وردّ الاخنس المسوّد على ... حلف بني زهرة وازداد علا
وعديّ بن أبي الزغباء.. حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنّا لهما يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر «١» ، وهما تتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنّما تأتي العير غدا، أو بعد غد، فأعمل لهم، ثمّ أقضيك الذي لك، قال مجدي: صدقت، ثمّ خلص بينهما، وسمع ذلك عديّ، وبسبس، فجلسا على بعيريهما، ثمّ انطلقا.. حتى أتيا رسول الله ﷺ ، وأخبراه بما سمعا، وأقبل أبو سفيان حتى تقدّم العير حذرا، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا؟ قال:
ما رأيت أحدا أنكره، إلّا أنّي رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثمّ استقيا في شنّ لهما، ثمّ انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففتّه، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع.
رجوع الأخنس ببني زهرة:
(وردّ الاخنس) بن شريق الثقفي (المسوّد) والمفضل في بني زهرة (على حلف) بكسر فسكون؛ أي: مع حلف
стр. 107
وابن هشام قال لا أو نردا ... بدرا فننحر ونرهب العدا
لبني زهرة، قال في «الروض» : ويقال: إنّه ما ساد حليف غيره، وقوله: (بني زهرة) معمول لقوله: (رد) يعني: أنّ الأخنس قال: يا بني زهرة؛ قد نجى الله أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنّما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها، وارجعوا؛ فإنّه لا حاجة لكم في محمّد وأصحابه، لا ما يقول هذا، يريد أبا جهل، فرجعوا ولم يشهدها زهري «١» (وازداد) بذلك (علا) في الجاهلية.
قال في «روض النهاة» : إلّا أنّه نافق في إسلامه، ونزلت فيه وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية.
وقيل سبب ردّه لهم: أنّه خلا بأبي جهل حين تراءى الجمعان، فقال: أترى محمّدا يكذب؟ فقال: كيف يكذب على الله، وقد كنا نسميه الأمين؟! لأنّه ما كذب قط، ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السّقاية والرّفادة والمشورة، ثمّ تكون فيهم النبوة، فأي شيء بقي لنا؟ فحينئذ انخنس؛ أي:
رجع ببني زهرة، وكان اسمه أبيّا، فسمّي الأخنس بذلك.
إصرار أبي جهل على عدم رجوع قريش:
(و) الخبيث اللعين أبو جهل (ابن هشام) بتسمية النّبيّ ﷺ ، وتقول له العرب: أبا الحكم (قال)
стр. 108
فطاوعوه ومضوا وباتوا ... بشرّ ما بات به بغاة
عن كثب وأصبحوا بوحل ... ثبّطهم وبات خير مرسل
بخير ليلة وأصبح على ... أثبت أرض للخطا وارتحلا
لما أرسل إليهم أبو سفيان أن يرجعوا، فأراد أصحابه الرجوع لنجاة العير: (لا) نرجع (أو) أي: إلّا أن (نرد بدرا) وكانت من مواسم العرب، تجتمع لهم به سوق كل عام (فننحر) الجزر ونشرب الخمر، وتعزف عليه القيان، (ونرهب العدا) وتسمع بنا العرب.
(فطاوعوه) أي: أبا جهل (ومضوا) لسبيلهم.. حتى أتوا بدرا، ونزلوا بالعدوة القصوى (وباتوا بشر ما) أي: حال (بات به بغاة) جمع باغ، بمعنى ظالم، من السهر والريح والبرد والجزع، وإنما وصفهم بالظلم؛ لأنّهم أهله، ويتعلق بقوله: (عن كثب) أي: قرب.
نزول المطر يوم بدر نعمة على المسلمين ونقمة على المشركين:
(وأصبحوا بوحل) بفتح الواو والحاء المهملة؛ أي:
فيه، وهو الطين الرقيق ترتطم فيه الدّواب، ولا تكاد تخرج منه (ثبّطهم) أي: عوّقهم الوحل عن المسير (وبات خير مرسل) ﷺ (بخير ليلة) من الأمن والعافية، ولما احتلم أصحابه ليلتئذ.. أرسل الله عليهم السحاب، فتطهّروا بها، ولبّدت لهم الأرض، وكانت دهسا؛ أي:
سهلة لينة، كما قال: (وأصبح على أثبت أرض للخطا) بضم الخاء، وهو جمع خطوة: ما بين القدمين (وارتحلا)
стр. 109
فنزلوا أدنى المياه للعدا ... وغوّروا جميعهنّ ما عدا
ﷺ بأصحابه.. حتّى جاء أقرب ماء من بدر، فنزل به.
المشورة في منزل الحرب:
ثمّ إنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله؛ أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، أو نتأخر عنه، أم هو الرأي، والحرب، والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» فقال: يا رسول الله؛ فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فتنزله، ثمّ نغوّر ما وراءه من القلب، ثمّ نبني عليه حوضا، فنملؤه ماء، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : «لقد أشرت بالرأي» فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فسار.. حتى أتى أدنى ماء من القوم، فنزل عليه، ثمّ أمر بالقلب فغوّرت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء، ثمّ قذفوا فيه الآنية، وإلى هذا أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله: (فنزلوا) أي:
الصحب الكرام مع الرسول ﵊ (أدنى المياه للعدا، وغوّروا) بالغين المعجمة، وتشديد الواو، وهو الموافق للنظم «١» (جميعهنّ) أي: القلب (ما عدا) أي: إلّا
стр. 110
قليبهم وجعلوا الأواني ... في جدول فهي لهم دواني
وأقبلت بالخيلا والكبريا ... إلى المصارع الزّحوف الأشقيا
(قليبهم) أي: المسلمين، والقليب في الأصل: البئر قبل أن تطوى وتبنى.
(وجعلوا الأواني) للشرب (في جدول) على وزن جعفر وخروع: النهر الصغير، قاله في «القاموس» والمراد به هنا:
الحوض المذكور (فهي) أي: الأواني (لهم) أي:
للمسلمين ممّن يريد الشرب (دواني) أي: قريبة.
(وأقبلت بالخيلا) هو التكبر والإعجاب بالنفس، فعطف قوله: (والكبريا) عليه عطف تفسير (إلى المصارع) جمع مصرع، بفتح الميم، وهو موضع هلاكهم الذي ذكره النّبيّ ﷺ لأصحابه حين سرّ ونشط بقول سعد والمقداد: «إنّ الله وعدني إحدى الطائفتين- يعني العير أو النفير- والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» .
وقوله: (الزحوف) فاعل (أقبلت) وهو: جمع زحف الجيش، يزحفون؛ أي: يمشون إلى عدوهم، ووصفهم بقوله: (الأشقيا) .
