← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9769

أقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ابن الطلاع

Полный текст (139 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال ابن إسحاق: وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتل عبد الله بن أبي سرح لأنه كان أسلم وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فارتد مشركا، ثم أسلم بعد، فولاه عمر بن الخطاب بعض أعماله، ثم ولاه عثمان بعد عمر «١» . وعبد الله بن خطل كان مسلما فبعثه رسول الله ﷺ ، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولىّ له يخدمه، وكان مسلما فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا. والحويرث بن نفير كان ممن يؤذي رسول الله ﷺ بمكة، وكان العباس بن عبد المطلب حمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي النبيّ ﷺ من مكة يريد بهما المدينة فنخس بهما الحويرث فرمى بهما إلى الأرض، ومقيس قتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجع مشركا إلى مكة، وقدم مقيس على النبيّ ﷺ مكة مسلما سنة ست: عام الحديبية، وطلب دية أخيه، فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه، ثم قتل الذي قتل أخاه، ورجع إلى مكة مشركا وقال في شعره: حللت به وتري وأدركت ثورتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع وكان الذي قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من رهط عبادة بن الصامت أصابه خطأ وهو يظن أنه من العدو في غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست «٢» قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل وداه النبيّ ﷺ يوم الفتح: جنيدب بن الأكوع، قتلته بنو كعب، فوداه بمائة ناقة «٣» وقال ﵇: «يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل إن يقع» «٤» قال ابن حبيب: وكان رسول الله ﷺ أذن لخزاعة أن يضعوا السيوف في بني بكر إلى صلاة العصر. قال ابن هشام: وذلك أن الصلح الذي انعقد بين النبيّ ﷺ وبين أهل مكة عام الحديبية وقع فيه من الشرط: أن من أحب أن يدخل في عقد النبيّ ﷺ وعهده- ﵇ دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد أهل مكة دخل. فدخلت خزاعة في عهد النبيّ ﷺ ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، ونقضوا عهدهم فيهم، وأصابوا فيهم فخرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم المدينة على النبيّ ﷺ واستنصره، وكان مما أهاج فتح مكة. قال ابن سلام في تفسيره: وفي قتل خزاعة لمن قتلوه بمكة وذلك خمسون رجلا أنزل الله : وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التّوبة: الاية ١٤] . قال أبو سفيان: يا رسول الله

стр. 37

أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله ﷺ : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ، ثم قال- ﵇ «لا تغزى قريش أبدا ولا يقتل قرشي صبرا أبدا» «١» يعني: على كفر. قال ابن قتيبة: لا يقتل قرشي صبرا بضم اللام، ومن رواه جزما أوجب ظاهر الكلام للقرشي ألايقتل إن ارتد ولا يقتص منه إن قتل، ومن رواه رفعا انصرف التأويل إلى الخبر عن قريش ألايرتد منها أحد عن الإسلام فيستحق القتل. قال ابن حبيب: أقام رسول الله ﷺ يومئذ بمكة خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة «٢» . وفي البخاري عن ابن عباس: أقام النبيّ ﷺ بمكة: تسعة عشر يوما يقصر «٣» . وعن أنس: أقمنا مع النبيّ ﷺ عشرة نقصر «٤» . قال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسعة عشر فإذا زدنا أتممنا «٥» . وقال المزّني عن الشافعي: أقام النبيّ ﷺ بمكة حين افتتحها ثمان عشرة ليلة يقصر «٦» . وفي مصنف أبي داود عن جابر: أقام النبيّ ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة «٧» . وهذا خلاف قول ابن عباس. قال أبو عبيد: قال ميمون بن مهران: حاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر ما بين عشرين ليلة إلى ثلاثين ليلة، ثم أخذوا الأمان على ألايكتموا رسول الله ﷺ شيئا- قال غيره: كنزا- فقال رسول الله ﷺ : «يا بني الحقيق- قال أبو عبيد هكذا قال وإنما هم بني أبي الحقيق- وقد عرفتم عداوتكم لله ورسوله ثم لم يمنعني ذلك من أن أعطيتكم ما أعطيت أصحابكم. وقد أعطيتموني عهدا أنكم إن كتمتم شيئا أحلّت لنا دماؤكم. ما فعلت آنيتكم؟» قالوا: استهلكناها في حربنا.

стр. 38

قال: فأمر أصحابه فأتوا المكان الذي فيه الانية فاستثاروها. قال: ثم ضربت أعناقهم «١» . وفي كتاب ابن عقبة: أخذوا الأمان على ألايكون لهم شيء إلا ما على ظهورهم من الثياب، وإنهم إن كتموا شيئا فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله. قال أبو عبيدة: حدثنا يزيد عن هشام عن الحسن قال: عاهد حيي بن أخطب رسول الله ﷺ على ألايظاهر عليه أحدا، وجعل الله عليه كفيلا، فلما كان يوم قريظة أتي به رسول الله ﷺ وبابنه سلمى. فقال رسول الله ﷺ : «أوف الكيل» فضرب عنقه، وعنق ابنه «٢» . وذكر أيضا أبو عبيد: أن رسول الله ﷺ وجه نفرا إلى ابن أبي الحقيق ليقتلوه فقتلوه «٣» . وذكر الخطابي عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: كان من مال أبي الحقيق كنز يقال: مسك الجمل كان يليه الأكبر فالأكبر، فغيّبوه وكتموه فقتلهم النبيّ ﷺ بنقضهم العهد. قال الواقدي: عدده عشرة آلاف دينار. ومن كتاب الأموال قال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن عقيل ابن خالد، عن ابن شهاب قال: كانت وقعة الأحزاب بعد أحد بسنتين، وذاك يوم حفر رسول الله ﷺ الخندق، ورئيس الكفار يومئذ أبو سفيان بن صخر بن حرب فحاصروا رسول الله ﷺ عشر ليال فلحق إلى المسلمين الكرب، فقال رسول الله ﷺ فيما أخبرني سعيد بن المسيب: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد» . فلم يلبث إلا يسيرا حتى أرسل رسول الله ﷺ رسولا إلى عيينة بن حصن- وهو يومئذ رئيس الكفار من غطفان، وهو مع أبي سفيان- فعرض عليه رسول الله ﷺ ثلث ثمر نخل المدينة على أن يخذل الأحزاب، وينصرف بمن معه من غطفان. فقال عيينة: بل أعطني شطر ثمرها، ثم أفعل ذلك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى السعدين: سعد بن معاذ- وهو سيد الأوس-، وسعد بن عبادة- وهو سيد الخزرج- فقال: «إن عيينة قد سألني نصف ثمر نخلكم على أن ينصرف بمن معه من غطفان، ويخذل الأحزاب وأني أعطيته الثلث وأبى إلا النصف فما تريان؟» فقالا: يا رسول الله إن كنت أمرت بشيء فافعله. فقال رسول الله ﷺ : «لو أمرت بشيء لم أستأمركما فيه، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما» . قالا: فإنا لا نرى أن نعطيهم إلا السيف. فقال رسول الله ﷺ : «فنعم» «٤»

стр. 39

وفي كتاب ابن عقبة: أن اليهود أخذوا الأمان ألايكون لهم شيء إلا ما على ظهورهم من الثياب، وإنهم إن كتموا شيئا فقد برئتا منهم: ذمة الله وذمة رسوله. وقتل من أصحاب خالد عند فتح مكة رجلان: كرز بن جابر الفهري، وخالد بن أخفش الخزاعي. قال ابن حبيب: وقتل من المشركين ثلاثة وعشرين رجلا. وقال ابن هشام: اثنا عشر، أو ثلاثة عشر. قال أبو عبيد: اختلف العلماء في مصالحة المشركين، ومهادنتهم لمدة معلومة على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة: مصالحتهم جائزة لقول الله وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: الاية ٦١] . وقوله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمّد: الاية ٣٥] . الايتان محكمتان إذا دعا المشركون إلى الصلح أجيبوا، ولا يدعوهم إليه المسلمون إذا كانوا في قوة. وهذا قول مالك- ﵀. وقالت طائفة: لا يصالحوا على حال، وإنما هو قتالهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. وجعلوا الاية التي في الأنفال منسوخة باية القتال. وروي ذلك عن ابن عباس. وقالت طائفة: يجوز أن يصالحوا على مال يعطيه المسلمون أياهم إذا ضعفوا عن قتالهم. وروي أن معاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان فعلوا ذلك. ذكر ذلك الأوزاعي. وحجة مالك في إجازة الصلح أيضا قول النبيّ ﷺ لصفوان بن أمية إذ بعث إليه وهب ابن عمير بردائه أمانا لصفوان شهرين، ثم قال له أنزل أبا وهب قال: لا أنزل حتى تبين لي، فقال له رسول الله ﷺ : «بل لك أن تسيّر أربعة أشهر» «١» . وذكر الأوزاعي أن عبد الملك بن مروان كان يؤدي إلى طاغية الروم كل يوم ألف دينار، ذكره الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، وقال: فعل ذلك معاوية أيام صفين، وعمله عبد الملك زمان ابن الزبير. «حكم رسول الله ﷺ » في السهمان وسهمان الغائب وما تعطى المرأة من الغنيمة في البخاري وغيره: أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين، وللراجل سهما «٢» ، هذا هو الثابت عن النبيّ ﷺ ، وأجمع العلماء على العمل به، إلا أبا حنيفة- ﵁ فإنه قال:

стр. 40

للفارس سهمان: سهم له، وسهم لفرسه، واحتج بحديث رواه مجمّع بن حارثة عن النبيّ ﷺ أنه قسم يوم خيبر لمئتي فرس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما «١» . واحتج أيضا برواية ابن المبارك قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن نافع عن ابن عمر أن النبيّ ﷺ جعل للفارس سهمين، وللراجل سهما «٢» . ولا حجة له في شيء من ذلك لأن ابن عباس روى في قسمة خيبر خلاف ذلك. وأكثر أصحاب عبد الله بن عمر خالفوا روايته، وكانت خيبر لأهل الحديبية خاصة ألف وأربعمائة، ولم يغب من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله، فقسم له رسول الله رسول الله ﷺ سهمه «٣» ، ومضى على ذلك رسول الله ﷺ في مغازيه كلها: للفرس سهمين، وللراكب سهم قال ابن إسحاق. وكانت الخيل يوم بني قريظة: ستة وثلاثين فرسا. كذلك وقع في المدوّنة، وكانت أول فيء وجبت فيه السهمان، وأخرج منه الخمس ومضت به السنة. وقال أيضا إسماعيل القاضي: قال إسماعيل وأحسب أن بعضهم قال: ونزل أمر الخمس بعد ذلك، ولم يأت في ذلك من الحديث بيان شاف، وإنما جاء ذكر الخمس يقينا في غنائم حنين وهي آخر غنيمة حضر رسول الله ﷺ حربها. قال الواقدي في كتاب المفضل: أول خمس خمّس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام، حاصرهم رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، فصالحهم على أن له- ﵇ أموالهم، ولهم النساء والذرية، فأخذ ﵇ من سلاحهم ثلاث قسي ودرعين وثلاثة أسياف وخمّس أموالهم. قال البزار في مسنده: وكان المسلمون يوم بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر، من المهاجرين: سبعة وسبعون، ومن الأنصار: مائتان وستة وثلاثون، ولواء المهاجرين مع علي، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة «٤» ، وكان فيهم عشرون من الموالي «٥» وكان معهم ثلاثة أفراس: فرس الزبير،

