وقعد الثّلاثة الّذينا ... تاب عليهم ربّنا يقينا
كعب بن مالك مرارة الرّبيع ... وابن أميّة هلال الرّفيع
وأبوا خيثمة وذرّ ... قد لحقا وجاء أرض الحجر
فذبّ عن مياهه وأمرا ... أن لا يمرّ أحد كما يرى
فعقّه المخنوق فوق مذهبه ... ومن وفود طيّىء أتته به
فأصبح النّاس ولا ماء لهم ... فأرسل الله سحابة تؤم
على تخلّف بطيبة علي ... خصّ بسهمين بسهمه العلي
وسهم جبريل وكان حضرا ... وبذله به النّبيّ أمرا
وقال إذ أضلّ راحلته ... مجرمهم ما قال فابتهته
ونزلت يومئذ في مخشن ... وصحبه كُنَّا نَخُوضُ فاعتن
стр. 72
انارة الدّجى في مغازي خير الورى ﷺ شرح العلّامة المحدّث الأصوليّ الفقيه القاضي حسن بن محمّد المشّاط
стр. 73
قال الناظم رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حمدا لمن أرسل خير مرسل ... لخير أمّة بخير الملل
[شرح الخطبة والمقدمة]
(حمدا) بالنصب: معمول لفعل محذوف؛ أي: أحمد الله حمدا، فالجملة فعليّة، اختارها لدلالتها على التجدّد والحدوث، ومعنى الحمد معروف، والمحمود هو الله تعالى، ويتعدى الحمد باللّام، كما قال: (لمن) أي: لله الذي (أرسل خير مرسل) على الإطلاق بإجماع من يعتد به، وهو سيدنا محمّد ﷺ ، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً وقال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
ويتعلق بأرسل قوله: (لخير أمة) قيل: هي أمّته ﷺ ، وقيل: الصحابة خصوصا، وعليهما اختلف العلماء في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الآية، ويتعلق بمرسل قوله: (بخير الملل) بكسر الميم وفتح اللام، جمع ملة، وهي الحنيفية السّمحة، ملّة إبراهيم ﵊.
стр. 74
وعلم من كونه ﷺ خير مرسل: أنّه خير الخلق على الإطلاق، وهذا ممّا لا يمتري فيه إلّا معاند أو كفور؛ فقد قال ﷺ : «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيّ يومئذ آدم فمن سواه إلّا تحت لوائي، وأنا أوّل شافع، وأوّل مشفّع ولا فخر» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
وما ذكره الزمخشري في «كشّافه» فلتة اعتزالية؛ فقد انعقد الإجماع على خلافه، بل تفضيل الملائكة على الأنبياء عند المعتزلة فيما سواه ﷺ ، فهم مع أهل السنّة في تفضيله مطلقا.
قال في «إضاءة الدّجنّة» :
وما نحا «الكشاف» في التكوير ... خلاف إجماع ذوي التنوير
وحسبنا في فضله ﷺ على كل مخلوق حديث الشفاعة العظمى في ذلك الموقف الهائل العظيم.
والأنبيا تقول نفسي نفسي ... سواه فالفضل له كالشّمس
اللهمّ؛ شفّعه فينا، واجعله مقبلا علينا، راضيا عنّا يا كريم.
واعلم: أنّ عموم أدلة رسالته ﷺ كثيرة في القرآن والسنّة، قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً
стр. 75
وأفضل الصّلاة والسّلام ... على لباب صفوة الأنام
لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً، وقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً، وقال تعالى: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا حتى إنّه أرسل للملائكة؛ ليعلّمهم أدب العبودية لحضرة الرب، لا ليؤمنوا؛ لأنّهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
ثمّ أتبع الناظم ذلك بالصلاة والسلام على النّبيّ ﷺ ؛ أداء لبعض ما يجب له؛ إذ هو الواسطة بين الله والخلق، وجميع النعم الواصلة إلينا إنّما هي ببركته، وعلى يديه التي أعظمها الهداية للإسلام؛ وامتثالا لقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، فقال:
(وأفضل الصلاة والسلام على) سيدنا محمّد (لباب) أي خالص (صفوة) أي: صفوة الصفوة من (الأنام) أي:
الخلق.
روى الطبراني في «الأوسط» عن ابن عمر ﵄: أنّه ﷺ قال: «إنّ الله اختار خلقه، فاختار منهم بني آدم، ثم اختار بني آدم، فاختار منهم العرب، ثمّ اختار العرب، فاختار منهم قريشا، ثمّ اختار قريشا، فاختار منهم بني هاشم، ثمّ اختار بني هاشم فاختارني منهم، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحبّ العرب..
فبحبّي أحبّهم، ومن أبغض العرب.. فببغضي أبغضهم» .
стр. 76
وآله أفنان دوحة الشّرف ... وصحبه والتّابعي نعم السّلف
(وآله) : هم أقاربه المؤمنون من بني هاشم عند المالكية، أو بني المطّلب كما هو قول آخر لهم كالشافعية، (أفنان) : جمع فنن، كأسباب وسبب؛ أي: أغصان (دوحة) : هي الشجرة العظيمة (الشرف) شبّه الآل بذلك في العظم، مع أنّهم أعظم من ذلك؛ لأنّه قد يكون المشبّه به دون المشبّه، كما قال أبو تمام- لمّا امتدح بعض الأمراء بقوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
وقيل له: أتشبّه الأمير في الحلم بأجلاف العرب؟! -:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في النّدى والباس «١»
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس
يعني قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الآية.
(وصحبه) : هم من آمن بالنّبيّ ﷺ ، واجتمع معه أوان حمل الدّعوة ولو مرة.
وهم عدول كلّهم لا تشتبه ... النّووي أجمع من يعتدّ به
(والتابعي) : وهو من لقي الصحابي ولو بلا طول،
стр. 77
ما أرهفت وأرعفت يراعه ... في مهرق ينابع البراعه
كالصحابي معه ﷺ ، قال العراقي: (وقد أشار ﷺ إلى الصحابة والتابعين بقوله:
«طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني، ولمن رأى من رأى من رآني وآمن بي، طوبى لهم، وحسن مآب» رواه الطبراني في «الكبير» ، والحاكم في «المستدرك» ) .
وقد تحذف نون الجمع اختيارا كما في السبع: وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ بنصب الصلاة، وفي نسخة بحذف أداة التعريف، وإضافة تابعي إلى لفظة (نعم السلف) على حدّ: نعم السير على بئس العير، كأنّه قال: وتابعي الصحابة الذين هم نعم المتبوع، فالمدح إذن خاص بالصحابة، قاله في «روض النهاة» .