стр. 111
لو طاوعوا عتبة أو حكيما ... أو ابن وهب ما رأوا أليما
لكونهم إلى القفول أرشدوا ... من بعد ما أشفوا على ما وردوا
مقال عتبة وحكيم وابن وهب لقريش في الرجوع عن القتال:
قال الناظم:
(لو طاوعوا عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، الذي قال فيه النّبيّ ﷺ وقد رآه على جمل له أحمر: «إن يكن فيهم خير، ففي صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» (أو حكيما) ابن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أمّه فاختة بنت رهين، ولدته في جوف الكعبة، وطرحت ثيابها التي ولدته فيها في الحطيم، وذلك شرع الجاهلية، وتسمّى تلك الثياب: اللقى، بوزن الفتى، قال الشاعر:
فواحزنا كرّي عليه كأنّه ... لقى بين أيدي الطائفتين صريم
نجا يوم بدر، وأسلم يوم الفتح، ﵁.
(أو) عمير (ابن وهب) بن خلف بن حذافة بن جمح، قال في «روض النّهاة» : (ويقال له: شيطان العرب، وقد أسلم ﵁ (ما رأوا) أي: كفار قريش (أليما) .
(لكونهم) أي: لكون المذكورين (إلى القفول) أي:
الرجوع عن القتال (أرشدوا) قومهم (من بعد ما) يظهر أنّها مصدرية (أشفوا) قال في «القاموس» و «شرحه» : (أشفى
стр. 112
على الشيء: أشرف، وحصل على شفاه، وهو يستعمل في الشر غالبا) أي: من بعد إشرافهم (على ما) أي: القتال الذي (وردوا) بدرا لأجله.
وأشار الناظم في هذه الأبيات إلى ما ذكره ابن سيد الناس في «العيون» ، وابن كثير في «البداية» كلاهما عن ابن إسحاق قال: (حدّثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم، عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لمّا اطمأنّ القوم..
بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ فقالوا: احزر لنا أصحاب محمّد، قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثمّ رجع إليهم، فقال: ثلاث مئة رجل، يزيدون قليلا، أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر للقوم كمين، أو مدد، قال: فضرب في بطن الوادي.. حتّى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئا، ولكن رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة، ولا ملجأ إلّا سيوفهم.
وفي «السيرة الشامية» : أما ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمّظون تلمّظ الأفاعي «١» ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم..
حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم عدادهم.. فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم.
стр. 113
وقال عمرو وبأنفه شمخ ... ثانية سحر عتبة انتفخ
فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك.. مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد، إنّك كبير قريش، وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي «١» ، قال:
قد فعلت، أنت عليّ بذلك، إنّما هو حليفي، فعليّ عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية- يعني أبا جهل- ثمّ قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش؛ إنّكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمّدا وأصحابه شيئا، والله؛ لئن أصبتموه..
لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمّد وبين سائر العرب، فإن أصابوه.. فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك.. ألفاكم، ولم تعرّضوا منه ما تريدون) .
وإلى هنا انتهى ما دار من المفاوضة بين الثلاثة وأبي جهل.
إصرار أبي جهل على الحرب:
وأمّا جواب أبي جهل.. فهو ما أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى بقوله:
(وقال) أبو جهل (عمرو و) الحال أنّه (بأنفه) ، يتعلق بقوله: (شمخ) أي: تكبر، قولة (ثانية) ، أمّا القولة
стр. 114
الأولى فقوله- كما تقدم-: لا نرجع.. حتى نرد بدرا إلخ، ومقول القول قوله: (سحر عتبة انتفخ) كما قال: (سحر) قال في «المختار» : بالضم: الرئة، والجمع أسحار، كبرد وأبراد، وكذا السحر بالفتح، وجمعه سحور كفلس وفلوس، وقد يحرك لمكان حرف الحلق، فيقال: سحر وسحر، كنهر ونهر، والثّاني هو اللائق بالنظم، فيحمل عليه (عتبة انتفخ) .
قال في «العيون» : (قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعا له من جرابها، فقلت:
يا أبا الحكم؛ إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا- للّذي قال- فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمّدا وأصحابه، كلّا والله، لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمّد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أنّ محمّدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه «١» قد تخوف عليه، ولما بلغ عتبة قول أبي جهل:
انتفخ والله سحره.. قال: سيعلم مصفّر استه من انتفخ سحره: أنا أم هو؟ ثمّ بعث أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي الذي قتل أخوه عمرو في سرية ابن جحش، فقال: هذا حليفك يريد أن ترجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فانشد خفرتك «٢» ومقتل أخيك) وقد أشار الناظم لهذا بقوله:
стр. 115
واستنشد ابن الحضرميّ الثّأرا ... فحشّ حربا بينهم وشرّا
(واستنشد) أبو جهل عامر (بن الحضرمي) أخا المقتول، الذي هو عمرو، وقال: هذا حليفك ... إلى آخر ما تقدم (الثأرا) بالهمزة، وتبدل ألفا: الدم، وقيل: الطلب به، كما في «التاج» عن «المحكم» (ف) قام عامر، وكشف استه، وحثا عليه التراب، ثمّ صرخ: واعمراه، فثارت النفوس، و (حش حربا) أي: أوقدها (بينهم وشرّا) .
مقتل الأسود بن عبد الأسد:
فقام الأسود «١» بن عبد الأسد المخزومي فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم، أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه. فقام إليه سيدنا حمزة ﵁، فلمّا التقيا.. ضربه حمزة، فأطنّ قدمه إلى نصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره، تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثمّ حبا إلى الحوض.. حتى اقتحم فيه، فتبعه حمزة، فقتله في الحوض.
стр. 116
فقام للوليد نجل عتبة ... حيدرة وحمزة لشيبة
نجل ربيعة وعتبة أخوه ... قام له عبيدة إذ رشّحوه
وذكر الحافظ ابن عبد البر في ترجمة أخيه العلاء بن الحضرمي: (أنّ عامر بن الحضرمي قتل يوم بدر كافرا) .
ابتداء الحرب بالمبارزة:
ولمّا أوقد أبو جهل الحرب بينهم، وقتل حمزة الأسود..
خرج عتبة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه ثلاثة من الأنصار: عوف ومعاذ «١» ابنا الحارث، وأمّهما عفراء، والثّالث: عبد الله بن رواحة فيما قيل، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة، وفي رواية: فقالوا: أكفاء كرام، ولكن أخرجوا إلينا من أكفائنا بني عمنا، فقال النّبيّ ﷺ : «قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي» .
