← Сияса и кади

Сияса и кади · id 977

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت الأفغاني

الصدر الشهيد

Полный текст (650 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال (وإن رأى أن يقدم النساء على الكل فله ذلك) لأنهن مأمورات بالقرار في بيوتهن، وأمورهن مبنية على الستر مهما أمكن، وتعجيل فصل خصومتهن أقرب إلى الستر ليرجعن سريعًا (وإن رأى أن يجعل لهن نوبة في يوم على حدةٍ فحسن) (١) لأنه أستر لهنّ وأحرى أن (٢) لا يعرف المرأة، ولكن هذا إذا كانت الخصومة بين النسوان، أما إذا كانت الخصومة لرجل على امرأة ولامرأة على رجل لا يمكن إفرادهن فيجري ذلك على ما ذكرنا (٣). قال (وإذا (٤) رأى القاضي أن يضم مع الكاتب رجلًا ثقة مأمونًا عند أخذ الرقاع فعل ذلك) لأنه أحوط، فيفعله كما يفعله (٥) في التزكية والواحد كاف والاثنان أحوط فكذا هنا (٦). قال (فإذا أتوه بالرقاع وقد فرقوها على عدد الأيام كتب القاضي ذلك في تذكرته ليتذكر ذلك عند الحاجة، فلا يقدم من سبيله التأخر ولا يؤخر من سبيله المتقدم، ويجعل ذلك في قمطرة) وهو خريطة (وختم عليه بخاتمه) تحرزًا عن الخيانة (٧) والله أعلم بالصواب. باب في قبض المحاضر من ديوان القاضي المعزول (قال: وإذا أراد القاضي أن يقبض ديوان القاضي الذي كان قبله بعث رجلين من ثقاته فيقبضان من القاضي ديوانه) وهذا بناء على أن للسلطان أن يعزل القاضي لريبة ولغير ريبة، أما الريبة فظاهر (٨)، وأما لغير ريبة أيضًا (٩) فإنه روي عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: "لا

стр. 37

يترك القاضي على القضاء إلَّا حولًا، وهذا لأنه متى طال اشتغاله بالقضاء ربما ينسى العلم، (١) ولا خير في قاضٍ لا علم عنده وينبغي للسلطان إذا أراد عزله لأجل هذا أن يقول له "إنا لم نجد فيك فسادًا لكن نخشى عليك أن تنسى العلم، اقعد وادرس سنة ثم عد إلينا نقلدك القضاء" (٢) إذا عرفت هذا فنقول: إذا عزل القاضي [لريبة أو لغير ريبة (٣)] واستبدل به غيره فالقاضي المقلد يبعث رجلين من ثقاته، والاكتفاء بالواحد جائز، لكن الاثنان أحوط فيقبضان من المعزول ديوانه، وديوان القاضي الخرائط التي فيها نسخ المحاضر [والصكوك] والسجلات ونصب الأولياء والأوصياء (٤) وغير ذلك، وهذا لأن القاضي في مثل ما ذكرنا ينبغي أن يكتب نسختين نسخة تكون في يد الخصم، ونسخة في الديوان (٥)، لأنه ربما يحتاج (٦) إلى ذلك لأمر ما، وما في يد الخصم (٧) لا يمكن الاعتماد عليه لاحتمال الزيادة والنقصان فيفعل ما ذكرنا لدفع هذه الحاجة. قال فإذا جاؤوه يقبضان الديوان فما كان من نسخ السجلات جمعاه في خريطة (٨)، وما كان من نسخ الصكوك جمعاه في خريطة، ونسخ الأوقاف (٩) في خريطة إن كان القاضي صاحب الأوقاف فيفردان (١٠) كل نوع من ذلك في خريطة على حدة) لأن القاضي الأول هو الذي وضع ذلك فكان يعرف مواضعه ولا يتعسر عليه طلبه عند الحاجة، وأما الثاني فربما يحتاج إلى شيء من ذلك ولا يعرف مكانه فيحتاج إلى تفتيش الكل وفيه حرج، قال (ويسألان القاضي المعزول شيئًا فشيئًا وليس قوله حجة) فإنه بالعزل التحق بواحد من الرعايا، لكن يسألانه لينكشف لهما ما أشكل [منهما] (١١) (ثم إذا قبضا ذلك كله ختما عليه) تحرزًا عن

стр. 38

الزيادة والنقصان، (ثم (١) البياض الذي كتب عليه القاضي المعزول النسخ (٢) لا يخلو إما أن يكون من بيت المال أو من مال القاضي أو من مال الخصوم (٣) فإن دفع ذلك بطيبة من نفسه في الوجوه الثلاثة فلا كلام، وإن أبى (٤) أن يدفع ذلك فإن كان من بيت المال أجبر على دفعه لأنه كان (٥) في يده لعمله وقد انتقل إلى غيره، (٦) وفي الوجهين الأخيرين اختلف [فيه] المشايخ، منهم من قال: لا يجبر لأنه ملكه أو وديعة عنده من جهة الخصوم (٧)، ومنهم من يقول يجبر على الدفع، وهو الصحيح لأنه إن كان من ماله فما اتخذه للتموّل بل للتبين (٨) والخصوم ما تركوه في يده لعينه بل لعمله وقد تحول عمله إلى غيره، قال (ويقبضان ذلك بحضرة القاضي المعزول، فإن لم يحضر بنفسه لا يجبر على ذلك) لأن القاضي المقلد لا يكلف الحضور للقبض بنفسه فالمعزول لا يكلف التسليم بنفسه أيضًا (لكن يبعث أمينين من أمنائه يسلمان ذلك إلى أميني الثاني (٩)، ويسأل أمينا الثاني (١٠) أميني الأول عن ذلك شيئًا فشيئًا ليقفا فيه على حقيقة الحال) (١١) كما ذكرنا في سؤال القاضي المعزول بنفسه، قال (ويأخذان الودائع وأموال اليتامى) لأن ذلك كان عنده لعمله (١٢) وقد زال عمله، قال (ويكتبان أسماء المحبسين) (١٣) لأن القاضي متى حبس إنسانًا ينبغي له أن يكتب اسمه واسم أبيه وجده، والسبب الذي حبسه فيه، وتاريخ الحبس، لأنه ربما يحتاج إلى سماع البينة على الإفلاس وذلك يكون بعد الحبس بمدة فلابد أن يكون معلومًا للقاضي، فإذا كان القاضي الأول يكتب ذلك على ما وصفنا فالقاضي المقلد يأخذ نسخة ذلك منه كما يأخذ منه نسخ سائر الأشياء ويكتب ذلك في تذكرته (١٤) ويختم عليه في قمطره، لكنه يكتب في تذكرته تاريخ

стр. 39

الحبس من الوقت الذي أرّخه القاضي المعزول لأنّ حبس الثاني بناء على الأول فيؤرخ من ذلك الوقت (١)، قال (ويكتبان أسماء المحبسين وسبب حبسهم ولمن حبسهم (٢)، ويسألان القاضي المعزول عن ذلك، ثم يبعث القاضي المقلد إلى الحبس من يحصيهم ويسألهم عن جميع ذلك ويجمع بينهم وبين خصومهم، فإن اتفق الثلاثة) يريد به القاضي المعزول والمحبوس ومن حبس له (أعاده إلى الحبس، وإن اختلفوا فصل بالحجة (٣) ولا يعمل بقول المعزول) لأن قوله ليس بحجة بعد العزل (فإن جمع بين المحبوس وبين خصمه فأقر له بحقه وطلب الخصم حبسه أعاده إلى الحبس) هكذا ذكر وذكر صاحب الكتاب بعد هذا في باب الحبس في الدين (٤) أنه إذا أقر الإنسان بحق لا يحبسه في المرة الأولى، وقال هنا: يحبسه، وإنما كان ذلك لأن الحبس عقوبة فإنما يستحق متى ظهر ظلم الخصم وتعنته، وبالإقرار لم يظهر ذلك (٥)، فإن امتنع (٦) عن الأداء بعد الإقرار ظهر الظلم فيعاقب بالحبس، وليس كذلك فيما ذكرناه بديًا فإن ظلمه ظهر بمقتضى حبس القاضي الأول إياه لأن فعله محمول على الصلاح ما لم يظهر خلافه، وهذا الفرق على ما قاله الخصاف، أما على ظاهر ما يشير محمَّد ﵀ إليه في الكتب (٧) لا فرق بين المرة والمرتين في أنه يحبسه ويجبره على الأداء (هذا إذا أقرّ المحبوس بالحق أما إذا أنكر وقال "حبسني بغير حق" فالقاضي لا يلتفت إلى قوله لكنه يكلف المدعي إقامة البينة على ما يدعيه فإن جاء بشهود تعرف عدالتهم أعاده (٨) إلى الحبس) لأن القاضي إنما يسأل عن الشهود ليعرف عدالتهم فإذا كان عالمًا بذلك لا

стр. 40

يرجع إلى غيره، (١) كما في قيم المتلفات القاضي إنما يرجع إلى غيره متى لم يكن هو عالمًا بذلك، أما إذا كان عالمًا يعرف ذلك بنفسه فإنه لا حاجة له إلى الرجوع إلى غيره (وإن كان القاضي لا يعرف عدالة الشهود فقد ذكرنا أن قول القاضي المعزول ليس بحجة) لأنه صار كواحد من الرعيّة (فيأخذ من المحبوس كفيلًا بنفسه ثم يطلقه وينظر في أحوال الشهود ويسأل عنهم فإن ظهرت عدالتهم رده إلى الحبس وإلّا فلا) وإنما كان كذلك لأنه ما لم تظهر (٢) عدالة الشهود لم يظهر الحق عليه فلا يستحق الحبس لكن لا يطلقه من غير كفيل لأن القاضي ناظر للمسلمين وكمال النظر (٣) هنا والاحتياط في أخذ الكفيل، حتى إذا عدلت البينة قدر على إعادته. قال (فإن كان في المحبَّسين قوم لم يحضر لهم خصماء (٤) لم يعجل بإطلاقهم لكنه يبلى العذر فيأمر مناديًا ينادي كل يوم إذا جلس من كان له حق قبل فلان فليحضر ليجمع بينه وبين خصمه، فإن من رأى القاضي أن يطلقه يفعل ذلك أيامًا (٥) ثم يطلقه) وهذا كان يفعل عند عرض اليمين على الخصم إذا نكل يقول له كل مرة "إن حلفت وإلّا قضيت عليك بالمال لمكان نكولك" ففعل ذلك ثلاثًا ثم يقضي عليه (٦)، عاد إلى المسألة فإن [حضر خصم لأحد منهم جمع بينه وبينه وإن لم يحضر تأنّى في ذلك أيامًا على حسب ما يرى القاضي ولم يعجل بإطلاقه فإن] (٧) لم يحضر خصم أحد منهم (٨) أخذ منهم كفيلًا بأنفسهم ثم أطلقهم بعد التأني) أما عدم الإقرار في الحبس فلأنه لم يظهر عليهم حق يستوجبون به الحبس وأخذ الكفيل احتياطًا والله أعلم. قيل ما ذكر من أخذ الكفيل في هاتين المسألتين إحداهما إذا أنكر المحبوس الحق فشهد عليه شهود لا يعرف القاضي عدالتهم، والثانية إذا لم يحضر خصم أصلًا إنما هو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، أما على قول أبي حنيفة ﵁ فإنه لا يأخذ منه كفيلًا بناء على مسألتين أخراوين، إحداهما: القاضي إذا قسم التركة

стр. 41

بين الورثة هل يأخذ منهم كفيلًا احتياطًا عسى يكون له وارث آخر؟ والثانية إذا قضى الدين من التركة هل يحتاط بأخذ الكفيل من الغرماء؟ عندهما يفعل ذلك، وعند أبي حنيفة ﵁ لا. قال في الجامع الصغير هذا شيء احتاطت به (١) القضاة، وهو ظلم، فيكون الاختلاف في مسألة الكتاب بناء على ذلك (٢). قال الشيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن أبي سهل السرخسي ﵀ والصحيح أن هذا قولهم جميعًا، فأبو حنيفة ﵁ يحتاج إلى الفرق، والفرق أن في مسألة قضاء الدين وقسمة التركة الحق ظاهر لهذا الوارث الحاضر والغريم الحاضر، وفي ثبوته لغيره شك عسى يكون وعسى لا يكون، فلا يؤخذ حقًا ظاهرًا لأمر موهوم، وفي مسألة كتابنا هذا (٣) الحق ثابت ظاهرًا وإن كان مجهولًا، لأن فعل القاضي المعزول محمول على الصلاح والسداد ما لم يظهر خلاف ذلك فلا يكون هذا أخذ الكفيل بحق موهوم، فلذلك افترقا. قال (وإن قال بعضهم أنا محبوس لرجل يقال له فلان ونسبه أقررت له بألف درهم عند القاضي فحبسني" وأحضر المال (٤) لخصمه فإن القاضي يحضر خصمه فإن عرفه القاضي بالنسبة التي ذكرها أو شهد على ذلك شهود يأمره القاضي بأداء المال إليه) لأنه أقر به (ثم ينظر فإن لم يجد له خصمًا آخر أطلقه) ولم يذكر صاحب الكتاب هاهنا الكفالة وهو (٥) موافق للمعنى الذي ذكرناه (٦) لأن صيانة فعل القاضي الأول حصلت بالحق الذي أقر به، وفي ثبوت غيره وهم، فلا يطلب لأجله كفيل (٧)، وكذلك لو أراد الخصم إطلاقه من غير قبض المال (٨) فهذا والأول سواء (فإن لم يقف القاضي من أمره على حقيقته يعني لم يعرف أن له خصمًا آخر سوى الذي حضر أولًا (يأخذ منه كفيلًا بنفسه ويطلقه) في الوجهين جميعًا سواء قبض الخصم المال أو لم يقبض) لأن القاضي ناظر محتاط، ولعلهما احتالا فيما قالاه والخصم غيره (فإن لم يعرف القاضي الطالب ولا شهد بمعرفته شهود فإنه يأمر الطالب فيقبض المال بإقرار المحبوس ثم ينادي عليه أيامًا "من كان يحبس فلان ابن فلان في حبس القاضي فليحضر" ثم ليأخذ منه كفيلًا بنفسه

стр. 42

ويطلقه (١) لأن الاحتياط فيه على ما ذكرنا (٢) (فإن قال "لا كفيل لي" أو "لا يجب عليّ إعطاء الكفيل وليس لي خصم سوى هذا الذي قبض المال" لم يعجل القاضي في إطلاقه ولم يجبره على إعطاء الكفيل، لكنه ينادي وينادي عليه شهرًا أو نحوه على حسب ما يراه القاضي ثم يطلقه) (٣) سأل صاحب الكتاب سؤالًا على نفسه فقال (فإن قال قائل: لا ينبغي لهذا القاضي المولى أن يترك أحدًا من المحبَّسين (٤) إلَّا أطلقه إلّا رجلًا يقرّ لإنسان بعينه بحق فيريد ذلك الإنسان حبسه وإنسان يأتي بشهود عدول على أحد منهم فأما من لم يحضر له خصم فإن القاضي لا يحبسه) وهذا (لأن القاضي ما حبسه لحقه بل لحق غيره فإذا لم يكن هناك من يخاصمه وجب إطلاقه (٥)؟) وأجاب عن ذلك (٦) فقال (إنا نضع أمر القاضي على أنه لا يحبس إلَّا بأمر يلزم به الحبس، لأن القاضي عندنا على العدالة حتى يصح [عليه] خلاف ذلك). ثم ذكر سؤالًا آخر فقال (فإن قال قائل: فإذا لم يطلقهم القاضي فلا ينبغي أن يتعرض في أمورهم بشيء لا يأمر بحبسهم ولا ينهي عن ذلك لأنه إنما يفعل بحجة ولم تقم عنده حجة الحبس ولا حجة الإطلاق؟) (٧) وأجاب عنه فقال (إن القاضي إذا قال "أنا لا آمر في هؤلاء بشيء، ولا أنهي" فإذا أطلقهم البواب من الحبس هل يتركه القاضي، وذلك فلا ينبغي أن يتركه (٨) وذلك [لأنه ليس للقاضي أن يطلق فلا يترك أحدًا يطلق أيضًا] (٩) ولكنه يكشف عن

стр. 43

أمورهم ويسأل عن أحوالهم، فإذا صح عنده شيء عمل به) على ما وصفت لك. قال ﵀ (ثم الحبس في حق المحبسين لا يخلو إما أن يكون بسبب الديون أو بسبب العقوبات، ثم العقوبات لا تخلو إما أن تكون خالصة للعباد نحو القصاص نفسًا وما دون ذلك، وإما أن تكون خالصة لله نحو حد الزنا والسرقة، وإما أن تكون مترددة دائرة بين الحقين نحو حد القذف، فإن كان الحبس بسبب الدين فقد ذكرنا ذلك، فأما إذا كان بسبب عقوبة خالصة للعباد بأن قال واحد من المحبَّسين "إنما حبست لفلان لأني أقررت له بقصاص" فجمع القاضي بينه وبين خصمه، فإن ادعاه الخصم ينظر إن كان قصاصًا في النفس يمكنه من الاستيفاء بإقراره) لأنه لا يتمكن فيه تهمة المواضعة (وإن كان القصاص في الطرف (١) يمكنه الاستيفاء أيضًا بحكم الإقرار لكن لا يعجل بإطلاقه) لتمكن (٢) تهمة المواضعة (٣) من حيث يجوز أن يكون عليه قصاص في النفس لرجل لكنه احتال ببذل الطرف ليتخلص بنفسه فينادي عليه أيامًا (٤) ثم يأخذ منه كفيلًا ويطلقه (٥) (فأما إذا كان الحبس بسبب العقوبات الخالصة لله بأن قال "إنما حبست لأني أقررت بالزنا أربع مرات عند القاضي المعزول فحبسني ليقيم علي الحد" فإن المولى (٦) لا يقيم عليه الحد بذلك الإقرار) لأن ما كان من الإقرار عند المعزول (٧) لا يكون حجة في حق المولى (٨) (لكنه (٩) يستأنف الحكم في حقه، فإن أقر (١٠) عنده أربع مرات في أربع مجالس صح ذلك وجاز العمل عليه، فإن كان محصنًا رجمه، وإن كان غير محصن جلده ثم يتأنى في أمره وينادي (١١) عليه أيامًا (١٢) فإن لم يحضر له خصم أخذ منه كفيلًا ثم أطلقه (١٣) فإن رجع عن الإقرار صح منه رجوعه) لأنه لو كان يرجع عند الأول (١٤) بعد ما أقر صح رجوعه كذلك إذا رجع عند الثاني (لكنه لا يعجل

стр. 44

بإطلاقه بل ينادي عليه أيامًا ويأخذ منه كفيلًا بنفسه ويطلقه فأما إذا قال "قامت عليّ بينة بالزنا فحبسني ليقيم علي الحد" فإنّ القاضي لا يقيم عليه الحد بتلك البينة) لأنّ ما كان من الشهادة عند المعزول لا تعتبر في حق المولى (١) (وكذلك إن شهدوا عند الثاني إذا كان العهد قد تقادم) (٢) لأنّ الشهادة على الزنا يمنع من قبولها تقادم عهدها بخلاف الإقرار فإنّ التقادم لا يمنع منه (٣) (وإذا كان لا تقبل عليه تلك البيّنة لا يعجل في إطلاقه لكنه يتأنى وينادي عليه أيامًا (٤) ثم يطلقه بعد أخذ الكفيل بنفسه، فإن قال "إنما حُبست لأني أقررت بالسرقة عند القاضي فحبسني لأجل ذلك ليقيم على حد القطع" قطع القاضي يده، سواء تقادم العهد أو لم يتقادم) لأن التقادم لا يؤثر في الإقرار بالسرقة كالزنا، ثم (٥) لا يعجل بإطلاقه لتوهم الحيلة على ما مر (ولو قال "قامت عليَّ بينة بالسرقة فحبست" فإن القاضي لا يقيم القطع بتلك البينة) لما ذكرنا (وكذلك لو عادوا فشهدوا عند الثاني إذا كان العهد قد تقادم) لأن التقادم مانع قبول البينة على السرقة كالزنا (وإذا لم تقبل البينة لا يعجل بإطلاقه) على ما مرّ (فإن قال "إنما حبست لأني أقررت عند القاضي بشرب الخمر أو بالسكر من نبيذ التمر" أو قال "قامت عليَّ بينة بذلك" لم يقم عليه الحد في الفصلين جميعًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما (٦) الله) لأنّ وجود الخمر في بطنه وقيام الرائحة منه شرط عندهما لوجوب الحد في الإقرار والبينة جميعًا، ولم يوجد ذلك (وعند محمَّد ﵀ ينبغي أن يحده في الإقرار) لأن التقادم لا يؤثر فيه، كما في الزنا (فإن قال "حبسني القاضي لهذا الرجل لأني قذفته بالزنا" وصدقه ذلك الرجل استوفى منه الحد (٧) ولا يصح رجوعه، بخلاف حد الزنا) لأنه خالص حق الله تعالى والله أعلم (٨).