(ما) : هي مصدرية (أرهفت) : رققت (وأرعفت) :
أسالت (يراعه) : قصب تبرى منه الأقلام، وقد تنازعه الفعلان قبله على المفعولية (في مهرق) بوزن مكرم:
الصحيفة، وتنازع الفعلان، قوله: (ينابع البراعه) على الفاعلية، وهو جمع ينبوع، يقال للماء الكثير، قال في «روض النهاة» : (وعبّر به عن العلم) والبراعة: الغلبة في العلم والفهم وغيرهما.
стр. 78
وجلجل الرّعد وسحّ مزنه ... وهبّ شمأل وماس غصنه
وبعد فالعلم أهمّ ما الهمم ... تنافست فيه وخير مغتنم
(و) ما (جلجل) صوّت (الرعد) هو الملك، أو صوته.
روى أبو عيسى في سننه بسنده إلى ابن عباس قال:
(أقبلت يهود إلى النّبيّ ﷺ ، فقالوا:
يا أبا القاسم؛ أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: «ملك من الملائكة موكّل بالسحاب، معه مخاريق من نار، يسوق بها السحاب حيث شاء الله» قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟
قال: «زجره بالسحاب إذا زجره، حتى ينتهي إلى حيث أمر» قالوا: صدقت) وهو قطعة من حديث قال فيه الترمذي:
حديث حسن صحيح غريب، والمخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل: منديل يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، والمراد هنا: آلة تزجر بها الملائكة السحاب.
(وسحّ) صبّ (مزنه) ماء مطر الرعد، (و) ما (هبّ) ريح (شمأل) بفتح الشين، وإسكان الميم، وفتح الهمزة، على إحدى لغاته العشر، ولا تكاد تهب ليلا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في غزوة الخندق، (و) ما (ماس) تبختر، ومال (غصنه) أي: الشمأل، أضيف إليه للملابسة، ومراده: أن يصلّى على النّبيّ ﷺ وصحبه وأتباعه مدة دوام ما ذكر، يعني على التأبيد؛ لأنّهم يذكرون مثل هذا في معنى التأبيد، لا محض التقييد.
(وبعد فالعلم أهم) أي: أعظم (ما) أي: شيء (الهمم تنافست) وافتخرت (فيه) لأنّه بالعلم يكون الإنسان إنسانا
стр. 79
وخيره والعلم تسمو رتبته ... من فضل ما دلّت عليه سيرته
(وأنت بالروح، لا بالجسم إنسان) وبه يكون الوصول إلى الله تعالى، وقد أمر الله تعالى نبيه ﵊ بالازدياد منه، بقوله : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً، وكفى بذلك شرفا (و) هو (خير مغتنم) يغتنمه الإنسان؛ لأنّه ينتفع به حتى بعد موته، فيصل إليه ثمرة ما كان نشره منه في حياته، وينتفع به في قبره.
ولما كان من عادة المؤلفين أن يفضلوا الفن المؤلف فيه على غيره، ترغيبا للطالبين، وتنشيطا للقارئين.. قال الناظم مستدلا على أفضليته بما دلّ عليه، كما قال العلّامة أحمد بن المقّري في «إضاءة الدّجنة» :
وكلّ علم للمزيّة اكتسب ... فالفضل من معلومه له انتسب
(وخيره) أي: خير العلم مبتدأ (والعلم تسمو) أي:
تعلو، من سما يسمو (رتبته) : وهي جملة معترضة بين المبتدأ وخبره (من) أجل (فضل ما دلّت عليه) ذلك العلم (سيرته) خبر المبتدأ، يعني: أنّ خير العلم هو علم السيرة؛ بفضل مدلوله؛ فإنّه يدل على سيرته ﷺ ، وعلى سيرة أصحابه، وتراجمهم رضي الله تعالى عنهم؛ وذلك يفيد مزيد الحب لرسول الله ﷺ ، ولأصحابه الذي هو إكسير الإيمان، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ومن أعظمها التمكن من الاقتداء بهم، المشروط في
стр. 80
فهاك منها نبذة ليست تملّ ... ولم تكن بمعظم القصد تخلّ
أرجوزة على عيون الأثر ... جلّ اعتماد نظمها في السّير
السعادة الأبدية.
قال صاحب «العشريات» :
سعادتنا مشروطة باتّباعه ... وهل يثبت البنيان إلّا على الأسّ
ويودّ الواقف على أحوالهم لو كان
بمحضر منهم؛ حتى يكون خديما لهم، ينافح عنهم في القتال، وأعظم بذلك فضيلة بعد الإيمان بالله ، فهذا العلم من العلم الموصل إلى الله تعالى، كما نصّ على ذلك الأئمة الأعلام، وقد تقدم في المقدمة شيء من ذلك (فهاك) فخذ (منها) من سيرته (نبذة) جملة يسيرة (ليست تمل) أي: لا توقع القارئ في الملل والسآمة؛ ليسارتها، (ولم تكن بمعظم) بالإضافة إلى قوله: (القصد) ، ومتعلق بقوله: (تخل) أي: ولم تكن تخل بمعظم القصد، وهذه الجملة كالاحتراس ممّا يوهم قوله: (نبذة) أنّها مخلة بالمراد، فأفاد أنّها مع كونها قليلة فهي وافية بالمطلوب، وهذا بمعنى قول غيره: إنّها ليست بالطويل المملّ، ولا بالمختصر المخلّ.
ثمّ أبدل من قوله: (نبذة) قوله: (أرجوزة) فهي منصوبة، والهمزة فيها مضمومة، من الرجز بفتحتين: ضرب من الشعر، وزنه مستفعلن ست مرات، والأرجوزة: القصيدة
стр. 81
وشدّ ما اجترأت في ذا الهدف ... إذ لم أكن أهلا لصوغ النّتف
المنظومة من بحر الرجز، تجمع على أراجيز.
وقوله: (على «عيون الأثر» ) خبر مقدم لقوله: (جلّ اعتماد نظمها) أي: هذه الأرجوزة غالب اعتماد نظمها على «عيون الأثر (في) المغازي و (السير) » للحافظ أبي الفتح بن سيد الناس اليعمري الإشبيلي، ولد في ذي القعدة، سنة إحدى وسبعين وست مئة بالقاهرة، وسمع الكثير من الجم الغفير، وتفقّه على مذهب الشافعي، وأخذ الحديث عن والده وابن دقيق العيد، ولازمه سنين كثيرة، وتخرج عليه، وقرأ عليه أصول الفقه.