(فقام للوليد نجل) أي: ابن (عتبة) بن ربيعة (حيدرة) لقب لسيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، (و) قام (حمزة) بن عبد المطلب ﵁ عم النّبيّ ﷺ (لشيبة نجل ربيعة) بن عبد شمس، (وعتبة أخوه) أي: أخو شيبة (قام له عبيدة) الآتي نسبه (إذ رشحوه) أي:
قدموه للمبارزة.
стр. 117
وقطعت قدمه واحتملوه ... وهو أسنّ الجيش فيما نقلوه
قال ابن إسحاق: فلمّا دنوا منهم.. قالوا: من أنتم؟
فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ:
عليّ، قالوا: نعم، أكفاء كرام فبارز عبيدة، وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة، فأمّا حمزة.. فلم يمهل شيبة أن قتله، وأمّا علي.. فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة، فدففا عليه- بالمهملة والمعجمة: أجهزا عليه- واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه.
استشهاد عبيدة بن الحارث:
(وقطعت قدمه) أي: عبيدة، بضربة ضربه بها عتبة في ركبته، وصار مخّ ساقه يسيل (واحتملوه) فمات بالصفراء، ودفن بها، رضي الله تعالى عنه، ونفعنا بمحبته (وهو أسنّ الجيش فيما نقلوه) من الأخبار.
ذكر في «الحلبية» : أنّه أسن من النّبيّ ﷺ بعشر سنين.
وقال في «روض النهاة» : له يوم مات ثلاث وستون سنة، وهو القائل يومئذ ﵁:
فإن تقطعوا رجلي فإنّي مسلم ... أرجّي بها عيشا من الله عاليا
стр. 118
وهو إذا أخذت في نعم النّسب ... عبيدة بن الحارث بن المطّلب
وألبسني الرّحمن من فضل منّه ... لباسا من الإسلام غطّى المساويا
(وهو) أي: سيدنا عبيدة المذكور (إذا أخذت في) نسبه الشريف، و (نعم النسب) هو، فقل: (عبيدة بن الحارث بن المطلب) بن عبد مناف، أسلم قديما.
قال في «الإصابة» : (وكان رأس بني عبد مناف حينئذ، مع أنّ العباس وإخوته كانوا في التعدد أقرب، وكان مع النّبيّ ﷺ بمكة، ثم هاجر) .
قال الحافظ ابن كثير: (ولما جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ .. أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله ﷺ ، فأفرشه رسول الله ﷺ قدمه الشريفة، فوضع خده على قدمه الشريفة، وقال:
يا رسول الله؛ لو رآني أبو طالب.. لعلم أني أحق بقوله:
ونسلمه حتى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثمّ مات ﵁، فقال رسول الله ﷺ : «أشهد أنّك شهيد» رواه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى) .
وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد: سمعت أبا ذرّ ﵁ يقسم قسما: أنّ هذه
стр. 119
وشهد المشهد هذا أخواه ... أعني الحصين والطّفيل مشبهاه
الآية: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعليّ، وعبيدة بن الحارث، وعتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.
وروى البخاري أيضا من حديث أبي مجلز عن قيس، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنّه قال: «أنا أوّل من يجثو بين يدي الرّحمن للخصومة يوم القيامة» .
وقال قيس: وفيهم أنزلت: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ. وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ. كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ. إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، وقال: هم الّذين تبارزوا يوم بدر: علي، وحمزة، وعبيدة ﵃، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
(وشهد المشهد هذا) أي: بدرا (أخواه) أي: أخوا عبيدة، بل شهدا المشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وماتا في خلافة عثمان ﵁، في سنة إحدى وثلاثين (أعني الحصين والطفيل) ابني الحارث.
قال في «روض النهاة» : (إنّ الثلاثة أشقاء، أمهم سخيلة) (مشبهاه) أي: عبيدة في قدم الإسلام، والهجرة، وشهود بدر.
стр. 120
وابن غزيّة سواد استنتلا ... من صفّه ورام أن يعتدلا
نبيّنا فمسّه في كشحه ... وقال إذ آلم مسّ قدحه
أوجعتني نخسا فأعطني القود ... وجدّ في أن كان باشر الجسد
قصة سواد بن غزية مع الرسول ﷺ :
(وابن غزيّة) بالتكبير، البلويّ، حليف بني عدي بن النجار، واسمه (سواد) بفتح السين، وتخفيف الواو، قال في «روض النّهاة» : «وكذا كل سواد في العرب، إلّا عمر بن سوّاد، بتشديد الواو، أحد بني عامر بن لؤي، من شيوخ الحديث، وسواد بن مرّ بن إراشة البلويّ حليف الأنصار، فبضم السين وتخفيف الواو والمذكور في النظم شهد بدرا، وما بعدها، و (استنتلا) أي: تقدم (من صفّه، ورام) أي:
قصد النّبيّ ﷺ لمّا كان يعدّل الصفوف (أن يعتدلا) والألف للإطلاق، وفاعله يعود على سواد، وقوله:
(نبينا) فاعل رام (فمسّه) أي: مسّ نبيّنا ﷺ سوادا (في كشحه) : هو ما بين الخاصرة إلى الضلع، (وقال) سواد (إذ آلم) هـ (مسّ قدحه) - بكسر القاف-:
السهم قبل أن يراش وينصل (أوجعتني نخسا) : هو غرز الجنب بعود، ونحوه، وهذا مقول القول (فأعطني القود) أي: القصاص، فأعطاه ذلك، بأن كشف ﷺ عن بطنه الشريف، (وجدّ) سواد، واجتهد (في أن كان باشر الجسد) أي: جسده ﷺ ، فاعتنقه، وقبّل بطنه.
стр. 121
قال ابن إسحاق: (وحدّثني حبّان بن واسع بن حبّان، عن أشياخ من قومه: أنّ رسول الله ﷺ عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدّل به القوم، فكان يقول لهذا تقدم، ويشير للآخر تأخّر) .
وذكر في «الشّامية» : (أنّه ﷺ خطب فيهم يومئذ، فحمد الله وأثنى عليه «١» ، فمرّ بسواد بن غزيّة حليف بني عديّ بن النجار، وهو مستنتل من الصف) .
قال ابن هشام: (فطعن في بطنه بالقدح، وقال: «استو يا سواد» فقال: يا رسول الله؛ أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، قال: فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه، وقال: «استقد» قال: فاعتنقه، فقبّل بطنه، فقال: «ما حملك على هذا يا سواد؟» قال: يا رسول الله؛ حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير) .
