كانت تتيح له على ما يظهر أن يصلي إماما بالمسلمين إن هو حفظ القرآن الكريم، فكان عليه أن يتنظر بلوغ هذه السنّ. وفي أوّل سنة ٧٨٣ اشتغل بالإعادة، وفي سنة ٧٨٥ أكمل الحافظ ابن حجر اثنتي عشرة سنة من عمره، ومن حسن حظه أن يكون متواجدا حينئذ مع وصيه الزكي الخرّوبي في مكّة في تلك السنة فصلّى التراويح هناك. ويمكن تصور بوادر نبوغه وشجاعته، فبقدر ما كانت مفخرة له كصبي يتقدّم إماما بالمسلمين في بيت اللَّه الحرام فإنّها كانت لحظة حاسمة وحرجة اجتازها بثبات وحسن أداء، فكانت الخيرة له في ذلك كما قال، وكان الحج يومئذ يوم الجمعة فحج وجاور في الحرم الشّريف ثم صلّى بعد ذلك بالقدس. ويظهر من استقراء تراجم الّذين عاشوا في عصر الحافظ ابن حجر أن تقليدا ثقافيا كان يسود بين أوساط التلاميذ الذين يدخلون الكتّاب وذلك بإلزام التلاميذ بالتدرج في حفظ بعض مختصرات العلوم والكتب وسماع بعضها الآخر، وهي التي اتفق العلماء آنذاك اعتبارها

стр. 89

أساسا في بناء ثقافة طلاب العلم، وكان حفظها أو سماعها يتم بإشراف أساتذة كفاة بارزين في حقول اختصاصهم أو ما يقرب منها. وإذا كانت ثقافة الحافظ ابن حجر تقليدية في أسلوبها فهي ليست كذلك في مكوّناتها، نظرا لقائمة الكتب المهمة التي كوّنت ثقافته بادئ ذي بدء. وبعد أن حفظ القرآن الكريم ظهرت مخايل الذكاء الفطري جليّة عليه ما لبث أن استكملها بالتتبع والتحصيل حتى صار حافظ عصره وشيخ الإسلام. وحفظ بعد رجوعه مع الخرّوبي إلى مصر سنة ٧٨٦ «عمدة الأحكام» للمقدسي، و «الحاوي الصّغير» للقزويني و «مختصر ابن الحاجب» الأصلي في الأصول، و «ملحة الإعراب» للهروي، و «منهج الأصول» للبيضاوي وألفيّة العراقي وألفيّة ابن مالك، والتنبيه في فروع الشافعيّة للشيرازي وتميز بين أقرانه بسرعة الحفظ فأشار مترجموه إلى أنه حفظ سورة مريم في يوم واحد، وكان يحفظ الصحيفة من الحاوي الصغير في ثلاث مرات يصححها ويقرؤها على نفسه ثم يقرؤها أخرى ثم يعرضها حفظا، وكانت له طريقته الخاصة في الحفظ، حدث عنها تلامذته فهو لم يكن يحفظ بالدرس، وإنما بالتأمّل، وصرف همته نحو ما يروم حفظه، وقد وصف السّخاوي هذه الطريقة بأنها طريقة الأذكياء. وسمع صحيح البخاري سنة ٧٨٥ على مسند الحجاز عفيف الدين عبد اللَّه النشاوري، وكأنه نسي تفاصيل سماعه منه، لكنه كان يتذكر أنه لم يسمع جميع الصحيح، وإنّما له فيه إجازة شاملة وقد بين ذلك ابن حجر بقوله: «والاعتماد في ذلك على الشيخ نجم الدين المرجاني فإنه أعلمني بعد دهر طويل بصورة الحال فاعتمدت عليه وثوقا به» . وقرأ بحثا في عمدة الأحكام على الحافظ الجمال بين ظهيرة عالم الحجاز سنة ٧٨٥ هـ، وكان عمره اثنتي عشرة سنة. واجتهد في طلب العلم فاهتم بالأدب والتاريخ وهو ما يزال في المكتب فنظر في التواريخ وأيام الناس، واستقر في ذهنه شيء من أحوال الرواة، وكان ذلك بتوجيه رجل من أهل الخير سماه ابن حجر للسخاوي إلا أن السخاوي نسيه. وسمع في فتوته من المسند نجم الدين أبي محمد عبد الرحيم بن رزين بن غالب صحيح البخاري بقراءة الجمال بن ظهيرة سنة ست وثمانين وسبعمائة بمصر، وفاته شيء يسير، كما سمع الصحيح أيضا من أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك الغزي وغيرهما.

стр. 90

وبلغ به الحرص على تحصيل العلم مبلغا جعله يستأجر أحيانا بعض الكتب، ويطلب إعارتها له، ويبرز في هذا المجال من بين شيوخه بدر الدين البشتكي الشّاعر المشهور الّذي أعاره جملة من الكتب منها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني وغيره. ويبدو من خلال الاستقراء أن فتورا حصل في نشاطه الثقافي استمر إلى أول سنة تسعين وسبعمائة، اشتغل في هذه المدة بالتجارة فنشأ في وسط نجاري لأن جده وأعمامه كانوا تجارا، وكان وصيه الخرّوبي رئيسا للتجار في مصر. ولعل لموت الخرّوبي سنة ٧٨٧ هـ أثرا في فتور ابن حجر واشتغاله بالتجارة حيث فقد من كان يحثه على الاشتغال بالعلم، وهو في مرحلة يحتاج فيها إلى ذلك، كما ترتب عليه أن يكفل نفسه وينهض بأعباء الحياة، وقد يتضح ذلك من قول السخاوي، ولو وجد من يعتني به في صغره لأدرك خلقا ممن أخذ عن أصحابهم» . في سنة ٧٩٠ هـ أكمل السّابعة عشرة من عمره، وحفظ فيها القرآن الكريم وكتبا من مختصرات العلوم، وقرأ القراءات تجويدا على الشهاب أحمد الخيوطي، وسمع صحيح البخاري على بعض المشايخ كما سمع من علماء عصره البارزين واهتم بالأدب والتاريخ. وقد لازم حينئذ أحد أوصيائه العلامة شمس الدين محمد بن القطان المصري، وحضر دروسه في الفقه والعربيّة والحساب وغيرها، وقرأ عليه شيئا من الحاوي الصغير فأجاز له ثم درس ما جرت العادة على دراسته من أصل وفرع ولغة ونحوها وطاف على شيوخ الدراية. ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره نظر في فنون الأدب، ففاق أقرانه فيها حتى لا يكاد يسمع شعرا إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه، وطارح الأدباء. وقال الشعر الرّائق والنثر الفائق، ونظم المدائح النبويّة والمقاطيع. وتمثل سنة ٧٩٣ منعطفا ثقافيا في حياة ابن حجر، فمن هذه الثقافة العامة الواسعة، واجتهاده في الفنون التي بلغ فيها الغاية القصوى أحس بميل إلى التخصص فحبّب اللَّه إليه علم الحديث النبوي فأقبل عليه بكليته. وأوضحت المصادر أن بداية طلبه الحديث كان في سنة ٧٩٣ هـ وغير أنه لم يكثر إلا في سنة ٧٩٦ هـ وكتب بخطه: «.... رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السّبيل» فكان أن تتلمذ على خيرة علماء عصره. وكان شيخه في الحديث زين الدين العراقي الّذي لازمه عشر سنوات، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سندا ومتنا وعللا واصطلاحا، فقرأ عليه ألفيته وشرحها فنون