قال في «الشذرات الذهبية» : (وولي دار الحديث بجامع الصالح، وصنف «السيرة الكبرى» وسماها: «عيون الأثر» ، واختصره في كراريس، وسماه: «نور العيون» توفي بمصر سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة عند الإمام العارف عبد الله بن أبي جمرة، رحمهما الله تعالى.
(وشدّ) بالبناء للفاعل بمعنى قوي، وفاعله المصدر المنسبك بما المصدرية في قوله: (ما اجترأت) أي: اجترائي (في ذا) في هذا (الهدف) محركة كما في «القاموس» : كل مرتفع من بناء، أو كثيب رمل، أو جبل.
قال السيد مرتضى في شرحه: (ومنه سمّي الغرض هدفا، هو المنتضل فيه بالسهام) .
وقال في «روض النهاة» : (قال عبد الرّحمن بن أبي بكر لأبيه- بعد أن أسلم- ﵄: استهدفت لي يوم
стр. 82
فكيف بالعقد لما كان انتثر ... عن كثرة وفي المهارق ابذعر
بدر، فصرفت عنك- وكان عبد الرّحمن من أرمى قريش- فقال له أبو بكر: أمّا إنّك يا بني، والله لو استهدفت لي..
لقتلتك) اهـ
وإنّما قوي تجاسري في هذا النظم الذي هو هدف وغرض للخطأ (إذ لم أكن أهلا) أي: مستوجبا ومستحقا (لصوغ النّتف) أي: النظم القليل، وأصل الصوغ بناء الشيء على تحسين، والنتف: جمع نتفة، كغرفة وغرف، قال في «القاموس» : (النتفة بالضم: ما تنتفه بإصبعك من النبت، وغيره، والجمع نتف كصرد) اهـ
وفي «الحاشية الكبرى» للدمنهوري على «الكافي» عن الفراء: (أنّ العرب تسمي البيت الواحد يتيما، والبيتين والثلاثة نتفة) .
(فكيف) الحال (بالعقد) بفتح العين؛ أي: النظم (لما كان انتثر) لأنّ العقد هو نظم المنثور، عكس الحل عند علماء البيان (عن كثرة) يتعلق بقوله: (انتثر) (و) الحال أنّ ذلك الكثير المنتثر ابذعرّ وتفرق (في المهارق) بفتح الميم: جمع مهرق، بمعنى الصحيفة، فهو يتعلق بقوله: (ابذعر) بفتح الذال المعجمة، والعين المهملة، قال الشيخ حماد الشنقيطي: (وهذا منه رحمه الله تعالى تواضع، وهو عادة المؤلفين قبله لا سيّما هو سجيته التواضع، واستحقار نفسه، ولولا ذلك.. لشدت إليه الرحال من كل أرض، وهو محطها
стр. 83
لكن تطفّلت على بركته ... وجاهه بنظم بعض سيرته
لعلّها بالنّظم هلهلا على ... من رامها نظما تكون أسهلا
ولحضوره بكلّ ذهن ... عن ذكره بمضمر أستغني
في العلم، لا سيّما في علم النحو والعربية والأدب، بل والكتاب والحديث والفقه) .
(لكن تطفّلت) من التطفل، وهو الإتيان بلا دعوة، وأصله: طفيل بن زلال، كشداد، الذي يدعى طفيل الأعراس والعرائس، قال الشيخ مرتضى في «شرح القاموس» : (كان يأتي في الولائم بلا دعوة، وكان يقول: وددت أن الكوفة بركة مصهرجة، فلا يخفى عليّ منها شيء) .
قلت: وللخطيب البغدادي مؤلف في التطفيل، ذكر فيه الكثير من أخبارهم ونوادرهم الغريبة.
(على) مائدة (بركته) ﷺ ، (وجاهه) الرفيع العظيم المعظم، ويتعلق بتطفلت قوله: (بنظم بعض سيرته) العطرة عليه ألف ألف صلاة وسلام.
(لعلّها) أي: السيرة (بالنظم) حال كونه (هلهلا) ؛ أي: رقيقا سلسا (على من رامها) ؛ أي: قصدها من أهل العلم (نظما تكون أسهلا) لأنّ النظم أقرب حفظا، وأدنى استحضارا وأبقى.
(ولحضوره) علة لقوله: (أستغني) والواو داخلة عليه، ويتعلق بالحضور قوله: (بكل ذهن) وقوله: (عن ذكره) وقوله: (بمضمر) يتعلقان بقوله: (أستغني) أي:
стр. 84
والله أسأل سداد النّظر ... وعصمة الخاطر من ذا الخطر
وإنّما أستغني عن ذكر اسمه الشريف في كلام لم يذكر فيه، بضمير يعود عليه ﷺ ؛ لأنّه حاضر بكل ذهن، وهو أعظم من الحضور الحسي، فمن ذلك قوله فيما يأتي:
عن قتل آله نهى إذ خرجوا ... وفي خروجهم عليه حرج
وهذا بيان لاصطلاحه في نظمه.
(والله) بالنصب معمول مقدم لقوله: (أسأل) أي:
لا أطلب إلّا من الله (سداد) بفتح السين، هو الصواب، أمّا بالكسر: فهو ما يسد به الشيء، وهو غير مراد هنا، وهو مضاف إلى (النظر) من إضافة الصفة للموصوف؛ أي:
لا أطلب النظر والصواب في جميع أموري إلا منه تعالى (و) لا أسأل إلّا منه (عصمة الخاطر) أي: العصمة ممّا يخطر في القلب.
قال في شرح القاموس: (الخاطر: ما يخطر في القلب من تدبير أو أمر) .
(من ذا) أي: بسبب هذا التأليف (الخطر) أي:
الخطير؛ أي: أطلب أن يعصمني من وسوسة الشيطان فيه بالعجب والرياء، ونحو ذلك من أمراض القلب الخفية، نسأل الله تعالى أن يحفظنا من ذلك كله بمنّه وكرمه، آمين.
стр. 85
وأن يكون لي ولا عليّا ... وعند كلّ أحد مرضيّا
وأن يكون للثّواب قانصا ... لوجهه خالصا
ممّا يلبّس به إبليس ... وللهوى في طيّه تدليس
بجاه أفضل الورى محمّد ... صلّى عليه الله طول الأبد
(و) أسأله تعالى (أن يكون) هذا التأليف نافعا (لي) فأثاب عليه؛ لكونه خالصا لوجه الله تعالى (ولا) يكون شرا (عليّا) فأعاقب عليه (و) أسأله تعالى أيضا: أن يكون (عند كل أحد مرضيا) حتى يقع النفع به.