стр. 45

قال الخصاف ﵀: (فأما أموال الودائع (١) فإن قال القاضي المعزول: على يدي فلان بن فلان كذا وكذا من المال وهو لفلان، فإن القاضي المولى يسأل الذي على يديه الوديعة) ثم بعد ذلك المسألة على أربعة أوجه (إما أن يقول (٢) الذي على يديه: دفعه إليّ القاضي فلان، وقال: هو لفلان، أو قال: دفعه إلي القاضي ولا أدري لمن هو وأنكر ما قاله القاضي كله، أو قال: دفعه إلي القاضي المعزول وهو لفلان، رجل آخر غير الذي سمّى المعزول: ففي الوجه الأول والثاني [القاضي المولى] (٣) يقبل قول القاضي المعزول ويكون المال للمقر له) لأنّ الذي في يديه المال لما وافق القاضي على الوصول من جهته يثبت يد القاضي المعزول معنى لقيام بديانته (٤) فيقبل إقراره بذلك لغيره، لأن ذا اليد مقبول الإقرار (ونظيره) ما ذكره في الكتاب (رجل في يديه مال أقر أن فلانًا دفعه إليه، ثم إن فلانًا المقرّ له أقر أنه لفلان رجل آخر: يكون المال للمقر له بالملك) لهذا المعنى (٥) (وفي الوجه الثالث: القول قول الذي المال في يديه، ولا يقبل قول المعزول عليه) (٦) لأنه التحق بسائر الرعايا (وفي الوجه الرابع [المسألة] (٧) على وجهين: إما إن بدأ صاحب اليد بالدفع فقال "دفعه إليَّ القاضي المعزول لكنه لفلان "رجل (٨) آخر غير الذي سماه المعزول أو بدأ بالإقرار فقال" هذا المال لفلان (٩) دفعه إليّ القاضي المعزول" ففي الوجه الأول القول قول القاضي المعزول، ويؤمر بالدفع إلى الذي أقر له القاضي) لأنه لما أقر بدفع المعزول فقد ثبت (١٠) اليد للمعزول وهو نائب عنه في اليد، فبعد ذلك إذا أقر لآخر لم يعمل إقراره لأنه إقرار غير ذي اليد (١١) (وأما) في الوجه الثاني وهو ما (إذا بدأ بالإقرار لفلان فإنه يؤمر بالتسليم إليه، ثم

стр. 46

يضمن للذي أقر له القاضي المعزول مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن لم يكن مثليًا) وإنما كان كذلك لأن إقراره الأول صح، لأن المال في يده فيؤمر بالتسليم (١) إلى المقر (٢) له بحكم إقراره (٣)، فإذا قال بعد ذلك "دفعه إلى القاضي" والقاضي يقول "هو لفلان"، رجل آخر فقد أقر بالأخذ من القاضي وقد أتلفه بإقراره الأول، لأن التسليم إلى الأول كان بحكم إقراره فيغرم (٤) مثله [إن كان من ذوات الأمثال]، بخلاف الفصل الأول فإنه هناك لم يتلف شيئًا لأن التسليم الذي أقر له القاضي الأول بحكم إقرار القاضي لا بحكم إقرار صاحب اليد، إنما ذو اليد صدق القاضي لا غير فلم يمكن تضمينه (٥). وجنس هذه المسألة يعرف في كتاب الإقرار، (٦) والحكم الذي ذكرناه في العقار والضياع والعروض وسائر الأموال سواء (٧). قال الخصاف (وإن قال القاضي المعزول "على يدي فلان عشرة آلاف درهم أصابت فلانًا اليتيم من تركة والده فلان" وصدقه بذلك الذي في يديه المال فإن القاضي المولى يقبل قول المعزول) لأن اليد له معنى (٨) (فبعد ذلك إن لم يدع أحد من ورثة الميت هذا المال (٩) فهو لليتيم، وإن حضر الورثة فقالوا "هذا مال والدنا ولم نستوف حقوقنا منه (١٠) " لم يقبل عليهم قول القاضي المعزول) لأنه أقرّ بالمال لوالدهم وهو مقبول منه لأنه ذو اليد، ثم ادّعى عليهم استيفاء حصصهم فلا يقبل قوله عليهم من غير حجة (فيكون المال بينهم وبين اليتيم الذي أقر له القاضي على فرائض الله تعالى إلَّا أن القاضي يحتاط لليتيم فيحلفهم بالله ما استوفوا حصصهم) لأنه ناظر لمن عجز عن النظر لنفسه، وهذا اليتيم كذلك (وهذا بمنزلة غرماء الميت يحلفهم القاضي بالله ما استوفوا ولا أبرؤوا ثم يوفيهم الدين من التركة).

стр. 47

قال (وكذلك لو كان مكان الدراهم (١) ضياع أو عروض أو نحو ذلك) (٢). قال (فإن كان ما لا يصك على رجل وكان القاضي قد بين سبب المال أو شهد في الصك أنه لفلان اليتيم أصابه من تركة والده فلان، وأن سائر الورثة قد استوفوا حصصهم: كان هذا المال لليتيم دون الورثة) وإنما كان كذلك لأن إشهاد القاضي لهم استوفوا [حقوقهم من تركة والدهم فلان من المال] (٣) حكم منه [عليهم] (٣) بذلك، وكل حكم حكم به القاضي الأول ينفذه الثاني إذا قامت به بينة، وهاهنا قد شهد الشهود على إشهاد الأول في وقت ينفذ قضاؤه فحكم بذلك (٤) (فأما إذا لم يشهد الشهود على ما في الصك من الإشهاد عند القاضي الثاني فأنه لا يقبل قول المعزول) لما ذكرنا غير مرة. قال (وإن كان القاضي المعزول أشهد أن المال لفلان اليتيم ولم يقل من تركة والده فالمال لليتيم) لما ذكرنا أن اليد للقاضي (فإن (٥) ادّعى الورثة حقوقًا في ذلك المال بسبب الإرث من والدهم فلا شيء لهم) لأنّ إقرار القاضي صح، لأنّه ذو اليد فيثبت الملك لليتيم وليس من ضرورة كونه إرثًا لأن أسباب الملك متعددة (٦) قال (إلى أن يبلغ اليتيم فيسأل، فإن أقر بشيء لزمه، وإلا فالحكم فيه يتبع الحجة) هذا تمام الكلام (٧) في الأموال والودائع. (وأما الضياع الموقوفة التي على أيدي الأمناء فإن القاضي المعزول إذا قال "ضيعة كذا وكذا ثبت عندي بشهادة الشهود أن فلان بن فلان الفلاني وقفها على كذا وحكمت بذلك ووضعتها على يدي فلان بن فلان وأمرته بإنفاذ غلاتها في الوجوه التي شرطها الواقف" وصدقه في ذلك الأمين الذي ذلك على (٨) يديه، فهذا على ثلاثة أوجه: إمّا إن أقر ورثة الواقف بذلك وصدقوا القاضي فيما قال وإما أن جحدوا ذلك وقامت به بينة على قضاء القاضي المعزول أو على إقرار الواقف، وإما أن جحدوا ولم يقم عليهم بيّنة؛ ففي الوجه الأول ينفذ القاضي ذلك بإقرارهم) لأنّ القاضي المعزول لما أقر بالملك لأبيهم

стр. 48

وصدقه الأمين ثبت الملك لأبيهم ثم ادّعى الوقفية وقد صدقوه وهم خلف أبيهم، فصار كما لو كان الأب حيًا وصدق (وفي الوجه الثاني ينفذ القاضي ذلك أيضًا عليهم) كما لو كان الواقف حيًا فقامت عليه بينة بإقراره أو بحكم القاضي يلزمه ذلك، فكذلك في حق خلفه (١) (وأما الوجه الثالث فإن القاضي المولى لا يقبل قول المعزول ولا قول الأمين عليهم، ويردها ميراثًا بينهم) لأن الملك ثبت لأبيهم ظاهرًا بإقرار القاضي وتصديق الأمين فبعد ذلك لا يقبل قولهما على الورثة (لكن القاضي يحلفهم على العلم احتياطًا لأرباب الوقف) أعني من وقف عليه، قال (وإن لم يفسر القاضي ذلك وقال هذه الضيعة وقف عليّ كذا وهي على يدي فلان وصدقه فلان أنفذها القاضي الثاني ولا يسألهم عن التفسير) لأنه لو سأل ربما يذكر الواقف فيحضر ورثته وينكرون الوقف فيعجز القاضي عن القضاء، ولا ينبغي للقاضي أن يسأل عن أمر يعجزه عن القضاء (٢). قال الخصاف ﵀ (وينبغي للقاضي أن يحاسب الأمناء على ما جرى على أيديهم من أموال اليتامى وغلاتهم (٣) ومن كان قد أقامه القاضي مقام الوصي قبل قوله فيما يقبل قول الوصي فيه) أما محاسبة الأمناء فلما روي عن عمر ﵁ أنه كان يحاسب عماله في كل سنة، وهذا لأن القاضي يتولى حفظ أموال اليتامى والأوقاف ولا يقدر على ذلك بنفسه فلابد أن يستعين بغيره ثم يحاسبه، لأنّ فيه حفظ أموال اليتامى. ولذلك نصب (٤). ثم إن صاحب الكتاب فرق بين الوصي (٥) والقيم فقال ومن كان منهم أقامه القاضي

стр. 49

مقام الوصي ثم (١) ومن لم يكن منهم أقامه مقام الوصي وإنما جعله قيمًا (٢) والفرق أن القيم من يملك الحفظ لا غير، حتى لو تصرف صار ضامنًا بمنزلة المودع يتصرف في الوديعة فإنه يضمن، والوصي يملك الحفظ والتصرّف جمعًا - قال ﵀: هذا فرق كان من قبل، أما في زماننا هذا فلا فرق بينهما ويملكان الحفظ والتصرف (٣). قال (ومن جعله قيمًا على ضيعة ليتيم وقبض أمواله يبيع الغلات وينفق على اليتيم، فإن هذا ينبغي أن يقبل قوله فيما أنفق على عمارة الضيعة (٤) إذا ادّعى ما ينفق على مثلها في مثل تلك المدة) لأنه أمين، لم تعرف خيانته ولا يقبل قوله في الزيادة على ما ينفق مثله احتياطًا ونظرًا للصبي (٥) (فإن كان الأمين أنفق (٦) من مال نفسه وأراد الرجوع في مال اليتيم (٧) لم يقبل قوله في ذلك ما لم يأت ببيّنة) والفرق بين هذا وبين الأول أنه هنا يدّعي حق الرجوع على الصبي فلابدّ فيه من بيّنة وفي الوجه الأول لا يدعي عليه شيئًا لكنه أمين ادّعى صرف الأمانة إلى جهتها فيصدق قال (فإن اتهم أحدًا منهم [في شيء] (٨) استحلفه) لأنه ناظر محتاط، قال بعضهم: إنما يستحلفه إذا تعين ما خان فيه لأن الاستحلاف على المجهول غير ممكن، وقال بعضهم: وهو الصحيح بل يحلف على كل حال "بالله ما خنت" لأنه أنظر وأحوط (٩). قال (فإن ادّعى أحد الأمناء أن القاضي المعزول أجرى له رزقًا لم يقبل قوله، وإن كان أخذ شيئًا من ذلك ردّه) لأن قول الأمين على غيره لا يقبل فيما سوى الأمانة (وكذلك إن أخبر