عريش النّبيّ ﷺ :
ولمّا عدّل النّبيّ ﷺ صفوفه.. رجع إلى عريشه، وليس معه فيه غير أبي بكر، ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: «اللهمّ؛
стр. 122
وخفق النّبيّ حين المعركه ... وفي عريشه رأى الملائكه
على ثنايا جبرئيل النّقع ... ولم يقاتل في سواها الجمع
إن تهلك هذه العصابة اليوم.. لا تعبد» وأبو بكر يقول: يا نبيّ الله؛ بعض مناشدتك ربك، فإنّ الله منجز لك ما وعدك.
(و) قد (خفق) بفتحات (النّبيّ) ﷺ وهو في العريش خفقة؛ أي: حرّك رأسه وهو ناعس (حين المعركة) بفتح الميم، والراء مفتوحة، أو مضمومة: موضع القتال.
الإمداد بالملائكة في بدر:
(وفي عريشه) وهو ما يستظل به من خشب وحشيش (رأى) ﵊ (الملائكة على ثنايا جبرئيل النقع) أي: الغبار، فمن أجل ذلك لما انتبه ﷺ .. قال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذا بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع» .
روى البيهقي- كما في «شرح المواهب» - عن عليّ ﵁ قال: (هبّت ريح شديدة لم أر مثلها، ثمّ هبّت ريح شديدة، وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل، والثّانية ميكائيل، والثّالثة إسرافيل، فكان ميكائيل عن يمين النّبيّ ﷺ ، وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره وأنا فيها) اهـ.
ورواه ابن سعد، وذكر الثلاثة جزما، وقال: (فكانت الأولى: جبريل في ألف من الملائكة مع النّبيّ ﷺ ،
стр. 123
والثّانية: ميكائيل في ألف عن يمينه، والثّالثة: إسرافيل في ألف عن يساره) قاله القسطلاني.
ثمّ خرج ﷺ من باب العريش، وهو يتلو: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ.
دعاؤه ﷺ ربه:
وفي «صحيح مسلم» ، و «سنن أبي داوود» و «الترمذي» عن ابن عباس ﵄ قال: (حدّثني عمر بن الخطاب قال: لمّا كان يوم بدر.. نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مئة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثمّ مدّ يديه فجعل يهتف بربه: «اللهمّ؛ أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ؛ آتني ما وعدتني، اللهمّ؛ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام.. لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه مادّا يديه، مستقبل القبلة.. حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثمّ التزمه من ورائه وقال:
يا نبي الله؛ كفاك مناشدتك ربك؛ فإنّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ فأمدّه الله بالملائكة) .
استفتاح أبي جهل:
واستفتح أبو جهل يومئذ فقال: اللهمّ؛ أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على
стр. 124
نفسه، وفيه نزلت: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.
وأخذ رسول الله ﷺ حفنة من تراب، فرمى بها قريشا، وقال: «شاهت الوجوه» وقال لأصحابه:
«شدّوا» فكانت الهزيمة، وكانت تلك الحصباء عظيما شأنها، لم تترك أحدا من المشركين إلّا ملأت عينيه، وجعل المسلمون يقتلونهم، ويأسرونهم، وبادر النفير إلى كل رجل منهم منكبّا على وجهه، يعالج التراب، ينزعه من عينيه، وذلك قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي: عمّ جميعهم، وما في قبضتك إلّا ما يبلغ بعضهم، فالله هو الذي رمى سائرهم.
وذكر المقريزي في «إمتاع الأسماع» : إنّ هزيمة القوم كانت عند الزوال، وكان الرجل يومئذ يرى الملك على صورة رجل يعرفه، وهو يثبّت ويقول له: ما هم بشيء، فكر عليهم، وذلك معنى قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا.
قال سيدنا حسان ﵁:
ميكال معك وجبرئيل كلاهما ... مدد لنصرك من عزيز قادر
(ولم يقاتل في سواها) أي: في غير غزوة بدر (الجمع)
стр. 125
وقيل: لم تقاتل الملائكه ... إذ ريشة منهم لقوم مهلكه
لكنّهم لعدد ومدد ... وطبلهم هناك طول الأبد
من الملائكة، أما فيها.. فقاتلت، وبهذا صرح العماد بن كثير في «تفسيره» فقال: (المعروف من قتال الملائكة: أنّه إنّما كان يوم بدر- ثم روى بإسناده إلى ابن عباس- قال: لم تقاتل الملائكة إلّا يوم بدر) .
(وقيل لم تقاتل الملائكه) لا في بدر ولا في غيرها، وإنّما كانوا يكثّرون السّواد، ويثبّتون المؤمنين، وإلّا.. فملك واحد يكفي في إهلاك الدنيا، كما قال الناظم: (إذ ريشة منهم لقوم مهلكه) مبيدة.
(لكنهم) إنّما حضروا بدرا (لعدد) أي: لتكثير عدد (ومدد) في أعين المشركين، لا يضربون.
قال في «شرح المواهب» عقب ذكر هذا القيل، وما معه من الدليل: (وهذه شبهة يدفعها ما يأتي عن السبكي، قلت:
وحاصل دفعها عنه: أنّ قتال الملائكة مع النّبيّ ﷺ على سبيل الاشتراك في بعض الفعل، مع أنّ جبرائيل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؛ لإرادة أن يكون الفعل للنّبيّ ﷺ ، ولأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب، وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله فاعل الجميع) .
стр. 126
وفي المسألة قول ثالث، ذكره في «شرح المواهب» وهو: أنّها قاتلت فيها وفي غيرها.
سماع الطبل في بدر:
(وطبلهم) المسمّى بطبل أهل الإيمان (هناك) ببدر يسمع إلى وقتنا هذا، بل (طول الأبد) وقد شاع ذلك، وشوهد من كثير ممّن يزورون بدرا؛ فقد قال القسطلاني في «المواهب» عن ابن مرزوق: (ومن آيات بدر الباقية مدى الأزمان.. ما كنت أسمعه من غير واحد من الحجّاج: أنّهم إذا اجتازوا بذلك الموضع.. يسمعون هيئة الطبل، طبل ملوك الوقت، ويرون أنّ ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك، وربما تأوّلته بأنّ الموضع صلب، فتستجيب فيه حوافر الدوابّ، وكان يقال لي: إنّه دهس سهل ليس برمل، ولا تراب غير صلب، وغالب ما يسير هناك الإبل، وأخفافها لا تصوّت في الأرض الصلبة، فكيف بالرمال؟!) .