(وأن يكون للثواب) والأجر منه تعالى (قانصا) أي:
صائدا، من قنص بمعنى صاد، وبابه ضرب؛ أي: محصلا للثواب (لوجهه يتعلق بقوله: (خالصا) والإخلاص: هو ترك حب المحمدة على العمل، أو هو سرّ بين العبد وربه، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، أو إفراد المعبود بالعبادة ... أقوال.
(ممّا يلبس به) يتعلق بقوله خالصا؛ أي: وأسأل الله تعالى: أن يكون خالصا ممّا يخلط به (إبليس، و) خالصا ممّا (للهوى في طيّه) يتعلق بقوله: (تدليس) أي: وممّا للهوى تدليس، وغش في طيّه؛ أي: باطنه، متوجها إلى الله تعالى في ذلك بحرمته ﷺ ، ومتّبعي هديه وآثاره، كما قال:
(بجاه) أي: بحرمة (أفضل الورى) وخيرهم على الإطلاق إجماعا- كما تقدم- سيدنا (محمّد صلى عليه الله) وعلى آله وحزبه (طول الأبد) أي: الدهر، وهذا كقول الآخر
стр. 86
أوّل غزوة غزاها المصطفى ... ودّان فالأبواء أو ترادفا
في طالعة اختصار منظومة الإمام العراقي:
وأسأل النفع بها كأصلها ... بجاه من قال لنا أنالها
[غزوات النبي ﵌]
(١) غزوة ودّان
(أوّل غزوة) من مغازيه ﷺ البالغة سبعا وعشرين، كما رواه ابن سعد في «طبقاته» والحافظ العراقي في «ألفيّته» وقال المناوي في «شرحها» : (هو الصحيح المجزوم به، وما في «سيرة عبد الغني» من أنّ المشهور ما ذكره ابن إسحاق، من أنّها خمس وعشرون.. تعقبوه بالرد، والغزوات الكبار: بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، وتبوك) وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن «١» .
(غزاها المصطفى) ﵊ الغزوة التي يقال لها: (ودّان) بفتح الواو، وتشديد الدال (فالأبواء) وقيل:
إنّهما بمعنى، فتكون غزوة واحدة «٢» ، كما قال: (أو ترادفا)
стр. 87
أي: اتّحد ودان والأبواء في المعنى، واختلفا في اللفظ، وهما موضعان بينهما ستة أميال، وبالأبواء المعروفة اليوم بالخريبة، قبر أم نبينا ﷺ ، على يسار الذاهب إلى مكة.
وحاصل هذه الغزوة:
أنّه ﷺ خرج لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر صفر، وعلى رأس اثني عشر شهرا من الهجرة، وخرج بالمهاجرين ليس معهم أنصاري يريد قريشا، وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة، واستعمل على المدينة سعد بن عبادة، وحمل اللواء حمزة بن عبد المطلب، فبلغوا سيف البحر يعترضون عيرا لقريش قد جاءت من الشام، فيها أبو جهل في ثلاث مئة راكب، ثم كانت فيها الموادعة- أي:
المصالحة «١» - بينه وبين بني ضمرة، وسيدهم مخشيّ «٢» بن عمرو، على أنّ بني ضمرة لا يغزونه، ولا يكثّرون عليه جمعا، ولا يعينون عليه عدوّا، فرجع ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا، وكانت غيبته ﷺ خمس
стр. 88
ثمّ بواط خرجوا لعير ... أميّة بن خلف السّفسير
عشرة ليلة.
تنبيه:
جرت عادة أهل السير أن يسمّوا كل عسكر حضره النّبيّ ﷺ بنفسه الكريمة غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضا من الصحابة إلى العدوّ سريّة وبعثا.
(٢) غزوة بواط
(ثم بواط) بفتح الموحدة، وبوزن غراب، وهو: جبل من جبال جهينة، بقرب ينبع، على أربعة برد من المدينة المنورة؛ يعني: أنّ غزوة بواط بعد الأبواء؛ ولذا أتى بثم المفيدة للترتيب (خرجوا) أي: الصحب الكرام، وكانوا مئتين معه ﷺ في شهر ربيع الأول، وعلى رأس ثلاثة عشر شهرا من هجرته، واستعمل على المدينة السائب بن مظعون «١» ، وحمل اللواء سعد بن معاذ، أو سعد بن أبي وقاص، يريدون عير قريش، فيها أميّة بن خلف، كما قال: (لعير أميّة بن خلف السّفسير) بكسر
стр. 89
السينين، وإسكان الفاء بينهما: هو التاجر، وكانت العير أي: الإبل- ألفين وخمس مئة، ومعها مئة رجل من قريش، ففاتته ﵊، ورجع ولم يلق كيدا، وأميّة وابنه عليّ ماتا كافرين يوم بدر كما سيأتي، أمّا صفوان بن أميّة..
فأسلم بعد، وصحبه ﷺ ، فرضي الله عنه.
فائدة:
روى مسلم في «صحيحه» في حديث جابر الطويل، في غزوة بطن بواط عنه: (شكا الناس إلى رسول الله ﷺ الجوع، فقال: «عسى الله أن يطعمكم» قال:
فأتينا سيف البحر، فزخر البحر زخرة، فألقى دابة، فأورينا على شقها النار، فاطّبخنا، واشتوينا، وأكلنا، وشبعنا، قال جابر: فدخلت أنا، وفلان، وفلان- حتى عدّ خمسة- في حجاج عينها، ما يرانا أحد، حتى خرجنا، فأخذنا ضلعا من أضلاعه فقوّسنا، ثمّ دعونا بأعظم رجل في الركب، وأعظم جمل في الركب، وأعظم كفل «١» في الركب، فدخل تحته ما يطأطئ رأسه) اهـ
стр. 90
ثمّ العشيرة إلى عير أبي ... سفيان في ذهابها للأرب
(٣) غزوة العشيرة
(ثم العشيرة) بالتصغير، والتاء آخره: ماء لبني مدلج، على ستة فراسخ من المدينة، سميت الغزوة به، ويقال لها:
العشيراء، بالهمزة آخره، ويقال: بالسين المهملة فيها، وهي التي يذكرها جعفر بن الزّبير «١» شقيق عبيدة- أمهما زينب بنت بشر، من بني قيس بن ثعلبة- في شعره حيث يقول:
مررنا على ماء العشيرة والهوى ... على ملل يا لهف نفسي على ملل
وقالوا صخيرات الثّمام وقدّموا ... أوائلهم من آخر الليل بالثّقل
وملل: اسم موضع، يقال: إنّما سمي بذلك؛ لأنّ الماشي إليه من المدينة لا يبلغه إلّا بعد جهد وملل، وهو على ثمانية وعشرين ميلا من المدينة، وقيل: اثنان وعشرون، حكاهما القاضي عياض في «المشارق» .