стр. 91

الحديث وانتهى منهما في رمضان سنة ٧٩٨ هـ بمنزل شيخه المذكور بجزيرة الفيل على شاطئ النيل، كما قرأ عليه نكتة على ابن الصلاح في مجالس آخرها سنة ٧٩٩ هـ، وبعض الكتب الكبار والأجزاء القصار، وحمل جملة مستكثرة من أماليه واستملى عليه بعضها وهو أول من أذن له بالتدريس في علوم الحديث عام ٧٩٧ هـ. وقرأ على مسندي القاهرة ومصر الكثير في مدة قصيرة فوقع له سماع متصل عال لبعض الأحاديث. أسرته: كانت أسرة الحافظ ابن حجر تجمع بين الاشتغال بالتجارة والاهتمام بالعلم، فكان عم والده فخر الدين عثمان بن محمد بن علي الّذي عرف بابن البزاز وب (ابن حجر) قد سكن ثغر الإسكندرية وانتهت إليه رئاسة الإفتاء هناك على مذهب الإمام الشّافعيّ وتفقه به جماعة منهم الدّمنهوري، وابن الكويك، وكان له ولدان هما ناصر الدين أحمد، وزين الدين محمد، وكانا من الفقهاء. أما جده قطب الدين محمد بن محمد بن علي فلقد كان بارعا رئيسا تاجرا، حصل على إجازات من العلماء، وأنجب أولادا منهم كمال الدين، ومجد الدين، وتقيّ الدين وأصغرهم وليّ الدين ثم نور الدين علي، وهو والد ابن حجر، الّذي انصرف من بينهم لطلب العلم أما إخوته فكانوا تجّارا. ويبدو من خلال سيرة نور الدين علي أنه مع اشتغاله بالتجارة عكف على الدرس وتحصيل العلوم فتفقه على مذهب الإمام الشافعيّ وحفظ الحاوي الصغير، وأخذ الفقه عن محمد بن عقيل وأجازه، وسمع من أبي الفتح بن سيد الناس وطبقته وله استدراك على الأذكار للنووي فيه مباحث حسنة، وعدّة دواوين شعر منها ديوان الحرم فيها مدائح نبوية، وكان معنيّا بالنّظم ذا حظّ جيّد في الأدب. وقال ابن حجر عن أبيه: «لم يكن له بالحديث إلمام ونظمه كثير سائر» ، ووصفته المصادر بالعقل والدّيانة والأمانة ومكارم الأخلاق، وصحبة الصّالحين، ونوّهت بثناء ابن القطان وابن عقيل والوليّ العراقي عليه، وناب في القضاء، وأكثر من الحج والمجاورة، وصنف، وأجيز بالإفتاء والتدريس والقراءات السبع وتطارح مع ابن نباتة المصري والقيراطي، وتبادل معهما المدائح. كان مولده في حدود سنة ٨٢٠ هـ ووفاته في رجب سنة ٧٧٧ هـ.

стр. 92

أما والدته فهي تجار ابنة الفخر أبي بكر بن شمس محمد بن إبراهيم الزفتاوي، أخت صلاح الدّين أحمد الزفتاوي الكارمي صاحب القاعة الكائنة بمصر تجاه المقياس. وكانت له أخت، ترجم لها في «إنباء الغمر» و «المجمع المؤسس» وهي ست الركب بنت علي بن محمد بن محمد بن حجر، وكانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذّكاء، أثنى عليها وقال: «كانت أمي بعد أمي، أصبت بها في جمادى الآخرة من هذه السنة» أي سنة ٧٩٨ هـ. وذكر السّخاوي تحصيلها الثقافي وإجازاتها، وزواجها، وأولادها كما ذكر الحافظ ابن حجر شيوخها وإجازاتها من مكة ودمشق وبعلبكّ ومصر وقال: «وتعلّمت الخط وحفظت الكثير من القرآن، وأكثرت من مطالعة الكتب فمهرت في ذلك جدّا.. وكانت بي برة رفيقة محسنة، وقد رثاها أخوها الحافظ ابن حجر في قصيدة، وكان له أخ من أمّه اسمه عبد الرحمن بن الشهاب أحمد بن محمد البكري، ترجم له في إنبائه وقال: إنه مهر وحصّل مالا أصله من قبل أمه- وهي والدتي- فقدر اللَّه موته فورثه أبوه» . تزوّج الحافظ ابن حجر عند ما بلغ عمره خمسا وعشرين سنة، وذلك في سنة ٧٩٨ من أنس ابنة القاضي كريم الدين عبد الكريم بن عبد العزيز ناظر الجيش، وتنتمي أنس إلى أسرة معروفة بالرئاسة والحشمة والعلم. وكان ابن حجر حريصا على نشر الثقافة والعلم بين أهل بيته وأقاربه كحرصه على نشر العلم بين الناس، وسيتضح ذلك في دراسة جهوده في التدريس وعقده لمجالس الإملاء. فأسمع زوجته من شيخه حافظ العصر عبد الرحيم العراقي الحديث المسلسل بالأوّلية، وكذا أسمعها إياه من لفظ العلامة الشرف ابن الكويك، وأجاز لها باستدعاء عدد من الحفاظ فيهم أبو الخير بن الحافظ العلائي، وأبو هريرة عبد الرّحمن بن الحافظ الذهبي، ولم تكن الاستدعاءات بالإجازة لها لتقتصر على المصريين فقط بل من الشاميين والمكيين واليمنيين، وكان الحافظ ابن حجر في حالة الاستدعاء لها يدون أسماء من ولدن من بناتها اللاتي ولدن تباعا. وحجت صحبة زوجها في سنة ٨١٥ هـ كما حجت وجاورت بعد ذلك وحدثت بحضور زوجها، وقرأ عليها الفضلاء، وكانت تحتفل بذلك وتكرم الحاضرين، وقد خرج لها السخاوي أربعين حديثا عن أربعين شيخا، وقرأها عليها بحضور زوجها، وكان الحافظ ابن حجر قد أسلف لها بالإعلام بذلك على سبيل المداعبة بقوله: قد صرت شيخة إلى غير ذلك، وكانت كثيرة الإمداد للعلامة إبراهيم بن خضر بن أحمد العثماني العلامة المتفنن الّذي