قال- أي: ابن مرزوق-: (ثمّ لما منّ الله عليّ بالوصول إلى ذلك الموضع المشرّف.. نزلت عن الراحلة أمشي، وبيدي عود طويل من شجرة السّعدان، المسمى بأم غيلان، وقد نسيت ذلك الخبر الذي كنت أسمع، فما راعني وأنا سائر في الهاجرة إلّا واحد من عبيد الأعراب الجمّالين يقول: أتسمعون الطّبل؟ فأخذتني لمّا سمعت كلامه قشعريرة بيّنة، وتذكرت ما كنت أخبرت به، وكان في الجو بعض ريح، فسمعت
стр. 127
صوت الطبل، وأنا دهش ممّا أصابني من الفرح، أو الهيبة، أو ما الله أعلم به، فشككت، وقلت: لعلّ الريح سكنت في هذا العود الذي في يدي، وأوجدت مثل هذا الصوت، وأنا حريص على طلب التحقيق لهذه الآية العظيمة، فألقيت العود من يدي، وجلست على الأرض، أو ثبتّ قائما، أو فعلت جميع ذلك، فسمعت صوت الطبل سماعا محققا، أو صوتا لا أشك أنّه صوت طبل، وذلك من ناحية اليمين ونحن سائرون إلى مكة المشرّفة، ثمّ نزلنا ببدر، فظللت أسمع ذلك الصوت يومي أجمع، المرة بعد المرة، وقد أخبرت أنّ ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس) انتهى كلام ابن مرزوق.
وقال العلّامة المؤرخ الشهير بالخميس حسين بن محمّد:
(وأنا جرّبتها في سنة «٩٣٦» وقت اجتيازي ببدر قافلا من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة، وسمعت صوت الطبل، وتتابع الناس لسماعه، وكانوا زهاء مئة إنسان من الرجال، والنساء في الشقادف، وغيرها سماعا محققا بلا شك، مرارا متعددة، وكان الصوت يجيء تارة من تحتنا ثمّ ينقطع، وتارة من خلفنا ثمّ ينقطع، وتارة عن يميننا، وتارة عن شمالنا، وعلى كل الهيئات كنا نسمع الصوت قائما، وقاعدا، ومتكئا، سماعا محققا بلا شبهة، وكان الوقت صحوا، راكدا لا ريح فيه) اهـ «١»
стр. 128
وجاء أنّ جبرئيل يحضر ... من مات مؤمنا وقوم أنكروا
نزوله بعد رسول الله ... والحقّ أن ليس له تناهي
الخلاف في نزول جبريل بعد الرسول ﵉:
(وجاء) في الخبر (أنّ جبرئيل) بالهمزة قبل الياء، ﵇ (يحضر من مات) من أمّة سيدنا محمّد ﷺ (مؤمنا) وإذا رآه الشيطان.. يفرّ منه، فلا يقدر أن يغوي من أراد الله تعالى ثباته، ثبّتنا الله على الإيمان بحرمة سيدنا محمّد ﵊ (وقوم) من العلماء (أنكروا نزوله بعد رسول الله) ﷺ .
قال الناظم: (و) القول (الحق أن) هـ؛ أي: أنّ نزول جبريل (ليس له تناهي) حتى يردّ الدجال عن الحرمين.
نعم؛ لا ينزل بعد رسول الله ﷺ بالوحي بشريعة.
قال عبد الباقي في «شرحه» على «مختصر سيدي خليل» : (وما اشتهر على ألسنة الناس أنّه لا ينزل إلى الأرض بعد موت النّبيّ ﷺ .. فلا أصل له، ومن الدليل على بطلانه ما للطبراني في «الكبير» عن ميمونة بنت سعد قالت: قلت: يا رسول الله؛ هل يرقد الجنب؟ قال:
«ما أحب أن يرقد.. حتى يتوضّأ؛ فإنّي أخاف أن يتوفّى فلا يحضره جبريل» ) .
قال العلّامة الشيخ محمّد الأمير عليه، أو ما معناه:
стр. 129
وراقب الجمعين شخصان لكي ... ينتهبا من مدبري الجمعين شي
فرأيا الملك وهو منطلق ... فانشقّ واحد والاخر صعق
(لا ينزل بتجديد شريعة) . ونقله في «مشارق الأنوار» في فوز أهل الاعتبار، جعلنا الله تعالى منهم بمنّه وكرمه.
(وراقب الجمعين) أي: جمع المسلمين، وجمع المشركين (شخصان) من بني غفار (لكي ينتهبا) مع من ينتهب (من مدبري الجمعين شي) معمول ل (ينتهبا) ، وقف به على لغة ربيعة؛ أي: ليأخذا شيئا.
(فرأيا الملك) جبريل ﵇ (وهو منطلق) على فرس قائلا: أقدم حيزوم (فانشقّ واحد) من الشخصين فمات مكانه، (والآخر صعق) وغشي عليه.
قال ابن إسحاق: (حدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّه حدّث عن ابن عباس ﵄ قال: حدّثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي.. حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة على من تكون الدّبرة «١» ، فننتهب مع من ينتهب، فبينا نحن في الجبل؛ إذ دنت سحابة.. فسمعنا فيها حمحمة «٢» الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم «٣» حيزوم، فأمّا ابن عمّي فانكشف
стр. 130
وابن معاذ مبتني العريش ... وحارس النّبيّ من قريش
قناع قلبه فمات مكانه، وأمّا أنا فكدت أهلك ثمّ تماسكت) .
وقال رسول الله ﷺ : «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أدحر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة؛ وما ذاك إلّا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلّا ما رؤي يوم بدر» قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: «أما إنّه قد رأى جبريل يزع الملائكة» أي:
يصفّهم للحرب.
وقال ﵊ يومئذ: «هذا جبريل يسوق الريح كأنّه دحية الكلبي، إنّي نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» .
وقال سيدنا عبد الرّحمن بن عوف ﵁: (رأيت يوم بدر رجلين، عن يمين النّبيّ ﷺ أحدهما، وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشد القتال، ثم يليهما ثالث من خلفه، ثمّ ربعهما رابع أمامه) .
قال سيدنا عبد الله بن عباس ﵁: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا، ويوم حنين عمائم حمرا.
وقال ابن هشام: (وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر: أحد أحد) .
سعد بن معاذ وحراسته الرسول ﷺ في العريش:
(و) سعد (ابن معاذ) سيد الأوس، مبتدأ (مبتني العريش) خبره؛ فإنّه قال كما رواه ابن إسحاق:
стр. 131
يكره إبقاء الأسارى ويرى ... إهلاكهم أوّل قتل أجدرا
(يا رسول الله؛ ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك، ثمّ نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله، وأظهرنا على عدوّنا.. كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى.. جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا؟ فقد تخلّف عنك أقوام يا نبي الله وما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنّك تلقى حربا.. ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك، ويجاهدون معك، فأثنى عليه ﷺ خيرا، ودعا له بخير، ثمّ بنى للرسول ﷺ عريشا فكان فيه) .