стр. 91
وكانت هذه الغزوة في جمادى الأولى من السنة الثانية، على رأس ستة عشر شهرا، متوجها ﵊ (إلى عير أبي سفيان في ذهابها) أي: العير إلى الشام (للأرب) بفتح الهمزة؛ أي: لقضاء حاجتها من التجارة.
واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وحمل اللواء- وكان أبيض- حمزة بن عبد المطلب، وخرج ﷺ في خمسين ومئة أو مئتين، ممّن انتدب من مهاجري قريش، ولم يكره أحدا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرا يتعقبونها، فوجدوا العير التي ودّوا أن يعترضوها لأبي سفيان قد مضت قبل ذلك بأيام، وهذه العير هي التي خرج إليها لما رجعت من الشام، فكانت وقعة بدر بسببها، فأقام ﷺ جمادى الأولى، وليالي من جمادى الآخرة، كما في «سيرة ابن إسحاق» وأقرّه ابن كثير، ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، ثمّ رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا.
قال الإمام البخاري في «صحيحه» : (حدّثنا عبد الله بن محمّد، ثنا وهب، ثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا رسول الله ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال سبع عشرة، قلت: فأيّها كانت أول؟ قال:
العشيرة أو العسيرة، فذكرت لقتادة فقال: العشيرة) فهذا الحديث ظاهر في أنّ أول الغزوات العشيرة.
стр. 92
فبدر الأولى بإثر ناهب ... سرح المدينة مغذّ هارب
كرز بن جابر وبعد استنقذا ... لقاحه ممّن عليه استحوذا
قال ابن كثير: (اللهم إلّا أن يكون المراد غزاة شهدها مع النّبيّ ﷺ زيد، فلا ينافي أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد) وهذا نقله في «الفتح» عن ابن التّين، وقال: إنّه محتمل، والله أعلم.
(٤) غزوة بدر الأولى
(ف) بعد العشيرة (بدر الأولى) لأنّه ﷺ لمّا رجع من العشيرة.. لم يقم بالمدينة إلّا ليالي لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر على سرح المدينة، كما قال:
(بإثر) أي: عقب (ناهب سرح المدينة) بإضافة ناهب لسرح، وهو الإبل والمواشي التي تسرح للرعي (مغذ) بالغين المعجمة: مسرع في سيره، يقال: أغذ السير، إذا أسرع، وقوله: (هارب) صفة ثانية لناهب، وهو المسرع خوفا، ويبدل من ناهب قوله: (كرز بن جابر) الفهري، فهو بالجر.
وحاصل ذلك: أنّه لما أغار كرز بن جابر على سرح المدينة.. خرج ﷺ في طلبه في جمادى الآخر.. حتى بلغ واديا يقال له: سفوان، من ناحية بدر، فلم يدرك كرزا، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وحمل
стр. 93
فبدر الكبرى لعير صخر ... آئبة من شأمها بالكثر
اللواء علي بن أبي طالب ﵁.
(وبعد) بالبناء على الضم؛ أي: وبعد نهب كرز سرح المدينة أسلم وهاجر إليه ﷺ و (استنقذا) بألف الإطلاق؛ أي: استخلص كرز (لقاحه) ﷺ ، هو بوزن كتاب: الإبل، واحدها لقوح كصبور (ممّن) أي: من العرنيّين الذين (عليه استحوذا) أي:
استولى على اللقاح، وجاء بهم أسارى إلى رسول الله ﷺ ، وسيأتي خبرهم موضحا، وروعي في استحواذ لفظ (من) .
واستشهد كرز يوم فتح مكة ﵁ كما ذكره الحافظ ابن عبد البرّ في «الإستيعاب» .
ذكر الواقدي: (أنّ هذه السفرات الثلاث- يعني:
ودّان، وبواط، والعشيرة- كان ﷺ يخرج فيها لتلقي تجار قريش حين يمرون إلى الشام، ذهابا وإيابا، وبسبب ذلك كانت وقعة بدر الكبرى) .
(٥) غزوة بدر الكبرى
(فبدر الكبرى) عقب بدر الأولى، وبدر: بئر سميت باسم رجل من غفار حفرها هناك، وكانت صبيحة يوم الجمعة لسبعة عشر من رمضان، في السنة الثّانية من الهجرة، خرج
стр. 94
واعتقبوا في ذلك المسير ... كلّ ثلاثة على بعير
ﷺ (لعير) أبي سفيان (صخر) بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، والعير: الإبل تحمل الطعام (آئبة) أي: حال كونها راجعة (من شأمها بالكثر) فإنّ عدد العير ألف بعير، وعدد الدنانير خمسون ألفا، وخرج معه ﷺ ، ثلاث مئة وبضعة عشر رجلا من الأصحاب، أربعة وستون من المهاجرين، وسائر الجيش من الأنصار، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير وكان أبيض، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، واستعمل على المدينة أبا لبابة لما ردّه من الروحاء.
وقال ﷺ لما ندب الناس إلى العير:
«هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها؛ لعلّ الله ينفّلكموها» وبعث ﷺ سعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله يتجسّسان خبر العير، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قلّة الظّهر والسلاح عند المسلمين:
(واعتقبوا) أي: ركبوا نوبة: هذا مرة، والآخر مرة، والعقبة: بوزن علبة: النوبة (في ذلك المسير) إلى قتال المشركين، على الكيفية التي أشار لها بقوله: (كلّ ثلاثة على بعير) وكان معهم سبعون بعيرا.
قال في «شرح المواهب» : (فكان صلى الله عليه
стр. 95
ولم يكونوا أوعبوا للحرب ... إذ ما غزوا لغير نهب الرّكب
وسلم، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة- ويقال:
مرثد بن أبي مرثد الغنوي- يعتقبون بعيرا.
وقد روى الحارث بن أبي أسامة، وابن سعد عن ابن مسعود قال: كنّا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعليّ زميلي رسول الله ﷺ ، فكان إذا كانت عقبة النّبيّ ﷺ .. قالا: اركب ونحن نمشي عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» وعليه: فجملة الذين يعتقبون مئتان وعشرة، فيحتمل أنّ الباقين لم يركبوا، أو أنّ الثلاثة تركب مرة ثمّ يدفعونه- أي: البعير- إلى غيرهم؛ ليركبوه مرة أخرى، وركوب أبي لبابة معهم كان قبل ردّه من الروحاء، وبعده أعقب مرثدا، كما عند ابن إسحاق، أو زيدا كما عند غيره) .