стр. 50

به القاضي المعزول) (١) لأن قوله [للحال] ليس بحجة (فإن قامت بينة على أن القاضي المعزول أجرى لهم ذلك نظر فيه الثاني؛ فإن كان ذلك أجرة المثل نفذه وأمضاه) لأن فعل القاضي الأول في حال ولايته متى ثبت وجب إمضاؤه، ولا يقبل البينة في حق الزيادة لأن الأول بالزيادة فعل ما لا يحل فعله لأن النظر للأيتام والأوقاف واجب، ومتى كان فعل الأول حرامًا لم يلزم الثاني إمضاؤه (٢). قال (فإن لم يكن للأمناء بينة أن القاضي أقامهم مقام الوصي فلما تولى الثاني حضروه فقال كل واحد منهم "في يدي كذا وكذا لهذا اليتيم، وقد صار في يدي من غلاتها كذا فأنفقت منه كذا على الضيعة واليتيم وبقي في يدي كذا وكذا ودفعت منه في الوجوه المسألة كذا" لم يقبل القاضي قوله فيما أنفق وباع حتى يقيم البينة على إقامة القاضي إياه مقام الوصي) لأنه يدّعي سبب الولاية لنفسه فلا يقبل إلّا ببينة (٣) (وقول القاضي المعزول في ذلك ليس بحجة) لأنّه واحد من الرعية (فإن أقام بيّنة على إقامة القاضي إياه مقام الوصي فحينئذٍ يقبل قوله فيما يقبل فيه قول الوصي) على ما مر (وكذا لو أقام بيّنة على أن الأول جعله أمينًا لا غير يضمنه ما أخرج من ذلك نفقة وبيعًا وغيره) لأنّ الأمين لا يملك التصرف كالمودع فيلزمه رد ما تصرف فيه (٤)؛ قال الفقيه أبو جعفر الهندواني: إن كان هذا الأمين رجلًا صالحًا ينبغي أن يقبل قوله لأنه فعل عين ما يفعله القاضي لو رفع الأمر إليه (٥)، ومن هذا الجنس رجل كفن

стр. 51

ميتًا من مال الميت ثم رَفَعَ الأمر إلى القاضي لا يضمنه استحسانًا، وكذلك واحد من صلحاء المحلة إذا استغل الوقف وأنفق عليه لا يضمن استحسانًا (١)، كل هذا قول الفقيه أبي جعفر ﵀، والقياس، وهو ظاهر المذهب، أنه يضمن متى علم القاضي بذلك. هذا إذا كانت غلة لا تحصل بعقده كالثمار، أما إذا كانت غلة تحصل بالعقد منه كأجرة الحوانيت وما أشبه ذلك فإنه لا يضمن شيئًا في ذلك كله لأنه متى لم تثبت إقامة القاضي إياه مقام الوصي صار غاصبًا، (٢) ومن أصلنا أن الغاصب لا يضمن المنافع (٣). قال (وإذا قال كل واحد منهم "هذه الضيعة في يدي، وصار في يدي منها كذا ولم يقل بعت ولا أنفقت" فالقول قوله فيما أقر به، ولا شيء عليه) لأنه لم يقر بشيء يلزمه شيئًا (٤) (فإن أراد القاضي استحلافه على شيء من ذلك حلفه، وإن قال القاضي "لا أقبل منكم جمل الحساب إلّا أن تفسروا ما جرى على أيديكم في كل سنة شيئًا فشيئًا" فقالوا "قد حاسبنا القاضي المعزول إلى وقت كذا وأبرأنا ولا على ذلك بيّنة" قبل أقوالهم) (٥) لأن حكم الأول ماضٍ متى ثبت عند الثاني بالبينة، ويحاسبهم الثاني على ما جرى على أيديهم من ذلك الوقت الذي أبرأهم فيه الأول قال (فإن قالوا ليس لنا بيّنات على إقامة القاضي إيانا أمناء ونخاف إن أقررنا عندك بشيء تلزمناه ولا تقبل أقوالنا والذي في أيدينا كذا وكذا" فإنه لا ينبغي للقاضي أن يحملهم على الإقرار، وينظر في هذا بما هو أصلح، فمن كان منهم معروفًا بالأمانة قبل منه الجملة، وإن لم يكن أراد استحلافه حلفه بالله أنه ليس في يده إلّا ما أقرّ به. ولا أتلف منه شيئًا ولا وضعه في غير وجهه) لأنه متى كان معروفًا بالأمانة فالظاهر

стр. 52

صدقه والاستحلاف نظرًا للوقف احتياطًا، ولا يضمنه شيئًا لم يثبت عليه ما يلزمه ضمانًا (ومن كان منهم متهمًا سأله عن تفسير ما جرى على يديه) احتياطًا للوقف كيلا يتلف منه شيئًا (فإن لج وقال "لا أفسر مخافة أن أقر بشيء قبل مني إياه" لم يجبره (١) على التفسير) لأن فيه إضرارًا به (لكن (٢) يحلفه على ما ذكرنا، ولا يضمنه شيئًا) لأنّ الثابت مجرد التهمة، وذلك لا يصلح للتضمين (٣). قال (وحكم موت القاضي كحكم عزله في جميع ما ذكرنا). قال الخصاف ﵀ (وينبغي للقاضي أن يتعرف من في البلد الذي وليه من العدول وأهل الثقة والأمانة إن قدر أن يتعرّف ذلك قبل دخول البلد فعل) (٤) وذلك لوجهين أحدهما أن القاضي يحتاج إلى معرفة الفقهاء للرجوع إليهم في أحكام الحوادث، وإلى معرفة الصلحاء للرجوع إليهم في تعديل الشهود، وإلى معرفة العدول حتى إذا شهدوا عنده قبل شهادتهم للحال من غير تعديل. والثاني أنه متى ورد البلدة دخل عليه أهلها زوّارًا فيحتاج إلى كل واحد منهم منزلته، وإنما يمكن ذلك متى عرفهم، فإذا أراد أن يفعل ذلك يبعث أمينه قبل وروده البلدة يتعرف ذلك ثم يخبره، فإذا دخل البلدة سأل واحدًا من أمنائهم عن الباقين لجواز أن أمينه جار في حق البعض (٥) فيسأل بعضهم عن بعض (٦) (هذا إذا كان القاضي ليس من أهل البلدة، فإن كان منها) (٧) وقد وقعت توليته قضاها في موضع آخر وأراد الرجوع إليها فإن كان ممن يزوره بعض الناس قبل القضاء ولا يزوره البعض، وبعد القضاء يزوره الكل، وهو يعرف البعض ولا يعرف البعض فعل ما ذكرناه في القاضي إذا لم يكن من أهل البلدة) لأن ذلك أحذر لحفظ الحقوق على أربابها فيفعله والله أعلم بالصواب. باب القاضي يقضي في المسجد ذكر (عن هشام (*) مولى لقريش قال: سمعت الحسن يحدث قال: أتيت مسجد المدينة

стр. 53

ذات يوم بالهاجرة"، فإذا أنا بابن عفان ﵁ قد كوم كومة من الحصا ووضع رداءه ثم اتكأ فإذا رجل حسن الوجه حسن اللحية، وإذا بوجنتيه نكتات من أثر الجدري، وإذا الشعر قد كسى ساعديه، قال فجاء سقاء معه قربة له يخاصم رجلًا، فجعل ينظر [فيما] (١) بينهما) أفاد الحديث أن عثمان ﵁ (٢) كان حسن الوجه جميل اللحية (٣)، وأفاد جواز القضاء في المسجد فإنه كان عامة جلوس عثمان ﵁ في المسجد، وكذلك كان عمر ﵁ عامة جلوسه في المسجد، وهكذا ينبغي للقاضي أن يفعل (٤) لأنه أيسر (*) على الخصوم. وهذه مسألة مختلف فيها بين أهل العِلم، فمذهبنا أنه في سعة من القضاء في المسجد، وينبغي له أن يفعل ذلك. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز له الجلوس للقضاء فيه (٥). وقال مالك بن أنس ﵀: هو على التفصيل، إن كان دخل لأجل الصلاة فتقدم إليه الخصوم فلا بأس أن ينظر بينهم، فإن تعمّد الدخول لأجل القضاء لم يسعه ذلك (٦). الشافعي رحمة الله عليه، يقول: القاضي قد يحضر عنده المشرك (٧) وهو نجس بالنص يجب منعه من دخول المسجد، وهذا مذهبه أن المشركين يمنعون من دخول المساجد، قال: وقد يحضر مجلسه الحائض وهي منهية عن دخول المسجد بالإجماع، وكذلك الجنب. ولنا ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال إنما بُني المسجد (٨) لذكر الله والحكم"؛ وروي أنه ﵊ كان يفصل بين الخصوم في معتكفه، وعلى هذا كان الأئمة المهديون والسلف الصالحون (٩)، أما قوله "المشركون نجس" قلنا: ذلك في اعتقاده لا في

стр. 54

ذاته (١) فلا يتعدى إلى المسجد (٢)، وأما الحائض فهي مسلمة الظاهر تحرزها عن مواضع النهي، وأنها تخبر القاضي بذلك ولا تدخل فيه، فمتى أخبرته أنها حائض لا يكلفها الدخول لكن يخرج إلى باب المسجد فينظر في خصومتها، كما يفعل لو احتاج إلى سماع بينة على دابة فإنه لا يدخلها المسجد بل يخرج فيسمع البينة ويشاهد الإشارة إليها ثم يرجع، كذا هنا. وذكر (عن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: لا يقعد (٣) قاض في مسجد يدخل فيه المشركون فإنهم نجس، وتلا قول الله عز وعلا ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية، وعن (٤) عمر بن عبد العزيز أيضًا أنه كتب أن لا يقضي القاضي في المسجد) وذكر (عن المثنى بن سعيد (٥) قال: رأيت الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجًا من المسجد) (٦) غرض صاحب الكتاب من إيراد هذا بيان أن هذه المسألة اختلف فيها السلف والخلف، ولم يقع إجماع على أحد طرفيها، فالمتأخرون اختلفوا أيضًا. ذكر (عن يحيى بن يعمر (٧) أنه كان يقعد في الطريق فيقضي) وهذا لأنه بتقلّده القضاء إلتزم فصل الخصومات، فمتى توجه ذلك لزمه دفعه في أي مكان أمكن، لكن هذا إذا كان لا يضيق الطريق على المارة، فإن كان بسبب قعوده يضيق الطريق على المارة لا ينبغي أن يقعد لكنه يقف في ناحية فيقضي (٨)، فإن كان بسبب قيامه يضيق الطريق لا يقوم أيضًا بل يذهب، ولا يقضي وهو يمشي لأن رأيه متفرق فإذا وجد مكانًا خاليًا وقف فيه فقضى. ذكر (عن ابن المبارك عن رجل قال: أتيت يحيى بن يعمر في منزله فقال: القاضي لا

стр. 55

يؤتى في منزله) ولهذا تأويلان: أحدهما أنه لا يؤتى في منزله بعد ما مل من فصل الخصومات ورجع إلى منزله ليستريح، فلا ينبغي أن يتبع لأنه إضرار به، والثاني أنه متى أتى في منزله يتهم بالميل والمراعاة فيجب التحرز عن ذلك (١) - والله أعلم. وذكر (عن شريح أنه كان (٢) إذا كان يوم مطر (٣) قضى في داره) وله تأويلان: أحدهما أنه فعل ذلك رفقًا بنفسه كيلا تلحقه المشقة والكد بالمضي إلى المسجد، وجعل المطر عذرًا له (٤) في ذلك وهو يصلح لأن رسول الله ﷺ جعل المطر عذرًا في التخلف عن الجماعة، قال ﷺ إذا ابتلت (٤) النعال فالصلاة في الرحال"، (٥) والجماعة تفوت أصلًا، والقضاء لا يفوت لأن يفعله في منزله، فإذا (٦) كان المطر عذرًا هناك فهنا أولى (٧)؛ والثاني (٨) أنه فعل ذلك تنزيهًا للمسجد وتحرزًا عن تلويثه، لأن أقدام الخصوم لا تخلو عن شيء في يوم المطر، فرأي تلويث داره أحب إليه من تلويث المسجد. ذكر (عن حسان بن إبراهيم قال: رأيت محارب بن دثار يقضي في المسجد، قال ورأيته يخضب بالسواد) ذكر القضاء في المسجد لما ذكرنا، وأما الخضاب فقد اختلف فيه السلف فكرهه بعضهم قالوا: لأنّ الشيب نور من أنوار الباري جلت قدرته فيكره تغييره، ولم يره بعضهم بأسًا (٩) وقد روي عن أبي بكر ﵁ أنه كان يخضب بالحناء والكتم، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: كما يعجبني أن تتزيَّن امرأتي لي يعجبها أن أتزين لها؛ هذا منقول عن السلف. وقد روي عن أبي يوسف في ذلك روايتان: في رواية قال: إن كان من المحاربين فلا بأس له بذلك، فكأنه ألحق ذلك بطول الشارب والظفر فأنه لا يكره لمن كان من أهل القتال، أما طول الشارب فلأنه أهيب في عين العدوّ، وطول الأظفار لأنها سلاحه (١٠)،

стр. 56

والرواية الثانية عن أبي يوسف قال: إن كان له امرأة أو أمة فلا بأس بذلك (١). ذكر (عن الحكم بن عتيبة (٢) قال رأيت شريحًا يقضي في المسجد وعليه مطرف خز، وكان يجلس حتى يقضي بين الخصوم، فإذا كان الغد واجتمعوا صاح فيهم: أتتظالمون بالليل) أفاد أن القاضي ينبغي له أن يلبس أجمل ثيابه وأحسن ملابسه، لأنه أهيب له وأحرى أن لا يستخف به، (٣) وقوله "أتتظالمون بالليل" كأن شريحًا كره الابتكار لأجل الخصومة، لأن الابتكار ينبغي أن يكون لطلب العلم وكسب أسباب الخير لا للخصومة. ذكر (عن عامر الشعبي (٤) أنه كان يقضي بين اليهود والنصارى والمجوس والنساء إذا كنَّ لا يصلين على باب داره) كأنه نزه داره عن هؤلاء، فأما في المسجد فإدخال المشركين لا بأس به عندنا، وله أن لا يدخلهم، وأما النساء الحُيَّض فيتحتم على القاضي الخروج إلى باب المسجد لينظر بينهن والله أعلم. قال صاحب الكتاب (قال أبو حنيفة ﵁: ينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في مسجد الجامع، فإنه أشهر المجالس (٥) وأحرى أن لا يخفى على من أراد مجلس القاضي) (٦) وهذا لأنّ القاضي يحضر عنده الغرباء وأهل البلدة فينبغي أن يكون في أشهر المواضع، وأشهر المواضع في كل بلد مسجد الجامع. قال (وإن جلس في مسجد حيّه فلا بأس بذلك) لأن القاضي لا يكلف (٧) الحضور عند الخصوم وفي تعيين المكان عليه تكليف له في الحضور عند الخصوم (٨) (وكذلك إن جلس

стр. 57

في بيته (١) فلا بأس به) لما ذكرنا (لكن ينبغي أن يأذن للخصوم في الدخول عليه ويجلس معه في بيته (٢) من كان يجلس معه في المسجد) تحرزًا عن التهمة، قال (وإذا دخل المسجد فأحب إلي أن يصلي (٣) ركعتين) وهذا تحية المسجد ولا تختص بالقاضي، لما روي عن رسول الله ﷺ (٤)، أنه قال: "من دخل المسجد فليحيه بركعتين"؛ قال (وإن شاء أربعًا) لما روي عن رسول الله ﷺ : "الصلاة خير دائم فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر"؛ (والأربع أفضل) لأنها صلاة النهار، والأفضل في صلاة النهار الأربع، ثم اختلفوا فقال (٥) بعضهم: إذا دخل المسجد يجلس ساعة ثم يصلي التحية، وقال بعضهم: لا بل كما يدخل يصلي التحية ثم يجلس، قال (ويدعو الله تعالى بعد صلاته أن يوفقه ويسدده للحق ويعصمه عن الخطأ والزلل) قال (ثم يجلس للحكم مستقبل القبلة بوجهه) وذلك لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" قال (٦)، ﵀ وهذا في زمانهم وديارهم، أما في ديارنا فالرسم أن يسند (٧) ظهره إلى القبلة ويستقبل القوم بوجهه لما روي عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا فرغ من صلاة الفجر أسند ظهره إلى القبلة (٨) وأقبل بوجهه على أصحابه وقال "هل رأى أحدكم (٩) رؤيا (١٠) " ولأنه متى كان ظهره إلى القبلة كان وجه الخصم إلى القبلة وذلك أمنع لهم عن الكذب وأدفع عن الظلم (١١)، قال (ويكون الناس أمامه بالبعد حيث لا يسمعون ما يدور بينه وبين من يقدم إليه) قال شيخنا الإمام (١٢):

стр. 58

يريد بالناس أعوانه، لأنه أهيب لمجلسه وأحرى (١) أن لا يستهان به (٢)، وفيما ذكره غير شيخنا ما يدل على أن المراد به الخصوم والأعوان (٣). قال (لأنه يجري (٤) بين الخصوم ما لا يحب إطلاع الناس عليه) وفي موضع آخر قال: لأنه ربما يلقن بعض الخصوم أو الشهود، قال (ويجلس كاتبه ناحية عنه حيت يراه) كيلا يخدع (٥) فيما هو بصدده من العمل (٥) (وإن أراد أن يجلس معه قومًا من أهل الفقه والأمانة أجلسهم قريبًا منه) وذلك لأنه إنما يجلس أهل الفقه لأجل المشورة وذلك إنما يحصل إذا كان قريبًا منه (٦)، وأما الأمناء فلأنهم إن حضروا لأداء الشهادة وجب إكرامهم لأن إكرام الشهود واجب، وفي تقرير مجلسهم كرامة لهم، وإن حضروا ليذكروا القاضي بشيء (٧) فإنما يحصل هذا المقصود متى كانوا بقرب منه (٨) بخلاف الأعوان وغيرهم من الخصوم على ما مر قال (٩) ويضع القمطر إلى جانبه عن يمينه) أما الوضع في المجلس (١٠) فلأن القمطر سلاحه لأنه فيه المحاضر والسجلات وصكوك الديون (١١)، والسلاح ينبغي أن يكون معه ليحصل المقصود منها، ويضع ذلك عن يمينه لأنّ رسول الله ﷺ كان يختار التيامن في كل شيء، قال في القمطر (١٢) (وقد أخرجها القيم وحملها بين يديه من منزله إلى المسجد) الحمل بين يديه، لأن ذلك سلاحه على ما مر، والسلاح يحمل بين يديه، (١٣) كان رسول الله ﷺ يحمل عنزته بين يديه، وهكذا رسم ملوك

стр. 59

زماننا قال (ثم يفتح القاضي القمطر [أو قيمه أو كاتبه من غير أن يدخل أحدهما يده فيها خوفًا من أن يدخل فيها ما ليس] (١) منها، فيدخل القاضي يده لا غير) فالحاصل أن القاضي ينبغي أن يحترز كل الاحتراز ويحتاط جميع أنواع الاحتياط، لأنه ناظر محتاط والله أعلم، قال (ثم يخرج رقاع ذلك اليوم فيخلطها (٢) بين يديه حتى لا يقدم رقعة على رقعة) لأنّه أبعد عن التهمة (ويدعو برقاع الشهود) لما بينا (٣). قال (فإذا تقدم إليه الخصمان سأل المدعي) وهو صاحب الرقعة (عن دعواه) (٤) وهذا فصل مختلف فيه، قال بعضهم: لا يسأله بل يواجهه ناظرًا إليه حتى يبتدئ الخصم بالدعوى لأنّه أهيب لمجلس القضاء، [واختيار صاحب الكتاب أن القاضي يسأله لأنّ هذا مجلس هيبة وحشمة، ومن لم ير مثله ربما تتعذر عليه البداية بالكلام، فالقاضي يؤنسه بكلام فيسأله عن دعواه] (٥)؛ وروي عن محمد ﵀ أنه بالخيار: إن شاء سأله، وإن شاء نظر إليه حتى يبتدئ هو، قال (فإذا ادّعى شيئًا أثبت القاضي دعواه في رقعة على الوجه الذي تكلم به من غير زيادة ولا نقصان (٦) لأنه يحتاج إلى التوفيق بين الدعوى والشهادة عسى فيثبت (٧) ذلك حتى إذا احتاج إليه وجده. (ثم ينظر في دعواه، فإن كانت فاسدة قال للمدعي "إنّ دعواك فاسدة فاذهب فإني لا أسمعها") ولا يأمره بالذهاب من غير بيان سببه وهو الفساد في الدعوى، لأنّه لو فعل ذلك يتهم، والتحرّز عن التهمة واجب، وفساد الدعوى بجهالة المدعي، لأنّ القضاء بالمجهول لا يمكن فلا يسمع دعواه (وإن كانت الدعوى صحيحة أقبل على المدعى عليه فيسأله عما ادّعى عليه خصمه (٨) قال: وهذا رسم رسمه صاحب الكتاب، ورسم القضاة في زماننا