والعريش: شبه الخيمة يستظل به، وقال السهيلي: (هو كل ما أظلّك، وعلاك من فوقك، فإن علوته أنت.. فهو عرش لا عريش) .
وتعقبه مغلطاي بأن تفرقته بينهما لم يروها عن لغويّ، والذي في «العين» : (أنّهما: ما يستظل به) .
رأي سعد بن معاذ وعمر في الأسارى:
(و) هو (حارس النّبي) ﷺ (من) كفار (قريش) على باب العريش، متوشحا السيف في نفر من الأنصار، يحرسونه ﷺ ، مخافة كرّ العدوّ عليه.
وجملة قوله: (يكره إبقاء الأسارى) خبر بعد خبر، لقوله: (وابن معاذ) و (الأسارى) بضم الهمزة كالأسرى بفتحها: جمع أسير (ويرى) سعد (إهلاكهم) أي:
стр. 132
وهكذا عمر كان وهي من ... موافقاته الّتي بعد تعنّ
المشركين (أوّل قتل) أي: في أوّل قتل ووقعة أوقعها الله تعالى بالكفار (أجدرا) أي: أحق، وهو مفعول ثان ل (يرى) والأول: إهلاكهم، كما علم من التقرير، وذلك: أنّ رسول الله ﷺ لما رأى في وجه سعد الكراهة لما يصنع الناس.. قال: «والله؛ لكأنّك يا سعد تكره ما يصنع القوم» فقال: أجل والله يا رسول الله، كانت أوّل وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحبّ إليّ من استبقاء الرجال.
(وهكذا عمر) بن الخطاب- ﵁ ابن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب (كان) يرى رأي ابن معاذ في كراهة إبقاء الأسرى؛ فإنّه لمّا أخذ ﷺ الأسرى قائلا: «ماذا ترون؟» .. قال عمر: يا رسول الله؛ كذّبوك وأخرجوك، اضرب أعناقهم.
موافقات عمر ﵁:
(وهي) أي: هذه الكلمة (من موافقاته) أي: كلماته الموافقة للقضاء (التي بعد) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه؛ أي: التي بعد هذه (تعنّ) بكسر العين؛ أي:
تعرض، وهي كثيرة، جمعها الحافظ السيوطي «١» .
стр. 133
الاستشارة في أسرى بدر:
قال القسطلاني في «المواهب» : (وفي حديث أنس عند الإمام أحمد:
استشار ﷺ الناس في الأسرى يوم بدر، فقال: «إنّ الله قد أمكنكم منهم» فقام عمر فقال:
يا رسول الله؛ اضرب أعناقهم، فأعرض عنه ﵊، ثمّ عاد ﷺ فقال: «يا أيّها الناس؛
стр. 134
عن قتل آله نهى إذ خرجوا ... وفي خروجهم عليه حرج
وعن أبي البختري إذ لم يؤذه ... وصكّ نبذهم سعى في نبذه
إنّ الله قد أمكنكم منهم» فقال عمر: يا رسول الله؛ اضرب أعناقهم، فأعرض عنه ﵊، ففعل ذلك ثلاثا، فقام أبو بكر الصدّيق فقال: يا رسول الله؛ أرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فذهب من وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء) .
النهي عن قتل بني هاشم وأبي البختري:
ثمّ قال الناظم: (عن قتل آله) يتعلق بقوله: (نهى) يعني: نهى رسول الله ﷺ عن قتل آله بني هاشم (إذ خرجوا) إلى بدر مع المشركين (وفي خروجهم عليه) ﷺ (حرج) أي: ضيق، فقد أخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس: أنّ النّبيّ ﷺ قال لأصحابه: «إنّي قد عرفت أنّ رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم.. فلا يقتله، ومن لقي أبا البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد.. فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ .. فلا يقتله، فإنّما خرج مستكرها» ، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
(و) نهى (عن) قتل (أبي البختري) بفتح الباء وإعجام الخاء عند النوويّ، وبضم الباء مع إهمال الحاء عند ...
стр. 135
غيره «١» ، وإنّما نهى ﵊ عن قتله (إذ لم يؤذه) أي: لأنّه لم يؤذ رسول الله ﷺ مع من كان يؤذيه قبل، ولم يبلغه عنه شيء يكرهه، بل كان يذب عنه ﷺ ، وكان كثير الإكرام لبني هاشم ما داموا في الشّعب «٢» ، يبعث إليهم بالأطعمة الكثيرة، ولما لامه أبو جهل.. قال أبو سفيان: دعوه، كريم وصل رحما، وقد سعى في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش في منابذته ﵊، كما أشار لهذا الناظم بقوله: (وصكّ) :
هو الكتاب، فارسي معرّب، وهو مضاف إلى قوله:
(نبذهم) أي: كتاب طرحهم؛ أي: مشركي قريش النّبيّ ﷺ (سعى) أي: أبو البختريّ، وكان المتولي لكتابته بغيض بن عامر العبدريّ، بإملاء من قريش، فشلّت يده، وجملة (سعى) خبر قوله: (وصكّ) (في نبذه) أي: طرح الصك.
стр. 136
وجاءه المجذّر بن ذيّاد ... وقال عنك قد نهى خير العباد
فقال والزّميل قال المصطفى ... لم ينه عن قتل الزّميل الحنفا
قتل المجذّر بن ذيّاد لأبي البختري:
(وجاءه) أي: أبا البختري (المجذّر) بصيغة اسم المفعول: المضعف (ابن ذيّاد) بفتح الذال وتشديد الياء، قال في «روض النّهاة» : (وهو أشهر من كسر الذال، وتخفيف الياء) .
وهو ابن عمرو بن مرة البلويّ الخزرجيّ، شهد بدرا، وقتله الحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري الأوسي يوم أحد، بأبيه سويد، وكان المجذّر قتله في الجاهلية، في حرب الأوس والخزرج، فلمّا اشتبك القتال بين المسلمين والمشركين يوم أحد.. عدا الحارث على المجذّر فقتله غيلة، فأخبر جبريل النّبيّ ﷺ ، ولحق الحارث بمكة مرتدا، ثمّ جاء تائبا لما نزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ، وحملها إليه رجل وقرأها عليه، فقال الحارث: والله إنّك لصدوق، وإنّ الله أصدق الصادقين، فأسلم ثمّ قتله النّبيّ ﷺ بالمجذّر (وقال) أي: المجذّر لأبي البختري (عنك) أي: عن قتلك (قد نهى خير العباد) ﷺ .