стр. 93

كان يقرأ لها صحيح البخاري في رجب وشعبان من كل سنة، وتحتفل يوم الختم بأنواع من الحلوى والفاكهة، ويهرع الكبار والصغار لحضور ذلك اليوم قبيل رمضان بين يدي زوجها الحافظ، ولما مات الحافظ ابن خضر قرأ لها سبطها يوسف بن شاهين، ولم تضبط لها هفوة ولا زلّة ... وكان زوجها يكن لها الاحترام الكبير كما كانت هي عظيمة الرعاية له. فولدت له عدة بنات: زين خاتون وفرحة، وعالية، ورابعة، وفاطمة، ولم تأت منه بذكر، وكانت كلّما حملت ذكرا ولد قبل أوانه ميتا. وتمر السنوات ثقيلة متباطئة، وتتدافع في نفسه أمور متنافرة يحترم أم أولاده ويرعاها، غير أنه شاء اللَّه لها أن لا تلد إلا إناثا، أما الذكور فيموتون، بيد أنه أحب أن يكون له ولد، فاختار التسري، وكانت لزوجته جارية يقال إن اسمها خاص نزل، فأظهر غيظا بسبب تقصيرها، وأقسم بأن لا تقيم بمنزله فبادرت أنس لبيعها، فأرسل شمس الدين بن الضياء الحنبلي فاشتراها له بطريق الوكالة وتزوّجها في مكان بعيد عن منزله، فحملت بولده الوحيد بدر الدين بن المعالي محمد المولود في الثامن عشر من صفر سنة ٨١٥ هـ وكانت العقيقة في منزل أنس، ولم تشعر بذلك إلى قبل انفصال الولد عن الرضاع، فلما علمت أنس ذهبت هي وأمها إلى مكان وجود الولد وأمه وأحضرتها معها إلى منزلها وأخفت أمرهما. ولما حضر الحافظ ابن حجر استجوبته زوجته أنس فما اعترف ولا أنكر بل ورى بما يفهم منه الإنكار، ثم قامت فأخرجت الولد وأمّه فأسقط في يده. وعاتبته عتابا مرّا، فاعتذر بميله للأولاد الذكور، ودعت عليه أن لا يرزق ولدا عالما، فتألّم لذلك وخشي من دعائها، وقال لها: أحرقت قلبي أو شيئا من هذا القبيل، لأنها كانت مجابة الدّعاء. وبعد وفاة الحافظ ابن حجر أرسل لها علم الدين البلقيني على يد ولده أبي البقاء يطلب الزواج منها، وقيل: إنها لم تكن تأبى ذلك لكن عصم اللَّه- كما قال السخاوي: ببركة شيخنا- فلم تتزوّجه. كما تزوّج الحافظ ابن حجر أرملة الزين أبي بكر الأمشاطي بعد وفاته، وذلك عند مجاورة أم أولاده سنة ٨٣٤ هـ ورزق منها في رجب سنة ٨٣٥ ابنة سماها آمنة، لم تعش طويلا حيث ماتت في شوّال ٨٣٦ هـ، وبموتها طلقت أمها لأنه علّق طلاقها عند سفره إلى آمد على موتها. كما تزوج الحافظ ابن حجر من ليلى ابنة محمود بن طوغان الحلبية عند ما سافر مع

стр. 94

الأشرف سنة ٨٣٦ هـ. إلى آمد، وكان زواجه منها في حلب، واستمرت معه إلى أن سافر من حلب ففارقها دون أن يعلمها بالطلاق، لكن أسرّه إلى بعض خواصه، والتمس منه ألا يعلمها بذلك، وكان يريد أن يختبر ولاءها، ولأنها قد لا تطيق أن تترك حلب وتسافر معه إلى مصر، ثم راسل بعض أصدقائه الحلبيين في تجهيزها إن اختارت ويعلمها بأن الّذي يحمله على الطلاق هو الرفق بها لئلا تختار الإقامة بحلب أو يحصل لها نصيبها فلا تتضرّر، وجاء في الكتاب الّذي قرأه السخاوي بخطه وصفه لها بأنها نعم المرأة عقلا وحسن خلق وخلق ويعدها بكل جميل وأنها إن قدمت ينزلها أحسن المنازل.. فامتثلت إشارته وتجهزت حتى قدمت عليه إلى مصر.. واستمرت معه حتى مات، وكان قد أسكنها في بيت خاص.. ويأتي إليها في يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع، ولم يرزق منها أولادا، وكان شديد الميل إليها حتى قال فيها شعرا. أما أولاده فهم خمس بنات وولد واحد، وهم: زين خاتون وفرحة، وعالية، ورابعة، وفاطمة، وبدر الدين محمد. فكانت «زين خاتون» هي البكر، ومولدها في ربيع الآخر سنة ٨٠٢، فاعتنى بها واستجاز لها في سنة ولادتها وما بعدها خلقا وأسمعها على شيوخه كالعراقي والهيثمي وأحضرها على ابن خطيب داريا، ثم تزوّجها الأمير شاهي العلائي الكركي الّذي صار داودارا عند المؤيد مدة، فولدت له عدة أولاد ماتوا كلهم في حياة أمهم، ولم يتأخّر من أولادها إلّا أبو المحاسن يوسف بن شاهين المعروف بسبط ابن حجر، وكانت قد تعلمت القراءة والكتابة وماتت- وهي حامل- بالطّاعون سنة ٨٣٣ هـ. وأما «فرحة» فكان مولدها في رجب سنة ٨٠٤، واستجيز لها مع أمها، وتزوّجها شيخ الشيوخ محب الدين بن الأشقر الّذي ولي نظر الجيش وكتابة السّر، وكان أحد الأعيان في الديار المصرية فولدت له ولدا مات صغيرا في حياة أمه التي كانت وفاتها سنة ٨٢٨ هـ بعد أن رجعت من الحج مع زوجها موعوكة. وأما «عالية» فكان مولدها سنة ٨٠٧ هـ واستجيز لها جماعة وماتت هي وأختها فاطمة في الطّاعون سنة ٨١٩ مع من مات من أفراد أسرة أبويهما. وأما «رابعة» فكان مولدها سنة ٨١١ وأسمعها والدها على المراغي بمكّة سنة ٨١٥ هـ وأجاز لها جمع من الشاميين والمصريين وتزوجها الشّهاب أحمد بن محمد بن مكنون، واستولدها بنتا سماها «عالية» ماتت في حياتيهما، ومات عنها زوجها سنة ٨٣٠ هـ فتزوّجها المحب بن الأشقر حتى ماتت عنه في سنة ٨٣٢ هـ، وعمل صداقها في أرجوزة.

стр. 95

أما ولده الوحيد بدر الدين أبو المعالي محمد فكان والده حريصا على تعليمه وتهذيبه، فحفظ القرآن وصلّى بالنّاس كما كانت العادة جارية في سنة ٨٢٦، وأسمعه الحديث على الواسطي وجماعة وأجاز له باستدعاء والده منذ مولده سنة ٨١٥ هـ فما بعد عدد من كبار المسندين ذكرهم والده في معجم شيوخه. وبلغ من حرصه واهتمامه به بعد أن صنف كتابه: «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» لأجله، لكنه لم يحفظ إلا اليسير منه وكتب عن والده كثيرا من مجالس الإملاء وسمع عليه شيئا كثيرا واشتغل بأمر القضاء والأوقاف مساعدا لوالده، حتى صارت له خيره بالمباشرة والحساب.. واشتدت محبة والده له. وولي في حياة أبيه عدة وظائف أجلها مشيخة البيبرسية وتدريس الحديث بالحسنية ناب عنه فيهما والده، والإمامة بجامع طولون وغير ذلك. وقد وصفه ابن تغري بردي بالجهل، وسوء السيرة، ولم يرض ذلك السخاوي فرد عليه مفيدا بأنه كان حسن الشكالة متكرّما على عياله قل أن يكون في معناه، لكن السخاوي أشار في موضوع آخر إلى محنة الحافظ ابن حجر بسبب ولده وما نسب إليه من التصرف في أموال الجامع الطولوني بالاشتراك مع آخرين، واحتجز رهن التحقيق، وكان والده في ضيق صدر زائد وألم شديد بسببه وتأوّه كثيرا وكل يوم يسمع من الأخبار ما لم يسمعه بالأمس، وكان يتوجه إليه في يوم الجمعة يوما أو أكثر إلى المكان الّذي يكون فيه فيرجع.. وهو مسرور لما يرى من ثبات ولده وقوة قلبه وشجاعته وانتظام كلامه ومهارته، إلى أن تبين أن ما أشيع عنه مجرد اتهام، ولذلك عمل الحافظ ابن حجر جزءا سماه «ردع المجرم عن سب المسلم» ويبدو أن القاضي ولي الدين السفطي كان له دور مهم في محنة الحافظ ابن حجر بسبب ما كان بينهما من المنافسة على القضاء فكانت هذه الحادثة سببا في زهد الحافظ ابن حجر في القضاء [ (١) ] . ابن حجر المحدّث وخطيب الأزهر تولى ابن حجر الخطابة في عدة مساجد من أكبر المساجد بالقاهرة مثل الجامع الأزهر وجامع عمرو وغيرهما من المساجد الكبرى بالقاهرة فقد كان متبحرا في العديد من العلوم، وكان يفد إليه طلاب العلم وأهل الفضل من سائر الأنحاء، وكان يتسم بالحلم والتواضع والصبر كثير الصيام والقيام.

