الإعجاز في الإخبار عن الماضي
والوجه السابع: من إعجازه ما تضمنه من أخبار القرون الخالية وقصص الأمم السالفة، وما تحداه به أهل الكتاب من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر وحديث ذي القرنين فكان على ما ذكره أنبياؤهم وتضمنته كتبهم.
فإن قيل: فالإخبار بما كان ليس بمعجز لأن علم غير الأنبياء به ممكن فعنه جوابان:
أحدهما: أنه ممكن فيمكن علمها وممتنع فيم لم يعلمها ولم يكن من أهلها فيعلمها فصار معجزا ممتنعا.
والثاني: أنهم اقترحوا تحديه مما لم يكن مبتدئا ولا كان له متناهيا من غوامض أسرار وغرائب أخبار جعلوها حجاجا له وعليه ففصح بالجواب عن سرائرها وصدع بنعت غوامضها فخرج عن العرف إلى ما ليس بعرف فصار معجزا.
الإعجاز بالإخبار عن الغيب
والوجه الثامن: من الإعجاز ما تضمنه من علم الغيب بأخبار تكون فكانت كقوله لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١٢» ثم قال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ «١٣» فما تمناه أحد منهم، وكقوله لقريش: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «١٤» فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا وكقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «١٥» وكان ذلك في يوم بدر وكقوله تعالى في هجرته من مكة إلى المدينة: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ «١٦» فأعاد الله إلى مكة عام الفتح إلى غير ذلك من نظائره.
стр. 72
فإن قيل: فقد يكون ذلك حدسا بشواهد الأفعال وفراسة بفضل الألمعية وقوة الفطنة، فعنه جوابان:
أحدهما: أن الحدس والفراسة وإن أصاب بهما تارة فقد يخطىء بهما أخرى وهذا إصابة في الجميع فخرجت عن الحدث والفراسة إلى علم من لا تخفى عليه الغيوب.
والثاني: أن الحدس والفراسة توهم غير مقطوع بهما قبل الوجود وهذه أخبار بأنه مقطوع بها قبل الوجود فافترقوا.
الإعجاز بالإخبار عمّا في النفوس من أسرار
والوجه التاسع: من إعجازه ما فيه من الأخبار بضمائر القلوب التي لا يصل إليها إلّا علّام الغيوب كقوله: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا «١٧» من غير أن يظهر منهم قول أو يوجد منهم فشل وكقوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «١٨» فكان كقوله، «وإن لم يتكلموا به» إلى غير ذلك من نظائره.
فإن قيل: فالجمع الكثير تخلف ضمائرهم في العرف فإن وجد ذلك في بعضهم لم يوجد في جميعهم، فإن لم يخل أن يعقده بعضهم خلا منه بعضهم فتقابل القولان فيهم وبطل إعجازه معهم، فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم وجهوا بهذا الخبر على العموم فلم ينكروه فزال هذا التفصيل فصار معجزا.
والثاني: أنه جعله ذنبا لهم فلم ينتضلوا منه فدل على وجوده من جميعه.
الإعجاز في الألفاظ
والوجه العاشر: من إعجازه أن ألفاظ القرآن قد تشتمل على الجزل
стр. 73
المستغرب والسهل المستقرب فلا يتوعر جزله ولا يسترذل سهله ويكونان إذا اجتمعا مطبوعين غير متنافرين ولا نجد ذلك في غيره من كلام البشر لأن جزله يتوعر وسهله يسترذل والجمع بينهما يتنافر فصار من هذا الوجه مباينا وفي الإعجاز داخلا.
فإن قيل: إنما كان القرآن كذلك لأنه قد تواطأ بكثرة التلاوة فاستلذته الأسماع واستحلته الألسن، ولولاه لتباين واختلف فعنه جوابان:
أحدهما: أن صفته عند أول سماعه. لو كانت لما ذكر من الكلام المختلف لا يتواطأ بكثرة ذكره فبطلت العلة.
الإعجاز في التلاوة
والوجه الحادي عشر: من إعجازه أن تلاوته تختص بخمسة بواعث عليه لا توجد في غيره:
أحدها: هشاشة مخرجه.
والثاني: بهجة رونقه.
والثالث: سلاسة نظمه.
والرابع: حسن قبوله.
والخامس: أن قارئه لا يكل وسامعه لا يمل وهذا في غيره من الكلام معدوم
فإن قيل: إنما وقع في النفوس هذا الموقع فعنه جوابان:
أحدهما: أن هذا موجود في غيره من كتب الله تعالى كالتوراة والإنجيل والزبور، وليس يوجد ذلك فيها مع وجود هذا التعليل ولذلك ما استعان أهلها على استحلاء تلاوتها بما وضعوه لها من الألحان واستعذبوه لها من الأصوات، والقرآن مستغن عن هذا بصيغة لفظه فلذلك ما راع وهيج الطباع.
والثاني: التدين لا يسلب العقول تمييزها ولا يفسد عليها تصورها وهو
стр. 74
بأن يزيدها بصيرة أولى أن ينقصها ولو كان لهذة العلة لجحده من كفر كما اعترف به من آمن وقول الجميع فيه سواء.
الإعجاز في كونه معصوما من الزلل محفوظا لفظا ومعنى
والوجه الثاني عشر: من إعجازه، أنه منقول بألفاظ منزّلة ومعان مستودعة وبلغه الملك بلفظه وعلى نظمه وأداه الرسول إلى الأمة بمثله فلم ينخرم فيه لفظ ولا اختل فيه معنى ولا تغير له ترتيب حتى صار من الزلل مضبوطا ومن التبديل محفوظا تستمر به الأعصار على شاكلته وتتداوله الألسن مع اختلاف اللغات على نظمه وصفته لا يختل بتعاقب الأزمنة ولا يختل بتباعد الأمكنة ولا يتغير باختلاف الألسنة، وغيره من الكتب مقصورة على حفظ معانيها وإن غويرت ألفاظها فإن التوراة ألقى الله تعالى معانيها إلى موسى ﵇ فذكرها بلفظه وعبر عنها بكلامه.
وأما الإنجيل فهو ما أخبر به عيسى ﵇ عن ربه وعن نفسه فجمعه تلامذته بألفاظهم وجعلوه كتابا متلوا.
وأما الزبور فأدعية بتحاميد وتسابيح تنسب إلى داود عن لفظه، ولئن كانت معاني هذه الكتب مضافة إلى الله تعالى فليست بصيغة لفظه ولا على نظم كلامه كما نزل القرآن جامعا لألفاظه ومعانيه وترتيبه فصار مباينا لجميع كتبه، وما هذا إلّا بمعونة إلهية حفظ الله تعالى بها إعجازه وأمدّ بها رسوله كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١٩» .
فإن قيل: فحفظ الكلام على صيغة لفظه واشتمال معانيه لا يكون معجزا كأشعار الجاهلية القدماء وأمثال من سلف من الحكماء «٢٠» ، فعنه جوابان:
أحدهما: أن في هذا محولا ومتروكا فلم ينحفظ.
والثاني: أنه لا يعلم حاله فلم ينضبط والقرآن مخالف لهما في حفظه وضبطه.
стр. 75
الإعجاز في شمولية معانيه
والوجه الثالث عشر: من إعجازه، إقتران معانيه المغايره واقتران نظائرها في السور المختلفة فيخرج في السورة من وعد إلى وعيد ومن ترغيب إلى ترهيب ومن ماض إلى مستقبل ومن قصص إلى مثل ومن حكم إلى جدل فلا ينبو ولا يتنافر، وهي في غيره من الكلام متنافرة فتتجانس معانيها وكذلك هي في غيره من الكتب المنزلة مفصلة لكل نوع سفر، فإن التوراة مقسومة على خمسة أسفار وكل سفر منها مفرد بمعنى واحد من المعاني المستودعة فيها:
فالسفر الأول: لذكر بدء الخلق.
والسفر الثاني: لخروج بني إسرائيل من مصر.
والسفر الثالث: لأمر القرابين.
والسفر الرابع: لإحصاء موسى بني إسرائيل وما دبرهم به.
والسفر الخامس: لتكرير النواميس وجعل اختلاف معانيها موجبا لتفاضلها، فكان أفضل ما في التوراة عند اليهود الكلمات العشر المشتملة على الوصايا التي خاطب الله تعالى بها موسى وبها يستحلفون دون غيرها «٢١» .
وأفضل ما في الإنجيل الصحف الأربعة المنسوبة الى تلامذة المسيح الأربعة «٢٢» وهي المخصوصة بالقراءة في الصلاة والأعياد وأفضل ما في الزبور ما اتفق أهل الكتابين على اختياره وما اشتمل عليه القرآن من تغايرها، أولى من وجهين:
أحدهما: أن لا يختص قارئه بأحدها فيعدل عن غيره.
والثاني: أن يستوعب إذا أراد جميعها قراءة جميعه فيستكمل فوائده ويستجزل ثوابه.
стр. 76
فإن قيل: فالتفصيل أبلغ في البيان من الامتزاج فالجواب عنه ما ذكرناه من الوجهين.