(فقال) أبو البختري (والزميل) أي: الرفيق، يعني:
تقتله أم قد نهيت عنه، واسمه: جنادة بن مليحة من بني ليث (قال) المجذر (المصطفى) ﷺ ، وهو
стр. 137
فقال والنّخوة تأبى والإبا ... عن تركه جبنا وحكّم الظّبا
لا يسلم ابن حرّة زميله ... حتّى يموت أو يرى سبيله
مبتدأ، وخبره جملة قوله: (لم ينه عن قتل الزميل) ، وقوله: (الحنفا) : جمع حنيف، وهو المائل عن جميع الأديان إلى دين الإسلام، مفعول (ينه) أي: لم ينه ﷺ أصحابه الحنفاء عن قتل الزميل، إنّما نهى عنك.
(فقال) أبو البختريّ لسبق شقاوته في الأزل والعياذ بالله، (والنخوة) مثلث النون: التكبر (تأبى والإبا) أي:
الامتناع عن الضيم (عن تركه) أي: الزميل (جبنا) أي:
خوفا من الموت، (وحكّم الظّبا) بوزن هدى: جمع ظبة كثبة: حدّ السيف، ومقول القول:
(لا يسلم ابن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله)
فإنّه قاله لما حمل المجذّر بالسيف، ولكن طعنه المجذّر ﵁، بعد أن قاتله فقتله، وفي ذلك يقول المجذّر:
أو بشّرن بمثلها منّي بني ... أنا الذي يقال أصلي من بلي
إمّا جهلت، أو نسيت نسبي ... فأثبت النسبة إنّي من بلي
الطاعنين برماح اليزني ... والطاعنين الكبش حتى ينحني
стр. 138
وإذ نهى عن قتل عمّه هفا ... أبو حذيفة وقال سخفا
بشّر بيتم من أبوه البختري ... أطعن بالصّعدة حتى تنثني
وأعبط القرن بعضب مشرفي ... أرزم للموت كإرزام المري
فلا يرى مجذّر يفري فري
ثمّ أتى المجذّر رسول الله ﷺ ، فقال:
والذي بعثك بالحق؛ لقد جهدت عليه أن يستأسر، فآتيك به، فأبى إلّا أن يقاتلني، فقاتلته.. فقتلته.
مقالة أبي حذيفة وتكفيرها بالشهادة:
(وإذ نهى) رسول الله ﷺ (عن قتل عمه) العباس بن عبد المطلب؛ لأنّه إنّما خرج مستكرها (هفا) أي: زلّ (أبو حذيفة) : قيس بن عتبة بن ربيعة (وقال) قولا (سخفا) يريد مرذولا: وهو أنقتل آباءنا، وإخواننا، وعشيرتنا، ونترك العباس؟! والله لئن لقيته لألحمنّه السيف، فبلغ هذا القول النّبيّ ﷺ :
فقال: «يا أبا حفص «١» - قال عمر: والله إنّه لأول يوم كناني فيه أبا حفص- أيضرب وجه عمّ رسول الله ﷺ بالسيف؟ فقال عمر: يا رسول الله؛ دعني أضرب عنقه؛ فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة، ولا زلت منها خائفا، إلّا أن تكفّرها الشهادة.
стр. 139
وكفّرت هفوته الشّهاده ... يوم اليمامة لها أراده
وإذ رآه المصطفى تضجّرا ... من جرّ عتبة أبيه اعتذرا
(وكفّرت هفوته) أي: زلته تلك، وهو مفعول (كفرت) مقدم على فاعله الذي هو (الشهادة يوم اليمامة) :
هو يوم مشهور، كان في أيام أبي بكر، بعث فيه جيشا لقتال مسيلمة الكذاب، قتل فيه وحشيّ مسيلمة، واستشهد فيه أبو حذيفة ومولاه سالم، وجد أحدهما قتيلا عند رجل الآخر، ﵄.
وكان ذلك في ربيع الأوّل من سنة اثنتي عشرة من الهجرة، كذا في تاريخ الخميس.
والذي يقتضيه كلام ابن الأثير وابن خلدون في «تاريخهما» : أنّها كانت في أواخر السنة الحادية عشرة؛ لأنّهم ذكروا أنّ مسير خالد إلى العراق في أوّل سنة اثنتي عشرة، وكان بعد فراغه من قتل أهل اليمامة، كذا في «الفتوحات الإسلامية» (لها) أي: للشهادة، يتعلق بقوله:
(أراده) أي: اليوم.
قال في «روض النهاة» : (ليس معناه: أنّه لم يقصد لها الأيام التي قبله، بل كل وقعة يقصدها للشهادة، لكن لم تقدّر؛ لامتداد أجله إلى ذلك اليوم) .
تمني أبي حذيفة موت أبيه على الإسلام:
(وإذ رآه) أي: أبا حذيفة (المصطفى) ﷺ (تضجرا) من التضجر، وهو القلق من الغم (من جرّ)
стр. 140
بأنّه كان يرى أنّ أباه ... يحجزه عن ميتة السّوء حجاه
وإذ معاذ بن عمرو بن الجموح ... أطنّ ساق ابن هشام الطّموح
أي: بسبب جرّ المسلمين إلى القليب (عتبة أبيه) مجرور بالفتحة، وأبيه بدل منه مجرور بالباء (اعتذرا) بألف الإطلاق كسابقه؛ أي: اعتذر أبو حذيفة.
(بأنّه كان يرى) أي: يعتقد (أنّ أباه) عتبة (يحجزه) أي: يكفه، ويمنعه (عن ميتة السوء) : وهي الموت على الكفر والعياذ بالله، وفاعل يحجزه قوله: (حجاه) بكسر الحاء؛ أي: عقله؛ يعني: أنّه لما أمر رسول الله ﷺ بالمشركين أن يلقوا في القليب.. أخذ عتبة بن ربيعة، فسحب إلى القليب، فنظر النّبيّ ﷺ في وجه ابنه أبي حذيفة.. فإذا هو كئيب متغير، فقال ﷺ : «لعلّك قد دخلت من شأن أبيك شيء» أو كما قال ﷺ ، فاعتذر أبو حذيفة فقال: لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي، ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلمّا رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له.. أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال خيرا.
مقتل أبي جهل:
(وإذ معاذ بن عمرو بن الجموح) بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة بكسر اللام (أطنّ) قطع (ساق) أبي جهل (بن
стр. 141
فطرح ابنه الهزبر عكرمه ... عاتقه وجرّه في الملحمه
ألصق خير مرسل فالتصقا ... عاتقه لمّا عليه بصقا
هشام الطموح) أي: الجموح الراكب هواه لغيّه؛ وذلك أنّ معاذا قال: رأيت أبا جهل وقد أحاطوا به وهم يقولون:
أبو الحكم لا يخلص إليه، فلمّا سمعتها.. عمدت نحوه، وحملت عليه، فضربته ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما أشبّهها حين طاحت إلّا بالنواة تطيح من تحت مرضحة «١» النوى حين يضرب بها.
(ف) بسبب ذلك ضرب معاذا عكرمة بن أبي جهل على عاتقه كما قال: (طرح ابنه الهزبر) بفتح الزاي، وإسكان الباء هنا، وفيه إسكان الزاي وفتح الباء، وهو الأسد، (عكرمه) وقد أسلم عام الفتح ﵁، وما أحسن تعبير الناظم في جانب الابن الذي أسلم بعد بالهزبر، وأبيه الذي مات كافرا بالطموح (عاتقه) : هو ما بين المنكب والعنق وهو موضع الرداء، (وجرّه) أي: جر معاذ عاتق نفسه (في الملحمه) الوقعة العظيمة في الفتنة، والمراد هنا ساحة القتال.
(ألصق خير مرسل) ﷺ عاتقه في مكانه (فالتصقا) بألف الإطلاق؛ وفاء له (عاتقه) وقوله: (لما عليه بصقا) بتخفيف الميم على أنّ ما مصدرية؛ أي: لبصوقه عليه، أو بتشديدها، على أنّ لمّا حينية؛ أي: فالتصق حين
стр. 142
بصق عليه؛ أي: أخرج ريقه، ورمى به، قال معاذ:
وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني؛ أي: شغلني القتال عنها، فلقد قاتلت عامة يومي، وإنّي لأسحبها خلفي، فلمّا آذتني وضعت عليها قدمي، ثمّ تمطيت بها عليها، حتى طرحتها.
قال في «المواهب» : (وجاء معاذ بن عمرو يحمل يده ضربه عليها عكرمة- إلى رسول الله ﷺ ، كما ذكره القاضي عياض عن ابن وهب، فبصق ﵊ عليها، فلصقت) .
تنبيه:
ما ذكره الناظم تبع فيه أصله اليعمريّ، وعليه جرى القسطلاني كما رأيت، قال الزرقاني: (وانتقده- يعني اليعمري- محشّيه البرهان، بأنّ الذي في «الشفاء» معوذ بن عفراء. قلت: ينبغي اعتماد ما في «الصحيحين» من حديث أبي سليمان التيمي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ينظر ماذا صنع أبو جهل؟» قال ابن مسعود: أنا يا رسول الله، فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: فأخذ بلحيته، قال: فقلت: أنت أبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه؟! أو قال: قتله قومه، وكذلك ردّه محشيه، بأنّ القاطع لها أبو جهل) .
стр. 143
فرعون الامّة النّبيّ عرّفا ... بجحشه ركبته إذا اختفى
قال الزرقاني: (نعم؛ روى ابن إسحاق، ومن طريقه الحاكم عن ابن عباس قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة: سمعتهم يقولون وأبو جهل في مثل الحرجة «١» : أبو جهل لا يخلص إليه، فجعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلمّا أمكنني.. حملت عليه، فضربته ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه، قال: فوالله ما شبّهتها حين طاحت إلّا بالنواة تطيح من تحت مرضحة النوى حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فضرب يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامّة يومي وإنّي لأسحبها خلفي، فلمّا آذتني.. وضعت عليها قدمي ثمّ تمطّيت عليها حتى طرحتها، قال ابن إسحاق: ثمّ عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان ﵁، ولم يذكر في حديثه هذا أنّه أتى بها المصطفى، فتوهم اليعمريّ، وتبعه القسطلاني: أنّ كلام القاضي فيه توهم؛ لأنّها قصة أخرى كما علم) .
(فرعون) هذه (الأمّة) وهو أبو جهل، لقّبه النّبيّ ﷺ بذلك جاء عنه ﷺ قال: هذا فرعون هذه الأمّة: عزاه ابن كثير في «البداية» لأبي داود والنّسائي من حديث طويل، وقال اليعمريّ في «العيون» :
(روينا عن ابن عائذ: حدّثنا الوليد، قال حدّثني خليد، عن
стр. 144
بين الهوالك وكلّم النّبي ... جثثهم موبّخا للخشب
قتادة: أنّه سمعه يحدث: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ لكل أمّة فرعونا، وإنّ فرعون هذه الأمّة أبو جهل، قتله الله شر قتلة، قتله ابنا عفراء، وقتلته الملائكة، وذففه ابن مسعود» يعني: أجهز عليه) .
وقوله: (فرعون) مبتدأ وقوله: (النبيّ) مبتدأ ثان، خبره (عرفا) أي: بينه للصّحب الكرام لما أمر أن يلتمس أبو جهل في القتلى (بجحشه) بتقديم الجيم على الحاء؛ أي: بخدش النّبيّ ﷺ (ركبته) أي: ركبة أبي جهل (إذا اختفى بين الهوالك) .
قال في «السيرة الهشامية» : (وقال رسول الله ﷺ للصحب الكرام، فيما بلغني: «انظروا إن خفي عليكم- يعني أبا جهل- في القتلى، إلى أثر جرح في ركبته؛ فإنّي ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان، وكنت أشفّ منه بيسير، فدفعته، فوقع على ركبتيه، فجحشته في إحداهما جحشا لم يزل أثره به» ، قال عبد الله بن مسعود ﵁: فوجدته بآخر رمق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه، قال: وقد كان ضبث»
بي مرة بمكة، فآذاني ولكزني، ثمّ قلت له: هل أخزاك الله؟
قال: وبماذا أخزاني؟ أعمد «٢» من رجل قتلتموه؟ أخبرني
стр. 145
لمن الدبرة اليوم؟ قلت: لله ورسوله) .
قال ابن إسحاق: (وزعم رجال من بني مخزوم: أنّ ابن مسعود كان يقول: ثمّ احتززت رأسه، ثمّ جئت به رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله؛ هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله ﷺ :
«آلله الذي لا إله غيره؟» قال: وكانت يمين رسول الله ﷺ ، قال: قلت: نعم، والله الذي لا إله غيره، ثمّ ألقيت رأسه بين يدي رسول الله ﷺ ، فحمد الله تعالى) .
طرح قتلى المشركين في القليب ونداؤهم:
(و) لما ألقى النّبيّ ﷺ قتلى المشركين في القليب (كلّم النّبيّ) ﷺ (جثثهم) : جمع جثة، وهو الشخص (موبّخا) أي: ملوّما (ل) - لمشركين المشبّهين با (لخشب) تشبيها بليغا في عدم النفع، وهو بضمّتين جمع خشبة، وفي التنزيل في صفة المنافقين: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، وفي الحديث في صفتهم أيضا: «خشب بالليل، صخب بالنهار» أراد أنّهم ينامون الليل لا يصلون، كأنّ جثثهم خشب مطروحة.