стр. 41

وفرس المقداد، وفرس مرثد بن أبي مرثد، وسبعون بعيرا يعتقبونها، فكان رسول الله ﷺ وعلي ومرثد يعتقبون بعيرا، وحمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة، وأنيسة موليا رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرا، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن يعتقبون بعيرا «١» . وقال ابن هشام: ثلاثمائة وأربعة عشر: ثلاثة وثمانون من المهاجرين، ومن الأوس: واحد وستون، ومن الخزرج: مائة وسبعون «٢» . وذكر البخاري: أن جميع من شهد بدرا من قريش ممن ضرب له بسهم أحد وثمانون رجلا «٣» . وذكر إسماعيل القاضي: أن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى بدر فلما هزم الله المشركين تبعتهم طائفة يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ ، واستولت طائفة على العسكر والنهب، فلما رجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدو. وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : نحن أحق به لأننا أحدقنا برسول الله ﷺ ألاينال العدو منه غرة، وقال الذين استولوا على العسكر: هو لنا نحن حويناه. فأنزل الله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. فقسمه رسول الله ﷺ على فواق- يعني على سرعة- ويقال: فواق وفواق بالفتح والضم قبل أن ينزل: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال: الاية ٤١] «٤» . وقال إسماعيل: إنما قسم النبيّ ﷺ النضير بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار: سهل بن حنيف، وأبي دجانة، والحارث بن الصمة لأن المهاجرين حين قدموا المدينة شاطرتهم الأنصار ثمارهم فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن شئتم قسمت أموال بني النضير بينكم وبينهم وأقمتم على مواساتكم في ثماركم، وإن شئتم أعطيتها المهاجرين دونكم وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم» . فقالوا: بل تعطيهم دوننا ونمسك ثمارنا، فأعطاها رسول الله ﷺ المهاجرين فاستغنوا مما أخذوا، واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم. وهؤلاء الثلاثة من الأنصار شكوا حاجة «٥» .

стр. 42

وذكر ابن هشام وابن سحنون وابن حبيب والبرقي: أن طلحة بن عبيد الله، وسعد بن زيد لم يشهدا بدرا- كانا غائبين بالشام- فقسم لهما رسول الله ﷺ سهميهما. قالا: وأجورنا يا رسول الله قال: «وأجوركما» «١» . ذكر البخاري: أن عقبة بن عامر الأنصاري شهد بدرا «٢» . وقال يحيى بن معين: لم يشهدها وإنما شهد العقبة. وذكر ابن سحنون وابن حبيب: أن أبا لبابة، والحارث بن حاطب، وعاصم بن عدي، خرجوا مع رسول الله ﷺ فردّهم وأمّر أبا لبابة على المدينة «٣» . قال ابن حبيب: وابن أم مكتوم على الصلاة، وسهم لهم رسول الله ﷺ بسهمه، والحارث بن الصمة كمن بالروحاء فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه. قال ابن هشام: وخوات بن جبير بن النعمان ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه «٤» ، ولم يختلف أحد أن عثمان بن عفان ﵁ تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه. قال: وأجري يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : «وأجرك» «٥» . قال ابن حبيب: وهذا خاص النبيّ ﷺ ، وأجمع المسلمون بعده: ألايقسم لغائب، وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك: إذا بعث الإمام أحدا في مصالح الجيش فله سهمه، وروي عن مالك أنه لا سهم له. قال سحنون: وبالأول أقول. وفي البخاري وغيره: أن النبيّ ﷺ رد ابن عمر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وأجازه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة «٦» ، وأجاز زيد بن ثابت، والبراء بن عازب يوم الخندق

стр. 43

وهما ابنا خمس عشرة سنة. وقال ابن حبيب: لم يكن ﷺ يسهم للنساء والصبيان والعبيد ولكن كان يحذيهم من الغنيمة، ولم ير مالك أن يحذوا. وفي البخاري: قسم النبيّ ﷺ إبلا وغنما فعدّل عشرة من الغنم ببعير «١» . «حكم رسول الله ﷺ » بالسلب للقاتل يوم حنين، وهل تخمس الأسلاب وذكر الأنفال في الموطأ والبخاري ومسلم عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه فأقبل عليّ فضمني ضمة وجدت فيها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني، فلقيت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم أن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» ، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال الثانية: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال الثالثة مثله قال: فقمت، فرآني رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ما لك يا أبا قتادة؟» فاقتصصت عليه القصة فقال رجل: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه. فقال أبو بكر الصديق- ﵁ لاهاء الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه. ويروى يعمد بغير لا «٢» . وفي البخاري في كتاب الأحكام: قال أبو بكر: كلا لا يعطه أصيبغ من قريش، ويدع أسدا من أسد الله. فقال النبيّ ﷺ : «صدق فأعطه إياه» فبعت الدرع فابتعت به خرافا فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام «٣» ، قال ابن الأعرابي: سلمة بكسر اللام في الأزد وسلمة بفتحها في قشير. ذكر البخاري أن السلب الذي للقاتل إنما هو من غير الخمس من رأس الغنيمة وأن الأسلاب لا تخمّس «٤» . وقال مالك وأصحابه: لا يكون إلا من الخمس، واحتج بعض أصحاب مالك بقول الله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال: الاية ٤١] . وجعل الأربعة الأخماس لمن غنمها، فلا يجوز أن يؤخذ منها شيء بالاحتمال. وقولنا إنما نفّل النبيّ ﷺ من الخمس.

стр. 44

أولا: لأن الله فوّض إليه النظر في الخمس بالاجتهاد. ودليل آخر أن الاية نزلت في شأن خيبر والنضير فلم يكن النبيّ ﷺ يؤخر البيان فيه إلى يوم حنين وقاله بعد أن برد القتال، ولو كان أمرا متقدما لعلمه أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ ومن كبراء أصحابه فلم يطلب ذلك حتى أمر النبيّ ﷺ من ينادي من قتل قتيلا فله سلبه ولم يكن هذا ليخفى. ودليل آخر أن النبيّ ﷺ أعطاه إياه بشهادة واحد بلا يمين فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج حق من مغنم إلا بما تخرج به الأملاك من البينات أو شاهد ويمين. وشيء آخر أنه لو وجب للقاتل ولم يجد بينة لكان توقف كاللقطة ولا يقسم وهو إذا لم تكن بينة تقسم، فخرج من معنى التملك، ودل ذلك أنه خارج باجتهاد الإمام يخرجه من الخمس الذي يجعل في غير وجه. قال مالك: لم يبلغنا أن النبيّ ﷺ قال ذلك ولا فعله في غير يوم حنين، ولا فعله أبو بكر ولا عمر. قال ابن الموّاز: ولم يعط غير البراء بن مالك سلب قتيله وخمسه. وذكر عبد الرزاق في مصنفه أن البراء قتل مائة قتيل مبارزة سوى من شارك في قتله «١» . وذكر البخاري: أن معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء الأنصاريين ضربا أبا جهل ابن هشام يوم بدر بسيفيهما حتى قتلاه، فانصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا. فنظر في السيفين فقال: «كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح» «٢» . وفي غير البخاري أن عبد الله بن مسعود وجده وهو صريع يذبّ الناس عنه بسيفه فوطئ على رقبته فقال: هل أخزاك الله يا عدوّ الله؟ فقال له أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم. فضربه عبد الله بسيفه فلم يغن شيئا، فأخذ السيف من أبي جهل فاحتز به رأسه، وجاء به إلى النبيّ ﷺ فنفله رسول الله ﷺ السيف. وكان الذي ضربه أولا معاذ بن عمرو بن الجموح، فقطع رجله وضرب ابنه عكرمة يد معاذ فطرحها، ثم ضربه معاذ بن عفراء حتى أثبته ثم تركه وبه رمق ثم ذفف عليه ابن مسعود- يعني أجهز عليه. وذفف بالذال المنقوطة- «٣» .

стр. 45

«حكم رسول الله ﷺ » فيما حازه المشركون من أموال المسلمين ثم ظهروا عليه وأسلم عليه المشركون في البخاري: أن فرسا لعبد الله بن عمر ذهب فأخذه العدو فظهر عليهم المسلمون فردّ عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأبق عبد له فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون، فردّه إليه خالد بعد النبيّ ﷺ في زمن أبي بكر «١» . وفي المدونة والواضحة وغيرهما: أن رجلا من المسلمين وجد بعيرا له في المغانم، فقال له رسول الله ﷺ : «إن وجدته لم يقسم فخذه، وإن وجدته قد قسم فأنت أحق بالثمن إن أردته» «٢» . وفي البخاري ومسلم ومصنف أبي داود: أن النبيّ ﷺ قيل له يوم الفتح: أين تنزل يا رسول الله؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل منزلا» «٣» . ووقع في البخاري أيضا: أن أسامة بن زيد قال للنبيّ ﷺ في حجته: أين تنزل غدا يا رسول الله؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل منزلا؟» ثم قال بعد ذلك: «نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة بالمحصّب حيثما انتهينا» ، وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم: ألايبايعوهم، ولا يؤوهم «٤» . قال الزهري: والخيف الوادي. ولم يقل يونس في حجته ولا زمن الفتح. ووقع في غير الكتب أن عقيلا لما هاجر النبيّ ﷺ أخذ دورهم فحازها وحوى عليها، ثم أسلم وهي في يده، وقضى رسول الله ﷺ : أنه من أسلم على شيء فهو له. وفي كتاب الخطّابي أنه باع دور عبد المطلب لأنه وارث لأبي طالب ولم يرثه علي لتقدم إسلامه لموت أبيه ولم يكن لرسول الله ﷺ فيها لأن أباه عبد الله مات. وكان أبوه عبد المطلب حيا وهلك أكثر أولاده ولم يعقبوا أحدا فحاز رباعه أبو طالب، وحازها بعد موته عقيل. وقد كان كفار قريش يعتدون على من هاجر من المسلمين فيبيعون داره وعقاره. وفي البخاري أن النبيّ ﷺ أهديت له أقبية ديباج مزوّدة بالذهب فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة بن نوفل، فجاء ومعه ابنه المسور بن مخرمة فقام على الباب فقال: أدعه لي. فسمع النبيّ ﷺ صوته فأخذ قباء فتلقاه به واستقبله بإزاره فقال: «يا أبا المسور

стр. 46

خبأت لك هذا» «١» . وذكر النسائي في كتاب الأسماء والكنى أن مخرمة قال للنبيّ ﷺ : أين نصيبي من الثياب التي قسمت؟ قال له النبيّ ﷺ : «هذا قباء خبأته لك يا أبا صفوان» . فأخذه وقال: وصلتك رحم «٢» . «حكم رسول الله ﷺ » فيما أهدى إليه معاهد أو حربي وفي كتاب ابن سحنون: أن النبيّ ﷺ قبل الهدية من أبي سفيان، ومن أهل الذمّة ومن دحية، ومن المقوقس، والأكيدر، وأهدى إلى بعضهم. ولم يقبل هدية عياض المجاشعي، وكانت هدية المقوقس: مارية أم إبراهيم، وسيرين وبغلة شهباء وحمارا، فاتخذ مارية لنفسه، وأمسك البغلة والحمار حتى مات عنهما. وجاء بالهدية من عند المقوقس ملك الأسكندرية: حاطب بن أبي بلتعة كان رسول الله ﷺ أرسله إليه سنة ست ويقال: كانت الهدية ثلاث جوار: وهب واحدة لجهم بن حذيفة واسمها طرفا، وأعطى سيرين لحسان بن ثابت فولد له منها عبد الرحمن وكانت أخت مارية. وفي كتاب مسلم: أن فروة بن نفاثة الجذامي أهدى لرسول الله ﷺ بغلة بيضاء وركبها يوم حنين «٣» . قال سحنون: وإذا أهدى ملك الروم هدية إلى الإمام فلا بأس بقبولها وتكون له خاصة. وقال الأوزاعي: تكون للمسلمين ويكافئه بثمنها من بيت المال. قال سحنون: وليس عليه أن يكافئه. قال سحنون: والرسول إلى الطاغية يجاز بجائزة فهي له دون المسلمين ولا خمس في ذلك، وإذا جاء رسول من الطاغية لا ينبغي لأمير المؤمنين أن يجازيه بشيء إلا أن يرى لذلك وجها يرى فيه صلاح للمسلمين فيجتهد. وفي البخاري: أهدى ملك أيلة للنبيّ ﷺ بغلة بيضاء، وكساه رسول الله ﷺ بردة وكتب له ببحيرة، وفي حديث آخر وكتب له ببحيرتهم، وذلك في غزوة تبوك «٤» . وقال عمرو بن الحارث: ما ترك النبيّ ﷺ إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا تركها صدقه «٥» . قالت عائشة: وترك درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير «٦» . وفي البخاري

стр. 47

أيضا: ما ترك النبيّ ﷺ دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة «١» . وفي رواية الأصيلي شاة مكان شيئا. ذكر ابن حبيب وغيره أن المقوقس صاحب مصر. قال أبو عبيد في كتاب الأموال إن عامر بن مالك ملاعب الأسنة أهدى رسول الله ﷺ فرسا فرده وقال: «إنا لا نقبل هدية مشرك» «٢» . وكذلك قال لعياض المجاشعي: «إنا لا نقبل زبد المشركين» «٣» يعني رفدهم. وقال أبو عبيد: إنما قبل هدية أبي سفيان لأنها كانت في مدة الهدنة بينه وبين أهل مكة «٤» ، وكذلك المقوقس صاحب الأسكندرية إنما قبل النبيّ ﷺ هديته لأنه أكرم رسوله إليه حاطب بن أبي بلتعة وأقرّ بنبوته، ولم يؤيسه من إسلامه فثبت أن النبيّ ﷺ لم يقبل هدية مشرك محارب «٥» ، ثم قدم خالد بن الوليد بأكيدر على رسول الله ﷺ وكان نصرانيا فحقن له دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله فرجع إلى قريته «٦» . «حكم رسول الله ﷺ » في قسمة ما أفاء الله عليه على حسب ما رآه، وإباحة أكل شحوم المشركين ترجم البخاري باب ما كان النبيّ ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس، رواه عبد الله بن زيد عن النبيّ ﷺ قال الزهري: أخبرني أنس أن ناسا من الأنصار قالوا للنبيّ ﷺ حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل فقالوا: يغفر الله لرسوله يعطي قريشا ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال أنس: فحدّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم أحدا، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: «ما كان حديثا بلغني عنكم؟» فقال له فقهاؤهم: أمّا ذوو رأينا فلم يقولوا شيئا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسوله يعطي قريشا ويترك

стр. 48

الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله ﷺ : «إنما أعطي رجالا حديثي عهد بكفر، أما ترضون أن يرجع الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» . قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم: «إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» «١» . وفي مصنف أبي داود عن جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر وضع رسول الله ﷺ سهم ذي القربى في بني هاشم وبني عبد المطلب، وترك بني نوفل وبني عبد شمس فانطلقت أنا وعثمان إلى النبيّ ﷺ فقلنا: يا رسول الله لا ننكر فضل بني هاشم لموضعهم منك فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة فقال النبيّ ﷺ : «أنا وبني المطلب لا نفترق في جاهلية ولا في إسلام، إنما نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه» «٢» . ويقال إن هذا خصوص من فعل النبيّ ﷺ لال المطلب كونهم من بني هاشم بني أخوة أشقاء. ويقال إن عبد شمس وهاشما توأمان. وفي بعض الروايات: «فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض» . هكذا رواه أبو زيد، وكان الذي آثرهم رسول الله ﷺ وأعطاهم مائة من الإبل: الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن وغيرهم. وذكر ابن هشام وغيره: أبا سفيان، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى، والعلاء بن حارثة، - وعيينة ابن حصن، والأقرع بن حابس- ومالك بن عوف، وصفوان بن أمية، هؤلاء أصحاب المئين، وأعطى جماعة أقل من مائة، وأعطى جماعة خمسين خمسين. وقال قائل: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جميل بن سراقة الضمري، فقال رسول الله ﷺ : «أما والذي نفس محمد بيده لجميل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جميل بن سراقة إلى إسلامه» «٣» . وفي البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأعطي قوما أتألف ظلعهم وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب» . قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ ما أظلته الخضراء «٤» . وفي هذه القسمة في غزوة حنين قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله. وهو من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فقال رسول الله ﷺ : «ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل» «٥» ، وذكر الحديث بطوله،

стр. 49

واسمه الحرقوص بن زهير قاله ابن سعد صاحب الواقدي. وذكر المبرد في الكامل عن إبراهيم بن محمد التيمي في إسناد ذكره أن عليّا وجّه إلى النبيّ ﷺ بذهيبة من اليمن فقسمها أرباعا فأعطى الربع الأقرع بن حابس، وأعطى الربع زيد الخيل، والربع علقمة بن علاثة، وعيينة بن حصن الفزاري، فقام إليه رجل مضطرب الخلق غائر العينين ناتئ الجبهة، وذكر غيره محلوق الرأس، فقال له: لقد رأيت قسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب رسول الله ﷺ وذكر الحديث «١» . وفي حديث آخر في الكامل: بينما رسول الله ﷺ يقسم غنائم خيبر إذ قام رجل أسود فقال: ما عدلت منذ اليوم. وذكر الحديث. والحديث في البخاري «٢» : وشك في الرابع أن يكون علقمة أو عامر بن الطفيل. وروى ابن وهب أن رسول الله ﷺ لما حاصر خيبر جاءه بعض الناس فسألوه أن يعطيهم فلم يجدوا عنده شيئا، فافتتحوا بعض حصونها فأخذ رجل من المسلمين جرابا مملوآ من شحم فبصر به صاحب المغانم وهو: كعب بن عمرو بن زيد الأنصاري فأخذه فقال الرجل: لا والله لا أعطيكه حتى أذهب به إلى أصحابي. فقال: أعطنيه أقسمه بين الناس. فأبى فتنازعا فقال رسول الله ﷺ : «خل بين الرجل وجرابه يذهب به إلى أصحابه» . قال مالك في مختصر عبد الحكم الكبير: ولا أحبّ أكل شحوم اليهود من غير أن أراه حراما. قال ابن أبي زيد: واحتج بعض أصحابنا لذلك بالحديث في الذي غنم جرابا فيه شحم من خيبر وذكر الحديث. «حكم رسول الله ﷺ » في أموال بني النضير وقسمة خيبر. وقد تقدم بعض خبرهم ذكر البخاري وأبو عبيد: أن أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف به من خيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله كلها من أموال بني النضير ولم تخمس لأنها كانت صافية «٣» ، وخمّس قريظة لأنها كانت بقتال، وكانت وقعة النضير فيما ذكر أبو عبيد على رأس ستة أشهر من وقعة بدر. وكذلك ذكر البخاري «٤» . وذكر ابن أبي زيد في مختصر المدونة عن ابن شهاب: أنها كانت في المحرم سنة ثلاث، وذكر غير ابن شهاب: سنة أربع، وفيهم نزلت سورة الحشر «٥» . وقد تقدم ذكرها.

стр. 50

قال مالك في الكتابين: افتتحت خيبر بقتال يسير وخمّست إلا ما كان منها عنوة أو صلحا وهو يسير فإنه لم يخمّس «١» . قلت: العنوة والقتال واحد. قال: إنما أردت الصلح، وسمعت ابن شهاب يقول: افتتحت خيبر عنوة، ومنها بقتال وما أدري ما أراد بذلك. قال مالك: قسمت خيبر ثمانية عشر سهما على ألف وثمانمائة رجل لكل مائة رجل سهم. قال أبو عبيد: إن رسول الله ﷺ قسم خيبر على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم منها مائة سهم وعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وقسم النصف بين المسلمين وسهم رسول الله ﷺ فيما قسم الشق «٢» والنطاة «٣» وما حيز معها وكان مما وقف: الكتيبة والوطحة والسلام. فلما صارت الأموال في يد رسول الله ﷺ لم يكن له من العمال ما يكفون عمل الأرض فدفعها إلى اليهود يعملونها على النصف «٤» . وفي الواضحة: الحوائط السبعة التي وقف رسول الله ﷺ كانت من أموال بني النضير، وسيأتي ذكرها بعد هذا في الأخماس. وقال عمر بن الخطاب- ﵁: لولا آخر الناس ما افتتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر «٥» . وذكر مالك وأبو عبيد أن بلالا وأصحابه سألوا عمر أن يقسم بينهم ما افتتح بالشام وكان بلال أشدهم، فدعا عمر عليهم فقال: اللهم أكفنيهم- وقال أبو عبيد وفي رواية: (اللهم أكفني بلالا وذويه) - فما حال الحول والواحد حي «٦» . قال ابن هشام: وكانت خيبر في صفر سنة ست من الهجرة. قال مالك: وكانت في برد شديد فقال أصحاب رسول الله ﷺ : إنا لا نستطيع القتال فقال لهم رسول الله ﷺ : «لم؟» فقالوا: البرد والجوع والعري. فقال رسول الله: «اللهم افتح عليهم اليوم أكثرها طعاما وودكا» ففتح عليهم خيبر. قال ابن هشام: وقسمت خيبر على أهل الحديبية من شهد خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله ﷺ كسهم من حضرها «٧» . قال المفضل: وأطعم رسول الله ﷺ ناسا مشوا بينه وبين أهل فدك في الصلح منهم محيصة بن مسعود، وأعطاه ثلاثين وسقا من الشعير.

стр. 51

«حكم رسول الله ﷺ » في الرسول ألايقتل والوفاء بالعهد للكفار وما نزل في ذلك من القرآن في مصنف أبي داود عن نعيم بن مسعود الأشجعي قال: كتب مسيلمة إلى رسول الله ﷺ فسمعته يقول لرسوليه حين قرأ الكتاب: ما تقولان أنتما؟ فقالا: نقول كما قال. فقال رسول الله ﷺ : «أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» «١» . وعن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ فلما رأيت رسول الله ﷺ ألقي في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله إني لا أرجع إليهم أبدا. فقال رسول الله ﷺ : «إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الان فارجع» . قال: فذهبت، ثم أتيت النبيّ ﷺ فأسلمت «٢» . وفي مصنف البخاري: أن أبا جندل أقبل يرسف في الحديد، وفي حديث آخر يحجل في قيوده فردّه رسول الله ﷺ إلى مكة للعهد الذي كان عاهدهم أن يرد إليهم من جاء منهم. قال أبو سفيان الخطابي في شرح غريب الحديث: لم يخف النبي ﷺ على أبي جندل شيئا لأنه ردّه إلى أبيه وأهله ولم يرد من جاء من النساء لأن الله قال «فلا ترجعوهن إلى الكفار» «٣» . وفيه حجة لمن رأى نسخ السنة بالقرآن وكذلك قال في البخاري: إن رسول الله ﷺ إنما رد أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو وهو الذي كان عاهد النبيّ ﷺ يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أنّ من أتى من المشركين رده إليهم، وما أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بجلبّان السلاح السيف والقوس ونحوه «٤» . وقال رسول الله ﷺ : «والعهد بيننا كشرج العتبة» يعني: إن انحل بعضه انحل كله. وكان إقبال أبي جندل قبل أن يبرح سهيل بن عمرو وقبل أن يكتب العهد. ووقع أيضا في كتاب البخاري في كتاب الشروط وكان سهيل هذا من جملة من أسر يوم بدر. وذكر المفضل أن يوم الحديبية جاءت سبيعة الأسلمية مسلمة من مكة فأقبل زوجها في طلبها فقال: يا محمد ردّ عليّ امرأتي فهذه طينة كتابك لم تجف بعد. فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ [الممتحنة: الاية ١٠] فاستحلفها رسول الله ﷺ بالله الذي

стр. 52

لا إله إلا هو ما أخرجها إليه إلا رغبة في الإسلام وحب له وحرص عليه، وما أخرجها حرب أحدثته في قومها ولا بغض لزوجها فحلفت على ذلك، فأعطى رسول الله ﷺ زوجها مهرها والذي أنفق عليها، ولم يردها عليه. قال النحاس وغيره: وهذا منسوخ. «حكم رسول الله ﷺ » في الأمان وفي أمان المرأة في تفسير ابن سلام قال الكلبي: إن ناسا من المشركين ممن لم يكن لهم عهد ولم يوافوا الموسم بلغهم أن رسول الله ﷺ أمر بقتال المشركين ممن لا عهد له إذا انسلخ الأشهر الحرم، فقدموا على رسول الله ﷺ ليجددوا حلفا وذلك بعدما انسلخ المحرّم فلم يصالحهم رسول الله ﷺ إلا على: الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. فأبوا فخلّى رسول الله ﷺ سبيلهم حتى بلغوا مأمنهم، وكانوا نصارى من بني قيس بن ثعلبة فلحقوا باليمامة؟ حتى أسلم الناس فمنهم من أسلم ومنهم من أقام على نصرانيته. وفي مسند ابن أبي شيبة وفي السير: أن سرية أصابت مالا كان عند أبي العاصي زوج زينب ابنة رسول الله ﷺ وهرب أبو العاصي، ثم جاء في الليل إلى بيت زينب في طلب المال واستجار به، فلما كبّر رسول الله ﷺ في صلاة الصبح صرخت زينب- من صفة النساء-: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاصي. فلما سلّم النبيّ ﷺ أقبل على الناس فقال: «هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم، قال: «أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم. إنه يجير على المسلمين أدناهم» . ثم دخل رسول الله ﷺ فقال: «أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلّين له» . ثم قال النبيّ ﷺ : «إن تحسنوا وتردوا عليه المال فهو الذي يحب، وإن أبيتم فهو فيء الله أنتم أحق به» ، قال: فردوه إليه أجمع، ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل رجل من قريش ماله فقالوا: جزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما. فقال: أشهد ألاإله ألا الله وأن محمدا رسول الله، والله ما منعني من الإسلام عنده ألا مخافة أن تظنوا أني إنما أردت أكل أموالكم فلما أداها الله إليكم أسلمت، ثم خرج حتى قدم على النبيّ ﷺ «١» . وفي غير السير قال قائل: لما أشار النبيّ ﷺ على الأنصار الذين أسروا العباس يوم بدر، قالوا: يا رسول الله ﷺ ائذن فلنترك لابن أختنا العباس فداءه. فقال لهم رسول الله ﷺ : «لا تدعوا منه درهما» «٢» . وقال للأنصار إذ بعثت زينب ابنة رسول الله ﷺ في فداء أبي العاصي بمال، وبعثت بقلادة

стр. 53

لها كانت أمها خديجة أدخلتها بها على أبي العاصي حين بنى عليها: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا» ، قالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردوا عليها المال والقلادة «١» . قيل: إنما فعل النبيّ ﷺ هذا في زينب لأنه رقّ لها إذ لم يكن تمام الفداء إلا بقلادة كانت لأمها خديجة جهزتها بها، ولم يكن لأبي العاصي مال وإنما كانت عنده أموال لقريش وبضائع يتجهز بها ردها إليهم كلها على ما تقدم ذكره. وقال للأنصار: «لا تدعوا من فداء العباس درهما» لأنه كان غنيا، وذلك أنه ذكر ابن قتيبة وغيره أن النبيّ ﷺ قال للعباس: «إفد نفسك وابني أخويك عقيلا ونوفلا، وحليفك فإنك ذو مال» . فقال: إني مسلم، فقال رسول الله ﷺ : «الله أعلم بإسلامك إن كان ما تقول حقا فالله يجزيك، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا» . فقال: إنه ليس لي مال. قال: «فأين المال الذي وضعته عند أم الفضل بمكة حين خرجت وليس معكما أحد ثم قلت إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا ولعبد الله كذا» . قال: والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيرها، وإني أعلم أنك رسول الله، ففدى نفسه بمائة أوقية وكل واحد بأربعين أوقية. هكذا قال ابن القاسم وابن إسحاق وقال: تركتني أسأل الناس في كفي، وأسلم العباس وأمر عقيلا فأسلم، ولم يسلم من الأسارى غيرهما «٢» . وفي معاني النحاس قال العباس: أسرت ومعي عشرون أوقية فأخذت مني فعوضني الله منها عشرين عبدا، ووعدني المغفرة. وفي الهداية: لما أسرت ومعي أربعون أوقية كل أوقية من أربعين مثقالا فعوضني الله أربعين عبدا، ووعدني المغفرة. وفي موطأ مالك عن أبي النضر: أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب، واسمها فاختة قاله ابن وضّاح. وقيل: هند. قاله ابن هشام. وقيل: رحلة. قال البرقي أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب. قالت: فسلمت فقال: «من هذه؟» فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب فقال: «مرحبا بأم هانئ» ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات متلحفا في ثوب واحد ثم انصرف فقلت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلا أجرته فلان ابن هبيرة. فقال رسول الله ﷺ : «قد

стр. 54

أجرنا من أجرت يا أم هانئ» . قالت أم هانئ: وذلك ضحى «١» . وأما هبيرة بن أبي وهب وهو زوج أم هانئ وهو مخزومي فقال حين بلغه إسلام أم هانئ: أشاقتك هند أم أتاك سؤالها ... كذاك التوى أسبابها وانفتالها وفي هذا الشعر يقول: وإنّ كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها فإن كنت قد تابعت دين محمد ... وعطفت الأرحام منك حبالها فكوني على النخل السحيق بهضبة ... ململمة غبرا يبّس تلالها وفي كتاب ابن سحنون والواضحة قال النبيّ ﷺ : «يجير على المسلمين أدناهم ويرد عليهم أقصاهم» . وفي غير الكتابين: «وهم يد على من سواهم» «٢» . قال ابن حبيب: معنى يجير عليهم أدناهم: أي الدني من حرّ أو عبد أو امرأة أو صبي يعقل الأمان يجوز أمانهم، ومعنى ويرد عليهم أقصاهم: أي ما غنموا في أطراف بلادهم يجعل خمسه في بيت مالهم. قال ابن الماجشون: لا يجوز الأمان إلا لولي الجيش أو لولي السرية دون غيره. قال ابن شعبان القرطبي: قول ابن الماجشون خلاف قول الناس. «حكم رسول الله ﷺ » في الجزية بأمر الله ومقدارها وممن تقبل وممن لا يقبل منه إلا الإسلام قال ابن حبيب: أول ما بعث الله نبيه ﷺ بالدعوة، بعثه بغير قتال ولا جزية، فأقام على ذلك عشر سنين بمكة بعد نبوته يؤمر بالكف عنهم، ثم أنزل الله عليه أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحجّ: الاية ٣٩] ، وأمره بقتال من قاتله والكف عمن لم يقاتله، فقال الله فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النّساء: الاية ٩٠] . ثم نزلت براءة لثمان سنين من الهجرة فأمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب: من قاتله أو كف عنه، إلا من عاهده ولم ينقض من عهده شيئا، فقال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [النّساء: الاية ٨٩] إلى أن قال: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ [التّوبة: الاية ٥] فلم يستثن على العرب الذين لم يتعلقوا إلى

стр. 55

الإسلام. وأمره تعالى بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية. فقال تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: الاية ٢٩] . قد دخل في ذلك من تعلق من العرب بدين أهل الكتاب، فأخذ النبيّ ﷺ الجزية من أهل نجران وأيلة وهم نصارى من العرب، ومن أهل دومة الجندل وهم نصارى وأكثرهم عرب، ولم يستثن الله تعالى أخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، وأمر نبيه ﷺ بقتال غيرهم، ثم نسخ من ذلك المجوس على لسان نبيه ﵇ فيما بين لهم من سنته بغير تنزيل قرآن فأحل لهم أخذ جزية من مجوس العجم إذ رضوا بها، وأقر مشركي العرب وهم عبدة الأوثان على أن يقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام بلا جزية استثناها فيهم إكراما للعرب. والذي ذكر ابن حبيب من نسخ القرآن بالسنة اختلف العلماء فيه فأجازه أصحاب مالك واحتجوا بقول النبيّ ﷺ : «لا وصية لوارث» «١» . ناسخ لقول الله : الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة: الاية ١٨٠] . واحتج الذين منعوا منه بأن القرآن معجزة والسنة غير معجزة فلا تنسخ السنة القرآن إنما تبينه، ولقوله : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ [النّحل: الاية ١٠١] . ولقوله لنبيه ﷺ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي [يونس: الاية ١٥] . وذكر عبد الرزاق في مصنفه وأبو عبيد في كتاب الأموال: أن النبيّ ﷺ أمر معاذ بن جبل أن يأخذ من أهل اليمن الجزية من كل حالم وحالمة. زاد أبو عبيد: عبدا أو أمة: دينارا أو قيمته معافر «٢» ، وبهذا أخذ الشافعي، وأخذ مالك بما فرض عمر بن الخطاب- ﵁ أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق ولا جزية على النساء والعبيد، ومعنى الحديث عند بعض أهل العلم أن النبيّ ﷺ علم ضعف أهل اليمن، وعمر علم غنى أهل الشام وقوتهم، وقال أشهب «٣» . في الأمم كلها إذا بذلت الجزية قبلت منهم فأهل الكتابين بكتاب الله والمجوس بالسنة، وقال ابن وهب: إنما قاتل النبيّ ﷺ قريشا على الإسلام أو السيف فمن كان من العرب من تغلب وتنوخ وغيرهم لم يدخل في ملة لم يقبل منه الجزية ويقاتلون على الإسلام، ومن دخل منهم في دين أحد من أهل الكتب قبلت منه الجزية.

стр. 56

قال سحنون: ما أعرف هذا وقد قال النبيّ ﷺ : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» «١» . وكتب النبيّ ﷺ إلى أهل هجر وإلى المنذر بن ساوى يدعوهم إلى الإسلام وقال في الكتاب: «ومن أبى فعليه الجزية» «٢» . ولم يفرق بين عربي وغيره وكان فيهم مجوس وغيرهم.

стр. 57

كتاب النكاح «حكم رسول الله ﷺ » في الثيب يزوجها أبوها بغير رضاها في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي ومصنف عبد الرزاق عن خنساء ابنة جذام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحه «١» . ووقع في مصنف عبد الرزاق أنها تزوجت بعده أبا لبابة الأنصاري. وكنية جذام: أبو وريعة «٢» . ووقع أيضا فيه عن مهاجر بن عكرمة: أن بكرا أنكحها أبوها- وهي كارهة- فجاءت النبيّ ﷺ فرد إليها أمرها «٣» . وحدثنا ابن جريج عن أيوب عن عكرمة، وعن يحيى بن أبي كثير: أن ثيبا وبكرا أنكحهما أبوهما- وهما كارهتان- فجاءتا إلى النبيّ ﷺ فرد نكاحهما «٤» . وعن عبد الله بن بريدة أنه قال: جاءت امرأة بكر إلى النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبي زوجني ابن أخ له يرفع خسيسته بي، ولم يستأمرني فهل لي في نفسي أمر؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «نعم» . فقالت له: ما كنت لأرد على أبي شيئا صنعه، ولكن أحببت أن تعلم النساء أن لهن في أنفسهن أمرا أم لا «٥» . وفيه أيضا وفي الواضحة: أن رسول الله ﷺ إذا أراد أن يزوج امرأة من بناته جاء إلى الخدر فقال: «إن فلانا يخطب فلانة» . فإن حركت الخدر لم يزوجها. وقال في الواضحة: فإن

стр. 58

طعنت في الستر بأصبعيها لم يزوجها، وإن سكتت زوجها «١» . وفي المدونة عن الحسن البصري أن رسول الله ﷺ زوج عثمان بن عفان ابنتيه ولم يستشرهما هكذا في رواية ابن وضّاح. وقال الحسن البصري: له أن يزوج ابنته الثيب بغير رضاها. وقال إسماعيل: وله وجه حسن من الفقه إلا أن الإجماع على خلاف ذلك. قال غيره، وقال إبراهيم النخعي: إذا كانت في عياله. قال إسماعيل القاضي: زوج النبيّ ﷺ بعض بناته قبل الهجرة وزوج بعضهن بعد الهجرة، وإنما ثبتت الأحكام بعد الهجرة وأبرمت ولا يعلم أن النبيّ ﷺ زوج بنتا له بعد الهجرة لم يكن لها زوج قبل ذلك- إلا فاطمة- من علي لأن رقية كانت عند عتبة ابن أبي لهب فطلقها بمكة، فزوجها النبيّ ﷺ من عثمان بمكة، ويشبه أن يكون ما روى الحسن أن النبيّ ﷺ أنكح عثمان ابنتيه ولم يستشرهما أن تكون أم كلثوم لأن النبيّ ﷺ لم يزوج بعد الهجرة غيرها، وغير فاطمة ﵄، فتدل رواية إسماعيل على خلاف رواية ابن وضاح التي روى ابنتيه. وذكر ابن قتيبة في المعارف: أن عثمان تزوج رقية بالمدينة، ثم تزوج بعدها أم كلثوم بالمدينة أيضا، وأن عتبة تزوج رقية، وعتيبة تزوج أم كلثوم، وطلقاهما قبل أن يدخلا بهما. «حكم رسول الله ﷺ » في نكاح التفويض بموت الزوج قبل الدخول وما روي عن علي وزيد في ذلك في كتاب النسائي، ومصنف عبد الرزاق، عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: أنه سئل عن رجل تزوج امرأة فلم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات فرددهم شهرا لا يفتيهم، ثم قال: اللهم إني أقول جوابي فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني. وقال في النسائي: فمن الشيطان أرى أن يكون لها صداق امرأة من نسائها، لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة أربعة أشهر وعشر. فقام ناس من أشجع فقالوا: نحن نشهد أن رسول الله ﷺ قضى بمثل الذي قضيت به في بروع ابنة واشق «٢» . قال في مصنف عبد الرزاق: بنت واشق من بني رؤاس وبني رؤاس حي من بني عامر بن صعصعة، والذي شهد قضاء رسول الله ﷺ معقل بن سنان الأشجعي، ونفر من قومه. وقال علي ابن أبي طالب: لا صداق لها، وكذلك قال زيد، وبهذا أخذ مالك. وأخذ سفيان والحسن وقتادة بقول ابن مسعود فقال: لا تصدق الأعراب على قول رسول الله ﷺ ، ووقع في الكتابين: فما فرح ابن مسعود بشيء كما فرح بذلك حين وافق قضاء رسول الله ﷺ «٣» .

стр. 59

«حكم رسول الله ﷺ » فيمن تزوج امرأة فوجدها حبلى وفي نفقة المطلقة وعدتها وسكناها في مصنف عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار يقال له بصرة قال: تزوجت امرأة بكرا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى! فقال رسول الله ﷺ : «لها الصداق بما استحلّ من فرجها والولد عبد لك وإذا ولدت فاجلدوها» . وفرّق بينهما «١» . وفي الموطأ والبخاري ومسلم عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمر بن حفص طلقها البتة. وفي كتاب مسلم والنسائي آخر تطليقة بقيت له فيها وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته. فقال: والله ما لك علينا من شيء. وقال في كتاب النسائي: فأرسل إليها الحارث بن هشام بن أبي ربيعة بنفقتها فسخطتها فقال: والله ما لك علينا نفقة إلا أن تكوني حاملا ولا أن تسكني في مسكننا إلا بإذننا. وفي كتاب مسلم فأرسل خمسة أصوع شعيرا أو خمسة أصوع تمرا فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «ليس لك نفقة» «٢» . ووقع في كتاب مسلم قالت فاطمة: خاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة. وذكر النسائي: وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فأذنيني» . فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني. ووقع في موطأ يحيى أبا جهم بن هشام وهو غلط ليس في الصحابة أبو جهم بن هشام، وإنما هو أبو جهم بن صخر ابن عدي قرشي. ويقال: أبو جهم بن حذيفة بن غانم، فقال رسول الله ﷺ : «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد» . فكرهته، ثم قال «انكحي أسامة» فنكحته فجعل الله في ذلك خيرا واغتبطت به «٣» . قال الخطابي: قول فاطمة: خاصمته إلى النبيّ ﷺ فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة. كان إخبارها على أحد الأمرين علما وهو ألانفقة لها، وعن الاخر وهو السكنى وهما وذلك أنه ذهب عليها معرفة السبب في نقله إياها عن بيت أهلها فتوهمته إبطالا لسكناها فقالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة. وقول النبيّ ﷺ : «اعتدي عند ابن أم مكتوم» يوجب لها السكنى، فيه من الفقه: إباحة

стр. 60

خطبة رجلين إمرأة، ونكاح المولى قرشية لأن فاطمة بنت قيس هى أخت الضحاك بن قيس: قرشية فهرية، وأنه لا غيبة فيمن سئل عن النكاح أن يذكر بما فيه، وإن كان النبيّ ﷺ لم يذكر إلا ضرب أبا جهم للنساء، وفقر معاوية، إلا أن أهل العلم أجازوا ذلك في النكاح وفيمن سئل عنه بعد أن شهد على أحد وفيمن يتخذ إماما. وفيه: أن يوصف الرجل بأكثر ما فيه، وقد كان أبو جهم ينام ويأكل ويجلس، فوصفه النبيّ ﷺ أنه لا يضع عصاه عن عاتقه. وفيه: إباحة خروج المطلقة من بيتها إذا آذت أهل الزوج بلسانها، وبذت عليهم كما فعلت فاطمة بأهل زوجها، وهي الفاحشة التى قال الله : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطّلاق: الاية ١] . ذكر ذلك ابن رزين، وغيره وقيل: إنما شكت رداءة المنزل إلى النبيّ ﷺ فأذن لها. وفيه: ألانفقة للمبتوتة، وقال بعض أهل العلم: إنها ليس لها أيضا سكنى بهذا الحديث. وفيه: زيارة الرجال المرأة الصالحة. وفيه: القضاء على الغائب لأن أبا عمرو طلقها وهو غائب بالشام وحولت وهو غائب وأمرها النبيّ ﷺ بالنكاح. قاله الأصيلي، وفي مصنف أبي داود قال عمر بن الخطاب: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم لم تحفظ «١» . «حكم رسول الله ﷺ » للزوجة بالنفقة على زوجها وهو غائب وكيف تكون الخدمة عليهما جميعا في البخاري ومسلم عن عائشة أنها قالت: جاءت هند بنت عتبة فقالت: إن أبا سفيان رجل ممسك. وفي حديث آخر: شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال رسول الله ﷺ : «خذي ما يكفيك بالمعروف» «٢» . فيه من الفقه: القضاء على الغائب، وكذلك ترجم عليه البخاري القضاء على الغائب، وترجم عليه أيضا من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة، وكان أمرا مشهورا وأنه من منع أحدا حقه وظفر له بمال فله أن يأخذ منه بقدر حقه بغير علمه،

стр. 61

وفي هذا الوجه اختلاف بين أصحاب مالك. وفي الواضحة: أن النبيّ ﷺ حكم بين علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة ﵄ حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة: خدمة البيت وحكم على علي بالخدمة الظاهرة. قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجن، والطبخ، والفرش، وكنس البيت، واستقاء الماء، إذا كان الماء معها وعمل البيت كله. وذكر البخاري ومسلم والنسائي: أن فاطمة أتت النبيّ ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحا وبلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة فلما جاء أخبرته عائشة، قال علي: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم، فقال: «مكانكما» ، فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد رجليه على بطني فقال: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما مما سألتما إذا أخذتما مضاجعكما وآويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، وحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم» . فما تركتها بعد. قيل: ولا ليلة صفين! قال: ولا ليلة صفين «١» . «حكم رسول الله ﷺ » في الصداق وأقل ما يكون وذكر صداق بناته وزوجاته ﵇ في كتاب النسائي ومصنف عبد الرزاق وأبي داود: أن علي بن أبي طالب أصدق فاطمة بنت رسول الله ﷺ درعه الحطمية «٢» ، قال عكرمة في الواضحة: فبيعت بخمسمائة درهم. وفي غير الواضحة: فجعل رسول الله ﷺ بعضها في طيب. وفي مصنف عبد الرزاق أيضا: أن علي بن أبي طالب أصدق فاطمة بنت رسول الله ﷺ اثنتي عشرة أوقية «٣» ، وذكر النسائي عن علي بن أبي طالب أنه قال: جهز رسول الله ﷺ فاطمة في خميل وتربة ووسادة أدم حشوها إذخر «٤» . وذكر ابن أبي زيد أن ذلك النكاح كان في السنة الأولى من الهجرة، ويقال في السنة الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرا، ولم يختلف أن بناء

стр. 62

النبيّ ﷺ بعائشة كان في السنة الأولى على رأس ثمانية أشهر من الهجرة في شوال. وفي الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله ﷺ : إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ : «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ «إن أعطيتها اياه جلست بلا إزار لك فالتمس شيئا» . فقال: ما أجد شيئا فقال: «التمس ولو خاتما من حديد» ، فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ : «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم سورة كذا وكذا لسور سماها، فقال رسول الله ﷺ : «قد أنكحتها بما معك من القرآن» «١» . يقال هذه المرأة كانت خولة بنت حكيم ويقال أم شريك. وفيه من الفقه: أن السلطان وليّ من لا وليّ له. وفيه إباحة النكاح بالعروض، وكذلك في نكاح علي فاطمة ﵂. وفيه إجازة الأجرة على تعليم القرآن، وهذا الحديث منسوخ عند ابن حبيب. وقال غيره: هذا من خواص النبيّ ﷺ ، ولم يأخذ به أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الفقهاء غير الشافعي، ولعل المرأة قد كانت تحفظ تلك السورة بعينها وهي إنما كانت رضيت بالنبيّ ﷺ وله وهبت نفسها، ولم يتزوج أحد من الصحابة بأقل من خمسة دراهم، وهو عبد الرحمن بن عوف تزوج بزنة نواة من ذهب، وهي خمسة دراهم «٢» . وذكر ابن المنذر في الأشراف أن النبيّ ﷺ تزوج أم سلمة على متاع يساوي عشرة دراهم. وفي وثائق ابن العطار: أربعمائة درهم. وفي النوادر وغيرها أن النبيّ ﵊ تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وأمهرها أربعة آلاف درهم. وفيه أيضا أنه أمهرها أربعمائة دينار ذهبا. «حكم رسول الله ﷺ » في منع علي بن أبي طالب أن يتزوج على فاطمة ﵂ في البخاري ومصنف أبي داود والواضحة: أن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل بن هشام فاستأذن بنو هشام ابن المغيرة في ذلك رسول الله ﷺ فلم يأذن لهم، وخرج النبيّ ﷺ مغضبا حتى رقى المنبر، واجتمع الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن بني هشام ابن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم، ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريا بني ما أرابها،

стр. 63

ويؤذيني ما آذاها، ولن تجتمع بنت نبي الله مع بنت عدو الله. إني أخاف أن تفتن فاطمة في دينها، وإني لست أحرّم حلالا، ولا أحلّ حراما، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وابنة عدو الله في مكان واحد أبدا» «١» . قال ابن حبيب: فإن احتج محتج في إجازة اتخاذ الشروط بهذا الحديث فلا حجة له فيه لأن هذا من خواص النبيّ ﷺ . «حكم رسول الله ﷺ » في المجوسي يسلم والمرأة تسلم قبل زوجها ثم يسلم في المدونة وغيرها: أن النبيّ ﷺ قال لغيلان بن سلمة الثقفي- حين أسلم وتحته عشر نسوة-: «اختر أربعا، وفارق سائرهن» «٢» . وقال فيروز الديلمي لرسول الله ﷺ : إني أسلمت وتحتي أختان، فقال له رسول الله ﷺ : «طلق أيتهما شئت» «٣» . وفي مصنف أبي داود: أن امرأة أسلمت على عهد رسول الله ﷺ وتزوجت فجاء زوجها إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وعلمت بإسلامي. فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الاخر وردها إلى زوجها الأول «٤» . معنى ذلك أنه ثبت ذلك عند رسول الله ﷺ . «حكم رسول الله ﷺ » في المعترض ونكاح المتعة في الموطأ والبخاري والنسائي: أن رفاعة بن سموأل طلّق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثا في عهد رسول الله ﷺ ، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسّها ففارقها، فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنهاه عن تزويجها وقال: «لا تحل لك حتى تذوق العسيلة» «٥» . وفي غير الموطأ: «حتى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته» .

стр. 64

وفيه من الفقه: أن الزوجة إذا أتاها وهي نائمة لا تشعر، أو سعى إليها لا تحس باللذة لم تحل للزوج الأول. وفي الحديث الثابت من طرق عن الربيع بن ميسرة الجهني عن أبيه قال: قدمنا مع النبيّ ﷺ مكة عام الفتح فأذن لنا أن نستمتع من النساء، فانطلقت أنا وصاحب لي من بني عامر إلى امرأة كأنها بكرة عيطاء «١» ، فعرضنا عليها أنفسنا ببردينا، قال: وعلى صاحبي برد خير من بردي، وأنا أشب منه فجعلت تنظر إليّ وإلى صاحبي. فقال لها صاحبي: بردي خير من برده، فقالت: قد رضيناه على ما كان من برده. فمكثت معها ثلاثا ثم إن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة بعد ثلاث وقال: «إن الله حرمها» «٢» . قال في مسند ابن أبي شيبة: «إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليدعها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» «٣» . وفي حديث شعبة الذي أغرب به على سفيان قال: فكان الأجل بيني وبينها: عشرة أيام. قال: فبت عندها، ثم أصبحت غاديا فإذا رسول الله ﷺ قائم بين الركن والباب، فكان من كلامه أن قال: «إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من هذه النسوة وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده شيء فليخل سبيلهن، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» «٤» . واختلف الرواة في تحريم المتعة فقيل: كان عام خيبر، وقيل: عام القضية سنة سبع من الهجرة. قال أبو عبيد: وقال عام الفتح، وقال أبو عبيد في حديثه قال رسول الله ﷺ : «فما أحسب رجلا منكم يخلو بالمرأة ثلاثا إلا ولّاها الدبر» . «حكم رسول الله ﷺ » في نكاحه ميمونة في البخاري ومسلم عن جابر بن زيد قال: أخبرنا ابن عباس قال: تزوج النبيّ ﷺ وهو محرم «٥» . وذكر أيضا مسلم عن يزيد بن الأصم: لما تزوجها النبيّ ﷺ بمكة عام عمرة القضية أبت حلال قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس «٦» ، وكذلك في الواضحة وغيرها: أنه كان

стр. 65

حلالا وبنى بها بسرف. قال مالك ﵀ في كتاب ابن المواز: لما تزوجها النبيّ ﷺ بمكة عام عمرة القضية أبت قريش أراد أن يبتني بها بمكة فخرج فبنى بها بسرف «١» . «حكم رسول الله ﷺ » في القسم بين الزوجات في الحديث الثابت: أن رسول الله ﷺ لما تزوج أم سلمة وأقام معها ثلاثا، أراد الخروج، فأخذت بثوبه فقال: «ليس بك على أهلك هوان فإن شئت سبّعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك» . ثم درت فقالت بل ثلّث «٢» . قال: وكان رسول الله ﷺ يتحرى العدل بين نسائه تكرما منه من غير أن يكون ذلك واجبا عليه، لأن الله قال في كتابه: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: الاية ٥١] . وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك أن هذه الاية نسخت الاية التي بعدها وهي قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [الأحزاب: الاية ٥٢] . وهذا قليل أن ينسخ الأول الثاني، وإنما الكثير أن ينسخ الثاني الأول، ويشبه هذا النسخ نسخ الحول بالأربعة أشهر وعشر في سورة البقرة وهو قبله في التلاوة في سورة واحدة. وفي الموطأ والمدونة عن ابن شهاب أن رافع بن خديج تزوج جارية شابة وعنده بنت محمد بن مسلمة وكانت قد تخلت فاثر الشابة فاستأذنت عليه رسول الله ﷺ فقال: «يا رافع اعدل بينهما وإلا ففارقها» . فقال لها رافع في آخر ذلك: إن أحببت أن تقري على ما أنت عليه من الأثرة قررت وإن أحببت فارقتك قال: فنزل القرآن: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النّساء: الاية ١٢٨] . قال فرضيت بذلك الصلح، وقرت معه «٣» . وهذا لفظ المدونة، ولم يقع في الموطأ أن في ذلك نزل القرآن وذكره النحاس. «حكم رسول الله ﷺ » في الرضاع بشهادة امرأة واحدة في البخاري عن أم حبيبة قالت: قلت: يا رسول الله هل لك في بنت أبي سفيان؟ قال: «فأفعل ماذا؟» قلت: تنكح. قال: «أتحبين؟» قلت: «لست لك بمخلية وأحبّ من شركتني فيك

стр. 66

أختي» . قال: «إنها لا تحل لي» ، قلت: بلغني أنك تخطب درة، قال: «أبنت أم سلمة؟» قلت: نعم، فقال: «لو لم تكن ربيبتي ما حلّت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة: أرضعتني وأباها أبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن» «١» . قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، وأرضعت النبيّ ﷺ . فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر خيبة. قال: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدهم غير أني سقيت في هذه. يعني في ثويبه. حدثني عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث قال: وقد سمعته من عقبة، لكني بحديث عبيد أحفظ. قال: تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: إني قد أرضعتكما، فأتيت النبيّ ﷺ فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: إني قد أرضعتكما وهي كاذبة، فأعرض عني، فأتيت من قبل وجهه فقلت: إنها كاذبة. قال: «كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما دعها عنك» «٢» . ووقع في المدونة أن عمر بن الخطاب لم يجز شهادة امرأة واحدة في الرضاع. وأن رسول الله ﷺ أخبر عن رضاع امرأة فتبسم وقال: «وكيف وقد قيل» . ووقع أيضا في البخاري: «كيف وقد قيل» ففارقها ونكحت زوجا غيره «٣» .

стр. 67

كتاب الطلاق «حكم رسول الله ﷺ » في طلاق الحائض في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس. فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» . انتهى حديث الموطأ «١» . في الكتب المذكورة عن ابن عمر أنه قال: حسبت طلقة. هكذا روى أصحاب نافع عنه عن ابن عمر «٢» . وروى الزهري عن محمد بن عبد الرحمن عن سالم عن أبيه ويونس بن جبير عن ابن عمر. وروى زيد بن أسلم وابن سيرين عن ابن عمر وابن الزبير عن عمر وسعيد بن جبير عن ابن عمر وأبو وائل عن ابن عمر قالوا في روايتهم: «مره فليراجعها ويمسكها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق» «٣» . ولم يقولوا ثم تحيض ثم تطهر والزيادة مقبولة من الثقة، وقع هذا الحرف من الحديث في كتاب مسلم ورواية من زاد أصح. وفيه من الفقه أن الرجعة لا تصح بالوطء فإذا وطئها لم يجز أن يطلق في طهر قد مسّ فيه، وأيضا فلو أمر بطلاقها إذا طهرت من تلك الحيضة التي طلقها فيها كان كأنه قد أمر بارتجاعها ليطلقها فأشبهه النكاح إلى أجل. وروى قاسم بن أصبغ، عن إبراهيم بن عبد الرحيم، عن يعلى ابن عبد الرحمن الواسطي، عن عبد الحميد، عن محمد بن قيس، عن ابن عمر: أنه طلّق امرأته وهي حائض فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها فإذا طهرت مسّها حتى إذا طهرت مرة أخرى إن شاء طلق، وإن شاء أمسك «٤» . فزاد في هذا الحديث أن يمسها ولم يذكره أحد من أصحاب المصنفات إلا قاسم. ووقع في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي الزبير عن ابن عمر أنه قال: ردّها رسول الله ﷺ ولم يرها شيئا «٥» . وتعلق بهذا بعض أصحاب الظاهر ورأوا أن الطلاق

стр. 68

في الحيض لا يلزم إلا من طلّق ثلاثا أو آخر تطليقة فإنه يلزم بإجماع من العلماء كلهم. والصحيح ما ذكره البخاري ومسلم في الحديث أن النبيّ ﷺ ألزم ابن عمر الطلقة الواحدة التي طلق فى الحيض، لأن الرجعة لا تكون إلا من طلاق. وقد قال ﷺ : «مره فليراجعها» . وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من طلّق في بدعة ألزمناه بدعته» «١» ، فبطل بذلك قول من يقول: لا يلزم الطلاق في الحيض. وقال الشافعي في قول النبيّ ﷺ : «فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» دليل على أن العدة هي القرء والطهر، وكذلك يقول مالك: إن الأقراء الأطهار. ووقع في حديث ابن عمر في غير المصنفات المذكورة في أول الباب مثل رواية شعيب بن زريق: أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض ثم أراد أن يتبعها تطليقتين عند القرأين فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء» . فأمرني رسول الله ﷺ فراجعتها وقال: «إذا هي طهرت فطلّق عند ذلك أو أمسك» . فقلت: يا رسول الله لو كنت طلقتها ثلاثا كان لي أن أراجعها؟ فقال: «لا، كانت تبين، ويكون معصية» «٢» . وتكلم أهل العلم في شعيب بن زريق فضعفه بعضهم. ووقع أيضا في كتاب النسائي عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة في حديث ابن عمر: فليراجعها ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل «٣» . قال النسائي: لا نعلم أحدا تابع محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة على قوله: أو حامل، ومحمد بن عبد الرحمن لا بأس به. وفي مصنف أبي داود أن ركانة طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبيّ ﷺ بذلك فقال للنبيّ ﷺ : «والله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله ﷺ : «والله ما أردت إلا واحدة؟» فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها رسول الله ﷺ «٤» . وعن عبد الله بن الوليد عن إبراهيم عن داود عن عبادة بن الصامت قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت له ذلك فقال النبيّ ﷺ : «ما اتقى الله جدك أما ثلاث فله وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» «٥» .

стр. 69

«حكم رسول الله ﷺ » في الخلع في الموطأ والبخاري والنسائي: أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شمّاس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ : «من هذه؟» قالت: أنا حبيبة بنت سهل. قال: «ما شأنك؟» قالت: لا أنا ولا ثابت ابن قيس لزوجها، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله ﷺ : «هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر» ، فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله ﷺ لثابت: «خذ منها» ، فأخذ منها، وجلست في أهلها «١» . هذا اللفظ في الموطأ والنسائي، والذي وقع في البخاري ومسلم: أن امرأة ثابت بن قيس ابن شماس قالت: ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام. قال رسول الله ﷺ : «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» «٢» . والذي وقع في الحديث الأول: وجلست في أهلها يقال: إنه من لفظ المحدّث، ويحتمل أنه كان سكناها معه قبل الخلع في أهلها، ويحتمل أن تكون جلست في أهلها، ولم تعتد في البيت الذي كان يسكن زوجها لخيفة شر يقع بينها وبين أهلها، أو لغير ذلك من العذر. ووقع في كتاب ابن المنذر: أن النبيّ ﷺ أمرها أن تعتد بحيضة واحدة. وقال به عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وبه أخذ ابن المنذر، والذي عليه الأكثر: أن عدتها كعدة المطلقة ثلاثة قروء، وفي مصنف ابن السكن: أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي حبيبة بنت عبد الله بن أبي، فأتى بها أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ ، فبعث إلى ثابت فقال: «خذ الذي لها عليك وخل سبيلها» . قال: نعم. فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها «٣» . «حكم رسول الله ﷺ » في الأمة تعتق تحت زوج في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كانت في بريرة ثلاث سنن، فكانت إحدى السنن أنها عتقت فخيّرت في زوجها، وقال رسول الله ﷺ : «الولاء

стр. 70

لمن أعتق» ، ودخل رسول الله ﷺ والبرمة تفور بلحم فقرّب إليه خبز وأدم من أدم البيت فقال رسول الله ﷺ : «ألم أر برمة فيها لحم؟» فقالوا: بلى يا رسول الله ولكنه لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة، فقال رسول الله ﷺ : «هو عليها صدقة وهو لنا هدية» «١» . وفي الواضحة وغيرها كان في بريرة: أربع سنن. فذكر هذه الثلاث، والرابعة أمرها أن تعتد بثلاث حيض. وقال أحمد بن خالد: الرابعة أن بيعها لم يكن طلاقا. ووقع في الكتب الثلاثة البخاري ومسلم والنسائي: أن زوج بريرة كان عبدا أسود يقال له «٢» : مغيث. وفي رواية أخرى في الكتب بعينها: أن زوجها كان حرا. وقال عروة: لو كان حرا ما خيّرت فيه، والأول أكثر في الرواية، والأصح أنه كان عبدا. «حكم رسول الله ﷺ » في المرأة تقيم شاهدا عدلا على طلاق زوجها والزوج منكر روى أحمد بن خالد عن ابن أبي وضّاح عن ابن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبيّ ﷺ قال: «إذا ادعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل استحلف زوجها، فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه» «٣» . قال ابن أبي مريم: كنت أقول بقول ابن القاسم حتى وجدت الأثر عن رسول الله ﷺ فأخذت به، وهو قول أشعب وروايته عن مالك. «حكم رسول الله ﷺ » في التخيير في المدونة وغيرها عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألاتستعجلي حتى تستأذني أبويك» ، قالت: وقد علم أن أبواي لم يكونا ليأمراني بفراقه، ثم قرأ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) [الأحزاب: الاية ٢٨، ٢٩] . فقلت

стр. 71

له: في هذا أستأمر أبواي؟ فإني أريد الله، ورسوله، والدار الآخرة. قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبيّ- ﵊ مثل ما فعلت فلم يكن ذلك طلاقا «١» . وقال ربيعة وابن شهاب: وكانت فاطمة بدنة. قال عمرو بن شعيب: وهي ابنة الضحاك العامري رجعت إلى أهلها، وقيل: إنه لم يكن دخل بها. قال ابن حبيب: قد كان دخل بها- واسمها فاطمة- فكانت تلقط بعد ذلك البعر وتقول: أنا الشقية. هذا قول أكثر العلماء إذا خيرات المرأة فاختارت زوجها أنه لا يكون طلاقا حتى تختار الطلاق، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وغيرهم. واختلف في ذلك عن علي بن أبي طالب فروى عنه مثل ذلك، وروى عنه: إذا اختارت زوجها فهي واحدة، وإن اختارت نفسها فهي البتة، وذكر عنه عبد الرزاق: إذا اختارت نفسها فهي واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فهي واحدة وتملك الرجعة «٢» . وذكر ابن سلام في تفسيره عن قتادة، ومصنف عبد الرزاق عن الحسن: أن الله إنما خيرهن بين الدنيا والآخرة ولم يخيرهن في الطلاق «٣» . «حكم رسول الله ﷺ » في يمينه فيمن حرم ملك اليمين في معاني الزجاج والنحاس: أن النبيّ ﷺ كان يمكث عند زينب ابنة جحش، ويشرب عندها عسلا فقالت عائشة: فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير. قال الزجاج: وهو صمغ متغير الرائحة، وقيل: إنه بقلة. وفي غير الكتابين وكان رسول الله ﷺ يكره أن يوجد منه ريح، فجاء رسول الله ﷺ إلى دارها فقالت: يا رسول الله ﷺ إني أشم منك ريح المغافير، ثم جاء إلى الآخرى فقالت له مثل ذلك. فقال النبيّ ﷺ : «قد كان ذلك ولا أعود» «٤» . قال النحاس والزجاج: إنه حرّمه. وقيل: إنه حلف على ذلك، وجاء في التفسير وهو الأكثر. وذكر النحاس أيضا أن النبيّ ﷺ خلا بجاريته مارية أم إبراهيم في يوم عائشة. قال النحاس: في بيت حفصة، فوقفت على الباب وهو مغلق فجلست حتى فتح الباب رسول الله ﷺ

стр. 72

قال النحاس: فقالت حفصة: حقّرتني يا رسول الله، وقال غيره قالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون عليك مني! فقال رسول الله ﷺ : «لا تخبري عائشة بذلك» ، فقالت له: لست أفعل، وحرم مارية على نفسه «١» . وقيل: إنه حلف على ذلك أيضا فأعلمت حفصة عائشة الخبر واستكتمتها إياه فأطلع الله نبيه على ذلك قال الله : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [التّحريم: الاية ٣] . وقرئت «عرف ببعضه، وأعرض عن بعض» . فأعلم الله أن التحريم على هذا التفسير لا يحرّم فقال لنبيه ﷺ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [التّحريم: الاية ١] . فلم يجعل الله لنبيه أن يحرم ما أحل الله له، فعلى التفسيرين ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله له، فقال الله : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [التّحريم: الاية ٢] «٢» ، يعني الكفارة لأنه قد روي أنه مع ذلك التحريم حلف. وقال قوم: إن الكفارة كفارة التحريم، قال المفضل: وقاله قتادة. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرام يمين «٣» . وقاله الحسن وإبراهيم وقال مسروق: حلف رسول الله ﷺ ألا يقربها وهي عليّ حرام فنزلت الكفارة ليمينه ألا يقربها، وأمر أن لا يحرم ما أحل الله. وقال الشافعي أيضا وكذلك روى مالك عن زيد بن أسلم في تفسيرها، وفي تفسير ابن سلام: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم يعني ما في سورة المائدة قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ «٤» . وقال الحسن: التحريم في الإماء يمين وفي الحرائر طلاق. قال الفراء: عتق رسول الله ﷺ رقبة في مارية، وهذا في الأمة فأما في الحرة فإذا قال لها: أنت حرام، فهي عند مالك وأصحابه ثلاث إذا دخل بها ولا ينوي. وقال أهل الكوفة: إن نوى الطلاق فهي تطليقة بائنة. وقال الشافعي: هي طالق تطليقة يملك الرجعة، وإن أراد اليمين فهي يمين. وقال الفراء في قراءة من قرأ عرف بعضه: يقولون غضب منه وجازى عليه كما يقول للرجل هي إليك والله لأعرفن لك ذلك وقد لعمري جازى حفصة بطلاقها. وقال الحسن: عرف بعضه أقر ببعضه يعني

стр. 73

ما كان منه إلى مارية وأعرض عن بعض ما كان إلى حفصة أن تكتم عليه: أن الخليفة من بعده أبو بكر ثم بعده عمر. «حكم رسول الله ﷺ » فيمن طلق دون الثلاث ثم راجعها بعد زوج أنها على بقية الطلاق في مصنف عبد الرزاق، ومالك، وسفيان بن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب وحميد بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار كلهم يقولون: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت عمر يقول: أيما امرأة طلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين، ثم تركها حتى تنكح زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها، ثم ينكحها زوجها الأول فإنها عنده على ما بقي من طلاقها «١» . وعن علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب: مثل قول عمر. وعن عمران بن الحصين، وأبي هريرة مثله. وابن المبارك عن عثمان بن مقسم: أنه أخبره أنه سمع أبيّ بن كعب يحدث عن رجل من قومه عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قضى فيها: أنها على ما بقي من الطلاق. وبهذا أخذ مالك. وذكر أيضا عبد الرزاق عن ابن التيمي عن أبيه عن أبي مخلد عن ابن عباس وشريح قالا: نكاح جديد، وطلاق جديد. وعن ابن عمر وابن عباس مثله، وعن ابن مسعود وعطاء مثله، «وقال» الثوري ومعمر: قول الفريقين كليهما إن لم يصبها الاخر فهي على ما بقي من الطلاق. قال معمر: قاله النخعي ولم أسمع فيه اختلافا وهو فقه حسن. «حكم رسول الله ﷺ » في الحضانة وأن الأم أحق بالولد وأن الخالة بمنزلة الأم في مصنف عبد الرزاق عن عبد الله بن عمرو بن العاصي: أن امرأة طلقها زوجها، وأراد أن ينتزع ولدها منها، فجاءت النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وفخذي له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال رسول الله ﷺ : «أنت أحق به ما لم تتزوجي» «٢» . وفي المدونة مثله، وفي مصنف عبد الرزاق عن أبي هريرة: كانت أم وأب يختصمان في ابن لهما فقالت للنبيّ ﷺ : إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد

стр. 74

أسقاني من بئر أبي عتبة. فقال النبيّ ﷺ : «يا غلام هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت» ، فأخذ بيد أمه فانطلقت به «١» . وفي البخاري ومسلم: أن النبيّ ﷺ لما اعتمر عمرة القضاء، وانقضى الأجل الذي كان قاضى عليه أهل مكة، أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا، فخرج النبيّ ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم، فتناولها علي وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا آخذها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها النبيّ ﷺ لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» ، وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك» ، وقال للاخر: «أشبهت خلقي وخلقي» ، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» «٢» . «حكم رسول الله ﷺ » في الظهار وبيان ما أنزل الله فيه من معاني الزجاج وغيرها: أن خولة بنت ثعلبة الأنصارية جاءت إلى النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني ونثرت بطني- أي كثر ولدي- جعلني عليه كأمّه. فقال رسول الله ﷺ : «ما عندي في أمرك شيء» ، فشكت إلى الله وقالت: اللهم إني أشكو إليك. وروي أنها قالت للنبيّ ﷺ فيما قالت: إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليّ جاعوا، فأنزل الله كفارة الظهار «٣» . وذكر المفضل أن رسول الله ﷺ قال له: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟» قال: لا والله، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا والله، قال: «فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا والله ما عندي، فأعانه النبيّ ﷺ بخمسة عشر صاعا، وأعانه آخر بخمسة عشر صاعا، فأعطاها ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع «٤» . وفي حديث آخر أن النبيّ ﷺ قال لعلي: «ائتني بمكتل فيه ستون مدا من تمر» ، فأتاه فقال: «أطعمه ستين مسكينا عن نفسك وأهلك» . قال أوس: بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما يمسي ولا يصبح أحد أحق بهذا المكتل مني ومن أهلي، فضحك رسول الله ﷺ وقال: «كله أنت وأهلك» «٥» .

стр. 75

وفي المدونة وغيرها: كان الطعام الذي أعطاه النبيّ ﷺ شعيرا «١» . قال مالك: إطعام الظهار مد بمد هشام وهو مدان إلا ثلث بمد النبيّ ﷺ . وقال الشافعي: مد لكل مسكين حنطة أو غيرها. وقال أبو حنيفة: نصف صاع من حنطة أو دقيق أو صاع من تمر أو شعير، وحجة الشافعي: الحديث الاخر، وحجة أبي حنيفة: الحديث الأول، وكذلك اختلفوا في عتق رقبة غير مؤمنة، فقال مالك والشافعي: لا يجزئ إلا مؤمنة، وقال أبو حنيفة: يجزئ اليهودي والنصراني. «حكم رسول الله ﷺ » في اللعان وإلحاق الولد بأمه في الموطأ والبخاري والنسائي عن الزهري: أن سهل بن سعد الساعدي أخبرهم: أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ ، فسأل عن ذلك رسول الله ﷺ ، فكره ﵇ مسألة السائل حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله ﷺ في المسألة التي سألته عنها؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير قد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها. فأقبل عويمر حتى أتى النبيّ ﷺ وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك» . وفي البخاري: «قد قضى الله فيك وفي امرأتك فاذهب فأت بها» . قال سهل: فتلاعنا، زاد في البخاري: في المسجد وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره النبيّ ﷺ . قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك بعد سنة المتلاعنين «٢» . قال ابن شهاب: وفي البخاري وكان ابنها يدعى بها، ثم جرت السنة في ميراثه أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها «٣» . وقال سهل عن النبيّ ﷺ «إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وحرة «٤» فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها، وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا أراها إلا قد صدق عليها» . فجاءت به على المكروه «٥» . وفي كتاب الخطابي: «وإن جاءت به أسحم أحتم فهو للمكروه» .
следующие страницы →