стр. 96

وكان مرجعا في الحديث النبوي، حتى لقب بلقب «أمير المؤمنين» في الحديث وهذا اللقب لا يظفر به إلا أكبر المحدثين الأفذاذ وقد حبب إلى ابن حجر الحديث وأقبل عليه بكليته وطلبه من سنة ثلاث وتسعين ولكنه لم يلزم الطلب إلا من سنة ست وتسعين فعكف على الزين العراقي وتخرج به وانتفع بملازمته، وتحول إلى القاهرة فسكنها قبيل القرن وارتحل إلى البلاد الشامية والمصرية والحجازية وأخذ عن الشيوخ والأقران وأذن له جل هؤلاء في الإفتاء والتدريس. وتصدر لنشر الحديث وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفا وإفتاء وزادت تصانيفه التي معظمها في فنون الحديث وفيها من فنون الأدب والفقه- على مائة وخمسين تصنيفا وقد عرف ابن حجر بالحفظ وكثرة الاطلاع والسماع وبرع في الحديث وتقدم في جميع فنونه وأثنى عليه شيوخه في هذا الشأن وقد سبق أنه ولي تدريس الفقه بالمدرسة الشيخونية وتدريس الحديث بالمدرسة الجمالية الجديدة ثم تدريس الشافعية بالمؤيدة الجديدة ومشيخة البيبرسية في دولة المؤيد وتدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للإمام الشافعيّ، كما تولى الخطابة بالجامع الأزهر وبين التدريس والإفتاء ولي منصب القضاء، وكانت أول ولايته القضاء في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد أن امتنع أولا لأنه كان لا يؤثر على الاشتغال بالتأليف والتصنيف شيئا غير أن ابن حجر كما يقول السخاوي قد ندم على قبوله وظيفة القضاء ويقول ابن حجر إن من آفة التلبس بالقضاء أن بعضهم ارتحل إلى لقائي وأنه بلغه تلبسي بوظيفة القضاء فرجع، وعزل عن القضاء وأعيد إليه مرات وكان أخر ولايته القضاء إذ عزل نفسه في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. شيوخه: بلغ عدد شيوخه بالسّماع وبالإجازة وبالإفادة على ما بين بخطه نحو أربعمائة وخمسين نفسا، وإذا استثنينا الشيوخ الذين أجازوا عموما فقد ترجم في «المجمع المؤسس» لأكثر من ستمائة شيخ، وذكر بعضهم أن عدد شيوخه بلغ ستمائة نفس سوى من سمع منه من الأقران. واجتمع له من الشّيوخ الذين يشار إليهم ويعول في حل المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره، لأن كل واحد منهم كان متبحرا ورأسا في فنه الّذي اشتهر به «فالبلقيني في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع وابن الملقن في كثرة التصانيف والعراقي في معرفة علوم الحديث ومتعلقاته، والهيثمي في حفظ المتون، واستحضارها والمجد الشيرازي في حفظ اللغة واطلاعه عليها، والغماري في معرفة العربية ومتعلقاتها، وكذا المحب ابن هشام

стр. 97

كان حسن التصرف فيها لوفور ذكائه، وكان الغماري فائقا في حفظها، والإيناس في حسن تعليمه وجودة تفهيمه، والعز بن جماعة في تفننه في علوم كثيرة بحيث كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها، والتنوخي في معرفة القراءات وعلو سنده فيها [ (١) ] . شيوخ القراءات: ١- إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن التنوخي الشيخ برهان الدين الشّامي (٧٠٩ هـ- ٨٠٠ هـ) بلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ بالسماع وبالإجازة يجمعهم معجمه الّذي خرّجه له الحافظ ابن حجر ونزل أهل مصر بموته درجة، قرأ عليه الحافظ ابن حجر من أول القرآن (الفاتحة) إلى قوله (المفلحون) من سورة البقرة جامعا للقراءات السبع ثم قرأ عليه الشاطبية تامة بسماعه لها على القاضي بدر الدين بن جماعة كما قرأ عليه الخلاصة للألفية من العربية نظم ابن عبد اللَّه، فضلا عن قراءته عليه صحيح البخاري، وبعض المسانيد، والكتب والأجزاء، وخرج له المائة العشرية، ثم الأربعين التالية لها، وأذن له بالإقراء سنة ٧٩٦ هـ. ٢- محمد بن محمد بن محمد الدمشقيّ الجزري (٧٥١- ٨٣٣) شيخ القراءات وأجاز له ولولده محمد وحثه على الرّحلة إلى دمشق، حدث بكتابه (الحصن الحصين) في البلاد اليمنية، ومهر الجزري في الفقه إلا أن فنّه القراءات. شيوخ الحديث: ١- عبد اللَّه بن محمد بن محمد بن سليمان النيسابورىّ المعروف بالنشاوري (٧٠٥- ٧٩٠ هـ) وهو أول شيخ سمع عليه الحديث المسند فيما اتصل بعلمه، سمع عليه صحيح البخاري مع فوت بقراءة شمس الدين السلاوي سنة ٧٨٥ هـ بالمسجد الحرام بسماعه على الرضي الطبري على أنه شك في إجازته منه، وترك التخريج والرّواية بتلك الإجازة وقال: «وفي المصرح به غني عن المظنون واللَّه المستعان» . ٢- محمد بن عبد اللَّه بن ظهيرة المخزوميّ المكيّ جمال الدين (٧٥١- ٨١٧ هـ) وهو أول من بحث عليه في فقه الحديث وذلك في مجاورته مع الخرّوبي بمكّة سنة ٧٨٥ وهو ابن اثنتي عشرة سنة، حيث قرأ عليه بحثا في عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، ثم كان أول من سمع بقراءته الحديث بمصر سنة ٧٨٦، وسمع عليه كتبا أخرى.

