إلى عتيق الإمام وقدموه بين يديه فحوله الملك والسلطان والكرامة أن تعبد له جميع الشعوب والأمم واللغات سلطانه دائم إلى الأبد له يتعبد كل سلطان ويمضي ألفان وثلثمائة ينقضي عقاب الذنوب يقوم ملك منيع الوجه في سلطانه عزيز القوة لا تكون عزته تلك بقوة نفسه وينجح فيما يريد ويجوز في شعب الاطهار ويهلك الأعزاء ويؤتى بالحق الذي لم يزل قبل العالمين) وفي هذا دليل على أمرين:
أحدهما: صدق الخبر لوجوده على حقه.
والثاني: صحة نبوّته لظهور الخبر في صحته.
من بشائره في رؤيا بختنصر «١٣»
وهو أن بختنصر رأى في السنة الثانية من ملكه رؤيا ارتاع منها ونسيها، فأحضر من في ممالكه من الكهنة والمنجمين وكان قد ملك الأقاليم السبعة، وسألهم عن الرؤيا وتأويلها، فقالوا له: اذكرها لنا حتى نذكر تأويلها لك، فأمر بقتلهم إن لم يذكروها وتأويلها.
وكان دانيال النبي قد سباه من اليهود فاستمهل في أمرهم ورغب إلى الله تعالى في اطلاعه على الرؤيا وتأويلها، فأطلعه الله تعالى على ذلك، فأتى بختنصر وقال: أيها الملك إنك كلفت هؤلاء ما لا يعلمه إلا الله وقد رغبت إليه فأطلعني عليه ورؤياك التي رأيتها أن قلبك جاش واختلج بما يحدث بعدك في آخر الزمان فعرفك مبدي السرائر ما يكون أنك أيها الملك رأيت صنما عظيما قائما قبالتك له منظر رائع رأسه من الذهب الابريز وصدره وذراعاه من فضة وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وبعض رجليه من حديد وبعضها من خزف، ورأيت حجرا انقطع من جبل عظيم بغير يد إنسان فضرب ذلك الصنم فهشمه حتى صار كالرماد ألوت به ريح عاصف حتى لم يعرف له مكان ثم عظم الحجر الصلد الذي صك الصنم حتى صار جبلا عظيما امتلأت منه الأرض كلها، فهذه الرؤيا وأنا معبرها، أما الصنم فهم الملوك فأنت الرأس الذهب ويقوم من
стр. 142
بعدك من هو دونك ألين منك.
فأما المملكا الثالثة التي هي مثل النحاس فتسقط على الأرض كلها وأما المملكة الرابعة التي هي مثل الحديد فتكون عزيزة كما أن الحديد يهشم الجميع فكذلك هذه تسحق وتغلب الكل.
وأما الأرجل والأصابع التي رأيت أن منها من خزف الفخار ومنها من حديد فإن المملكة تكون مختلفة ومتفرقة يكون منها أصل من جوهر الحديد وخلط من خزف الفخار فيكون بعض المملكة قويا وبعضها واهيا كسيرا لا يأتلف بعضها ببعض كما لا يختلط الحديد بالخزف.
وأما الحجر الواقع من الجبل فإن إله السماء يرسل مملكة من عنده لأنه لم تقطع الحجر يد إنسان في زمان هذه الممالك يهلكها ويبقى إلى آخر الدهر ولا يكون لأمة أخرى مملكة ولا سلطان إلا دقه كما يدق الحجر الحديد والنحاس والفضة والذهب فعرّفك الله العظيم ما يكون بعدك في آخر الأيام، فهذه رؤياك وتأويلها.
فخر بختنصر على وجهه ساجدا لدانيال وقال: إن إلهكم هذا هو إله الآلهة ورب الأملاك حقا وهو مبدي السرائر، وجعل دانيال رأسا مؤمرا على أرض بابل، ومعلوم أنه لم يرسل الله تعالى سلطانا أزال به الممالك وملأ به الأرض ودام له الأمر إلا بنبوّة محمد ﷺ .
من بشائر أرميا بن برخنا من أنبياء بني إسرائيل في أيام بختنصر
لما قتل أهل الرس نبيهم، قال ابن عباس: أمر الله تعالى أن يأمر بختنصر أن يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم فيقتلهم بما صنعوا بنبيهم، فأمره بذلك فدخل بختنصر بلاد العرب، فقتل وسبى حتى انتهى إلى تهامة فأتى بمعد بن عدنان فأمر بقتله، فقال له النبي: «لا تفعل فإن في صلب هذا نبيا يبعث في آخر الزمان يختم الله به الأنبياء» ، فخلى سبيله وحمله معه حتى أتى حصونا باليمن فهدمها وقتل أهلها وزوّج معدا بأجمل امرأة منهم في زمانها وخلفه بتهامة حتى نسل بها، قال ابن عباس: وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَكَمْ
стр. 143
قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ «١٤» .
من بشائر داود في الزبور
(سبحان الذي هيكله الصالحون يفرح إسرائيل بخالقه وبيوت صيلون من أجل أن الله اصطفى له أمته وأعطاه النصر وسدد الصالحين منه بالكرامة يسبحونه على مضاجعهم ويكّبرون الله بأصوات مرتفعة بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقموا من الأمم الذين لا يعبدونه يوثقون ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال) . ومعلوم أن سيوف العرب هي ذوات الشفرتين ومحمد هو المنتقم بها من الأمم.
وفيه: (أن الله أظهر من صيفون أكليلا محمودا) وصيفون: العرب، والأكليل: النبوة، ومحمود هو محمد ﷺ .
وفي مزمور آخر منه: (أنه يجوز من بحر إلى بحر ومن لدن الأنهار إلى الأنهار إلى منقطع الأرض وأن تخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم وتلحس أعداؤه التراب، تأتيه الملوك بالقرابين وتسجد وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد لأنه يخلص المضطهد البائس ممن هو أقوى منه وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له ويرأف بالضعفاء والمساكين وأنه يعطى من ذهب بلاد سبأ ويصلى عليه في كل وقت ويبارك عليه في كل يوم ويدوم ذكره إلى الأبد) . ومعلوم أنه لم يكن هذا إلا لمحمد ﷺ .
وفي مزمور آخر: قال داود: اللهم ابعث جاعل السنّة حتى يعلم الناس أنه بشر، أي ابعث نبيا يعلم الناس أن المسيح بشر لعلم داود أن قوما سيدعون في المسيح ما ادعوه، وهذا هو محمد ﷺ .
من بشائر المسيح به في الإنجيل
قال المسيح ﵇ للحواريين: (أنا ذاهب وسيأتيكم البار قليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إلا كما يقال له وهو يشهد عليّ وأنتم
стр. 144
تشهدون لأنكم معي من قبل الناس وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به) .
وفي نقل يوحنا عنه: (أن البار قليط لا يجيئكم ما لم أذهب فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة ولا يقول من تلقاء نفسه شيئا ولكنه مما يسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق ويخبركم بالحوادث والغيوب) .
وفي نقل آخر عنه: (أن البار قليط روح الحق الذي يرسله باسمي هو يعلمكم كل شيء إني سائل أن يبعث إليكم بار قليط آخر يكون معكم إلى الأبد وهو يعلمكم كل شيء) .
وفي نقل آخر عنه: (أن البشير ذاهب والبار قليط بعده يحيي لكم الأسرار ويقيم لكم كل شيء وهو يشهد لي كما شهدت له فإني لأجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل) . والبار قليط بلغتهم لفظ من الحمد، وقد قال النبي ﷺ :
وأنا أحمد وأنا محمود وأنا محمد.
فهذه من بشائر الأنبياء عن الكتب الإلهية المتناصرة بصحة نبوته المتواترة الأخبار بانتشار دعوته وتأييد شريعته، ولعل ما لم يصل إلينا منها أكثر، فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله تعالى جميعها فيه حتى صار جليا بعد الاحتمال ويقينا بعد الارتياب.
فإن قيل: مجيء الأنبياء موضوع لمصالح العالم وهم مأمورون بالرأفة والرحمة ومحمد جاء بالسيف وسفك الدماء وقتل النفوس فصار منافيا لما جاء به موسى وعيسى فزال عن حكمهما في النبوّة لمخالفتهما في السيرة فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: ان الله تعالى بعث كل نبي بحسب زمانه، فمنهم من بعثه بالسيف لأن السيف أنجع، ومنهم من بعثه باللطف لأن اللطف أنفع، كما خالف بين معجزاتهم بحسب أزمانهم، فبعث موسى بالعصا في زمان السحر، وبعث عيسى بإحياء الموتى في زمان الطب، وبعث محمد بالقرآن في زمان الفصاحة، لأن الناس في بدء أمرهم يتعاطفون مع القلة ثم يتنافرون
стр. 145
ويتحاسدون مع الكثرة، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل» .
والجواب الثاني: أن السيف إذا كان لطلب الحق كان خيرا، واللطف إذا كان مع إقرار الباطل كان شرا لأن الشرع موضوع لإقرار الفضائل الإلهية والحقوق الدينية، ولذلك جاء الشرع بالقتل والحدود ليستقر به الخير وينتفي به الشر لأن النفوس الأشرة لا يكفها إلا الرهبة فكان القهر لها أبلغ في انقيادها من الرغبة وكانت العرب أكثر الناس شرا وعتوا لكثرة عددهم وقوة شجاعتهم فلذلك كان السيف فيهم أنفع من اللطف.
والجواب الثالث: أنه لم يكن في جهاده بالسيف بدعا من الرسل ولا أول من أثخن في أعداء الله تعالى.
وقبل هذا إبراهيم ﵇ جاهد الملوك الأربعة الذين ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها وحاربهم حتى هزمهم بأحزابه وأتباعه.
وهذا يوشع بن نون قتل نيفا وثلاثين ملكا من ملوك الشام وأباد من مدنها ما لم يبق له أثر ولا من أهلها صافر من غير أن يدعوهم إلى دين أو يطلب منهم أتاوة وساق الغنائم.
وغزا داود من بلاد الشام ما لم يدع فيها رجلا ولا امرأة إلا قتلهم، وهو موجود في كتبهم.
ومحمد ﷺ بدأ بالاستدعاء وحارب بعد الآباء.
روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ متنصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء كان أشدهم في ذلك غضبا وما خيّر بين أمرين، إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما، وقد كان ﷺ أحث الناس على الصفح والتعاطف.
روى أسيد بن عبد الرحمن عن فروة بن مجاهد عن عقبة بن عامر قال:
لقيت رسول الله ﷺ فقال لي: يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك واعف
стр. 146
عمن ظلمك، فهل يكون أحنى على الخلق ممن يأمرهم بمثل هذا، وإنما تطلبت الملحدة بمثل هذا الأعتراض القدح في النبرّات فإنهم لم يعفوا نبيا من القدح في معجزاته والطعن على سيرته حتى قال منهم في عصرنا ما طعن به على موسى وعيسى ومحمد ﷺ عليهم بشعر نظمه فقال:
وفالق البحر لم يفلق جوانبه ... إذ ضاع فيه ضياع الحر في السفل
ومدع يدعي الأشياء خلقته ... ما باله زال والأشياء لم تزل
وآخر يدعي بالسيف حجته ... هل حجة السيف إلّا حجة البطل
فحضرني حين وردت هذه الأبيات إلى بعض أهل العلم فأجاب عنها فقال:
قل للذي جاء بالتكذيب للرسل ... ورد معجزهم بالزيغ والدغل
وقال في ذاك أبياتا مزخرفة ... ليوقع الناس في شك من الملل
ضياع موسى دليل من أدلته ... من بعد ما صار فرق البحر كالجبل
ليعلم الناس أن الله فالقه ... وأن موسى ضعيف تاه في السبل
والمعجز الحق في فلق المياه له ... وجعله البر ما يحتاط بالحيل
وابن البتول فإن الله نزهه ... عما ذكرت من الدعوى على الجمل
ما كان منه سوى طير يقدره ... طينا وربي أحياه ولم يزل
وقال إني بإذن الله فاعله ... وإذن ربي يحيي الخلق لا عملي
وصاحب السيف كان السيف حجته ... بعد البيان عن الإعجاز والمثل
وجاء مبتديا بالنصح مجتهدا ... بمعجزات لها حارت أولو النحل
منها كتاب مبين نظمه عجب ... فيه من الغيب ما أوحى إلى الرسل
فأفحم الشعراء الملفقين به ... لما تحداهم بالرفق في مهل
وأنبع الماء عذبا من أنامله ... من غير صخرة كانت ولا وشل
وشارف القوم وافاداه وكلمه ... وقال أنى من قتلي على وجل
والذئب قد أخبر الراعي بمبعثه ... فجاء يشهد في الإسلام في عجل
والجذع حن إليه حين فارقه ... حنين ذات جؤار ساعة الهبل
وأخبر الناس عما في ضمائرهم ... مفصلا بجواب غير محتمل
стр. 147
ونبأ الروم من نصر يكون لها ... من بعد سبعة أعوام على جدل
والفرس أخبرها عن قتل صاحبها ... برويز إذ جاءه فيروز في شغل
وإن تقصيت ما جاء النبي به ... طال النشيد ولم آمن من الملل
стр. 148
الباب السادس عشر في هتوف الجن بنبوّته ﷺ
والجن من العالم المميز يأكلون ويتناكحون ويتناسلون ويموتون وأشخاصهم محجوبة عن الأبصار وإن تميزوا بأفعال وآثار إلّا أن يخص الله تعالى برؤيتهم من يشاء، وإنما عرفهم الإنس من الكتب الإلهية وما تخيلوه من آثارهم الخفية قال الله تعالى فيما وصفه من إنشاء الخلق: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ «١» يريد بقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ- آدم- أبا البشر ﵇ وفي الصلصال وجهان:
أحدهما: أنه الطين النابت.
والثاني: أنه الطين الذي لم تمسه النارم والحمأ جمع حمأة وفيها وجهان.
أحدهما: أنه المنصوب القائم فيكون صفة للإنسان.
والثاني: أنه المنسوب فيكون تمييزا للجنس وقوله: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ يعني من قبل آدم، لأن آدم خلق آخر الخلق. وفي الجان وجهان:
والثاني: أنه أبو الجن فآدم أبو البشر والجان أبو الجن وإبليس أبو الشياطين وفي قوله: مِنْ نارِ السَّمُومِ «٢» وجهان:
стр. 149
أحدهما: من نار الشمس.
والثاني: نار الصواعق بين السماء وبين حجاب دونها فلم يختلفوا في أن الجن يتناسلون ويموتون ومنهم مؤمن ومنهم كافر.
واختلف في الشياطين فزعم قوم أنهم كفار الجن يتناسلون ويموتون، وزعم آخرون أنهم غير الجن وأنهم من ولد إبليس، واختلف من قال بهذا في تناسلهم وموتهم فذهب فريق إلى أنهم يتناسلون ويموتون، وذهب آخرون إلى أنهم كإبليس لا يموتون إلّا معه وأن تناسلهم انقطع بإنظار إبليس إلى يوم يبعثون فإن أنكر قوم خلق الجن ولم يؤمنوا بالكتب الإلهية قهرتهم براهين العقول وحجج القياس لأن الله تعالى أنشأ خلق العالم من أربعة أجرام جعلها أصولا لما خلق من العالم الحي وهي الأرض والماء والهواء والنار، والعالم نوعان إتفاقا علوي وسفلي، فالعالم السفلي نوعان خلقهما من جرمين:
أحدهما: من الأرض وهو ما عليها من الحيوان.
والثاني: من الماء وهو ما فيه من السموك وهما هابطان لهبوط الأرض والماء وظاهران لظهور أصلهما واستمر القياس فيهما.
وبقي العالم العلوي جرمان: الهواء والنار وقد استقر خلق الملائكة من الهواء فاقتضى معقول القياس أن يكون خلق الجن من النار لتكون الأجرام الأربعة أصولا لخلق أجناس أربعة.
ولعلو الهواء كان عالمه من الملائكة علويا ولخفائه كان خفيا لا يهبط إلّا عن أمر إلهي ولا يعاين إلّا بمعونة إلهية.
ولعلو النار في أصل هابط كان لعالمه من الجن علو وهبوط ولخفاء كمونها خفي عالمها عن العيان إلّا بمعونة إلهية فصار اصلان من الأربعة محسوسين بالعيان وهما على الأرض وفي الماء وأصلان معقولين بالقياس وهما الملائكة والجن ولولا أن دافع ذلك عادل عن الدلائل الشرعية لما عدلنا إلى هذا الاستدلال الخارج عن البراهين الشرعية.
стр. 150
فصل [في وجوب التكليف على الجن]
فإذا ثبت خلق الجن بما دللنا عليه من شرع ومعقول فهم مكلفون لأن رسول الله ﷺ تحداهم بالقرآن بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٣» وقال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ «٤» وفي صرفهم وجهان:
أحدهما: أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء برجوم الشهب ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ فقالوا: ما هذا الحادث في السماء إلا لحادث في الأرض وتخيلوا به تجديد النبوة فجابوا الأرض حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن مكة عامدا إلى عكاظ وهو يصلي الفجر فاستمعوا القرآن ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه فعلموا أنه لهذا الحادث صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب، وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
وحكى عكرمة أن السورة التي كان يقرؤها اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ «٥» .
والوجه الثاني: أنهم صرفوا عن بلادهم بالتوفيق هداية من الله تعالى حتى أتوا نبي الله ببطن نخلة فنزل عليه جبريل بهذه الآية وأخبره بوفود الجن وأمره بالخروج إليهم فخرج ومعه ابن مسعود حتى جاء الحجون عند شعيب أبي ذر قال ابن مسعود: فخط على خطا وقال: لا تجاوزه، ومضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل حتى لم أره، فعلى الوجه الأول لم يعلم بهم حتى أتوه، وعلى الوجه الثاني أعلمه جبريل قبل إتيانهم، واختلف أهل العلم في رؤيته لهم وقراءته عليهم.
فحكي سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يرهم ولم يقرأ
стр. 151
عليهم وإنما سمعوا قراءته حين مروا به مصليا.
وحكي عن ابن مسعود أنه رآهم وقرأ عليهم القرآن.
وفي قوله: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا «٦» وجهان:
أحدهما: فلما حضروا قراءته القرآن قالوا: أنصتو لسماعه.
والوجه الثاني: فلما حضروا رسول الله ﷺ قالوا: أنصتوا لسماع قوله، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين وفيه وجهان:
أحدهما: فلما فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين به.
والثاني: لما فرغ من قراءته القرآن ولوا إلى قومهم منذرين وقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً «٧» في فصاحته وبلاغته.
والثاني: عجبا في حسن مواعظه.
وفي قوله يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ «٨» وجهان:
أحدهما: إلى مراشد الأمور.
والثاني: إلى معرفة الله تعالى، فثبت أن رسول الله ﷺ كان عامّ الرسالة إلى الإنس والجن فلم يختلف أهل العلم أنه يجوز أن يبعث إليهم رسولا من الإنس واختلفوا في جواز بعثة رسول منهم فجوزه قوم لقول الله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«٨» ومنع آخرون منه وهذا قول من جعلهم من ولد إبليس وحملوا قوله: لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«٩» على الذين لما سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين فأما كفارهم فيدخلون النار، وأما مؤمنوهم فقد اختلفوا في دخولهم الجنة ثوابا على إيمانهم، فقال الضحاك: ومن جوّز أن يكون رسلهم منهم يدخلون الجنة.
стр. 152
وحكى سفيان عن ليث أنهم يثابون على الإيمان بأن يجازوا على النار خلاصا منها، ثم يقال لهم: كونوا ترابا كالبهائم، فأما استراقهم للسمع فقد كانوا في الجاهلية قبل بعث الرسول يسترقونه ولذلك كانت الكهانة في الإنس لإلقاء الجن إليهم ما استرقوه من السمع في مقاعد كانت لهم يقربون فيها من السماء كما قال الله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ «١٠» ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء فينقلونها إلى الكهنة فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً «١١» يعني بالشهب الكواكب المحرقة وبالرصد الملائكة، فأما استراقهم للسمع بعد بعث الرسول فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين:
أحدهما: أنه زال استراقهم للسمع ولذلك زالت الكهانة.
والثاني: أن استراقهم باق بعد بعث الرسول، وكان قبل الرسول لا تأخذهم الشهب لقول الله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً «١١» والذي يستمعونه أخبار الأرض دون الوحي لأن الله تعالى قد حفظ وحيه منهم لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١٢» .
واختلف على هذا في أخذ الشهب لهم هل يكون قبل استراقهم للسمع أو بعده، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الشهب تأخذهم قبل استراق السمع حتى لا يصل إليهم لانقطاع الكهانة بهم وتكون الشهب منعا عن استراقه.
وذهب آخرون منهم إلى أن الشهب تأخذهم بعد استراقه وتكون الشهب عقابا على استراقه.
وفيها: إذا أخذتهم قولان:
أحدهما: أنها تقتلهم ولذلك انقطعت الكهانة بهم.
والثاني: أنها تجرح وتحرق ولا تقتل ولذلك عادوا لاستراقه بعد الاحتراق ولولا بقاؤهم لانقطع الاسترقاق بعد الاحتراق ويكون ما يلقونه من السمع إلى
стр. 153
الجن دون الإنس لانقطاع الكهانة عن الإنس وفي الشهاب الذي يأخذهم قولان:
أحدهما: أنه نور يمتد لشدة ضيائه ثم يعود.
والقول الثاني: أنه نار تحرقهم ولا تعود، فهذا خطب الجن فيما هم عليه من نعت وحكم.
هتوف الجن «١٣»
فأما هتوفهم برسول الله ﷺ فهو من آيات نبوّته فإن كان قبل مبعثه كان من نذر آياته الصادرة عن إلهام فمن هتوفهم بنبوّته ما حكاه إبراهيم بن سلامة عن إسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن ابن العباس ﵄ أنه كان يحدث عن رجل من خثعم قال لا تحل حلالا ولا تحرم حراما وكانت تعبد أصناما فبينا نحن عند صنم منها ذات ليلة نتقاضى إليه في أمر قد شجر بيننا إذ صاح من جوف الصنم صائح يقول:
يا أيها الركب ذوو الأحكام ... ما أنتم وطائش الأحلام
ومسندو الحكم إلى الأصنام ... هذا نبي سيد الأنام
يصدع بالحق وبالإسلام ... أعدل ذي حكم من الأحكام
ويتبع النور على الأظلام ... سيعلن في البلد الحرام
قد طهر الناس من الآثام
قال الخثعمي ففزعنا منه وخرجت إلى مكة وأسلمت مع النبي ﷺ .
ومن بشائر هتوفهم: ما رواه عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن كعب قال: بينما عمر بن الخطاب رضوان الله عليه ذات يوم جالسا، إذ مر به رجل، فقيل له: أتعرف هذا المار يا أمير المؤمنين قال: ومن هو قالوا هذا سواد بن قارب رجل من أهل اليمن وكان له رئي من الجن فأرسل إليه عمر، فقال:
стр. 154
أنت سواد بن قارب قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: أنت الذي أتاك رئيك بظهور النبي ﷺ ، قال: نعم يا أمير المؤمنين. بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتاني رئى من الجن فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالي واعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول الله ﷺ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول:
عجبت للجن وتطلا بها ... وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادق الجن ككذا بها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قدامها كأذنا بها
فقلت له دعني فأنا أمسيت ناعسا ولم أرفع بما قال رأسا فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول الله ﷺ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول:
عجبت للجن وتخبارها ... وشدها العيش بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنو الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها
فقلت: دعني فقد أمسيت ناعسا ولم أرفع بما قال رأسا، فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول:
عجبت للجن وتجساسها ... وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما خير الجن كأنجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى رأسها
قال: فأصبحت وقد امتحن الله تعالى قلبي للإسلام فرحلت ناقتي واتيت المدينة فإذا رسول الله ﷺ وأصحابه فقلت: اسمع مقالي يا رسول الله، قال:
«هات» ، فأنشأت:
стр. 155
أتاني نجي بين هدو ورقدة ... ولم أك فيما قد نجوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت من ذيل الأزار ووسطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب
فأشهد أن الله لا شيء غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب
ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رؤي الفرح في وجوههم، قال: فوثب إليه عمر فالتزمه وقال: قد كنت أحب أن أسمع منك هذا الحديث فهل يأتيك رئيك اليوم؟ فقال: مذ قرأت القرآن فلا ونعم العوض كتاب الله من الجن.
ومن بشائر هتوفهم: ما رواه إبراهيم بن سلامة عن إسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب حدث يوما في مجلس بعد رسول الله ﷺ فقال: خرجنا قبل مظهر النبي ﷺ بشهرين إلى الأبطح بمكة معنا عجل نريد ذبحه ونحن نفر فلما ذبحناه وتصابّ دمه ومات إذ صاح من جوفه صائح يقول: يا ذريح يا ذريح صائح يصيح بصوت فصيح نبي يظهر الحق يفيح يقول لا إله إلّا الله، فصاح كذلك ثلاث مرات ثم هدأ صوته وتفرقنا ورعبنا منه فلم يلبث النبي ﷺ أن ظهر، فقال رجل من القوم: لا تعجب يا أمير المؤمنين خرجت وأصحاب لي في تجارة لنا ونحن أربعة نفر نريد الشام حتى إذا كنا ببعض أودية الشام قرمنا إلى اللحم قرما شديدا قبل مظهر النبي ﷺ فإذا بظبية قد عرضت لنا مكسورة القرن فلم نزل بها حتى أخذناها، قال: فو الله إننا نتآمر بذبحها إذ هتف هاتف فقال:
يا أيها الركب السراع الأربعة ... خلوا سبيل الظبية المروعة
فإنها لطفلة ذات دعة ... خلوا عن العضبان فقدامي سعة
ثم قال: خلوا عنها، فو الله لقد رأيت هذا الوادي وما يمر فيه أقل من خمسين رجلا حتى كنتم به، قال: فأرسلناها، فلما أمسينا أخذ بأزمة رواحلنا
стр. 156
حتى أتي بنا إلى حاضر لجب كثير الأهل فأطعمنا من الثريد ما أذهب قرمنا ثم خرجنا حتى قضى الله تجارتنا فصحبنا رجل من يهود، فلما كنا بذلك الوادي هتف هاتف فقال:
إياك لا تعجل وخذها موبقه ... فإن شر السير سير الحقحقه
قد لاح نجم فاستوى في مشرقه ... يكشف عن ظلما عبوس موبقه
يدعو إلى ظل جنان مونقه
فقال اليهودي: تدرون ما يقول هذا الصارخ؟ قلنا: ما يقول؟ قال:
يخبر أن نبيا قد ظهر خلافكم بمكة، فقدمنا فوجدنا النبي ﷺ بمكة.
ومن بشائر هتوفهم: ما حكاه أبو عيسى، قال: سمعت قريش في الليل هاتفا على أبي قبيس يقول:
فإن يسلم السعد أن يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان سعد بكر وسعد تميم، فلما كان في الليلة الثانية سمعوه يقول:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات زخارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هما والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
ومن بشائر هتوفهم: ما رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ما علم المشركون من أهل مكة أين يوجه رسول الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة حتى هتف هاتف بعد ذلك بأيام فقال:
جزى الله خيرا والجزاء فريضة ... رفيقين حلّا خيمتي أم معبد
هما دخلا بالهدى واهتدى به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب محل فتاتهم ... ومقعدها للمسلمين بمرصد
وقالت أسماء: ما علم المشركون من أهل مكة بوقعة بدر حتى هتف
стр. 157
هاتف من جبال مكة وفتيان يسمرون بمكة فقال:
أزال الحنيفيون بدرا بوقعة ... سينقض منها ملك كسرى وقيصرا
أصاب رجالا من لؤي وجردت ... حرائر يضر بن الترائب حسرا
ألا ويح من أمسى عدو محمد ... لقد ذاق حزنا في الحياة وحسرا
وأصبح في هامي العجاج معفرا ... تناوبه الطير الجياع وتنفرا
فعلموا بذلك وظهر الخبر من الغد ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد عمن لا يرى شخصه «١٤» ولا يحج قوله «١٥» فخروجه عن العادة نذير وتأثيره في النفوس بشير وقد قبلها السامعون وقبول الأخبار يؤكد صحتها ويؤكد حجتها.
فإن قيل: إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة جاز أن تكون دليلا على صحة الكهانة، فعنه جوابان:
أحدهما: أن دلائل النبوة غيرها وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين الدلالة والبشارة، أخبارا.
والثاني: أن الكهانة عن مغيب والبشارة عن معين، فالعيان معلوم والغائب موهوم.
стр. 158
الباب السابع عشر فيما هجست به النفوس من إلهام العقول بنبوته ﵇
العقل إلهي ركّبه الله تعالى في النفوس الناطقة فهو ينذر بالخواص الكائنة حدسا ويعلم بعد الوجود مسا فقل حادث إلّا تقدم نذيره وبحسب خاطره يكون تأثيره ولا حادث أعظم مما جدده الله تعالى بنبوّة محمد ﷺ فاقتضى أن تكون بشائر نبوته أشهر وشواهد آياته أظهر.
فمن الهواجس بنبوته: أن كعب بن لؤي بن غالب كان يجتمع إليه الناس في كل جمعة وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية يوم العروبة فسماه كعب يوم الجمعة وكان يخطب فيه الناس ويقول بعد خطبته: حرمكم عظّموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج به نبي كريم والله لو كنت فيه ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت تنصب الخيل ولا رقلت أرقال الفحل ثم يقول:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغي الحق خذلانا
ومن هواجس الإلهام: ما حكاه ابن قتيبة أن أبا كريب ابن أسعد الحميري آمن بالنبي ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة وقال:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم
ومن هواجس الإلهام: ما حكاه عبيد الجرهمي وكان كبير السن عالما
стр. 159
بأخبار الأمم أن تبعا الأصغر وهو تبع بن حسان بن تبع سائر بيثرب فنزل في سفح أحد وذهب إلى اليهود فقتل منهم ثلاثمائة وخمسين رجلا صبرا وأراد خرابها فقام إليه رجل من اليهود كبير السن فقال: أيها الملك مثلك لا يقتل على الغضب ولا يقبل قول الزور، أمرك أعظم من أن يطير بك برق أو تسرع بك لجاج فإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، قال: ولم؟ قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل يخرج من هذه الثنية- يعني البيت الحرام- فكفّ تبعّ ومضى إلى مكة ومعه هذا اليهودي ورجل آخر عالم من اليهود فكسا البيت ونحر عنده ستة آلاف جزور وأطعم الناس وقال:
قد كسونا البيت الذي حرّم الله ... ملاء معضدا وبرودا
وقيل أنه ملك ثلاثمائة وعشرين سنة.
ومن هواجس الإلهام: ما روى هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان يهودي يسكن مكة فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ حضر مجلس قريش فقال: يا معاشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلم، قال: الله أكبر أما إذ أخطأكم فلا بأس انظروا واحفظوا ما أقول لكم، ولد في هذه الليلة نبي بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنها عرف وثن، فتصارع القوم عن مجلسهم وهم متعجبون من قوله، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا، فانطلق القوم إلى اليهودي فأخبروه، فقال: إذهبوا بي حتى أنظر إليه، فأدخلوه عن آمنة وقالوا: اخرجي إلينا ابنك، فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى اليهودي تلك الشامة فوقع مغشيا عليه فلما أفاق قالوا له: ما لك؟ قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل يا معشر قريش والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب، وكان في القوم الذين أخبرهم اليهودي بذلك هشام بن المغيرة والوليد بن المغيرة وعبيدة بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة فعصمه الله تعالى منهم.
ومثله: أنه كان لقريش في الجاهلية عيد يجتمع فيه النساء دون الرجال
стр. 160
فاجتمعوا فيه فوقف عليهن يهودي، وفيهن خديجة فقال لهن: يا معشر نساء قريش يوشك أن يبعث فيكن نبي فأيتكن استطاعت أن تكون له أرضا فلتفعل فحصبنه ووقر ذلك في نفس خديجة حتى حققه الله لها فكانت أول من آمن به.
ومثله: أن جماعة من النصارى قدموا من الشام تجارا إلى مكة فنزلوا بين الصفا والمروة فرأوه وهو ابن سبع سنين فعرفه بعضهم بصفته في كتبهم وسمته في فراستهم فقال له من أنت وابن من أنت. فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: من رب هذه، وأشار إلى الجبال، فقال: الله ربها لا شريك له. فقال له: من رب هذه وأشار إلى السماء، فقال: الله ربها لا شريك له.
فقال له النصراني: فهل له رب غيره فقال: لا تشككني في الله ما له شريك ولا ضد، فقام بالتوحيد في صغيره وفصح النصراني بخبره وأنذر بنبوّته.
ومثله: أنه كان في كفالة جده عبد المطلب وكان أحب إليه من جميع أولاده فلما حضرته الوفاة وصى به إلى عمه أبي طالب لأنه كان أخا عبد الله لأبيه وأمه وأنشأ يقول:
وصيت من كنيته بطالب ... عبد مناف وهو ذو تجارب
يا ابن الحبيب أكرم الأقارب ... يا ابن الذي مذ غاب غير آيب
فتقبل أبو طالب الوصية وكان قد سمع من راهب إنذارا فأنشأ يقول:
لا توصين بلازم واجب ... فلست بالآنس غير الراغب
بأن حمد الله قول الراهب ... إني سمعت أعجب العجائب
من كل حبر عالم وكاتب
ومات عبد المطلب بعد ثمان سنين من مولده فتكفله عمه أبو طالب وخرج به إلى الشام في تجاره له وهو ابن تسع سنين فنزل تحت صومعة بالشام عند بصرى وكان في الصومعة راهب يقال له بحيرا قرأ كتب أهل الكتاب وعرف ما فيها من الأنباء والإمارات، فرأى بحيرا من صومعته غمامة قد أظلت رسول الله ﷺ من الشمس فنزل إليه وجعل يتفقد جسده حتى رأى خاتم النبوّة بين كتفيه وسأله عن حاله في منامه ويقظته، فأخبره بها فوافقت ما عنده في الكتب
стр. 161
وسأل أبا طالب عنه فقال: ابني، فقال: كلا، فقال: ابن أخي مات أبوه وهو حمل، قال: صدقت، وعمل لهم ولمن معهم طعاما لم يكن يعمله لهم من قبل، وقال: احفظوا هذا من اليهود والنصارى فإنه سيد العالمين وسيبعث نبيا إليهم أجمعين وإن عرفوه معكم قتلوه فقالوا كيف عرفت هذا قال: السحابة التي أظلته ورأيت خاتم النبوّة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة على النعت المذكور، ورأيت المدر والشجر يسجدان له ولا يسجدان إلّا لنبي.
وجاء رسول الله ﷺ وكان في رعيه الإبل قد سبقه القوم إلى ظل شجرة فلما جلس مال ظل الشجرة عليه فقال لهم: هذا من آيات نبوّته، وأن الروم إن رأوه عرفوه بصفته فيقتلوه، ثم التفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم وقال: ما جاء بكم، قالوا: جئنا لأن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلّا بعث فيه ناس ونحن آخر من بعث إلى طريقك هذا، فقال لهم: هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم، قالوا: لا، قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده، قالوا: لا، قال:
فارجعوا فتابعوه على الرجوع، وزودهم الراهب حتى أسرع به أبو طالب.
فكانت هذه البشائر من رهبان النصارى وما تقدم من أخبار اليهود وقد توارد عليها جميعهم مع اختلاف معتقدهم وتغاير كتبهم من أوائل الشهود على تعيين النبوّة فيه.
أما عن كتب نعت فيها فأصابوه على النعت فكان إنذارا إلهيا تواردت عليه الخواطر لأن ما هجست به النفوس من أمر كان وما تخيلته العقول ظهر وبان لأن القلوب طلائع الأقدار، والعقول مرايا الأسرار.
ومن هواجس الإلهام: ما حدثنا أبو الحسن محمد بن علي بن محفل ﵀ قال: حدثنا عمر بن حماد الفقيه، قال: حدثنا عمر بن محمد بن بحير السمرقندي قال: حدثنا أحمد بن عبد ربه الضبي قال: أخبرنا عبد الرحمن بن نوح بن عبيد قال: حدثنا عمر بن بكير قال: حدثني أحمد بن القاسم عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رحمة الله عليه قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة وذلك بعد مولد النبي ﷺ بسنين أتى وفود العرب وأشرافها
стр. 162
وشعراؤها لتهنئته ومدحه وذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه فأتاه وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وعبد الله بن جدعان وأسد ابن خويلد بن عبد العزى في ناس من أشراف قريش فلما قدموا عليه إذ هو في رأس قصر يقال له غمدان وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... في رأس غمدان دار منك محلال
قال: فاستأذنوا عليه فأذن لهم فدخلوا عليه فإذا الملك مضمخ بالعنبر يرى وبيص الطيب من مفرقه عليه بردان متزر بأحدهما مرتد بالآخر سيفه بين يديه وعن يمينه وعن يساره الملوك وأبناء الملوك والمقاول
قال: فدنا عبد الملك واستأذن في الكلام فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فتكلم فقد أذنا لك فقال عبد المطلب إن الله أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن وأنت أبيت اللعن ملك للعرب وربيعها الذي يخصب به وأنت أيها الملك رأس العرب الذي إليه تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد سلفك خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف فلن يحمل ذكر من أنت سلفه ولن يهلك من أنت خلفه ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا إليك الذي أبهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا فنحن وفد التهنئة لا وفد التعزية، فقال ابن ذي يزن: فأيهم أنت أيها المتكلم، فقال: أنا عبد المطلب بن هاشم قال: ابن أختنا قال: نعم ابن أختكم، قال: ادن فأدناه على القوم وعليه فقال مرحبا وأهلا وناقة ورحلا ومستناخا سهلا وملكا بحلا يعطي عطاءا جزلا قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم فأنتم أهل الليل وأهل النهار لكم الكرامة ما أقمتم والحباء «١» إذا ظعنتم «٢» .
قال: ثم استنهضوا إلى دار الضيافة والوفود فأقاموا شهرا لا يصلون إليه
стр. 163
ولا يأذن لهم بالانصراف.
قال: ثم انتبه انتباهه فأرسل إلى عبد المطلب فأعلاه وأدنى مجلسه وقال:
يا عبد المطلب إني مفوّض إليك من سر علمي ما لو كان غيرك لم أبح له، ولكن رأيتك معدنه وأطلعتك فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فإن الله بالغ فيه أمره إني أجده في الكتاب المكنون والعم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا واحتجبناه دون غيره خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة.
قال عبد المطلب: أيها الملك فمثلك من سر وبر فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر.
قال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة، فقال له عبد المطلب أبيت اللعن لقد أتيت بخبر ما أتى بمثله وافد فلولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياي ما ازداد به سرورا.
قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه أحمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه قد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل منا له أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل لهم أعداءه يضرب بهم الناس عن عرض ويستفتح بهم كرائم الأرض يكسر الأوثان ويخمد النيران ويعبد الرحمن ويدحر الشيطان، قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله.
قال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك وعلا عقبك وطاب ملكك وطال عمرك فهل الملك سارّي بإفصاح فقد أوضح بعد الإيضاح، فقال ابن يزن والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب أنك يا عبد المطلب لجده غيره الكذب.
قال: فخر عبد المطلب ساجدا فقال ابن ذي يزن ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك. فقال: نعم أيها الملك
стр. 164
كان لي ابن وكنت به معجبا رفيقا أو رقيقا فزوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف فأتت بغلام سميته محمدا مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه بين كتفيه شامة وفيه كل ما ذكرت من علامة.
قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك لكما قلت لك فاحتفظ بابنك واحذر عليه من اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا فاطو ما ذكرته دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن يداخلهم النفاسة من أن تكون لك الرياسة فيبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل وهم فاعلون وأبناؤهم ولولا أني أعلم أن الموت يجتاحني قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكي فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره ولولا أني أقيه الآيات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه ذكره وأوطيت أسنان العرب عقبه ولكني صارف ذلك اليك بغير تقصير ممن معك ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد وعشرة إماء سود وحلتين من حلل البرود وخمسة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فضة وكرش مملوءة عنيرا ولعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال له: إذا حال الحول فائتني بأمره وما يكون من خبره.
قال: فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، قال: فكان عبد المطلب كثيرا يقول: يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كان كثيرا فإنه إلى نفاد ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره وشرفه، فإذا قيل له: وما ذاك؟ قال: ستعلمون ما أقول لكم ولو بعد حين.
ومن هواجس الإلهام: أنه نشأ في قريش على أحسن هدى وطريقة وأشرف خلق وطبيعة وأصدق لسان ولهجة حتى سمته قريش في حداثته الأمين تأسيسا لما سيكون.
وكانت خديجة بنت خويلد ذات شرف ويسار وكان لها متاجر ومضاربات، فلما عرفت أمانة رسول الله ﷺ وصدق لهجته أبضعته مالا يتجر به إلى الشام مضاربا وأنفذت معه مولاها ميسرة ليخدمه في طريقه فنزل ذات يوم
стр. 165
تحت صومعة راهب فرأى الراهب من ظهور كرامة الله تعالى له ما علم أنه لا يكون إلّا لنبي فقال لميسرة: من هذا؟ فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال: إنه نبي، فكان ميسرة يراه إذا ركب تظلّه غمامة تقيه حر الشمس.
فلما قدم على خديجة قص ميسرة عليها حديث الراهب وما شاهده من ظل الغمامة وما تضاعف من ربح التجارة فتنبهت به على عظم شأنه وشواهد برهانه فرغبت خديجة في نكاحه، وكان قد خطبها أشراف قريش فامتنعت، وسفر بينهما في النكاح ميسرة وقيل مولاه بولده وخافت امتناع أبيها عليه فعقرت له ذبيحة وألبسته حبرة وغلفته بطيب وعبير وسقته خمرا حتى سكر وحضر رسول الله ﷺ ومعه عمه حمزة بن عبد المطلب، واختلف في حضور عمه أبي طالب فقال الأكثرون: حضر مع حمزة وخطبها من أبيها فأجابه وزوّجه وهو ابن خمسة وعشرين سنة وخديجة ابنة أربعين سنة ودخل بها من ليلته، فلما أصبح خويلد وصحا رأى آثار ما عليه، فقال: ما هذا العقير والعبير والحبر؟ فيل: زوّجت خديجة بمحمد، قال: ما فعلت؟ قيل له: قبيح بك هذا وقد دخل بها، فرضي، ولأجل ذلك قال رسول الله ﷺ : «لا يرفع إليّ نكاح نشوان إلّا أجزته» ، وقامت خديجة رضي الله تعالى عنها بأمره حتى كفته أمور دنياه، فكان ذلك عونا من الله تعالى ولطفا تفضل به عليه منّا وإسعافا.
ومن هواجس الإلهام: ما حكاه عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرأه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت: هلم، قال:
هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليس يفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأله عنه من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعت لك
стр. 166
ويقولون: لم يبق نبي غيره.
قال عامر: فلما أسلمت أخبرت رسول الله ﷺ بقول زيد وأقرأته منه السلام فرد ﵇ وترحم عليه وقال: «قد رأيته في الجنة يسحب الذيول» .
ومن هواجس الإلهام: ما رواه الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: بعث الله تعالى إلى كسرى ملكا وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه فلم يردعه إلّا به قائما على رأسه في يده عصا بالهاجرة من ساعته التي كان يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل، فانصرف عنه فدعا حراسه وحجابه فتغيظ عليهم فقال: من أدخل هذا الرجل؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه.
حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها فقال له كما قال، ثم قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل ثلاثا، فخرج عنه، فدعا كسرى حراسه وحجابه فتغيظ وقال لهم كما قال أول مرة، فقالوا: ما رأينا أحدا دخل عليك.
حتى إذا كان في العام الثالث آتاه في الساعة التي أتاه فيها، فقال له كما قال، ثم قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل، فكسرها ثم خرج فلم يكن إلّا تهوّر ملكه وانبعاث ابنه والفرس على قتله حتى قتلوه.
ومن هواجس المنام: ما حكاه ابن قتيبة أن كسرى ابرويز ابن هرمز كان سائرا ذات يوم فهوم على مركبه وطال حتى استغفل فأيقظه بعض قواده فانتبه مذعورا لرؤيا رآها قطعها عليه الموقظ له، فقال: رأيت قائلا لي أنكم غيرتم فغيرناكم ونقل الملك إلى أحمد وقيل له سلم ما بيدك إلى صاحب الهراوة إلى أن ورد عليه كتاب النعمان بن المنذر يخبر فيه أن خارجا نجم بتهامة يخبر أنه رسول الله إله السماء والأرض إلى أهل الأرض كافة، فارتاع لذلك وأكبره وعلم أنه الذي رآه في منامه وكان يتوقعه.
ومن هواجس المنام: ما رواه عروة بن مضرس عن مخرمة بن نوفل عن
стр. 167
أمه رقية بنت أبي ضبعي بن هاشم قال: تتابعت على قريش سنون أمحلت الضرع وأدقت العظم فبينا أنا نائمة للهم أو مهمومة إذا هاتف يصرخ بصوت صخب يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث فيكم قد أظلّتكم أيامه وهذا إبان نجومه فحي هلا بالحياء والخصب ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا جسيما أبيض بضا أوطف الأهداب سهل الخدين أشم العرنين له فخر يكظم عليه وسنه يهدي إليه فليخلص هو وولده وليهبط إليه من كل بطن رجل فليستنوا من الماء وليمسوا من الطيب ثم ليستلموا الركن ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤم القوم فغثم ما شئتم فأصبحت علم الله تعالى مذعورة وقد اقشعر جلدي ووله عقلي واقتصصت رؤياي فوالحرمة والحرم ما بقي بها أبطحي إلّا قال: هذا شيبة الحمد- يعنون عبد المطلب- فتتامت إليه رجالات قريش وهبط إليه من كل بطن رجل فسنوا ومسوا واستلموا ثم ارتقوا أبا قبيس وطبقوا جانبيه ما يبلغ سعيهم مهلة حتى استووا بذروة الجبل فقام عبد المطلب ومعه رسول الله ﷺ غلام حين أيفع أو كرب فقال: اللهم سادّ الخلة وكاشف الكربة أنت معلّم غير معلّم ومسؤول غير مبخل وهذه عبادك وإماؤك بغدرات حرمك يشكون إليك سنتهم أذهبت الخف والظلف اللهم فأمطر علينا غيثا مغدقا مريعا، فو الكعبة ما راحوا حتى تفجرت السماء بمائها والحيط الوادي بثجيجه فسمعت شيخين من قريش وأجلّتها: عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية وهشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء، أي عاش بك أهل البطحاء، وفي ذلك يقول رفيقه:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... لما فقدنا الحيا واجلوذ المطر
فجاد بالماء جوى له سبل ... سحا فعاشت به الأنعام والشجر
مبارك الأمر يستسقي الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر
ومن هواجس الإنذار والإلهام والمنام: ما رواه أبو أيوب يعلى بن عمران النحلي عن مخزوم بن هانىء المخزومي عن أبيه واتت له مائة وخمسون سنة قال:
لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ أو بعث ارتجس «٣» إيوان كسرى
стр. 168
فسقطت منه أربع عشرة شرافة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغارت بحيرة ساوة فأفزع ذلك كسرى فلبس تاجه وقعد على سريره وجمع وزراءه ومرازبته وأخبرهم برؤياه فقال الموبذان وأنا أصلح الله تعالى الملك قد رأيت في هذه الليلة إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادنا، فقال: أي شيء هذا يا موبذان؟ فقال: حادثة تكون من ناحية العرب فكتب إلى النعمان بن المنذر أن ابعث إليّ برجل عالم أسأله عما أريد، فوجه إليه عبد المسيح بن عمرو بن نفيلة الغساني، فلما قدم عليه أخبره، فقال: أيها الملك علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشام يقال له سطيح، قال: فأته فاسأله عما أخبرتك به ثم آتي بجوابه، فركب عبد المسيح راحلته حتى ورد على سطيح وقد أشفى على الموت ووضع على شفير قبره فسلم وحيّاه فلم يخبر سطيح جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاضل الخطة أعيت من ومن
أتاك شيخ الحي من آل سنن ... وأمه من آل ذئب بن حجن
أبيض فضفاض الردى خجر البدن ... رسول قيل العجم يسري للوسن
فرفع سطيح رأسه وقال عبد المسيح على جمل مشيح وافى إلى سطيح وقد أوفى به إلى الضريح بعثك ملك بنى ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها ثم قال: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وبعث من تهامة صاحب الهراوة وفاض وادي السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملك وملكات بعدد الشرفات وكل ما هو آت، ثم قضى سطيح فسار عبد المسيح على راحلته وهو يقول:
شمّر فإنك ماضي الهم شمير ... ولا يغرنك تفريق وتغيير
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير
فربما أصبحوا يوما بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير
منهم أخو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
стр. 169
والناس أولاد علات فمن علموا ... إن قد أقل فمهجور ومحقور
وهم بنو الأم إلّا أن يروا نسبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور
والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور
فلما قدم عبد المسيح على كسرى وأخبره قال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور، فملك منهم عشرة ملوك أربع سنين وزال ملكهم عن يزدجر الرابع عشر بعد اثنتي عشرة سنة.
فإن قيل: فهذا قول كاهن قد أبطلته النبوة فلم يقبل قوله في إثبات النبوة فعنه جوابان:
أحدهما: أنه تأويل رؤيا تحققت خرج بها عن حكم الكهانة.
والثاني: أنه علمها بنقل الجن كهتوف الجن كما قال الله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ «٤» فإذا سبر ما اختلفت طرقه وتغاير وصفه حرج عن القلة إلى التكاثر وعن الآحاد إلى التواتر فصار الظن معلوما والتوهم محتوما.
стр. 170
الباب الثامن عشر في مبادىء نسبه وطهارة مولده ﷺ
لما كان أنبياء الله صفوة عباده وخير خلقه لما كلفهم من القيام بحقه استخلصهم من أكرم العناصر وأمدهم بأوكد الأواصر حفظا لنسبهم من قدح ولمنصبهم من جرح لتكون النفوس لهم أوطأ والقلوب لهم أصفى فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع ولأوامرهم أطوع ولما تفرغ الملك عن إبراهيم واختصت النبوة بولده انحازت إلى ولد إسحاق دون إسماعيل فصارت في بني إسرائيل لكثرتهم بعد القلة وقوّتهم بعد الذلة، فبدأت النبوة بموسى وانختمت بعيسى، ولما كثر ولد إسماعيل وانتشروا في الأرض تميز بعد الكثرة ولد قحطان عن ولد عدنان واستولت قحطان على الملك انحازت النبوة إلى ولد عدنان، فأول من أسس لهم مجدا وشيّد لهم ذكرا معد بن عدنان حين اصطفاه بختنصر «١» وقد ملك أقاليم الأرض وكان قد همّ بقتله حين غزا بلاد العرب فأنذره نبي كان في وقته بأن النبوة في ولده فاستبقاه وأكرمه ومكّنه واستولى على تهامة بيد عالية وأمر مطاع، وفيه يقول مهلهل الشاعر:
غنيت دارنا تهامة بالأمس ... وفيها بنو معد حلولا
ثم ازداد العز بولده نزار وانبسطت به اليد وتقدم عند ملوك الفرس واجتباه تستشف ملك الفرس وكان اسمه خلدان وكان مهزول البدن، فقال
стр. 171
الملك: ما لك يا نزار، وتفسيره في لغتهم يا مهزول، فغلب عليه هذا الاسم فسمي نزارا، وفيه يقول قمعة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان:
جديسا خلفناه وطسما بأرضه ... فأكرم بنا عند الفخار فخارا
فنحن بنو عدنان خلدان جدنا ... فسماه تستشف الهمام نزارا
فسمى نزارا بعد ما كان اسمه ... لدى العرب خلدان بنوه خيارا
وكان لنزار أربعة أولاد: مضر وربيعة وأياد وأنمار، فلما حضرته الوفاة وصّاهم فقال: يا بني هذه القبة الحمراء وما أشبهها لأياد وهذه الندوة والمجلس وما أشبهه لأنمار فإن أشكل عليكم واختلفتم فعليكم بالأفعى الجرهمي بنجران، فاختلفوا في القسمة فتوجهوا إليه فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلأ قد رعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا الكلأ لأعور، وقال ربيعة: هو أزور، وقال أياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود، فلم يسيروا قليلا حتى لقيهم رجل يوضع على راحلته فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور؟ قال: نعم، وقال ربيعة: هو أزور؟ قال: نعم، وقال أياد: هو أبتر؟ قال: نعم، وقال أنمار: هو شرود؟ قال: نعم، وهذه والله صفة بعيري فدلوني عليه، فقالوا:
والله ما رأيناه، قال: قد وصفتموه بصفته فكيف لم تروه، وسار معهم إلى نجران حتى نزلوا بالأفعى الجرهمي، فناداه صاحب البعير: هؤلاء أصحاب بعيري وصفوه لي بصفته وقالوا لم نره، فقال لهم الأفعى الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته يرعى جانبا ويترك جانبا فعرفت أنه أعور، وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أزور، وقال أياد: رأيت بعره مجتمعا فعرفت أنه أبتر، وقال أنمار:
رأيته يرعى المكان الملتف ثم يجوز إلى غيره فعرفت أنه شرود، فقال الجرهمي لصاحب البعير: ليسوا أصحاب بعيرك فاطلب من غيرهم، ثم سألهم من هم؟ فأخبروه أنهم بنو نزار بن معد، فقال: أتحتاجون إليّ وأنتم كما أرى، فدعا لهم لطعام فأكلوا وأكل، وبشراب فشربوا وشرب، فقال مضر:
لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلبة، وقال أياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه
стр. 172
يدعى لغير أبيه، وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا.
وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا ولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل به فوطئها فحملت منه به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال: من كرمة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن اللحم، فقال: شاة أرضعتها بلبن كلبة لأن الشاة حين ولدت ماتت ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها، فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر؟ قال: لأنه أصابني عليها عطش شديد، وقيل لربيعة: من أين عرفت أن الشاة ارتضعت على لبن كلبة، قال:
لأني شممت منه رائحة الكلب، وقيل لأياد: من أين عرفت أن الرجل يدعى لغير أبيه، قال: لأني رأيته يتكلف ما يعمله، ثم أتاهم الجرهمي وقال: صفوا لي صفتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم نزار، فقضى لمضر بالقبة الحمراء والدنانير والإبل وهي حمر فسمي مضر الحمراء، وقضى لربيعة بالخباء الأسود والخيل الدهم فسمي ربيعة الفرس، وقضى لأياد بالخادمة الشمطاء والماشية البلق، وقضى لأنمار بالأرض والدراهم.
وهذا الذي ظهر في أولاد نزار من قوة الذكاء وحد الفطنة تأسيسا لتميزهم بالفضل واختصاصهم بوفور العقل مقدمة لما يراد بهم، ثم تفرقت القبائل منهم، فاختص ولد مضر بن نزار بالحرم فتميزوا بأنسابهم وتناصروا بسيوفهم «٢» حتى استولت قريش على الحرم بعد جرهم وخزاعة لأن جرهم كانوا جبابرة فبغوا وتجبروا حتى بعث الله تعالى عليهم الرعاف والنمل فأفناهم وأفضى أمرهم إلى عامر بن الحرث وهم القائلون:
واد حرام طيره ووحشه ... نحن ولاته فلا نغشه
فاجتمعت خزاعة ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة على عامر بن ربيعة وبقية جرهم فأخرجوه من الحرم واستولت عليه خزاعة وولّي البيت عمرو بن ربيعة فقال:
стр. 173
نحن ولّينا البيت بعد جرهم ... نعمره من كل باغ ملحد
ولما انحاز عامر بن الحرث مع بقية جرهم عن الحرم عند استيلاء خزاعة عليه خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول:
لا هم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك
فلم تقبل توبته فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ودفنها وخرج ببقية جرهم وهو يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والدهور الغواير
فلما رأى عامر بن الحرث الجرهميّ ما صاروا إليه بعد الكثرة والقوة قال:
يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا
خطوا المطى وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا
فوليت خزاعة البيت والحرم غير أنه كان في مضر من أمره ثلاث خلال:
إحداهن: الدفع من عرفة إلى المزدلفة، كان إلى الغوث بن بزمر وهو صرفه.
والثانية: الإفاضة من مزدلفة إلى منى للنحر كان لزيد بن عدوان وآخر من أفضى إليه أبو سيارة.
والثالثة: النسيء لشهور الحج كان للمتلمس من بني كنانة واخر من أفضى إليه حتى جاء بالإسلام ثمامة بن عوف فشركت مضر خزاعة في معالم الحج وإن كانت زعامة الحرم لخزاعة وقريش في اوزاع بنى كنانة من مضر وأفضت
стр. 174
معالم الحج من أوزاع مضر إلى قريش فولاها منهم كعب بن لؤي بن غالب وكان يجمع الناس في كل يوم جمعة ويخطب فيه على قريش فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقول: حرمكم عظّموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم، وهو أول من فصح بالنبوة حين شاهد آثارها وعرف أسرارها من انقياد العرب إليهم تدينا بحرمهم وإعظاما لكعبتهم وكان ذلك إلهاما هجست به نفسه وتخيلا صدق فيه حدسه لأن لكل خطب نذيرا ولكل مستقبل بشيرا، وانتهضت خزاعة في الحرم إلى خليل بن الحبشية الخزاعي، فكان يلي الكعبة وأمر مكة، فتزوج إليه قصي بن كلاب فاشتد به قصي وكان اسمه زيد، فلما هلك خليل رأى قصي أنه أولى بالولاية على الكعبة وأمر مكة من خزاعة، فاستولى عليها.
واختلف في سبب استيلائه فقال قوم: لأن خليلا أوصى إليه بذلك، وقال آخرون بل اشتراه من آل خليل بزق من خمر، وقال آخرون بل استنصر على خزاعة بأخيه لأمه رزاح بن ربيعة القضاعي حتى أجلى خزاعة عن مكة فخلصت الرياسة لقصي فجمع قريشا وهم في أوزاع بني كنانة فمنعت بنو كنانة منهم فحاربهم بمن أطاعه حتى أفردهم منهم وجمعهم بمكة فسمي مجمعا، وفيه يقول شاعرهم:
أبونا قصي كان يدعي مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
فلما اجتمعوا أنزلهم بطحاء مكة في الشعاب ورؤس الجبال وقسمها بينهم أرباعا بين قومه وأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها وكانت إليه الحجابة والسقاية والوفادة والندوة واللواء وصارت سنّته في قريش كالدين الذي لا يعمل بغيره فزادت القوة بجمعهم حتى عقد الولاية وجدّد بناء الكعبة وهو أول من بناها بعد إبراهيم وإسماعيل وبنى دار الندوة للتحاكم والتشاجر والتشاور، وهي أول دار بنيت بمكة وكانوا يجتمعون في جبالها ثم بنى القوم دورهم بها فتمهدت لهم الرياسة وظهرت فيهم السياسة فصاروا بها زعماء عبادة أنذرت بطاعة إلهية وديانة نبوية توطئة لما جدده الله تعالى منها برسوله وتأسيسا لمباديها فقاموا بالكعبة ونزهوا الحرم وتكفلوا بالحج فصاروا دياني العرب
стр. 175
وولاة الحرم وقادة الحجيج فدانت لهم العرب وتقدموا فيهم بالشرف لحلولهم في الحرم وتكفلهم بالكعبة ثم قيامهم بالحج وشاع ذلك في الأمم.
فحكى قوم من دياني «٣» العرب أن جماعة من ملوك الفرس زاروا الكعبة بمكة وعظموها وحملوا إليها صنوف الثياب وأنواع الطيب وزمزموا من معهم من الفرس عند بئر زمزم، فلذلك سميت زمزم، واستشهد قائل هذا بقول الشاعر:
زمزمت الفرس على زمزم ... وذاك في سالفة الأقدم
وقريش هم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وقيل بل هم بنو فهر بن مالك بن النضر فمن نسبهم إلى النضر فلأنه تفرقت قبائل بني كنانة، وقيل كان يسمى قريشا ومن نسبهم إلى فهر فلأن فهرا في زمانه كان رئيس الناس بمكة وقصدها حسان بن عبد كلال في حمير وقبائل اليمن ليهدم الكعبة وينقل أحجارها إلى اليمن ليبنيه بيتا باليمن يجعل حج الناس إليه، فنزل بنخلة وأغار على سرح مكة فسار إليه فهر في كنانة وأحلافهم من قبائل مضر، فانهزمت حمير وأسر الحرث بن فهر حسان بن عبد كلال فبقي في يد فهر ثلاث سنين أسيرا بمكة حتى فدى نفسه وخرج فمات بين مكة واليمن، فعظم بهذا الحرث شأن فهر فأغزت إليه قريش حين حمى مكة ومنع من هدم الكعبة وكانت من أشباه عام الفيل واختلف في تسميتهم قريشا على أربعة أقاويل أحدها لتجمّعهم بعد التفرق، والتقرش التجمع، ومنه قول الشاعر:
أخوة قرشوا الذنوب علينا ... في حديث من دهرهم وقديم
والثاني لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم والقرش التكسب، والثالث لأنهم كانوا يفتشون الحاجة عند ذي الخلة «٤» فيسدون خلته والقرش التفتش، ومنه قول الشاعر:
أيها السامت التقرش عنا ... عند عمرو فهل له إبقاء
стр. 176
والرابع أن قريشا اسم دابة في البحر من أقوى دوابه سميت بها قريش لقوتها، أنها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى، قاله ابن عباس واستشهد بقول الشاعر:
وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا
سلطت بالعلو في لجة البحر ... على ساكني البحور جيوشا
تأكل الغث والسمين ولا ... تترك يوما لذي الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حتى قريش ... يأكلون البلاد أكلا كشيشا
ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا
تملأ الأرض خيله ورجال ... يحشرون المطي حشرا كميشا
وهذا من هواجس النفوس المخبرة وآيات العقول المنذرة، فأما مكة فلها اسمان: مكة وبكة، وقد جاء القرآن بهما، واختلف في الاسمين هل هما لمسمى واحد أو لمسميين على قولين:
أحدهما: أنه لمسمى واحد لأن العرب تبدل الميم بالباء فيقولون ضربة لازم ولازب لقرب المخرجين.
والقول الثاني: وهو أشبه أنهما اسمان لمسميين، واختلف من قال بهذا في المسمى منهما على قولين؛
أحدهما: أن مكة اسم البلد وبكة «٥» اسم البيت، وهذا قول إبراهيم النخعي.
والقول الثاني: أن مكة الحرم كله وبكة المسجد كله، وهذا قول زيد بن أسلم، فأما مكة فمأخوذة من قولهم: تمككت المخ إذا استخرجته لأنها تملك الفاجر، أي تخرجه، قال الشاعر:
يا مكة الفاجر مكي مكا ... ولا تمكي مذ حجا وعكا
وأما بكة قال الأصمعي: سميت بذلك لأن الناس يبك بعضهم بعضا،
стр. 177
أي يدفع، وأنشد يقول:
إذا الشريب أخذته بكة ... فخله حتى يبك بكة
ثم أفضت رئاسة قريش بعد قصي إلى ابنه عبد مناف بن قصي فجاد وزاد وساد حتى قال فيه الشاعر:
كانت قريش بيضة فتفقأت ... فالمح خصاله لعبد مناف
وكان اسمه المغيرة فدفعته أمه إلى مناف وكان أعظم أصنام مكة تعظيما له فغلب عليه عبد مناف وكان يسمى القمر لجماله فاستحكمت رياسته بعد أبيه لجوده وسياسته ثم ببنيه فولد له هاشم وعبد شمس توأمان في بطن فقيل أنه ابتدأ خروج أحدهما وأصبعه ملصقة بجبهة الآخر فلما أزيلت دمى موضعها فقيل: يكون بينهما دم، ثم ولد بعدهما نوفل، ثم المطلب. وكان أصغرهم فساروا وتقدمهم هاشم لسخائه وسؤدده، وكان اسمه عمرا، فسمي هاشما لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة في سنة لزبة قحطة رحل فيها إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق وقدم به إلى مكة ونحر الجزر وجعلها ثريدا عمّ به أهل مكة حتى استقلوا، فقال فيه الشاعر:
يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بال عبد مناف
الآخذون العهد من آفاقها ... الراحلون لرحلة الإيلاف
والرايشون وليس يوجد رايش ... والقائلون هلم للأضياف
والخالطون غنيهم بفقيرهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
وهاشم أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وأراد أمية بن عبد شمس أن يتشبه بهاشم في صنيعه فعجز عنه فشمت به ناس كثير من قريش، فقال فيه وهب بن عبد قصي:
تحمل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به بريض
أتاهم بالغرائر مثقلات ... من الشام بالبر البغيض
فأوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب اللحم باللحم الغريض
стр. 178
ونشبت العداوة بين أمية وهاشم وأراد منافرته فكره هاشم ذلك لنسبه وقدره فلم تدعه قريش حتى نافره إلى الكاهن الخزاعي في خمسين ناقة سود الحدق ينحرها ببطن مكة والجلاء من مكة عشر سنين، فنفر الخزاعي هاشما وقال لأمية: تنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأحسن منك وسامة وأقل منك لامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفرا، فقال أمية: من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية وملك هاشم الوفادة والسقاية واستقرت له الرياسه وصارت قريش له تابعة تنقاد لأمره وتعمل برأيه، وتنافرت قريش وخزاعة إليه فخطبهم بما أذعن له الفريقان بالطاعة، فقال في خطبته: أيها الناس نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل وبنو النضر ابن كنانة وبنو قصي بن كلاب وأرباب مكة وسكان الحرم لنا ذروة الحسب ومعدن المجد ولكل في كل حلف يجيب عليه نصرته وإجابة دعوته إلّا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم يا بني قصي أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أوحش صاحبه والسيف لا يصان إلّا بغمده ورامي العشيرة يصيبه سهمه ومن أمحكه اللجاج أخرجه إلى البغي أيها الناس الحلم شرف والصبر ظفر والمعروف كنز والجود سؤد والجهل سفه والأيام دول والدهر غير والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء وأكرموا الجليس يعمر ناديكم وحاموا الخليط يرغب في جواركم وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة وإياكم والأخلاق الدنيئة فإنها تضع الشرف وتهدم المجد ألا وأن نهنهة الجاهل أهون من حزيرته ورأس العشيرة يحمل أثقالها ومقام الحليم عظة لمن انتفع به.
فقالت قريش: رضينا بك أبا نضلة، وهي كنيته، فانظروا إلى ما أمر به من شريف الأخلاق ونهى عنه من مساوىء الأفعال هل صدر إلّا عن غزارة فضل وجلالة قدر وعلو همة وما ذاك إلّا لاصطفاء يراد وذكر يشاد لأن توالي ذلك في الآباء يوجب تناهيه في الأبناء، ومات هاشم بغزة من أرض الشام وهو أول
стр. 179
من مات من ولد عبد مناف ثم مات عبد شمس بمكة فقبر باجياد ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق ومات المطلب بريمان من أرض اليمن، وكان هاشم قد تزوج بيثرب من الخزرج بسلمى بنت عمرو النجارية فولدت له بيثرب عبد المطلب وكان اسمه شيبة الحمد ونشأ فيهم حتى مات أبوه هاشم وانتقلت عنه الرياسة والوفادة والسقاية إلى أخيه المطلب ووصف له شيبة بيثرب فخرج فاستنزل أمه عنه حتى أخذه منها ودخل به مكة مردفا له فقالت قريش: من هذا؟ فقال: عبدي، فسمي عبد المطلب إلى أن مات فوثب عليه عمه نوفل ابن عبد مناف في ركح كان له فاغتصبه إياه- والركح الساحة- فسأل عبد المطلب رجالات قومه النصرة على عمه، فقالوا: لسنا داخلين بينك وبين عمك، فلما رأى عبد المطلب ذلك كتب إلى أخواله من بني النجار يقول:
يا طول ليلي لأشجاني وأشغالي ... هل من رسول إلى النجار أخوالي
ينبىء عديا ودينارا ومازنها ... ومالكا عصمة الجيران عن حالي
وكنت ما كنت حيا ناعما جذلا ... أمشي الغضية سحابا لأذيالي
حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني ... عن ذاك مطلب عمي بترحالي
فغاب مطلب في قعر مظلمة ... وقام نوفل كي يعدو على مالي
أئن رأى رجلا غابت عمومته ... وغاب أخواله عنه بلا والي
أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ... ما أمنع المرء بين العم والخال
فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم ... لا تخذلوه وما أنتم بخذالي
ما مثلكم في بني قحطان قاطبة ... حي لجار وانعام وافضال
أنتم ليان لمن لانت عريكته ... سلما لكم وسمام الأبلج العالي
فقدم عليه ثمانون راكبا من بني النجار ونصروه على عمه نوفل وارتجعوا منه الركح وعادوا، وقد اشتد بهم عبد المطلب فدعا ذلك نوفلا أن حالف بني عبد شمس على عبد المطلب وبني هاشم ودعا ذلك عبد المطلب على أن حالف بني هاشم على نوفل وبني عبد شمس، فقوى عبد المطلب وضعف نوفل وانتقلت السقاية والوفادة والرياسة إلى عبد المطلب، وأخذ نوفل عهدا من أكاسرة العراق وصارت رحلته إليها، وأخذ عبد المطلب عهدا من ملوك الشام
стр. 180
وأقيال حمير باليمن وصارت رحلته إليها، وحفر عبد المطلب حين قوي واشتد بئر زمزم وأخرج منها ما كان ألقاه فيها عامر بن الحرث الجرهمي ومن غزالي الكعبة وحجر الركن فضرب الغزالين صفائح ذهب على باب الكعبة ووضع الحجر في الركن، وصار عبد المطلب سيدا عظيم القدر مطاع الأمر نجيب النسل حتى مرّ به أعرابي وهو جالس في الحجر وحوله بنوه كالأسد، فقال: إذا أحب الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء، فأنشأ الله لهم بالنبوة دولة وخلد بها ذكرهم ورفع بها قدرهم حتى سادوا الأنام وصاروا الأعلام وصار كل من قرب إلى رسول الله ﷺ من آبائه أعظم رياسة وتنوها وأكثر فضلا وتالها.
فحكى الزهري ويزيد بن رومان وصالح بن كيسان أن عبد الطلب بن هاشم نذر أنه متى رزق عشرة أولاد ذكور ورآهم بين يديه رجالا أن ينحر أحدهم للكعبة شكرا لربه حين علم أن إبراهيم أمر بذبح ولده تصوّرا من أنه أفضل قربة فلما استكمل ولده العدد وصاروا له من أظهر العدد قال لهم: يا بني كنت نذرت نذرا علمتموه قبل اليوم فما تقولون؟ قالوا: الأمر لك وإليك ونحن بين يديك، فقال: لينطلق كل واحد منكم إلى قدحه وليكتب عليه اسمه، ففعلوا ثم أتوه بالقداح فأخذها وجعل يرتجز ويقول:
عاهدته وأنا موف عهده ... والله لا يحمد شيء حمده
إذا كان مولاي وكنت عبده ... نذرت نذرا لا أحب رده
ولا أحب ان اعيش بعده
ثم دعا بالأمين الذي يضرب بالقداح فدفع إليه قداحهم وقال: حرك ولا تعجل، وكان أحب ولد عبد المطلب إليه عبد الله، فضرب صاحب القداح السهم على عبد الله، فأخذ عبد المطلب الشفرة وأتى بعبد الله وأضجعه بين إساف ونائلة وأنشأ مرتجزا يقول:
عاهدته وأنا موف نذره ... والله لا يقدر شيء قدره
هدا بني قد أريد نحره ... وإن يؤخره يقبل عذره
وهمّ بذبحه فوثب إليه ابنه أبو طالب وكان أخا عبد الله لأبيه وامه وأمسك يد عبد المطلب عن أخيه، وأنشأ مرتجزا يقول: