← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9769

أقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ابن الطلاع

Полный текст (139 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة المؤلف هو الإمام الحجّة محمد بن فرج، أبو عبد الله مولى محمد بن يحيى، المعروف بابن الطّلّاع، القرطبي الفقيه المالكي، مفتي الأندلس ومسندها في الحديث. ولد في سلخ ذي القعدة سنة أربع وأربعمئة. ذكره ابن بشكوال فقال: بقية الشيوخ الأكابر في وقته، وزعيم المفتين بحضرته. روى عن: يونس بن عبد الله القاضي، ومكي بن أبي طالب، وأبي عبد الله بن عابد، وحاتم بن محمد، وأبي عليّ الحدّاد الأندلسيّ، وأبي عمرو المرشانيّ، ومعاوية بن محمد العقيليّ، وأبي عمر ابن القطّان. قال: وكان فقيها عالما، حافظا للفقه، حاذقا بالفتوى، مقدّما في الشّورى، مقدّما في علل الشّروط، مشاركا في أشياء، مع دين وخير وفضل، وطول صلاة، قوّالا بالحقّ وإن أوذي فيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، معظّما عند الخاصّة، والعامّة يعرفون له حقّه. ولي الصّلاة بقرطبة، وكان مجوّدا لكتاب الله. أفتى النّاس بالجامع، وأسمع الحديث، وعمّر حتّى سمع منه الكبار والصّغار، وصارت الرّحلة إليه. ألّف كتابا في أحكام النّبيّ ﷺ قرأته على أبي ﵀ عنه. تفقه على مذهب الإمام مالك وأصحابه حتى حذق الفتوى وبرع فيها، وصار مقدما في الشورى، عارفا بعقد الشروط وعللها، ذاكرا لأخبار شيوخ بلده وفتاويهم، مشاركا في أشياء من العلم، مع خير وفضل ودين. وقال القاضي عياض: كان صالحا قوّالا بالحقّ، شديدا على أهل البدع، غير هيوب للأمراء، شوّر عند موت ابن القطّان، إلى أن دخل المرابطون فأسقطوه من الفتيا لتعصّبه عليهم، فلم يستفت إلى أن مات. سمع منه عالم كثير، ورحل النّاس إليه من كلّ قطر لسماع «الموطّأ» ولسماع «المدوّنة» لعلوّه في ذلك. وحدّث عنه أبو عليّ بن سكّرة، وقال في مشيخته الّتي خرّجها له عياض: سمع يونس بن عبد الله بن مغيث، وحمل عنه «الموطّأ» و «سنن النّسائيّ» . وكان أسند من بقي، صحيحا،

стр. 2

فاضلا، عنده بله تامّ بأمر دنياه وغفلة. ويؤثر عنه في ذلك طرائف. وكان شديدا على أهل البدع، مجانبا لمن يخوض في غير الحديث. وروى اليسع بن حزم عن أبيه قال: كنّا مع ابن الطّلّاع في بستانه، فإذا بالمعتمد بن عبّاد يجتاز من قصره، فرأى ابن الطّلّاع، فنزل عن مركوبه، وسأل دعاءه، وتذمّم وتضرّع، ونذر وتبرّع، فقال له: يا محمد انتبه من غفلتك وسنتك. توفي ﵀ لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ٤٩٧ هـ، وشهده جمع عظيم. من تصانيفه: نوازل الأحكام النبوية، وكتاب في الوثائق، وكتاب في الأقضية وهو كتابنا هذا الذي نقدمه في ثوبه الجديد متمنين على الله أن ينفع به إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين «١» .

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله كما حمد نفسه وأضعاف ما حمده خلقه حتى يفنى حمدهم ويبقى حمده، لا إله إلا هو وحده. هذا كتاب أذكر فيه- إن شاء الله تعالى- ما انتهى إليّ من أقضية رسول الله ﷺ التي قضى بها، أو أمر بالقضاء فيها، إذ لا يحل لمن تقلّد الحكم بين الناس أن يحكم إلا بما أمر الله به في كتابه، أو بما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه حكم بها، أو بما أجمع العلماء عليه، أو بدليل من هذه الوجوه الثلاثة. واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي- رحمهم الله تعالى- على أنه لا يجوز لحاكم أن يحكم بين الناس حتى يكون عالما بالحديث والفقه معا مع عقل وورع. وكان مالك ﵀ يقول في الخصال التي لا يصلح القضاء إلا بها: لا أراها تجتمع اليوم في أحد، فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان رأيت أن يولّى العلم والورع. قال عبد الملك بن حبيب- رحمه الله تعالى-: فإن لم يكن فعقل وورع، فبالعقل يسأل وبه تصلح خصال الخير كلها، وبالورع يعف. وإن طلب العلم وجده، وإن طلب العقل إذا لم يكن فيه لم يجده. وأبدأ في ذلك بأقضيته ﷺ في الدماء لما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم وغيره: «إن أول ما يقضي الله ﵎ بين الناس يوم القيامة في الدماء» . وأول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فمن وجدت له صلاة نظر في سائر عمله، ومن لم توجد له صلاة لم ينظر في شي من «١» عمله. وليس بعد الشرك بالله أعظم من قتل النفس «٢» . روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «زوال الدنيا بجميع ما فيها أهون على الله من

стр. 4

قتل امرئ مسلم» «١» . رواه ابن الأحمر في مسنده. وفي مسند بقي والبزار أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لأدخلهم الله النار أجمعين» «٢» وقال ﵇: «من أعان في قتل امرئ مسلم بنصف كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» «٣» . وفي البخاري قال رسول الله ﷺ : «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» «٤» ، هكذا رواه الأصيلي: من دينه، ورواه القابسي: من ذنبه. وفي كتاب الخطابي: قال سفيان بن عيينة: نصف كلمة هو أن يقول أق أي: اقتل، وهذا كقول النبيّ ﷺ : «كفى بالسيف شا» «٥» أي شاهدا. وفي غير كتاب الخطابي وقال ﵇: «من لقي الله لم يشرك به شيئا ولم يتندّ بدم مسلم كان حقا على الله أن يغفر له» «٦» . وفي الخطابى وقال ﵇: «لا يزال المؤمن صالحا معنقا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بلّح» «٧» . وقال الخطابي: معنى بلح أعيا. ويقال: أعيا الفرس إذا انقطع جريه، وبلّح الغريم إذا أفلس.

стр. 5

قال مالك- ﵀: من لقي الله (تعالى) ولم يشرك في دم مسلم لقي الله خفيف الظهر. ونبدأ بأول أسباب الحكم في القتل: وهو السجن. اختلف أهل الأمصار هل سجن رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ أحدا أم لا؟ فذكر بعضهم أنه لم يكن لهما سجن، ولا سجنا أحدا، وذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ سجن في المدينة في تهمة دم. رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وذكر أبو داود عنه في مصنفه قال: حبس رسول الله ﷺ ناسا من قومي في تهمة بدم «١» . وبهز بن حكيم مجهول عند بعض أهل العلم، وأدخله البخاري في كتاب الوضوء، فدل أنه معروف. وفي غير المصنف عن عبد الرزاق بهذا السند أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه «٢» . ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان: أن رسول الله ﷺ سجن رجلا أعتق شركا له في عبد فأوجب عليه استتمام عتقه، وقال في الحديث: حتى باع غنيمة له «٣» . وفي كتاب ابن شعبان عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبيّ ﷺ مائة جلدة، ونفاه سنة، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة «٤» . وقال ابن شعبان في كتابه: وقد رويت عن النبيّ ﷺ أنه حكم بالضرب والسجن. ومن غير كتاب ابن شعبان. وثبت عن عمر بن الخطاب- ﵁ أنه كان له سجن، وأنه سجن الحطيئة على الهجو، وسجن صبيغا التميمي على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن، وأمر الناس بالتفقه، وضربه مرة بعد مرة، ونفاه إلى العراق وقيل: إلى البصرة، وكتب ألايجالسه أحد.

стр. 6

قال المحدث: فلو جاءنا ونحن مائة لتفرقنا عنه. ثم كتب أبو موسى إلى عمر أنه قد حسنت توبته، فأمره عمر فخلى بينه وبين الناس «١» . وسجن عثمان بن عفان- ﵁ ضابئ بن الحارث وكان من لصوص بني تميم وفتاكهم حتى مات في السجن. وسجن علي بن أبي طالب ﵁ بالكوفة. وسجن عبد الله بن الزبير بمكة، وسجن أيضا في سجن دارم: محمد ابن الحنفية إذ امتنع من بيعته. ووقع في كتاب الخطّابي عن علي بن أبي طالب- ﵁ أنه سجن، وأنه بنى سجنا من قصب، فسماه: نافعا، ففتقته اللصوص، ثم بنى سجنا من مدر وسماه: مخيسا، ثم قال: ألا تراني كيسا مكيسا بنيت بعد نافع مخيسا حصنا حصينا وأميرا كيسا. وفي مصنف أبي داود عن النضر بن شميل عن هرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: أتيت النبيّ ﷺ بغريم لي فقال لي: «الزمه» . ثم قال: «يا أخا بني تميم ما تريد أن تصنع بأسيرك» «٢» . واحتج بعض العلماء ممن يرى السجن بقول لله : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النّساء: الاية ١٥] . وبقول النبيّ ﷺ في الذي أمسك رجلا للاخر حتى قتله: «اقتلوا القاتل واصبروا الصابر» «٣» . وقال أبو عبيد: قوله اصبروا الصابر يعني احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت. وكذلك ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن علي بن أبي طالب: يحبس الممسك في السجن حتى يموت. «باب حكم رسول الله ﷺ في المحاربين من أهل الكفر» في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قدم عليه نفر من عكل، أو من عرينة، وفي مصنف عبد الرزاق من بني فزارة، قد ماتوا هزالا. وفي حديث آخر من بني سليم فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا وصحّوا وسمنوا، فارتدوا وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم فما ترجّل

стр. 7

النهار حتى جيء بهم، فأمر بهم رسول الله ﷺ : فقطّعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، ثم أمر بحبسهم حتى ماتوا «١» . وفي حديث آخر: أمر بمسامير فأحميت، فكحّلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وما حبسهم، وألقوا في الحرّة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا «٢» . وفي حديث آخر: سمل أعينهم. قال أبو قلابة: سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد أيمانهم، وحاربوا الله ورسوله «٣» . قال سعيد بن جبير في مصنف عبد الرزاق، ومحمد بن سيرين في كتاب أبي عبيد: كان هذا قبل أن ينزل على النبيّ ﷺ في المائدة: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المائدة: الاية ٣٣] . وفي البخاري ومسلم: كانوا ثمانية نفر، وسملوا أعين الرعاء. قاله أنس «٤» . وفي مصنف عبد الرزاق: قلت لأنس: ما سمل؟ قال: تحرّ مرآة الحديد ثم تقرّب إلى عينيه حتى تذوبا «٥» . «باب كيف يساق القاتل إلى السلطان وكيف يقرره على القتل» في كتاب مسلم وعن سماك بن حرب أن علقمة بن وائل حدّثه أن أباه قال: إني لقاعد مع النبيّ ﷺ إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال: يا رسول الله هذا قتل أخي، فقال رسول الله ﷺ : «أقتلته؟» فقال: إنه إن لم يعترف أقمت عليه البينة، قال: نعم قتلته. قال: «كيف قتلته؟» ، قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبّني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال رسول الله ﷺ : «هل لك من شيء تؤدّيه عن نفسك؟» ، قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال: «أفترى قومك يشترونك؟» . قال: أنا أهون على قومي من ذلك. فرمي إليه بنسعته وقال: «دونك صاحبك» . فانطلق به الرجل فلما ولّيا قال رسول الله ﷺ : «إن قتله فهو مثله» . فبلغ الرجل ذلك فرجع فقال: يا رسول الله بلغني أنك قلت: «إن قتله فهو مثله» ، وإنما أخذته بأمرك. فقال رسول الله ﷺ : «أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟» قال: يا نبيّ الله! لعلّه قال بلى، قال: «فإن ذاك كذاك» . قال: فرمى بنسعته، وخلّى سبيله «٦» .

стр. 8

وفي حديث آخر نحوه وقال فيه: فلما أدبر به الرجل قال رسول الله ﷺ : «القاتل والمقتول في النار» . قال: فأتى رجل الرجل فأخبره بمقالة رسول الله ﷺ فخلى عنه «١» . قال إسماعيل بن سالم: فذكرت ذلك لحبيب بن أبي ثابت قال: حدثني بن أشرع أن النبيّ ﷺ إنما سأله أن يعفو عنه فأبى. وفي مسند ابن أبي شيبة في حديث وائل بن حجر الحضرمي كذلك أيضا وقال فيه رسول الله ﷺ لوليّ المقتول: «أتعفو عنه؟» قال: لا، قال: «أتأخذ الدية؟» قال: لا. قال: «فتقتله؟» قال: نعم. فأعاد عليه ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «إن عفوت عنه يبوء بإثمه» «٢» . وفي المسند أيضا في حديث أبي هريرة قال: قتل رجل على عهد رسول الله ﷺ ، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فدفعه إلى وليّ المقتول فقال القاتل: يا رسول الله ما أردت قتله. فقال رسول الله ﷺ للولي: «أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار» . قال: فخلّى سبيله، وكان مكتوفا بنسعة قال: فخرج يجر نسعته قال: فسمي: ذا النسعة «٣» . وفي غير المسند قال رسول الله ﷺ : «عمد يد وخطأ قلب» وقع هذا في الواضحة. وفي مصنف النسائي: والله يا رسول الله ما أردت قتله. فقال رسول الله ﷺ للولى: «إن كان صادقا فقتلته دخلت النار» . وكذلك ذكر النسائي: أن القاتل قال: يا رسول الله ما أردت قتله. ثم ذكر باقي الحديث كما في حديث أبي هريرة. وذكر ابن إسحاق أن النبيّ ﷺ سار إلى الطائف على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم على المليح ثم على حرة الرعاء من لبة فابتنى بها مسجدا وصلى فيه. وحدثني عمرو بن شعيب أنه أقاد يومئذ بحرة الرعاء بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به. قال في الواضحة: إنما قتله بالقسامة. وفي الواضحة والسير: أن محلم بن جثامة قتل عامر ابن الأضبط الأشجعي فأقسم ولاته ثم دعاهم رسول الله ﷺ إلى الدية فأجابوا فوداه رسول الله ﷺ بمائة من الإبل. قال في السير: بخمسين. وقال: خمسين في سفرنا وخمسين إذا رجعنا. فلم يلبث محلّم إلا قليلا.

стр. 9

قال في السير: أقل من سبع حتى مات فدفن فلفظته الأرض. قال في السير: وكان رسول الله ﷺ قد قال: «اللهم لا تغفر لمحلّم» ثلاثا، فلفظته الأرض ثلاث مرات «١» ، فقال رسول الله ﷺ : «إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يجعله لكم عبرة» . فألقوه بين ضوجي جبل فأكلته السباع «٢» . «حكم رسول الله ﷺ فيمن قتل أحدا بحجر» في البخاري عن أنس بن مالك أن يهوديا رضّ رأس جارية بين حجرين «٣» ، وفي حديث آخر: خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى النبيّ ﷺ وبها رمق فقال لها رسول الله ﷺ : «أقتلك فلان؟» فأشارت برأسها: أن لا، ثم قال الثانية فأشارت برأسها: أن لا، ثم سألها الثالثة فأشارت برأسها أن نعم، فجيء باليهودي فلم يزل به حتى أقر، فرض رسول الله ﷺ رأسه بالحجر. وفي حديث آخر فقتله بين حجرين «٤» . وفي كتاب مسلم ومصنف عبد الرزاق: فأمر به رسول الله ﷺ أن يرجم (فرجم) حتى مات «٥» . في هذا الحديث من الفقه أن يقتل القاتل بمثل ما قتل من حجر أو عصا أو خنق أو شبهه وهو قول مالك، بخلاف قول أهل العراق الذين يقولون: لا قود إلا بحديدة. وفيه أن الإشارة المفهومة كالكلام، وفيه أن يقتل الرجل بالمرأة. «حكم رسول الله ﷺ فيمن ضرب امرأة حاملا فطرحت جنينها» من الموطأ والبخاري ومسلم عن مالك عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الآخرى فطرحت جنينها، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة «٦» عبد أو وليدة «٧» .

стр. 10

وفي حديث آخر في كتاب مسلم: فرمت إحداهما الآخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، وفي حديث آخر: ضربتها بعمود فسطاطا وهي حبلى، وكانت ضرّتها فقتلتها فجعل النبيّ ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها. وفي كتاب النسائي: ضربت إحداهما الآخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة وأن تقتل بها. وكذلك ذكر غير النسائي أن النبيّ ﷺ قتلها مكانها. وقيمة الغرة التي قضى بها رسول الله ﷺ خمسون دينارا أو ستمائة درهم قاله قتادة وغيره، وبه قال مالك بن أنس، وفي مصنف عبد الرزاق عن عكرمة: أن اسم الهذلي الذي قتلت إحدى امرأتيه الآخرى: حمل بن مالك بن النابغة. واسم القاتلة: أم عفيف ابنة مسروح من بني سعد بن هذيل، والمقتولة: مليكة بنت عويمر من بني لحيان بن هذيل «١» . وفي البخاري ما يدل أن النبيّ ﷺ لم يقتل الضاربة، وذلك أنه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف عن الليث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو وليدة ثم إن المرأة التي عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها «٢» . «حكم رسول الله ﷺ في القسامة فيمن لم يعرف قاتله» من موطأ مالك بن أنس عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة: أنه أخبره رجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل، ومحيّصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما، فأتي محيصة، فأخبر أن عبد الله بن سهل قتل وطرح في فقير بئر بئر أو عين، فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة، وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل: أخوه المقتول، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال رسول الله ﷺ لمحيصة: «كبّر كبّر» ، يريد السن، فتكلم حويصة ثم تكلّم محيصة فقال رسول الله ﷺ : «إما أن يدوا «٣» صاحبكم أو يأذنوا بحرب من الله» ، فكتب إليهم رسول الله ﷺ في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟» كذا روى يحيى بن يحيى «٤» . وفي حديث ابن أبي ليلى وفي حديث يحيى بن سعيد خاصة: «وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم» . وفي البخاري: «وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم» . وفي مصنف أبي داود: «دم

стр. 11

صاحبكم» وتكرر فقالوا: لا. وفي حديث آخر: لم نشهد ولم نحضر، فقال رسول الله ﷺ : «فتحلف لكم يهود» ، وفي حديث آخر: «فتبريكم يهود بخمسين يمينا» . فقالوا: يا رسول الله ليسوا بمسلمين. وفي حديث آخر: كيف نقبل أيمان قوم كفار، فوداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء. وتكرر الحديث في كتاب مسلم وقال فيه: «تستحقون صاحبكم أو قاتلكم» ، وذكر من طريق مالك: «دم صاحبكم» مثل رواية يحيى، وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته» . وفي البخاري ومسلم: فوداه رسول الله ﷺ من إبل الصدقة، وفي كتاب أبي داود والمصنف: فألقى رسول الله ﷺ ديته على اليهود لأنه وجد بينهم. وفي البخاري أيضا فقال رسول الله ﷺ : «تأتون بالبينة على من قتله» ، قالوا: ما لنا بينة، قال: «يحلفون» ، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه من إبل الصدقة، وفي مصنف عبد الرزاق: أن النبيّ بدأ بيهود فأبوا أن يحلفوا فرد القسامة على الأنصار، فأبوا أن يحلفوا فجعل رسول الله ﷺ العقل على اليهود وحويصة ومحيصة ابنا عم القتيل وعبد الرحمن أخوه، وفي مصنف عبد الرزاق: وهو أول من كانت فيه القسامة في الإسلام «١» . في هذا من الفقه: القتل بالقسامة لقوله ﵇: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم» . وفي الحديث الاخر في كتاب مسلم: «فيدفع برمته» ، وفيه تبدية المدعين بالأيمان بخلاف الحقوق، وفيه ألايقضى بالنكول دون رد الأيمان، وفيه محاربة أهل الذمة إذا منعوا حقا، وفيه أن من بعد عن السلطان ألايشخص ويكتب إلى الموضع الذي هو به، وفيه إباحة كتاب القاضي بغير شهود، وفيه القضاء على الغائب بخلاف قول أهل العراق، وفيه ألايحلف في القسامة رجل واحد، وفيه الحكم على أهل الذمة بحكم الإسلام وإنما أعطى النبيّ ﷺ الدية من إبل الصدقة من حق الغارمين الذين جعل الله لهم سهما في الصدقة إذا لم يتيقن أن يهوديا قتله، وفيه أن يعطي الرجل من الزكاة أكثر من نصاب. واتفق مالك والشافعي رحمهما الله تعالى على تبدية المدعين الدم بالقسامة إلا أنه لا يقسم عند الشافعي بقول الميت: دمي عند فلان وقال: إذا كانت بين المدعين والمدعى عليهم عداوة كما كانت بين اليهود والمسلمين وجبت القسامة وإلا فلا. وقال ابن لبابة: قول النبيّ ﷺ «لو يعطى الناس بدعواهم لا دعى قوم دماء قوم وأموالهم» «٢» يبطل التدمية. وفي مسند البزار: أن قوما احتفروا بئرا بأرض اليمن فسقط فيها الأسد فأصبحوا ينظرون

стр. 12

فوقع رجل في البئر فتعلق برجل آخر فتعلق الاخر باخر حتى كانوا أربعة، فسقطوا جميعا فجرحهم الأسد فقتله رجل برمحه فقال الناس للأول: أنت قتلت أصحابنا وعليك ديتهم فأبى، فتحاكموا إلى علي بن أبي طالب فقال: إجمعوا ممن حفر البئر من الناس ربع دية. وثلث دية. ونصف دية ودية كاملة، للأول ربع دية لأنه هلك فوقه ثلاثة. وللثاني ثلث دية لأنه هلك فوقه إثنان، وللثالث نصف دية لأنه هلك فوقه واحد، وللاخر الدية تامة، فأتوا رسول الله ﷺ العام المقبل فقصّوا عليه فقال رجل منهم: إن عليّ بن أبي طالب قضى بيننا بكذا، فقال النبيّ ﷺ : «هو ما قضى بينكم» «١» . «حكم رسول الله ﷺ فيمن تزوج امرأة أبيه» وإرساله عليّ بن أبي طالب إلى ابن عم مارية ليقتله إن وجده عندها، فوجده مجبوبا لا ذكر له فتركه وفي كتاب النسائي ومسند ابن أبي شيبة قال البراء: لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى من تزوج امرأة أبيه، وفي كتاب النسائي: إلى رجل يأتي امرأة أبيه أن أقتله «٢» . وفي غير الكتابين أن جئ برأسه واستفئ ماله. وفي كتاب الصحابة لابن السكن، وذكره أيضا ابن أبي خيثمة: أن خالد بن أبي كريمة حدث عن معاوية بن قرة عن أبيه: أن النبيّ ﷺ بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرّس بامرأة أبيه، فضرب عنقه وخمّس ماله، قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح «٣» . وفي كتاب ابن السكن وكتاب ابن أبي خيثمة أن ابن عم مارية أم ولد رسول الله ﷺ كان يتهم بها فقال النبيّ ﷺ لعلي بن أبي طالب: «اذهب فإن وجدته عند مارية فاضرب عنقه» . فأتاه علي فإذا هو في ركيّ يتبرّد فيها، فقال له عليّ: هات يدك، فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب لبس له. ذكر فكفّ عنه علي ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنه مجبوب ما له ذكر «٤» . رواه

стр. 13

ثابت البناني عن أنس، وفي حديث آخر فوجده في نخلة يجمع تمرا وهو ملفوف بخرقة فلما رأى السيف ارتعد وسقطت الخرقة فإذا هو مجبوب لا ذكر له. «حكم رسول الله ﷺ في القتيل يوجد بين قريتين» في مسند ابن أبي شيبة عن أبي سعيد قال: وجد قتيل بين قريتين فأمر النبيّ ﷺ فذرع ما بينهما فوجد إلى أحدهما أقرب فكأني أنظر إلى شبر النبيّ ﷺ فألقاه على أقربهما «١» ، وفي مصنف عبد الرزاق قال عمر بن عبد العزيز: قضى رسول الله ﷺ فيما بلغنا في القتيل يوجد بين ظهراني ديار قوم أن الأيمان على المدّعى عليهم، فإن نكلوا حلف المدّعون واستحقوا، فإن نكل الفريقان، كانت الدية على المدعى عليهم وبطل النصف إذا لم يحلفوا «٢» . «حكم رسول الله ﷺ بالقصاص بالجرح» وقوله: ألايقاد من جرح إلا بعد البرء في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل طعن آخر بقرن في رجله فقال: يا رسول الله أقدني، فقال: «حتى تبرأ جراحك» ، فأبى الرجل إلا أن يستقيد، فأقاده النبيّ ﷺ . فصح المستقاد منه وعرج المستقيد فقال: عرجت وبرأ صاحبي: فقال النبيّ ﷺ : «ألم آمرك أن لا تستقيد حتى تبرأ جراحك فعصيتني فأبعدك الله ، وبطل عرجك» . ثم أمر رسول الله ﷺ من كان به جرح بعد الرجل الذي عرج ألايستفاد منه حتى يبرأ جرح صاحبه فالجرح على ما بلغ حتى يبرأ، فما كان من شلل أو عرج فلا قود فيه، وهو عقل، ومن استقاد بجرح فأصيب المستقاد منه فعقل ما فضل من ديته على جرح صاحبه له «٣» قال عطاء بن أبي رباح: الجروح قصاص. وليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه إنما هو القصاص، وما كان ربك نسيا، ولو شاء لأمر بالضرب والسجن. وقال مالك: يقتص منه ويعاقب لجراءته. «حكم رسول الله ﷺ في السن وما لم ير فيه قصاصا» في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: أن ابنة النضر أخت الرّبيّع لطمت جارية فكسرت

стр. 14

ثنيتها. وفي حديث آخر في كتاب مسلم: سحلت أسنانها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بالقصاص، فقالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص منها. فقال النبيّ ﷺ : «سبحان الله يا أم الربيع القصاص في كتاب الله» . قالت: والله لا يقتص منها أبدا، قالت: فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال رسول الله ﷺ : «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» «١» . وفي الكتابين: أن رجلا عضّ يد رجل، فنزع يده من فيه فوقعت ثنّيتاه، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقال: «يعص أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟ لا دية لك» «٢» . وفي مصنف أبي داود قضى رسول الله ﷺ في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية «٣» . وفي المدونة والموطأ عن زيد بن ثابت بمائة دينار «٤» ، وقال مالك: ليس فيها إلا الاجتهاد «٥» «حكم رسول الله ﷺ فيمن أقر بالزنا وهو محصن» في موطأ مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: إن رجلا من أسلم جاء إلى أبي بكر الصديق، فقال له: إن الاخر قد زنى، فقال له أبو بكر: هل ذكرت ذلك لأحد غيري؟ فقال: لا. فقال له أبو بكر: فتب إلى الله واستتر يستر الله عليك، فإن الله يقبل التوبة عن عباده. فلم تقرره نفسه حتى جاء إلى عمر بن الخطاب، فقال له مثل ما قال لأبي بكر، فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر، فلم تقرره نفسه حتى أتى إلى رسول الله ﷺ فقال له: إن الاخر زنى، قال سعيد: فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثلاث مرات. كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ حتى إذا أكثر عليه، بعث رسول الله ﷺ إلى أهله: «أجنة يشتكي؟ أبه جنون؟» فقالوا: لا والله يا رسول الله إنه لصحيح. فقال له رسول الله ﷺ : «أبكر أم ثيب؟» فقال: بل ثيب يا رسول الله. فأمر به رسول الله ﷺ فرجم «٦» . ووقع في البخاري، أخبرنا محمود، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن أبي سلمة، عن جابر: أن رجلا من أسلم جاء إلى رسول الله ﷺ فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبيّ ﷺ حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال له النبيّ ﷺ : «أبك جنون؟» قال: لا، قال:

стр. 15

«أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به فرجم في المصلّى، فلما أذلقته الحجارة فرّ فأدرك فرجم حتى مات فقال النبي ﷺ خيرا وصلّى عليه. ولم يقل يونس ولا ابن جريج عن الزهري: وصلى عليه «١» . وفي كتاب مسلم: فرده أربع مرات، وفي حديث آخر: فرده مرتين. وفي حديث آخر: فرده مرتين أو ثلاثا، ثم قام رسول الله ﷺ خطيبا من العشي قال: «أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلّف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس، عليّ ألاأوتي برجل فعل ذلك إلا نكلت به» . قال: فما استغفر ولا سبه «٢» . وفي حديث آخر فلبثوا يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله ﷺ والناس جلوس فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» . فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله ﷺ : «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» . وفي مصنف أبي داود: «والذي نفسي بيده إنه الان لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» «٣» . وفي الموطأ لمالك، عن يعقوب بن زيد، بن طلحة عن أبيه زيد بن طلحة عن عبد الله بن أبي مليكة، أنه أخبره: أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته أنها زنت، وهي حامل. فقال النبيّ ﷺ : «اذهبي حتى تضعيه» ، فلما وضعته جاءت، فقال لها رسول الله ﷺ : «اذهبي حتى ترضعيه» . فلما أرضعته جاءته فقال: «اذهبي فاستودعيه» . ثم قال: فاستودعته ثم جاءت فأمر بها فرجمت «٤» . وفي كتاب مسلم فأمر رسول الله ﷺ فحفر لها حفرة إلى صدرها، ثم رجمت وصلى عليها فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت! قال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم. وهل أفضل من أن جادت بنفسها لله» . وفي كتاب النسائي: وحضر رسول الله ﷺ رجمها ورماها بحجر قدر الحمصة وهو راكب على بغلته «٥» . وفي حديث الموطأ من الفقه: أن من أقر بالزنا مرة واحدة أقيم عليه الحد، ولا ينتظر أن يقر أربع مرات، وألايجلد من وجب رجمه، وأن المجنون لا يلزمه إقراره بدليل قول النبيّ ﷺ : «أبه جنة؟» . «حكم رسول الله ﷺ على اليهود بالرجم في الزنا» في الموطأ مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ

стр. 16

فذكروا أن رجلا منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم» . فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، ثم قرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. قال مالك: معنى يحني ظهره: يكب عليها حتى تقع الحجارة عليه «١» . وذكر البخاري ومسلم نحوه «٢» وفي كتاب النسائي عن ابن عباس أنه قال: الرجم في كتاب الله حق، ولا يغوص عليه إلا غوّاص «٣» قوله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ [المائدة: الاية ٦٥] . وقال مالك في غير الموطأ: لم يكن اليهوديان أهل ذمة. وذكر البخاري أنهما أهل ذمة، ووقع في معاني القرآن للزجاج: أن الزنا كثر في أشراف اليهود بخيبر، وكان في التوراة أن على المحصنين الرجم، فزنى رجل وامرأة فطمعت اليهود أن يكون نزل على النبيّ ﷺ الجلد على المحصنين، وهي تأويل قول الله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ [المائدة: الاية ٤١] . يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه أي أوتيتم هذا الحكم المحرّف فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا. وفي مصنف أبي داود، نا يحيى بن موسى البلخي، نا أبو أسامة عن مجالد، عن عامر، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت يهود برجل وامرأة منهم زنيا فقال: «ايتوني بأعلم الرجلين منكم» ، فأتوه بابني صوريا، فناشدهما الله كيف تجدان أمر هذين في التوراة فقالا: نجد في التوراة أنه إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما، قال: «فما يمنعكما أن ترجموهما» ، قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاء أربعة فشهدوا فأمر رسول الله ﷺ برجمهما. وفي حديث آخر بأربعة منهم، وفي رواية أخرى قال لليهود: «ايتوني بأربعة منكم» ، ويقال إن مجالدا غير مقبول الحديث وإنما رجمهما النبيّ ﷺ بغير شهادة اليهود إما بوحي أو بشهادة مسلمين أو بإقرارهما «٤» . في مسند البزار أنهم أتوا النبيّ ﷺ بابني صوريا فقال لهما رسول الله ﷺ : «أنتما أعلم من وراءكما؟» فقالا: كذلك يزعمون، فناشدهما بالله الذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدان أمر

стр. 17

هذين في توراة الله قالا: نجد فيها إذا وجد الرجل مع المرأة في بيت فهي ريبة فيها عقوبة، فإذا وجد في ثوبها أو على بطنها فهي ريبة فيها عقوبة، وإذا شهد أربعة ثم ذكر باقي الحديث كما ذكره انتهى «١» . وفي الحديث من الفقه أن اليهود إذا رضوا بحكم الإسلام حكم بينهم إن أحب بغير رأي أساقفتهم، وألايحفر للمرجوم لأنه لو حفر لليهودي لم يقدر أن يحني على المرأة ليقيها الحجارة. وبهذا أخذ مالك ألايحفر له، وقال بعض أصحابه: الإمام مخير إن شاء حفر له وإن شاء لم يحفر له، وألاجلد على المرجوم. وفي مصنف أبي داود وكتاب الشرف أن رسول الله ﷺ قضى في رجل وطئ جارية امرأته وكانت أحلتها له بجلد وإن لم تكن أحلتها له برجم «٢» . «حكم رسول الله ﷺ » في نقض الصلح الحرام وإقامة الحد على الزاني البكر وعلى المريض وصفة السوط في الموطأ مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، أنهما أخبراه أنّ رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، وقال الاخر، وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم. قال: «تكلم» ، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته. فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني: جلد مائة، وتغريب سنة، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ : «أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك» ، وجلد ابنه مائة، وغرّبه عاما، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الاخر فإن اعترفت رجمها. فاعترفت فرجمها «٣» . قال مالك: العسيف: الأجير. قال بعض العلماء: معنى قول النبيّ ﷺ : «لأقضين بينكما بكتاب الله» أي بحكم الله الذي هو وحي ليس بقرآن بقول الله : أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ [القلم: الاية ٤٧] . أي يحكمون. وقيل: إن ذلك من مجمل القرآن في قوله : وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [النّور: الاية ٨] . وهي التي يرميها زوجها، فأبان رسول الله ﷺ فعله أن ذلك العذاب الرجم على الزاني المحصن.

стр. 18

وفي الحديث من الفقه: نقض الصلح الحرام، والتوكيل على إقامة الحد، بخلاف قول أبي حنيفة الذي لا يجيز الوكالة على الحدود إلا على إقامة البينة خاصة، وإقرار الزاني مرة واحدة، وألايجلد من وجب رجمه، وسؤال عالم وثم أعلم منه. وأن من رمى امرأة غيره بالزنا أن السلطان يبعث إليها فإن أقرت حدّت وبرئ الرامي الذي رماها، وإن أنكرت جلد الذي رماها الحد. وإجازة خبر الواحد في الأحكام والأعذار إلى المحكوم عليه، وتغريب الزاني البكر ولا تغريب على النساء ولا على العبيد لأن النساء عورة والعبيد سلعة. وتأوّل البخاري أن التغريب النفي فترجم الباب في كتابه: البكران يجلدان وينفيان. وقال النسائي في صون النساء عن مجلس الحكم في الموطأ مالك عن زيد بن أسلم: أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ بسوط فأتي بسوط مكسور فقال: «فوق هذا» ، فأتي بسوط جديد، لم تقطع ثمرته فقال: «دون هذا» ، فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد. ثم قال: «أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي صفحته نقم عليه كتاب الله» «١» . قوله لم تقطع ثمرته يعني طرفه، والثمرة الطرف. وقوله ﵇: «من أصاب من هذه القاذورات» يعني جميع المعاصي كالزنا والخمر وشبه ذلك. وفي كتاب أبي عبيد: أن سعد بن عبادة أتي رسول الله ﷺ برجل كان في الحيّ مخدّج سقيم وجد على أمة من إمائهم يخبث بها فقال النبيّ ﷺ : «خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة» «٢» . وفي شرح الحديث لابن قتيبة: اجلدوه، قالوا: نخاف أن يموت. قال: اجلدوه بعثكال. والعثكال: الكباسة، وأهل المدينة يسمونه العذق وهو العرجون هذا في الأحكام لإسماعيل وهذا خاص. «حكم رسول الله ﷺ » في حد القذف والخمر وما روي عنه في اللواط في كتاب النسائي عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري قام النبيّ ﷺ على المنبر فذكر ذلك، وتلا ما أنزل الله، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم «٣» . وفي البخاري عن عروة: لم يسم من أهل الإفك إلا: حسان ومسطح وحمنة بنت جحش

стр. 19

في أناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة- كما قال الله والذي تولى كبره منهم «١» وهو: عبد الله بن أبي بن سلول. لم يثبت عن النبيّ ﷺ أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه. وثبت عنه أنه قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول به» «٢» . رواه ابن عباس وأبو هريرة. وفي حديث أبي هريرة: «أحصنا أو لم يحصنا» «٣» . وحكم به أبو بكر الصديق، وكتب به إلى خالد بعد مشورة خير القرون وكان أشدّهم في ذلك علي بن أبي طالب، وروي عن أبي بكر الصديق أنه حرقهم بالنار قال ابن عباس: بعد أن رجمهم. قال ابن عباس: وإن كان غير محصن رجم «٤» ، وذكر ابن القصار أن الصحابة اجتمعوا على ذلك وأن أبا بكر قال: يرميان من شاهق. وأن علي بن أبي طالب هدم عليهما حائطا، وما وقع في المصنفات المشهورة أن النبيّ ﷺ ما قتل مرتدا ولا زنديقا وثبت عنه أنه ﵇ قال: «من غيّر دينه فاقتلوه» «٥» . وقتل أبو بكر امرأة يقال لها أم قرفة ارتدت بعد إسلامها. في البخاري عن عقبة بن الحارث قال: جيء بالنعمان أو بابن النعمان إلى النبيّ ﷺ وهو سكران فشق عليه، وأمر من في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال فكنت فيمن شهد ضربه «٦» . وقال أنس: جلد النبيّ ﷺ في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين «٧» . وقال السائب بن يزيد: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وأمارة أبي بكر وصدر من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين «٨» ، هكذا وقع في كتاب الحدود.

стр. 20

وقع في مناقب عثمان أنه دعا عليا فجلد الوليد بن عقبة ثمانين، ووقع في موضع آخر في حديث عثمان بن عفان حين شهد عنه حمران، ورجل آخر على الوليد بن عقبة. شهد حمران: أنه شرب الخمر. وشهد الاخر: أنه رآه يتقيأها. فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها. فقال: يا علي قم فاجلده. فقال علي: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: ولّ حارّها من تولّى قارّها. فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده. فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك قد جلد النبيّ ﷺ أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنّة وهذا أحب إليّ «١» . وأخذ الشافعي بأربعين. وفي مصنف عبد الرزاق أن النبيّ ﷺ جلد فيها ثمانين «٢» وهي الحدود التي لله ولا يجوز العفو عنها: قتل المرتد والزنديق والسارق، ومن سب الله أو رسوله أو عائشة والمحارب، وحد الزنا والسرقة والخمر واللواط، واختلف في القذف إذا بلغ الإمام. «حكم رسول الله ﷺ في السارق يسرق مرارا» في موطأ مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم «٣» . مالك، عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أن صفوان بن أمية قيل له: من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان بن أمية المدينة، فنام في المسجد، وتوسّد رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ، فأمر به رسول الله ﷺ أن تقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة. فقال رسول الله ﷺ : «فهلّا قبل أن تأتيني به» «٤» . وفي كتاب النسائي عن ابن محيريز قال: سألت فضالة بن عبيد عن تعليق يد السارق في عنقه فقال: سنة قد قطع رسول الله ﷺ يد سارق، وعلّق يده في عنقه. وفي مصنف أبي داود مثله «٥» . وفي البخاري، وكتاب مسلم: أن قريشا أهمهم أمر المرأة المخزومية التي سرقت. قال في كتاب مسلم في غزوة الفتح قالوا: ومن يكلّم فيها رسول الله ﷺ ؟ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن

стр. 21

زيد حبّ رسول الله ﷺ ؟ فكلّم أسامة رسول الله ﷺ فقال: «أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟» فقال أسامة: يا رسول الله استغفر لي. فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فخطب فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد: إنما هلك من كان قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» . ثم أمر بتلك المرأة المخزومية فقطعت يدها «١» . وفي حديث آخر في كتاب مسلم: أن أم سلمة كلّمت فيها رسول الله ﷺ فقال: «لو كانت فاطمة قطعت يدها» . فقطعت «٢» . وفي حديث آخر أن هذه المخزومية كانت تستعير الحلي والمتاع فتجحده فأمر النبيّ ﷺ بقطع يدها «٣» . وفي مصنف عبد الرزاق: أن النبيّ ﷺ أتي بعبد سرق فأتي به أربع مرات فتركه، ثم أتي به الخامسة فقطع يده، ثم أتي به السادسة فقطع رجله، ثم أتي به السابعة فقطع يده، ثم الثامنة فقطع رجله «٤» . وفي الواضحة: أن النبيّ ﷺ أتي بسارق فقال: «اقتلوه» ، فقالوا: إنما سرق يا رسول الله. فقال: «اقطعوه» حتى قطعت قوائمه الأربع، ثم أتي به أبو بكر وقد سرق بفيه فأمر به أبو بكر فقتل «٥» . وهذا عند أكثر العلماء خاص في ذلك الرجل وحده، إلا ما قال أبو المصعب صاحب مالك إنه إن سرق في الخامسة قتل. وفي مصنف أبي داود أن النبيّ ﷺ أمر بقتله في الخامسة فقتل وألقي في بئر. قال جابر: ورمينا عليه الحجارة «٦» .

стр. 22

وفيما روى الأصيلي عن شيوخه ببغداد ووجدته بخطه أن رجلا كان يسرق الصبيان فأتي به النبيّ ﷺ فقطع يده «١» . عبد الرزاق عن الثوري عن رجل عن الحسن قال: أتي النبيّ ﷺ بسارق سرق طعاما فلم يقطعه «٢» ، فقال سفيان: والذي يفسد من نهاره الثريد واللحم وشبهه، ليس فيه قطع ولكن يعزّر. «حكم رسول الله ﷺ » فيمن سبه من مسلم أو ذمي أو حربي، وفي الساحر كيف يقتل في الحديث الثابت أن يهودية سمّت النبيّ ﷺ في شاة. واسم اليهودية: زينب بنت الحارث بن سلام، وأكثرت من السم في الذراع، فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور وقد أخذ منها كما أخذ النبيّ ﷺ ، فأما بشر فأساغها، وأما النبيّ ﷺ فلفظها، ثم قال: «إن هذا العظم ليخبرني: أنه مسموم» ، ثم دعا باليهودية فاعترفت فقال: «ما حملك على ذلك؟» قالت: قلت إن كان ملكا استرحنا منه، وإن كان نبيا لم يضره. فتجاوز عنها رسول الله ﷺ ومات بشر من أكلته التي أكل «٣» ، فاتفق البخاري ومسلم وإسماعيل القاضي وابن هاشم على أن النبيّ ﷺ عفا عنها. وذكر أبو داود في مصنفه، وذكره أيضا صاحب كتاب شرف المصطفى: أن النبيّ ﷺ أمر بقتلها بسبب من مات من المسلمين من أكل الشاة «٤» . وفي حديث آخر في كتاب الشرف: أنه صلبها. وفي مصنف عبد الرزاق: أتي ﷺ بساحر فقال: «احبسوه فإن مات صاحبه فاقتلوه» «٥» . وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «حد السارق ضربه بالسيف» «٦» . ذكره ابن سلام في

стр. 23

تفسيره، وقتلت عائشة مدبّرة سحرتها فيما يذكر، ولم يثبت وإنما ثبت أنها باعتها «١» ، وفعلت ذلك أيضا حفصة، وقع قتل حفصة لها في أحكام القرآن لإسماعيل القاضي، وذكر أن عثمان أنكر ذلك عليها إذ فعلته دون أمر السلطان، «٢» وذكر ابن المنذر أن عائشة باعتها، وذكر الحديث عن النبيّ ﷺ : «حد الساحر ضربه بالسيف» ، وقال في إسناده مقال أنه من رواية إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. وفي كتاب النسائي وأبي داود عن ابن عباس أن رجلا أعمى سمع أم ولد له تسب النبيّ ﷺ فقتلها فأهدر النبيّ ﷺ دمها «٣» . وفي هذا الحديث من الفقه: أن من سبّ النبيّ ﷺ قتل ولم يستتب، بخلاف المرتد. وذكر ابن المنذر في الأشراف أن عوام العلماء أجمعوا على ذلك إلا ما روي عن أبي حنيفة- ﵁ أن من سب النبيّ ﷺ من أهل الذمة لم يقتل لأن ما هو عليه من الشرك أعظم، والحجة عليه أن النبيّ ﷺ قال: من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله، فانتدب إليه جماعة بإذن رسول الله ﷺ فقتلوه «٤» . وزاد الفضل في كتابه وصاحب الشرف وأتوا برأسه إلى النبي ﷺ في مخلاة. وفي قول أبي بكر الصديق لأبي برزة الأسلمي: إذا أراد قتل رجل آذى أبا بكر بلسانه فقال له أبو بكر: ليست هذه لأحد بعد رسول الله ﷺ «٥» ، دليل بيّن أن من سبّ النبيّ ﷺ قتل، وكذلك يقتل من آذاه أو عابه أو انتقصه. رواه عيسى عن ابن القاسم في المستخرجة. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: من قال إن رسول الله ﷺ وسخ ازدراء على رسول الله ﷺ أو استنقاصا قتل «٦» . وفي المستخرجة روي عن عيسى عن ابن القاسم: من سب النبيّ قتل بعد أن يستتاب كالمرتد، وميراثه لجماعة المسلمين وسواء أظهر ذلك أو أسرّه. وكذلك في الواضحة لمالك وابن القاسم وغيرهما، وفي غير الكتابين يقتل بغير استتابة. ذكره ابن الحكم عن مالك.

стр. 24

كتاب الجهاد «حكم رسول الله ﷺ » في أول قتيل قتل من المشركين وأول غنيمة في معاني القرآن لابن النحاس، وأحكام القرآن لإسماعيل القاضي، والسير لابن هشام وبعضهم يزيد على بعض في اللفظ: أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش الأسدي، وبعث معه رهطا من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار. قال في السير: ثمانية في رجب، وقال في الأحكام: في جمادى الآخرة لأنه ذكر أن قتل ابن الحضرمي وقع في آخر يوم من جمادى وأول يوم من رجب. ووقع في السير: في آخر رجب وأول شعبان. قال النحاس وإسماعيل: وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الحارث أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فبعث عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا وأمره ألايقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا، ولا يستكره من أصحابه أحدا. قال في السير: ألايقرأه حتى يسير يومين. فلما سار يومين وقرأه إذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم» . فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: من أراد أن يسير معي سار، ومن أراد أن يرجع فليرجع فقد نهاني النبيّ ﷺ أن أستكره أحدا منكم. قال إسماعيل القاضي والنحاس: فرجع منهم رجلان، وقال ابن هشام في السير: لم يرجع منهم أحد، إلا أنهم لما كانوا بموضع يقال له نجران فوق الفرع أضل منهم سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش ببقية أصحابه حتى نزلوا بنخلة حيث أمرهم رسول الله ﷺ ، فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش وفيها عمرو بن الحضرمي، وعبد الله بن عباد، ويقال مالك بن عباد أخو الصدف. واسم الصدف عمرو بن مالك أخو السكون بن أشرس من كندة، ويقال كنانة، فتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقالوا: والله لئن تركناهم هذه الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن به منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم. ثم أجمعوا على قتل من قدروا عليه، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستؤسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت من القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، فأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فلما قدموا عليه قال رسول الله ﷺ : «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» . فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك سقط في أيدي القوم،

стр. 25

وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدماء وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال. فقال من يرد عليهم من المسلمين: إنما أصابوا ذلك في شعبان. وقالت يهود: تفاءل بذلك على رسول الله ﷺ : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله بن عمرو عمرت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وواقد وقدت الحرب فجعل الله ذلك عليهم فلما أنزل الله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: الاية ٢١٧] . يعني أكبر من قتل ابن الحضرمي، والفتنة كفر بالله وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله ففرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الإشفاق، وقبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله ﷺ : «لا نفديكموهما حتى يقدما صاحبانا» يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان «فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم» ، فقدم سعد وعتبة ففاداهما رسول الله ﷺ منهم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل ببئر معونة، وأما عثمان فلحق بمكة ومات كافرا. ووقع في الهداية لمكي وغيرها وكان هذا أول قتال وقع بين المسلمين والكفار وأول غنيمة غنمت وأول قتيل قتل من الكفار «١» . ووقع أيضا في الأحكام لإسماعيل أنه أول قتيل قتل من المشركين. وذكر مكي: أن ابن وهب روى أن النبيّ ﷺ ردّ الغنيمة، وودى القتيل. وكان ذلك بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا. قال إسماعيل القاضي: وفي إرسال النبيّ ﷺ عبد الله بن جحش بكتاب مختوم وأمره أن لا يقرأه إلا بعد يومين من الفقه إجازة الشهادة على وصية مطبوعة، وهو قول مالك وكثير من السلف، وروي عن الحسن أنه لم يجز الشهادة على وصية كتاب مطبوع وقال: لعل فيه جورا. «حكم رسول الله ﷺ في الجاسوس» في البخاري وغيره عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: جاء عين من المشركين إلى رسول الله ﷺ وهو نازل فلما طعم انسل فقال رسول الله ﷺ : «عليّ الرجل اقتلوه» ، فابتدره القوم، قال: وكان أبي يسبق الفرس فسبقهم إليه فأخذ بخطام راحلته فقتله، فنفّله رسول الله ﷺ سلبه «٢» .

стр. 26

عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد. قال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإنّ بها ظعينة، ومعها كتاب فخذوه منها» . وفي كتاب الفضل: «خذا منها الكتاب، وخلّيا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكما فاضربا عنقها» . يعني علي بن أبي طالب والزبير، ولم يكن معهما المقداد. وذكر أن جبريل أخبر النبيّ ﷺ بخبر الكتاب وذكر الزجّاج، وكذلك أن الله أطلعه على ذلك، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن في الظعينة فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «يا حاطب ما هذا؟» فقال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : «قد صدقكم» . فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال «إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله أن يكون قد أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» . فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [الممتحنة: الاية ١] «١» . وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال أن اسم الظعينة التي وجد عندها الكتاب: سارة. وأن النبيّ ﷺ أمر بقتلها عام الفتح، وذكره أيضا ابن هشام، وذكر أنها امرأة من مزينة. قال سحنون: وإذا كاتب المسلم أهل الحرب قتل، ولم يستتب وماله لورثته. وقال غيره: يجلد جلدا وجيعا ويطال حبسه وينفى عن موضع يقرب الكفار. وفي (المستخرجة) قال ابن القاسم: يقتل ولا يقبل لهذا توبة وهو كالزنديق. وفي كتاب الله تعالى وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التّوبة: الاية ٤٧] فهذا الجاسوس، وقول سحنون أصح لحديث حاطب الذي أراد عمر أن يقتله. «حكم رسول الله ﷺ » في الأسرى وذكر من قتله النبيّ ﷺ بيده وفي الأسير يقتل على غلط روى ابن وهب أن النبيّ ﷺ قتل سبعين أسيرا بعد إثخان من يهود، قتل يوم بدر من الأسارى عقبة بن أبي معيط صبرا بعد أن ربط، ولم يقتل من الأسرى يوم بدر غيره، ضرب عنقه

стр. 27

عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. ويقال علي بن أبي طالب ﵁. وذكر ابن هشام أن النضر بن الحارث بن كلدة قتله علي بن أبي طالب صبرا عند رسول الله ﷺ فيما يذكرون بالصفراء. وقال ابن هشام: بالأثيل، وذكر ابن حبيب: أنه أسلم. فالله أعلم أيّ ذلك أصح. وذكر ابن قتيبة أن رسول الله ﷺ قتل ثلاثة صبرا يوم بدر: عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث. وقالت قتيلة أخت النضر بن الحارث بن كلدة ابن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار شعرا: يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفّق أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزالّ بها النجائب تخفق أمحمد يا خير ضنء كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق صبرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق فقال رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر: «لو بلغني قبل قتله لمننت عليه» «١» . قال معمر: وفيه نزلت وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان: الاية ٦] ، الاية كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم ويقول: يحدثكم محمد ﷺ عن عاد وثمود، وأحدثكم عن فارس والروم ويستهزئ بالقرآن. قال عكرمة: وفيه نزلت وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [الأنعام: الاية ٩٣] . قال مجاهد: وفيه نزلت وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [الأنفال: الاية ٣٢] . قال الكلبي: وفيه نزلت لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال: الاية ٣١] . ولقد كثر يومئذ الفداء وأكثر ما فدي به الرجل أربعة آلاف، وربما فدي أن يعلّم عددا من المسلمين الكتابة. وروي عن النبيّ ﷺ : «يعلّم عشرة من المسلمين الكتابة» . قال ابن وهيب: إن أهل المدينة لم يكونوا يحسنون الخط. وفي تفسير ابن سلام قال الحسن: أطلق النبيّ ﷺ الأسرى فمن شاء منهم رجع إلى مكة، وقال ابن سيرين: الطلقاء أهل مكة، والعتقاء أهل الطائف.

стр. 28

وفي السير لابن هشام أن النبيّ ﷺ قال يوم الفتح لأهل مكة في حديث ذكره: «اذهبوا فأنتم طلقاء» «١» . وروى سفيان عن النبيّ ﷺ أنه قال: «الطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف» «٢» . من كتاب الأعراب لسفيان وشعبة. وفي معاني القرآن للنحاس عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى فقال رسول الله ﷺ : «ما ترون في هؤلاء الأسارى؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأصلك فاستبقهم فلعل الله أن يتوب عليهم. فقال عمر: يا رسول الله كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك قدّمهم فاضرب أعناقهم، وذكر الحديث وقال فيه: فأنزل الله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: الاية ٦٧] «٣» . وقال الحسن أيضا في كتاب ابن سلام لم يكن أوحي إلى النبيّ ﷺ في ذلك شيء، فاستشار المسلمين فأجمعوا رأيهم على قبول الفداء ففادوا أسارى أهل بدر بأربعة آلاف، وما أثخن نبيّ الله يومئذ في الأرض «٤» . وفي كتاب الشرف: إن أول رأس علّق في الإسلام: رأس أبي عزة. جعل في رمح، وحمل إلى المدينة. وفي السير: وكان في جملة السبعين أسيرا يوم بدر أبو عزة عمرو بن عبد الله الشاعر فشكا إلى رسول الله ﷺ كثرة عياله وعاهده ألايخرج عليه، فخرج يوم أحد يحرّض المشركين على رسول الله ﷺ ، فأسر ولم يؤسر أحد غيره، فضربت عنقه صبرا «٥» . ويوم أحد قتل رسول الله ﷺ

стр. 29

أبي بن خلف طعنه بالحربة فخدشه في عنقه فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد، فقال له كفار قريش: ذهب والله فؤادك أن بك من بأس. قال: إنه قد كان قال بمكة إني أقتلك فو الله لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون إلى مكة. وكان المسلمون يوم أحد سبعمائة رجل والمشركون ثلاثة آلاف معهم مائتا فارس «١» . وفي البخاري أن سعد بن معاذ قال لأمية بن خلف: سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه قاتلك بمكة. قال: لا أدري. ففزع لذلك فزعا شديدا، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس فقال: أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى بركت برك الناس، وإن تخلّفت وأنت سيد أهل هذا الوادي تخلّفوا معك، فلم يزل به حتى قال: أما إذا غلبتني لأشترينّ أجود بعير بمكة. ثم قال أمية: يا أمّ صفوان جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان قد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي، قال: لا وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر «٢» . وفي معاني النحاس: إن رسول الله ﷺ قتل أمية بن خلف بيده وهو غلط. وكانت وقعة أحد يوم السبت لسبع خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة من كتاب المفضل وقال غيره للنصف من شوال، وفي كتاب آخر وبعضه من المدونة: أن رسول الله ﷺ أتي بأبي أمامة سيد أهل اليمامة، ويقال أثاثة بن أثال أسيرا فأمر به فربط في المسجد، وكان رسول الله ﷺ يعرض عليه الإسلام كل يوم ثلاث مرات، ثم خيّره بين أن يعتقه أو يفاديه أو يقتله فقال: إن تقتل تقتل عظيما، وإن تفاد تفاد عظيما، وإن تعتق تعتق عظيما وأما أن أسلم فو الله لا أسلم قسرا أبدا. فأمر به رسول الله ﷺ فأطلق فقال: أشهد ألاإله إلا الله وأنك رسول الله «٣» . قال أصبغ في كتاب ابن الموّاز: وينبغي للإمام إذا أراد أن يقتل أسيرا أن يدعوه إلى الإسلام، ويسأله هل له عند أحد عهد ممن أسره. وقال ابن جريج والسدي في قول الله : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمّد: الاية ٤] . هي في أهل الأوثان من كفار العرب وهي

стр. 30

منسوخة بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التّوبة: الاية ٥] . وقال ابن عباس: خيّر رسول الله ﷺ في الأسرى بين الفداء والمن والقتل والاستعباد يفعل ما يشاء. وعلى هذا القول أكثر العلماء «١» . وفي كتاب الخطابي أتي رسول الله ﷺ بأسير يرعد فقال: «أدفئوه» يريد أدفئوه من الدفء ولم يكن من لغته ﷺ الهمز فذهبوا به فقتلوه فوداه رسول الله ﷺ ولو أراد قتله لقال دافوه ودافوا عليه بالتثقيل. «حكم رسول الله ﷺ » في قريظة والنضير ورد رسول الله ﷺ حكم قريظة إلى سعد بن معاذ في البخاري ومسلم والنسائي: نزل يهود بني قريظة على حكم سعد بن معاذ، وهذا اللفظ للنسائي. أخبرنا قتيبة بن سعد عن الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: رمي يوم الأحزاب سعد ابن معاذ فقطع أكحله «٢» . وفي البخاري: رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة رماه في الأكحل «٣» . قال في النسائي: فحسمه رسول الله ﷺ بالنار فانتفخت يده فتركه فنزفه الدم فحسمه أخرى فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقرّ عيني من بني قريظة. فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأرسل إليه رسول الله ﷺ . قال في البخاري في حديث أبي سعيد الخدري وكان قريبا فجاء على حمار فلما دنا من المسجد قال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى سيدكم» «٤» ، قال في غير البخاري فقال: المهاجرون من قريش: إنما أراد رسول الله ﷺ الأنصار، وقالت الأنصار: إنما عم بها رسول الله ﷺ فقاموا إليه فجاء فجلس إلى رسول الله ﷺ فقال له: «إن هؤلاء نزلوا على حكمك» «٥» . ووقع في البخاري في موضع آخر عن عائشة: أن النبيّ ﷺ أتى بني قريظة فنزلوا على حكمه فرد رسول الله ﷺ الحكم إلى سعد فقال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم. فقال رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الملك» «٦» . قال في غير البخاري: «من

стр. 31

فوق سبعة أرقعة» «١» . ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله ﷺ بالمدينة بدار بنت الحارث امرأة من بني النجار ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة فخندق فيها، ثم بعث فيهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق وفيهم حيي بن أخطب، وكعب بن أسد رئيسهم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول كانوا بين الثمانمائة إلى الألف. وقالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون أن الداعي لا ينزع والذاهب منكم لا يرجع! هو والله القتل «٢» . قالت عائشة: ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة اسمها بنانة وهي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته «٣» . وفي جامع المستخرجة في سماع ابن القاسم قال مالك: قال عبد الله بن أبي بن سلول لسعد بن معاذ في أمر بني قريظة إنهم أحد جناحي وهم ثلاثمائة دارع وستمائة حاسر فقال له سعد: قد تألى سعد ألاتأخذه في الله لومة لائم. وفي كتاب النسائي: وكانوا أربعمائة فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات «٤» . وفي كتاب ابن سحنون: روي أن النبيّ ﷺ نهى أن تقبل من العدو النزول على حكم الله لأنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم وأنزلهم على حكمك، قال سحنون: فإن جهل الإمام فأنزلهم على حكم الله، يعني إذا طلبوا ذلك فهي شبهة فليردّوا إلى مأمنهم إلى أن يجيبوا إلى الإسلام. قال محمد: وليعرض عليهم الإسلام قبل ردهم فإن أبوا عرضت عليهم الجزية. من النوادر قال سحنون: وإن نزلوا على حكم الله وحكم فلان فحكم بالسيف أو بسبي الذرية أو أخذ المال لم ينفذ وكأنهم نزلوا على حكم الله وحده. قال ابن شهاب في مختصر المدونة: كانت وقعة بني النضير في المحرّم سنة ثلاث، وقال

стр. 32

غيره: سنة أربع خرج إليهم النبيّ ﷺ عشية الجمعة لتسع مضين من ربيع الأول، وحوصروا ثلاثا وعشرين يوما وقالت عائشة: خمسة وعشرين يوما. وفي البخاري: بعد بدر بستة أشهر. قاله عروة «١» . وفي حكم النبيّ ﷺ في بني قريظة من الفقه: أن أهل الذمة إذا حاربوا والإمام عادل، فليستحل بذلك نساءهم وذراريهم، ومن ضعف من رجالهم من شيخ وذي زمانة. قاله الأوزاعي، وابن الماجشون، وأصبغ، وابن حبيب، وابن الموّاز، وخالفهم ابن القاسم في الشيخ الكبير ومن به زمانة، أو من يرى أنه مغلوب منهم. فقال: لا يستباحوا ولا يسترقوا. قال أبو عبيد: إنما استحل رسول الله ﷺ دماء بني قريظة لمظاهرتهم الأحزاب عليه، وكانوا في عهده فرأى ذلك نكثا لعهدهم. قال أبو عبيد: وقال سفيان بن عيينة: إنا لا نعلم أن النبيّ ﷺ عاهد قوما فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم غير أهل مكة فإنه منّ عليهم، وكان نقضهم أن قاتلت حلفاؤهم من بني بكر حلفاء رسول الله ﷺ من خزاعة. فنصر أهل مكة بني بكر على حلفائه، فاستحل غزوهم. قال المفضل: حاصرهم إحدى وعشرين ليلة، ثم سألوا رسول الله ﷺ الصلح، فأبى ذلك عليهم إلا على أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به ﵇، فرضوا فأمرهم أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، وما بقي فلرسول الله ﷺ فخرجوا إلى الشام وهو حشرهم. وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: أن اليهود قيل لهم: انزلوا على حكم النبيّ ﷺ . قالوا: ننزل على حكم سعد، فقال رسول الله ﷺ : «انزلوا على حكم سعد» «٢» . وفي مصنف أبي داود: كان النضير أشرف من قريظة، وكلاهما من ولد هارون النبيّ ﵇ «٣» . وفي كتاب المفضل: وكان سبب النضير أن رسول الله ﷺ سار إليهم ومعه نفر من

стр. 33

أصحابه، فكلّمهم في أن يعينوه في دية الكلابيين اللّذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، وخلا بعضهم ببعض فتوامروا فيه وهموا بالغدر به، وقال عمرو بن جحاش النضيري: أنا أظهر على البيت، وأطرح عليه صخرة، وذكر غيره رحى فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا فو الله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه. وجاء إلى رسول الله ﷺ الخبر بما همّوا به. قال غيره: نزل جبريل- ﵇ فأخبره فنهض مسرعا فتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه فقالوا: قمت ولم نشعر. فقال: «همّت يهود بالغدر فأخبرني الله بذلك» ، وبعث إليهم رسول الله ﷺ : «أن اخرجوا من بلدي لا تساكنوني، وقد هممتم بغدري وقد أجّلتكم عشرا فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه» . فأقاموا أياما يتجهزون، وأرسل إليهم عبد الله ابن أبي: لا تخرجوا من دياركم فإنّ معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون حولكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان. فطمع حيي فيما قال له وبعث إلى رسول الله ﷺ : إنا لا نخرج من ديارنا فافعل ما بدا لك. فأظهر رسول الله ﷺ التكبير، فسار إليهم، وعلي بن أبي طالب يحمل رايته فلما رأوه قاموا على حصونهم ومعهم النبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة، وخانهم ابن أبيّ وحلفاؤهم من غطفان، وحاصرهم رسول الله ﷺ ، وقطع نخلهم فقالوا: نخرج من بلدك. فقال رسول الله ﷺ : «لا نقبل ذلك. ولكن اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة» يعني السلاح، فنزلوا على ذلك وقبض النبيّ ﷺ الأموال والحلقة، وكانت أموال بنو النضير خالصة لرسول الله ﷺ لنوائبه ولم يخمّسها لأن الله أفاءها عليه، ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فهذا جزاء بني النضير الذي قال الله : فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: الاية ٨٥] . وقوله : وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر: الاية ٥] «١» . وأما قريظة فسار إليهم رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين فحاصرهم خمسة عشر يوما، فأرسلوا إلى النبيّ ﷺ : أن يرسل إليهم أبا لبابة فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم فأشار إلى حلقه أنه الذبح، ثم ندم فاسترجع فقال: خنت الله ورسوله فلم يرجع إلى النبيّ ﷺ وسار إلى المسجد، وارتبط بسارية ولم يأت رسول الله ﷺ حتى أنزل الله توبته. ثم نزلوا على حكم النبيّ ﷺ فأمر بهم ﵇ محمد بن مسلمة فكتفوا ونحوا ناحية، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام، فجمع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث فوجد فيها ألفين وخمسمائة سيف، وثلاثمائة درع وألف رمح وخمسمائة ما بين ترس وحجفة. ووجد عندهم جرار خمر فأهرق، ولم يخمّس، وكلّمت الأوس رسول الله ﷺ فيهم: أن يهبهم لهم وكانوا حلفاءهم، فجعل النبيّ ﷺ الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة، وسبي النساء والذرية، وأن تقسم

стр. 34

الأموال. فقال رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة» ، وانصرف رسول الله ﷺ وأمر بهم فأدخلوا المدينة، وجلس رسول الله ﷺ وعامة أصحابه، وأخرجوا رسلا رسلا فضربت أعناقهم. وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة، واصطفى رسول الله ﷺ لنفسه ريحانة بنت عمرو، وأمر بالغنائم فجمعت وأخرج الخمس من المتاع والسبي، ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يزيد، وقسمه بين المسلمين، وكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وكان رسول الله ﷺ يعتق منه ويهب ويخدم «١» . وكذلك قال مالك في المستخرجة: خمّس رسول الله ﷺ قريظة ولم يخمّس بني النضير. «حكم رسول الله ﷺ » في الأمان عام الفتح في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي: أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: يا رسول الله ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال رسول الله ﷺ : «اقتلوه» «٢» . هكذا رواه مالك عن ابن شهاب، وروى غيره وعلى رأسه عمامة سوداء «٣» . وذكر البخاري ومسلم وهو على راحلته وخلفه أسامة بن زيد. وفي كتاب الأموال لأبي عبيد: فنادى ألايجهزنّ على جريح ولا يتّبعن مدبر، ولا يقتلن أسير، ومن أغلق بابه فهو آمن «٤» . وفي كتاب النسائي وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «من دخل الكعبة فهو آمن، ومن أغلق بيته فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ، وأمّن جميع الناس إلا أربعة رجال وامرأتين «٥» . وذكر ابن حبيب: ستة رجال وأربع نسوة فقال: «اقتلوهم وإن تعلّقوا بأستار الكعبة» . وهم على ما ذكره النسائي وغيره: عبد الله بن خطل، وعكرمة بن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن سرح، فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشبّ الرجلين

стр. 35

فقتله. وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه، ولم يتعرض النبيّ ﷺ لحال ابن خطل «١» ، وذكر ابن هشام أن نميلة قتله وهو رجل من قومه. وأن عبد الله بن خطل قتله سعد بن حريث وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه «٢» . وذكر صاحب الشرف أن أبا برزة قتله. وقالت أخت مقيس شعرا: لعمري لقد أخزى نميلة رهطه ... وفجع أضياف الشتاء بمقيس وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصفة فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره. اللهم إن لك عليّ عهدا إن كنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنّه عفوا كريما. فجاء فأسلم. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ذلك، ثم أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا- حين رآني كففت يدي عن بيعته- فيقتله» . قالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت إلينا برأسك. قال: «إنه ما ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة عين» «٣» . وفي كتاب ابن هشام: وذكره ابن حبيب أن النبيّ ﷺ أمر بقتل الحويرث بن نفير بن وهب ابن عبد مناف بن قصي سوى النفر المذكورين والمرأتين، فقتله علي بن أبي طالب صبرا. ذكره ابن حبيب، وذكر ابن حبيب امرأتين سواهما: هند ابنة عتبة بن ربيعة، وسارة مولاة عمرو بن هشام. والمرأتين المذكورتين كانتا قينتين تغنيان بهجاء النبيّ ﷺ لعبد الله بن خطل: فرتنا وقريبة. فأسلمت فرتنا، وبقيت حتى ماتت في خلافة عثمان، وقتلت قريبة وسارة، وأسلمت هند بنت عتبة وبايعت «٤» ، وذكر ابن إسحاق أن سارة أمّنها النبيّ ﷺ بعد أن استؤمن لها، فبقيت حتى أوطأها رجل فرسا في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها «٥» . وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: أن سارة حملت كتاب حاطب إلى مكة «٦» .

стр. 36

قال ابن إسحاق: وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتل عبد الله بن أبي سرح لأنه كان أسلم وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فارتد مشركا، ثم أسلم بعد، فولاه عمر بن الخطاب بعض أعماله، ثم ولاه عثمان بعد عمر «١» . وعبد الله بن خطل كان مسلما فبعثه رسول الله ﷺ ، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولىّ له يخدمه، وكان مسلما فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا. والحويرث بن نفير كان ممن يؤذي رسول الله ﷺ بمكة، وكان العباس بن عبد المطلب حمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي النبيّ ﷺ من مكة يريد بهما المدينة فنخس بهما الحويرث فرمى بهما إلى الأرض، ومقيس قتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجع مشركا إلى مكة، وقدم مقيس على النبيّ ﷺ مكة مسلما سنة ست: عام الحديبية، وطلب دية أخيه، فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه، ثم قتل الذي قتل أخاه، ورجع إلى مكة مشركا وقال في شعره: حللت به وتري وأدركت ثورتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع وكان الذي قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من رهط عبادة بن الصامت أصابه خطأ وهو يظن أنه من العدو في غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست «٢» قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل وداه النبيّ ﷺ يوم الفتح: جنيدب بن الأكوع، قتلته بنو كعب، فوداه بمائة ناقة «٣» وقال ﵇: «يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل إن يقع» «٤» قال ابن حبيب: وكان رسول الله ﷺ أذن لخزاعة أن يضعوا السيوف في بني بكر إلى صلاة العصر. قال ابن هشام: وذلك أن الصلح الذي انعقد بين النبيّ ﷺ وبين أهل مكة عام الحديبية وقع فيه من الشرط: أن من أحب أن يدخل في عقد النبيّ ﷺ وعهده- ﵇ دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد أهل مكة دخل. فدخلت خزاعة في عهد النبيّ ﷺ ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، ونقضوا عهدهم فيهم، وأصابوا فيهم فخرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم المدينة على النبيّ ﷺ واستنصره، وكان مما أهاج فتح مكة. قال ابن سلام في تفسيره: وفي قتل خزاعة لمن قتلوه بمكة وذلك خمسون رجلا أنزل الله : وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التّوبة: الاية ١٤] . قال أبو سفيان: يا رسول الله

стр. 37

أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله ﷺ : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ، ثم قال- ﵇ «لا تغزى قريش أبدا ولا يقتل قرشي صبرا أبدا» «١» يعني: على كفر. قال ابن قتيبة: لا يقتل قرشي صبرا بضم اللام، ومن رواه جزما أوجب ظاهر الكلام للقرشي ألايقتل إن ارتد ولا يقتص منه إن قتل، ومن رواه رفعا انصرف التأويل إلى الخبر عن قريش ألايرتد منها أحد عن الإسلام فيستحق القتل. قال ابن حبيب: أقام رسول الله ﷺ يومئذ بمكة خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة «٢» . وفي البخاري عن ابن عباس: أقام النبيّ ﷺ بمكة: تسعة عشر يوما يقصر «٣» . وعن أنس: أقمنا مع النبيّ ﷺ عشرة نقصر «٤» . قال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسعة عشر فإذا زدنا أتممنا «٥» . وقال المزّني عن الشافعي: أقام النبيّ ﷺ بمكة حين افتتحها ثمان عشرة ليلة يقصر «٦» . وفي مصنف أبي داود عن جابر: أقام النبيّ ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة «٧» . وهذا خلاف قول ابن عباس. قال أبو عبيد: قال ميمون بن مهران: حاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر ما بين عشرين ليلة إلى ثلاثين ليلة، ثم أخذوا الأمان على ألايكتموا رسول الله ﷺ شيئا- قال غيره: كنزا- فقال رسول الله ﷺ : «يا بني الحقيق- قال أبو عبيد هكذا قال وإنما هم بني أبي الحقيق- وقد عرفتم عداوتكم لله ورسوله ثم لم يمنعني ذلك من أن أعطيتكم ما أعطيت أصحابكم. وقد أعطيتموني عهدا أنكم إن كتمتم شيئا أحلّت لنا دماؤكم. ما فعلت آنيتكم؟» قالوا: استهلكناها في حربنا.

стр. 38

قال: فأمر أصحابه فأتوا المكان الذي فيه الانية فاستثاروها. قال: ثم ضربت أعناقهم «١» . وفي كتاب ابن عقبة: أخذوا الأمان على ألايكون لهم شيء إلا ما على ظهورهم من الثياب، وإنهم إن كتموا شيئا فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله. قال أبو عبيدة: حدثنا يزيد عن هشام عن الحسن قال: عاهد حيي بن أخطب رسول الله ﷺ على ألايظاهر عليه أحدا، وجعل الله عليه كفيلا، فلما كان يوم قريظة أتي به رسول الله ﷺ وبابنه سلمى. فقال رسول الله ﷺ : «أوف الكيل» فضرب عنقه، وعنق ابنه «٢» . وذكر أيضا أبو عبيد: أن رسول الله ﷺ وجه نفرا إلى ابن أبي الحقيق ليقتلوه فقتلوه «٣» . وذكر الخطابي عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: كان من مال أبي الحقيق كنز يقال: مسك الجمل كان يليه الأكبر فالأكبر، فغيّبوه وكتموه فقتلهم النبيّ ﷺ بنقضهم العهد. قال الواقدي: عدده عشرة آلاف دينار. ومن كتاب الأموال قال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن عقيل ابن خالد، عن ابن شهاب قال: كانت وقعة الأحزاب بعد أحد بسنتين، وذاك يوم حفر رسول الله ﷺ الخندق، ورئيس الكفار يومئذ أبو سفيان بن صخر بن حرب فحاصروا رسول الله ﷺ عشر ليال فلحق إلى المسلمين الكرب، فقال رسول الله ﷺ فيما أخبرني سعيد بن المسيب: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد» . فلم يلبث إلا يسيرا حتى أرسل رسول الله ﷺ رسولا إلى عيينة بن حصن- وهو يومئذ رئيس الكفار من غطفان، وهو مع أبي سفيان- فعرض عليه رسول الله ﷺ ثلث ثمر نخل المدينة على أن يخذل الأحزاب، وينصرف بمن معه من غطفان. فقال عيينة: بل أعطني شطر ثمرها، ثم أفعل ذلك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى السعدين: سعد بن معاذ- وهو سيد الأوس-، وسعد بن عبادة- وهو سيد الخزرج- فقال: «إن عيينة قد سألني نصف ثمر نخلكم على أن ينصرف بمن معه من غطفان، ويخذل الأحزاب وأني أعطيته الثلث وأبى إلا النصف فما تريان؟» فقالا: يا رسول الله إن كنت أمرت بشيء فافعله. فقال رسول الله ﷺ : «لو أمرت بشيء لم أستأمركما فيه، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما» . قالا: فإنا لا نرى أن نعطيهم إلا السيف. فقال رسول الله ﷺ : «فنعم» «٤»

стр. 39

وفي كتاب ابن عقبة: أن اليهود أخذوا الأمان ألايكون لهم شيء إلا ما على ظهورهم من الثياب، وإنهم إن كتموا شيئا فقد برئتا منهم: ذمة الله وذمة رسوله. وقتل من أصحاب خالد عند فتح مكة رجلان: كرز بن جابر الفهري، وخالد بن أخفش الخزاعي. قال ابن حبيب: وقتل من المشركين ثلاثة وعشرين رجلا. وقال ابن هشام: اثنا عشر، أو ثلاثة عشر. قال أبو عبيد: اختلف العلماء في مصالحة المشركين، ومهادنتهم لمدة معلومة على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة: مصالحتهم جائزة لقول الله وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: الاية ٦١] . وقوله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمّد: الاية ٣٥] . الايتان محكمتان إذا دعا المشركون إلى الصلح أجيبوا، ولا يدعوهم إليه المسلمون إذا كانوا في قوة. وهذا قول مالك- ﵀. وقالت طائفة: لا يصالحوا على حال، وإنما هو قتالهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. وجعلوا الاية التي في الأنفال منسوخة باية القتال. وروي ذلك عن ابن عباس. وقالت طائفة: يجوز أن يصالحوا على مال يعطيه المسلمون أياهم إذا ضعفوا عن قتالهم. وروي أن معاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان فعلوا ذلك. ذكر ذلك الأوزاعي. وحجة مالك في إجازة الصلح أيضا قول النبيّ ﷺ لصفوان بن أمية إذ بعث إليه وهب ابن عمير بردائه أمانا لصفوان شهرين، ثم قال له أنزل أبا وهب قال: لا أنزل حتى تبين لي، فقال له رسول الله ﷺ : «بل لك أن تسيّر أربعة أشهر» «١» . وذكر الأوزاعي أن عبد الملك بن مروان كان يؤدي إلى طاغية الروم كل يوم ألف دينار، ذكره الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، وقال: فعل ذلك معاوية أيام صفين، وعمله عبد الملك زمان ابن الزبير. «حكم رسول الله ﷺ » في السهمان وسهمان الغائب وما تعطى المرأة من الغنيمة في البخاري وغيره: أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين، وللراجل سهما «٢» ، هذا هو الثابت عن النبيّ ﷺ ، وأجمع العلماء على العمل به، إلا أبا حنيفة- ﵁ فإنه قال:

стр. 40

للفارس سهمان: سهم له، وسهم لفرسه، واحتج بحديث رواه مجمّع بن حارثة عن النبيّ ﷺ أنه قسم يوم خيبر لمئتي فرس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما «١» . واحتج أيضا برواية ابن المبارك قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن نافع عن ابن عمر أن النبيّ ﷺ جعل للفارس سهمين، وللراجل سهما «٢» . ولا حجة له في شيء من ذلك لأن ابن عباس روى في قسمة خيبر خلاف ذلك. وأكثر أصحاب عبد الله بن عمر خالفوا روايته، وكانت خيبر لأهل الحديبية خاصة ألف وأربعمائة، ولم يغب من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله، فقسم له رسول الله رسول الله ﷺ سهمه «٣» ، ومضى على ذلك رسول الله ﷺ في مغازيه كلها: للفرس سهمين، وللراكب سهم قال ابن إسحاق. وكانت الخيل يوم بني قريظة: ستة وثلاثين فرسا. كذلك وقع في المدوّنة، وكانت أول فيء وجبت فيه السهمان، وأخرج منه الخمس ومضت به السنة. وقال أيضا إسماعيل القاضي: قال إسماعيل وأحسب أن بعضهم قال: ونزل أمر الخمس بعد ذلك، ولم يأت في ذلك من الحديث بيان شاف، وإنما جاء ذكر الخمس يقينا في غنائم حنين وهي آخر غنيمة حضر رسول الله ﷺ حربها. قال الواقدي في كتاب المفضل: أول خمس خمّس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام، حاصرهم رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، فصالحهم على أن له- ﵇ أموالهم، ولهم النساء والذرية، فأخذ ﵇ من سلاحهم ثلاث قسي ودرعين وثلاثة أسياف وخمّس أموالهم. قال البزار في مسنده: وكان المسلمون يوم بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر، من المهاجرين: سبعة وسبعون، ومن الأنصار: مائتان وستة وثلاثون، ولواء المهاجرين مع علي، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة «٤» ، وكان فيهم عشرون من الموالي «٥» وكان معهم ثلاثة أفراس: فرس الزبير،
следующие страницы →