стр. 60

أحسن منه، فإنّ الخصم يحضر باب القاضي فيهديه الوكيل إلى الكاتب فيكتب (١) دعواه في رقعة واسمه واسم المدعى عليه، ثم يتقدم إلى القاضي فيدفع الرقعة إليه ويدعي، وهذا أيسر على القضاة، وهكذا ذكر شيخنا الإمام وفي الرواية (إذا ادّعى شيئًا معلومًا من ورق أو عين أو شيء مما يكال أو يوزن، وسمى كيل ذلك ووصفه بجودة وغير ذلك أقبل على المدعى عليه فيسأله) وهذا على قول صاحب الكتاب، أما على قول من قال: لا يسأل القاضي المدعى عليه (٢) عن الدعوى، فإنّه قال لا يسأل المدعى عليه الجواب، بل ينظر إليه حتى يجيب هو مبدئيًا، لأنه سمع الدعوى وعلم بوجه الجواب عليه. قال (فإن أقر بشيء أخذ جوامع إقراره في رقعة ووضعها بين يديه) لأنّه قد يحتاج إلى ذلك ليقابله بالمحضر الذي يكتبه قال (ثم يبعث بهما إلى الكاتب ليكتب (٣) إقراره) لأن ذلك أحوط (فإذا قرئ عليه المحضر قابله بالرقعة التي عنده فإن وافق وقع القاضي بخطه في أسفل المحضر "قرئ عليَّ هذا المحضر محضر فلان بن فلان، وأقر عندي فلان بن فلان لفلان بجمع ما سمي من إقراره في هذا الكتاب" فإن كان (٤) يعرفهما كتبهما معرفة كما ذكرنا وإن كان لا يعرفهما أرسل الكلام (٥) فقال أقر عندي الرجل الذي ذكر أنه فلان بن فلان للرجل الذي ذكر أنه فلان ابن فلان الذي حضر معه" وإن كان يعرف أحدهما ولا يعرف الآخر أثبت أحدهما معرفة وأرسل الكلام في حق الآخر ثم يأمر المقر بالخروج عما أقربه إن طلب خصمه ذلك (٦). قال (وإن جحد المدعى عليه دعوى المدّعي قبله أثبت جحوده في رقعة) (٧) لأنّه قد يحتاج إليه في أثناء القضاء لأنّه إذا جحد وهو مودع ثم ادّعى الرد أو الهلاك إن تذكر القاضي جحوده جعل القول قول المودع، وإن لم يتذكر جعل القول قول المودع، ثم أقبل على المدعي

стр. 61

وقال له قد أنكر ما ادّعيت") (١) وهذا أيضًا اختيار صاحب الكتاب، أما على قول أولئك المشايخ فإنّه لا يسأله بل ينظر إليه حتى يبتدئ المدّعي، قال (فإن قال "استحلفه لي على دعواي" سأله القاضي: ألك بيّنة؟ فإن قال: لا أحلفه) لأنّ اليمين [حق المدعى، كما أن البينة حق المدعي لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما لك شاهداك أو يمينه" دل أن اليمين] (١) حقه، قال (٢) رسول الله ﷺ في المدعي في قصة الحضرمي والكندي ألك بيّنة؟ قال: لا! قال (٣): لك يمينه "فإن قال لي بيّنة أن قال حاضرة في المجلس) أجمعوا على أنه (لا يحلف له) ذكره القدوري في شرح هذا الكتاب (٤) (وإن قال "بينتي غائبة في بلدة أخرى" حلفه القاضي له) على ما ذكرنا (فإن قال "بينتي حاضرة في البلدة" قال أبو حنيفة ﵁: لا يحلفه، وقال أبو يوسف يحلفه) وقول محمد مضطرب، ذكره الجصاص (٥) مع أبي يوسف ﵀ وذكر القدوري قول محمد كقول أبي حنيفة ﵁ لكنه لم يذكر قول أبي حنيفة ﵁ أصلًا، أبو يوسف ومحمد يقولان: اليمين حقه كالشهادة، قال رسول الله ﷺ "إنما لك شاهداك أو يمينه" جعل كل واحد من هذين الشيئين حقًا له فيكون بالخيار في الاستيفاء، وأبو حنيفة ﵁ يقول: اليمين حقه لكنه مرتبًا على البيّنة، قال رسول الله ﷺ : ألك بيّنة؟ قال: لا! فقال: لك يمينه. ولأنّ اليمين بدل (٦) عن البيّنة، والبدل

стр. 62

إنما يصار إليه عند عدم الأصل (١). قال (وإن قال "لي بيّنة حاضرة" فاسمع منهم دعابهم وسمع شهادتهم وأثبت ذلك في رقعة على الوجه الذي تلفظوا به من غير زيادة ولا نقصان، ثم قابل ذلك بالدعوى التي كان أثبتها من قبل فإن وافقت قبلها، وإن كانت الشهادة تخالف الدعوى لم يقبلها، فإذا وافقت الشهادة الدعوى وقّع بخطه (٢) "قُرئ عليَّ هذا المحضر بمحضر من الشهود المسمون فيه وبمحضر من فلان وفلان وشهد (٣) هؤلاء المسمون فيه عندي بجميع ما سمي" ووصف من شهادتهم في هذا الكتاب، وذلك بعد أن يسأل المدعي عند قراءة المحضر كذا ادعيت، ويسأل الخصم عن إنكاره وإقراره إن كان أقر ببعض وأنكر بعضًا "كذا أنكرت وأقررت" ويسأل الشهود "وكذا شهدتم") لأنّه أبلغ في الاحتياط والله أعلم. قال (ولا ينبغي للشاهد إذا جلس بين يدي القاضي أن يبدأ القاضي (٤) (بما عنده من الشهادة حتى يقول له القاضي: بم تشهد؟ فيسأل القاضي واحدًا واحدًا عن شهادته ويقف عليها وهذا قول صاحب الكتاب، وقال الطحاوي ﵀: الشاهد يبتدئ بالشهادة؛ وجه ما ذكره صاحب الكتاب أن الشهادة قبل السؤال أمارة الكذب. جرى ذلك على لسان صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه قال: "ثم يفشو الكذب في الناس حتى يشهد (٥) الرجل قبل أن يستشهد ويحلف قبل أن يستحلف"؛ وإذا كان هذا من علامات الكذب فالكذب واجب الامتناع عنه، فيسقط حتى يسأل القاضي ثم يشهد (٦). وجه ما ذكره (٧) الطحاوي ﵀ أن هذا خير الشهود قال رسول اللُه ﷺ : "ألا أنبئكم بخير الشهود؟ قالوا بلى يا رسول الله! قال من شهد قبل أن تطلب منه (٨) "؛ ولأن الشهادة أمانة، ولأدائها حضر الشاهد، فيكون له البداية بذلك والله أعلم (٩).

стр. 63

فصل (١) (وإن شهد واحد ووصف الشهادة فقال آخر "أشهد على مثل شهادته" لم يقبل ذلك حتى يتكلم كل واحد بشهادته) وذلك لأن قوله "على مثل شهادته" محتمل أن يريد به بعض ما تضمنته الشهادة أولها أو أوسطها أو آخرها (٢) والشهادة حجة القاضي (٣) فينبغي [أن ينفي عنها وجوه الاحتمالات بقدر الإمكان] (٤). قال الشيخ الإمام شمس الأئمة أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الحلواني ﵀: هذا شيء اختاره صاحب الكتاب احتياطًا كما هو عادته في مثله، والمذهب لأصحابنا أن قول الشاهد "أشهد بمثل شهادة صاحبي (٥) " وقد [شرحها صاحبه مقبول] (٦)، لأنها بناء على شهادة صاحبه، والبناء مثل المبني فيجب قبولها كالأولى؛ ثم قال شمس الأئمة ﵀: والمختار عندي أن ينظر في حال الشاهد، فإن كان فصيحًا يقدر على بيان الشهادة وتفسيرها لا يقبل منه الإجمال، وإن كان عجميًا يتعذر عليه ذلك قبل منه الإجمال، (٧) لكن بشرط أن يكون بحال لو كلف البيان قدر عليه في الجملة لكنه بحكم الحال عجز لإعراض خجل أو وقوع وجل (٧). قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي ﵀: المختار عندي أن ينظر القاضي في حال الشاهد، فإن أحسّ منه بخيانة وتوهم فيه تلبيس أمر لم يقبل إجماله، وإن كان غير ذلك قبل الإجمال (٨)؛ ثم قال الشيخ الإمام السرخسي: وهذا فيما قال الشاهد

стр. 64

"أشهد بمثل شهادة صاحبي"، فأما إذا قال "على شهادته" أو "على مثل شهادته" فإنها لا تقبل بلا خلاف، أما إذا قال "على شهادته" فلأنّ الشهادة يجب أن تكون على الحق لا على شهادة غيره، وأما إذا قال "على مثل" فمثل هاهنا صلة زائدة، كما في قول الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فبقي هذا شهادة على شهادة صاحبه وذلك غير مقبول (١). فصل (فإن كانت الشهادة في كتاب فقرأه بعض الشهود وسمعه الباقون، أو قرئ ذلك على جماعة الشهود فقال كل واحد منهم "أشهد بجميع ما سمي ووصف في هذا الكتاب لفلان على فلان" (٢) جاز ذلك) لأنّ الشاهد لا يحفظ الشهادة لطولها، فلو كلف ذلك (٣) وقع في حرج. فصل (وإذا كان المدّعي والمدعى عليه والمدعي جملة في مجلس القاضي احتاج الشاهد إلى الإشارة إلى كل واحد منهم) [لأن التعريف يحصل بذلك] (٤). فصل (فإن كانت الشهادة على ميت حضر وصيه أو وارثه أو على غائب حضر وكيله (٥) فينبغي للقاضي أن يوقف كل واحد من الشهود على شهادته (٥)، فإن شهدوا على الميت أو الغائب فسموه ونسبوه إلى أبيه فقط لم يقبل ذلك حتى ينسبوه إلى جده) وإنما كان كذلك لأنّ التعريف مطلوب، وبذكر أبيه فقط لا يحصل التعريف لأن في الاسم الواحد قد يشترك جماعة، فإما إذا نسبوه إلى أبيه وجدّه حصل التعريف، لأن التعريف يحصل بالجمع في

стр. 65

الجملة كالمائة والعشرة وغيره، ولكن الاثنان أقل الجمع فاقتصرنا عليه من حيث هو جمع، وبذكر الجمع يحصل التعريف. ثم صاحب الكتاب شرط في التعريف ذكر الجد هاهنا وكذا ذكر في الشروط (١) (وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف ذكر الجد ليس بشرط) هذا هو الاختلاف المعروف، وما ذكره محمد في الكتب من التعريف وأمسك فيه عن ذكر الجد فلا لأنّ مذهبه مثل مذهب أبي يوسف، بل توسعًا. وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني في شرح هذا الكتاب والاختلاف بين أبي حنيفة ﵁ وصاحبيه؛ قال: وقد ذكره أبو زيد الكبير في شروطه (٢)، فإن كان الرجل مشهورًا كشهرة أبي حنيفة ﵁ وابن أبي ليلى فلا حاجة إلى النسبة؛ فالحاصل (٣) أن المقصود هو التعريف بأي طريق حصل والله أعلم (فإن نسبوه إلى أبيه أو إلى قبيلته أو صناعته لم يقبل ذلك) (٤)، لأن الصناعة ليست أمرًا لازمًا فإن المرء قادر على تركها، فإن كانت صناعة يعرف بها لا محالة جاز، وهو تأويل ما ذكره صاحب الكتاب فإنه قال: لم يقبل ذلك (حتى ينسبوه إلى جده أو قبيلته أو صناعته أو إلى أي شيء يعرف به) (٥) وهذا لأن المقصود هو التعريف، فبأي (٦) طريق حصل جاز العمل به. فإن كان في تلك القبيلة وتلك الصنعة أخر على ذلك الاسم لم يكتف بالنسبة إلى ذلك) ما لم يذكر شيئًا يقع به التمييز بينه وبين ذلك الآخر (٧). فصل (وإن ادّعى دارًا في يد المدّعى عليه قال للمدّعى (٨) "سمِّ البلد الذي فيه هذه الدار

стр. 66

وموضعها من البلد وحدّدها" وكذلك إن ادّعى ضيعة أو عقارًا كائنًا ما كان) (١) لأنّ الدعوى إنما تسمع متى صحت، وإنما تصح متى كانت معلومة، وطريق صيرورتها معلومة بما ذكرنا (فإن ذكر حدًا واحدًا أو حدين لم يجز) لأنّه لا يحصل به التعريف (فإن ذكر ثلاثة حدود قال علماؤنا: يجوز) لأنّه حصل التعريف (٢) (ولو ذكر الحدود الأربعة وغلط في أحدها لم يجز) عندنا (٣)، وقال زفر ﵀ يجوز وقاسه على ما لو ترك ذكر أحدها (٤) ولو كانت الدار معروفة مشهورة فهل يكتفي بذلك عن تحديدها كدار أمير خراسان ونحوها؟ قال أبو حنيفة ﵁: لا يكتفي (٥)، وقال أبو يوسف ومحمد: يكتفي كما يكتفي بشهرة الرجل عن نسبه (٦)، والفرق لأبي حنيفة ﵁ نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. (فإن ادّعى شيئًا منقولًا من (٧) عبد أو أمة، فإن كان قائمًا في يدي المدّعى عليه كلف إحضاره في المجلس) لتقع الإشارة إليه في الدعوى والشهادة، ولا يحتاج حينئذٍ إلى تسميته ولا إلى ذكر شيء من أوصافه (فإن كان العبد ليس بقائم في يد المدعى عليه سأل القاضي المدعي عن جنسه وصفته وسنه وقيمته) لأن بذلك يصير معروفًا مع الغيبة (وكذلك هذا الجواب في العروض بأسرها) من الثياب وغيرها (٨) فإذا ذكر مع الغيبة ما يصير به معلومًا للقاضي صحت الدعوى وإلا فلا (٩)، والله أعلم.

стр. 67

فصل (ولا ينبغي للقاضي أن يجلس للقضاء وهو غضبان، ولا جائع، ولا ضجر، ولا كظيظ من الطعام، ويكون جلوسه عند اعتدال أمره) وذلك لما رُوي (١) عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يقضي القاضي وهو غضبان، ولأنه يقطع رأيه ويمنعه عن استيفاء النظر، وكذلك الجوع، والضجر، والكظة وهي ما تعتري الممتلئ من الطعام (٢)، ويجلس حال اعتدال أمره لأنه يأمن الغلط ويتمكن من النظر، وهذا إذا كان الحكم مما يحتاج فيه إلى نظر، فإن كان ظاهرًا جليًا لا يحتاج فيه إلى نظر فلا بأس به في جميع هذه الأحوال، وقد قال أصحابنا: إنّ القاضي إذا كان شابًا فينبغي أن يقضي شهوته في أهله ثم يجلس للقضاء (٣) لئلا تتقدم إليه امرأة حسناء فيميل إليها فيقع في الجور (٤) والله أعلم (ويجعل سمعه وفهمه وقلبه إلى الخصوم) وذلك لما روينا في حديث عمر ﵁ في كتابه إلى أبي موسى ﵁ ألفهم ألفهم! وقد ذكرنا مقصوده هناك (٥) (ويسوي بينهم في الإقبال عليهم والنظر إليهم) (٦) وذلك لما روينا أيضًا في حديث عمر أسِ (٧) بين الناس في وجهك ومجلسك (ولا يمازح الخصوم ولا أحدهما، ولا يضحك في وجه واحد منهما، ولا يساره، ولا يومئ إليه بشيء دون خصمه) أما المزاح فحرام في غير حالة القضاء فما ظنك به في حالة القضاء! والضحك في وجه أحدهما يطمعه في جور القاضي ويكسر قلب صاحبه (٨)، والإيماء والمسارة يوهم أنه لقن الخصم الحجة وأرشده إلى الصواب (٩)، (١٠) فالحاصل أن القاضي مأمور بالعدل، منهي عن الجور، فكلما توهم الجور أو تقرب منه يجب الاحتراز عنه، وفي جميع ما ذكرنا بُعد عن مواقف التهمة، وقرب من مواطن العدل، فيجب فعله (١١) [قال (ويسوي بينهما في الجلوس)

стр. 68

لما روي عن عمر ﵁] (١). قال صاحب الكتاب (ويتفقد من ذلك ما يلزمه [ويجب] (١) تفقده) وهذا لما ذكرنا أنه مأمور بالعدل منهي عن الجور، وتفقد أمور الخصم (٢) مقرب إلى العدل فيجب فعله (٣) والله أعلم. فصل (وينبغي للكاتب إذا كتب محضرًا أن يكتب: اسم المدعي، واسم أبيه، وجده، وكنيته، وصناعته، وقبيلته، وما يعرف به) لأن المقصود المعرفة، وبهذه الأشياء يحصل التعريف (٤) (وإن كان القاضي لا يعرفه حلّاه الكاتب، وكذلك المدعى عليه، وكذلك الشهود) (٥) التحلية ليست لازمة، لكن فعلها أحوط، لأن فيه زيادة تعريف (٦) (إلّا أنه يكتب مواضع محال الشهود (٧) ومصلّياتهم (٨)، ويخرج أسماء الشهود وحلاهم ومصلياتهم في رقعة ويشهدها في رأس المحضر للمسألة عنهم) وذلك لأنّ القاضي يحتاج إلى السؤال عن الشهود ليعرف عدالتهم، وإنما يعرف ذلك بالسؤال من أهل محالهم وجيرانهم ذلك ليمكنه السؤال منهم. (فإن كان القاضي يعرفهم لم يحتج إلى ذلك) لأن كتبه هذه الأشياء إنما كانت لأجل التعريف، فإذا كان القاضي يعرفهم استغنى عن جميع ذلك (٩) (فإن كانت الشهادة على صك أو سجل وصية (١٠)، أو وكالة في كتاب نسخ الكاتب ذلك الكتاب في المحضر) لأن القاضي قد يحتاج إلى الاستفتاء في ذلك فيكتبه في المحضر (١١) حتى يبعثه إلى المفتي كذلك فيعلم الجواب فيه. (فإن كتب محضر امرأة فينبغي له أن يترك

стр. 69

موضع التحلية (١) حتى تصير إلى القاضي فيكون هو الذي يحليها) لأنّ الكاتب لو نظر إليها وحلاها احتاج القاضي إلى النظر إليها أيضًا فيقع النظر إليها من رجلين، ومبنى أمورهن على الستر مهما أمكن، وقد أمكن ذلك بأن ينظر القاضي إليها ويحليها، فيقع النظر من رجل واحد (٢) (ثم إذا حلاها القاضي فهو بالخيار إن شاء كتب ذلك بنفسه، وإن شاء يملي على الكاتب) لأنه قد لا يمكنه الكتابة بنفسه (٣) (فإن رأى القاضي أن يقلد ذلك الكاتب فيكون الكاتب هو الذي يحليها (٤) فلا بأس (٥) إذا كان الكاتب ورعًا عفيفًا) لأن القاضي قد لا يمكنه التحلية، فإذا حلاها الكاتب نظر إليها وقابل ذلك المكتوب بحليتها فإن وافق قبله، وإن خالف لم يقبله، ويعمل القاضي في ذلك بما هو أحوط وأستر (٦). فصل (وإن حضر قوم غرباء يخاصم بعضهم بعضًا، أو يخاصمون أحدًا من أهل المصر، أو أحد من أهل المصر (٧) خاصم غريبًا: ينبغي للقاضي أن يجعلهم في أول مجلسه، إلا أن يكثروا فيشغلوه عن رقاع الناس فيعتمد فيهم ما ذكرناه من السبق أو القرعة) وقد تقدم ذكر هذا (٨) (ولا يحبسهم عن سفرهم إلّا بحق يثبت ويكون خصومتهم تطول فيكون أسوة أهل المصر) يريد بذلك ما ذكرناه، وهو أنه لا يؤخرهم (٩) لأن التأخير حبس لهم عن السفر، إلّا بحق يتوجه عليهم أو طول خصومتهم، لأن الاشتغال بذلك يشغله عن رقاع الناس فيكونوا أسوة أهل المصر في التقديم (١٠).

стр. 70

فصل (ولا بأس أن يشهد القاضي الجنازة، ويعود المرضى) (١) لأنه حق المسلم على المسلم (٢)، والحقوق الواجبة لا تسقط بتقلده القضاء، كالديون وما (ي) شاكلها (ي) (لكن ينبغي أن لا يطيل المكث عند المريض) (٣) تحرزًا عن التهمة (ولا يمكنه من ذكر الخصومة إذا لم يكن خصمه حاضرًا) لأن فيه تهمة أيضًا (٤) والله أعلم بالصواب (ويجيب الدعوة إذا كانت عامة للجماعة) لما روي عن رسول الله ﷺ أنه كان يجيب الدعوة وقد كان يفصل بين الخصوم، وَعَنْهُ صلوات الله وسلامه عليه (٥): "من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم"، ولأنها إذا كانت عامة لم يكن القاضي مقصودًا بها فلا يصير آكلًا بقضائه فلم يكن في معنى الرشوة (فإن كانت خاصة لم يقبل ذلك) (٦) لأنه يكون مقصودًا بها فيصير آكلًا بقضائه وهو في معنى الرشوة. والحد الفاصل بين الخاصة والعامة أن العامة كدعوة الختان والعرس وما شاكلها، وما عدا ذلك فهي خاصة؛ وقال بعضهم: كل دعوة حضرها ما زاد على العشرة فهي عامة، والعشرة فما دونها (٧) خاصة؛ وقال الإمام السرخسي ﵀: أحسن ما قيل في هذا أنه ينظر، فإن كان الداعي بحال لو علم أن القاضي لا يحضر يمتنع عن اتخاذ الدعوة فهذه خاصة لأن المقصود هو القاضي، وإن كان إذا حضر يحضر معه غيره وإن كان بحال لو علم أن القاضي لا يحضر لا يمتنع فهي عامة (٨). (فإن كان الداعي قريبًا له ولم يكن خصمًا فلا بأس بإجابة دعوته الخاصة) (٩) لأن إجابة دعوة القريب صلة الرحم، وذلك فريضة فلا يمتنع القاضي من إقامتها، ولم يذكر الخصاف

стр. 71

في هذا خلافًا، وذكر الطحاوي فيه اختلافًا (١) فقال: عند أبي حنيفة وأبي يوسف [رحمة الله عليهما] لا يجيب القريب أيضًا، وعند محمد يجيبه؛ وهذا إذا لم يكن خصمًا، فإما إذا كان القريب خصمًا فلا ينبغي أن يجيبه، لمكان التهمة. (فلو كان الأجنبي ممن كان يدعوه قبل القضاء فلا بأس بإجابة دعوته الخاصة) لأن ذلك لا يكون مضافًا إلى القضاء، وقد قال أصحابنا إن قبول الهدية على هذا أيضًا، والخصاف لم يذكره، وقد ذكره الطحاوي في مختصره فقال (٢): ولا تقبل الهدية إلّا من قريب أو ممن كان يهدي له قبل القضاء؛ ولم يذكر الطحاوي هاهنا خلافًا، وذكر في الفصل الأول. (ثم إذا كان (٣) المهدي ممن كان يهدي له قبل القضاء ينبغي أن ينظر في هديته له بعد القضاء، فإن كانت مثلها قبل القضاء أو أقل قبلها، وإن كانت أكثر لم يقبل الزيادة) لأن تلك الزيادة تكون مضافة إلى القضاء فيصير آكلًا بقضائه؛ فعلى هذا في الدعوة ينبغي أن يكون التفصيل كذلك: إذا كان الداعي ممن كان يدعوه قبل القضاء ينظر، فإن كانت دعوته بعد القضاء مثلها قبله أو دونها أجابه، وإلّا فلا والله أعلم بالصواب. باب القاضي يجلس معه غيره ذكر (عن عبد الرحمن بن أبي سعيد (٤) قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁

стр. 72

[جالسًا في المسجد، فإذا جاءه الخصمان قال لهذا: ادع عليًّا! وقال لهذا: ادع طلحة والزبير] ونفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ! فإذا جاؤوا فجلسوا قال لهما [يعني للخصمين] تكلّما! فإذا تكلّما أقبل عليهم فيقول: ماذا تقولون؟ فإن قالوا ما يوافق قوله أمضاه عليهما (١) ولا ينظر هو (٢) بعد، فيقومان وقد سلما) أفاد الحديث فوائد، منها أنه لم يكن بين علي وعثمان إلّا جميل وخير خلافًا لما قاله بعض أهل الأهواء والبدع، ومنها أنه لا بأس بالقضاء في المسجد على ما مر قبل هذا، أو منها أنه لا بأس للقاضي بالاستفتاء من العلماء كما فعله عثمان ﵁ (٣) ومنها أنه لا بأس بالمشورة، ألا تراه كيف كان يشاورهم (٤)! وقوله "أمضاه عليهما" (٥) لأنه صار إجماعًا منهم، والإجماع حجة ماضية، وقوله "ولا ينظر هو بعد" لأنه ظهر الحق ولاح العدل فلا يجوز تأخيره (٦)، وقوله "فيقومان وقد سلما أي استسلما وانقادا للحق (٧). ثم ذكر (عن إسماعيل بن أبي خالد (٨) قال: رأيت شريحًا جالسًا على القضاء في المسجد متعممًا بعمامة بيضاء قد ألقى طرفها بين كتفيه، عليه مطرف خز، ورأيت ناسًا من العلماء يجالسونه على القضاء منهم أبو عمر والشيباني والشعبي) أفاد الحديث فوائد، منها جلوس القاضي في المسجد على ما مر، ومنها أن السنّة للقاضي التعمم كما فعله شريح، وفي بعض المواضع جرت عادة القضاة بالتقلنس بقلنسوة كبيرة على هيئة مخصوصة، وكل ذلك لا بأس به (٩).

стр. 73

ذكر (عن الأعمش قال [قال لي القاسم بن عبد الرحمن: لو أنك جئت فجلست إليّ] يعني في مجلس القضاء! قال: فجلست إليه، فاختصم إليه خصمان قال) الراوي (فأخذ الأعمش عليَّ (١) فيه فقال: لأن قلت ذاك (٢) لقد قال عبد الله ﵁: إذا علم أحدكم فليقض وإلّا فليقر ولا يستحي) أفاد الحديث فوائد، منها أن القاضي إذا أراد أن يجلس معه الفقهاء فينبغي أن يسألهم ذلك من غير جبر عليه، ومنها أن الفقيه إذا جلس إلى القاضي فزلت قدمه فينبغي أن يقوّمه كما فعله الأعمش، لكنه جاهره بالرد لعلمه أن القاسم يغتنم ذلك منه ولا يكرهه، أما في زماننا هذا فلا ينبغي أن يجاهر القاضي بالرد عليه لأن ذلك يؤدي إلى الاستخفاف به والافتراء عليه وأن يزدري بين الخصوم، وقوله "لأن قلت ذلك لقد قال عبد الله" يحتمل أن يكون هذا قول الأعمش بأنه خاف (٣) أن يخجل القاسم (٤) من الرد عليه، وأنه لم يكن عالمًا فقال له "لا ينبغي أن يستحي" فقد قال عبد الله فيمن لم يعلم فليقر ولا يستحي، ويحتمل أن يكون ذلك قول القاسم للأعمش حين رد عليه (٤) فيكون كأنه ظن أن الأعمش يراه قد يستحي عن ذلك فقال له القاسم هذه المقالة ليعرفه أني لم أستح من ردك لأني لا أعلم فأقر ولا أستحي (٥) كما قال عبد الله، وهو الصحيح عندنا والله أعلم. ذكر (عن إدريس (٦) قال: رأيت محارب بن دثار [يقضي] والحكم وحماد أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ينظر إلى حماد مرة وإلى الحكم مرة والخصوم بين يديه) هذا الحديث يفيد ما أفاده ما تقدم ذكره من الأحاديث. وذكر (عن معمر قال: كانوا يرون للأمير ما ليس للقاضي، الأمير يدني منه ويباعد منه، والقاضي ليس له ذلك - الحديث) يعني يسوي بين الناس في مجلسه وإنما كان كذلك لأن الأمير يحضره الناس للزيارة فله أن يُنزل الناس منازلهم ويوفي كل ذي فضل فضله، وأما

стр. 74

القاضي فالحضور عنده لأجل الخصومة، والتسوية بين الخصوم واجبة، فإذًا الحكم لا يدور على الإمارة والقضاء بل على المعنى الذي أشرنا إليه، حتى لو جلس الأمير لفصل الخصومات فعل ما يفعله القاضي، ولو جلس القاضي للزيارة يفعل ما يفعله (١) الأمير (٢). ثم ذكر (عن ابن سيرين حديثًا مثل ذلك). وذكر (عن علي ﵁ أنه نزل به ضيف فسأله علي [عن شيء قال]: ألك خصم؟ قال: نعم! قال: فتحوّل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تضيفوا الخصم إلا مع الخصم") وهذا لأنه يتهم لأجل ذلك، والتحرز عن مواقف التهمة واجب. (قال أبو حنيفة ﵁: لا بأس أن يجلس القاضي معه من يثق بدينه وأمانته وفقهه) (٣) أما التدين والأمانة فليؤمن معه وقوع الفساد، لأن مجلس القاضي يحضره النساء فمتى لم يكن الجليس أمينًا متدينًا لا يؤمن وقوع الفساد، وأما الفقه فليفد (٤) جلوسه إلى القاضي (٥) (ويكون قريبًا من القاضي بحيث يسمع كلامه وكلام من يحضره) فرق بين هذا وبين أعوان القاضي فإنهم يكونون على بُعد منه، وقد تقدم (٦). (ولا ينبغي له أن يشاورهم) يعني الفقهاء (بحضرة الخصوم في شيء مما يتقدم فيه) كيلا يعلم الخصم ما يدور بين القاضي وبين من يشاوره وما يعزم عليه رأيه (٧) وقد ذكر قبل هذا عن عثمان ﵁ أنه شاور عليًا وطلحة والزبير ﵃ بمحضر من الخصوم (٨)، وإنما كان كذلك لأن عثمان ﵁ كان يقضي في الصدر الأول الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية ووصفهم بالأمانة، (٩) فكان تقدمهم إلى القاضي لاشتباه

стр. 75

الأمر عليهم فإذا ظهر ذلك انقادوا له، أما في زماننا فقد فسد الزمان وخان الناس فلا يؤمن أن اتفقوا على ما يريد القاضي أن يقضي به فيحتالون لدفعه، فلذلك لا يشاور الفقهاء بحضرة الخصوم، ولكنه إذا أراد مشاورتهم ومناظرتهم فعل ذلك بعد ذهاب الخصوم من بين يديه لأنه أحوط. (فإن كره القاضي أن يجلس معه غيره خوفًا من حصر يلحقه أو لأجل خصومتهم أو غير ذلك [لم يُجلس أحدًا] (١)، جلس وحده إذا كان عالمًا بالقضاء) لأنهم قد يشغلونه عن القضاء، فله أن يجلس وحده (وإن لم يكن عالمًا به فالأولى له (٢) مناظرة الفقهاء في أمره وما يرد عليه) لأنه أقرب إلى الصواب، قال (وإن يُجلس معه قومًا من أهل العفة أحب إلي) (٣) لأنّه أبعد عن التهمة (٤) والله أعلم. باب القاضي يشاور ذكر (عن أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت أحدًا بعد رسول الله ﷺ أكثر مشاورة لأصحابه منه) يعني من [عمر ﵁ هذا لأنّ] (١) رسول الله ﷺ كان يشاورهم حتى في طعام أهله وإدامهم) وإنما فعل ذلك تبركًا بالمشورة لما فيها من امتثال أمر الله فإنه قال ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٥). ثم ذكر (عن الحسن يقول في هذه الآية ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ قال: إنه والله ما تشاور قوم قط إلا وفقهم الله لأفضل ما بحضرتهم) (٦) يريد بذلك لأفضل ما يطلبونه فإنهم بالمشورة يطلبون شيئًا وهو الصواب، فالله يوفقهم لذلك. (ثم ذكر عن الحسن حديثًا هذا معناه).
следующие страницы →