← Сияса и кади

Сияса и кади · id 977

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت الأفغاني

الصدر الشهيد

Полный текст (650 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح أدب القاضي تأليف الإمام أبي بكر أحمد بن عمر الخصاف شرحه الإمام عمر بن عبد العزيز المعروف بـ «الحسام الشهيد» حقق أصوله الشيخ أبو الوفاء الأفغاني والشيخ أبو بكر محمد الهاشمي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) وبه التوفيق والمستعان رب يسّر يا كريم (١) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الشيخ الإِمام الأجل الأستاذ حسام الدين شمس الإِسلام والمسلمين برهان الأئمّة في العالمين أبو المعالي عمر ابن الشيخ الأجل شمس الأئمة عبد العزيز ﵀: أما بعد، فقد طلب مني بعض أصحابنا أن أذكر بكل مسألة من مسائل كتاب "أدب القاضي" الذي جمعه القاضي الأجل الإِمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن نهير الخصاف ﵀ نكتة وجيزة قدر ما يحتاج الناظر إليها للتفهم فأجبتهم إلى ذلك مستعينًا بالله تعالى، وعددت أبوابه فكانت مائة وعشرين بابًا لاندراج بعض الأبواب في بعض، وفصلته في ابتدائه كيلا يتعذر على من يروم منه مسألة وبالله التوفيق (٢) يحتاج لمعرفة كتاب "أدب القاضي" إلى معرفة تفسير القضاء لغة وشريعة ومعرفة أهله، و [إلى معرفة] (٣) من يجوز تقلد القضاء منه [ومن لا يجوز] (٤) وصفة الدخول فيه. أما تفسيره لغة فقد يعبّر به عن أشياء: منها الإلزام (٥) ولذلك سمي الحاكم قاضيًا لأنه يلزم المحكوم عليه، ومنها التقدير (٦) يقال "قضى عليه بالنفقة" أي قدرها، ومنها الأمر قال

стр. 3

الله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) أي أمر وهو في عرف لسان الشرع عبارة عن فصل الخصومات وقطع المنازعات. وأما معرفة أهله فلا ينبغي لأحد أن يتقلّد القضاء ولا لغيره أن يقلده ما لم يكن عالمًا بالكتاب والسنّة واجتهاد الرأي، بين ذلك بالسنّة والمعقول. أما السنّة فحديث مُعاذ ﵁ حين وجَّهه رسول الله ﷺ (٢) إلى اليمن قاضيًا قال له: بم تحكم يا معاذ؟ قال بكتاب الله! قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول الله! قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد فيه رأيي! فقال ﵊: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِه لما يرضى به رسوله (٣). وأما المعقول فلأنه مأمور بالقضاء بالحق والحكم بالمنَزَّل. قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٤). وقال عز من قائل ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٥) ولا يتهيّأ له ذلك ما لم يكن عالمًا بما ذكرنا. أما اجتهاد الرأي فلأن الحوادث ممدودة والنصوص معدودة فلا تجد (٦) في كل حادثة نصًا يفصل به الحكم (٧) فيحتاج إلى استخراج المعنى من المنصوص عليه ليثبت مثل حكمه في غير المنصوص عليه. أما الكتاب والسنة فلأن اجتهاد الرأي إنما يكون حجة متى لم يخالف أحدهما، ولن يعلم أنه لم يخالف أحدهما ما لم يكن عالمًا بهما، فصار العلم بالجملة شرطًا ليمكنه القيام بالمأمور به (٨) وقد شرط الخصاف (٩) ﵀ شرطًا آخر وهو العدالة (١٠) وهو قول

стр. 4

الشافعي ﵀، لكنه من الشافعي شرط لازم كاشتراطه العدالة في الشاهد حتى قال: لا يجوز تقليد غير العدل ولو قلّد لا يصير قاضيًا ولو قضى لا ينفذ قضاؤه؛ وهو من الخصاف محمول على الأولى، كما في الشهادة الأولى أن يكون عدلًا على أصول أصحابنا، فإن قضى القاضي بشهادة الفاسق نفذ القضاء وكذا القاضي نفسه (١). وأما بيان من يجوز تقلّد القضاء منه فلا بأس بذلك من جهة الإِمام عادلًا كان أو جائرًا، أما العادل فلأن رسول الله ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن قاضيًا، وولى عتاب بن أسيد ﵁ على مكة أميرًا وأما الجائر فلأن كبار الصحابة تقلدوا الأعمال من معاوية ﵁ بعد إظهاره الخلاف على علي ﵁ وكان الحق مع علي ﵁ في نوبته. لكن إنما يجوز ذلك إذا كان يمكنه من القضاء بحق، أما إذا كان لا يمكنه فلا، لما روي عن الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ أنه تقلّد القضاء من معاوية ﵁ فأتاه كتاب معاوية وكان فيه "إن أمير المؤمنين يأمرك أن تصطفي له الصفراء والبيضاء" فقال الحكم سبق كتابُ الله كتابَ معاوية، وتلا قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ثم صعد المنبر وقال: أيها الناس أتاني كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء وأن كتاب الله سبق كتاب معاوية ألا وإني قاسم ما أفاء الله عليكم بينكم فليقم كل واحد منكم فليأخذ حقه؛ ثم قال: اللهم. اقبضني إليك! فما عاش إلا قليلًا. أما الكلام في صفة الدخول في القضاء قال بعضهم: لا بأس به عن اختيار لأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم والخلفاء الراشدين ﵃ فعلوا ذلك ولأنّه نيابة عن الأئمة الراشدين في إيفاء الحق وإقامة الحدود وكف الظالم، فجاز الدخول فيه مطلقًا. وقال بعضهم: لا يجوز الدخول فيه إلَّا عن كره، ولهذا دعي أبو حنيفة ﵁ إلى القضاء فلم يجب حتى ضُرب ثلاث مرات في كل مرة (٢) ثلاثين سوطًا فقال في الثالثة:

стр. 5

حتى أستشير أصحابي (١)! فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلّدت لنفعت الناس! فنظر إليه شبه المغضب (٢) وقال: أرأيت لو أُمرت أن أعبر البحرَ سباحةً أكنت أقدر عليه! وكأني بك قاضيًا. وكذا محمَّد ﵀ عرض عليه القضاء (٣) فأبى حتى حبس وقيد فاضطر فتقلد حينئذٍ. قال ﵀: والحاصل (٤) أن الدخول في القضاء عن اختيار رخصة، والامتناعَ عزيمة، أما الدخول رخصة لما تقدم (٥) والامتناع عزيمة لوجهين: أحدهما أنه مأمور بالقضاء بالحق وقد يظن أنه يقضي بحق ولا يتهيأ له ذلك (٦) والثاني أنه لا يقدر على القضاء إلَّا بمن يعينه وقد يجد من يعينه وقد لا يجد فكان الامتناع هو العزيمة والدخول رخصة هو المختار في هذا الباب والله أعلم بالصواب (٧). باب الدخول (٨) في القضاء افتتح صاحب الكتاب بحديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ (٩) "يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يودّ أنه لم يكن قضى بين اثنين" ورد الحديث (١٠) للتحذير عن طلب القضاء والدخول فيه، فإنّ الحديث ورد في حق العدل، فما ظنك بغير العدل (١١)! وشدة الحساب تشمل كل القضاة إلَّا أن الله ينجي العادل بعدله ويبقى الجائر في وبال ما صنع (١٢).

стр. 6

ثم ذكر بعد هذا (عن صعصعة بن صوحان قال: خطبنا علي ﵁ بذي قارٍ على ظربٍ وعليه عمامة سوداء) وذي قار اسم موضع بقرب مكة، "وظِرب" مكسورة الراء تل، وكان من عادة العرب اختيار التلال والجبال للخطبة ليكون أبلغ (١) في الإسماع ولذا تحدث في زماننا المنابر (٢)، وتعمم بعمامة سوداء اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه يوم فتح مكة تعمّم بعمامة سوداء (٣) وعصب عليها عصابة حمراء عاد الحديث (فقال: سمعت (٤) رسول الله ﷺ يقول "ليس من وال ولا قاض إلَّا يؤتى (٥) به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله على الصراط ثم تنشر الملائكة سيرته) [أي صحيفة عمله مع رعيته ومع من تحت يديه أعدل أم جائر] (٦) (فتقرأها على رؤوس الخلائق) [يعني بين الأشهاد كما قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٧)] (٦) (فإن كان عدلًا نجاه الله بعدله، وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضوين من أعضائه مسيرة مئة سنة، ثم ينخرق به الصراط) [أي ينشق، وفي رواية: ينحرف الصراط، أي يميل، والأول أصح] (٦) (فما يتلقى قعر جهنم إلَّا بوجهه وحد جبينه) تكلموا في قوله "يصير بين كل عضوين من أعضائه" من وجهين: قال بعضهم: يعظم أعضاؤه ويغلظ أجزاؤه، فلذلك تبعد مسافة ما بين الأعضاء كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال "غلظ جلد الكافر في النار أربعون ذراعًا" وقال ﵊ "عظم ضرس الكافر في النار مثل أحُد" والمقصود أن يذوق من العذاب بحسبه، وقال بعضهم بل تتفرق أعضاؤه ويتقطع أجزاؤه. وتكلموا في قوله إلَّا بوجهه قال بعضهم (٨): أول ما يعذب منه الوجه لأنه اختار القضاء بالجور للوجاهة في الدنيا فكان المختار للبداية في العذاب الوجه، وقال بعضهم: بل يلقى منكوسًا في جهنم ليكون في الدرك الأسفل من النار منها محل المنافقين لأنّ صنيعه شابهَ صنيعهم فإنه كان مظهرًا أنه يقضي بالعدل وهو جائر في الباطن؛ ورد هذا الحديث أيضًا للتحذير (٩) عن طلب القضاء. ثم ذكر (عن سفيان بن عيينة عن مجالد بن سعيد عن مسروق قال: "ما من حكم

стр. 7

يحكم بين اثنين) (١) وفي رواية ما من حاكم (إلا جيء به يوم القيامة وملك آخذ بهذه منه) وأشار سفيان بيده إلى قفاه (ينظر إلى الله فإن أمره أن يلقيه ألقاه في مهواة سبعين خريفًا") أفاد الحديث دخول الحكم في وعيد القضاة (٢)، وتكلّموا في معنى قوله "ينظر إلى الله " والنظر مضاف إلى الملك، قال: بعضهم: أي ينتظر أمر الله أنه بماذا يأمره ليمتثل، وقال بعضهم: بل المراد النظر الذي هو رؤية العين (٣)، وقد تكلّم الناس في الرؤية أنها تكون لبني آدم [دون الملائكة] (٤) أم لهم وللملائكة، وترك الخوض فيه أحوط والإعراض عنه أسلم؛ وقوله "سبعين خريفًا" لم يرد به حقيقة السبعين بل هو عبارة عن طول المدة في الجملة، فإنّ عادة العرب أنهم إذا أرادوا المبالغة في التكثير والتطويل أتوا بلفظ السبعين والأربعين، ذلك معروف بينهم، فكان هو المراد فيما روينا - والله أعلم. ثم ذكر بعد هذا (عن مسروق أنه قال: لأن أقضي يومًا واحدًا بحق وعدل أحب إليّ من سنة أغزوها في سبيل الله) وكان مسروق (٥) ابتلي بالقضاء فذكر محاسنه، كما هو العادة المستمرة أن من ابتلي بشيء يذكر محاسنه، وإنما قال ذلك لأن الجهاد أمر بالمعروف، وفي القضاء ذلك وإيصال الحق (٦) إلى مستحقه ونصرة المظلوم وغير ذلك فكان نفعه أعم (٧) من نفع الجهاد، وبقدر النفع تثبت الأفضلية. ثم ذكر حديث (أبي هريرة ﵁ (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين [وفي رواية من قلّد القضاء فكأنما ذبح بغير سكين]) (٩) ورد

стр. 8

الحديث محذرًا عن الدخول في القضاء، لأن الذبح بغير السكين أشد، ولأنّ الذبح بغير السكين لا يؤثر في الظاهر ويؤثّر في الباطن نحو الخنق والقتل بالحزن والغم، وكذا القضاء لا يؤثر في الظاهر هلاكًا فإنّه جاه (١) في الظاهر ويؤثر في الباطن لأنه هلاك في الباطن أعني به القضاء بغير حق. ثم ذكر عن (الحارث النضري (٢) قال: كانت بنو إسرائيل إذا استقضي الرجل منهم أويس (٣) له من النبوة) ورد الحديث أيضًا للتحذير لأن وقوع اليأس عن النبوة التي عظمت درجتها وعلت رتبتها مسقطة، وهذا لأنّ الواحد من بني إسرائيل كان إذا فرغ نفسه للعبادة ستين سنة (٤) نبّئ ويوحى إليه فعظم شأنه، فمتى اشتغل بالقضاء انقطع الطمع فيه (٤). ثم ذكر حديث (أبي قلابة أنه دُعي إلى القضاء فهرب حتى أتى الشام، فوافق ذلك عزل صاحبها، فهرب حتى أتى اليمامة وقال: ما وجدت مثل القاضي إلَّا كمثل سابح في بحرٍ فكم عسى أن يسبح حتى يغرق) [وهذ لأنّ الغالب من حال السابح في البحر الهلاك والنجاة نادر، فكذا الغالب من حال الداخل في القضاء الهلاك، والنجاة نادر] (٥) وكان هذا بلغ أبا حنيفة ﵁ حين قال (٦) لأبي يوسف: أرأيت لو أمرتُ أن أعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه [وفائدة الحديث ما قلنا] (٥). ثم ذكر (عن الحكم بن أيوب أنه كتب في نفر يستعملهم على القضاء، فقال أبو الشعثاء جابر بن زيد بن عمر (٧): إن الحكم بن أيوب قد كتب يذكرني في هؤلاء وما أملك (٨) من الدنيا إلَّا حماري هذا ولو أرسل إليّ لركبته وهربت في الأرض) وفائدته أنه لا ينبغي للمرء أن يدخل في القضاء مختارًا. ثم ذكر (عن شريح أنه قال إنما القضاء جَمْر (٩)، فادفع الجمر (٩) عنك بعودين يعني بشاهدين) وإنما قال ذلك لأن الخصمين متى جثيا بين يدي القاضى توجه الاحتراق عليه لأنه

стр. 9

لا يعرف حقيقة الحال، فإن قضى بشهادة شاهدين دفع الاحتراق عن نفسه وإن خالف احترق في نفسه. ثم ذكر حديث (أبي هريرة ﵁ (١) والله لَيَرْمين الله القضاة يوم القيامة بشررٍ أعظم من هضاب حِسْمَى) "والشرر" هي النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ والمراد به النار، و"حسمى" اسم موضع، "والهضاب" تلال، جمع هضبة وهو اسم جبال صغار في حسمى وقيل "حِسمى" على ميزان "كسرى" وهو اسم جبل عظيم وهذا وإن قيل في تأويله أن المراد منه الجائر، لكنه بظاهره يتناول الكل (٢). ثم ذكر عن (عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه، إلَّا من أمَّ العدل وقضى بالحق ولم يقض لهوىً ولا لقرابة ولا لرهبة ولا لرغبة، وجعل [كتاب الله تعالى مرآة بين عينيه) والمراد من] (٣) الديان الحاكم، ولهذا كان من صفات الله (٤) فكأنه يقول: ويل لحاكم أهل الأرض من الله وهو القادر الديان على التمام. وقوله: "إلَّا من أمَّ العدل" أي قصده وقضى بالحق، قال (٥) "وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه". ثم ذكر (عن عمران بن حصين ﵁ أنه قضى على رجل بقضية، فقال: والله! لقد قضيت علي بجور وما آلوت فيه) يعني ما قصرت قال الله تعالى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني لا يقصرون في إفساد أموركم) فقال وكيف ذلك؟ قال: شهد علي بزور فقال عمران: ما قضيت عليك فهو من مالي، ووالله لا أجلس مجلسي هذا أبدًا) وإنما ضمن ذلك الملك على طريق التبرع لأنه لم يكن واجبًا عليه، وإنما قال "لا أجلس مجلسي هذا أبدًا" لأن القاضي إنما يعتمد على قول الشاهد ويبالغ في التأمل ليخلص عن ورطة الوبال ثم قد يقع مثل (٦) هذا الحادثة فكان الأحوط الامتناع أصلًا (٧) والله أعلم بالصواب.

стр. 10

باب الإكراه على القضاء ذكر (عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل القضاء وُكِّل إلى نفسه، ومن أُجبر عليه نزل عليه ملك فيسدده"). ثم ذكر (عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من طلب القضاء وطلب عليه الشفعاء وكل إليه (١) ومن أكره على القضاء وكل به ملك يسدده) قيل: إنما كان كذلك (٢) لأنه متى طلب وسأل (٣) فقد اعتمد على فقهه وورعه وذكائه، فصار معجبًا بنفسه (٤) فَحُرم عن التوفيق وسلب التسديد، ومتى أجبر عليه فقد اعتمد على الله فألهمه الله الصواب وسدده للرشاد، قال الله ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٥). وقوله "ملك يسدده" أي يهديه للصواب ويرشده للحق، قال رسول الله ﷺ إن الملك لينطق على لسان عمر أي يرشده ويسدده والله أعلم بالصواب. باب الرخصة في القضاء ذكر صاحب الكتاب (عن الحسن كان يقال "لأجر حكم عدل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة أو قال: ستين سنة") وكان من عادة الحسن أنه إذا روى عن واحد يقول "حدثني" وإذا روى عن جماعة يقول "كان يقال" ويكون ذلك رواية عن جماعة، قيل إن الحسن ابتلي بالقضاء، ومن ابتلي بشيء يذكر محاسنه، وإنما قال ذلك لما ذكرنا أنه كان بنو إسرائيل متى فرغ الرجل منهم نفسه للعبادة ستين سنة يرجى له النبوة ويعظم شأنه، وفي زماننا وقع اليأس عن النبوة فجعل الرسول ﵊ فضيلة القضاء بحق وعدلٍ مواز بالعبادة ستين سنة، بل أفضل لما ذكرنا عن الحسن ولما ذكرنا أن القضاء بحق أفضل من الجهاد والجهاد أفضل من التخلي لنقل العبادة، فما كان مقدمًا على الجهاد يكون أفضل بطريق الأولى (٦).

стр. 11

ثم قال الحسن (نعم إنه يُدخل من عدله في ذلك اليوم على كل أهل بيت من المسلمين خيرًا) (١) وهذا صحيح (٢) لأن بالعدل يُمطَرون وبالجور يُقحَطونَ فتكون منفعة العدل عائدة على جميع المسلمين. ثم ذكر (عن أبي عبيدة قال: إن الحكم العدل ليسكن (٣) الأصوات عن الله ، وإن الحكم الجائر ليكثر منه الشكاة (٤) إلى الله وهذا صحيح (٥) لأنه متى قضى بالعدل رجع الخصمان غير شاكين، أما المحكوم له فلا إشكال، وكذا المحكوم عليه لا يشكو لعلمه أن الشكاية لا تنفعه لأنها بغير حق؛ وإن كان القضاء بجور رجعا شاكيين، أما المحكوم عليه فلا إشكال، وكذا المحكوم له لأنه يعلم أنه وقع في الحرام ولا يأمن أن يبتلى بحاكم جائر يحكم عليه كما حكم له هذا بالجور فيوجد الشكاية منهما. ثم ذكر (عن الحسن أيضًا قال: إن الله أخذ على الحكام ثلاثًا: أن لا يتبعوا الهوى) وهذا ليس من قبيل ما يعلمه الحسن (٦) من تلقاء نفسه فإنما قاله سماعًا عن رسول الله ﷺ أو رآه في كتب الأمم الماضية فإنه كان ينظر فيها ويخبر بذلك، وفي الحديث دليل أن نفس الهوى ليس بحرام، إنما اتباعه حرام لأنه هو المأخوذ، وهذا لأن المرأه إنما يكلف الإمتناع عما يمكنه الإمتناع عنه، ووقوع الهوى في قلب الحاكم إذا جثا الخصمان في مجلسه غير ممكن دفعه فلا يدخل تحت التكليف، والحديث موافق للكتاب، قال الله (٧) ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، قال: وأن تخشوه ولا تخشوا الناس؛ وهو موافق للكتاب وهو قوله ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وقال رسول الله ﷺ "من خاف الله تعالى خافه كل شي (٨) ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء (٩) "؛ وهذا لأنه متى خاف الناس أسخط الله

стр. 12

لأنه لا يمكنه الجمع بين رضا الله وخوف الناس، ومتى خاف الله حصل رضا الله تعالى ورضا الناس ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أراد به الرشوة قال الله ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قيل: والله أعلم السحت هو الرشوة، وهذا لأنه يأخذ الرشوة إما ليقضي بالجور، أو ليكف عن الظلم، الأول حرام، والثاني واجب عليه بدون أخذ الرشوة، فكانت الرشوة حرامًا على كل حال. قال صاحب الكتاب (وقد جاء في كراهية القضاء وفي الدخول فيه من الأحاديث غير هذا، وقد (١) دخل في القضاء قوم صالحون، واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه أمثل وأصلح وأسلم في الدين والدنيا لما ذكرنا من الفقه في صدر الكتاب (١) قال ﵀ (هذا إذا كان في البلدة قوم يصلحون للقضاء غيره، أما إذا لم يكن هناك من يصلح للقضاء سواه فإنه يأثم بالإمتناع عن القضاء) لأنه تعين له ليحفظ أحكام الله (ثم إذا كان في البلدة جماعة يصلحون للقضاء فامتنعوا جميعًا وإن كان السلطان يتولّى فصل الأحكام بنفسه فلا بأس لهم بالإمتناع) لأنه لا يضيع أحكام الله تعالى (فإن كان السلطان ليس ممن يتولى الأحكام بنفسه أثم الجميع بالإمتناع) لأن امتناعهم أدى إلى ضياع أحكام الله (ولو امتنعوا حتى ولي الجاهل فإنّهم يأثمون) لأن امتناعهم كان سببًا لذلك (٢) والله أعلم. باب اجتهاد الرأي في القضاء (عن ابن بريدة (٣) عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم فقضى بما علم فهو في الجنة) وهذا صحيح لأنَّه أظهر الحق بعلمه وأنصف المظلوم من خصمه فاستحق الجنة (٤)، ثم تكلموا في أن مثل هذا القاضي هل يطلق عليه اسم خليفة الله ، والأكثرون على أنه يسمى خليفة رسول الله ﷺ ووارثة، ولا يسمى خليفة الله لأن هذا الاسم اختص به الأنبياء صلوات الله عليهم (ورجل جهل وقضى بالجهل (٥) فهو في النار) وهذا لأنه جازف وتخبط فيما يصنع (١) والجازف مذموم أخطأ أو أصاب (رجل علم فقضي بغير ما علم فهو في النار) لأنه كابد

стр. 13

الحق وأقدم على الظلم عن بصيرة (١) فكان في النار (٢). وذكر (عن ابن بريدة (٣) أيضًا عن أبيه عن رسول الله ﷺ : "القضاة ثلاثة) وذكر الحديث وزاد فيه (وقاضٍ قضى بغير علم واستحيا (٤) أن يسأل فهو في النار") وهذا لأن القاضي متى جهل الحكم وجب عليه أن يسأل الناس ولا يستحي، ويقول فيما لا يدري لا أدري"، كما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سئل عن مسألة فقال: لا أدري! ثم قال في نفسه بخ بخ لابن عمر سئل فلم يدر فقال "لا أدري". وإذا كان السؤال واجبًا عليه فإذا لم يسأل فقد ترك الواجب فكان في النار. وذكر (عن علي ﵁ أنه قال: "الحكام ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل اجتهد (٥) فأخطأ فهو في النار ورجل ترك الحق عيانًا وهو يراه فهو في النار) ورجل حكم فاجتهد فأصاب فهو في الجنة (٦). أفاد هذا الحديث ما أفادنا الحديث الأول، لكن فيه إشكال فإنّه قال "رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار" وقد صحّ مرفوعًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" فلابد من التوفيق بين الحديثين، ووجهه من وجهين، أحدهما أن المراد في الحديث المرفوع إذا كان من أهل الاجتهاد، والمراد في حديث علي ﵁ إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، وقد روي عن علي ﵁ أنه قال في تفسيره: هو الحروري اجتهد فأخطأ فهو في النار والحرورية قوم لا يستنون بسنّة رسول الله ﷺ ، ولا يجاوز عملهم ما في كتاب الله حتى لم يقولوا برجم الزاني المحصن (٧) ولا بتقدير نصاب السرقة ونحو ذلك مما لم ينطق به الكتاب العزيز والوجه الثاني للتوفيق أن يكون المراد في الحديث المرفوع الاجتهاد في محل الاجتهاد، وفي حديث علي ﵁ الاجتهاد لا في محل الاجتهاد، وذلك بأن كان محل نص فإن الاجتهاد فيه غير مصوغ، والدليل عليه ما روي عن الحسن البصري ﵁ أنه دخل على إياس بن معاوية بعد ما قلّد القضاء فوجده باكيًا حزينًا فقال له الحسن: ما أصابك؟ قال: أتفكر في قول علي ﵁ حيث قال "إن اجتهد فأخطأ فهو في النار"!

стр. 14

فتلا عليه الحسن قول الله ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١) بين الحسن أنهما اجتهدا وأصاب سليمان ثم مدحهما الله فكان المراد من قول علي ﵁ من لم يكن من أهل الاجتهاد وفي محل ليس هو محل للاجتهاد والله أعلم. ثم ذكر (عن قتادة (٢) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لا ينبغي للقاضي أن يقضي حتى يتبين له الحق كما يتبيّن الليل من النهار؛ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ فقال: صدق أبو موسى) وإنما قال ذلك لأن رسول الله ﷺ أخذ على الشاهد ذلك فإنّه قال "إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع (٣) ومتى كان هذا مأخوذًا على الشاهد فعلى القاضي أولى، لأن القضاء في كونه حجة فوق الشهادة فإن الشهادة لا تكون حجة بنفسها بل بانضمام القضاء إليها، ولا كذلك القضاء فإنه حجة بنفسه، فاشتراط ما ذكرنا على الشاهد تنبيه على اشتراطه على القاضي بطريق الأولى (٤). ولكن هذا في محل النص لأنّ النص دليل مقطوع به فيظهر به الحق كظهور الليل من النهار، فأما في محل الاجتهاد فلا يكون كذلك لأن الاجتهاد لا يوصل إلى الحق لا محالة، فإن المجتهد يخطئ ويصيب. ثم ذكر (عن الشعبي قال له رجل: اقض بيننا بما آراك الله! فقال الشعبي: لست تراني قاضيًا) قوله "بما آراك الله (٥)، بما علّمك الله وهداك، وأمرك الله تعالى أمره بالقضاء بالحق (٦). وقول الشعبي "لست تراني قاضيًا فتكلّموا فيه من ثلاثة أوجه (٧)، قال بعضهم: إنك تراني من المجتهدين الذين يصيبون الحق باجتهادهم لا مُحالة وهم الأنبياء، ولست كذلك فإنّي قاضٍ أُخطئ وأصيب، فأنت بهذا القول لا تراني قاضيًا بل نبيًا. وقال بعضهم معناه: لست تراني قاضيًا لك لأنك تطلب مني ما لا طريق لي إليه (٨) وهو إصابة الحق لا محالة بالاجتهاد. وقيل معناه لست تراني قاضيًا بعد هذا فإني لا أجلس مجلس القضاء بعد

стр. 15

هذا، لأني ما علمت أن الخصوم يطلبون مني ما ليس في وسعي وذلك إصابة الحق بالاجتهاد لا محالة (١). ثم ذكر (عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد (٢) فأخطأ فله أجر واحد) وهذا دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب فإن أصاب فله أجران: أجر الاجتهاد، وأجر إظهار الحق، وإن أخطأ فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد، لكن هذا إذا اجتهد في محل الاجتهاد بأن لم يكن هناك نص، فأما إذا كان المحل ليس بمحل الاجتهاد بأن كان هناك نص فأنه لا يثاب، وهو كالاجتهاد في القِبلة إن كان في محل الاجتهاد بأن لم يكن هناك علامات من محاريب وغير ذلك يجوز ويثاب أخطأ أو أصاب، فإن لم يكن محل الاجتهاد بأن كان هناك علامات من المحاريب وغير ذلك لا يثاب على الخطأ. وذكر بعد هذا حديث أبي هريرة وأنه يفيد مثل ما أفاد حديث عبد الله بن عمر. ثم ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى بقضاء فقال له رجل: هذا والله الحق! فسكت عمر وعاد إلى القضاء فعاد الرجل إلى ذلك القول، فسكت عمر، وعاد إلى القضاء فعاد الرجل إلى ذلك القول، فقال عمر: ما يدريك؟ والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأ، ولكنه لا يأْلَ في هذا دليل أن المجتهد يخطئ ويصيب، وأفاد أيضًا أن من سمع كلامًا في غير محله لا ينبغي أن يرده في المرة الأولى، لأن المرة الواحدة قد تجري سهوًا أو غفلة، فإذا تكرر علم أنه عن قصد فيرد عليه وقول عمر ﵁ لا يَأْل يعني لا يقصر (٣). ثم ذكر (عن شريح أنه قضى بقضية فقال له رجل: والله! لقد قضيت عليّ بغير الحق، فقال له (٤) شريح: والله ما أنا بالشاق الشعرة شعرتين) يعني لست من المجتهدين الذين، يصيبون الحق بالاجتهاد (٥) لا محالة فإني لا أقدر عليه كما لا أقدر على شق الشعرة شعرتين، لكني اعتمد على قول الشهود وأعمل بالظاهر (٦) فبعد ذلك لا يضرني قولك "قضيت عليّ بغير

стр. 16

الحق "فيه دليل أن القاضي ينبغي أن يحلم عن الخصوم ويتحمل منهم مثل هذه الكلمات (١) كما فعله شريح ولم يضجر ولم يغضب، وهكذا ينبغي للمفتي مع المستفتي (٢). ثم ذكر (عن ابن سيرين قال قال عمر بن الخطاب ﵁: إني قضيت في الحد (٣) بقضايا مختلفة كل ذلك لا آلُ فيه عن الخير) أنّ المجتهد يخطئ ويصيب، وفيه دليل أيضًا فيه دليل على أن ما ثبت بالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد فإنّ عمر ﵁ لم ينقض شيئًا من قضاياه في الحد حين تغير اجتهاده والله أعلم. قال (أبو بكر أحمد بن عمرو الخصاف) صاحب الكتاب ﵀ (ينبغي للقاضي أن يقضي بما في كتاب الله من الأحكام التي لم تنسخ) لأنّ الكتاب إمام المتقين وإمام كل دليل (فإن لم يجده في الكتاب قضى بما جاء عن رسول الله ﷺ ) فإنا أمرنا باتّباعه بقول الله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (فإن لم يجد نص جاء عن رسول الله ﷺ قضى فيه بما اجتمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين) لأنّ ذلك سبيل المؤمنين وواجب سلوكه، قال رسول الله ﷺ : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (٤) بعدي عضّوا عليها بالنواجذ (فإن لم يجتمعوا على شيء لكنهم اختلفوا فيه والقاضي من أهل الاجتهاد رجح قول البعض على البعض فأخذ بما هو الأقرب إلى الصواب عنده) قال رسول الله ﷺ (٥) أصحابي كالنجوم بأيهم (٦) اقتديتم اهتديتم (فإن لم يجد عن الصحابة شيئًا أخذ بما اجتمع عليه التابعون ﵏ لأن إجماع أهل كل عصر حجة لأنّه سبيل المؤمنين (فإن اختلفوا والقاضي من أهل الاجتهاد رجح قول البعض وأخذ بالأليق بالصواب والأقرب إلى الحق، فإن لم يجد عن التابعين شيئًا وهو من أهل الاجتهاد قاس الحادثة على نظيرها وردها إلى ما يشابهها، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد في جميع ذلك استفتى وسأل وأخذ بما يفتى به، ولا يقضي بغير علم (٧) ولا يستحي عن السؤال) فيدخل في موجب

стр. 17

الحديث الذي تقدم ذكره في وعيد من قضى بغير علم واستحى أن يسأل الناس. قال ﵀ (ثم لابد من معرفة المذهب في ثلاثة فصول: الأول تقليد أفعال الصحابة رضوان الله عليهم وأقوالهم، والثاني تقليد أفعال التابعين ﵏ وأقوالهم، والثالث الاجتهاد والنظر) أما الأول فحاصل ما نقل فيه عن أبي حنيفة ﵁ ثلاث روايات: الأولى قال: أقلّد منهم من كان من القضاة المفتين ولا أستجيز خلافه، كأبي بكر وعمر رضوان الله عليهما لقول رسول الله ﷺ "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وهما كانا من القضاة المفتين فكل من كان في مثل حالهما أوجبت اتّباعه نحو عثمان وعلي والعبادلة وزيد بن ثابت (١) ومعاذ بن جبل وأمثالهم رضوان الله عليهم أجمعين فعلى هذه الرواية خرج جماعة منهم البراء بن عازب (١) وأسامة بن زيد (١) وأبو أمامة (١) وسهل بن سعد الساعدي وأبو حميد الساعدي (١) ومن شاكلهم والرواية الثانية قال: أقلّد كل صحابي فيما بلغني عنه ولا أستجيز خلافه إلَّا ثلاثة: أبو هريرة وأنس بن مالك وسمرة بن جندب ﵃؛ فقيل له في ذلك، فقال: أما أنس فبلغني أنه اختلّ (٢) عقله في آخر عمره وكان يستفتي (٣) علقمة وأنا لا أقلّد علقمة فكيف أقلّد من يقلد علقمة! وأما أبو هريرة فكان يكثر الرواية من غير تأمل ولا يميّز بين ناسخ ومنسوخ، وأما سمرة بن جندب فقد بلغني عنه أمر ساءني؛ قيل: الذي (٤) بلغه أنّه كان يتوسع في الأشربة المسكرة سوى الخمر، فلم ير تقليد هؤلاء فيما رأوه واجتهدوا فيه، لكنه يوجب اتباعهم فيما رووه ونقلوه عن رسول الله ﷺ لأنهم ثقات عدول. والرواية الثالثة قال: أقلد كل صحابي ولا أجيز خلافه (٥)؛ وهو ظاهر المذهب وذلك لأن ما قاله الصحابي لا يعدو أحد أقسام ثلاثة إما أن يكون قاله سماعًا أو اجتهادًا أو جزافًا، فالأول يجب الانقياد له، والثالث لا يظن به، والأوسط يجب الانقياد له أيضًا لأنهم يوفقون للصواب في اجتهادهم ما لا يوفق غيرهم (٦) لما نالوه من صحبة رسول الله ﷺ .

стр. 18

أما الفصل الثاني وهو تقليد التابعين رحمة الله عليهم فعن أبي حنيفة ﵁ فيه روايتان في رواية قال: لا أقلّدهم هم رجال اجتهدوا ونحن رجال نجتهد؛ وهو الظاهر من المذهب، والثانية ذكر في النوادر قال: من أدرك منهم زمن الصحابة رضوان الله عليهم وأفتى فيه وسوغوا له ذلك كشريح والحسن ومسروق بن الأجدع أقلده ولا أستجيز مخالفته، وذلك لأنه لما أفتى في زمن الصحابة وسوغوا له ذلك صار كواحد منهم فكان حكمه كحكمهم؛ فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الجواب عن قول من يقول: لماذا أورد أبو حنيفة ﵁ قول التابعين في كتبه؟ لأنّه على هذه الرواية يرى تقليدهم، وأما على الرواية الأولى وهي ظاهر المذهب فنقول: لم يورد أقوالهم محتجًا بها بل مثبتًا أني لم أستبد بهذا القول بل قد سبقني إليه غيري، فكنت في هذا الاجتهاد متبعًا لا مخترعًا. أما الفصل الثالث وهو الاجتهاد فلابد من تفسيره ومعرفة أهليته، أما تفسيره فهو بذل المجهود في طلب المقصود، وأما أهليّته قال بعضهم: من كان صاحب حديث وله علم بالفقه والمعنى فهو من أهل الاجتهاد، وقال بعضهم صاحب فقهٍ وله علم بالحديث، وقال بعضهم: هذا وأن يكون صاحب قريحة يعلم عادات الناس ويعرف عرفهم لأنّ القياس قد يترك للعرف (١) ألا ترى كيف جوزنا الاستصناع بالعرف وإن كان القياس يأبى جوازه! وقال بعضهم (٢): إذا كان يحفظ "المبسوط" يعني مبسوط محمَّد رحمة الله عليه، ويعلم مذاهب المتقدمين فهو من أهل الاجتهاد. قال ﵀ (ثم لابد من معرفة المذهب في فصلين، أما الأول ما اتفق عليه أصحابنا، والثاني ما اختلفوا فيه) أما الأول إذا اتفق أصحابنا على شيء فيهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵃ فلا يجوز للقاضي خلافهم سواء كان من أهل الاجتهاد أو لم يكن، لأنّ الحق لا يعدوهم غالبًا لما اجتمع لهم من طرق الاجتهاد، أما أبو يوسف رحمة الله عليه فكان من أصحاب الحديث حتى أنه كان يحفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ، فإذا كان هذا حفظه في المنسوخ فما ظنك في حفظه في الناسخ! وكان له علم بالفقه والمعنى أيضًا وأما محمَّد ﵀ (٣) فكان ذو فقه ومعنى (٤) وكان مقدمًا في علم

стр. 19

اللغة والإعراب، وكان له علم بالحديث أيضًا، وأما أبو حنيفة رحمة الله عليه فكان مقدمًا في جميع ذلك لكن قلَّت روايته للحديث لتفرده بمذهب اختص به فيه، وهو أنه يحب (١) أن يحفظ الحديث من حين سمع إلى حين يروي، وأما إذا اختلفوا فيما بينهم قال عبد الله بن المبارك ﵀: يجب الأخذ بقول أبي حنيفة ﵁ لأنه أفتى في زمن التابعين فالظاهر أنه يوفق للصواب ما لا يوفق غيره، وقال بعضهم (٢): إذا اجتمع منهم اثنان فيهما أبو حنيفة ﵁ يجب الأخذ بقولهما، وإن كان أبو حنيفة ﵁ في جانب وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله في جانب فإن كان القاضي من أهل الاجتهاد يرجح (٣) قول البعض على البعض فيأخذ بما هو الأقرب (٤) إلى الصواب عنده، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد استفتى وسأل فأخذ بما يفتي به المفتي والله أعلم. قال (وإذا كان في العصر قوم من أهل الفقه شاورهم) لأن رسول الله ﷺ أُمِرَ بالمشورة، قال الله (٥) ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ والقاضي لا يكون أفطن من رسول الله (٦) ﷺ ، ولأن المشورة تلقيح للعقول وعندها يكون أقرب إلى الإصابة (فإن اتفقوا على شيء وكان رأي القاضي مثل رأيهم فصل الحكم به، وإن اختلفوا والقاضي من أهل الاجتهاد نظر في أقوالهم ورجح البعض على البعض فأخذ بما هو الأقرب إلى الصواب عنده، ولا يعتبر بكبر السن ولا بكثرة العدد) وذلك لأنّ الأصغر سنًا قد يوفق للصواب في حادثة ما لا يوفق الأكبر (٧)، وقد روي عن عمر ﵁ أنه كان (٨) يشاور عبد الله بن عباس ﵄ وكان يقول له "غص يا غواص" فإذا أصاب كان يقول له شنشنة أعرفها من أخزم" وهذا مثل يذكر العرب لمن يشبه أباه وكان يأخذ بقوله وعمر كان أكبر سنًا من عبد الله (وكذلك لا يعتبر لكثرة العدد لأن الواحد قد يوفق للصواب ما لا توفقه الجماعة، ولذلك إذا شهد الواحد برؤية هلال رمضان والسماء متغيّمة يقبل قوله "ويجب العمل عليه

стр. 20

(فإن اتفق فقهاء العصر على شيء والقاضي يرى خلاف ذلك فينبغي أن لا يعجل في القضاء ويكتب إلى فقهاء مصر آخر يشاورهم في ذلك) لأن مشورة الغائب بالكتاب بمنزلة مشورة الحاضر بالخطاب، ولهذا كان عمر ﵁ يكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ بأشياء وكان أبو موسى ﵁ يكتب إليه يشاوره في الحوادث (فإذا كتب إليهم فإن وافق رأيهم رأيه حكم بذلك، وإن خالفه حكم برأي نفسه) لأن رأيه صواب عنده، ورأي غيره خطأ عنده، والحكم بما يراه صوابًا واجب (١)، قال (فإن اشتبه على القاضي شيء فسأل فقيهًا واحدًا فأفتاه بشيء إن لم يكن (٢) القاضي من أهل الرأي عمل على فتوى الفقيه) لأنه عامي ووجب على العامي تقليد الفقهاء (وإن كان القاضي من أهل الرأي وخالف رأيه رأي الفقيه حكم برأي نفسه) لأنّ (٣) رأيه صواب عنده ورأي غيره خطأ عنده، لكن إنما أمر بالمشورة في الابتداء رجاء أن ينضم رأي غيره إلى رأيه، فإذا لم ينضم عمل على رأي نفسه (فإن حكم برأي الفقيه وترك رأي نفسه. قال أبو حنيفة ﵁: ينفذ قضاؤه، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا ينفذ) حتى لو صارت الحادثة معلومة للسلطان كان له أن ينقض ذلك القضاء الذي [أمضى] (٤) وجه قولهما أن يرى رأي غيره خطأً ورأي نفسه صوابًا فقد قضى بما يراه خطأً فلا ينفذ قضاؤه، كمن تحرّى إلى جهة ثم تركها وصلّى إلى جهة أخرى تحرى إليها غيره لا يجوز (٥)، وكذلك من أودع رجلًا مالًا ونسي فليس للمودع أن يضع الزكاة فيه لأنه يعلم أنه غني، ولو وضع غير المودع فيه الزكاة يجوز لأنّه لا يعلمه غنيًا، وكذلك من افتتح الصلاة وعليه صلوات حديثة قد نسيها الآن فاقتدى به رجل يعلم أنّ عليه صلوات حديثة لا يجوز اقتداؤه لأنّ المقتدي يرى الإِمام على الخطأ، كذلك هنا إذا كان يرى رأي غيره خطأً لا يجوز له الحكم به بحال (٦)؛ وأبو حنيفة ﵁ يقول: حكم في محل (٧) الاجتهاد فينفذ حكمه ولا إشكال فيه، لأنّ المجتهد لا يقطع على كون الحق في قوله والخطأ في قول صاحبه، فكان المحل محل الاجتهاد فينفذ القضاء؛ هذا إذا كان للقاضي رأي، وقت القضاء، أما إذا لم يكن له رأي وقت القضاء فحكم برأي الفقيه ثم حدث له رأي

стр. 21

بخلافه فقول أبي حنيفة ﵁ ظاهر لأنّه لا ينقض القضاء وهما (١) اختلفا قال أبو يوسف لا ينقض القضاء. وقال محمد: ينقض، وجه قول محمَّد ﵀ أن رأيه كالنص في حقه ورأي غيره اجتهاد، والنص متى وجد بعد الاجتهاد ينقض به الاجتهاد، كذلك هاهنا، وأبو يوسف ﵀ يقول: رأي غيره بمنزلة رأيه إذا لم يكن له رأي، ولهذا يجب عليه القضاء به كما يجب عليه القضاء برأي نفسه، ولو حكم ابتداءً برأي نفسه ثم تغير اجتهاده لا يُنقض الأول، كذلك هاهنا. قوله (٢) "إنّ رأيه كالنص في حقه" قلنا: بلى، لكن حدث بعد الحكم بالاجتهاد، والنص متى حدث بعد الاجتهاد لا ينقض به الحكم الماضي، إنما ينقض إذا كان النص قائمًا وقت الحكم - والله أعلم. باب ما أبيح للقاضي من الاجتهاد وما ينبغي أن يعمل به ذكر حديث معاذ ﵁، وقد مرّ، وهو (٣) يشتمل على فوائد (٤)، منها أن السلطان إذا أراد تقليد رجل عملًا فينبغي أن يمتحنه في بعض أعماله ليعرف هدايته وحذاقته في ذلك، ألا ترى أن الرسول صلوات الله عليه سأل معاذًا عن بعض أعماله فقال له بمَ تحكم (٥) فقال معاذ بكتاب الله. ومنها أن الكتاب لا يشتمل على جميع الحوادث ردًا على أهل الظاهر حيث قالوا: الكتاب محيط بكل الأحكام، واعتمدوا قول الله ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ولكنا نحتج بحديث معاذ فإنه قال "فإن لم تجد في كتاب الله" والكتاب المبين عندنا اللوح المحفوظ. ومنها أن جميع الأحكام لا توجد في السنّة، ألا تراه كيف قال "فإن لم تجد في سنة رسول الله"! وفيه دليل على فضيلة معاذ ﵁ حيث جوّز له الاجتهاد في زمن

стр. 22

رسول الله ﷺ ، وهذا فصل مختلف فيه بين أهل العلم، وفيه أقاويل ثلاثة (١): الأول أنه لا يجوز الاجتهاد في عصر الرسول ﵊ مطلقًا، لأنّه أمكن معرفة الحكم من جهته وذاك نص فيكون الاجتهاد واقعًا في محل النص: وهو مردود، والثاني أنه يجوز الاجتهاد لمن بعد عن حضرة الرسول ﷺ ، ولا يجوز لمن كان بحضرته وقربه، والثالث جوازه مطلقًا، وعليه اعتمادنا، ودليله حديث معاذ فإنه جوز له الاجتهاد مطلقًا والدليل عليه ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال لأبي بكر وعمر ﵄ قولًا: "فإني فيما لم يوح إلي مثلكما" [فدل أن للصحابي أن يجتهد في زمن رسول الله ﷺ ] (٢)، وهذا الفصل ربما بُني على فصل آخر يختلف فيه، وهو أن الرسول ﵊ هل هو يحكم بالإجتهاد أم لا، قال بعضهم: لا، لأنه قادر على تعريفه من جهة الوحي؛ وقال بعضهم: ما لم يوح إليه فيه فهو متعبد فيه بشرائع من قبله على الحد الذي عرف في أصول الفقه، وقال بعضهم: كان يحكم بالاجتهاد مطلقًا لكن بعد انقطاع طمعه في زوال الوحي في تلك الحادثة على اعتبار العادة فإذا كان تأنّى وانتظر ثم أيس عن الوحي حكم بالاجتهاد وصار ذلك شريعة له، فإذا جاء نص بعده بخلافه كان نَسْخًا (٣) لذلك الحكم لا بيانًا أنه لم يكن فلا ينقض ما أمضى به، لكن يستأنف الحكم في المستقبل على حسب ما يوجبه النص، وفي الحديث أنّ رسول الله ﷺ قال "الحمد للُه الذي وفق رسول رسوله (٤) " عدّ الرسول ﷺ صلاح معاذ نعمة من الله تعالى في حقه حتى شكر الله تعالى عليه، وهو تنبيه (٥) على أنّ السلطان ينبغي أن يعد صلاح عماله نعمة عليه، وكذا صلاح الزوجة وصلاح المملوك والولد كل ذلك نعمة من الله فيجب مقابلتها بالشكر (٦). ثم ذكر حديث معاذ أيضًا وزاد فيه "بسنّة رسول الله وما قضى به الصالحون" قوله "الصالحون" قيل: مراده الأنبياء والرسل، وذلك شرع من قبلنا، وقيل: أبو بكر وعمر

стр. 23

-﵄، قال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا ذكر الصالحون فَحيّهَلا بعمر (١) والله أعلم. وذكر (عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى شريح إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلهينك) وفي بعض النسخ يلغَينك (عنه الرجال) أي لا يمنعك من القضاء خشية محتشم (٢)، ثم قال: (فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ فانظر إلى ما اجتمع عليه الناس) لأن إجماع الأمة حجة، ثم قال (فإن جاء أمرَ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولم يتكلّم به أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن نجتهد وتتقدم فتقدّم) يعني إن شئت أن تجتهد فاجتهد رجاء أن توفق للصواب فيكون لك أجران (وإن شئت أن تتأخر فتأخر) يعني إن شئت أن تمتنع من الاجتهاد فامتنع مخافة أن تقصر في طريقه فتخطئ الحق، قال (ولا أرى التأخر إلَّا خيرًا لك) أي أسلم لدينك (٣)، قالوا هذا في زمانهم لأنه كان في المجتهدين كثرة فإذا امتنع الواحد عن الاجتهاد لم يضع حكم الله ، فأما في زماننا ففي المجتهدين قلة فلو امتنع عن الاجتهاد يؤدي إلى ضياع حكم من أحكام الله فلم يجز الامتناع. ثم ذكر بعد هذا حديث لشريح أيضًا وهو مثل الأول لكن (٤) فيه زيادة لفظ (قال رسول الله ﷺ (٥) "فإن لم يستبن لك في كتاب الله ولا في سنة رسول الله فاجتهد برأيك ولا تألُ") أي لا تقصر في الاجتهاد وطلب الصواب (٦). ثم ذكر (عن عطاء بن السائب عن أبي البختري أن عمر ﵁ استقضى رجلًا على الشام يقال له حابس بن سعد الطائي على قضاء حمص فقال له: يا حابس كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله؛ قال فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله! قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي وأستشير جلسائي! فقال

стр. 24

عمر ﵁: أصبت وأحسنت؛ ثم لقيه عمر ﵁ بعد ذلك فقال له: ما منعك أن تسير إلى عملك؟ قال: يا أمير المؤمنين! إني رأيت رؤيا هالتني، قال: وما هي؟ قال: رأيت كأنّ الشمس والقمر يقتتلان؛ قال ابن الفضيل: قال حابس: رأيت كأنّ الشمس أقبلت من المشرق في جمع كثير وكأنّ القمر أقبل من المغرب في جمع كثير حتى التقيا فاقتتلا جميعًا (١) قال: فمع أيها كنت أنت؟ قال: مع القمر، فقرأ عمر ﵁ ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ كنتَ مع القمر في مغرب الشمس، أردد إلينا عهدنا؛ قال عطاء: فبلغني أنه قتل بصفين مع معاوية) أفاد الحديث فوائد، منها أن من تقلد عملًا فلا ينبغي أن يتأخر عن المسير إليهِ ألا ترى كيف أنكر عليه عمر ﵁ تأخره وهذا لأنه بقبول العمل تقلّد أمانة والتزم حقًا فيجب عليه القيام بذلك، وهذا إنما يكون بتقديم المسير إلى عمله. ومن فوائده جواز التفاؤل، وأنه لا يعد من الطيرة التي جاء النهي عنها، فأن حابسًا تفاءل بالرؤيا فتأخر عن المسير إلى عمله، وعمر ﵁ تفاءل بذلك فعزله عن القضاء. ومن فوائده أن عمر ﵁ كان ذا حظ من علم التعبير، وأبو بكر ﵁ كان مقدمًا عليه فيه فإنّه روي أن رسول الله ﷺ قال له: رأيتُ كأني أسوق غنمًا سُودًا يتبعها عَفر؟ فقال أبو بكر ﵁ يتبعك العرب تتبعها العجم (٢)! فقال رسول الله ﷺ : هكذا عبّر لي الملك. ومن فوائده أن معاوية كان ذا حظ على اعتبار رؤيا الرجل فإنه قال "كنت مع القمر" والقمر آية من آيات الله كالشمس، لكن الشمس أضوأ، فهو كان ذا حظ من الملك دون الخلافة، والحق كان مع علي ﵁ في نوبته لكن معاوية كان متأوّلًا فيما فعل ولكن أخطأ التأويل فإن رسول الله ﷺ قال له "إذا ملكت أمتي فأحسن إليهم" فتأوّل ذلك بالخلافة، ولم يكن كما تأول فإنّ الخلافة انتهت بموت علي ﵁ لما جاء في الحديث "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم هي ملك وإمارة" ولهذا قال رسول الله ﷺ لمعاوية "إذا ملكت أمتي فأحسن إليهم" سمى ذلك ملكًا لا خلافة، وإذا كان متأوّلًا فيجب كف اللسان عنه تحرزًا عن مواقع الهلكة والله أعلم. ثم ذكر بعد هذا (حديث عمر ﵁ أنه كتب كتابًا إلى أبي موسى الأشعري ﵁ وقد ذكر محمَّد هذا الحديث في أول أدب القاضي وذكره (٣) الخصاف هاهنا، وقد اختلف بعض ألفاظه لكن المعاني لم تختلف فيها (٤)، ويسمى هذا الكتاب "كتاب

стр. 25

سياسة القضاء" قال فيه (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد) قيل: أول من تكلم (١) بها داود صلوات الله عليه، والله يقول في حقه ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قيل والله أعلم: فصل الخطاب كلمة "أما بعد" وإنما أراد هاهنا بقوله "أما بعد" يعني بعد ما سمعت فرغ قلبك لما أقول لك، قال (٢) (فإن القضاء فريضة محكمة وسنّة متبعة) معناه الفصل بين الخصمين بحق فريضة محكمة كانت وبقيت لم يرد عليها تبديل ولا تغيير (٣)، وسنة متبعة يعني سنّة غير مهجورة، ثم قال (فافهم إذا دلي (٤) إليك) وفي بعض الروايات إذا أدلى (٥) (الخصمان) معناه استحضر فهمك وفرغ خاطرك إذا رافع إليك الخصوم وألقى كل واحد منهم حجته لتسمع كلًا منهما (٦) فتتوصل به إلى القضاء بحق، ثم قال (فإنه لا ينفع تكلم (٧) بحق (٨) لا نفاذ له) معناه أن كل واحد من الخصمين ربما يتكلم بما يكون حجة عليه إما مبطلًا لدعواه أو ملزمًا إياه، وذلك حق جرى على لسانه، فإذا لم تسمعه لم يمكنك تنفيذه فلم يكن التكلم به نافعًا وهو التكلم بحق ثم قال (أسِّ بين الناس) أي سَوّ بين الخصمين وليس هو من التسوية لأنّه لو كان كذلك لقال "سو"، إنما هو من التأسي والتأسي بمعنى التسوية، يقال: فلان يتأسّى بفلان: أي هما سواء في هذه المصيبة، قال بعض نساء العرب وقد قتل أخوها (٩): تذكر في طلوع الشمس صخرًا … واذكره بكل مغيب شمس ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي … النفس عنه بالتأسي وأراد به المساواة. ثم قال (في وجهك) أي في نظرك والتفاتك لأنّه متى آثر أحدهما بزيادة نظر ضعف قلب خصمه فربما يذهب ويترك حقه فيكون الضياع مضافًا إلى القاضي، قال (ومجلسك) (١٠) أي سوّ بينهم في الجلوس في مجلسك قال (١١) (وعدلك) والعدل ما قاله

стр. 26

أبو بكر ﵁ بديهة، وقد سئل عنه على المنبر (١) فقال العدل أن تأتي إلى أخيك ما مثله (٢) من نفسه يرضيك. وعد هذا من فصاحة أبي بكر ﵁ حيث أجاب بهذه الصفة على البديهة، ثم قال (حتى لا يطمع شريف في حيفك) يعني في ميلك، قال الله ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (ولا ييأس ضعيف من عدلك) وذكر محمَّد في كتاب (٣) أدب القاضي "ولا يخاف ضعيف جورك وهما سواء" ثم قال (البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر) وهو حديث مرفوع وهو من جملة جوامع الكلم فإنه تكلم بكلمتين استنبط الفقهاء منهما ما يبلغ دفاتر وإلى كل واحد منهما إشارة في كتاب الله ، أما الأول فقول الله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ والثاني قول الله ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ثم قال (والصلح جائز بين الناس) وذكر محمَّد "بين المسلمين" والأول أعم ثم قال (إلَّا صلحًا حرم حلالًا أو حلل حرامًا) وتأويله عندنا: حرم حلالًا لعينه وذلك ما إذا صالحت المرأة زوجها أن لا يطأ ضرتها أو أحل حرامًا لعينه وهو صلح على شرب خمر أو أكل ميتة ونحوهما، وأما ما سوى ذلك فإنه جائز عندنا، ثم قال (ولا يمنعك من قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك) أن راجع فيه الحق فإن الحق قديم ولا يبطل الحق، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل وهذا لأن القاضي لا يزيد درجته على درجة عمر [﵁] (٤) وهو كان ينقض بعض قضاياه إذا ظهر له نص بخلافه، وكذا كان عبد الله بن مسعود ﵁ في بعض فتاويه (٥)، لكن هذا إذا حكم بالاجتهاد ثم ظهر له نص بخلافه، أما إذا تغير رأيه بالاجتهاد فإنه لا ينقض (٦) ما أقضاه قبل ذلك لأنّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ثم، قال (الفهم الفهم) تكرار التأكيد والأصل في الكتاب العزيز والله يقول (٧) ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ومعناه: الزم الفهم وفرغ قلبك (٨)، ثم قال (فيما يختلج في صدرك مما ليس في قرآن ولا سنة) يعني افهم ما يتردد (٩) في صدرك وفي بعض النسخ "ما يتلجلج في صدرك" يعني افهم ما ترددك

стр. 27

في صدرك ويضطرب في خاطرك لتكون مقدمًا (١) على القضاء عن بصيرة من غير تردد، ثم قال (اعرف الأشباه والأمثال (٢) فقس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق) وهذا لما تقدم أن الحوادث لا يحصرها حد والنصوص محصورة فلابد أن تعرف القياس لترد غير المنصوص إلى المنصوص ثم قال (واجعل لمن يطلب حقًا غائبًا أو شاهدًا أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر (٣) بينة أخذ بحقه وإلا استحللت عليه القضية) يعني إذا استمهلك أحد الخصمين لإحضار بينة أو لإبانة دفع فأمهله أو اجعل له مدة معلومة، فإن جاء بذلك في تلك المدة وإلا قضيت عليه، ثم أشار إلى المعنى فيه فقال (فإنه أبلغ في العذر وأجلى للعمى) "أما أبلغ في العذر" لأن المدعي لا يمكنه بعد ذلك أن يقول: كان لي بينة فلم يمكنّي إحضارها وكذا المدعى عليه لا يمكنه أن يقول: كان لي دفع فعجل علي القاضي (٤) فلم يمكني إحضاره، "وأجلى للعمى" لأن القضاء بعد ذلك يكون عن بصيرة لا عن ريبة واشتباه (٥)، ثم قال بعد ذلك (المسلمون عدول بعضهم على بعض) ظاهره حجة لأبي حنيفة ﵁ في جواز القضاء بظاهر العدالة وعندهما لا يجوز قيل هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان لأن أبا حنيفة ﵁ أفتى في القرن الثالث [وقد عدّلهم رسول الله ﷺ ووصفهم بالخيرية] (٦)، وهما أفتيا في زمانهما وكان تغير الناس فيه، ثم استثنى في الحديث (إلَّا مجلودًا في حد) (٧) ظاهره (٨) حجة لنا على الشافعي رحمة الله عليه في المحدود في القذف فإنه استثنى المحدود من غير فصل بين ما قبل التوبة وبعدها (٩)، ثم قال (أو مجربًا عليه شهادة زور) (١٠) وإنما كان كذلك لأنّ الشهادة خبر محتمل [صار حجة لرجحان جانب الصدق فيه، فإذا عرف بشهادة الزور ترجح] (١١) جانب الكذب فلا تكون

стр. 28

شهادته حجة، ثم قال (أو ظنينًا في ولاء أو قرابة) الظنين هو المتهم، وقد قال رسول الله ﷺ "لا شهادة لمتهم" والظنين في الولاء هاهنا هو التابع بأهل البيت الذي (١) يعد نفعهم نفعًا له وضررهم ضررًا له، والظنين في القرابة مرتفع الشهادة له (٢) من وجه باعتبار القرابة كالوالد والولد (٣) ثم قال (فإنّ الله تولّى منكم السرائر) يعني توحّد بعلم الغيب فلم يكن القاضي مكلفًا علم ما في الباطن لأنه خارج عن وسعه، ثم قال (ودرأ عنكم البينات والإيمان) يريد أسقط الوبال في الآخرة (٤) واللائمة في الدنيا إذا اعتمد ثم البينات في العمل (٥)، ثم قال (إياك والغضب والقلق) (٦) وفي رواية "الغلق" (٧) أما الغضب فلأنه مذموم، روي أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: دلّني على ما ينفعني في الدنيا والآخرة! فقال له ﷺ "لا تغضب"، ومتى تعلق نفعهما بتركه تعلق ضررهما بفعله (٨)، ولأن الغضب يمنعه من حسن التأمل الذي به يتوصل إلى القضاء بحق، وكذلك القلق لأنّه الاضطراب، (٩) والغلق هو الضجر وضيق الصدر (١٠)، وهذا إذا كان في محل الاجتهاد، فأما إذا كان هناك نص ظاهر فلا بأس بالقضاء مع الزجر لأنه لا يحتاج إلى التأمّل، ثم قال (والتأمّل بالناس) يعني كثرة الازدحام (١١) عنده والاجتماع على بابه لا ينبغي أن يتأذى بذلك لأنه التزم (١٢) فصل الخصومات فيما بينهم فلابد من حضورهم (١٣)، قال (والتنكر عند، الخصوم) أي لا تعبس وجهك ولا ترفع صوتك لأن من الناس من إذا رأى ذلك تحامى الحضور عندهم فيؤدي إلى ضياع حقه ثم قال (فإنّ القضاء في مواطن الحق يوجب الله تعالى به الحق (١٤). ويحسن به الذخر) لأن القضاء من أشرف العبادات وهذا هو صفة العبادة (١٥)، ثم قال (ومن خلصت نيته

стр. 29

في الحق) ذكر خلوص النية لأن القضاء عبادة والإخلاص في العبادات مطلوب، فإن الباري جلت قدرته يقول (١) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ثم قال (وأبقى (٣) على نفسه زانه الله تعالى) وذلك لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا أصلح العبد سريرته أصلح الله علانيته"؛ ولأنه عامل لله (٤) فيزينه (٥)، ثم قال (ومن تزين للناس بما يعلم الله تعالى أنه ليس في قلبه شانه الله تعالى) لأنه منافق متهاون، ثم قال (فما ظنك بثواب الله (٦) مع عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام) أراد بذلك أن القاضي إنما يقضي بغير حق لينال شيئًا من الدنيا وما عند الله من الثواب أفضل وأبقى وذكر (حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: إنه (٧) قد أتى علينا زمان) وفي بعض النسخ "حين" (لسنا نقضي ولسنا هناك) وفي أدب القاضي لمحمد ﵀ "لسنا نُسئل ولسنا هناك" وهذا منه إشارة إلى زمن رسول الله ﷺ ، فإنه كان يُرْجع في الحوادث إذ ذاك إلى رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، وما كان يرجع إلى عبد الله ﵁ ثم تعلم عبد الله واجتهد حتى صار مذكورًا يرجع إليه في الحوادث، فإنه لما قدم الكوفة اجتمع حوله (٨) أربعة آلاف نفر، فلما قدم علي بن أبي طالب ﵁ الكوفة تلقاه ابن مسعود ﵁ في جميع أصحابه، فقال له علي، ﵁: "لقد ملأت هذه البلدة فقهًا وعلمًا، ثم قال (ثم كان من قدر الله تعالى أن بلغنا (٩) من الأمر ما ترون) هذا يحتمل أن يكون بيانًا للشكر، فإن الله أنعم (١٠) عليه حيث بلغه مبلغًا يصلح للفتوى والقضاء، ويحتمل أن يكون بيانًا لتراجع الزمان (١١) حيث احتيج إلى مثلي (١٢) ثم قال (فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم) وفي بعض الروايات: فمن ابتلى منكم بقضاء بعد اليوم

стр. 30

(فليقض (١) بما جاء في كتاب الله ، فإن أتاه بما ليس (٢) في كتاب الله فليقض بما قضاه به نبيه صلوات الله عليه، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه فليقض بما قضى به الصالحون، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقولن أحدكم "إني أرى" و"إني أخاف") يعني لا يمتنع عن الاجتهاد لظن يعرض له أو خوف أن يخطئ، لأنّ ما يخاف من ترك الاجتهاد أكثر مما يخاف من الخطأ في الاجتهاد (٣)، ثم قال (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهة) بينهما في محل النص والاشتباه في غير محل النص (٤)، ثم قال (فدع ما يُريبك إلى ما لا يريبك) يعني ما لا يطمئن قلبك إليه إلى ما يطمئن إليه، قال رسول الله ﷺ : "الصدق طمأنينة والكذب ريبة". وذكر عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده ابن مسعود (٥) نحوه وزاد فيه (فإن أتاه أمر، لا يعرفه فليقر فيه (٦) ولا يستحي (٧) عن قوله "لا أعرفه، وفي رواية فليفر) أي يفر من النار (٨) بتركه الحكم فيما لا يعلمه. ثم ذكر بعد ذلك (عن ابن عباس ﵄ أنه كان إذا سئل عن الأمر فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن فكان (٩) عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر ﵄، فإن لم يكن قال فيه برأيه) وإنما فعل ذلك لأنه كان في زمن أبي بكر وعمر ﵄ شابًا والواجب على الشاب توقير الشيخ وتعظيمه. ثم ذكر بعد ذلك (عن أم سلمة ﵂ قالت (١٠) قال رسول الله ﷺ : "إنما

стр. 31

أقضي بينكم (١) فيما لم ينزل علي فيه برأي) هذا دليل على أنه ﵊ كان يحكم بالاجتهاد، على خلاف ما قاله بعض الناس، لكن كان إن أصاب فبها ونعمت وإن (٢) أخطأ لا يقر عليه فإذا اجتهد وحكم ولم يتصل بذلك نكير علم كونه حقًا، فإذا (٣) جاء تغيير بعد ذلك بمدة كان ناسخًا للأول، وهو نسخ السنة بالكتاب وذلك جائز، عندنا (٤). وذكر (عن الشعبي قال: كان رسول الله ﷺ يقضي بالقضاء ثم ينزل القرآن بغير الذي قضى فلا يرد قضاؤه ويستأنف) وذلك لما ذكرنا أن التغيير بعد التقرير نسخ، والنسخ يؤثر في المستقبل ولا يؤثر في الماضي (٥). والله أعلم. وذكر (عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استقضى شريحًا فقال له: كيف تقضي في أموال الناس؟ قال: بالبيّنات والشهداء قال عمر ﵁: أحرزت نفسك وأهلكت أموال الناس) وقوله "أحرزت نفسك" إشارة إلى أنه من تمسك بطريق الرسول لا يكون عليه العتب في الدنيا والوبال في الآخرة وقوله "أهلكت أموال الناس" إشارة إلى فساد أحوال الناس، فإن غير العدل قد يعدل في الظاهر والعدل قد يجرح فإذا فسد أحوال الناس فمن اعتمد الشهادة فقد أهلك أموال الناس (٦). (قال أحمد بن عمرو) صاحب الكتاب ﵀ (وإذا ابتُلي الرجل بالقضاء ودخل فيه فليتق الله وحده لا شريك له) لأن نيل المقاصد دينًا ودنيا بالتقوى (٧) قال الله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ إلى قوله ﴿مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ثم قال (ويؤثر طاعة ربه ويعمل لمعاده) لأن فعل القاضي يصلح سببًا لنيل ثواب الآخرة ويصلح سببًا لحطام الدنيا (٨)، فينبغي أن يقصد به نيل الثواب، فإن ما عند الله خير وأبقى وعن علي ﵁ أنه قال: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من تراب تبقى، فالعاقل يميل إلى تراب يبقى، كيف وإنه على العكس ثم قال (ويقصد الحق بجهده فيما يقلده) لأنه مأمور بالقضاء بالحق فيجب أن يجتهد ليصيبه ثم قال (ويتخذ كاتبًا ورعًا مسلمًا له معرفة بالفقه) لأن القاضي لا يجد بدًا من الكتابة