(ولم يكونوا) أي: الصحابة (أوعبوا للحرب) أي: لم يخرجوا جميعهم له؛ لعدم علمهم به، ولو علموا ذلك..
لأوعبوا، لكن مجرد الغنيمة، كما قال: (إذ ما غزوا لغير نهب الركب) الذي مع أبي سفيان وهو العير، قال تعالى:
وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني: أنّه ﷺ لمّا أمرهم بالخروج إلى العير وأمر من كان ظهره حاضرا بالنهوض.. أجاب ناس، وثقل آخرون؛ لظنهم أنّ رسول الله ﷺ لم يرد حربا.
قال في «الإمتاع» : (فخرج معه المهاجرون، وخرجت
стр. 96
وليس عندهم من السّيوف ... غير ثمان للعدا حتوف
الأنصار، ولم يكن غزا بأحد منهم قبل ذلك، فنزل بالبقع على ميل من المدينة، والتقيا على أربع مراحل من المدينة، وهي بيوت السّقيا، يوم الأحد لثنتي عشرة خلت من رمضان، فضرب عسكره هناك، وعرض المقاتلة، فردّ عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وأسيد بن حضير، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، ولم يجزهم.
وعرض عمير بن أبي وقاص فاستصغره، فقال: «ارجع» فبكى، فأجازه، فقتل ببدر وهو ابن ستّ عشرة سنة، وأمر ﷺ أصحابه أن يستقوا من بئر السّقيا، وشرب من مائها، وصلّى عند بيوت السقيا، ودعا يومئذ لأهل المدينة فقال: «اللهمّ، إنّ إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيك دعاك لأهل مكة، وإنّي محمّد عبدك ونبيك؛ أدعوك لأهل المدينة:
أن تبارك لهم في صاعهم، ومدّهم، وثمارهم، اللهمّ؛ وحبّب إلينا المدينة، واجعل ما بها من الوباء بخمّ، اللهمّ؛ إنّي حرّمت ما بين لابتيها كما حرّم إبراهيم خليلك مكة» وهم على ثلاثة أميال بالجحفة بين الحرمين الشريفين) .
(وليس عندهم) أي: الصحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين (من السيوف غير ثمان) ولكنها هي المهلكة، كما قال: (للعدا حتوف) بالجر صفة لثمان؛ أي: ثمان، كثيرة الإهلاك للأعداء.
стр. 97
ولا من الخيل سوى اثنتين ... وقد كفتهم أهبة التّمكين
واستنفر النّفير صخر لهم ... وجاء خير مرسل ألبهم
(ولا من الخيل) عندهم (سوى اثنتين) :
إحداهما: للمقداد بن عمرو، ويقال لها: (سبحة) بفتح السين المهملة، وإسكان الموحدة، وبالحاء المهملة، ثمّ تاء التأنيث.
والأخرى: لمرثد بن أبي مرثد، ويقال لها:
(السّبل) .
وأمّا خيل النّبيّ ﷺ .. فإنّما كانت بعد ذلك (و) مع هذه القلة ف (قد كفتهم أهبة) بضم الهمزة وإسكان الهاء، وهو مضاف إلى (التمكين) أي: كفاهم الله تعالى التمكين والمنزلة عنده تعالى، عن الإعداد بالعدد والسلاح.
استنفار أبي سفيان قريشا لإنقاذ العير:
(واستنفر) أي: استفزّ (النفير) بالنصب: معمول ل (استنفر) ؛ أي: الجيش، وفاعله (صخر) أبو سفيان بن حرب (لهم) أي: النّبيّ ﷺ وأصحابه؛ أي: لحربه (وجاء خير مرسل) بالنصب معمول لجاء، وفاعله (ألبهم) بفتح الهمزة وكسرها: تجمّعهم للحرب، يقال: هم عليه ألب واحد، قال سيدنا حسان ﵁:
والناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر
стр. 98
وحاصل ما أشار له الناظم: أنّ أبا سفيان لمّا بلغه من بعض الركبان: أنّه ﷺ استنفر أصحابه للعير.. خاف خوفا شديدا، فاستنفر النفير- أي: القوم النافرين للحرب- واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري بعشرين مثقالا؛ ليأتي مكة، وأمره أن يجدع بعيره، ويحوّل رحله، ويشق قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكة، ويخبر قريشا أنّ محمّدا قد عرض لعيرهم هو وأصحابه، وكانت تلك العير فيها أموال قريش، حتى قيل: إنّه لم يبق قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلّا بعث به في تلك العير، فأسرع ضمضم إلى مكة، حتى إذا كان ببطن الوادي.. وقف على بعيره، وقد جدعه؛ أي: قطع أنفه، أو أذنه، وحوّل رحله، وشقّ قميصه، وهو يصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش؛ اللّطيمة، اللطيمة أي: أدركوا اللطيمة، وهي العير التي تحمل الطيب والبز- أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فتجهز الناس سراعا وهم يقولون: أيظن محمّد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟! كلا والله، ليعلمنّ غير ذلك، فلم تملك قريش من أمرها شيئا حتى نفروا على الصعب والذلول، وتجهّزوا في ثلاثة أيام، وأعان قويّهم ضعيفهم.
استيثاق الرسول ﷺ من أمر الأنصار:
ثم فرّع الناظم رحمه الله تعالى على ما ذكره من استنفار
стр. 99
فأخبر النّاس بهم ممتحنا ... وقال سعد ما رأى وأحسنا
أبي سفيان النفير وإجابة كفار قريش له، قوله:
(فأخبر) رسول الله ﷺ (الناس) أي:
أصحابه رضي الله تعالى عنهم (بهم) أي: بقريش ومسيرهم؛ ليمنعوا عيرهم (ممتحنا) مختبرا، فاستشارهم ﷺ في طلب العير، وحرب النفير، وقال: إنّ الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإمّا قريشا، فقال أبو بكر وأحسن، وقال عمر بن الخطاب وأحسن.
ثمّ قال ﷺ : «أيّها الناس؛ أشيروا عليّ» وإنّما يريد الأنصار؛ لأنّه ﷺ تخوّف ألّا تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلّا ممّن دهمه بالمدينة؛ لأنّهم ليلة بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله؛ إنّا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذن نمنعك ممّا نمنع منه أزرنا، فعند ذلك قام سعد بن معاذ سيد الأوس «١» كما أشار له بقوله: (وقال سعد) في جواب ذلك (ما رأى) أي: القول الذي رآه (وأحسنا) فيه وهو:
стр. 100
وكان من رويّة المقداد ... أن رضي السّير إلى الغماد
(والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله، قال: «أجل» قال:
قد آمنّا بك، وصدقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق؛ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته.. لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرّبه عينك، فسر على بركة الله) .
قال الزرقاني: (وعند ابن عائذ من مرسل عروة، وابن أبي شيبة من مرسل علقمة بن أبي وقاص، عن سعد قال:
ولعلّك يا رسول الله خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحبّ إلينا ممّا تركت، وما أمرت به من أمر، فأمرنا تبع لأمرك، لئن سرت حتى تأتي برك الغماد.. لنسيرنّ معك.
فسرّ ﵊ بقول سعد ﵁ وأرضاه، ثمّ قال: «سيروا، وأبشروا؛ فإنّ الله قد وعد إحدى الطائفتين، والله؛ لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» ) .
(وكان من رويّة) بكسر الواو وتشديد الياء، من رويت في الأمر: إذا نظرت فيه؛ أي: وكان من فكرة ورأي
стр. 101
(المقداد «١» ) بن عمرو (أن رضي السير إلى الغماد) بتثليث الغين المعجمة: موضع في أقصى معمور الأرض، أو مدينة في الحبشة، فإنّه رضي الله تعالى عنه قال: والله؛ لو سرت بنا إلى برك الغماد.. لسرنا معك، ولا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵊: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فقال له رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له بخير.
وفي الصحيح: (أنّ ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا، لأن أكون صاحبه أحب إليّ ممّا عدل به، أتى النّبيّ ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى:
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك، فرأيت النّبيّ ﷺ أشرق وجهه وسرّه، يعني قوله) اهـ
стр. 102
وعمر استقلّ جيش الحنفا ... واستكثر الّذي إليه زحفا
ثمّ قال ﷺ : «أشيروا عليّ» فقال سعد ما تقدم.
قلت: وعلم من هذا التقرير: أنّ قول المقداد قبل قول سعد ﵄، فكان للناظم أن يقدمه، إلا أنّ النظم لم يساعده، والخطب سهل.
(وعمر) بن الخطاب ﵁ (استقلّ) أي: رأى في نظره جيش المسلمين قليلا كما قال: (جيش الحنفا) :
جمع حنيف، وهو المائل عن جميع الأديان إلى دين الإسلام (واستكثر) الجيش (الذي إليه) يتعلق بقوله: (زحفا) بمعنى: مشى، وإنّما قال ذلك؛ شفقة على المسلمين؛ لما رأى من كثرة المشركين غيظا بهم، فقال- كما رواه ابن عقبة-: (يا رسول الله؛ إنّها لقريش، والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنّك، فتأهّب لذلك أهبته، وأعدّ لذلك عدته) .
ولما سرّ رسول الله ﷺ من قول صاحبيه:
سعد والمقداد.. ارتحل من واد يقال له: ذفران «١» حين بلغه خروج قريش يريدونه.
стр. 103
واستبقوا صخرا لبدر وانتحى ... وأخذوا واردة وزحزحا
تعرّف الرسول ﷺ وأبي بكر أخبار قريش:
(واستبقوا) أي: سبق الصحب الكرام معه ﵊ أبا سفيان (صخر لبدر، و) أما هو.. فإنّه (انتحى) أي: قصد إلى ناحية الساحل خوفا على عيره، ونزل رسول الله ﷺ قريبا من بدر، فركب هو وأبو بكر ﵁.. حتى وقفا على شيخ من العرب، فسألاه عن قريش، وعن محمّد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتّى تخبراني ممّن أنتما، فقال ﷺ : «إذا أخبرتنا.. أخبرناك» فقال الشيخ: أذاك بذاك؟ قال: «نعم» قال الشيخ: بلغني أنّ محمّدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني.. فهم اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الّذي به رسول الله ﷺ وبلغني أنّ قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدق.. فهم اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذي به قريش- فلمّا فرغ من خبره.. قال: ممّن أنتما؟ قال رسول الله ﷺ : «نحن من ماء «١» » ، ثمّ انصرفا عنه، قال الشيخ: ما «من ماء» أمن العراق؟!
стр. 104
عنها النّبيّ الضّرب إذ قال هما ... واردة النّفير واستفتاهما
قصة سقاة قريش:
ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه (و) لما أمسى.. بعث علي بن أبي طالب، والزّبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحابه إلى ماء بدر؛ يلتمسون الخبر له ﵊، ف (أخذوا واردة) لقريش، وهي القوم يردون الماء، فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار، غلام بني العاص، فأتوا بهما، فسألوهما ورسول الله ﷺ قائم يصلّي، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلمّا أذلقوهما «١» .. قالا: نحن لأبي سفيان، ونحن في العير، فتركوهما، وركع رسول الله ﷺ ، وسجد سجدتيه، ثمّ سلّم، وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنّهما لقريش، وهذا مراد الناظم بقوله: (وزحزحا) أي: أبعد.
(عنها) أي: الواردة (النّبيّ) ﷺ (الضرب إذ قال: هما واردة النفير) أي: جيش أبي جهل (واستفتاهما) النّبيّ ﷺ فقال لهما:
«أخبراني عن قريش» قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي
стр. 105
وعند ما أمن صخر أرسلا ... إلى النّفير أن يؤوب قفّلا
ترى بالعدوة «١» القصوى، قال: «كم هم؟» قالا: كثير، قال: «ما عدّتهم؟» قالا: لا ندري، قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، فقال ﷺ : «القوم ما بين تسع مئة وألف» ثمّ قال لهما:
«فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عقبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، وأبو جهل، وأميّة بن خلف، والنّضر بن الحارث، حتّى عدّ جماعة من كبرائهم، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» .
أمن أبي سفيان على العير ونجاتها:
(وعند ما أمن) أبو سفيان (صخر) من تعرض المسلمين لعيره (أرسلا) بألف الإطلاق؛ أي: أرسل أبو سفيان (إلى النفير) : وهم قريش الذين نفروا للقتال مع أبي جهل، ب (أن يؤوب) أي: يرجع النفير (قفّلا) بتشديد الفاء: جمع قافل، بمعنى راجع، وقال: إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم، ورجالكم، وأموالكم، فقد نجاها الله، فارجعوا، وستأتي مقالة أبي جهل في ذلك.
وسبب أمن أبي سفيان: أنّه خرج بسبس بن عمرو،
стр. 106
وردّ الاخنس المسوّد على ... حلف بني زهرة وازداد علا
وعديّ بن أبي الزغباء.. حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنّا لهما يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر «١» ، وهما تتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنّما تأتي العير غدا، أو بعد غد، فأعمل لهم، ثمّ أقضيك الذي لك، قال مجدي: صدقت، ثمّ خلص بينهما، وسمع ذلك عديّ، وبسبس، فجلسا على بعيريهما، ثمّ انطلقا.. حتى أتيا رسول الله ﷺ ، وأخبراه بما سمعا، وأقبل أبو سفيان حتى تقدّم العير حذرا، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا؟ قال:
ما رأيت أحدا أنكره، إلّا أنّي رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثمّ استقيا في شنّ لهما، ثمّ انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففتّه، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع.
رجوع الأخنس ببني زهرة:
(وردّ الاخنس) بن شريق الثقفي (المسوّد) والمفضل في بني زهرة (على حلف) بكسر فسكون؛ أي: مع حلف
стр. 107
وابن هشام قال لا أو نردا ... بدرا فننحر ونرهب العدا
لبني زهرة، قال في «الروض» : ويقال: إنّه ما ساد حليف غيره، وقوله: (بني زهرة) معمول لقوله: (رد) يعني: أنّ الأخنس قال: يا بني زهرة؛ قد نجى الله أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنّما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها، وارجعوا؛ فإنّه لا حاجة لكم في محمّد وأصحابه، لا ما يقول هذا، يريد أبا جهل، فرجعوا ولم يشهدها زهري «١» (وازداد) بذلك (علا) في الجاهلية.
قال في «روض النهاة» : إلّا أنّه نافق في إسلامه، ونزلت فيه وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية.
وقيل سبب ردّه لهم: أنّه خلا بأبي جهل حين تراءى الجمعان، فقال: أترى محمّدا يكذب؟ فقال: كيف يكذب على الله، وقد كنا نسميه الأمين؟! لأنّه ما كذب قط، ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السّقاية والرّفادة والمشورة، ثمّ تكون فيهم النبوة، فأي شيء بقي لنا؟ فحينئذ انخنس؛ أي:
رجع ببني زهرة، وكان اسمه أبيّا، فسمّي الأخنس بذلك.
إصرار أبي جهل على عدم رجوع قريش:
(و) الخبيث اللعين أبو جهل (ابن هشام) بتسمية النّبيّ ﷺ ، وتقول له العرب: أبا الحكم (قال)
стр. 108
فطاوعوه ومضوا وباتوا ... بشرّ ما بات به بغاة
عن كثب وأصبحوا بوحل ... ثبّطهم وبات خير مرسل
بخير ليلة وأصبح على ... أثبت أرض للخطا وارتحلا
لما أرسل إليهم أبو سفيان أن يرجعوا، فأراد أصحابه الرجوع لنجاة العير: (لا) نرجع (أو) أي: إلّا أن (نرد بدرا) وكانت من مواسم العرب، تجتمع لهم به سوق كل عام (فننحر) الجزر ونشرب الخمر، وتعزف عليه القيان، (ونرهب العدا) وتسمع بنا العرب.
(فطاوعوه) أي: أبا جهل (ومضوا) لسبيلهم.. حتى أتوا بدرا، ونزلوا بالعدوة القصوى (وباتوا بشر ما) أي: حال (بات به بغاة) جمع باغ، بمعنى ظالم، من السهر والريح والبرد والجزع، وإنما وصفهم بالظلم؛ لأنّهم أهله، ويتعلق بقوله: (عن كثب) أي: قرب.
نزول المطر يوم بدر نعمة على المسلمين ونقمة على المشركين:
(وأصبحوا بوحل) بفتح الواو والحاء المهملة؛ أي:
فيه، وهو الطين الرقيق ترتطم فيه الدّواب، ولا تكاد تخرج منه (ثبّطهم) أي: عوّقهم الوحل عن المسير (وبات خير مرسل) ﷺ (بخير ليلة) من الأمن والعافية، ولما احتلم أصحابه ليلتئذ.. أرسل الله عليهم السحاب، فتطهّروا بها، ولبّدت لهم الأرض، وكانت دهسا؛ أي:
سهلة لينة، كما قال: (وأصبح على أثبت أرض للخطا) بضم الخاء، وهو جمع خطوة: ما بين القدمين (وارتحلا)
стр. 109
فنزلوا أدنى المياه للعدا ... وغوّروا جميعهنّ ما عدا
ﷺ بأصحابه.. حتّى جاء أقرب ماء من بدر، فنزل به.
المشورة في منزل الحرب:
ثمّ إنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله؛ أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، أو نتأخر عنه، أم هو الرأي، والحرب، والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» فقال: يا رسول الله؛ فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فتنزله، ثمّ نغوّر ما وراءه من القلب، ثمّ نبني عليه حوضا، فنملؤه ماء، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : «لقد أشرت بالرأي» فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فسار.. حتى أتى أدنى ماء من القوم، فنزل عليه، ثمّ أمر بالقلب فغوّرت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء، ثمّ قذفوا فيه الآنية، وإلى هذا أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله: (فنزلوا) أي:
الصحب الكرام مع الرسول ﵊ (أدنى المياه للعدا، وغوّروا) بالغين المعجمة، وتشديد الواو، وهو الموافق للنظم «١» (جميعهنّ) أي: القلب (ما عدا) أي: إلّا
стр. 110
قليبهم وجعلوا الأواني ... في جدول فهي لهم دواني
وأقبلت بالخيلا والكبريا ... إلى المصارع الزّحوف الأشقيا
(قليبهم) أي: المسلمين، والقليب في الأصل: البئر قبل أن تطوى وتبنى.
(وجعلوا الأواني) للشرب (في جدول) على وزن جعفر وخروع: النهر الصغير، قاله في «القاموس» والمراد به هنا:
الحوض المذكور (فهي) أي: الأواني (لهم) أي:
للمسلمين ممّن يريد الشرب (دواني) أي: قريبة.
(وأقبلت بالخيلا) هو التكبر والإعجاب بالنفس، فعطف قوله: (والكبريا) عليه عطف تفسير (إلى المصارع) جمع مصرع، بفتح الميم، وهو موضع هلاكهم الذي ذكره النّبيّ ﷺ لأصحابه حين سرّ ونشط بقول سعد والمقداد: «إنّ الله وعدني إحدى الطائفتين- يعني العير أو النفير- والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» .
وقوله: (الزحوف) فاعل (أقبلت) وهو: جمع زحف الجيش، يزحفون؛ أي: يمشون إلى عدوهم، ووصفهم بقوله: (الأشقيا) .