стр. 98

٣- عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي أبو الفضل زين الدين الحافظ الكبير (٧٢٥- ٨٠٦ هـ) وأول ما اجتمع به سنة ٧٨٦ فقرأ عليه ثم فتر عزمه، كما وضح فيما فات، ثم لازمه عشر سنوات وتخرّج به وهو أوّل من أذن له بالتدريس في علوم الحديث في سنة ٧٩٧ هـ، وحضر مجالس إملائه، وقرأ عليه كتابه «الأربعين العشارية» من جمعه واستملى عليه الحافظ ابن حجر في غياب ولده أبي زرعة، وحمل عنه جملة مستكثرة من أماليه، وأذن له في تدريس ألفيته من الحديث، وشرحها، والنكت على ابن الصلاح، وسائر كتب الحديث وعلومه، ولقبه بالحافظ وعظمه ونوّه بذكره. وللحافظ ابن حجر مع شيخه مراجعات كثيرة. ٤- علي بن أبي بكر بن سليمان أبو الحسن الهيثمي (٧٣٥- ٨٠٧) لازم العراقي أشد ملازمة وهو صهره، خرج زوائد مسند البزار ثم مسند أبي يعلى الموصلي، ثم الطبرانيات، وجمع الجميع في كتاب واحد محذوف الأسانيد، ورتب الثقات لابن حبان على حروف المعجم، وحلية الأولياء على الأبواب، اقتصر منها على الأحاديث المسندة، ومات وهو مسودة فكمل ابن حجر ربعه، وصار الهيثمي لشدة ممارسته أكثر استحضارا للمتون من شيخه العراقي حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك، لأن الحفظ المعرفة. قال ابن حجر: كان يودني كثيرا وبلغه أنني تتبعت أوهامه في مجمع الزوائد فعاتبني فتركت ذلك» قرأ عليه قرينا لشيخه العراقي ومنفردا. شيوخ الفقه ١- إبراهيم بن موسى بن أيوب برهان الدين الأنباسي الورع الزاهد (٧٢٥- ٨٠٢ هـ) سمع من الوادي آشي وأبي الفتح الميدومي ومسند عصره ابن أميلة وطبقتهم، قال عنه ابن حجر: «سمعت منه كثيرا وقرأت عليه الفقه» وقال «اجتمعت به قديما وكان صديق أبي ولازمته بعد التسعين وبحثت عليه في المنهاج وقرأت عليه قطعة كبيرة من أول الجامع للترمذي بسماعه على.. ابن أميلة» وله مصنفات، يألفه الصّالحون ويحبه الأكابر وفضله معروف. ٢- عمر بن عليّ بن أحمد بن الملقن (٧٢٣- ٨٠٤ هـ) كان أكثر أهل عصره تصنيفا فشرح المنهاج عدة شروح، وخرّج أحاديث الرافعي في ست مجلّدات، وشرح صحيح البخاري في عشرين مجلدة انتقده ابن حجر عليه وعلى أشياء أخرى. قرأ عليه قطعة من شرحه الكبير على المنهاج.

стр. 99

٣- عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني نزيل القاهرة أبو حفص، شيخ الإسلام علم الأعلام مفتي الأنام (٧٢٤- ٨٠٥ هـ) أقدمه أبوه القاهرة وله اثنتا عشرة سنة فبهرهم بذكائه وكثرة محفوظه وسرعة إدراكه وعرض عليه محافيظه ورجع، غير أنه لم يرزق ملكة في التصنيف، وقد لازمه الحافظ ابن حجر مدة، وقرأ عليه الكثير من الروضة، ومن كلامه على حواشيها، وسمع عليه بقراءة البرماوي مختصر المزني، وكتب له خطه بالإذن بالإعادة وهو أول من أذن له في التدريس والإفتاء، وتبعه غيره. ٤- محمد بن علي بن عبد اللَّه القطان الفقيه (٧٣٧- ٨١٣ هـ) مهر في فنون كثيرة، وتفقه عليه الحافظ ابن حجر، وقال عنه: قرأت عليه وأجاز لي وذكر لي أنه قرأ الأصول على الشيخ نور الدين الإسنائي وكان ماهرا في القراءات والعربية والحساب ولازمه في الفقه، وقرأ عليه قسما كبيرا من الحاوي وغيره. ٥- عليّ بن أحمد بن أبي الآدمي الشيخ نور الدين، قال ابن حجر: قرأت عليه في الفقه والعربيّة، وكان على طريقة مثلي من الدين والعبادة والخير والانجماع ولازمه كثيرا. شيوخ العربيّة: ١- محمد بن محمد بن علي بن عبد الرزاق الغماري المصري المالكي (٧٢٠- ٨٠٢) وكان كثير الاستحضار للشواهد واللغة مع مشاركة في الأصول والفروع، ودرس القراءات في الشيخونية وهو خاتمة من كان يشار إليه في القراءات العربية، سمع عليه الحافظ ابن حجر القصيدة المعروفة بالبردة بسماعه لها على أبي حيان بسماعه من ناظمها، وأجاز له غير مرّة كما أجازه مروياته عن غيره، وكان عارفا بالعربيّة كثير الحفظ للشعر لا سيما الشواهد قوي المشاركة في فنون الأدب. ٢- محمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقيّ الأصل بدر الدين البشتكي الأديب الفاضل المشهور (٧٤٨- ٨٣٠ هـ) . حفظ كتابا في فقه الحنفية ثم تحوّل شافعيّا، ثم نظر في كتب ابن حزم، واشتغل في فنون كثيرة، وعني الأدبيات فمهر فيها، لازمه ابن حجر بضع سنين، وانتفع بفوائده وكتبه وأدبياته وطارحه بأبيات وسمع منه الكثير من نظمه وأجاز له ولأولاده، وسبقت الإشارة إلى أنه كان يعيره بعض الكتب الأدبية، وقرأ عليه مجلسا واحدا من مقدمة لطيفة في علم العروض استفاد منه لمعرفة الفن بكماله، كما قرأ عليه البشتكي بعد ذلك في الحديث فهو شيخه، وتلميذه في آن واحد.

стр. 100

٣- محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشّيرازي الشيخ العلّامة مجد الدين أبو الطاهر الفيروزآباذي (٧٢٩- ٨١٧ هـ) نظر في اللغة فكانت جل قصده في التحصيل فمهر فيها إلى أن فاق أقرانه، اجتمع به في زبيد، وفي وادي الخصيب وناوله جل القاموس المحيط وأذن له مع المناولة بروايته عنه وقرأ عليه من حديثه عدة أجزاء، وسمع منه المسلسل بالأولية بسماعه عن السبكي، وكتب له تقريضا على بعض تخريجاته أبلغ فيه شيخه في أغلب العلوم. هو محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن جماعة الحموي الأصل ثم المصري الشيخ عز الدين ابن المسند شرف الدين (٧٥٩- ٨١٩) . أتقن فنون المعقول إلى أن صار هو المشار إليه في الدّيار المصرية في هذا الفن.. ولم يكن يقرأ عليه كتاب من الكتب المشهورة إلا ويكتب عليه نكتا وتعقيبات واعتراضات بحسب ما يفتح له أخذ عنه في شرح منهاج الأصول، وجمع الجوامع، ومختصر ابن الحاجب وفي المطوّل لسعد الدين وأجاز له غير مرة ولأولاده، وقال البقاعي: وأجل من أخذ عنه المعقول والأدبيات علامة الدّنيا الشيخ عز الدين بن جماعة، ولازمه طويلا، وأخذ عنه علما جزيلا. وقال السخاوي: إن ابن جماعة كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها» . ولازمه الحافظ ابن حجر في غالب العلوم التي كان يقرؤها من سنة ٧٩٠ هـ إلى أن مات سنة ٨١٩ هـ ولم يخلف بعده مثله كما قال في «إنباء الغمر» . مصنّفاته: قال الشّمس السّخاويّ تلميذ الحافظ ابن حجر: «وزادت تصانيفه التي معظمها في فنون الحديث وفيها من فنون الأدب والفقه، والأصلين وغير ذلك على مائة وخمسين تصنيفا رزق فيها من السّعد والقبول خصوصا «فتح الباري بشرح البخاري» الّذي لم يسبق نظيره أمرا عجبا» [ (١) ] . بلغت مصنفاته أكثر من اثنين وثلاثين ومائة تصنيف، وها هي مرتبة على حروف المعجم. ١- الآيات النّيرات للخوارق المعجزات.

стр. 101

٢- اتباع الأثر في رحلة ابن حجر. ٣- إتحاف المهرة بأطراف العشرة. ٤- الإتقان في فضائل القرآن. ٥- الأجوبة المشرقة على الأسئلة المفرقة. ٦- الإحكام لبيان ما في القرآن من إبهام. ٧- أربعون حديثا متباينة الأسانيد بشرط السّماع. ٨- أسباب النزول. ٩- الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة. ١٠- الاستبصار على الطّاعن المعثار. ١١- الاستدراك على الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء. ١٢- الاستدراك على الكاف الشّاف. ١٣- الإصابة في تمييز الصّحابة. ١٤- أطراف المختارة. ١٥- أطراف الصّحيحين. ١٦- أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي. ١٧- الإعجاب ببيان الأسباب. ١٨- الإعلام بمن ذكر في البخاري من الأعلام. ١٩- الإعلام بمن ولي مصر في الإسلام. ٢٠- الإفصاح بتكميل النّكت على ابن الصلاح. ٢١- الأفنان في رواية القرآن. ٢٢- إقامة الدّلائل على معرفة الأوائل. ٢٣- الألقاب. ٢٤- أمالي ابن حجر. ٢٥- الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع. ٢٦- الإنارة في الزّيارة. ٢٧- إنباء الغمر بأنباء العمر. ٢٨- الانتفاع بترتيب الدار الدّارقطنيّ. ٢٩- انتقاض الاعتراض. ٣٠- الأنوار بخصائص المختار.

стр. 102

٣١- الإيناس بمناقب العبّاس. ٣٢- البداية والنهاية. ٣٣- بذل الماعون بفضل الطّاعون. ٣٤- البسط المبثوث في خبر البرغوث. ٣٥- بلوغ المرام بأدلّة الأحكام. ٣٦- بيان الفصل بما رجح فيه الإرسال على الوصل. ٣٧- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه. ٣٨- تبيين العجب بما ورد في فضل رجب. ٣٩- تجريد التّفسير. ٤٠- تحرير الميزان. ٤١- تحفة أهل التّحديث عن شيوخ الحديث. ٤٢- تحفة الظّراف بأوهام الأطراف. ٤٣- تخريج أحاديث الأذكار للنّووي. ٤٤- تخريج أحاديث الأربعين للنّووي. ٤٥- تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب. ٤٦- تخريج الأربعين النّووية بالأسانيد العليّة. ٤٧- التّعريج على التّدريج. ٤٨- ترجمة النّووي. ٤٩- تسديد القوس في مختصر مسند الفردوس. ٥٠- التّشويق إلى وصل المهم من التّعليق. ٥١- تصحيح الرّوضة. ٥٢- تعجيل المنفعة برواية رجال الأئمة الأربعة. ٥٣- التّعريف الأوحد بأوهام من جمع رجال المسند. ٥٤- تعريف أولي التّقدير بمراتب الموصوفين بالتّدليس. ٥٥- تعريف الفئة بمن عاش مائة. ٥٦- تعقّبات على الموضوعات. ٥٧- تعليق التّعليق. ٥٨- تقريب التّقريب. ٥٩- تقريب التّهذيب.

стр. 103

٦٠- تقريب المنهج بترتيب المدرج. ٦١- تقويم السّناد بمدرج الإسناد. ٦٢- التّمييز في تخريج أحاديث الوجيز. ٦٣- تهذيب التّهذيب. ٦٤- تهذيب المدرج. ٦٥- توالي التّأسيس بمعالي ابن إدريس. ٦٦- توضيح المشتبه للأزدي في الأنساب. ٦٧- التّوفيق بتعليق التّعليق. ٦٨- الجواب الجليل عن حكم بلد الخليل. ٦٩- الجواب الشّافي عن السّؤال الخافي. ٧٠- الخصال المكفّرة للذنوب المقدّمة والمؤخّرة. ٧١- الخصال الواردة بحسن الاتّصال. ٧٢- الدّراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية. ٧٣- الدّرر. ٧٤- الدّرر الكامنة في أعيان المائة الثّامنة. ٧٥- ديوان شعر. ٧٦- ديوان منظور الدّرر. ٧٧- ذيل الدّرر الكامنة. ٧٨- ردّ المحرم عن المسلم. ٧٩- الرّسالة العزية في الحساب. ٨٠- رفع الإصر عن قضاة مصر. ٨١- الزّهر المطلول في بيان الحديث المعلول. ٨٢- الزهر النّضر في أنباء الخضر. ٨٣- السّبعة النّيرات في سبعة أسئلة عن السّيد الشريف في مباحث الموضوع. ٨٤- سلوت ثبت كلوت: التقطها من ثبت أبي الفتح القاهريّ. ٨٥- شرح الأربعين النّوويّة. ٨٦- شرح سنن التّرمذي. ٨٧- شرح مناسك المنهاج. ٨٨- شرح منهاج النّووي.

стр. 104

٨٩- شفاء الغلل في بيان العلل. ٩٠- الشّمس المثيرة في معرفة الكبيرة. ٩١- طبقات الحفّاظ. ٩٢- عرائس الأساس في مختصر الأساس، للزمخشريّ. ٩٣- عشاريات الأشياخ. ٩٤- عشرة أحاديث عشاريّة الإسناد. ٩٥- عشرة العاشر. ٩٦- فتح الباري بشرح البخاري. ٩٧- فضائل شهر رجب. ٩٨- فهرست مرويّاته. ٩٩- فوائد الاحتفال في بيان أحوال الرّجال، لرجال البخاري. ١٠٠- الفوائد الجمّة فيمن يجدد الدّين لهذه الأمّة. ١٠١- قذى العين من نظم غريب البين. ١٠٢- القصارى في الحديث. ١٠٣- القول المسدّد في الذّبّ عن المسند. ١٠٤- الكاف الشّاف في تحرير أحاديث الكشّاف. ١٠٥- كشف السّحر عن حكم الصّلاة بعد الوتر. ١٠٦- لذّة العيش بجمع طرق حديث «الأئمّة من قريش» . ١٠٧- لسان الميزان. ١٠٨- المجمع المؤسّس في المعجم المفهرس. ١٠٩- مختصر البداية والنّهاية لابن كثير. ١١٠- مختصر تهذيب الكمال. ١١١- الرحمة الغيثيّة عن التّرجمة اللّيثية. ١١٢- مزيد النّفع بما رجح فيه الوقف على الرفع. ١١٣- المسلسل بالأوليّة بطرق علية. ١١٤- المسند المعتلي بأطراف الحنبلي. ١١٥- المشتبه. ١١٦- المطالب العالية من رواية المسانيد الثّمانية. ١١٧- المطالب العالية في زوائد الثّمانية.