الإعجاز في تماسك بيانه
والوجه الرابع عشر: من إعجازه أن اختلاف آياته في الطول والقصر لا يخرج عن أسلوبه ولا يزول عن اعتداله وغيره من نظم الكلام ونثره إذا تفاصلت أجزاؤه زال عن وزن منظومه واعتدال منثوره فصار ذلك من إعجازه.
فإن قيل: زيادة طوله هذر ونقصان قصره حصر فكيف يكون معجزا إذا تردد بين هذر وحصر، فعنه جوابان:
أحدهما: أن الزيادة تكون هذرا إذا لم تفد والنقصان يكون حصرا إذا لم يقنع والزيادة من طوله مفيدة والنقصان من قصره مقنع فخرج عن الهذر والحصر.
والثاني: أن الطويل لو انفرد لم يكن هذرا والقصير لو انفرد لم يكن حصرا فلم يكن اجتماعهما موجبا لهذر وحصر كاختلاف السور في القصر والطول، فإن أقصر السور سورة الكوثر، وتشتمل مع قصرها على أربعة معان أخبار بنعمة وأمر بعبادة وبشرى بمسرة وأسلوب هو معجزة فلم تخرج إذا قرنت بما هو أطول أن تكون معجزة.
الإعجاز في عدم القدرة على الإحاطة بمعانيه
والوجه الخامس عشر: من إعجازه أن مكثر تلاوته لا يزاد به فصاحة وإن ازداد بغيره من فصيح الكلام لخروجه عن طباع البشر فمازجها فصار أسلوبه معجزا في الحالين وعلى كلا الوجهين.
فإن قيل: ما لا يؤثر في الطباع ناقص عن الكمال فكيف يوصف بالكمال، فعنه جوابان:
أحدهما: أن كماله فيه فلم تعديه.
والثاني: أن كماله يوجب المنع من تساويه.
стр. 77
الإعجاز في سهولة حفظه
والوجه السادس عشر: من إعجازه تيسيره على جميع الألسنة حتى حفظه الأعجمي الأبكم «٢٣» ودار به لسان القبطي الألكن «٢٤» ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه ولا تجري به ألسنة البكم كجريها به، وما ذاك إلّا بخصائص إلهية فضّله بها على سائر كتبه «٢٥» .
فإن قيل: فقد يحفظ الشعر كحفظه والعلة فيه اعتدال وزنه الذي يحفظ بعضه بعضا فلم يكن ذلك معجزا، فعنه جوابان:
أحدهما: أن ما اندرس من الشعر أكثر مما حفظ وهذا محفوظ لم يندرس فاختلفا.
والثاني: ما لم تستعذ به الأفواه متروك، والقرآن مستعذب غير متروك فافترقا.
الإعجاز في عدم القدرة على الإتيان بمثله
والوجه السابع عشر: من إعجازه أن الكلام يترتب ثلاث مراتب منثور يدخل في قدرة الخلق وشعر هو أعلى منه يقدر عليه فريق ويعجز عنه فريق وقرآن هو أعلى من جميعها وأفضل من سائرها تجاوز رتبة النوعين فخرج عن قدرة الفريقين.
فإن قيل: لو كان القرآن برهانا معجزا لخرج كثيره وقليله عن القدرة، وقليله مقدور عليه وهو أن يجمع بين ثلاث كلمات منه أو أربع، فكذلك كثيره لأن الشيء إذا دخلت أوائله في جنس الممكن خرجت أواخره من جنس الممتنع، فعنه جوابان:
стр. 78
أحدهما: أن قليله وكثيره خارج عن القدرة إذا انتظم إعجازه وهو كأقصر سورة منه فبطل هذا الاعتراض.
والثاني: أنه ليس القدرة على الكلمة والكلمتين منه قدرة على استكمال ما يقع من التحدي كالمفحم في الشعر لا تكون قدرته على الكلمة والكلمتين من بيت من الشعر قدرة على نظم بيت كامل من الشعر.
الإعجاز في عدم القدرة على الزيادة فيه أو إنقاصه
والوجه الثامن عشر: من إعجازه أن الزيادة فيه ممتازة وتغيير ألفاظه منه مفتضحة ولو كان في القدرة لالتبس ولو أمكن لاشتبه.
فإن قيل: فقد زيد فيه فالتبس واشتبه وهو أن النبي ﷺ لما نزلت عليه سورة النجم بمكة قرأها في المسجد الحرام حتى بلغ إلى قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «٢٦» ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى ثم تمم السورة وسجد فسجد معه المسلمون وفرح المشركون فسجدوا معه ورضيت كفار قريش به وسمع به من هاجر إلى أرض الحبشة فعادوا إلى أن أنكر عليه جبريل فشق عليه ونزل فيه قوله تعالى:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ «٢٧» قالوا: ومعلوم أن هذه الزيادة هي في مثل أسلوب السورة وليست من الله تعالى وقد اشتبهت فلم لا كان ما سواها بمثابتها، فعنه جوابان:
أحدهما: أن هذه زيادة لا تبلغ قدر التحدي فخرجت عن حكمه.
والثاني: أنه أنزل فيها التي عندهم أيها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى، فاشتبه على قريش وحذفوا منه قوله التي عندهم فنسخ الله تعالى لهذا الأشتباه تلاوة هذه الزيادة.
стр. 79
الإعجاز في العجز عن معارضته
والوجه التاسع عشر: من إعجازه عجز الأمم عن معارضته وقد تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم تخرجهم أنفة التحدي وصبروا على نغص العجز مع شدة حميتهم وقوة أنفتهم وقد سفه أحلامهم وسب أصنامهم ولو وجدوا إلى المعارضة سبيلا وكان في مقدورهم داخلا، وقد جعله حجة لهم في رد رسالته لعارضوه ولما عدلوا عنه إلى بذل نفوسهم في قتاله وسفك دمائهم في محاربته.
فإن قيل: فليس يمتنع أن يكونوا قد عارضوه بمثله فكتم كما كتم ما هجي به من الأشعار وقرف به من العار، فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم لو عارضوه لظهر ولو ظهر لانتشر لأن تكاتم الاستفاضة لا تستطاع لما في الطباع من الإذاعة وفي نفثات الصدور من الإشاعة ولقيل قد عورض فكتم كما قيل هجي فكتم، ولو جاز هذا في معارضة القرآن لجاز مثله في معجزة كل نبي أن يقال قد عورض معجزة فكتم فيفضي إلى إبطال كل معجز، وهذا مدفوع في معارضة غير القرآن فكان مدفوعا في معارضة القرآن.
والثاني: أنه قد جعل معارضته حجة لهم في رد رسالته فلو عارضوه لاحتجوا عليه بالمعارضة ولما احتاجوا معه إلى القتال والمحاربة مع بذل النفوس واستهلاك الأموال ولدفعوه بالأهون دون الأصعب وقد نقل ما عورض به فظهر فيه العجز وبان فيه النقص حتى فضحته ركاكة لفظه وسخافة نظمه.
فحكى ابن قتيبة عن مسيلمة أنه قال في معارضة القرآن: يا ضفدع نقي، كم تنقين، لا الماء تكدرين ولا الشراب تمنعين، فلما سمع هذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه قال: إن هذا الكلام لم يخرج من إل «٢٨» .
وحكي عن غيره وأحسبه العنسي أنه قال: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشى.
стр. 80
وحكي عن آخر: الفيل ما الفيل له ذنب وثيل ومشفر طويل فإن ذلك من خلق ربنا لقليل.
وحكى الحكم عن عكرمة أن النضر بن الحرث وكان من فصحاء قريش عارض القرآن فقال: والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا فاللاقمات لقما.
وقال آخر: قد أفلح من هينم في صلاته وأطعم المسكين من مخلاته وأخرج الواجب من زكاته.
وقال آخر في معارضة سورة النجم: والنجم إذا سما والبحر إذا طما ما زاغ منذركم وما طغى وما كذب بها وغوى فيما نطق به وروى، فأنزل الله تعالى في ذلك: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ «٢٩» فهذه المعارضة وقد احتذوا فيها مثالا عدلوا بها عن طوال السور إلى فصارها فأتوا بسقيم الكلام دون سليمه وبسخيفه دون جميله، فكيف يقابل له غايته القصوى ويوازي به طبقته العليا، وهل ذلك إلّا كمن عارض فصاحة سحبان بعي باقل أو تخليط مجنون بحزم عاقل أو قاس الدر بالمدر وشاكل بين الصفو والكدر، ومن تعاطى ما ليس في طبعه افتضح فخر صريعا وهوى سريعا.
الإعجاز في الصرف عن معارضته
الوجه العشرون: من إعجازه الصرفة عن معارضته واختلف من قال بها هل صرفوا عن القدرة على معارضته أو صرفوا عن معارضته مع دخوله في مقدورهم على قولين:
أحدهما: أنهم صرفوا عن القدرة ولو قدروا لعارضوه.
والقول الثاني: أنهم صرفوا عن المعارضة مع دخوله في مقدورهم.
стр. 81
والصرفة إعجاز على القولين معا في قول من نفاها وأثبتها فخرقها للعادة فيما دخل في القدرة.
فإن قيل: فإن عجزوا عن معارضته بمثله لم يعجزوا عن معارضته بما تقاربه وإن نقص عن رتبته، والمعجز ما لم يمكن مقاربته كما لا يمكن مماثلته فعنه جوابان:
أحدهما: أن مقاربته تكون بما في مثل أسلوبه إذا قصر عن كماله والأسلوب ممتنع فبطلت المقاربة وثبت الإعجاز.