стр. 32

ولا يقدر عليها بنفسه في كل ما يحتاج إليه فيتخذ لذلك كاتبًا، ثم شرط ما شرط (١) لأنّ الكتابة من أعمال القضاء فيشترط في القيم بها ما يشترط في القيم بالقضاء (٢)، ثم قال (ويتخذ أعوانًا يكونون بين يديه) وهذا لوجهين، أحدهما أن مجلس القضاء يجب أن يكون مهيبًا، فلو لم يكن له أعوانًا ربما يستخف به (٣) فيذهب حشمة مجلس القضاء وهيبته، ولهذا لا ينبغي (٤) للقاضي أن يمشي في الأسواق وحده تحرّزًا عن ذهاب هيبته؛ والثاني أنه يحتاج إلى إحضار الخصوم وذلك منه بنفسه سبب، لسقوط حرمته، وهم لا يحضرون بأنفسهم فلابدّ من أعوان لذلك (٥)، ثم قال (فإذا أراد أخذ الرقاع وجه كاتبه قبل ذلك إلى المسجد فأخذ رقاع الناس) قال (٦) ﵀ وكان المتقدمون من المشايخ قبل الخصاف يعتمدون على السبق في تقديم الخصوم بعضهم على بعض، فمن كان أسبق قدم فصل خصومته، والخصاف ﵀ اعتمد على الرقاع، لأنّ الاعتماد على السبق يؤدّي إلى المنازعة، لأن كل واحد منهم يدّعي السبق فيحتاج القاضي إلى فصل هذه الخصومة فيما بينهم أيضًا، فكان الاعتماد على الرقاع أولى؛ وله أصل في الشرع، فإن رسول الله ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتها سافر بها؛ ولأنه أنفى للتهمة (٧) فيفعله، وهذا لأن للقاضي ولاية البداية بسماع خصومة أيهم شاء، وكان (٨) له الإقراع نفيًا للتهمة؛ كما في قسمة التركة لما كان له البداية بتعيين نصيب أيهم شاء كان له أن يقرع نفيًا للتهمة، كذا هاهنا. وصورة الرقاع أن يكتب في كل رقعة اسم المدعي واسم أبيه واسم خصمه، (٩) فإن كانت الرقاع كثيرة ينظر القاضي، فإن كان يمكنه من حيث الظن والحزر أن يفصل بين الكل في يوم واحد أقرع بين جميع الرقاع، فيجعل كل رقعة في طين قدر بندقة ويبندقها ويخلطها ويجعلها تحت شيء، ثم يأمر إنسانًا يدخل يده فيخرج واحدة واحدة، فيقوم من خرجت

стр. 33

رقعته أولًا ثم ثانيًا إلى آخر الترتيب. وإن كان القاضي لا يقدر على فصل الكل في يوم واحد أخذ الكاتب الرقاع كما ذكرنا ثم فرقها على الأيام في كل يوم خمسين أو أكثر أو أقل على قدر طاقة القاضي للجلوس لهم والصبر عليهم، وجعل ذلك ضبائر وكتب لكل إضبارة رقعة صغيرة (١) يكتب فيها اسم رجل من تلك الإضبارة مشهور (٢)، ثم يجعل كل رقعة في بندقة كما وصفنا ثم يقرع بين الضبائر فيجعل للإضبارة الأولى يوم السبت والثانية يوم الأحد على هذا الترتيب، ويعلم كل واحد منهم أن اسمه في إضبارة كذا مع فلان الذي هو أشهرهم، ويثبت اسم ذلك الأشهر على الإضبارة أيضًا ليقع التمييز وليعرف كل خصم متى يومه فيحضر في ذلك اليوم كيلا يكثر تردادهم على باب القاضي. وفي هذه الحالة -أعني حالة كثرة الرقاع-، يحتاج إلى الإقراع مرتين، مرة بين الإضبارات، ومرة بين الأسامي التي في كل إضبارة، كما يفعله الإِمام في باب المغانم فإنه يعدل أنصباء العرفاء ويقرع فيما بينهم ثم يعدل أنصباء الرايات ويقرع فيما بينهم: الأول على سبيل الجملة والثاني على سبيل الأفراد، كذلك ما ذكرنا من الضبائر والأسامي. قال الشيخ الإِمام شمس الأئمة أبو بكر محمَّد بن أبي سهل السرخسي ﵀: ما اعتمده الخصاف من الرقاع حسن، ولكن ما اعتمده المشايخ قبله من اعتبار السبق أحسن، لأنه ربما يكون في الخصومات ما يحتاج فيه إلى النظر والمشورة فإذا اعتمد القرعة وأعلم الخصوم نوبتهم أنها في اليوم الفلاني فحضروا قد لا يقدر على فصل جميع تلك الخصومات في ذلك اليوم، لما قلنا إنه يحتاج إلى النظر والتأمل، فيكون ذلك خلفًا فيجب التحرّز عنه بالعمل، وذلك بالعمل على السبق وما قالوه من أن اعتبار السبق يؤدي إلى منازعة قد يمكن دفعه بأن يبعث القاضي أمينًا في المسجد فيحفظ ترتيب حضور الخصوم (٣). قال الخصاف ﵀ (ويقول: من خرج اسمه أولًا فله يوم السبت، والاسم الثاني يوم الأحد، والاسم الثالث (٤) اليوم الذي يجلس فيه القاضي بعد يوم الأحد، فإن كان يجلس يوم الاثنين قال لهم: يوم الاثنين، وإن كان ممن لا يجلس يوم الاثنين قال لهم: الاسم

стр. 34

الثالث يوم الثلاثاء) وهذا لأنه لابد من يوم يستريح فيه القاضي تحرزًا عن الملال ولينظر في أمور نفسه ويقوم بمصالح أهله، وكان الرسم في زمن أبي حنيفة ﵁ يوم البطالة يوم السبت وكان المدرس لا يدرس يوم السبت، وفي زمن الخصاف كان يوم البطالة مترددًا بين الاثنين والثلاثاء فمن القضاة من يختار يوم الثلاثاء ومنهم من يختار يوم الاثنين. فلهذا لم يجزم القول في يوم البطالة (١). قال ﵀: وفي زماننا الرسم للبطالة يوم الثلاثاء، لأن القضاء (٢) من جنس أعمال السلطان وعمال السلطان (٣) لا يشتغلون بالأعمال يوم الثلاثاء (٤)، قالوا: لأنه يوم دم قتل قابيل فيه هابيل، فعلى هذا يجعل الاسم الثالث يوم الاثنين يوم (٥) الاسم الرابع يوم الأربعاء ثم الخميس (٦) على الترتيب المذكور ويتفرع على هذا أن القاضي إذا كان يرزق من بيت المال هل يستحق الكفاية في يوم البطالة، قال مشايخ بلخ: لا يستحق ويحط من رزقه بقدره، ومشايخ ديارنا يعني ما وراء النهر، يفتون بأنّه يستحق، قال: وهو الأصح، لأنه في يوم البطالة يستريح فيتقوّى على فصل الخصومات فكانت منفعة ذلك راجعة إلى المسلمين فيستحق عليهم الرزق، ألا تراه (٧) كيف يستحق ما يحتاج إليه في الليل وإن كان لا يشتغل فيه بفصل الخصومات! ونظيره رجل أوصى برقاب نخيله لإنسان وبالثمرة لآخر وكانت (٨) النخيل تثمر سنة وتحول سنة (٩) فنفقة ذلك وما يحتاج إليه من السقي في السنين جميعًا على الموصى له بالثمرة، لأنها متى أحالت في سنة كثرت ثمرتها في الأخرى فكانت المنفعة (١٠) عائدة إلى الموصى له بالثمرة فتكون النفقة (١١) عليه. ثم إذا فرغ القاضي من الإضبارات وعرف يوم كل إضبارة أمر مناديًا ينادي إضبارة (١٢) فلان اليوم الفلاني، وفلان اليوم الفلاني،

стр. 35

ليعرفوا وقت الحضور، ولا ينادي للنساء ويبعث عجوزة أمينة تخبرهن بذلك. قال (وإذا اجتمع على باب القاضي أرباب شهود وأرباب أيمان من الغرباء والنساء (١) وغيرهم فرأى القاضي أن يقدم أرباب الشهود في أول المجلس فله ذلك) لأنا أمرنا بإكرام الشهود وتوقيرهم، قال رسول الله ﷺ : "اكرموا الشهود فإنّ الله يحيي بهم الحقوق"، وتركهم على باب القاضي ليس من الإكرام في شيء (وإن رأى تقديم أرباب الأيمان فله ذلك أيضًا) لأن فصل الخصومة باليمين أيسر لأنه يحتاج في الشهادة إلى تعديل الشهود والنظر في لفظ الشهادة وذلك ربما يطول فيفصل خصومات الأيمان ثم يبقى مع أرباب الشهود (وإن رأى تقديم الغرباء في أول كل مجلس فله ذلك) لأنّ قلب الغريب معلق بأهله ووطنه، فلو كثر ترداده ربما يمل فيذهب ويترك حقه ضائعًا فيكون الضياع مضافًا إلى فعل القاضي، ولكن هذا إذا لم يكثر الغرباء، فأما إذا كثروا فأنه يعتمد السبق (٢) أو القرعة على حسب ما ذكرنا (ثم القاضي إذا رأى (٣) التقديم لأجل الغربة لا يصدقه في قوله: "إني غريب عازم على الرجوع" بل يسأله البينة على أنه غريب عازم على الرجوع) هكذا روي عن محمَّد ﵀، وإنما كان كذلك لأنه يدّعي أمرًا يتقدم به على غيره فلابدّ فيه من البيّنة، لكن لا يشترط العدالة في هذه البيّنة ويكتفي فيه بشهادة المستور (٤)، ومن أصحابنا من قال: يسأله مع من يريد السفر، ثم يسأل الرفقة أنهم متى يخرجون وأن فلانًا هل يخرج معكم وهل استعدّ للسفر؟ فإن أخبروا بذلك عمل عليه. وهذا لا يختص بهذا الفصل بل هو كذلك في حكم يُبْتَنَى على السفر، حتى أن المستأجر إذا أراد السفر وطلب فسخ الإجارة لأجل ذلك فالطريق في معرفته ما ذكرنا فإن أخبروا به تحقق العذر فجاز الفسخ، وإلا فلا (٥).

стр. 36

قال (وإن رأى أن يقدم النساء على الكل فله ذلك) لأنهن مأمورات بالقرار في بيوتهن، وأمورهن مبنية على الستر مهما أمكن، وتعجيل فصل خصومتهن أقرب إلى الستر ليرجعن سريعًا (وإن رأى أن يجعل لهن نوبة في يوم على حدةٍ فحسن) (١) لأنه أستر لهنّ وأحرى أن (٢) لا يعرف المرأة، ولكن هذا إذا كانت الخصومة بين النسوان، أما إذا كانت الخصومة لرجل على امرأة ولامرأة على رجل لا يمكن إفرادهن فيجري ذلك على ما ذكرنا (٣). قال (وإذا (٤) رأى القاضي أن يضم مع الكاتب رجلًا ثقة مأمونًا عند أخذ الرقاع فعل ذلك) لأنه أحوط، فيفعله كما يفعله (٥) في التزكية والواحد كاف والاثنان أحوط فكذا هنا (٦). قال (فإذا أتوه بالرقاع وقد فرقوها على عدد الأيام كتب القاضي ذلك في تذكرته ليتذكر ذلك عند الحاجة، فلا يقدم من سبيله التأخر ولا يؤخر من سبيله المتقدم، ويجعل ذلك في قمطرة) وهو خريطة (وختم عليه بخاتمه) تحرزًا عن الخيانة (٧) والله أعلم بالصواب. باب في قبض المحاضر من ديوان القاضي المعزول (قال: وإذا أراد القاضي أن يقبض ديوان القاضي الذي كان قبله بعث رجلين من ثقاته فيقبضان من القاضي ديوانه) وهذا بناء على أن للسلطان أن يعزل القاضي لريبة ولغير ريبة، أما الريبة فظاهر (٨)، وأما لغير ريبة أيضًا (٩) فإنه روي عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: "لا

стр. 37

يترك القاضي على القضاء إلَّا حولًا، وهذا لأنه متى طال اشتغاله بالقضاء ربما ينسى العلم، (١) ولا خير في قاضٍ لا علم عنده وينبغي للسلطان إذا أراد عزله لأجل هذا أن يقول له "إنا لم نجد فيك فسادًا لكن نخشى عليك أن تنسى العلم، اقعد وادرس سنة ثم عد إلينا نقلدك القضاء" (٢) إذا عرفت هذا فنقول: إذا عزل القاضي [لريبة أو لغير ريبة (٣)] واستبدل به غيره فالقاضي المقلد يبعث رجلين من ثقاته، والاكتفاء بالواحد جائز، لكن الاثنان أحوط فيقبضان من المعزول ديوانه، وديوان القاضي الخرائط التي فيها نسخ المحاضر [والصكوك] والسجلات ونصب الأولياء والأوصياء (٤) وغير ذلك، وهذا لأن القاضي في مثل ما ذكرنا ينبغي أن يكتب نسختين نسخة تكون في يد الخصم، ونسخة في الديوان (٥)، لأنه ربما يحتاج (٦) إلى ذلك لأمر ما، وما في يد الخصم (٧) لا يمكن الاعتماد عليه لاحتمال الزيادة والنقصان فيفعل ما ذكرنا لدفع هذه الحاجة. قال فإذا جاؤوه يقبضان الديوان فما كان من نسخ السجلات جمعاه في خريطة (٨)، وما كان من نسخ الصكوك جمعاه في خريطة، ونسخ الأوقاف (٩) في خريطة إن كان القاضي صاحب الأوقاف فيفردان (١٠) كل نوع من ذلك في خريطة على حدة) لأن القاضي الأول هو الذي وضع ذلك فكان يعرف مواضعه ولا يتعسر عليه طلبه عند الحاجة، وأما الثاني فربما يحتاج إلى شيء من ذلك ولا يعرف مكانه فيحتاج إلى تفتيش الكل وفيه حرج، قال (ويسألان القاضي المعزول شيئًا فشيئًا وليس قوله حجة) فإنه بالعزل التحق بواحد من الرعايا، لكن يسألانه لينكشف لهما ما أشكل [منهما] (١١) (ثم إذا قبضا ذلك كله ختما عليه) تحرزًا عن

стр. 38

الزيادة والنقصان، (ثم (١) البياض الذي كتب عليه القاضي المعزول النسخ (٢) لا يخلو إما أن يكون من بيت المال أو من مال القاضي أو من مال الخصوم (٣) فإن دفع ذلك بطيبة من نفسه في الوجوه الثلاثة فلا كلام، وإن أبى (٤) أن يدفع ذلك فإن كان من بيت المال أجبر على دفعه لأنه كان (٥) في يده لعمله وقد انتقل إلى غيره، (٦) وفي الوجهين الأخيرين اختلف [فيه] المشايخ، منهم من قال: لا يجبر لأنه ملكه أو وديعة عنده من جهة الخصوم (٧)، ومنهم من يقول يجبر على الدفع، وهو الصحيح لأنه إن كان من ماله فما اتخذه للتموّل بل للتبين (٨) والخصوم ما تركوه في يده لعينه بل لعمله وقد تحول عمله إلى غيره، قال (ويقبضان ذلك بحضرة القاضي المعزول، فإن لم يحضر بنفسه لا يجبر على ذلك) لأن القاضي المقلد لا يكلف الحضور للقبض بنفسه فالمعزول لا يكلف التسليم بنفسه أيضًا (لكن يبعث أمينين من أمنائه يسلمان ذلك إلى أميني الثاني (٩)، ويسأل أمينا الثاني (١٠) أميني الأول عن ذلك شيئًا فشيئًا ليقفا فيه على حقيقة الحال) (١١) كما ذكرنا في سؤال القاضي المعزول بنفسه، قال (ويأخذان الودائع وأموال اليتامى) لأن ذلك كان عنده لعمله (١٢) وقد زال عمله، قال (ويكتبان أسماء المحبسين) (١٣) لأن القاضي متى حبس إنسانًا ينبغي له أن يكتب اسمه واسم أبيه وجده، والسبب الذي حبسه فيه، وتاريخ الحبس، لأنه ربما يحتاج إلى سماع البينة على الإفلاس وذلك يكون بعد الحبس بمدة فلابد أن يكون معلومًا للقاضي، فإذا كان القاضي الأول يكتب ذلك على ما وصفنا فالقاضي المقلد يأخذ نسخة ذلك منه كما يأخذ منه نسخ سائر الأشياء ويكتب ذلك في تذكرته (١٤) ويختم عليه في قمطره، لكنه يكتب في تذكرته تاريخ

стр. 39

الحبس من الوقت الذي أرّخه القاضي المعزول لأنّ حبس الثاني بناء على الأول فيؤرخ من ذلك الوقت (١)، قال (ويكتبان أسماء المحبسين وسبب حبسهم ولمن حبسهم (٢)، ويسألان القاضي المعزول عن ذلك، ثم يبعث القاضي المقلد إلى الحبس من يحصيهم ويسألهم عن جميع ذلك ويجمع بينهم وبين خصومهم، فإن اتفق الثلاثة) يريد به القاضي المعزول والمحبوس ومن حبس له (أعاده إلى الحبس، وإن اختلفوا فصل بالحجة (٣) ولا يعمل بقول المعزول) لأن قوله ليس بحجة بعد العزل (فإن جمع بين المحبوس وبين خصمه فأقر له بحقه وطلب الخصم حبسه أعاده إلى الحبس) هكذا ذكر وذكر صاحب الكتاب بعد هذا في باب الحبس في الدين (٤) أنه إذا أقر الإنسان بحق لا يحبسه في المرة الأولى، وقال هنا: يحبسه، وإنما كان ذلك لأن الحبس عقوبة فإنما يستحق متى ظهر ظلم الخصم وتعنته، وبالإقرار لم يظهر ذلك (٥)، فإن امتنع (٦) عن الأداء بعد الإقرار ظهر الظلم فيعاقب بالحبس، وليس كذلك فيما ذكرناه بديًا فإن ظلمه ظهر بمقتضى حبس القاضي الأول إياه لأن فعله محمول على الصلاح ما لم يظهر خلافه، وهذا الفرق على ما قاله الخصاف، أما على ظاهر ما يشير محمَّد ﵀ إليه في الكتب (٧) لا فرق بين المرة والمرتين في أنه يحبسه ويجبره على الأداء (هذا إذا أقرّ المحبوس بالحق أما إذا أنكر وقال "حبسني بغير حق" فالقاضي لا يلتفت إلى قوله لكنه يكلف المدعي إقامة البينة على ما يدعيه فإن جاء بشهود تعرف عدالتهم أعاده (٨) إلى الحبس) لأن القاضي إنما يسأل عن الشهود ليعرف عدالتهم فإذا كان عالمًا بذلك لا

стр. 40

يرجع إلى غيره، (١) كما في قيم المتلفات القاضي إنما يرجع إلى غيره متى لم يكن هو عالمًا بذلك، أما إذا كان عالمًا يعرف ذلك بنفسه فإنه لا حاجة له إلى الرجوع إلى غيره (وإن كان القاضي لا يعرف عدالة الشهود فقد ذكرنا أن قول القاضي المعزول ليس بحجة) لأنه صار كواحد من الرعيّة (فيأخذ من المحبوس كفيلًا بنفسه ثم يطلقه وينظر في أحوال الشهود ويسأل عنهم فإن ظهرت عدالتهم رده إلى الحبس وإلّا فلا) وإنما كان كذلك لأنه ما لم تظهر (٢) عدالة الشهود لم يظهر الحق عليه فلا يستحق الحبس لكن لا يطلقه من غير كفيل لأن القاضي ناظر للمسلمين وكمال النظر (٣) هنا والاحتياط في أخذ الكفيل، حتى إذا عدلت البينة قدر على إعادته. قال (فإن كان في المحبَّسين قوم لم يحضر لهم خصماء (٤) لم يعجل بإطلاقهم لكنه يبلى العذر فيأمر مناديًا ينادي كل يوم إذا جلس من كان له حق قبل فلان فليحضر ليجمع بينه وبين خصمه، فإن من رأى القاضي أن يطلقه يفعل ذلك أيامًا (٥) ثم يطلقه) وهذا كان يفعل عند عرض اليمين على الخصم إذا نكل يقول له كل مرة "إن حلفت وإلّا قضيت عليك بالمال لمكان نكولك" ففعل ذلك ثلاثًا ثم يقضي عليه (٦)، عاد إلى المسألة فإن [حضر خصم لأحد منهم جمع بينه وبينه وإن لم يحضر تأنّى في ذلك أيامًا على حسب ما يرى القاضي ولم يعجل بإطلاقه فإن] (٧) لم يحضر خصم أحد منهم (٨) أخذ منهم كفيلًا بأنفسهم ثم أطلقهم بعد التأني) أما عدم الإقرار في الحبس فلأنه لم يظهر عليهم حق يستوجبون به الحبس وأخذ الكفيل احتياطًا والله أعلم. قيل ما ذكر من أخذ الكفيل في هاتين المسألتين إحداهما إذا أنكر المحبوس الحق فشهد عليه شهود لا يعرف القاضي عدالتهم، والثانية إذا لم يحضر خصم أصلًا إنما هو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، أما على قول أبي حنيفة ﵁ فإنه لا يأخذ منه كفيلًا بناء على مسألتين أخراوين، إحداهما: القاضي إذا قسم التركة
следующие страницы →