стр. 105

١١٨- المقترب في بيان المضطرب. ١١٩- المقصد الأحمد فيمن كنيته أبو الفضل واسمه أحمد. ١٢٠- الممتع في منسك المتمتع. ١٢١- المنحة فيما علق به الشّافعي القول على الصحة. ١٢٢- منسك الحج. ١٢٣- النبأ الأنبه في بناء الكعبة. ١٢٤- نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. ١٢٥- نزهة الألباب في الأنساب. ١٢٦- نزهة القلوب في معرفة المبدل عن المقلوب. ١٢٧- نزهة النّظر بتوضيح نخبة الفكر. ١٢٨- النكت الحديثية على كتاب ابن الصّلاح. ١٢٩- نهاية التقريب وتكميل التّهذيب بالتذهيب. ١٣٠- النيرات السّبعة، ديوان ابن حجر. ١٣١- هداية الرّواة إلى تخريج المصابيح والمشكاة. ١٣٢- هدي السّاري لمقدمة فتح الباري. مرضه ووفاته بدأ المرض بحافظ الدنيا ابن حجر طيب اللَّه مثواه في ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ، وفي الحادي عشر منه حضر مجلس الإملاء كما أملى في يوم الثلاثاء الخامس عشر من الشهر المذكور مجلسا وهو متوعّك، ثم تغير مزاجه وأصبح ضعيف الحركة. وخشي الأطباء أن يناولوه مسهلا لأجل سنه فأشير «بلبن الحليب» ، فتناوله فلانت الطبيعة قليلا وأدى ذلك إلى نشاط ... وصار مسرورا بذلك، ولكنه لم يشف من مرضه تماما ... ثم عاد إلى الكتمان وتزايد الألم بالمعدة وكان يقول هذا بقايا الغبن من سنة تسع وأربعين وتوابعها، ولم يستطع أن يؤدي صلاة عيد الأضحى الّذي صادف يوم الثّلاثاء، وهو الّذي لم يترك صلاة جمعة ولا جماعة، وصلى الجمعة التي تلي العيد، ثم توجه إلى زوجته الحلبية، وكأنه أحس بدنوّ أجله، فاعتذر عن انقطاعه عنها واسترضاها وكان ينشد: ثاء الثّلاثين قد أوهت قوى بدني ... فكيف حالي وثاء الثّمانينا [البسيط] وتردّد إليه الأطباء، وهرع النّاس من الأمراء والقضاة والمباشرين. لعيادته، وقبل

стр. 106

منتصف شهر ذي الحجة من سنة ٨٥٢ هـ أشيع أن شيخ الإسلام قد توعك فأنشأ يقول: (من المجتث) أشكو إلى اللَّه ما بي ... وما حوته ضلوعي قد طال السّقم جسمي ... بنزلة وطلوعي. وكان مرضه قد دام أكثر من شهر، حيث أصيب بإسهال ورمي دم (ديسانتري) ، غير أن السّخاوي يقول: «ولا استبعد أنه أكرم بالشهادة فقد كان طاعون قد ظهر» . ثم أسلم الروح إلى بارئها في أواخر شهر ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. واختلف مترجموه في تحديد تاريخ يوم وفاته، كما اختلفوا في تحديد يوم ولادته، على أنهم يتفقون جميعا تقريبا على أنها- وفاته- كانت في ليلة السّبت من ذي الحجة، والاختلاف ينحصر في تحديدهم لأي سبت منه، وهذا يرجع إلى أن الأرقام عرضة للتحريف أكثر من غيرها فجعلها بعضهم في الثامن والعشرين من ذي الحجة، وجعلها آخرون في التاسع عشر منه، على حين ذكرها فريق ثالث في ثامن عشر من ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ. وترك وصيته التي نقل السّخاوي نصها، مستقاة من سبطه يوسف بن شاهين، ومما ورد فيها أنه أوصى لطلبة الحديث النبوي والمواظبين على حضور مجالس الإملاء بجزء من تركته. وفي أواخر أيامه عاده قاضي القضاة سعد الدين بن الديري الحنفي فسأله عن حاله، فأنشده أربعة أبيات من قصيدة لأبي القاسم الزّمخشريّ هي: (من الكامل) قرب الرّحيل إلى ديار الآخرة ... فاجعل إلهي خير عصري آخره وارحم مبيتي في القبور ووحدتي ... وارحم عظامي حين تبقى ناخره فأنا المسيكين الّذي أيّامه ولت ... بأوزار غدت متواتره فلئن رحمت فأنت أكرم راحم ... فبحار جودك يا إلهي زاخره وصلي عليه بمصلاة بكتمر المؤمن، حيث أمر السّلطان جقمق بأن يحضر إلى هناك ليصلي عليه، وتقدم في الصلاة عليه الخليفة بإذن من السلطان. وحضر الشيوخ وأرباب الدولة وجمع غفير من الناس، وازدحموا في الصلاة عليه حتى حزر أحد الأذكياء من مشى في جنازته بأنهم نحو الخمسين ألف إنسان.

стр. 107

ومن شدة حب الناس، وإكرامهم له تصور البعض أن الخضر صلى عليه كما ذكر ذلك صاحب مفتاح السعادة، فقال: ومن جملة من صلّى عليه «الخضر ﵇ رآه عصابة من الأولياء» . وكان يوم موته عظيما على المسلمين وحتى على أهل الذمة، وشيعته القاهرة إلى مدفنه في القرافة الصغرى، وتزاحم الأمراء والأكابر على حمل نعشه، ومشى إلى تربته من لم يمش نصف مسافتها قطّ، فدفن تجاه تربة الديلميّ بتربة بني الخروبي بين مقام الشّافعي ومقام سيدي مسلم السّلمي، وكانت وصيته خلاف ذلك، وقد سنحت لي الفرصة بزيارة قبر الحافظ ابن حجر ﵀، فتبين لي أنه يقع في مسافة تقدر بحوالي ١٥٠٠ م من مقام الإمام الشافعيّ. وقيل: إن السماء أمطرت على نعشه مطرا خفيفا فعد ذلك من النوادر. ذكر من رثاه: وما أحقه بقول ابن دريد في قصيدة طويلة: البسيط: إنّ المنيّة لم تتلف بها رجلا ... بل أبلغت علما للدّين منصوبا كان الزّمان به تصفو مشاربه ... والآن أصبح بالتّكدير مقطوبا كلّا وأيّامه الغرّ الّتي جعلت ... للعلم نورا وللتّقوى محاريبا وبقول غيره: الكامل: ذهب العليم بعيب كلّ محدّث ... وبكلّ مختلف من الإسناد وبكلّ وهم في الحديث ومشكل ... يعنى به علماء كلّ بلاد وبقول غيره. الوافر: بكيت على فراقك كلّ يوم ... وأمليت الحوار من الجفون ولو كان البكاء بقدر شوقي ... لملّته العيون من العيون وبقول غيره: البسيط: رزء ألمّ فقلب الدّهر في وهج ... وأغفل النّاس منسوب إلى الهوج

стр. 108

وللقلوب وجيب في مراكزها ... مهول فهو بتشقيق الصّدور حجي وللعيون انهمال كالغمام بكا ... فكلّ فجّ به عال من اللّجج يا واحد العصر يا من لا نظير له ... إذ كلّ شخص من الأمثال في لجج يا شيخ الإسلام يا مولى لقد خضعت ... غلب الرّجال لما تبدي من الحجج يا برّ حلم بحور العلم قد تركت ... لمّا سمعنا بداع، مقبل سمج أصمّ أسماعنا لمّا تلا سحرا ... قد مات من تهزم الأهوال حين نجي قاضي القضاة المفدّى من بني حجر ... من خلقه ليس في شيء من الحرج فلو رضي الدّهر منّا فدية عظمت ... إذا وحقّك جدنا فيك بالمهج ولو حميت بضرب السّيف ما وجدت ... لها المنايا إليك الدّهر من ولج في حقّ عهدك ما زلنا ذوي شغف ... بعهد ودّ لكم بالرّوح ممتزج حفّت سجاياك والألباب قد رجحت ... بها نهاك من الإحصاء بالثّبج ألفت يا حلو، مرّ الصّبر ترشفه ... فأنت للصّبر صبّ بالغرام شجي من للقيام بجنح اللّيل مجتهدا ... تبيت ترفعه آيات ذي الدّرج تعلي النّحيب خضوعا والأسى قلقا ... كأنّه في الدّياجي بالحراب وجي قد كان مصرك ليلا كالنّهار به ... شهاب فضلك يغنيه عن السّرج واليوم بعدك مثل اللّيل في سدف ... يا لهف قلبي فما صبح بمنبلج لكأنّ فقدك فقد النّاس كلّهم ... وفقد غيرك قد يلفى من الفرج من للأحاديث يحييها ويحفظها ... فوقته ليس حمّال إليه يجي قد كنت للسّنّة الغرّا شهاب علا ... حميت آفاقها عن مارد علج من كان في علمه في الشّكّ مرتبكا ... فأنت في علمك الأشيا على ثلج وأنت أذكى الورى قلبا ورائحة ... كأنّما كنت مسكا طيّب الأرج لهفي عليك شهاب الدّين من رجل ... لمّا ترحّلت صار النّاس في مرج قد كنت حافظهم في كلّ معضلة ... فبعدك اليوم لا تسأل عن الهمج كانوا إذا أوهموا معنى وأخر سهم ... فتحت كلّ عم منهم ومرتتج [ (١) ] لمّا ركبت على الحدباء ما أحد ... إلّا انحنى منه ظهر غير ذي عوج روحي فداء لبال قد ظفرت بها ... لديك يا حبر بالآمال بالحجج أروق سمعي بدرّ النّطق منك وما ... طرفي بممتنع من وحيك البهج

стр. 109

كأنّه لم يكن يوما فيا أسفا ... ما كنت من بعد ما مرّت بمبتهج كلّا لعمري وإنّي فالق كبدي ... حزني عليك وقلبي جدّ ملتعج ولا أحبّ ديارا قد قبضت بها ... فنحوها بعد بعد منك لم أعج نعم وأبغضت واللَّه الحياة بلا ... وجود أنسك فاعلم ذاك وابتهج لهفي على مجلس الإملا وحاضره ... من كلّ حبر لسبل الخير منتهج كم فيه من راس راس هزّ من عجب ... والجمع من شدّة الإصغاء لم يمج كأنّنا لم نكن يوما لديك ولا ... بقولك العذب منّا قطّ سرّ نجي فيا دوام افتكاري للسّرور بكم ... ويا بكائي طوال الدّهر والأبج [ (١) ] لأملأنّ بسيط الأرض من أدب ... ركّبت فيك معانيه من البرج جمعت قلبا بحبّ فيك ممتلئا ... إلى لسان بأنواع الرّثا لهج [ (٢) ] عليك منّي تحيّات أردّدها ... ما هيّج الورق قلبا فيك ذا وهج وجاد مهدك في صوب الرّضا مزن ... يا بحر يحيي بقاع الأرض بالثّبج ومنهم العلامة الشّهاب أبو الطّيّب أحمد بن محمد الحجازي فأنشدني لفظه لنفسه قوله: الكامل: كلّ البريّة للمنيّة صابره ... وقفولها شيئا فشيئا سائره والنّفس إن رضيت بذا ربحت وإن ... لم ترض كانت عند ذلك خاسرة وأنا الّذي راض بأحكام مضت ... عن ربّنا البرّ المهيمن صادره لكن سئمت العيش من بعد الّذي ... قد خلّف الأفكار منّا حائرة هو شيخ الإسلام المعظّم قدره ... من كان أوحد عصره والنّادره قاضي القضاة العسقلانيّ الّذي ... لم ترفع الدّنيا خصيما ناظره وشهاب دين اللَّه ذو الفضل الّذي ... أربى على عدد النّجوم مكاثره لا تعجبوا لعلوّه فأبوه من ... قبل عليّ في الدّنا والآخرة هو كيميا العلم وكم من طالب ... بالكسر جاء له فأضحى جابره لا بدع أن عادت علوم الكيميا ... من بعد ذا الحجر المكرّم بائره

стр. 110

لهفي على من أورثتني حسرة ... درس [ (١) ] الدّروس عليه إذ هي حاسره لهفي على المدح استمالت للرّثا ... وقصور آياتي غدت متقاصره لهفي عليه عالما، بوفاته ... درست دروس والمدارس بايره لهفي على الإملاء عطّل بعده ... ومعاهد الأسماع إذ هي شاغرة لهفي عليه حافظ العصر الّذي ... قد كان معدودا لكلّ مناظرة لهفي على الفقه المهذّب والمحرر ... حاوي المقصود عند محاوره لهفي على النّحو الّذي تسهيله ... مغني اللّبيب مساعد لمذاكره لهفي على اللّغة الغريبة كم أرانا ... معربا بصحاحها المتظاهرة لهفي على علم العروض تقطّعت ... أسبابه بفواصل متغايره لهفي عليه خزانة العلم الّتي ... كانت بها كلّ الأفاضل ماهره لهفي على شيخي الّذي سعدت به ... صحب وأوجه ناظريه ناضرة لهفي على التّقصير منّي حيث كم ... أملا النّواحي بالنّواح مبادره لهفي على عذري عن استيفاء ما ... تحوي وعجزي أن أعدّ مآثره لهفي على لهفي وهل ذا مسعدي ... أو كان ينفعني شديد محاذره لهفي على من كلّ عام للهنا ... تأتي الوفود إلى حماه مبادره [ (٢) ] والآن في ذا العام جاءوا للعزا ... فهيه وعادوا بالدّموع لهامره [ (٣) ] قد خلّف الدّنيا خرابا بعده ... لكنّما الأخرى لديه عامره وبموته شقي الفؤاد وأعلم ... العين انثنت في حالتيها شاغرة ولي المعاجر طابقت إذ للرّثا ... أنا ناظم وهي المدامع ناشره فكأنّه في قبره سرّ غدا ... في الصّدر، والأفهام عنه قاصره وكأنّه في اللّحد منه ذخيرة ... أعظم بها درر العلوم الفاخرة وكأنّه في رمسه سيف ثوى ... في الغمد مخبوء ليوم الثّائره وكأنّه كشف الغطاء له فإن ... قربت منيّته أفاض محاجره وغدا بأبيات الرّثا متمثّلا ... وحبا بها بعض الصّحاب وسارره [ (٤) ]
следующие страницы →