والثاني: أن المقاربة تمنع من المماثلة والتحدي إنما كان بالمثل دون المقاربة.
جامع الإعجاز
فإذا ثبت إعجاز القرآن من هذه الوجوه كلها صح أن يكون كل واحد منها معجزا فإذا جمع القرآن سائرها كان إعجازه أقهر وحجاجه أظهر وصار كفلق البحر وإحياء الموتى لأن مدار الحجة في المعجزة إيجاد ما لا يستطيع الخلق مثله سواء كان جسما مخترعا أو جرما مبتدعا أو عرضا متوهما.
فإن قيل: أفيعتبرون عجز العرب العاربة عنه دون المولدين أو عجز الجميع.
قيل: فيه خلاف بين أهل العلم على وجهين:
أحدهما: أن المعتبر فيه عجز الجميع ليكون أعم.
والوجه الثاني: معتبر فيه عجز العرب العاربة دون المولدين ليكون معتبرا بمن يلجأ إلى طبعه ولا يعول على تكلفه وتعلمه. وهكذا اختلفوا هل يعتبر فيه عجز أهل عصره أو في جميع دهره على هذين الوجهين:
أحدهما: يعتبر فيه عجز أهل العصر لأنهم حجة على أهل كل عصر.
والوجه الثاني: أنه يعتبر فيه عجز أهل كل عصر لعموم التحدي فيه لأهل كل عصر.
стр. 82
فإن قيل: فليس عجز كل الانس عن مثله موجبا لإضافته إلى الله تعالى لجواز أن تكون الشياطين أعانت عليه حتى خرج عن مقدور الإنس كما أعانت سليمان على ما عجز عنه الإنس فعنه أجوبة:
أحدها: أن هذا يتوجه على موسى في فلق البحر وعلى عيسى في إحياء الموتى، ويقدح في جميع النبوّات فلم يجز لمن أثبتها أن يخص به بعض المعجزات.
والجواب الثاني: أن الشياطين لم يعرفوا إلّا من الرسل ولولاهم لما علم الناس أن في الدنيا شيطانا ولا جنا ولا جانا وقد جهل الرسل بلعنهم ودعوا إلى معصيتهم ولو كانوا أعوانا لدعوا إلى طاعتهم وموالاتهم لأن معونة من أطيع وولي أحق من معونة من عصى وعودي.
والجواب الثالث: أن الشياطين لا يقدرون على ذلك إلّا بمعونة الله تعالى لهم وهو لا يعين كاذبا عليه فإن كان عن أمره كان معجزا لأنه من فعله، وعلى هذا كان تسخير سليمان للجن والله تعالى غني عن الشياطين أن يكونوا سفراء إلى رسله وأعوانا لأنبيائه وهم ينهون عن طاعته ويدعون إلى معصية هذا القرآن وقد تحدى به الجن كما تحدى به الإنس بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٣٠» ، وحكى عنهم عجزهم عنه بقوله تعالى: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ «٣١» .
القرآن كلام رب العالمين
فإذا تقررت هذه الجملة في إعجاز القرآن فبإعجازه يعلم أنه من غير كلام البشر ولا يعلم أنه من عند الله تعالى إلّا بقول الرسول، فلو أراد الرسول أن يقول مثله لم يقدر عليه لأنه من البشر إلّا أن يمده الله تعالى بعون منه فيصير قادرا
стр. 83
عليه ومعجزا له لو لم يضف القرآن إلى الله تعالى فأما مع إضافته إليه فلا يكون معجزا له ويكون مصروفا عنه لأن ما أضيف إلى الله تعالى يمتنع أن يكون من غيره لدخوله في جملة الكذب ثم يصير القرآن أصلا للشرع ومعجزا للرسول فيجب على الأمة التزام أحكامه وطاعة الرسول.
واختلف في لزوم طاعته هل وجبت بعد ثبوت رسالته بالعقل أو بالشرع على وجهين:
أحدهما: بالعقل لأن طاعة الرسول طاعة المرسل.
والوجه الثاني: بالشرع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٣٢» لأن الرسول مبلغ.
وإذا كان القرآن أصلا للشرع فقد اختلف العلماء في حد الأصل والفرع على وجهين:
أحدهما: أن حد الأصل ما دل على غيره وحد الفرع ما دل عليه غيره، فعلى هذا يكون القرآن فرعا لعلم الحس لأنه الدال على صحته.
والوجه الثاني: أن الأصل ما تفرع عنه غيره والفرع ما تفرع عن غيره، فعلى هذا يمتنع أن يكون القرآن فرعا لعلم الحس لأن الله تعالى تولاه وجعله أصلا دل العقل عليه.
واختلف العلماء في إبلاغ الرسول هل يكون أمرا أو إعلاما، فقال بعضهم
يكون أمرا لا يلزم الأمة أحكامه لو عرفوه قبل إبلاغه.
والوجه الثاني: يكون إعلاما ويلزمهم أحكامه لو عرفوه قبل إبلاغه ويجوز أن يعلم جميع الأحكام الشرعية من القرآن ولا يجوز أن يعلم جميعها من الإجماع ولا من القياس لأنهما ينعقدان عن أصل مسموع.
стр. 84
واختلف في جواز العلم بجميعها من سنة الرسول فجوزه بعضهم لقوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣٣» وامتنع منه بعضهم لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٣٤» والله تعالى أعلم.
стр. 85
الباب الثامن في معجزات عصمته ﷺ
أظهر الله تعالى لرسوله ﷺ من أعلام نبوّته بعد ثبوتها بمعجز القرآن واستغنائه عما سواه من البرهان، ما جعله زيادة استبصار يحج بها من قلت فطنته ويذعن لها من ضعفت بصيرته، ليكون إعجاز القرآن مدركا بالخواطر الثاقبة تفكرا واستدلالا، وإعجاز العيان معلوما ببداية الحواس احتياطا وإظهارا، فيكون البليد مقهورا بوهمه وعيانه، واللبيب محجوبا بفهمه وبيانه، لأن لكل فريق من الناس طريقا هي عليهم أقرب ولهم أجذب، فكان ما جمع انقياد الفرق أوضح سبيلا وأعم دليلا.
فمن معجزاته: عصمته من أعدائه وهم الجم الغفير والعدد الكثير، وهم على أتم حنق عليه وأشد طلب لنفسه، وهو بينهم مسترسل قاهر ولهم مخالط ومكاثر ترمقه أبصارهم شذرا وترتعد عنه أيديهم ذعرا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرا حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة ثم خرج عنهم سليما لم يكلم في نفس ولا جسد، وما كان ذاك إلّا بعصمة إلهيه وعده الله تعالى بها فحققها حيث يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «١» فعصمه منهم.
في أعلام عصمته
وأن قريشا اجتمعت في دار الندوة، وكان فيهم النضر بن الحرث بن
стр. 86
كنانة، وكان زعيم القوم وساعده عبد الله بن الزبعري، وكان شاعر القوم، فحضهم على قتل محمد ﷺ وقال لهم: الموت خير لكم من الحياة، فقال بعضهم: كيف نصنع. فقال أبو جهل: هل محمد إلّا رجل واحد وهل بنو هاشم إلّا قبيلة من قبائل قريش فليس فيكم من يزهد في الحياة فيقتل محمدا ويريح قومه، وأطرق مليا، فقالوا: من فعل هذا ساد «٢» . فقال أبو جهل: ما محمد بأقوى من رجل منا وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر فإن قتلت أرحت قومي وإن بقيت فذاك الذي أوثر «٣» .
فخرجوا على ذلك، فلما اجتمعوا في الحطيم «٤» خرج عليهم رسول الله ﷺ فقالوا: قد جاء، فتقدم من الركن فقام يصلي فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود فقال أبو جهل: فإني أقوم فأريحكم منه، فأخذ مهراشا عظيما ودنا من رسول الله ﷺ وهو ساجد لا يلتفت ولا يهابه وهو يراه فلما دنا منه ارتعد وأرسل الحجر على رجله فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد وقد دوخت أوداجه ورسول الله ﷺ ساجد فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم فالتزموه وقد غشي عليه ساعة فلما أفاق قال له أصحابه: ما الذي أصابك. قال: لما دنوت منه أقبل عليّ من رأسه فحل فاغر فاه «٥» فحمل على أسنانه فلم أتمالك وإني أرى محمدا محجوبا «٦» . فقال له بعض أصحابه: يا أبا الحكم رغبت وأحببت الحياة ورجعت. قال: ما تغروني عن نفسي، قال النضر بن الحرث: فإن رجع غدا فأنا له. قالوا له: يا أبا سهم لئن فعلت هذا لتسودن.
فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول الله ﷺ ، فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم فواثبوه فأخذ حفنة من تراب وقال شاهت الوجوه وقال حمر لا يبصرون فتفرقوا عنه، وهذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى فصبر
стр. 87
عليه حتى وقاه الله وكان من أقوى شاهد على صدقه.
ومن أعلامه: أن معمر بن يزيد وكان أشجع قومه استغاثت به قريش وشكوا إليه أمر رسول الله ﷺ وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره، فلما شكوا إليه قال لهم: إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه وعندي عشرون ألف مدجج «٧» فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي وإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات ففي مالي سعة، وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس، فلبس يوم وعده قريشا سلاحه وظاهر بين درعين «٨» فوافقهم بالحطيم ورسول الله ﷺ في الحجر يصلي وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع ولا قصر في صلاة، فقيل له: هذا محمد ساجد فأهوي إليه. وقد سل سيفه وأقبل نحوه، فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد فلما صار إلى باب الصفا عثر في درعه فسقط، فقام وقد أدمي وجهه بالحجارة يعدو كأشد العدو حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا: ماذا أصابك، قال: ويحكم، المغرور من غررتموه، قالوا: ما شأنك. قال: ما رأيت كاليوم دعوني ترجع إليّ نفسي فتركوه ساعة وقالوا: ما أصابك يا أبا الليث. قال: إني لما دنوت من محمد فأردت أن أهوي بسيفي إليه أهوى إليّ من عند رأسه شجاعان أقرعان «٩» ينفخان بالنيران وتلمع من أبصارهما فعدوت فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد.
ومن أعلامه: أن كلدة بن أسد أبا الأشد وكان من القوة بمكان خاطر قريشا يوما في قتل رسول الله ﷺ فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم، فرأى رسول الله ﷺ في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال فجاء كلدة ومعه المزراق فرجع المزراق في صدره فرجع فزعا، فقالت له قريش: ما لك يا أبا الأشد؟
فقال: ويحكم ما ترون الفحل خلفي، قالوا: ما نرى شيئا، قال: ويحكم
стр. 88
فإني أراه، فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف فاستهزأت به ثقيف، فقال: أنا أعذركم، لو رأيتم ما رأيت لهلكتم.
ومن أعلامه: أن أبا لهب خرج يوما وقد اجتمعت قريش فقالوا: يا أبا عتبة إنك سيدنا وأنت أولى بمحمد منا وأن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئا وأنت بريء من دمه فنؤدي نحن الدية وتسود قومك، فقال: فإني أكفيكم، ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم فلما كان في تلك الليلة وكان مشرفا عليه نزل أبو لهب وهو يصلي وتسلقت امرأته أم جميل الحائط حتى وقفت على رسول الله ﷺ وهو ساجد فصاح به أبو لهب فلم يلتفت إليه وهما كانا لا ينقلان قدما «١٠» ولا يقدران على شيء حتى تهجر الصبح وفرغ رسول الله ﷺ فقال له أبو لهب: يا محمد أطلق عنا، فقال: ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني، قالا: قد فعلنا، فدعا ربه فرجعا.
ومن أعلامه: أن قريشا اجتمعوا في الحطيم فخطبهم عتبة بن ربيعة فقال: إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عيشنا وفرّق جماعتنا وبدد شملنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، وكان في القوم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحرث ومنبه ونبيه ابنا الحجاج وأمية وأبي ابنا خلف في جماعة من صناديد قريش فقال له: قل ما شئت فإنا نطيعك، قال: سأقوم فأكلمه فإن هو رجع عن كلامه وعما يدعو إليه وإلّا رأينا فيه رأينا، فقالوا له: شأنك يا أبا عبد شمس، فقام فتقدم إلى النبي ﷺ وهو جالس وحده، فقال: أنعم صباحا يا محمد، قال: «يا عبد شمس إن الله قد أبدلنا بهذا السلام تحية أهل الجنة» ، قال: يا ابن أخي إني جئتك من عند صناديد قريش لأعرض عليك أمورهم إن أنت قبلتها فلك الحظ فيها ولنا الفسحة، ثم قال: يا ابن عبد المطلب إنك دعوت العرب إلى أمر ما يعرفونه فاقبل مني ما أقول لك، قال: «قل» ، قال: إن كان ما تدعو إليه تطلب به ملكا فإنا نملّكك علينا من غير تعب ونتوّجك فارجع عن ذلك، فسكت، ثم قال له:
وإن كان ما تدعو إليه أمرا تريد به امرأة حسناء فنحن نزوجك، فقال: «لا
стр. 89
قوة إلّا بالله» ، ثم قال له: وإن كان ما تتكلم به تريد مالا أعطيناك من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش فإن ذلك أهون علينا من تشتيت كلمتنا وتفريق جماعتنا وإن كان ما تدعو إليه جنونا داويناك كما تداوي قيس بني ثعلبة مجنونهم، فسكت النبي ﷺ ، فقال: يا محمد ما تقول وبم أرجع إلى قريش؟ فقال النبي ﷺ : حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ «١١» حتى بلغ إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ «١٢» .
قال عتبة: فلما تكلم بهذا الكلام فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من إعجازها، وقام فزعا يجر رداءه، فرجع إلى قريش وهو ينتفض انتقاض العصفور وقام النبي ﷺ يصلي، فقالت قريش: لقد ذهبت من عندنا نشيطا ورجعت فزعا مرعوبا فما وراءك؟ قال: ويحكم دعوني، إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئا ولقد رعدت عليّ الرعدة حتى خفت على نفسي وقلت الصاعقة قد أخذتني، فندموا على ذلك.
قال ابن عرفة: الصاعقة اسم للعذاب على أي حال كان، وإنما أهلكت عاد بالريح وثمود بالرجف فسمى الله تعالى ذلك صاعقة.
قال الأزهري: الصاعقة صوت الرعد الشديد الذي يصعق منه الإنسان أي يغشى عليه.
ومن أعلامه: أنه لما أراد الهجرة خرج من مكة ومعه أبو بكر فدخل غارا في جبل ثور ليستخفي من قريش وقد طلبته وبذلت لمن جاء به مائة ناقة حمراء، فأعانه الله تعالى بإخفاء أثره وأنبت على باب الغار ثمامة، وهي شرجة صغيرة، وألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار نسج سنين في طرفة عين ولدغ أبو بكر هذه الليلة غير لدغة فخرق ثيابه وجعلها في الشقوق وسد بعضها بقدمه اتقاء لرسول الله ﷺ وأقام فيه ثلاثة أيام ثم خرج منه فلقيه سراقة بن مالك بن
стр. 90
جعشم، وهو من جملة من توجه لطلبه، فقال له أبو بكر: هذا سراقة قد قرب، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اكفنا سراقة» ، فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها، فقال سراقة: يا محمد ادع الله أن يطلقني ولك عليّ أن أردّ من جاء يطلبك ولا أعين عليك أبدا، فقال: «اللهم إن كان صادقا فأطلق عن فرسه» ، فأطلق الله عنه، ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه.
ومن أعلامه: أن رسول الله ﷺ انفرد في غزوة ذي أمر عن أصحابه واضطجع وحده فوقف عليه دعثور فسل سيفه وقال: يا محمد من يمنعك مني؟
فقال: «الله» ، فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ﷺ ثم قال له: «من يمنعك مني» ؟ قال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، وعاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، وفيه نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ «١٣» .
ومن أعلامه: أن الناس لما انهزموا عن رسول الله ﷺ يوم حنين وهو معتزل عنهم رآه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة فقال: اليوم أدرك ثأري وأقتل محمدا لأن أباه قتل يوم أحد في جماعة أخوته وأعمامه، قال شيبة: فلما أردت قتله أقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك فعلمت أنه ممنوع «١٤» .
ومن أعلامه: أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وهو أخو لبيد بن ربيعة الشاعر لأمه وفدا على رسول الله ﷺ في قومهما من بني عامر، فقال عامر لأربد: إذا أقدمنا على محمد فإني شاغل عنك وجهه فأعله أنت بالسيف حتى تقتله، قال أربد: أفعل، ثم أقبل عامر يمشي وكان رجلا جميلا حتى قام على رأس رسول الله ﷺ فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ فقال: «لك ما للإسلام وعليك ما على الإسلام» ، قال: ألا تجعلني الوالي من بعدك؟ قال: «ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل تغزوبها» ، قال: أو ليست لي اليوم
стр. 91
ولكن إجعل لي ولك المدد، قال: «ليس ذلك لك،» ، فقال: قم يا محمد إلى ههنا، فقام إليه فوضع عامر يده بين منكبيه ثم أومأ إلى أربد أن اضرب فسل أربد سيفه قريبا من ذراع، ثم أمسك الله يده فلم يستطع أن يسله ولا يغمده، فالتفت رسول الله ﷺ إلى أربد فرآه على ما هو عليه فقال: «اللهم اكفنيهما بما شئت اللهم أهد بني عامر واغن الدين عن عامر» فانطلقا وعامر يقول: والله لأملأنها عليك خيلا دهما «١٥» ووردا «١٦» ، فقال رسول الله ﷺ :
«يأبى الله ذلك وأبناء قيلة، يعني الأنصار» ثم قال عامر لأربد: ويلك لم أمسكت عنه، فقال: والله ما هممت به مرة إلّا رأيتك ولا أرى غيرك أفأضربك بالسيف وسارا.
فأما عامر فطرح الله عليه الطاعون في عنقه فقتله في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول: أغدة كغدة البكر «١٧» في بيت امرأة من بني سلول، وركب فرسه فركضه «١٨» حتى مات.
وأما أربد فقدم على قومه فقالوا: ما وراءك يا أربد، فقال: والله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذا حتى أقتله، ثم خرج بعد مقالته بيوم أو يومين ومعه جمال له تتبعه، فأرسل الله عليه وعلى جماعته صاعقة أحرقتهم، وقيل: نزل في صاعقته قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً «١٩» يعني خوفا من الصواعق وطمعا في المطر، وفيه يقول لبيد بن ربيعة وهو أخو أربد لأمه:
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد
أفجعني الرعد والصواعق بالفا ... رس يوم الكريهة النجد
стр. 92
كل بني حرة مصيرهم ... قل وإن أكثرت من العدد
أن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للهلك والنكد
فإن قيل: فهذا أخبار آحاد لا يقطع بمثلها قيل: العداوة ظاهرة والطلب معلوم والسلامة موجودة فلم تدفع جملة الأخبار ولم يصح في جميعها توهم الكذب وإن جاز في آحادها توهم الكذب كالمحكى من سخاء حاتم وشجاعة عنترة.
стр. 93
الباب التاسع فيما شوهد من معجزات أفعاله
إن الله تعالى قدر لعباده أفعالا كما قدر لهم أجساما وآجالا انتهى إلى غاية أعجزهم عن تجاوزها لتكون أفعالهم مقصورة على عرف مألوف وحد معروف يتواصلون بها إلى مصالحهم فيعلمون أن ما تجاوزها وخرج عن عرفها من أفعال الله تعالى فيهم لا من أفعالهم إن أظهرها في أحدهم دل على اختصاصه بالله تعالى دونهم فكان بها ممتازا وإليه تعالى منحازا ليخص بطاعة إلهية كما اختص بأفعال لا هوتية فلذلك صارت الأفعال المعجزة شاهدة على صحة النبوّة.
فمن أعلامه: ما رواه البخاري عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال:
قلت لجابر بن عبد الله حدتني بحديث عن رسول الله ﷺ سمعته منه أرويه عنك، فقال جابر: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الخندق نحفر فلبثنا ثلاثة أيام لم نطعم طعاما ولا نقدر عليه فعرضت في الخندق كدية «١» غليظة لا يعمل فيها الفأس فجئت إلى رسول الله ﷺ فقلت هذه كدية قد عرضت في الخندق ورششنا عليها الماء فقام وبطنه معصب بالحجر «٢» فأخذ المعول والمسحاة ثم سمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل «٣» فلما رأيت ذلك منه قلت يا رسول الله أئذن لي فأذن لي فجئت إلى
стр. 94
امرأتي فقلت ثكلتك أمك إني رأيت من رسول الله ﷺ شيئا لا صبر لي عليه فما عندك، قالت عندي صاع من شعير وعناق «٤» ، قال فطحنا الشعير وذبحنا العناق وطبخناها وجعلناها في البرمة «٥» وعجنا العجين ثم رجعت إلى رسول الله ﷺ فلبثت ساعة ثم استأذنت ثانية فأذن لي فجئت فإذا بالعجين قد أمكن فأمرتها بالخبز وجعلت القدر على الأثافي «٦» ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فشاورته وقلت عندنا طعيم لنا فإن رأيت أن تقوم معي أنت ورجل أو رجلان معك فعلت فقال: «ما هو وكم هو» قلت: صاع من شعير وعناق، فقال: «ارجع إلى أهلك فقل لها لا تنزع البرمة من الأثافي ولا يخرج الخبز من التنور حتى آتي» ، ثم قال للناس: «قوموا إلى بيت جابر» ، فاستحييت حياء لا يعلمه إلّا الله تعالى فقلت لامرأتي قد جاء رسول الله ﷺ بأصحابه أجمعين، فقالت:
أكان سألك كم الطعام، قلت: نعم، قالت: الله ورسوله أعلم قد أخبرته بما كان عندنا، فذهب عني بعض ما أجده وقلت لها صدقت، وجاء رسول الله ﷺ فدخل ثم قال لأصحابه: «لا تضاغطوا «٧» » ثم برّك «٨» على التنور والبرمة، فجعلنا نأخذ من التنور الخبز ونأخذ من البرمة اللحم فنثرد ونغرف ونقرب إليهم، فقال رسول الله ﷺ : «ليجلس على الصحفة سبعة أو ثمانية» فلما أكلوا كشفنا التنور والبرمة فإذا هما قد عادا إلى أملأ مما كانا عليه حتى شبع المسلمون كلهم وبقيت طائفة من الطعام، فقال لنا رسول الله ﷺ : «إن الناس قد أصابهم مخمصة «٩» فكلوا وأطعموا» ، فلم نزل يومنا نأكل ونطعم، قال فأخبرني أنهم كانوا ثمانمائة أو قال مئتين أقل من الثمانمائة، وهذا نظير معجزة عيسى ﵇ في المائدة.
стр. 95
ومن أعلامه: ما رواه مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت رسول الله ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء، قالت: نعم، فأخرجت أقراصا «١٠» من شعير ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم أرسلني إلى رسول الله ﷺ فوجدته في المسجد معه الناس فقمت عليهم فقال لي رسول الله: «أرسلك أبو طلحة» ؟ قلت: نعم، قال: «للطعام» ؟ قلت:
نعم، فقال لمن معه: «قوموا» ، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ وأقبل معه حتى دخلا، فقال رسول الله ﷺ : «يا أم سليم هلمي ما عندك» ، فجاءت بذلك الخبز فأمر به ففت وعصرت أم سليم عكة «١١» لها ثم قال رسول الله ﷺ ما شاء أن يقول ثم قال: «إئذن لعشرة» فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: «إئذن لعشرة» فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: «إئذن لعشرة» ، حتى أكل القوم وشبعوا وخرجوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا والمعجز فيه مع إطعام العدد الكثير من الطعام اليسير ما أخبر به أنس بن مالك مما جاء فيه.
ومن أعلامه: ما رواه أنيس بن أبي يحيى عن إسحاق بن سالم عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال لي: «أدع لي أصحابك» يعني أصحاب الصفة «١٢» ، قال: فجعلت أتبعهم رجلا رجلا أوقظهم حتى جمعتهم فجئنا باب رسول الله ﷺ فأستأذنا فأذن لنا ووضعت بين أيدينا صحفة أظن فيها صنيعا قدر مد من الشعير فوضع رسول الله ﷺ يده فقال: «خذوا بسم الله» ، فأكلنا ما شئنا ثم رفعنا أيدينا، فقال رسول الله ﷺ حين وضعت الصحفة:
«والذي نفس محمد بيده ما أمسى في آل محمد طعام غير شيء ترونه» ، فقيل
стр. 96
لأبي هريرة: قدر كم كانت حين فرغتم قال: مثلها حين وضعت إلّا أن فيها أثر الأصابع.
ومن أعلامه: أن رسول الله ﷺ لما حصل بالحديبية وهي جافة قال للناس: «انزلوا» . فقالوا: يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه. فأخرج سهما فدفعه إلى البراء بن عازب وقال: «اغرز هذا السهم في بعض قلب «١٣» الحديبية وهي جافة» ، ففعل فجاش الماء «١٤» ونادى الناس بعضهم بعضا من أراد الماء. فقال أبو سفيان قد ظهر بالحديبية قليب فيه ماء ثم قال لسهيل بن عمرو: قم بنا إلى ما فعل محمد فأشرفا على القليب والعيون تحت السهم فقالا: ما رأينا كاليوم قط وهذا من سحر محمد قليل فلما أمر رسول الله ﷺ بالرحيل قال للناس: خذوا حاجتكم من الماء ثم قال للبراء: إذهب فرد السهم، فلما فرغوا وارتحلوا أخذ البراء السهم فجف الماء كأنه لم يكن هناك ماء وهذا نظير ما أعطى موسى من الحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا.
ومثله ما روي أنه في غزوة بني المصطلق دعا بركوة جافة ثم تفل فيها ثم قلبها فتفجرت من بين أصابعه عيون حتى شرب الخيل والإبل وملىء كل سقاء.
ومن أعلامه: أن قوما شكوا إليه ﷺ ملوحة مائها فقام بأصحابه حتى أشرف على بئرهم فتفل فيها ثم انصرف فانفجرت بالماء الزلال وكانت غائرة وأنها على حالها اليوم ويتوارثها أهلها ويعدونها من أعظم مفاخرهم، ولما بلغ ذلك قوم مسيلمة سألوه مثلها فتفل فيها «١٥» فصار ماؤها أجاجا كبول الحمار وهي اليوم على حالها.
وجاءته ﷺ امرأة بصبي لها قد تمعط «١٦» شعره فمسح رأسه بيده فاستوى
стр. 97
شعره فبلغ ذلك قوم مسيلمة فأتوه بصبي مثله فمسح رأسه فصلع وبقي نسله صلعا إلى وقتنا هذا.
ومن أعلامه: ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما غزونا خيبر ومعنا من يهود فدك جماعة، فلما أشرفنا على القاع إذا نحن بالوادي والماء يقلع الأشجار ويهدهد الجبال فقدرنا الماء فإذا هو أربع عشرة قامة فقال بعض الناس: يا رسول الله، العدو من ورائنا والوادي قدامنا فنزل رسول الله ﷺ فسجد ودعا ثم قال: «سيروا على اسم الله» ، فعبرت الخيل والإبل والرجال فكان الفتح والغلبة له وهذا نظير فلق البحر لموسى.
نوع آخر من أعلامه: روى الحسن أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني قدمت من سفر لي فبينا بنت خماسية تدرج حولي في وصيفها وحليها أخذت بيدها فانطلقت بها إلى وادي فلان فطرحتها فيه فقال النبي ﷺ لأبيها «ما كان اسمها» . فقال: فلانة. فقال النبي «يا فلانة أجيبي بإذن الله» ، فخرجت الصبية وهي تقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، فقال لها: «إن أبويك قد أساءا فإن أحببت أن أردك إليهما» ، فقالت: لا حاجة لي فيهما وجدت الله خير أب منهما.
وهذا نظير ما فعله عيسى ﵇ من إحياء الموتى.
ومن أعلامه: أن طفيلا العامري جاء إلى النبي ﷺ فشكا إليه الجذام فدعا بركوة ثم تفل فيها وأمره أن يغتسل بها فاغتسل فقام صحيحا.
وأتاه حسان بن عمرو الخزاعي مجذوما فدعا له بماء فتفل فيه ثم أمره فصبه على نفسه فخرج من علته كأن لم تكن به قط فرجع ودعا قومه إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم.
وأتاه قيس اللخمي وهو من سادات قومه وبه برص فتفل عليه فما بقي عليه إلّا مقدار الحبة.
стр. 98
وهذا نظير ما كان من عيسى ابن مريم ﵇ في إبراء الأكمه «١٧» والأبرص «١٨» .
ومن أعلامه: ما رواه سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ انصرف ليلة من العشاء فأضاءت له برقة فنظر إلى قتادة بن النعمان فعرفه فقال: يا نبي الله كانت ليلة مطيرة فأحببت أن أصلي معك فأعطاه عرجونا وقال: «خذ هذا يستضيء لك ليلتك فإذا أتيت بيتك فإن الشيطان قد خلفك فانظر في الزاوية على يسارك» ، فدخلت فنظرت حيث قال فإذا أنا بسواد معلق به حتى سبقني. وفي هذا الخبر معجزات من فعل وقول.
ومن أعلامه: أن أبا قتادة بن ربعي جاءه يوم أحد وقد انقلعت إحدى عينيه وتعلقت على وجهه فقال يا رسول الله صلى الله تعالى عليك إن لي امرأة وأخشى أن يقضي هذا عندها فردها رسول الله ﷺ إلى موضعها فكانت أحسن عينيه.
ومثله ما رواه عروة بن الزبير أن زبيرة أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها أصابك اللات والعزى فرد الله عليها بصرها فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زبيرة فأنزل الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ «١٩» .
ومن أعلامه: أن جرهدا أتى رسول الله ﷺ وبين يديه طبق فأدنى يده الشمال ليأكل وكانت اليمنى مصابة فقال له رسول الله ﷺ : «كل باليمنى» فقال: يا رسول الله إنها مصابة، فنفث عليها فما اشتكاها بعد إلى ساعته «٢٠» .
وأبصر رجلا يأكل بشماله فقال: «كل بيمينك» ، فقال: لا أستطيع.
فقال: «لا استطعت» فما وصلت إلى فيه بعد وكان كلما رفع اللقمة إلى فيه ذهبت في شق آخر.
стр. 99
ومن أعلامه: شاة أم معبد الخزاعية وكانت مجهودة عجفاء وضراء فمسح رسول الله ﷺ ضرعها فدرت لبنا وامتلأت سمنا وبقيت على حالها إلى أن وافاها أجلها وأهدت له أم شريك عكة فيها سمن فأخذ منه شيئا «٢١» ورد العكة عليها فلم تزل العكة تصب سمنا مدة طويلة، إلى أمثال هذا ونظائره.
فإن قيل: لا يثبت إعجاز النبوّات بمثل هذا من أخبار الآحاد فعنه جوابان:
أحدهما: أن رواة الآحاد قد أضافوه إليه في جمع كثير قد شاهدوه وسمعوا راويه فصدقوه ولم يكذبوه وفي الممتنع إمساك العدد الكثير عن رد الكذب كما يمتنع افتعالهم للكذب ولئن جاز اتفاقهم على الصدق مع الكثرة والافتراق وامتنع اتفاقهم على الكذب فلأن دواعي الصدق عامة متناصرة ودواعي الكذب خاصة متنافرة، ولذلك كان صدق أكذب الناس أكثر من كذبه لأنه لا يجد من الصدق بدا ويجد من الكذب بدا.
والثاني: أنها أخبار وردت من طرق شتى وأمور متغايرة فامتنع أن يكون جميعها كذبا وإن كان في آحادها مجوز فصار مجموعها من التواتر ومفترقها من الآحاد فصار متواتر مجموعها حجة وإن قصر مفترق آحادها عن الحجة والله تعالى أعلم.
стр. 100
الباب العاشر فيما سمع من معجزات أقواله
والمعجزات من القول هو الإخبار عن غائب لا يعلم به غير مخبره فيكون على صدقه دليلا لأن الخبر ما احتمل الصدق والكذب، وحقيقة الخبر ما كان عن ماض فأما المستقبل فيطلق اسم الخبر عليه مجازا، فإن أضيف المستقبل إلى فعل المخبر كان وعدا يصح من نبي وغير نبي وإن أضيف إلى فعل غيره كان من العيوب المعجزة لا يصح إلّا من نبي مبعوث وعن وحي منزل إذا تكرر عاريا عن الأسباب المنذرة ولئن ظهر خبر من غير نبي فهو بالإتفاق عن حدس إن صح في خبر لم يصح في كل خبر ويصح من النبي ﷺ في كل خبر لأنه من الله تعالى المحيط بعلم الغيوب كما قال لنبيه: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ «١» .
وفي خزائن الله ههنا تأويلان:
أحدهما: خزائن الرزق فأغنى وأفقر.
والثاني: خزائن العذاب فاعجل وأخر، وفي قوله ولا أعلم الغيب تأويلان:
أحدهما: علم الخزائن على ما مضى من التأويلين.
стр. 101
والثاني: علم ما غاب عن ماض ومستقبل إلّا أن المستقبل لا يعلمه إلّا الله تعالى ومن أطلعه عليه من أنبيائه وأما الماضي فقد يعلمه المخلوقون من وجهين إما من مخلوق معاين أو من خالق مخبر فكانت الأخبار المستقبلة من آيات الله تعالى المعجزة فأما الماضية فإن علم بها غير المخبر لم تكن معجزة وإن لم يعلم بها أحد كانت آية معجزة. وفي قوله: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ «١» تأويلان:
أحدهما: أنه لا يقدر على ما يعجز عنه العباد وإن قدرت عليه الملائكة.
والثاني: أنه من البشر وليس بمهلك لينفي عن نفسه غلو النصارى في المسيح.
وفي نفيه أن يكون ملكا تأويلان:
أحدهما: أنه دفع عن نفسه الملائكة تفضيلا لهم على الأنبياء.
والثاني: أني لست ملكا في السماء فأعلم غيب السماء الذي تشاهده الملائكة ويغيب عن البشر وإن كان الأنبياء أفضل من الملائكة مع غيبهم عما يشاهده الملائكة.
وفي قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ* «٢» تأويلان:
أحدهما: لن أخبركم إلّا بما أطلعني الله عليه.
والثاني: لن أفعل إلّا ما أمرني الله به: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ* «٣» فيه تأويلان:
أحدهما: العالم والجاهل.
والثاني: المؤمن والكافر فثبت بما قررناه أن في الأقوال معجزة كالأفعال فكانت من أعلام النبوّة وآيات الرسل ونحن نذكر منها ما اختص بقول الرسول دون ما تضمنه القرآن معجز في الخبر وغير الخبر.
стр. 102
أقسام مجيء الأخبار
ومجيء الأخبار ينقسم إلى أربعة أقسام، اخبار استفاضة وأخبار تواتر وأخبار آحاد بقرائن وأخبار آحاد مجردة، فأما أخبار الاستفاضة والتواتر فقد أطلق أهل العلم ذكرهما ولم يفرقوا بينهما وهما عندي مفترقان لأن اختلاف الأسماء موضوع لاختلاف المسمى فكان حملها على حقيقة الاختلاف أولى من حملها على مجاز الائتلاف فأخبار الاستفاضة ما بدأت منتشرة عن كل مخبر من بر وفاجر عن قصد وغير قصد ويتحققها كل سامع من عالم وجاهل فلا يختلف فيها مخبر ولا يتشكك فيها سامع ويستوي طرفاها ووسطها فتكون أوائلها كأواخرها وتناهيها وهو أقوى الأخبار ورودا وأبلغها ثبوتا.
وأما أخبار التواتر فهو ما أخبر به الواحد بعد الواحد حتى كثروا وبلغوا عددا ينتفي عن مثلهم المواطأة على الكذب والاتفاق على الغلط ولا يعرض في خبرهم شط ولا توهم فيكون من أوله من أخبار الآحاد وفي آخره من أخبار التواتر فيصير مخالفا لأخبار الاستفاضة في أوله وموافقا لها في آخره ويكون الفرق بين خبر الاستفاضة وخبر التواتر من ثلاثة أوجه:
أحدها: ما ذكرناه من اختلافها في الابتداء والانتهاء.
والثاني: أن أخبار الاستفاضة قد تكون عن غير قصد وأخبار التواتر لا تكون إلّا عن قصد.
والثالث: أن أخبار الاستفاضة لا يعتبر فيها عدالة المخبرين ويعتبر في أخبار التواتر عدالة المخبرين ثم يستوي الخبران في إنتفاء الشك عنهما ووقوع العلم بهما ومثال الأستفاضة في أحكام الشرع إعداد الصلوات ومثال التواتر في أحكام الشرع نصب الزكوات واختلف في وقوع العلم بهما هل هو علم إضطرار أو علم اكتساب على وجهين:
أحدهما: أنه علم إكتساب وقع عن استدلال وهو قول بعض أصحاب الشافعي وبعض المتكلمين لأن العلم بخبرهم يقترن بصفات تختص بهم فصار طلب الصفات استدلالا يوصل إلى العلم بخبرهم.
стр. 103
واختلف القائلون بهذا هل اكتسب العلم به من الخبر أو المخبر على وجهين:
أحدهما: من الخبر لأنه المقصود.
والثاني: من المخبر لأنه المبلغ فهذا قول من جعله علم استدلال.
والوجه الثاني: وهو قول الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين أنه علم اضطرار أدرك ببداية العقول لأن العلم به قد يسبق إلى اليقين من غير نظر ويستقر في القلوب من غير انتقال.
واختلف القائلون بهذا في علمه بالاضطرار هل هو من فعل المخبر أو من فعل الله تعالى على وجهين:
أحدهما: أنه من فعل المخبر لوصوله إليه بنفسه وهو قول أكثر الفقهاء.
والوجه الثاني: أنه من فعل الله تعالى لأنه الملجىء إليه، وهو قول أكثر المتكلمين واختلف من قال بهذا منهم على وجهين:
أحدهما: أنه من فعل الله تعالى في الخبر.
والثاني: أنه من فعله في المخبر والذي أراه أولى أن أخبار الاستفاضة توجب علم الاضطرار وأخبار التواتر توجب علم الإستدلال لاستغناء الإفاضة عن نظر واحتياج التواتر إلى نظر مع وقوع العلم بهما، وزعمت الإمامية أنه لا يقع العلم بأخبار الاستفاضة والتواتر إلّا أن يكون في المخبرين إمام معصوم أو يصدقهم عليه إمام معصوم.
وحكي: عن ضرار بن عمرو أن حجة الإستفاضة والتواتر لا تقوم بعد الرسل بنقل أقوالهم وأفعالهم إلّا بإجماع الأمة على صدقهم أو صحة نقلهم، وكلا القولين مدفوع بقضايا العقول لأنها تضطر إلى العلم بها كعلم الاضطرار بالمشاهدات ومدركات الحواس لأن الأخبار بالبلاد أن فيها مكة والصين يعلم بالاضطرار كما يعلم بالمشاهدة وكما يعلم الإنسان أن تحته أرضا وسماء فوقه لوجود أنفسنا عالمة بها على سواء ولما في غرائز الفطر من ذلك.
стр. 104
قال طفيل الغنوي وهو أعرابي بطبع سليم من التكلف وبديهة خلصت من التعمق والتعسف ما يدل على وقوع العلم بأخبار الاستفاضة والتواتر:
تأوبني هم من الليل منصب ... وجاء من الأخبار ما لا يكذب
تظاهرن حتى لم تكن لي ريبة ... ولم يك فيما أخبروا متعقب «٤»
فصل [أقسام أخبار الآحاد]
وأما أخبار الآحاد فضربان:
أحدهما: أن يقترن بها ما يوجب العلم بمضمونها وقد يكون ذلك من خمسة أوجه:
أحدها: أن يصدقه عليه من يقطع بصدقه كالرسول أو من أخبر الرسول بصدقه فيعلم به صدق المخبر وصحة الخبر.
والثاني: أن تجتمع الأمة على صدقه فيعلم بإجماعهم أنه صادق في خبره.
والثالث: أن يجمعوا على قبوله والعمل به فيكون دليلا على صدق خبره.
والرابع: أن يكون الخبر مضافا إلى حال قد شاهدها عدد كثير وسمعوا رواية الخبر فلم ينكروه على المخبر فيدل على صحة الخبر وصدق المخبر.
والخامس: أن يقترن بالخبر دلائل العقول فإن كان مضافا إليها كان صدقا لازما لأن ما وافقها لا يكون إلّا حقا وإن كان مضافا إلى غيرها لم يدل موافقها على صدق الخبر وإن أوجب صحة ما تضمنه الخبر.
والضرب الثاني: أن ينفرد خبر الواحد عن قرينة تدل على صدقه فهي أمارة توجب عليه الظن ولا تقتضي العلم، يقوى إذا تطاول به الزمان فلم يعارض بردّ ولا مخالفة وأن تكرر في معناها ما يوافقها صار جميعها متواترا وإن كان أفرادها آحدا وإذا استقر هذا الأصل في الأخبار ولم يخرج المروي من إعلام
стр. 105
الرسول عنها وقد ذكرنا ما روي من أفعاله وسنذكر ما روي من أقواله:
فمنها: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» فصدّق الله خبره وحقق ما ذكره، وملك أمته أقطار الأرض حتى دان له بشرعه من في المشرق والمغرب.
وقال ﵇ لعدي بن حاتم: «لا يمنعك من هذا الدين ما ترى من جهد أهله وضعف أصحابه فلكأنهم ببيضاء المدائن قد فتحت عليهم ولكأنهم بالظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفارة لا يخاف إلّا الله» فأبصر عدي ذلك كله، وهذا لا يكون إلّا من اطلاع الله تعالى له على غيبه وتحقيقه لوعده في قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ* «٥» .
ومن أعلامه: ما رواه البراء بن عازب، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق فعرضت لنا صخرة عظيمة لا يأخذ فيها المعول فأخذ المعول وقال بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام» ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس» ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن» فصدّق الله قوله وأعطاه ما فتح له.
وروى كعب بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم رحما وذمة» يعني أن أم إسماعيل بن إبراهيم كانت منهم.
ومن أعلامه: أنه كتب إلى كسرى كتابا يدعوه إلى الإسلام وبدأ باسمه قبل اسمه فلما قرأه أنف لنفسه «٦» من ابتدائه باسمه فمزق كتابه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «تمزق ملكه» .
ثم كتب كسرى في الوقت إلى عامله باليمن باذان ويكنى أبا مهران أن
стр. 106
إحمل إلى هذا الذي يذكر أنه نبي وبدأ باسمه قبل اسمي ودعاني إلى غير ديني، فبعث إليه فيروز بن الديلمي مع جماعة من أصحابه وكتب معهم كتابا يذكر فيه ما كتب به كسرى، فأتاه فيروز بمن معه وقال له: إن ربي- يعني كسرى- أمرني أن أحملك إليه فاستنظره ليلة، فلما كان من الغد حضر فيروز سحبا فقال له رسول الله ﷺ : «أخبرني ربي أنه قتل ربك البارحة سلط عليه ابنه شيرويه على سبع ساعات من الليل فأمسك ريثما يأتيك الخبر» ، فراع ذلك فيروز وهاله وعاد فيروز إلى باذان فأخبره، فقال له باذان: كيف وجدت نفسك حين دخلت إليه؟ فقال: والله ما هبت أحدا قط كهيبة هذا الرجل، فقال باذان: إن كان ما قاله حقا فهو نبي، فلم يرعه إلّا ورود الخبر عليه بقتله في تلك الليلة من تلك الساعة، فأسلم باذان وفيروز ومن معهم من الأبناء، وظهر العنسي بما افتراه من الكذب فأرسل إلى فيروز أن اقتله، قتله الله، فقتله، وفي هذا الخبر من آيات الغيوب ما لا يعلمه إلّا الله أو من أطلعه عليه.
ومن أعلامه: أنه رأى ذراعي سراقة بن مالك بن جعشم دقيقين أشعرين فقال: «كيف بك إذا ألبست بعدي سواري كسرى» ، فلما فتحت فارس دعاه عمر وألبسه سواري كسرى وقال له: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم.
ومن أعلامه: ما رواه جابر بن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ثم قال: «أن النجاشي أصحمة قد توفي هذه الساعة فاخرجوا بنا إلى المصلى نصلي عليه فصلى عليه وكبّر أربعا فقال المنافقون إنظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط فأنزل الله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ «٧» . الآية.
ثم جاء الخبر بموت النجاشي من تجار وردوا المدينة.
ومثله ما روي أن ريحا هبت بتبوك فقال رسول الله ﷺ : «هذا لموت منافق عظيم النفاق قد مات في ذلك الوقت» .
стр. 107
ومن أعلامه: أنه قال لأصحابه: «اليوم نصرت العرب على العجم وبي نصروا» فجاء خبر الوقعة بذي قار وما أدال الله تعالى فيه العرب من العجم حين قتلت فيه بنو شيبان وبكر بن وائل من الفرس من قتلوا وكان أول يوم انتصف فيه العرب من العجم وجاءهم الخبر أنه كان في الساعة من اليوم الذي أخبر به رسول الله ﷺ .
ومن أعلامه: أنه كشف الله تعالى له ما غاب عنه في جيش مؤتة، فقال لأصحابه: «أخذ الراية زيد بن حارثة وتقدم فقتل ومضى شهيدا ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب وتقدم فقتل ومضى شهيدا» ووقف وقفة ثم قال:
«وأخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة وتقدم فقتل ومضى شهيدا» لأن عبد الله بن رواحة توقف عن أخذ الراية بعد قتل جعفر زمانا ثم أخذها، قال: «ثم ارتضى المسلمون خالد بن الوليد فكشف العدو عنهم حتى خلصوا» ، ثم قام إلى بيت جعفر بن أبي طالب فاستخرج ولده ودمعت عيناه ونعى جعفر إلى أهله وجاءت الأخبار بأنهم قتلوا في ذلك اليوم على ما وصفه.
ومن أعلامه: قوله في ليلة الإسراء حين اصبح: «مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما وإذا اناء فيه ماء وقد غطوا عليه فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ورددت الغطاء كما كان وآية ذلك أن عيرهم الآن تقبل من موضع كذا يقدمها «٨» جمل أورق «٩» عليه غرارتان «١٠» إحداهما سوداء والأخرى ورقاء» ، فابتدر القوم الثنية فوجدوا ما وصف، وسألهم عن الإناء فوجدوا الأمر كما قال.
ومن أعلامه: أنه رأى عليا كرم الله وجهه في غزاة العشيرة على التراب ومعه عمار فقال لهما: «ألا أخبركما بأشقى الناس» ، قال: بلى، قال:
«أشقى الناس أحمر ثمود وعاقر الناقة والذي يخضب، يا علي هذه من هذه» ، وأشار إلى لحيته من رأسه، وقال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية وآخر زادك من الدنيا صاع من لبن» ، فكان من قتل ابن ملجم لعنه الله لعلي كرم
стр. 108
الله وجهه ما كان وقتل عمار يوم صفين، فلما ذكر الخبر لمعاوية لم ينكره ودفعه عن نفسه بأن قال: إنما قتله من جاء به.
ومثله ما روي أن النبي ﷺ ذكر زيد بن صوحان فقال: «زيد وما زيد بسبقه عضو منه إلى الجنة» ، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله، وقال:
«الخلافة بعدي ثلاثون وما بعد ذلك ملك» .
نوع آخر من أعلامه ﷺ : أنه نزل بجيشه في غزوة تبوك على غير ماء وهم نحو ثلاثين ألفا فعطشوا وشكوا ذلك إليه فبعث أبا قتادة وأبا طلحة وسماك بن خرشنة وسعد بن عبادة يلتمسون الماء فغابوا إلى قائم الظهيرة «١١» ثم رجعوا ولم يجدوا شيئا، وبلغ العطش من الناس والخيل والدواب، فصلى بأصحابه متيمما، فلما فرغ شكوا إليه العطش فبعث أسيد بن حضير وأسامة يلتمسون الماء من الأعراب، فقال المنافقون: أن محمدا يخبر باخبار السماء وهو لا يدري الطريق إلى الماء، فأتاه جبريل ﵇ فأخبره بقولهم وسماهم له، فشكى ذلك إلى سعد بن عبادة فقال سعد: إن شئت ضربت أعناقهم، فقال: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولكن نحسن صحبتهم ما أقاموا معنا» ، ثم قال لأبي الهيثم بن التيهان وأبي قتادة وسهيل بن بيضاء يستعرضون الطريق ويأخذون على الكثيب فتقفوا ساعة فإن عجوزا من الأعراب تمر بكم على ناقة لها معها سقاء من ماء فاطعموها واشتروا منها بما عزّ وهان «١٢» وجيئوا بها مع الماء» ، فمضوا حتى بلغوا الموضع الذي وصف لهم فإذا بالمرأة فقالوا:
تبيعينا هذا الماء؟ قالت: أنا وأهلي أحوج إلى الماء منكم، فطلبوا إليها أن تأتي رسول الله ﷺ مع الماء فأبت وقالت: إن هذا لساحر، خير الأشياء أن لا أراه ولا يراني فشدوا وثاقها حتى حاءوا بها مع الماء، فلما وقفت بين يدي رسول الله ﷺ قال: «خلوا عنها، وقال لها: تبيعين هذا الماء» ؟ قالت: إن أهلي أحوج إليه منكم، قال: «فائذني لنا فيه وليصيرن ذلك كما جئت به» ، قالت:
стр. 109
شأنكم، فقال لأبي قتادة: «هات الميضأة «١٣» » ، فقربت إليه فحل السقاء «١٤» وتفل فيه وصب في الميضأة فوضع يده فيه ثم قال: «ادنوا فخذوا» ، فجعل الماء يزيد والناس يأخذون حتى ما أبقوا معهم سقاء إلّا ملأوه وأرووا خليهم وأبلهم والميضأة ملأى ثم زاد رسول الله ﷺ في السقاء حتى ملأه وبقي في الميضأة ثلثاه ثم توضأوا كلهم حين أصبحوا وهو يزيد ولا ينقص.
ومن أعلامه ﷺ : أن ناقة له ضلت في توجهه إلى تبوك فتفرّق الناس في طلبها وكان عنده عمارة بن حزم وفي رحل عمارة زيد بن اللصيت وكان يهوديا قد أسلم ونافق، فقال زيد في رحل عمارة: يزعم محمد أنه نبي يخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، فقال رسول الله ﷺ : «إن منافقا يقول أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم بخبر السماء ولا يدري أين ناقته، والله لا أعلم إلّا ما علمني ربي وقد أعلمني أنها في الوادي في شعب كذا حبستها سمرة «١٥» بزمامها» ، فبادر الناس فوجدوها كذلك فأتوه بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله وقال: لقد عجبت مما ذكره رسول الله ﷺ ، فقال رجل كان في رحله مع زيد بن اللصيت: أن زيدا قال هذا قبل أن تطلع علينا، فوجأ عمارة زيدا في عنقه وقال: إنك لداهية في رحلي اخرج يا عدو الله منه، ولأجل ما لقيه في غزاة تبوك من الجهد قال لأصحابه: «ألا أسرّكم» ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إن الله تعالى أعطاني الليلة الكنزين فارس والروم وأمدني بالملوك ملوك حمير يجاهدون في سبيل الله ويأكلون فيء الله» ، فكان ذلك.
ومن أعلامه ﷺ : أنه بعث خالد بن الوليد من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل من كندة فقال خالد: يا رسول الله كيف لي به وسط بلاد كلب وإنما أنا في عدد يسير؟ فقال: ستجده يصيد البقر فتأخذه، فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة قمراء صائفة وهو على سطح له من شدة الحر مع امرأته فأقبلت البقر تحك بقرونها باب
стр. 110
الحصن، فقال أكيدر: والله ما رأيت بقرا جاءتنا ليلا غير هذه الليلة لقد كنت أضمر لها الخيل إذا أردتها شهرا أو أكثر، ثم نزل فركب بالرجال والآلة، فلما فصلوا من الحصن وخيل خالد تنظر إليهم لا يصهل منها فرس ولم يتحرك فساعة فصل أخذته الخيل فاستؤسر أكيدر.
ومن أعلامه ﷺ : أنه لما قاضى سهيل بن عمرو بالحديبية حين صدته قريش عن العمرة وكتبت بينه وبينه القضية «١٦» قال لعلي كرم الله وجهه اكتب:
هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما صددتك ولكن أقدمك لشرفك اكتب محمد بن عبد الله، فقال: يا علي امح رسول الله، فقال علي: لا أستطيع أن أمحو اسمك من النبوة، فمدّ رسول الله ﷺ يده إلى الموضع فمحاه وقال لعلي ستسام مثلها فتجيب، فقيل له مثلها يوم الحكمين حين ذكر في كتاب التحكيم هذا ما تحاكم عليه علي أمير المؤمنين فقال له عمرو: لو سلمنا إنك أمير المؤمنين ما نازعناك، فمحا أمير المؤمنين، ولما قال سهيل ذلك قال عمر: يا رسول الله دعني أنزع ثنيي سهل لنلثغ لسانه فلا يقوم علينا خطيبا أبدا.
وكان سهيل أعلم الشفة «١٧» السفلى فكان خطيبا بينا، فقال له رسول الله ﷺ : دعه يا عمر فعسى أن يقوم لك مقاما تحمده، فكان من حسن قيامه بمكة حين هاج أهلها بموت رسول الله ﷺ واستخفى عتاب بن أسيد ما حمد أثره.
ومن أعلامه ﷺ : ما حكاه السدي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه:
«يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان» فأتاه الحطم بن هند البكري وحده وخلف خيله خارجة من المدينة فدعاه رسول الله ﷺ د فقال:
«إلى ما تدعو» ؟ فأخبره فقال: أنظرني فلي من أشاوره، فخرج من عنده فقال رسول الله ﷺ : «لقد دخل بوجه كافر وخرج بعتب غادر» ، فمر بسرح من سرح المدينة فاستاقه وانطلق مرتجزا يقول: