إحمل إلى هذا الذي يذكر أنه نبي وبدأ باسمه قبل اسمي ودعاني إلى غير ديني، فبعث إليه فيروز بن الديلمي مع جماعة من أصحابه وكتب معهم كتابا يذكر فيه ما كتب به كسرى، فأتاه فيروز بمن معه وقال له: إن ربي- يعني كسرى- أمرني أن أحملك إليه فاستنظره ليلة، فلما كان من الغد حضر فيروز سحبا فقال له رسول الله ﷺ : «أخبرني ربي أنه قتل ربك البارحة سلط عليه ابنه شيرويه على سبع ساعات من الليل فأمسك ريثما يأتيك الخبر» ، فراع ذلك فيروز وهاله وعاد فيروز إلى باذان فأخبره، فقال له باذان: كيف وجدت نفسك حين دخلت إليه؟ فقال: والله ما هبت أحدا قط كهيبة هذا الرجل، فقال باذان: إن كان ما قاله حقا فهو نبي، فلم يرعه إلّا ورود الخبر عليه بقتله في تلك الليلة من تلك الساعة، فأسلم باذان وفيروز ومن معهم من الأبناء، وظهر العنسي بما افتراه من الكذب فأرسل إلى فيروز أن اقتله، قتله الله، فقتله، وفي هذا الخبر من آيات الغيوب ما لا يعلمه إلّا الله أو من أطلعه عليه.
ومن أعلامه: أنه رأى ذراعي سراقة بن مالك بن جعشم دقيقين أشعرين فقال: «كيف بك إذا ألبست بعدي سواري كسرى» ، فلما فتحت فارس دعاه عمر وألبسه سواري كسرى وقال له: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم.
ومن أعلامه: ما رواه جابر بن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ثم قال: «أن النجاشي أصحمة قد توفي هذه الساعة فاخرجوا بنا إلى المصلى نصلي عليه فصلى عليه وكبّر أربعا فقال المنافقون إنظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط فأنزل الله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ «٧» . الآية.
ثم جاء الخبر بموت النجاشي من تجار وردوا المدينة.
ومثله ما روي أن ريحا هبت بتبوك فقال رسول الله ﷺ : «هذا لموت منافق عظيم النفاق قد مات في ذلك الوقت» .
стр. 107
ومن أعلامه: أنه قال لأصحابه: «اليوم نصرت العرب على العجم وبي نصروا» فجاء خبر الوقعة بذي قار وما أدال الله تعالى فيه العرب من العجم حين قتلت فيه بنو شيبان وبكر بن وائل من الفرس من قتلوا وكان أول يوم انتصف فيه العرب من العجم وجاءهم الخبر أنه كان في الساعة من اليوم الذي أخبر به رسول الله ﷺ .
ومن أعلامه: أنه كشف الله تعالى له ما غاب عنه في جيش مؤتة، فقال لأصحابه: «أخذ الراية زيد بن حارثة وتقدم فقتل ومضى شهيدا ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب وتقدم فقتل ومضى شهيدا» ووقف وقفة ثم قال:
«وأخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة وتقدم فقتل ومضى شهيدا» لأن عبد الله بن رواحة توقف عن أخذ الراية بعد قتل جعفر زمانا ثم أخذها، قال: «ثم ارتضى المسلمون خالد بن الوليد فكشف العدو عنهم حتى خلصوا» ، ثم قام إلى بيت جعفر بن أبي طالب فاستخرج ولده ودمعت عيناه ونعى جعفر إلى أهله وجاءت الأخبار بأنهم قتلوا في ذلك اليوم على ما وصفه.
ومن أعلامه: قوله في ليلة الإسراء حين اصبح: «مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما وإذا اناء فيه ماء وقد غطوا عليه فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ورددت الغطاء كما كان وآية ذلك أن عيرهم الآن تقبل من موضع كذا يقدمها «٨» جمل أورق «٩» عليه غرارتان «١٠» إحداهما سوداء والأخرى ورقاء» ، فابتدر القوم الثنية فوجدوا ما وصف، وسألهم عن الإناء فوجدوا الأمر كما قال.
ومن أعلامه: أنه رأى عليا كرم الله وجهه في غزاة العشيرة على التراب ومعه عمار فقال لهما: «ألا أخبركما بأشقى الناس» ، قال: بلى، قال:
«أشقى الناس أحمر ثمود وعاقر الناقة والذي يخضب، يا علي هذه من هذه» ، وأشار إلى لحيته من رأسه، وقال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية وآخر زادك من الدنيا صاع من لبن» ، فكان من قتل ابن ملجم لعنه الله لعلي كرم
стр. 108
الله وجهه ما كان وقتل عمار يوم صفين، فلما ذكر الخبر لمعاوية لم ينكره ودفعه عن نفسه بأن قال: إنما قتله من جاء به.
ومثله ما روي أن النبي ﷺ ذكر زيد بن صوحان فقال: «زيد وما زيد بسبقه عضو منه إلى الجنة» ، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله، وقال:
«الخلافة بعدي ثلاثون وما بعد ذلك ملك» .
نوع آخر من أعلامه ﷺ : أنه نزل بجيشه في غزوة تبوك على غير ماء وهم نحو ثلاثين ألفا فعطشوا وشكوا ذلك إليه فبعث أبا قتادة وأبا طلحة وسماك بن خرشنة وسعد بن عبادة يلتمسون الماء فغابوا إلى قائم الظهيرة «١١» ثم رجعوا ولم يجدوا شيئا، وبلغ العطش من الناس والخيل والدواب، فصلى بأصحابه متيمما، فلما فرغ شكوا إليه العطش فبعث أسيد بن حضير وأسامة يلتمسون الماء من الأعراب، فقال المنافقون: أن محمدا يخبر باخبار السماء وهو لا يدري الطريق إلى الماء، فأتاه جبريل ﵇ فأخبره بقولهم وسماهم له، فشكى ذلك إلى سعد بن عبادة فقال سعد: إن شئت ضربت أعناقهم، فقال: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولكن نحسن صحبتهم ما أقاموا معنا» ، ثم قال لأبي الهيثم بن التيهان وأبي قتادة وسهيل بن بيضاء يستعرضون الطريق ويأخذون على الكثيب فتقفوا ساعة فإن عجوزا من الأعراب تمر بكم على ناقة لها معها سقاء من ماء فاطعموها واشتروا منها بما عزّ وهان «١٢» وجيئوا بها مع الماء» ، فمضوا حتى بلغوا الموضع الذي وصف لهم فإذا بالمرأة فقالوا:
تبيعينا هذا الماء؟ قالت: أنا وأهلي أحوج إلى الماء منكم، فطلبوا إليها أن تأتي رسول الله ﷺ مع الماء فأبت وقالت: إن هذا لساحر، خير الأشياء أن لا أراه ولا يراني فشدوا وثاقها حتى حاءوا بها مع الماء، فلما وقفت بين يدي رسول الله ﷺ قال: «خلوا عنها، وقال لها: تبيعين هذا الماء» ؟ قالت: إن أهلي أحوج إليه منكم، قال: «فائذني لنا فيه وليصيرن ذلك كما جئت به» ، قالت:
стр. 109
شأنكم، فقال لأبي قتادة: «هات الميضأة «١٣» » ، فقربت إليه فحل السقاء «١٤» وتفل فيه وصب في الميضأة فوضع يده فيه ثم قال: «ادنوا فخذوا» ، فجعل الماء يزيد والناس يأخذون حتى ما أبقوا معهم سقاء إلّا ملأوه وأرووا خليهم وأبلهم والميضأة ملأى ثم زاد رسول الله ﷺ في السقاء حتى ملأه وبقي في الميضأة ثلثاه ثم توضأوا كلهم حين أصبحوا وهو يزيد ولا ينقص.
ومن أعلامه ﷺ : أن ناقة له ضلت في توجهه إلى تبوك فتفرّق الناس في طلبها وكان عنده عمارة بن حزم وفي رحل عمارة زيد بن اللصيت وكان يهوديا قد أسلم ونافق، فقال زيد في رحل عمارة: يزعم محمد أنه نبي يخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، فقال رسول الله ﷺ : «إن منافقا يقول أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم بخبر السماء ولا يدري أين ناقته، والله لا أعلم إلّا ما علمني ربي وقد أعلمني أنها في الوادي في شعب كذا حبستها سمرة «١٥» بزمامها» ، فبادر الناس فوجدوها كذلك فأتوه بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله وقال: لقد عجبت مما ذكره رسول الله ﷺ ، فقال رجل كان في رحله مع زيد بن اللصيت: أن زيدا قال هذا قبل أن تطلع علينا، فوجأ عمارة زيدا في عنقه وقال: إنك لداهية في رحلي اخرج يا عدو الله منه، ولأجل ما لقيه في غزاة تبوك من الجهد قال لأصحابه: «ألا أسرّكم» ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إن الله تعالى أعطاني الليلة الكنزين فارس والروم وأمدني بالملوك ملوك حمير يجاهدون في سبيل الله ويأكلون فيء الله» ، فكان ذلك.
ومن أعلامه ﷺ : أنه بعث خالد بن الوليد من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل من كندة فقال خالد: يا رسول الله كيف لي به وسط بلاد كلب وإنما أنا في عدد يسير؟ فقال: ستجده يصيد البقر فتأخذه، فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة قمراء صائفة وهو على سطح له من شدة الحر مع امرأته فأقبلت البقر تحك بقرونها باب
стр. 110
الحصن، فقال أكيدر: والله ما رأيت بقرا جاءتنا ليلا غير هذه الليلة لقد كنت أضمر لها الخيل إذا أردتها شهرا أو أكثر، ثم نزل فركب بالرجال والآلة، فلما فصلوا من الحصن وخيل خالد تنظر إليهم لا يصهل منها فرس ولم يتحرك فساعة فصل أخذته الخيل فاستؤسر أكيدر.
ومن أعلامه ﷺ : أنه لما قاضى سهيل بن عمرو بالحديبية حين صدته قريش عن العمرة وكتبت بينه وبينه القضية «١٦» قال لعلي كرم الله وجهه اكتب:
هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما صددتك ولكن أقدمك لشرفك اكتب محمد بن عبد الله، فقال: يا علي امح رسول الله، فقال علي: لا أستطيع أن أمحو اسمك من النبوة، فمدّ رسول الله ﷺ يده إلى الموضع فمحاه وقال لعلي ستسام مثلها فتجيب، فقيل له مثلها يوم الحكمين حين ذكر في كتاب التحكيم هذا ما تحاكم عليه علي أمير المؤمنين فقال له عمرو: لو سلمنا إنك أمير المؤمنين ما نازعناك، فمحا أمير المؤمنين، ولما قال سهيل ذلك قال عمر: يا رسول الله دعني أنزع ثنيي سهل لنلثغ لسانه فلا يقوم علينا خطيبا أبدا.
وكان سهيل أعلم الشفة «١٧» السفلى فكان خطيبا بينا، فقال له رسول الله ﷺ : دعه يا عمر فعسى أن يقوم لك مقاما تحمده، فكان من حسن قيامه بمكة حين هاج أهلها بموت رسول الله ﷺ واستخفى عتاب بن أسيد ما حمد أثره.
ومن أعلامه ﷺ : ما حكاه السدي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه:
«يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان» فأتاه الحطم بن هند البكري وحده وخلف خيله خارجة من المدينة فدعاه رسول الله ﷺ د فقال:
«إلى ما تدعو» ؟ فأخبره فقال: أنظرني فلي من أشاوره، فخرج من عنده فقال رسول الله ﷺ : «لقد دخل بوجه كافر وخرج بعتب غادر» ، فمر بسرح من سرح المدينة فاستاقه وانطلق مرتجزا يقول:
стр. 111
لقد لفها الليل سواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم ... باتوا نياما وابن هند لم ينم
باتت يناسيها غلام كالزلم ... مدلج الساقين ممسوح القدم
ثم أقبل عام قابل حاجا قد قلد الهدي فأراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه فنزل عليه قوله تعالى: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ «١٨» فقال له ناس من أصحابه: هذا صاحبنا خل بيننا وبينه. فقال إنه من قلّد.
نوع آخر من أعلامه ﷺ : ما روى عاصم بن عمرو عن قتادة قال: لما رجع المشركون إلى مكة من بدر قال عمير بن وهب الجمحي لصفوان بن أمية:
قبح الله العيش بعد قتلي بدر والله لولا دين عليّ لا أجد له قضاء وعيال لا أدع لهم شيئا لرحلت إلى محمد حتى أقتله إن ملأت عيني منه قتلته فإنه بلغني أنه يطوف في الأسواق.
فقال له صفوان: دينك عليّ وعيالك أسوة عيالي فاعمد لشأنك فجهزه وحمله على بعير فشحذ عمير سيفه وسمه وسار إلى المدينة فدخلها متقلدا سيفه فبصر به عمر رضي الله تعالى عنه فوثب إليه ووضع حمائل سيفه في عنقه وأدخله على رسول الله ﷺ وقال: هذا عدو الله عمير بن وهب، فقال تأخر عنه يا عمر ثم قال له ما أقدمك. قال: لفداء أسيري عندكم. قال: فما بال السيف.
قال: قبحها الله وهل أغنت من شيء وإنما نسيته حين نزلت وهو في رقبتي، فقال له: فما شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟ ففزع عمير وقال ماذا شرطت له. قال: تحملت له بقتلي على أن يقضي دينك ويعول عيالك والله تعالى حائل بينك وبين ذلك.
فقال عمير: أشهد أنك لرسول الله وإنك صادق وأشهد أن لا إله إلا الله كنا نكذبك بالوحي من السماء وهذا الحديث كان سرا بيني وبين صفوان كما قلت لم يطلع عليه أحد غيري.
стр. 112
فقال عمر: والله لخنزير كان أحب إلي منه حين طلع وهو الساعة أحب إلي من بعض ولدي فقال رسول الله ﷺ : «علموا أخاكم القرآن وأطلقوا له أسيره» فقال عمير: إني كنت جاهدا في إطفاء نور الله وقد هداني الله فله الحمد فأذن لي فألحق قريشا فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام فأذن له فلحق بمكة ودعاهم فأسلم معه بشر كثير وحلف صفوان أن لا يكلمه أبدا.
ومن أعلامه ﷺ : ما حكاه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قال: ما كان أحد أبغض اليّ من رسول الله ﷺ وكيف لا يكون كذلك وقد قتل منا ثمانية كل منهم يحمل اللواء فلما فتح الله تعالى مكة يئست مما كنت أتمناه من قتله وقلت في نفسي قد دخلت العرب في دينه فمتى أدرك ثأري منه فلما اجتمعت هوزان بحنين قصدتهم لأجد منه غرة فأقتله فلما انهزم الناس عنه وبقي مع من ثبت معه جئت من ورائه فرفعت السيف حتى كدت أحطه غشى فؤادي ورفع لي شواظ من نار فلم أطق ذلك وعلمت أنه ممنوع فالتفت إلي وقال ادن يا شيب فقاتل ووضع يده في صدري فصار أحب الناس إلي وتقدمت فقاتلت بين يديه ولو عرض لي أبي لقتلته في نصرته فلما انقضى القتال دخلت عليه فقال لي: الذي أراد الله بك خير مما أردته لنفسك وحدثني بجميع ما زورته في نفسي «١٩» فقلت ما اطلع على هذا أحد إلا الله فأسلمت.
ومن أعلامه ﷺ : ما رواه محمد بن إبراهيم بن شرحبيل عن أبيه قال: كان النضير بن الحرث بن كلدة يصف شدة عداوته لرسول الله ﷺ لقتله لأخيه النضر بن الحرث قال وكنت شهدت بدرا فرأيت قلة المسلمين وكثرة قريش فلما نشب القتال رأيت المسلمين أضعاف قريش فانهزمت قريش ورأيت يومئذ رجالا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يأسرون ويقتلون فهربت مذعورا ثم خرجت معه بعد الفتح إلى هوزان لأصيب منه غرة فلما انهزم المسلمون صعدت لرسول الله ﷺ فإذا هو في وجه العدو واقف على بغلة شهباء حوله رجال بيض الوجوه فأقبلت عامدا إليه فصاحوا بي إليك إليك فرعب فؤادي وأرعدت جوارحي فقلت هذا مثل يوم بدر أن الرجل لعلى حق وأنه معصوم فأدخل الله في
стр. 113
قلبي الإسلام ثم التقيت برسول الله ﷺ بعد رجوعه من الطائف فحين رآني قال: «النضير؟» قلت: لبيك. قال: «هذا خير لك مما أردت يوم حنين ما حال الله بينك وبينه» .
ومن أعلامه ﷺ : أنه قال لعمه العباس وقد أسر يوم بدر: أفد نفسك وابنيّ أخيك عقيلا ونوفلا وحليفك فإنك ذو مال فقال: يا رسول الله إني كنت مسلما وأخرجت. فقال: «الله أعلم بإسلامك فأين المال الذي وضعته بمكة عند أم الفضل حين خرجت وليس معكما أحد فقلت إن أصبت في سفري فللفضل كذا ولعبد الله كذا ولقثم كذا.
فقال: والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري وغيرها وإني لأعلم أنك رسول الله ففدى نفسه وابني أخيه وحليفه فقال له رسول الله ﷺ : «إن الله سيعوضك خيرا إن كان ما قلته عن إسلامك حقا» ، فعوضه الله تعالى مالا جما.
ومن أعلامه ﷺ : ما روي أن النبي ﷺ كان إذا أراد الذهاب إلى أم فروة الأنصارية قال لأصحابه: «انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها» ، وأمر أن يؤذن لها ويقام وأن تؤم أهل دارها في الفرائض فقتلها في أيام عمر ﵁ غلام وجارية كانا لها فصلبهما عمر رضي الله تعالى عنه فكانا أول من صلب في الإسلام فقال عمر: صدق رسول الله ﷺ كان يقول: «انطلقوا نزور الشهيدة» .
ومن أعلامه ﷺ : ما رواه عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال:
أتيت النبي ﷺ وهو يحتجم فلما فرغ قال: «يا عبد الله اذهب بهذا الدم فاهرقه حيث لا يراك أحد» ، فلما برز عنه عمد إلى الدم فحساه فلما رجع قال: «يا عبد الله ما صنعت» ؟ قال: جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خاف عن الناس قال: «لعلك شربت الدم» ؟ قال: نعم؟ قال: «ويل للناس منك وويل لك من الناس» ، إلى أمثال ذلك من نظائره التي يطول الكتاب بذكره حتى كان المنافقون لا يخوضون في شيء من أمره إلّا أطلعه الله عليه فكان يخبرهم به حتى كان بعضهم يقول لصاحبه أسكت وكف فو الله لو لم يكن عنده إلّا
стр. 114
الحجارة لأخبرته حجارة البطحاء.
فإن قيل: فليس في ذكر ما كان ويكون إعجاز نبوّة يقهر ولا آية رسالة تظهر لأن المنجمين يخبرون بذلك ولا يكون من إعجاز الأنبياء وآيات الرسل فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن المنجم يعمل على حساب ويرجع على استدلال ولا يبتكر قولا إلّا بعدهما وأخبار الرسل عن بديهة تخلو من سبب وتعري عن استدلال.
والثاني: أن من خلا من علم النجوم لم يصح الإخبار عنها ولم يتعاط محمد ﷺ علم النجوم ولا خالط أهلها فيكون مخبرا عنها فبطل أن يخبر بها إلّا عن علّام الغيوب المطلع على ضمائر القلوب.
والثالث: أن المنجم يصيب في الأقل ويخطىء في الأكثر ويستحسن منه الصواب ولا يستقبح منه الخطأ وأخبار الرسل كلها صدق لا يتخللها كذب وصواب ولا يعتورها زلل.
стр. 115
الباب الحادي عشر فيما أكرم به ﷺ من إجابة أدعيته
إن الله تعالى لما فضل الأنبياء على جميع خلقه مما فوّض إليهم من القيام بحقه تميزوا بطلب المصلحة فخصوا بإجابة الأدعية ليكونوا عونا على ما كلفهم وآية على من أنكرهم فدخل بهذا الامتياز في أقسام الإعجاز.
فمن أعلامه ﷺ في الإجابة: أن النبي ﷺ لما تلا: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى «١» قال عتبة بن أبي لهب: كفرت بالذي دنا فتدلى، فقال النبى ﷺ :
«اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» يعني الأسد فخرج عتبة مع أصحابه في عير إلى الشام حتى إذا كانوا في طريقهم زأر الأسد فجعلت فرائص عتبة ترتعد فقال أصحابه: من أي شيء ترتعد فو الله ما نحن وأنت إلّا سواء، فقال: إن محمدا دعا عليّ وما ترد له دعوة ولا أصدق منه لهجة، فوضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه، وحاط القوم أنفسهم بمتاعهم وجعلوه وسطهم وناموا فجاء الأسد يستشهي رؤوسهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فهشمه هشمة كانت إياها فقال وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس لهجة.
ومن أعلامه ﷺ : أن المستهزئين به من قريش وهم سبعة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وفكيهة ابن عامر الفهري، والحرث بن الطلاطلة، والأسود بن الحرث، وابن عيطلة،
стр. 116
كانوا يكثرون منه الاستهزاء ويواصلون عليه الأذاء وكان لا يقرأ إلّا مستسرا ولا يدعو إلّا مستخفيا فنزل عليه قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «٢» أي لا تجهر بها فيؤذوك ولا تخافت بها عن أصحابك فلا يسمعوك وابتغ بين الجهر والأسرار سبيلا، فأذن لأصحابه حين اشتد بهم الأذى في الهجرة إلى أرض الحبشة لأن ملكها كان منصفا ورغب إلى الله تعالى أن يكفيه أمرهم فنزل عليه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ «٣» .
وقي قوله: فاصدع بما تؤمر تأويلان:
أحدهما: امض لما تؤمر به من إبطال الشرك.
والثاني: أظهر ما تؤمر به من الحق.
وفي قوله: وأعرض عن المشركين تأويلان:
أحدهما: استهزىء بهم.
والثاني: لا تهتم باستهزائهم إنا كفيناك المستهزئين يعني بما عجّله من إهلاكهم.
فأما الوليد بن المغيرة فإنه ارتدى فعلق بردائه شوك فذهب يجلس عليه فقطع أكحله فنزف فمات لوقته.
وأما العاص بن وائل فوطىء على شوكة فتساقط لحمه من عظامه فمات من يومه.
وأما الأسود بن عبد يغوث فقد كان رسول الله ﷺ دعا عليه بالعمى وثكل ولده فأتى بغصن فيه شوك فأصاب عينه فسالت حدقتاه على وجهه وقتل ولده زمعة يوم بدر فأعمى الله بصره وأثكله ولده.
وأما فكيهة بن عامر فخرج يريد الطائف ففقد ولم يوجد.
стр. 117
واما الحرث بن الطلاطلة فإنه خرج لبعض حوائجه فضربه السموم في الطريق فاسود منه ومات.
وأما الأسود بن الحرث فأكل حوتا مملوحا فأصابه عطش فلم يتمالك من شرب الماء حتى انشق بطنه ومات.
وأما ابن عطيلة فاستسقى «٤» فمات.
ومثله ما رواه ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله ﷺ نصلي في ظل الكعبة وناس من قريش وأبو جهل قد نحروا جزورا في ناحية مكة فبعثوا فجاءوا بسلاها وطرحوه بين كتفيه وهو ساجد فجاءت فاطمة فطرحته عنه، فلما انصرف قال: «اللهم عليك بقريش وبأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط» .
قال عبد الله بن مسعود: فلقد رأيتهم قتلى في قليب بدر.
ومن أعلامه ﷺ : أن خباب بن الأرت أتاه حين اشتد الأذى من قريش فقال: يا رسول الله ادع لنا ربك أن يستنصر لنا على مضر، فقال: «إنكم تعجلون لقد كان الرجل ممن قبلكم يمشط بأمشاط الحديد حتى يخلص إلى ما دون عظمه من لحم أو عصب ويشق بالمنشار فلا يرده ذلك عن دينه وأنكم تعجلون، والله ليمضي هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلّا الله والذئب على غنمه» ، ثم دعا عليهم فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» ، فقطع الله عنهم المطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وأجدبت الأرض وماتت المواشي واشتووا القد وأكلوا العلهز «٥» ، فلما انتهت بهم الموعظة استعطفوه فعطف ورغب إلى الله تعالى فمطروا.
ومن أعلامه ﷺ : ما رواه ابن عباس قال: قيل لعمر حدثنا عن شأن جيش العسرة؟ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: خرجنا مع رسول الله ﷺ في قيظ
стр. 118
شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى خشينا أن تنقطع رقابنا فكان الرجل يذهب ليلتمس الماء فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع، وحتى كان الرجل ينحر بعيره فيعصره فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على صدره فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا، قال: «أتحب ذلك» ؟ قال: نعم، فرفع رسول الله ﷺ يده فلم يرجعها حتى مالت السحاب فأظلت وأمطرت حتى رووا وملأوا ما معهم من الأوعية، فذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر «٦» .
ومن أعلامه ﷺ : ما رواه مسلم الملالي عن أنس بن مالك قال: أتى أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله! لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ولا صبي يصطبح ثم أنشد:
أتيناك والعذراء بدمي لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الصبي استكانة ... من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلي
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العامي والعلهز السفلي
وليس لنا إلّا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلّا إلى الرسل
فقام رسول الله ﷺ يجر ردائه حتى صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا سحا طبقا غير رايث تنبت به الزرع وتملأ به الضرع وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون» ، فما استتم الدعاء حتى التقت السماء بأروقتها فجاء أهل البطانة يضجون: يا رسول الله! الغرق، فقال: «حوالينا ولا علينا» ، فانجاب السحاب عن المدينة كالأكليل، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه وقال: «لله در أبي طالب لو كان حيا لقرّت عيناه من الذي ينشدنا شعره» ، فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
يا رسول الله! كأنك أردت قوله:
وابيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يعوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
стр. 119
كذبتم وبيت الله نبرى محمدا ... ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وقام رجل من كنانة وأنشد:
لك الحمد والحمد ممن شكر ... سقينا بوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوة ... وأشخص معها إليه البصر
فلم يك إلّا كلقاء الردى ... وأسرع حتى رأينا الدرر
وفاق العز إلى جم البعاق ... أغاث به الله عليا مضر
وكان كما قاله عمه ... أبو طالب أبيض ذو غرر
به الله يسقي صوب الغمام «٧» ... وهذا العيان لذاك الخبر
فقال رسول الله ﷺ : «إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت» .
ومن أعلامه ﷺ : ما أظهره الله تعالى من كرامته في عمه العباس حين استسقى به عمر رضي الله تعالى عنه متوسلا إليه بعمه فخرج يستسقي به وقد أجدب الناس، فقال: اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وكبير رجاله فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دلونا به إليك مستشفعين إليك مستغفرين.
فقال العباس وعيناه ينضحان: اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييأس من روحك إلّا القوم الكافرون. فنشأت السحاب وهطلت السماء فطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون هنيا لك ساقي الحرمين فقال حسان بن ثابت:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا ... فسقى الغمام بغرة العباس
عم النبي وصنو والده الذي ... ورث النبي بذاك دون الناس
أحيا الإله به البلاد فأصبحت ... مخضرة الأجناب بعد اليأس
فقال الفضل بن العباس بن أبي لهب يفتخر لذلك:
стр. 120
بعمي سقى الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمر
توجه العباس في الجدب راغبا ... فما كر حتى جاد بالديمة المطر
ومن أعلامه ﷺ : ما روي أن أسماء بنت عميس قالت لفاطمة أن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما كان عند رسول الله ﷺ وقد أوحي إليه فجلله بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس أو كادت تغيب ثم إنه سري عن رسول الله ﷺ فقال: «أصليت يا أبا الحسن» ؟ قال: لا. فقال:
«اللهم رد على علي الشمس فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد» .
ومن أعلامه ﷺ : ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقلت يا رسول الله تبعثني وأنا حدث السن لا علم لي بالقضاء؟ قال: «انطلق فإن الله تعالى سيهدي قلبك ويثبت لسانك» . قال علي رضي الله تعالى عنه: فما شككت في قضاء بين اثنين ولذلك قال رسول الله ﷺ : «أقضاكم علي» ، ومثله قوله لابن عباس وهو يومئذ غلام: «اللهم فقّهه في الدين وعلمه التأويل فخرج أفقه الناس في الدين وأعلمهم بالتأويل حتى سمي البحر لسعة علمه.
ومن أعلامه ﷺ : ما رواه أبو العالية عن أبي هريرة قال: أتيت رسول الله ﷺ بتميرات فقلت ادع الله لي بالبركة فيهن فصفهن على يدي ثم دعا بالبركة فيهن ثم قال اجعلهن في المزور فإذا أردت شيئا فأدخل يدك فيه ولا تنثره. قال أبو هريرة فلقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله وكنا نأكل منه ونطعم وكان لا يفارق حقوي فلما كان يوم قتل عثمان انقطع فذهب.
ومن أعلامه ﷺ : ما رواه جعيل الأشجعي قال: غزوت مع رسول الله في بعض غزواته فقال: «سر يا صاحب الفرس» ، فقلت: يا رسول الله هي عجفاء ضعيفة فرفع مخنقة معه فضربها بها وقال: «اللهم بارك له فيها» .
قال: فلقد رأيتني ما أمسك رأسها أن تقدم الناس ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا.
стр. 121
ومن أعلامه ﷺ : ما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي أوبأ أرض فيه فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وصححها لنا وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها إلى الجحفة» «٨» ، فصارت كذلك.
ومن أعلامه ﷺ : أنه أخذ يوم بدر كفا من حصى وتراب ورمى به في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» ، فتفرق الحصى في المشركين ولم يصل ذلك الحصى والتراب أحدا إلّا قتل أو أسر، وفيه نزل قول الله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى «٩» .
ومن أعلامه ﷺ : أن الطفيل بن عمرو الدوسي قدم مكة وكان شاعرا لبيبا فقالت قريش له: احذر محمدا فإن قوله كالسحر يفرّق بين المرء وبين زوجه، فأتاه في بيته وقال: يا محمد اعرض أمرك، فعرض عليه الإسلام وتلا عليه القرآن فأسلم وقال: يا رسول الله! إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون عونا عليهم، فقال: «اللهم أجعل له آية» ، فخرجت حتى إذا كنت بثنية وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي أخشى أن يظنوا بي أنها مثلة فتحول، فوقع في رأس سوطي، فجعل الحاضرون يرون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبط من الثنية، ثم دعوت رؤساء قومي إلى الإسلام فأبطأوا، فجئت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إنهم قد غلبوني على دوس، فادع الله عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسا ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم» ، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم حتى أسلموا.
ومن أعلامه ﷺ : ما رواه أبو نهيك الأزدي عن عمرو بن أخطب قال:
استسقى رسول الله ﷺ ماء فأتيته بإناء فيه ماء وفيه شعرة، فرفعتها ثم ناولته
стр. 122
فقال: «اللهم جملة» ، قال: فرأيته بعد ثلاث وتسعين ما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء.
ونهى رسول الله ﷺ أن ينقي الرجل شعره في الصلاة، فرأى رجلا ينقي شعره في الصلاة فقال: «قبح الله شعرك» ، فصلع مكانه.
فإن قيل: فإجابة الأدعية لا تكون معجزة للنبوّة لأنه قد تجاب دعوة غير الأنبياء.
قيل: أدعية الأنبياء مجابة على العموم في جميعها، وأدعية غيرهم إن أجيبت فعلى الخصوص في بعضها، لأن الأنبياء منطقون بالحق، فإذا نطقت ألسنتهم بالدعاء صادف ما أمروا به فأجيبوا إليه، وغيرهم قد ينطق بالحق وبغيره، فإن أجيبت أدعيتهم، فهو تفضل يقف على مشيئة الله تعالى.
стр. 123
الباب الثاني عشر في إنذاره ﷺ بما سيحدث بعده
روى فضالة بن أبي فضالة الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى ينبع عائد لعلي بن أبي طالب ﵁، وكان بها مريضا فقال له أبي، يا أبا الحسن ما يقيمك بهذا البلد لا آمن أن يصيبك أجلك فلا يكن أحد يليك إلا أعراب جهينة، فلو احتملت إلى المدينة فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك فقال: يا أبا فضالة! أخبرني حبيبي وابن عمي رسول الله ﷺ إني لا أموت حتى أؤمر ولا أموت حتى أقتل الفئة الباغية ولا أموت حتى تخضب هذه من هذه وضرب بيده على لحيته وهامته قضاء مقضيا وعهدا معهودا وقد خاب من افترى.
ومن إنذاره ﷺ : ما رواه أبو سلمة عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية القبطية في بيت حفصة بنت عمر فوجدتها معه تضاحكه فقالت:
يا رسول الله في بيتي من دون بيوت نسائك قال: فإنها علي حرام أن أمسها، ثم قال لها يا حفصة ألا أبشرك قلت بلى بأبي أنت وأمي قال: «يلي هذا الأمر من بعدي أبو بكر أبوك اكتمي هذا عليه» فخرجت حتى دخلت على عائشة فقالت: لها الا أبشرك يا ابنة أبي بكر فقالت: بماذا، فذكرت ذلك لها وقالت قد استكتمني فاكتميه فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ «١» الآيات.
стр. 124
ومن إنذاره: ما رواه معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فخرج معي يوصيني فلما فرغ قال: يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد هذا ولعلك تمر بمسجدي ومنبري فبكى معاذ ثم التفت رسول الله ﷺ فأقبل بوجهه نحو المدينة وقال: إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنفسهم أولى الناس بي وليس كذلك، إن أولى الناس بي المتقون من كانوا أو حيثما كانوا، اللهم إني لا أحل لهم فساد ما أصلحت.
ومن إنذاره ﷺ : ما رواه عبد الله بن عباس قال: كنت قاعدا عند رسول الله ﷺ إذ أقبل عثمان، فلما دنا منه قال: يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة تقع قطة من دمك عليّ فسيكفيكهم الله يغبطك أهل المشرق والمغرب وتبعث يوم القيامة أميرا على مخذول.
ومن إنذاره ﷺ : ما رواه جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» .
ومن إنذاره ﷺ : ما روي أنه قال لفاطمة رضي الله تعالى عنها: إنك أول أهل بيتي لحاقا بي ونعم السلف أنا لك، فكانت أول من مات بعده من أهل بيته ﷺ .
ومن إنذاره ﷺ : ما رواه عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لنسائه: «ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأذنب تخرج فتنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثير وتنجو بعد ما كادت تقتل» .
فقيل: إن عائشة ﵂ لما وصلت إلى مياه بني عامر ليلا نبحتها الكلاب فقالت: ما هذا؟ قالوا: الحوأب، قالت: ما أظنني إلا راجعة أن رسول الله ﷺ قال لنا ذات يوم: «كيف بإحداكن إذا نبح عليها كلاب الحوأب» .
ومن إنذاره ﷺ : ما رواه ثابت عن الحسن البصري قال: كان الحسن ابن علي رضي الله تعالى عنهما يجيء ورسول الله ﷺ ساجد فيجلس على عنقه
стр. 125
فإذا أراد أن يرفع رأسه أخذه فوضعه في حجره ثم قال: إن ابني هذا سيد وأن الله تعالى سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
ومن إنذاره ﷺ : ما رواه عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
دخل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما على رسول الله ﷺ وهو يوحى إليه فبرك على ظهره وهو منكب ولعب على ظهره، فقال جبريل: يا محمد إن أمتك ستفتن بعدك ويقتل ابنك هذا من بعدك، ومد يده فأتاه بتربة بيضاء وقال: في هذه الأرض يقتل ابنك اسمها الطف، فلما ذهب جبريل خرج رسول الله ﷺ إلى أصحابه والتربة في يده وفيهم أبو بكر وعمر وعلي وحذيفة وعمار وأبو ذر وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: «أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة فأخبرني أن فيها مضجعه» .
ومن إنذاره ﷺ : أن الحجاج لما قتل عبد الله بن الزبير دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر فقال لها: إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة؟
قالت: ما لي من حاجة ولكن انتظر حتى أحدثك شيئا سمعته من رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير «٢» أما الكذاب فقد رأيناه- يعني المختار- وأما المبير فأنت» ، فقال الحجاج: أنا مبير المنافقين.
ومن إنذاره ﷺ : ما رواه عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية رضي الله تعالى عنه: والله ما حملني على الخلافة إلا قول النبي ﷺ لي: «يا معاوية إن وليت فأحسن» .
ومن إنذاره ﷺ : ما رواه عبد الله بن عباس عن أبيه أن النبي ﷺ نظر إليه مقبلا فقال: «هذا عمي أبو الخلفاء الأربعين أجود قريش كفا وأن من ولده السفاح والمنصور والمهدي يا عم بي فتح الله هذا الأمر وبرجل من ولدك يختم» إلى كثير من نظائر هذا.
стр. 126
الباب الثالث عشر في معجزة ﷺ بما ظهر من البهائم
إذا كان الإعجاز خارقا للعادة لم يمتنع فيه ظهور ما خالفها وإذا كانت البهائم مسلوبة الإفهام مفقودة الكلام فليس بمستنكر إذا أراد الله تعالى بها إظهار معجز أن يعطيها من المعرفة أن تنطق بما ألهمها وتخبر بما أعلمها ثم سلبها ذلك فتعود إلى طبعها كما أحل في الشجرة كلاما سمعه موسى وفي العصا أن صارت حية تسعى لتكون من باهر الآيات وقاهر المعجزات.
فمن آياته ﷺ : أن رجلا كان في غنمه يرعاها فأغفلها ساعة من نهاره فخاتله «١» ذئب فأخذ منها شاة فأقبل يلهف فطرح الذئب الشاة ثم كلمه بكلام فصيح فقال: ويحك لم تمنعني رزقا رزقنيه الله تعالى؟ فجعل أهبان يصفق بيديه ويقول: تالله ما رأيت كاليوم «ذئب يتكلم!» فقال الذئب: أنتم عجب وفي شأنكم عبرة هذا محمد يدعو إلى الحق ببطن مكة وأنتم لا هون عنه، فهدي الرجل لرشدة وأقبل حتى أسلم وحدّث القوم بقصته، وبقي لعقبه شرف يفخرون به على العرب ويقول مفتخرهم: أنا إبن مكلم الذئب.
ومن آياته ﷺ : ما رواه أبو سعيد الخدري قال: بينما راع يرعى في الحرة غنما إذ جاء ذئب إلى شاة من غنمه فانتهرها فحال الراعى بين الذئب والشاة فأقعى الذئب على عريمة ذنبه وقال للراعي: ألا تتقي الله تحول بيني وبين رزق
стр. 127
ساقه الله إليّ، فقال الراعي: العجب من ذئب يقعى على ذنبه يكلمني بكلام الإنس، فقال له الذئب: ألا أحدثك بأعجب من هذا؟ هذا رسول الله ﷺ بين الحرتين «٢» يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، فأخذ الراعي الشاة فأتى بها المدينة، وأتى النبي ﷺ فخرج إلى الناس، فقال للراعي: «قم فحدثهم» ، فقام يحدثهم فقال: «صدق الراعي وكان اسمه عميرا الطائي فسمي مسلم الذئب» .
ومن آياته ﷺ : ما روى إبن عمر عن أبيه عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي قد صاد ضبا «٣» وجعله في كمه ليذهب به فيأكله، فلما رأى الجماعة قال: ما هذا قالوا: النبي ﷺ ، فجاء يشق الناس وقال: «واللات والعزى ما أحد أبغض إليّ منك، ولولا أن تسمينى قومي عجولا لعجلت بقتلك» ، فقال عمر ﵁ يا رسول الله دعني أقوم فأقتله فقال: «يا عمر أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا، ثم قال للاعرابي: ما حملك على ما قلت» فقال: واللات والعزى لا آمنت أو يؤمن بك هذا الضب وأخرج الضب من كمه فطرحه بين يدي النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «يا ضب» ، فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا لبيك وسعديك يا زين من يوافي القيامة قال: «من تعبد؟» قال: الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي الجنة رحمته وفي النار عقابه قال: «فمن انا يا ضب؟» قال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك وقد خاب من كذبك فقال الأعرابي لا لا أتبع أثرا بعد عين والله لقد جئتك وما على ظهر الأرض أحد أبغض إليّ منك وإنك اليوم أحب إليّ من نفسي ومن والدي وإني لأحبك بداخلي وخارجي وسري وعلانيتي أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله؛ فقال ﷺ : «الحمد لله الذي هداك بي إن هذا الدين يعلو ولا يعلى» ، فرجع الأعرابي إلى قومه فأخبرهم بالقصة وكان من بني سليم، فأتى رسول الله ﷺ ألف إنسان منهم فأمرهم أن يكونوا تحت راية
стр. 128
خالد بن الوليد رحمة الله عليه ولم يؤمن من العرب ألف في وقت واحد غيرهم.
ومن آياته ﷺ : ما رواه أنس بن مالك قال: دخل رسول الله ﷺ حائطا «٤» للأنصار ومعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وفي الحائط عنزة فسجدت له. فقال أبو بكر يا رسول الله كنا نحن أحق بالسجود لك من هذه العنزة، فقال: «إنه لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد، ولو كان ينبغي أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» «٥» .
ومن آياته ﷺ : ما رواه عبد الله بن أبي أوفى قال: بينما نحن قعود عند رسول الله ﷺ إذ أتاه آت فقال يا رسول الله ناضح «٦» بني فلان قد دبر «٧» عليهم قال: فنهض ونهضنا معه، فقلنا يا رسول الله لا تقربه فأنا نخافه عليك فدنا من البعير فلما رآه البعير سجد له فوضع يده على رأس البعير وقال هات السكين فوضعه في رأسه وأوصى به خيرا.
ومن آياته ﷺ : ما رواه جبير بن مطعم قال كنا جلوسا عند صنم لنا قبل أن يبعث رسول الله ﷺ بشهر فنحرنا جزورا فسمعنا صائحا يصيح اسمعوا إلى العجب، ذهب استراق السمع لنبي بمكة اسمه أحمد مهاجر إلى يثرب، فكان هذا من الآيات المنذرة والآثار المبشرة.
ومن آياته ﷺ : أنه بينما هو جالس في أصحابه إذ هو بجمل قد أقبل له رغاء فوقف فقال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما يقول هذا إنه ليقول إني لآل فلان لحي من الخزرج استعملوني وكدوني حتى كبرت وضعفت فلما لم يجدوا في حيلة يريدون ذبحي فأنا أستغيث بك منهم، فأوقفه رسول الله ﷺ وبعث إليهم فاستوهبه منهم فوهبوه له وخلاه في الحي» .
ومن آياته ﷺ : ما رواه برد عن مكحول قال: بينما أهل دريح حي من
стр. 129
عرب اليمن في مجلسهم، إذ أقبل عجل وسلم فسألهم وقال: أهل دريح أمر نجيح ببطن مكة يصيح بلسان فصيح بشهادة أن لا إله إلا الله فأجيبوه وقال:
وفيه نزل قول الله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا «٨» فإن قيل فيجوز أن يكون ما سمع من كلام البهائم كالصدى يحكي كلام المتكلم فيظنه السامع كلام الصدى وهو كلام المتكلم ويكون ذلك بقوة يحدثها الله تعالى في المتهيء لذلك يخفى عن الأسماع والأبصار فعنه جوابان:
أحدهما: أن الصدى يحكي كلاما مسموعا إذا قابله قبل صوته فحكاه وليس كلام البهيمة مقابلا لكلام يحكيه فامتنع التشاكل.
والثاني: أن القوة المهيأة ليست من جنس قوى البشر فلا يكون في التفاضل إعجاز وإنما هي خارجة عن جنس قواهم فخرج عن قدرتهم، وما خرج عن قدرة البشر كان معجزا لو صح هذا الإعتراض لبطل به الإعتراض.
стр. 130
الباب الرابع عشر في ظهور معجزه ﷺ من الشجر والجماد
ولئن كانت المعارف من الجمادات أبعد والكلام منها أغرب فليس بمستعد ولا مستغرب أن يحدث الله تعالى فيها من الآيات الخارجة عن العادة ما يحج الله تعالى به من استبصر ويمد به من استنصر.
فمن آياته ﷺ : ما حكاه أهل النقل عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه أنه خطب على الناس خطبته المعروفة بالناصعة، فقال فيها: الحمد لله الذي هو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب أيها الناس اتقوا الله ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ولا لفضله عندكم حسادا ولا تطيعوا أساس الفسوق وأحلاس العقوق فإن الله تعالى مختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم، ألا ترون أنه اختبر الأولين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأنواع الشدائد وتعبدهم بألوان المجاهد ليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله وأسبابا دللا «١» لعفوه فاحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات «٢» بسوء الأفعال وذميم الأعمال أن تكونوا أمثالهم فلقد كانوا على أحوال مضطربة وأيد مختلفة وجماعة متفرقة في بلاء أزل وأطباق جهل من بنات موؤدة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة فانظروا إلى مواقع نعم الله
стр. 131
عليهم حين بعث اليهم رسولا كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها وأسالت لهم جداول نعيمها فهم حكام على العالمين وملوك في أطراف الأرضين يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم ويمضون الأحكام على من كان يمضيها فيهم ولقد كنت مع رسول الله ﷺ وقد أتاه الملأ من قريش فقالوا: يا محمد! إنك قد ادعيت عظيما لم يدعه أباؤك ولا أحد من أهل بيتك ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب، قال لهم: «وما تسألون» ؟ قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك، فقال ﷺ : «إن الله على كل شيء قدير فإن فعل الله ذلك لكم أتؤمنون وتشهدون بالحق» ؟ قالوا: نعم، قال: «فإني سأريكم ما تطلبون وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير وأن منكم من يطرح في القليب ومن يحزب الأحزاب» ، ثم قال: «أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يديّ بإذن الله تعالى» ، قال علي رضي الله تعالى عنه: فو الذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصيف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ مرفرقة وألقت بعضها الأعلى عليه وببعض أغصانها على منكبيّ وكنت عن يمينه، فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوا واستكبارا فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك فأقبل نصفها كأعجب إقبال وأشده دويا فكادت تلتف برسول الله ﷺ ، فقالوا كفرا وعتوّا، فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره فرجع، فقلت أنا: لا إله إلا الله فأنا أول مؤمن بك يا رسول الله وأول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصديقا لنبوتك وإجلالا لكلمتك، فقال القوم كلهم: با ساحر كذاب عجيب السحر خفيف فيه وهل يصدقك في أمرك هذا إلا مثل هذا- بعنونني- وهذا حكاه خطيبا على الإشهاد وقل أن يخلو جمع مثله ممن يعرف حق ذلك من باطله فكانوا بالموافقة مجمعين على صحته ولولاه لظهر الرد وإن ندر وهذا من أبلغ آيه وأظهر إعجاز له.
ومن آياته ﷺ : ما رواه عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد هل من آية فيما تدعو إليه؟ قال: «نعم، ائت تلك الشجرة فقل لها: رسول الله ﷺ يدعوك، فمالت عن يمينها ويسارها
стр. 132
وبين يديها فتقطعت عروقها ثم جاءت تخد «٣» الأرض حتى وقفت بين يديه» فقال الأعرابي: مرها لترجع إلى منبتها، فأمرها فرجعت إلى منبتها، فقال الأعرابي: أئذن لي أسجد لك، فقال:» لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» ، قال: فائذن لي أن أقبل يديك ورجليك، فأذن له.
ومن آياته ﷺ : ما رواه يعلى بن شبابة قال: كنت مع رسول الله ﷺ في مسير فأراد أن يقضي حاجته فأمر وديتين فانضمت إحداهما إلى الأخرى ثم أمرهما بعد قضاء حاجته أن يرجعا إلى منبتهما فرجعتا.
ومن آياته ﷺ : ما رواه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله.
ومن آياته ﷺ : أنه مر في غزوة الطائف في كثيف من طلح فمشى وهو وهو وسن من النوم فاعترضته سدرة «٤» فانفرجت السدرة له بنصفين فمر بين نصفيها، وبقيت السدرة منفرجة على ساقين إلى قريب من أعصارنا هذه، وكانت معروفة بذلك في مكانها يتبرك بها كل مارّ ويسمونها سدرة النبي ﷺ .
ومن آياته ﷺ : ما رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: صعد النبي ﷺ حراء ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن والزبير وطلحة وسعيد فتحرك الجبل، فقال النبي ﷺ : «اسكن حراء فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» ، فسكن الجبل.
ومن آياته ﷺ : ما رواه جابر بن عبد الله قال: كان في رسول الله ﷺ خصال لم يكن يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرفه، ولم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له.
ومن آياته ﷺ : ما رواه ثابت عن أنس قال: كنا عند رسول الله ﷺ
стр. 133
فأخذ كفا من حصا فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في أيدينا فما سبحن في أيدينا.
ومن آياته ﷺ : «ما رواه جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«إني لأعرف حجرا من مكة كان يسلّم عليّ» .
ومن آياته ﷺ : أن عكاشة بن محصن انقطع سيفه بيده يوم بدر فدفع إليه رسول الله ﷺ قطعة من خشب وقال: «قاتل بها الكفار يا عكاشة» ، فتحولت سيفا في يده، فكان يقاتل به بحتى قتله طليحة في الردة.
ومن آياته ﷺ : أنه كان يخطب إلى جذع كان يستند إليه، فلما اتخذ منبرا تحول عن الجذع إليه، فحن إليه الجذع حتى ضمه إليه فسكن.
ومن آياته ﷺ : أن مكرزا العامري أتاه فقال: هل عندك من برهان نعرف به أنك رسول الله ﷺ فدعا بتسع حصيات فسبحن في يده فسمع نغماتها من جمودتها، وهذا أبلغ من إحياء عيسى للموتى.
ومن آياته ﷺ : أنه لما حاصر الطائف سموا له جذعة فكلمه منها الذراع، فقالت: لا تأكلني فإني مسمومة، وهذا نظير إحياء الموتى.
ومن آياته ﷺ : أنه أول ما أوحي إليه لم يمر بحجر ولا مدر إلا سلّم عليه بالنبوّة، وهذا نظير قول الله تعالى لداود: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ «٥» .
ومن آياته ﷺ : ما رواه حمزة بن عمرو الأسلمي قال: نفرنا مع رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء فأضاءت أصابعه.
ومن آياته ﷺ : ما رواه إبراهيم بن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال:
إنكم تعدون الآيات عذابا وإنا كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ بركة، لقد كنا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام.
فإن قيل: فقد يجوز أن يتخيل ذلك للناظر كما يتخيل لراكب السفينة سير
стр. 134
النخل والشجر، فعنه جوابان:
أحدهما: أنه وإن تخيل ذلك لراكب السفينة فهو غير متخيل لغيره من قائم وقاعد وهذا متحقق عند كل مشاهد على اختلاف أحواله.
والثاني: أن راكب السفينة يعلم أنه تخيل له غير معلوم وهذا معلوم غير متخيل.
وإن قيل: فقد يجوز أن يكون في خواص الجواهر ما يجذب النخل والشجر كما في خاص حجر المغناطيس أن يجذب الحديد فعنه جوابان:
أحدهما: أنه قد علم خاصية حجر المغناطيس وظهر ولم يعلم ذلك في غيره فلم يوجد ولو كان ذلك موجودا لكان الملوك عليه أقدر ولكان مذخورا في خزائنهم كإدخار كل مستغرب ومستظرف ولجاز ادعاء مثله في قلب الأعيان وإبطال الحقائق.
والثاني: أنه لو كان ذلك لخاصية الجوهر جاذبا كان بظهوره جاذبا وبملاقاته للنخل والشجر فاعلا ولا ينقل إليه عن غيره وكل هذا فيه معدوم وإن كان في حجر المغناطيس موجودا.
стр. 135
الباب الخامس عشر في بشائر الأنبياء ﵈ بنبوته ﷺ
إن لله تعالى عونا على أوامره وإغناء عن نواهيه فكان أنبياء الله تعالى معانين على تأسيس النبوّة بما تقدمه من بشائرها وتبديه من أعلامها وشعائرها ليكون السابق مبشرا ونذيرا واللاحق مصدقا وظهيرا فتدوم بهم طاعة الخلق وينتظم بهم استمرار الحق وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوّة محمد ﷺ مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم بما أطلعه الله تعالى على غيبه ليكون عونا للرسول وحثا على القبول.
فمن ذلك بشائر موسى ﵇ في التوراة: فأولها؛ في الفصل التاسع من السفر الأول (لما هربت هاجر من سارة تراءى لها ملك وقال: يا هاجر أمة سارة ارجعي إلى سيدتك فاخضعي لها، فإن الله سيكثر زرعك وذريتك حتى لا يحصون كثرة، وها أنت تحبلين وتلدين إبنا وتسميه إسماعيل لأن الله تعالى قد سمع خشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهذا لم يكن في ولد إسماعيل إلا رسول الله ﷺ لأنهم كانوا قبله مقهورين فصاروا به قاهرين) .
ومنها: قوله في هذا السفر لإبراهيم حين دعاه في إسماعيل (وباركت عليه وكثرته وعظمته جدا جدا وسيلد اثنى عشر عظيما وأجعله لأمة عظيمة) وليس في ولد إسماعيل من جعله لأمة عظيمة غير محمد ﷺ .
ومنها: في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس عن موسى عليه
стр. 136
السلام (إن الرب إلهكم قال إني أقيم لهم نبيا مثلك من بين إخوتهم أجعل كلامي على فمه فأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي فأنا أنتقم منه) ومعلوم أن أخا بني إسرائيل هم بنو إسماعيل وليس منهم من ظهر كلام الله تعالى على فمه غير محمد ﷺ «١» .
ومنها: في الفصل العشرين من هذا السفر (أن الرب جاء من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من جبال فاران ومعه عن يمينه ربوات جيش القديسين فمنحهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة) فمجيء الله تعالى من طور سيناء هو إنزاله التوراة على موسى، وإشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على عيسى لأنه كان في ساعير أرض الخليل في قرية ناصرة، واستعلاؤه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد ﷺ وفاران هي جبال في مكة في قول الجميع، فإن ناكروا كان دفعا لما في التوراة ولأنه لم يستعل الدين كاستعلائه منها فاندفع الإنكار بالعيان.
فصل من البشائر به
كان بين موسى وعيسى من الأنبياء الذين أوتوا الكتاب باتفاق أهل الكتابين عليهم ستة عشر نبيا ظهرت كتبهم في بني إسرائيل فبشر كثير منهم بنبوة محمد ﷺ .
فمنهم: شعيا «٢» بن أموص قال في الفصل الثاني والعشرين (قومي فأزهري مصباحك) يعني مكة (فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب والرب يشرق عليك إشراقا ويظهر كرامته عليك فتسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك ارفعي
стр. 137
بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم يستجمعون عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بعيد وتسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم حتى تعمرك الإبل المؤبلة وتضيق أرضك عن القطرات التي تجمع إليك ويساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ يحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك أغنام قاذار) يعني غنم العرب لأنهم من ولد قاذار «٣» بن إسماعيل (ويرتفع إلى مديحي ما يرضينني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمدا) وهذه الصفات كلها موجودة بمكة فكان ما دعا إليها هو الحق ومن قام بها هو المحق.
وفي فصل آخر من كتابه: (قال لي الرب فامض فاقم على المنظرة تخبرك بما ترى فرأى راكبين أحدهما راكب حمار) يعني عيسى (والآخر راكب جملا) يعني محمدا (فبينما هو كذلك إذ أقبل أحد الراكبين وهو يقول هوت بابل وتكسرت آلهتها المنجورة على الأرض فهذا الذي سمعت الرب إله إسرائيل قد أنبأتكم) .
وفي الفصل «٤» السادس عشر منه (لتفرح أرض البادية العطشى بمنتهج البراري والفلوات ولتسر وتزهو مثل الوعل فإنها بأحمد محاسن لبنان، ويكمل حسن الدساكر والرياض وسترون جلال الله تعالى بها) قال شعيا وسلطانه على كتفه يريد علامة نبوته على كتفه. وهذه صفة محمد ﷺ وبادية الحجاز.
وفي الفصل التاسع عشر منه: (هتف هاتف من البدو فقال خلوا الطريق للرب وسهلوا سبيل الهنا في القفر فستمتلىء الأودية مياها وتفيض فيضا وتنخفض الجبال والروابي انخفاضا وتصير الآكام «٥» دكاكا، والأرض الوعرة مذللة ملسا، وتظهر كرامات الرب ويراها كل أحد.
وفي الفصل العشرين منه وهو مذكور في ثلاث وخمسين ومائة من مزامير داود: (لترتاح البوادي وقراها، ولتصير أرض قاذار مروجا، ويسيح سكان
стр. 138
الكهوف ولتهتفوا من قلال الجبال بمحمد الرب وليرفعوا تسابيحه، فإن الرب يأتي كالجبار الملتظي المتكبر وهو يزجر ويقتل أعداءه) وأرض قاذار هي أرض العرب لأنهم ولد قاذار. والمروج ما صار حول مكة من النخل والشجر والعيون.
وفي الفصل الحادي والعشرين منه أيضا: (أن الضعفاء والمساكين يستسقون ماء ولا ماء لهم فقد جفت ألسنتهم من الظمأ وأنا الرب أجيب يومئذ دعوتهم ولن أهملهم بل أفجر لهم في الجبال الأنهار وأجري بين القفار والعيون وأحدث في البدو أجساما وأجري في الأرض العطشى ماء معينا وأنبت في البلاقع القفار الصنوبر والآس والزيتون وأغرس في القاع الصفصف البر ليروها جميعا ثم يتدبروا ويعلموا أن يد الله صنعت ذلك وقدوس إسرائيل ابتدعه) وهذه صفات بلاد العرب فيما أحدث الله تعالى لهم فيها بإسلامهم
ومن بشائر نوال بن نوتال «٦» من أنبياء بني إسرائيل
مثل الصبح المسلط على الجبال شعب عظيم عزيز لم يكن مثله قط ولا يكون بعده مثله إلى أبد الأبد، أمامه نار تتأجج وخلفه لهيب وتلتهب الأرض بين يديه مثل فردوس عدن فإذا جاز فيها وعبرها تركها برية خاوية رؤيته كرؤية الجبل رجالته فر سراع مثل الفرسان أصواتهم كصوت لهب النار الذي يحرق الهشيم رجفت الأرض أمامهم وتزعزعت السماء وأظلمت الشمس وغاب نور النجوم والرب أسمع صوتا بين يدي أجناده لأن عسكره كثير جدا وعمل قوله عزيز لأن نور الرب عظيم مرهوب جدا) وهذا نعت رسول الله ﷺ .
من بشائر عويديا «٧» من أنبياء بني إسرائيل
وفي كتابه: (قد سمعنا خبرا من قبل الرب وأرسل رسولا إلى الشعوب ثم
стр. 139
يتقدم إليه بالحرب أيها الساكن في بحر الكهف ومحله في الموضع الأعلى لأن يوم الرب قريب من جميع الشعوب) . فهذا مرموز في نبوّته.
من بشائر ميخاء «٨» من أنبياء بني إسرائيل في كتابه
(فأما الآن فسيتسلم إلى الوقت الذي تلد فيه الوالدة ويقوم فيرعاهم) يعني الرب (وبكرامة اسم الله ربه ويقبلون بهم إلى من سيعظم سلطانه إلى أقطار الأرض ويكون على عهده الإسلام) .
من بشائر حبقوق «٩» من أنبياء بني إسرائيل
(جاء الله من طور سيناء واستعلن القدوس من جبال فاران وانكسفت لبهاء محمد وانخسفت من شعاع المحمود وامتلأت الأرض من محامده لأن شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعده وتسير المنايا أمامه وتصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وبحث عنهم فتصفصفت الجبال القديمة واتضعت الروابي الدهرية وتزعزع سور أرض مدين ولقد جاز المساعي القديمة قطع الرأس من حب الأثيم ودمغت رؤوس سلاطينه بغضبه) ومعلوم أن محمدا ومحمودا صريح في اسمه وهما يتوجهان إلى من انطلق عليه اسم المحمد وهو بالسريانية موشيحا أي محمد ومحمود ولهذا إذا أراد السرياني أن يحمد الله تعالى قال شريحا لإلهنا.
من بشائر حزقيال «١٠» من أنبياء بني إسرائيل
في كتابه: (إن الذي يظهر من البادية فيكون فيه حتف اليهود كالكرمة أخرجت ثمارها وأغصانها عن مياه كثيرة وتفرعت منها أغصان مشرقة على
стр. 140
أغصان الأكابر والسادات وبسقت فلم تلبث تلك الكرمة أن قلعت بالسخطة وضرب بها على الأرض فأخرجت ثمارها وأتت نار فأكلتها فكذلك غرس في البدو وفي الأرض المهملة العطشى وخرج من أغصانه الفاضلة نار فأكلت ثمار تلك حتى لم يبق منها عصا قوية ولا قضيب ينهض بأمر السلطان) .
من بشائر يرصفينا «١١» من أنبياء بني إسرائيل
في كتابه: (أيها الناس ترجوا اليوم الذي أقوم فيه للشهادة فقد حان أن أظهر حكمي بحشر الأمم وجميع الملوك لأصب عليهم سخطي وتكبري، هناك أجدد للأمم اللغة المختارة ليرفعوا اسم الرب جميعا وليعبدوه في ربقة واحدة معا وليأتوا بالذبائح من مغاراتها تكون) ومعلوم أن اللغة العربية هي المختارة لأنها طبقت الأرض وانتقلت أكثر اللغات إليها حتى صار ما عداها نادرا.
من بشائر زكريا «١٢» بن يوحنا من أنبياء بني إسرائيل
في كتابه: (رجع الملك الذي ينطق على لساني وأيقظني كالرجل الذي يستيقظ من نومه وقال لى: ما الذي رأيت، فقلت: منارة من ذهب وكفة على رأسها ورأيت على الكفة سبعة سرج لكل سراج منها سبعة أفواه وفوق الكفة شجرتا زيتون إحداهما عن يمين الكفة والأخرى عن يسارها، فقلت للملك الذي ينطق على لساني: ما هذه يا سيدي، فرد الملك عليّ وقال لي: أما تعلم ما هذه؟ فقلت: ما أعلم، فقال لي: هذا قول الرب في زربايال) يعني محمدا (وهو يدعى باسمي وأنا أستجيب له للنصح والتطهير وأصرف عن الأرض أنبياء الزور والأرواح النجسة لا بقوة ولا بعز ولكن بروحي، بقول الرب القوي) ويعني بشجرتي الزيتون، الدين والملك، وزربايال هو محمد ﷺ .
من بشائر دانيال من أنبياء بني إسرائيل
في كتابه: (رأيت على سحاب السماء المسمى كهيئة إنسان جاء فانتهى
стр. 141
إلى عتيق الإمام وقدموه بين يديه فحوله الملك والسلطان والكرامة أن تعبد له جميع الشعوب والأمم واللغات سلطانه دائم إلى الأبد له يتعبد كل سلطان ويمضي ألفان وثلثمائة ينقضي عقاب الذنوب يقوم ملك منيع الوجه في سلطانه عزيز القوة لا تكون عزته تلك بقوة نفسه وينجح فيما يريد ويجوز في شعب الاطهار ويهلك الأعزاء ويؤتى بالحق الذي لم يزل قبل العالمين) وفي هذا دليل على أمرين:
أحدهما: صدق الخبر لوجوده على حقه.
والثاني: صحة نبوّته لظهور الخبر في صحته.
من بشائره في رؤيا بختنصر «١٣»
وهو أن بختنصر رأى في السنة الثانية من ملكه رؤيا ارتاع منها ونسيها، فأحضر من في ممالكه من الكهنة والمنجمين وكان قد ملك الأقاليم السبعة، وسألهم عن الرؤيا وتأويلها، فقالوا له: اذكرها لنا حتى نذكر تأويلها لك، فأمر بقتلهم إن لم يذكروها وتأويلها.
وكان دانيال النبي قد سباه من اليهود فاستمهل في أمرهم ورغب إلى الله تعالى في اطلاعه على الرؤيا وتأويلها، فأطلعه الله تعالى على ذلك، فأتى بختنصر وقال: أيها الملك إنك كلفت هؤلاء ما لا يعلمه إلا الله وقد رغبت إليه فأطلعني عليه ورؤياك التي رأيتها أن قلبك جاش واختلج بما يحدث بعدك في آخر الزمان فعرفك مبدي السرائر ما يكون أنك أيها الملك رأيت صنما عظيما قائما قبالتك له منظر رائع رأسه من الذهب الابريز وصدره وذراعاه من فضة وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وبعض رجليه من حديد وبعضها من خزف، ورأيت حجرا انقطع من جبل عظيم بغير يد إنسان فضرب ذلك الصنم فهشمه حتى صار كالرماد ألوت به ريح عاصف حتى لم يعرف له مكان ثم عظم الحجر الصلد الذي صك الصنم حتى صار جبلا عظيما امتلأت منه الأرض كلها، فهذه الرؤيا وأنا معبرها، أما الصنم فهم الملوك فأنت الرأس الذهب ويقوم من
стр. 142
بعدك من هو دونك ألين منك.
فأما المملكا الثالثة التي هي مثل النحاس فتسقط على الأرض كلها وأما المملكة الرابعة التي هي مثل الحديد فتكون عزيزة كما أن الحديد يهشم الجميع فكذلك هذه تسحق وتغلب الكل.
وأما الأرجل والأصابع التي رأيت أن منها من خزف الفخار ومنها من حديد فإن المملكة تكون مختلفة ومتفرقة يكون منها أصل من جوهر الحديد وخلط من خزف الفخار فيكون بعض المملكة قويا وبعضها واهيا كسيرا لا يأتلف بعضها ببعض كما لا يختلط الحديد بالخزف.
وأما الحجر الواقع من الجبل فإن إله السماء يرسل مملكة من عنده لأنه لم تقطع الحجر يد إنسان في زمان هذه الممالك يهلكها ويبقى إلى آخر الدهر ولا يكون لأمة أخرى مملكة ولا سلطان إلا دقه كما يدق الحجر الحديد والنحاس والفضة والذهب فعرّفك الله العظيم ما يكون بعدك في آخر الأيام، فهذه رؤياك وتأويلها.
فخر بختنصر على وجهه ساجدا لدانيال وقال: إن إلهكم هذا هو إله الآلهة ورب الأملاك حقا وهو مبدي السرائر، وجعل دانيال رأسا مؤمرا على أرض بابل، ومعلوم أنه لم يرسل الله تعالى سلطانا أزال به الممالك وملأ به الأرض ودام له الأمر إلا بنبوّة محمد ﷺ .
من بشائر أرميا بن برخنا من أنبياء بني إسرائيل في أيام بختنصر
لما قتل أهل الرس نبيهم، قال ابن عباس: أمر الله تعالى أن يأمر بختنصر أن يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم فيقتلهم بما صنعوا بنبيهم، فأمره بذلك فدخل بختنصر بلاد العرب، فقتل وسبى حتى انتهى إلى تهامة فأتى بمعد بن عدنان فأمر بقتله، فقال له النبي: «لا تفعل فإن في صلب هذا نبيا يبعث في آخر الزمان يختم الله به الأنبياء» ، فخلى سبيله وحمله معه حتى أتى حصونا باليمن فهدمها وقتل أهلها وزوّج معدا بأجمل امرأة منهم في زمانها وخلفه بتهامة حتى نسل بها، قال ابن عباس: وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَكَمْ
стр. 143
قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ «١٤» .
من بشائر داود في الزبور
(سبحان الذي هيكله الصالحون يفرح إسرائيل بخالقه وبيوت صيلون من أجل أن الله اصطفى له أمته وأعطاه النصر وسدد الصالحين منه بالكرامة يسبحونه على مضاجعهم ويكّبرون الله بأصوات مرتفعة بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقموا من الأمم الذين لا يعبدونه يوثقون ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال) . ومعلوم أن سيوف العرب هي ذوات الشفرتين ومحمد هو المنتقم بها من الأمم.
وفيه: (أن الله أظهر من صيفون أكليلا محمودا) وصيفون: العرب، والأكليل: النبوة، ومحمود هو محمد ﷺ .
وفي مزمور آخر منه: (أنه يجوز من بحر إلى بحر ومن لدن الأنهار إلى الأنهار إلى منقطع الأرض وأن تخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم وتلحس أعداؤه التراب، تأتيه الملوك بالقرابين وتسجد وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد لأنه يخلص المضطهد البائس ممن هو أقوى منه وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له ويرأف بالضعفاء والمساكين وأنه يعطى من ذهب بلاد سبأ ويصلى عليه في كل وقت ويبارك عليه في كل يوم ويدوم ذكره إلى الأبد) . ومعلوم أنه لم يكن هذا إلا لمحمد ﷺ .
وفي مزمور آخر: قال داود: اللهم ابعث جاعل السنّة حتى يعلم الناس أنه بشر، أي ابعث نبيا يعلم الناس أن المسيح بشر لعلم داود أن قوما سيدعون في المسيح ما ادعوه، وهذا هو محمد ﷺ .
من بشائر المسيح به في الإنجيل
قال المسيح ﵇ للحواريين: (أنا ذاهب وسيأتيكم البار قليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إلا كما يقال له وهو يشهد عليّ وأنتم
стр. 144
تشهدون لأنكم معي من قبل الناس وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به) .
وفي نقل يوحنا عنه: (أن البار قليط لا يجيئكم ما لم أذهب فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة ولا يقول من تلقاء نفسه شيئا ولكنه مما يسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق ويخبركم بالحوادث والغيوب) .
وفي نقل آخر عنه: (أن البار قليط روح الحق الذي يرسله باسمي هو يعلمكم كل شيء إني سائل أن يبعث إليكم بار قليط آخر يكون معكم إلى الأبد وهو يعلمكم كل شيء) .
وفي نقل آخر عنه: (أن البشير ذاهب والبار قليط بعده يحيي لكم الأسرار ويقيم لكم كل شيء وهو يشهد لي كما شهدت له فإني لأجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل) . والبار قليط بلغتهم لفظ من الحمد، وقد قال النبي ﷺ :
وأنا أحمد وأنا محمود وأنا محمد.
فهذه من بشائر الأنبياء عن الكتب الإلهية المتناصرة بصحة نبوته المتواترة الأخبار بانتشار دعوته وتأييد شريعته، ولعل ما لم يصل إلينا منها أكثر، فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله تعالى جميعها فيه حتى صار جليا بعد الاحتمال ويقينا بعد الارتياب.
فإن قيل: مجيء الأنبياء موضوع لمصالح العالم وهم مأمورون بالرأفة والرحمة ومحمد جاء بالسيف وسفك الدماء وقتل النفوس فصار منافيا لما جاء به موسى وعيسى فزال عن حكمهما في النبوّة لمخالفتهما في السيرة فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: ان الله تعالى بعث كل نبي بحسب زمانه، فمنهم من بعثه بالسيف لأن السيف أنجع، ومنهم من بعثه باللطف لأن اللطف أنفع، كما خالف بين معجزاتهم بحسب أزمانهم، فبعث موسى بالعصا في زمان السحر، وبعث عيسى بإحياء الموتى في زمان الطب، وبعث محمد بالقرآن في زمان الفصاحة، لأن الناس في بدء أمرهم يتعاطفون مع القلة ثم يتنافرون
стр. 145
ويتحاسدون مع الكثرة، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل» .
والجواب الثاني: أن السيف إذا كان لطلب الحق كان خيرا، واللطف إذا كان مع إقرار الباطل كان شرا لأن الشرع موضوع لإقرار الفضائل الإلهية والحقوق الدينية، ولذلك جاء الشرع بالقتل والحدود ليستقر به الخير وينتفي به الشر لأن النفوس الأشرة لا يكفها إلا الرهبة فكان القهر لها أبلغ في انقيادها من الرغبة وكانت العرب أكثر الناس شرا وعتوا لكثرة عددهم وقوة شجاعتهم فلذلك كان السيف فيهم أنفع من اللطف.
والجواب الثالث: أنه لم يكن في جهاده بالسيف بدعا من الرسل ولا أول من أثخن في أعداء الله تعالى.
وقبل هذا إبراهيم ﵇ جاهد الملوك الأربعة الذين ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها وحاربهم حتى هزمهم بأحزابه وأتباعه.
وهذا يوشع بن نون قتل نيفا وثلاثين ملكا من ملوك الشام وأباد من مدنها ما لم يبق له أثر ولا من أهلها صافر من غير أن يدعوهم إلى دين أو يطلب منهم أتاوة وساق الغنائم.
وغزا داود من بلاد الشام ما لم يدع فيها رجلا ولا امرأة إلا قتلهم، وهو موجود في كتبهم.
ومحمد ﷺ بدأ بالاستدعاء وحارب بعد الآباء.
روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ متنصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء كان أشدهم في ذلك غضبا وما خيّر بين أمرين، إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما، وقد كان ﷺ أحث الناس على الصفح والتعاطف.
روى أسيد بن عبد الرحمن عن فروة بن مجاهد عن عقبة بن عامر قال:
لقيت رسول الله ﷺ فقال لي: يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك واعف