خروج محمد بن عبد الله بن حسن ومقتله
قالوا: أقبل محمد بن عبد الله بن حسن في ولاية رياح بن عثمان بن حيان بن معبد المرّي المدينة في مائة وخمسين، وهو على حمار ويقال على أتان حتى أتى بني سلمة من الأنصار، فأقام وتوافى إليه أصحابه، ثم أتى السجن فأخرج من فيه فأقبل حتى أتى بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية الذي يقول فيه الأحوص بن محمد الأنصاري:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدى وبه الفؤاد موكّل (١)
فجلس على بابه وهو يقول: لا تقتلوا أحدا وادخلوا المقصورة فدخلوها وأحرقوا باب الخوخة، ودخلوا دار مروان وفيها رياح، وكان رياح يقول:
أبدا هذه الدار محلال مظعان وأنا أول ظاعن عنها، فصعد رياح مشربة في الدار وهدم الدرجة، وصعدوا إليه فأنزلوه، وأمر محمد بحبسه وحبس أم ولد (٢) له وأخرج محمد بن خالد القسري من الحبس وكان المري حبسه وابن أخيه نذير بن يزيد بن خالد بن عبد الله.
стр. 1192
وأصبح محمد فبايعه الناس وخطبهم فقال: يا أهل المدينة إني والله ما خرجت فيكم للتعزز بكم فلغيركم أعزمنكم، وما أنتم بأهل قوة ولا شوكة، ولكنكم أهلي وأنصار جدي فحبوتكم بنفسي، والله ما من مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذت لي دعاتي فيه بيعة أهله، ولولا ما انتهك مني ووترت به ما خرجت.
ووجه حسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى مكة فقدم حسن بن معاوية على مقدمته أبا عدي عبد الله بن عدي بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس الذي يقول للوليد:
إنّ سيري إليك من قن أرض … لمن الحزم والفعال السّديد
عبد شمس أبوك وهو أبونا … لا نناديك من مكان بعيد
والقرابات بيننا واشجات … محكمات القوى بعقد سديد
فاثبني ثواب مثلك مثلي … تلقني للثواب غير جحود
فكان أبو عدي يقدم مولى لبعض أهل المدينة يقال له سلجم أمامه حتى قدموا مكة وعليها السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب فكان سلجم ينادي: ابرز يا بن أبي عضل، وكان الحارث بن العباس يلقب أبا عضل، فكانت فيه لكنة.
فتنحى السريّ عن مكة، وكان خروج محمد ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، ويقال لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان في عامه ذلك سنة خمس وأربعين، وسارع أهل المدينة إلى بيعة محمد وقالوا: هذا الذي كنا نسمع به: «العجب كل العجب بين جمادى ورجب».
وأمر محمد بن عبد الله ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن طلحة بن
стр. 1193
عمر بن عبيد الله بن معمر ببيعته فأباها وقال: قد بايعت لأبي جعفر المنصور أمير المؤمنين، فكان المنصور يقول له بعد مقتل محمد بن عبد الله: لو كان بالمدينة آخر مثلك لم يقتل محمد نفسه.
وكان الذين خرجوا مع محمد: جهينة ومزينة وأهل المدينة، وقدم الكوفة رجل في تسع ليال فأخبر بخروج محمد، فلما تبين المنصور صدقه أمر له بتسعة آلاف درهم كل ليلة بألف.
ولما ورد ذلك الرجل الكوفة كتب إلى المنصور يخبره وهو ببغداد يقدر بناء مدينته بها، فشخص من يومه حتى أتى الكوفة وقال: أطأ أسمختهم، وأقطعهم عن إمداد محمد بن عبد الله بن حسن فإنهم سراع إلى أهل هذا البيت.
وغدر محمد بن خالد القسري بمحمد بن عبد الله وقال له: إن لك هذه اليد باخراجك إياي من الحبس فسمّ لي من بايعك من أهل العراق حتى أكتب إلى مواليّ هناك وأهل بيتي ومعاضدتهم ومكاتفتهم في أمرهم. فسمّى له من بايعه، فكتب إلى المنصور بأسمائهم فظفر محمد بالكتاب والرسول.
وكان قد قال له أيضا: إني مطاع بالشام فابعث أخاك موسى بن عبد الله مع ابن أخي نذير بن يزيد بن خالد ومولاي رزام ليدعو الناس بالشام إلى طاعتك، ويأخذ لك موسى البيعة عليهم ففعل، فخلفاه بدومة الجندل وقالا له: انتظرنا حتى نحكم لك الأمور ثم نشخص، ثم مضيا إلى المنصور فأخبراه خبره ليوجه إليه من يحمله، فلم يقم موسى، وانصرف إلى المدينة لاسترابته بهما حين فارقاه، وأخذ محمد بن عبد الله محمد بن خالد القسري فحبسه.
стр. 1194
كتاب المنصور إلى محمد بن عبد الله
وكتب المنصور إلى محمد بن عبد الله حين خرج: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فإن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك فلك أن اؤمنك وجميع اخوتك وولدك وأهل بيتك وأتباعك، وأعطيك ألف ألف درهم.
فكتب إليه محمد: ﴿طسم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٢).
стр. 1195
وقال في كتابه: إن الله اختارنا واختار لنا فولدنا من النبيين محمد أفضلهم مقاما، ومن السلف أولهم إسلاما، ومن الأزواج خيرهنّ خديجة الطاهرة وأول من صلى القبلة، ومن البنات خيرهنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة. وإن هاشما ولد عليا مرتين وأن عبد المطلب ولد حسنا مرتين، فأنا أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا. لم تعرق فيّ العجم، وانا ابن ارفع الناس درجة في الجنة وابن أهونهم عذابا في النار؛ ولك الأمان إن دخلت في طاعتي فأنا أولى بالأمر منك، وأولى بالوفاء بالعهد، فأيّ الأمانات ليت شعري أعطيتني: أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي؟
فكتب إليه المنصور: قد بلغني كتابك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء لتغرّ بذلك الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والعصبة، وقد جعل الله العم أبا وبدأ به قبل الوالد فقال: ﴿نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ﴾ (١) فسمى اسماعيل أبا وهو عم يعقوب.
ولقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ وله عمومة أربعة فدعاهم وأنذرهم فأجابه أثنان أحدهما أبي، وأبى الإسلام اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله وراثتهما وولايتهما عنه.
وزعمت أنك ابن أخف الناس عذابا يوم القيامة وابن خير الأشرار، وليس من الكفر بالله صغير، وما شيء من عذاب الله بخفيف، وليس في الشرار خير، وليس ينبغي لمسلم يؤمن بالله أن يفخر بأهل النار.
وأما ما فخرت به من أن عليا ولده هاشم مرتين، وأن عبد المطلب أبوه
стр. 1196
أبو طالب وأمه فاطمة بنت سيد بني هاشم ولد حسنا مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله ﷺ لم يلده هاشم ولا عبد المطلب إلا مرة واحدة.
وفخرت بأنك لم تلدك العجم، ولم تعرق فيك أمهات الأولاد، فقد فخرت على من هو خير منك نسبا وآباء أولا وآخرا ابراهيم بن رسول الله ﷺ ، كانت أمه مارية القبطية.
وما ولد فيكم أفضل من علي بن الحسين وهو لأم ولد وهو خير من جدك حسن بن حسن، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي بن الحسين وأمه أم ولد.
وأما قولك أنكم بنو رسول الله ﷺ ، فإن الله ﵎ يقول:
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) ولكنكم بنو بنته وهي رحمها الله لا تحرز الميراث، ولا ترث الولاء، ولا يحل لها أن تؤمّ، فكيف تورث بهذا إمامة.
وأما ما ذكرت من أمر علي فقد حضرت النبي ﷺ الوفاة فأمر غيره بالصلاة. في كلام طويل.
قالوا: وكانت أم علي بن الحسين سجستانيه تدعى سلافة تزوجها، فكان عبد الملك بن مروان يقول ان علي بن الحسين ليرتفع من حيث يتضع الناس.
قالوا: وأقام محمد بالمدينة حسن السيرة، وبلغه خروج ابراهيم أخيه بالبصرة (٢) فكان يقول لأصحابه: ادعوا الله لإخوانكم بالبصرة واستنصروه
стр. 1197
على عدوكم.
قالوا: وكتب المنصور في حمل سلم بن قتيبة وكان بالري مع المهدي، فلما قدم عليه قال: كيف تركت أبا عبد الله. قال: أكمل الناس لو بسطت من يده. قال: يا أبا قتيبة إن أبي وأباك رجلان ليس الفساد من شأننا، ثم قال له: قد خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة. قال: ليس بشيء، خرج بأرض ليس بها حلقة (١) ولا كراع، قال: وقد خرج إبراهيم بالبصرة. قال: قد خرج بأرض لو شاء أن يقيم بها سنة يبايعه كل يوم ألف رجل ويضرب له فيها كل يوم ألف سيف لا يعلم به أحد لأمكنه ذلك.
ثم قال: إنو يا أمير المؤمنين العفو تظفر. قال: هو رأيي. قال: فأبشر يا أمير المؤمنين بالظفر والنصر.
قالوا: ووجه المنصور عيسى بن موسى إلى المدينة للقاء محمد بن عبد الله فقال له: يا أبا موسى. انك لتسير إلى حرم الله، وأهله ثلاث طبقات:
طبقة قريش وهم قرابة رسول الله ﷺ وقومه بيضتي التي تفلقت عني، وطبقة «المهاجرون» والأنصار، وطبقة تجار جاوروا قبر النبي ﷺ ، وأقاموا في حرمه.
فإذا قتل محمد فارفع السيف ولا تتبعوا مولّيا ولا تجهزوا على جريح ولا تذبحوا فيها طائرا، وان طلب محمد الأمان فاعطوه إياه. أفهمت يا أبا موسى؟ ثلاث مرات يرددها. قال: نعم، فقال المنصور: اللهم اشهد، اللهم اشهد.
فتوجه في أربعة آلاف ومعه محمد بن أمير المؤمنين أبي العباس، وفي الجيش محمد بن زيد بن علي بن الحسين وغيره من ولد علي ﵈.
ثم قال أبو جعفر لعيسى بن موسى: إني أعيد عليك الوصية: إن قتلت
стр. 1198
محمدا أو أسرته أسرا فلا تقتل أحدا، وإن قتل محمد بن أبي العباس فضلا عن سواه أحدا بعد قتل محمد أو أسره فأقده به. وإن فاتك محمد واشتمل عليه أهل المدينة فاقتل كل من ظفرت به من أهل المدينة.
وكان مع عيسى بن موسى حميد بن قحطبة الطائي، فسار عيسى بذلك الجيش، وبلغ محمدا خبره فخندق على المدينة، وخندق على أفواه السكك.
فلما كان عيسى بفيد كتب إلى محمد يعطيه الأمان، وكتب إلى أهل المدينة يعرض عليهم الأمان أيضا، وبعث بالكتاب مع محمد بن زيد بن علي والقاسم بن حسين بن زيد، فلما قدما به قال محمد بن زيد: يا أهل المدينة، تركنا أمير المؤمنين أصلحه الله حيا معافى وهذا عيسى بن موسى قد أتاكم فاقبلوا أمانه. فقالوا: إشهد أنا خلعنا أبا الدوانيق.
وأقبل عيسى بن موسى إلى المدينة فكان أول من لقيه ابراهيم بن جعفر الزبيري على ثنيّة واقم (١)، فعثر بابراهيم فرسه فسقط فقتل.
وسلك عيسى بطن قناة (٢) حتى ظهر على الجرف، فنزل قصر سليمان بن عبد الملك صبيحة اليوم الثاني عشر من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة وهو يوم السبت وأراد تأخير القتال حتى يفطر فبلغه أن محمدا يقول: أهل خراسان على بيعتي، وحميد بن قحطبة قد بايعني ولو قد رآني انقلب إلي.
وكان المنصور أمر القواد أن يكاتبوا محمدا ويطمعوه في أنفسهم لأنه كان على المضي إلى اليمن، فلما فعلوا أقام ولم يبرح المدينة.
ويقال ان حميدا خاصّة كان قد بايعه بمصر أو وعده مبايعته، قالوا
стр. 1199
وعاجله عيسى فلم يشعر أهل المدينة يوم الاثنين للنصف من شهر رمضان إلا بالخيل قد أحاطت بهم حين أسفر الصبح، وقال عيسى لحميد: أراك مداهنا، وأمره بالتجريد لمحمد فالتقوا فقاتلهم عيسى بن زيد ومحمد جالس بالمصلى، واشتد الأمر بينهم، ثم نهض محمد فباشر القتال فكان بازاء حميد بن قحطبة، وكان بازاء كثير بن الحصين العبدري يزيد وصالح ابنا معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان محمد بن أمير المؤمنين أبي العباس وعقبة بن سلم من ناحية جهينة، فطلب صالح ويزيد الأمان من كثير فأمنهما وأعلم عيسى ذلك فلم ينفذ أمانهما، فقال لهما كثير: امضيا إلى حيث شئتما فهربا.
وكانت أم يزيد وصالح فاطمة بنت الحسن بن علي، فكان عبد الله بن حسن خالهما، ومحمد ابن خالهما.
واقتتلوا إلى قريب من الظهر، ورماهم أهل خراسان بالنشاب فأكثروا فيهم الجراح، فتفرق الناس عن محمد ورجع إلى دار مروان فصلى فيها الظهر واغتسل وتحنط. فقال له عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن المسور بن مخرمة الزهري: إنه لا طاقة لك بمن ترى فالحق بمكة. فقال: إن فقدت من المدينة قتل أهلها كما قتل أهل الحرة، وأنت مني في حل يا أبا جعفر فاذهب حيث شئت.
وخرج محمد إلى الثنية فقاتلوه فقال: يا حميد أتقاتلني وتنكث بيعتي فهلم أبارزك. فقال حميد: يا أبا عبد الله لا أبارزك وبين يدي هؤلاء الأغمار فإذا فرغت منهم برزت لك، فحدثني بعض ولد حميد بن قحطبة قال: كانت هذه المقالة من محمد مكيدة لحميد.
قالوا: وجثا محمد على ركبتيه وجعل يذبّ بسيفه ويقول: ويحكم إني
стр. 1200
محرج مظلوم، وجعل الناس يتفرقون فقال له ابراهيم بن خضير (١) -هذا هو مصعب بن مصعب بن الزبير لقب خضيرا وكانت أمه أم ولد - لو شئت لحقت بأخيك ابراهيم بالعراق. فقال: ما كنت لأخيف أهل المدينة مرتين، مرة في خروجي وبعده.
ومضى ابراهيم بن خضير إلى السجن فذبح رياح بن عثمان المري، ولم يجهز عليه فلم يزل يضطرب حتى مات، وكان إبراهيم بن خضير على شرطة محمد بن عبد الله، ومضى ابراهيم بن خضير إلى محمد بن خالد بن عبد الله القسري ليقتله في محبسه فنذر به، فردم باب البيت دونه فعالجه ابن خضير فأعياه فتركه ونجا محمد، وقدم الكوفة.
ورجع ابن خضير إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل ابن خضير وقتل معه علي بن مالك بن خثيم بن عراك الغفاري، وسعيد بن أبي سفيان الصيرفي، في آخرين.
وصابرهم محمد إلى العصر ثم جعل الناس يتفرقون عنه وهو يقول: يا بني الأحرار إلى أين؟. وقتل بيده اثنى عشر رجلا، وولي حميد بن قحطبة قتاله عند المساء فقال له: اتق الله واذكر بيعتك، فيقال إن حميدا قال له: وأنت أيضا فافش سرك إلى الصبيان، وولده يقولون أنه قال له: أبهذا يكاد مثلي. وقال غيرهم: قال له: إنما خدعناك.
وعرض لمحمد رجل فضرب ذقنه فسقطت لحيته على صدره فرفعها بيده وقال: ناولوني شيئا أشدها به، فرمي إليه من سطح هناك بشقة
стр. 1201
شطوية (١) فشد بها لحيته، ورمي بنشابة في صدره وطعنه رجل من خلفه فأرداه عن دابته فسقط على يديه ثم استقل قائما، ورماه رجل بصخرة فأصابت منكبه فأثخنته. وطعنه حميد في صدره فصرعه مثبتا ونزل إليه فاحتز رأسه وأتى به عيسى بن موسى وعنده القاسم بن حسن بن زيد وغيره، فقالوا: هذا رأس محمد بعينه. وانهزم الناس، وانتهى عيسى إلى ما أمره به المنصور.
وبعث عيسى بعدة ألوية فنصبت في مواقع متعددة، ونادى مناديه: من أتى لواء من الألوية المنصوبة فهو آمن.
وبقي محمد بن عبد الله في مصرعه بقية يومه وليلته، وأصبح وقد سلب وهو ملقى على وجهه، ومطرت السماء تلك الليلة مطرا جوادا.
وأرسلت أخته زينب بنت عبد الله إلى عيسى: قد قضيتم أربكم منه فأذنوا لنا في دفنه، فأذن لهم فدفنوه في البقيع.
وبعث عيسى بن موسى برأس محمد بن عبد الله مع ابن أبي الكرام محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فدخل به على المنصور وهو عاض على أنفه.
حدثني أبو مسعود الكوفي وغيره قالوا: جعل محمد بن عبد الله بن محمد - ويكنى أبا عبد الله - يقول يوم قتل:
منخرق الخفّين يشكو الوجا … تنكّته أطراف مرو (٢) حداد
أفردني الخوف فلا أمن لي … كذاك من يكره حرّ الجلاد
стр. 1202
قد كان في الموت له راحة … والموت حتم في رقاب العباد
وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال: قال محمد بن عبد الله للغاضري: ابشر، فقد بويع لي بالشام وخراسان والمصرين.
فقال: يا بن أم، اجعل الأرض كلها لك، وهذا عيسى بالأعوص (١) ما ينفعك منها، والله ما أصبح قوم يعرفون آجالهم غيرنا.
قالوا: وكان أبو العباس زوّج محمدا ابنه زينب بنت محمد بن عبد الله، فلما قتل أرسل ابن أبي العباس إلى عمتها زينب بنت عبد الله بن الحسن: إني أريد أن أدخل على أهلي فافرغوا من أمرها. فأرسلت عمتها إلى عيسى بن موسى: سبحان الله أرسل محمد إليّ بكذا وقد قتلتم أباها بالأمس ويعرس بها اليوم، والله ما رقأ دم أبيها بعد.
فأرسل إليها عيسى، يا ابنة عم، ما علمت بهذا، ولكنه غلام حديث السن سيء الأدب، وأرسل إلى محمد بن أبي العباس يسفّهه، ولما لقيه تناوله بسوطه وقال له: يا مائق (٢)، أما والله ما هي بضغينة، فما كان بؤمنك أن يحضرها عقلها فتطلب بثارها وتشتمل على سكين فإذا أفضيت إليها قتلتك فتكون قد أخذت قود أبيها قبل جفوف دمه.
ثم تزوجها عيسى بعد، ويقال ضمّت إلى محمد بعد ذلك، فلما مات تزوجها عيسى بعده، ثم خلف عليها محمد بن إبراهيم الإمام، ثم ابراهيم بن ابراهيم بن حسن بن زيد بن حسن بن علي، ثم عبد الله بن حسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن فتوفيت عنده.
стр. 1203
وكان مقتل محمد لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة.
وأمن عيسى الناس وخرج يريد مكة صبيحة تسع عشرة ليلة من شهر رمضان، فلما كان بملل أتاه كتاب المنصور بخروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة وأمره بالقدوم عليه، ويقال بل أتاه كتاب المنصور بالعرج (١) فرجع إلى المدينة فبات بالأعوص، ثم سار فقدم على أمير المؤمنين المنصور.
وكان الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بمكة فلما قتل محمد خرج من مكة، وظهر السري بن عبد الله، وكان هشام بن عروة، وأيوب بن سلمة المخزومي قد بايعا محمد بن عبد الله فأمّنا حين اعتذرا.
وقال ابن هرمة الفهري ودعاه محمد فلم يجبه:
عجبت لأحلام الأولى ضل رأيهم … وكانوا على وجه من الحق لا حب
دعوني وقد شالت لابليس راية … وأوقد للغاوين نار الحباحب
فقلت لهم هذا من الشهر نغبة (٢) … تنافي المنايا لست فيها بلاعب
أنا الليث تغترّون يحمي عرينه … وتلقون جهلا اسده بالثعالب
فما أحكمتني السن إن لم يبدكم … وما يقضنني ماضيات التجارب (٣)
ولما أتى ابراهيم مقتل أخيه محمد قال:
стр. 1204
يابا المبارك يا زين الفوارس من … يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أني لو خشيتهم … وأوجس القلب من خوف لهم فزعا
لم يقتلوه ولم أسلم أخي لهم … حتى نعيش جميعا أو نموت معا
وكان محمد يقول: إني لم أخرج حتى بايعني أهل الكوفة، وأهل البصرة، وواسط، والجزيرة، والموصل، ووعدوني أن يخرجوا في الليلة التي خرجت فيها.
وخرج عثمان بن إبراهيم التيمي الى اليمامة ليأخذها لمحمد فلم يصل إليها حتى بلغه قتل محمد.
قالوا: وكان محمد أسمر أرقط مخضوب الرأس بصفرة من أبناء ستين، وكان أخوه ابراهيم شابا قد وخطه الشيب حلو الوجه خفيف اللحية فأفاء، وكان أيدا شديد البطش، وكان يكنى أبا إسحاق، ويقال أبا الحسن.
وحدثني بعض أشياخنا قال: أرسل المنصور قبل خروج محمد بن عبد الله إلى عيسى بن موسى بن محمد بن علي فلما دخل عليه ذكر له أمر محمد وإبراهيم فقال: قد بهضني أمرهما وظننت أني إذا أخذت أباهما وعمومتهما وقرابتهما ظهرا لي سلم أو حرب وقد هدآ في مربضهما وقرّا في مكمنهما يلتمسان لي الغوائل ويتربصان بي الدوائر، وترك إطفاء جمرة الشيطان قبل تأججها من تضييع أسباب الدولة، وفي تضييع أسباب الدولة حلول البلاء، وأنا أريد أن أبعثهما من مربضهما، واستنهضهما من مكمنهما وأنصب الحرب لهما فإني أرجو أن ينصر الله ورثة نبيه ويعزهم بالحق الذي جعله لهم وأكرمهم به، وينتقم لنا أهل البيت من الحاسدين الساخطين لما جرى لنا به قضاؤه،
стр. 1205
فما الرأي فيما ذكرت لك، وكيف وجه العمل فيما أعلمتك.
فقال عيسى: إن من سوء التدبير تركك الاستعداد للأمر المخوف قبل وقوعه فأرشد الله أمير المؤمنين وأدام توفيقه، ومن الصواب أن تولي يا أمير المؤمنين المدينة رجلا من أهل بيتك له مكر ونكر، وتأمره بطلبهما، والبحث عنهما، وإذكاء العيون عليهما، حتى يظفرك الله بهما، فقال: يا أبا موسى، إن عداوتهما لنا باطنة لم يظهروها فإن استكفيت أمرهما رجلا من أهل بيتي منعته الرحم من مكروههما وحجزته القرابة عن طلبهما، قال: فولّ المدينة رجلا من أهل خراسان له حدّ وجدّ، ومره يقعد لهما بكل مرصد ولا يفتر عن طلبهما حتى يظفر بهما. فقال: يا أبا موسى إن محبة آل أبي طالب في قلوب أهل خراسان ممتزجة بمحبتنا، وإن ولّيت أمرهما رجلا من أهل خراسان حالت محبته لهما بينه وبين طلبهما والفحص عنهما ولكن أهل الشام قاتلوا عليا على أن لا يتأمّر عليهم لبغضهم إياه، ثم مات علي وهلك الذين قاتلوه فقام بنوه من بعده يطلبون الأمر فقام أبناء أهل الشام الذين قاتلوه فمنعوا بنيه الأمر وسفكوا دماءهم للبغض الذي ورثوه عن آبائهم، فالرأي أن أولي المدينة رجلا من أهل الشام، فولى رياح بن عثمان بن حيان المري المدينة وشحذه على طلب محمد وابراهيم، فلما قدم المدينة صعد المنبر فقال:
يا أهل يثرب لا مقام لكم فاربعوا (١)، أنا ابن عم مسلم بن عقبة الشديد الوطأة، كان عليكم الوبيل الوقعة بكم الخبيث السيرة فيكم، ثم أنتم اليوم عقب الذين حصدهم السيف، وايم الله لأحصدنّ منكم عقب الذين حصد، ولألبسنّ الذل عقب من ألبس.
стр. 1206
ثم وضع على محمد وإبراهيم الأرصاد حتى خرج محمد في أهل المدينة وقتل رياح، فلما قتل في محبسه خرج صبيان أهل المدينة يكبرون حول جثته ويقولون:
سلحت أم رياح … فأتتنا برياح
فأتتنا بأمير … ليس من أهل الصّلاح
ما سمعنا بأمير … قبل هذا من سفاح
قالوا: ولما جاء المنصور خبر خروج محمد بن عبد الله قال:
ألا تعجبون لهذا القاطع المشاقّ، ترك هذا الأمر وهو لبني أمية مستقيم فلما فتقناه عليهم وثلمناه، فوهت عراه، واسترخى طنبه، وضعف عموده فصار لنا شديد العرى محكم العقد والقوى عرض فيه للحين والردى، وبالله استعين عليه وعلى كل باغ.
قال وكان المنصور حين أتاه خبر محمد نازلا بالدير الذي على الصّراة من بغداد، وهو يرتاد له منزلا، فاختار الموضع الذي يعرف بالخلد، فلما قرأ الكتاب الوارد عليه بخبره استوى قاعدا فتلا قول الله : ﴿وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١).
ثم أمر فنودي في الناس بالرحيل وحملت الأثقال.
وقال: آتي الكوفة فاطأ أصمختهم وأنزل على رقابهم وأكون مكبحة لهم، ثم دعا بثيابه ودابته فلما قرّبت ليركبها تمثّل قول جذل الطعان الكناني:
سيروا إلى القوم يا خزاع … ولا يأخذنكم من لقائهم وجل
стр. 1207
فالقوم أمثالكم لهم شع … ر في الرأس لا ينشرون إن قتلوا
ثم ركب دابته فبات بنهر صرصر، ثم غدا متوجها إلى الكوفة فنزل قصر أبي الخصيب مولاه.
قال: فلما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة، وابراهيم بالبصرة أقبل إلى بغداد ومعه عبد الله بن الربيع الحارثي يسايره، فقال له عبد الله بن الربيع:
لقد كان عبد الملك حازما، قال: أجل، كان رجل قومه فما بلغك عنه؟ قال عبد الله: بلغني عنه يا أمير المؤمنين أنه لما أنشد قول الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم … دون النساء ولو باتوا باطهار (١)
قال: لا والله ما أتيت امرأة منذ وقعت حرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى انقضت. فقال المنصور: وأنا والله يا أبا الربيع فما كشفت لامرأة كنفا منذ وقعت حرب محمد وابراهيم حتى انقضت.
وقال السندي بن شاهك: كنت أيام حرب محمد وابراهيم وصيفا أقوم على رأس المنصور، فلما غلظ أمرهما مكث على مصلى بضعا وخمسين ليلة لا يتنحى عنه ولا يجلس ولا ينام إلا عليه، وعليه جبة ملونة، فتدنست واتسخ جيبها وما تحت لحيته منها فما غيّرها حتى فتح الله عليه، وكان إذا جلس للناس لبس فوقها سوادا وقال لا أغيرها حتى أدري أهي لمحمد وابراهيم أم لي.
قال السندي: وأتته ريسانة قيّمة جواريه في تلك الأيام وأنا قائم على رأسه، وقد قدم عليه إسحاق الأزرق مولاه بامرأتين من قريش كان بعثه في خطبتهما: إحداهما فاطمة بنت محمد من ولد عيسى بن طلحة بن عبيد الله،
стр. 1208
وأمة الكريم بنت عبد الله، من ولد خالد بن أسيد، فقالت له: يا أمير المؤمنين إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما وساءت ظنونهما لما ظهر لهما من جفائك إياهما، فانتهرها وزبرها وقال: أهذه الأيام من أيام النساء؟ لا سبيل إليهما حتى أعلم أرأس ابراهيم لي أم رأسي له.
قالوا: وأتي المنصور برجل معه كتب إلى أهل الكوفة من محمد وابراهيم فأمر بضرب عنقه، فذكر أنه مجبر مقهور محتاج كثير العيال، فأمر بتخلية سبيله، فقال: يا أمير المؤمنين، إني استحلفت أن أوصل الكتب إلى اصحابها إلا أن يحاط بي، وقد منّ أمير المؤمنين علي، فقال: خذها هبلتك أمك. فتناول الكتب ومضى فأوصلها، فلم تزل منازل من كتب إليه بطون الأرض حتى توفي المنصور، فبقي منهم بعد ذلك رجل أو رجلان.
قالوا: وخرج محمد ثم خرج ابراهيم فقال المنصور:
تفرقت الظباء على خداش … فما يدري خداش من يصيد
وقال حين قتلا:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر
قالوا: ولما قدم ابراهيم بن هرمة على المنصور وقد بلغه أن محمدا دعاه فلم يجبه، وقال في ذلك شعره الذي قاله، قال المنصور: يا إبراهيم، سلني حوائجك. فقال: إن في هذه الأرواح الصننة (١)، وإنما دواؤها شرب النبيذ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلى عامله ألا يحدّني فيه فعل. قال:
لا سبيل إلى هذا ولكن اكتبوا له أن يجلد من أخذه مائة ويجلده ثمانين، فقال: قنعت. فكان يقول إذا سكر بالمدينة: من يشتري ثمانين بمائة.
стр. 1209
وحدثني الحسن بن علي الحرمازي، وأبو العباس الفضل بن العباس الهاشمي عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله وغيرهما فسقت حديثهم ورددت من بعضه على بعض أن أبا بكر بن أبي سبرة كان عاملا لرياح بن عثمان على مسعاة أسد وطيء، فلما خرج محمد بن عبد الله دفع إليه ما كان معه من المال وقال: استعن به على أمرك فلما قتل محمد قيل لأبي بكر اهرب فقال: ليس مثلي هرب فأخذ أسيرا فطرح في حبس المدينة وكان الحابس له عيسى بن موسى، ويقال خليفته كثير بن الحصين العبدي، وولي المدينة بعد عيسى بن موسى عبد الله بن الربيع الحارثي، ويكنى أبا الربيع فعاث جنده وأفسدوا فوثب بهم أهل المدينة فقتلوا منهم وطردوا باقيهم وأخرجوا عبد الله عن المدينة وانتهبوا متاعه. فنزل بير المطلب يريد العراق، واجتمع سودان ورعاع وقلدوا أمرهم ورئاستهم أسود يقال له اوتيوا - فكان السودان فيما ذكر الحرمازي يدعونه أمير المؤمنين، وجاؤوا فكسروا باب السجن وأخرجوا من فيه، وأخرجوا أبا بكر بن أبي سبرة فأرادوا فك حديده فأبى ذلك، وأقام فخطب ودعا إلى طاعة المنصور وحذر الفتنة، فقيل له:
تقدم فصلّ، فقال: ان الأسير لا يؤمّ، ورجع إلى السجن فأقام به، واجتمع القرشيون فخرجوا إلى ابن أبي الربيع بما ذهب له أو أكثره، وأرضوا من بقي من جنده.
ورأى ابن أبي ذئب اولئك السودان فقال لبعضهم: ما هذا؟ فقال:
هذا اوتيوا أميرنا وهو أمير المؤمنين. فقال ابن أبي ذئب وهو يبتسم: يا رب ان كان في سابق علمك ان يلي أمرنا أوتيوا هذا فارزقنا عدله.
وأتى محمد بن عمران بن ابرهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أوتيوا
стр. 1210
وقد خفّ من معه فلم يزل يخدغه حتى أمكنته الفرصة منه فقبض عليه، وأمر به فأوثق، وتفرق السودان بعد أن أخذ أوتيوا وقبض كل رجل على أسود منهم، ومات أوتيوا في السجن وكان مثقلا بالحديد، ويقال إنه مات جوعا، وقال الحرمازي قتل قتلا.
وقال هشام ابن الكلبي: ولى المنصور محمد بن عمران بن ابراهيم بن محمد بن طلحة قضاء المدينة، ثم ولى المنصور جعفر بن سليمان المدينة فأمره باطلاق ابن أبي سبرة وقال: إن كان أساء، فقد أحسن بما كان منه.
стр. 1211
أمر ابراهيم بن عبد الله ومقتله.
بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: قدم ابراهيم ومحمد البصرة فنزلا على أبي حفص مولى آل كريز المازني، ثم رجع محمد إلى المدينة، فتحول ابراهيم فنزل عند المغيرة بن الفزع بن عبد الله بن ربيعة بن جندل أحد بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم، ثم تحول إلى بني راسب، ثم جعل يتنقل، وهو الذي يقول لرجل معلم يقال له ابن مسعدة، وكان يخدم بعض من استخفى عنده:
زعم ابن مسعدة المعلّم أنّه … سبق الرجال براعة وبيانا
وهو المبين عن الحمامة شجوها … وهو الملحّن بعدها الغربانا
وكان يقول: ان الحمامة تقول كذا فيفسر معنى تغريدها، ويقول:
الغراب ملحّن إنما ينبغي أن يقول غاق وغاق.
فكان خروجه في أول يوم من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، ولم يكن أراد الخروج ذلك اليوم ولكنه حذّر أن يسعى به، فقيل: أخرج والا بعث اليك فأخذت، فخرج في عشرين أو أكثر، منهم المغيرة بن الفزع، وعبد الله بن المسور بن عمر بن عباد بن الحصين التميمي،
стр. 1212
وعبد الواحد بن زياد بن عمرو العتكي، فأتى مقبرة بني يشكر فأقام بها ساعة، فاجتمع اليه قوم، ثم سار حتى أتى دار الإمارة وبها سفيان بن معاوية، بن يزيد بن المهلب، وهو عامل البصرة، وقد كان خاف خروج ابراهيم فتحصّن واتخذ عدّة للحصار، ومع سفيان في الدار ستة عشر رجلا، فنزل ابراهيم عند مسجد الأنصار، ثم عسكر عند مسجد الحرورية، وقدم البصرة قائد أمر به سفيان قبل خروج ابراهيم بليلة، فبعث إليه ابراهيم المضاء بن القاسم التغلبي فلقي القائد فهزمه المضاء، وأرسل ابراهيم لبطة بن الفرزدق إلى نهيلة بن مرة بن عبد العزيز التميمي، ثم أحد بني ملادس بن عبد شمس بن سعد يدعوه إلى بيعته فأباها فقال له لبطة: أمن خوف سياط أبي جعفر تمسك عن مبايعته؟ فأتاه فبايعه، واعتزل سوار بن عبد الله العنبري القضاء في أيام ابراهيم، فتولاّه عباد بن منصور.
قالوا: وأخرج جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي سلاحا واجتمعا ومواليهما في كتيبة خشناء، فقاتلوا أصحاب ابراهيم المبيضة (١)، وجعل محمد بن سليمان يعبئ الكراديس في المربد فقال له عبد الجبار بن قطري مولى باهلة: إن هذه التعبئة لا تكون في السكك ولكن أقم بمكانك فإن رأيت خللا فسدّه، فلم يقبل منه.
стр. 1213
والتقوا فانهزم محمد وجعفر قبل أن يكون بينهما وبين القوم كبير قتال، وكان محمد يومئذ على فرس كان لملبد الخارجي يقال له الملبدي، وأمر ابراهيم المغيرة بن الفزع أن يأتي السجن فيخرج من فيه ففعل.
ووقف ابراهيم عند القصر فطلب سفيان منه الأمان فأمنه، فخرج ثم أظهر أنه يخافه على أنه يشغب ويفسد فحبسه.
ودخل إبراهيم دار الإمارة فنزلها أياما، ثم تحول فنزل الخريبة، وبيّضت القبائل، وبعث ابراهيم رجلا فوجد أخاه محمدا قد قتل.
وولى ابراهيم شرطه معاوية بن حرب، ووجه مغيرة بن الفزع على حرب الأهواز، وولى خراجها عفو الله بن سفيان الثقفي، فقاتلهم محمد بن الحصين العبدري فغلبوا على الأهواز وهزموا محمدا، وغلب محرز الحنفي على كرمان، فلما قتل ابراهيم هرب إلى السند، وأقام أهل عمان والبحرين على طاعة المنصور، وأراد قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس أن يخرج عن اليمامة فقال له أهلها: نحن في طاعة المنصور فأقام.
وبلغ ابراهيم قتل محمد وهو يمضغ قصب سكر ويمصه فلم يظهر جزعا وتجلد، ثم عزاه الناس، وغلب له برد بن لبيد اليشكري على كسكر، وسار إلى واسط ومعه حفص بن عمر من ولد الحارث بن هشام المخزومي، فكان يصلي بالناس، والحرب إلى برد بن لبيد. فبعث المنصور حرب بن عبد الله، وأسد بن المرزبان وعمر بن العلاء مولى بني مخزوم، وبعث ابراهيم عبد الخالق الخاقاني ومعه المفضل بن محمد الضبي الراوية، وكان المفضل يراعي ابراهيم ويتعرف خبره قبل خروجه، فلما قرب خروجه خرج إلى البصرة فجعل الناس يتكلمون في قدومه أياما ولا يدرون لماذا قدمها، حتى خرج
стр. 1214
ابراهيم فخرج معه فقاتل أصحاب المنصور بردا وعبد الخالق ومن معهما، فانهزم برد وعبد الخالق وأصحابهما، وكفّ الخراسانية عنهم.
وحدثني الأثرم عن أبي عبيدة قال: كان سفيان مدهنا في إبراهيم، وجعل أصحاب ابراهيم حين خرج ينادون سفيان وهو محصور:
اذكر بيعتك يوم كذا، وقال له خليفته على الشرطة: إني مررت بمقبرة بني يشكر فرميت بالحجارة، فقال: أو ما كان لك طريق غير مقبرة بني يشكر؟.
وكان كردم السدوسي يغدو على سفيان ويروح إلى ابراهيم فلا يعرض له هذا ولا هذا، وقال سفيان لقائد من قواد ابراهيم: أقم عندي فليس كل أصحابك يعلم ما كان بيني وبين ابراهيم.
وقدم على المنصور جعفر بن سليمان بن علي فولاه البصرة، وكتب له عهده عليها، وبعث سلم بن قتيبة وكتب له أيضا عهدا على البصرة، وقال له سلم: اجعل لي أيمان أهل البصرة. فقال أيمانهم إليك.
وقدم عيسى بن موسى بن محمد بن علي من الحجاز فسرّحه المنصور لحرب ابراهيم والمبيضة، فيقال إنه أمره أن يمضي على سنّته ولا يدخل الكوفة.
وأمر المنصور باعطاء الناس أعطياتهم وبلغ ابراهيم الخبر فأجمع على المسير إلى عيسى فقال له المضاء: لا تفعل وأقم بمكانك ثم وجّه الجنود، فسار واستخلف ابنه الحسن بن ابراهيم على البصرة وسير على شرطه نميلة بن مرة، فلما انتهى ابراهيم إلى قناطر ابن دارا أقام في باخمرى وقد اجتمع إليه أصحابه.
وكان ابراهيم لما حبس سفيان قيده بقيد خفيف ليتبرأ عند أبي جعفر من ممالأة ابراهيم. وكان ذلك عن إرادة من سفيان. وحمل سفيان إلى باخمرى.
قالوا: وكان جعفر بن سليمان قد جمع الطعام والعلف في معسكر له
стр. 1215
ومعه سلم بن قتيبة وأبو دفافة العبسي، فارتحل إبراهيم يريد عيسى واتبعه جعفر، فقال المضاء لابراهيم: صر إلى معسكر جعفر الذي كان فيه فتحصن به، فأبى ذلك وأبته الزيدية أيضا، وكان مع إبراهيم أحد عشر ألفا:
سبعمائة فارس والباقون رجالة، فجعل إبراهيم على ميمنته عبد الواحد بن زياد بن عمرو العتكي، وعلى ميسرته برد بن لبيد اليشكري، وحملوا على أهل عسكر عيسى حتى خالطوه فتضعضع أهل عسكر عيسى وجالوا ثم انهزموا.
وجاء جعفر بن سليمان وأصحابه من خلف أصحاب ابراهيم وذلك أنهم عبروا نهرا كان وراءهم وكان أول من عبره سلم بن قتيبة وأصحابه فنادى الناس: الكمين، الكمين. وانهزم أصحاب ابراهيم، وكرّ أصحاب عيسى بن موسى فوضعوا سيوفهم فيهم فقتلوا من جهتين، وقتل ابراهيم وصبر بعض الزيدية فقتلوا، وقتل برد وعبد الواحد بن زياد وعبد الوارث بن الحواري.
ونادى منادي عيسى: من ألقى سلاحه فهو آمن. وأمر برفع السيف عن فلّهم، فادعى عقبة بن مسلم أنه قتل ابراهيم، وإنما قتله غيره.
وكان الحر اشتد على ابراهيم في الحرب فألقى درعه وقاتل، فأصابته نشابة مات منها، ويقال إنه نزع ثيابه ليقع في الماء فأدرك فقتل.
ووجه عيسى من احتز رأسه فبعث به إلى المنصور، فأمر فطيف به في الكوفة، وقال المنصور: «يا أهل الكوفة، يا أهل المدرة الخبيثة، تقولون إنه سمع في عسكر إبراهيم قائل يقول: أقدم حيزوم تشبهونه بعسكر رسول
стр. 1216
الله ﷺ »، ووبخهم وقال: لعنك الله من بلدة، ولعن أهلك. والله للعجب لبني أمية كيف لم يقتلوا مقاتلتكم ويسبوا ذريتكم.
ولما قتل ابراهيم أخرج جعفر عهده، وأخرج سلم عهده فقال له جعفر بن سليمان، عهدي قبل عهدك، فدعني أدخل البصرة أميرا، ثم تأتي بعدي فأقام سلم ودخل جعفر فأمن الناس ثم قدم سلم فأقام أشهرا ثم ولى المنصور البصرة محمد بن سليمان بن علي وقال: إنما وليت جعفرا وسلما وإبراهيم بالبصرة ليقاتلاه ويؤمنا الناس فتقاعدا عنه.
ويقال إن المنصور كتب إلى سلم في قطع نخيل أهل البصرة ممن خرج مع ابراهيم، فغبّب عنهم فعزله،
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ قال: لما خرج ابراهيم سنة خمس وأربعين ومائة كتب المنصور إلى جعفر ومحمد ابني سليمان بن علي يعجزهما ويوبخهما على نزول ابراهيم مصرا هما به لا يعلمان بأمره، وتمثل:
أبلغ هديت بني سعد مغلغلة … فاستيقظوا إن هذا فعل لوّام
تعدو الذئاب على من لا كلاب له … وتتّقي صولة المستنفر الحامي
ولما جاء المنصور خبر محمد وابراهيم جعل ينكت على الأرض بمخصرته ويقول:
ونصبت نفسي للرماح دريئة … إنّ الرئيس لمثل ذاك فعول
وكان المنصور يقول: إنما جرّأ إبراهيم على المسير إلى البصرة اجتماع أهل الكوفة وأهل السواد على الخلاف والمعصية والميل إليه. وقد رميت كل ناحية بحجرها، وكل كورة بسهمها، ووجهت إليه الميمون النجد عيسى بن موسى، واستعنت بالله واستكفيته.
стр. 1217
وكان هارون بن سعد العجلي شيعيا فعاب خروج إبراهيم فقال:
يا من له كان ذو الرويّ … ة والهيئة منا في الدين متّبعا
أبينما لمت منتهى أهل الأم … ة إذ قيل صار مبتدعا
يا لهف نفسي على تفرّق ما … قد كان منها عليك مجتمعا
قالوا: ووجه المنصور أبا خزيمة خازم بن خزيمة التميمي إلى المغيرة بن الفزع، وهو بالأهواز فواقعه فهزمه وهزم أصحابه، وهرب المغيرة إلى البصرة فاستخفى بها، وكان حسان مولى أمير المؤمنين على بريدها فافتعل أمانا من المنصور لابن الفزع جعل له فيه ذمة الله وذمة رسوله ألا يهيّجه ولا يروّعه ولا يعرض له بسوء في نفسه وشعره وبشره وماله وولده ولا يؤاخذه بما كان منه، وأن يجزل صلته ويرفع قدره ويقوده على من أحب الفريضة من قومه.
ودعا رجلا من موالي بني قريع فاقرأه الأمان، وكتابا كأنه ورد عليه من المنصور في أمره وقال له: أنا أعلم أن المغيرة يسمع منك ويقبل قولك، وأنك إن شئت أن تعرف موضعه وتصل إليه فيه عرفته ولقيته، فخذ هذا الكتاب وهذا الأمان واقرأهما عليه.
فلما صار الرجل إليه قرأ عليه الكتاب والأمان وأشار عليه بالظهور، فدعا المغيرة قومه فناظرهم، فكلهم رأى له أن يظهر فقبل ذلك منهم وخرج حتى أتى حسان. وقد أعلم حسان محمد بن سليمان أمره، فاعترضه رسل محمد فأخذوه وأتوه به فحبسه، وكتب إلى المنصور في أمره فوجه المنصور أسد بن المرزبان، ومعه الريان مولى أمير المؤمنين لقتله، فأخرج من السجن، وسلمه محمد إليهما فقطع أسد يديه ورجليه ثم قتله وصلبه في القافلانيين (١)
стр. 1218
وقال بعضهم: أخذه محمد بن سليمان بأمان ثم قتله.
وأخذ المسيب بن زهير الضبي الأمان للمفضل الضبي الراوية بعد أن استخفى وتنقل في البوادي، وأخذ أصحاب ابراهيم وعماله فقتلوا في البوادي والنواحي. وقتل هشام بن عمرو التغلبي الحسن بن ابراهيم بن الحسن بالسند، وكان قد هرب إليها، وقتل عبد الله بن محمد بن عبد الله بالسند أيضا وتوارى المضاء بن قاسم التغلبي.
وكان نميلة قد أطلق سفيان وأخرجه من محبسه فأمن وصار يعد في أصحابه.
وبلغ المنصور أن سفيان بن معاوية كان يقول: ماسرني أني شركت في دم إبراهيم وأن لي سود النّعم وحمرها. فكان المنصور يقول: ما رأيته إلا أظلم ما بيني وبينه.
وولى المنصور سوار بن عبد الله إيمان الناس وتسكينهم، ففعل.
وحدثت عن أبي عاصم النبيل أنه قال: لما دخل ابراهيم الدار وخرج سفيان منها بسط له حصير فقلبته الريح، فتطيّر له من ذلك.
وبعث إلى محمد وجعفر ابني سليمان، وكانت أمهما أم الحسن بن جعفر بن حسن بن حسن: يقول لكما خالكما: إن أحببتما جواري وفي الأمن والسعة والرحب، وإن كرهتماه فاذهبا إلى حيث شئتما ولا تسفكا بيننا دما.
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي قال: خرج ابراهيم بالبصرة فأخذها، ووجه إلى الأهواز وفارس، وولى خراج الأهواز عفو الله بن سفيان الثقفي، وحصر سفيان بن معاوية ثم أمّنه فخرج عن دار الإمارة، فوجه
стр. 1219
المنصور عامر بن اسماعيل السلمي (١) في جيش عظيم فنزل واسطا، ووجه إلى البصرة جيشا.
ثم إن إبراهيم خاف غدر أهل البصرة واختلافهم وقصيتهم، فأقبل نحو واسط فحاربه عامر بن اسماعيل، ثم مضى ابراهيم يريد الكوفة، وقد قدمها عيسى بن موسى من الحجاز، ووجهه المنصور لمحاربته فالتقيا بقرية تدعى باخمرى. فهزم ابراهيم عيسى هنيّة. وكان جلّ أصحاب ابراهيم رجّالة، ثم عطفت عليه خيل عيسى ورجاله فقتل، ورجع عيسى إلى الكوفة.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: كان المغيرة بن الفزع من أشد الناس في أمر ابراهيم فأخذ وقتل، وكان الذي تولى قتله أبو الأعور الكلبي، فقال أبو زياد الكلبي.
من مبلغ عليا تميم بأننا … نصبنا على الكلاّء بالمشط معلما
نصبنا لكم رأس المغيرة بائنا … وجثمانه بالجذع عريان ملحما
قالوا: تزوج ابراهيم بهكنة بنت عمر بن سلمة الهجيمي، فكان يونس النحوي يقول: جاء ابراهيم ليزيل ملكا فألهته امرأة بطيبها وخضابها، وأتي المنصور بالقيمية فتركها بمزجر الكلب حتى فرغ من أمر ابراهيم.
وكان عمر بن سلمة على فرس أبلق فقال ابراهيم:
أما القتال فلا أراك مقاتلا … ولئن فررت ليعرفنّ الأبلق
قالوا: وحمل رأس محمد ورأس إبراهيم إلى خراسان، ثم ردّا، فدفنهما الذي حملهما تحت درجه في منزله بدرب أبي حنيفة في مدينة أبي جعفر ببغداد، وقال بعض بني مجاشع للمنصور:
стр. 1220
ابرز فقد لاقيت هبرزيّا (١) … أبيض يدعو جدّه عليا
وجدّه من أمه النّبيّا
قالوا: وكان إبراهيم يذكر بني العباس فيقول: عظّموا ما صغّر الله، وصغّروا، ما عظّم.
وقال بشار الأعمى في إبراهيم:
أقول لبسام عليه جلالة … غدا أريحيّا في الرجال الأكارم
من الفاطميين الدعاة الى الهدى … قياما وما يهديك مثل ابن فاطم (٢)
حدثني الحسن بن علي الحرمازي وغيره، قالوا: كان سديف بن ميمون مولى بني هاشم مائلا الى محمد بن عبد الله، وقبل ذلك كان مائلا الى المنصور قبل خلافته، فوصله المنصور حين استخلف بألف دينار، فلما خرج محمد دفع الألف دينار إليه تقوية له، وخرج معه وأجلب على المنصور وهجا ولد العباس، فلما قتل محمد صار إلى إبراهيم أخيه بالبصرة فلما قتل خاف سديف على نفسه فهجا بني الحسن فقال:
بني حسن أحدثوا توبة … فليس الحديث كما تزعمونا
أقلتم يكون لنا قائم … فنحن بقائمكم كافرونا
وقال أيضا:
كذبت بنو حسن وربّ محمد … ما العم كابن العم في الميراث
وكان المنصور يقول: كأني بسديف يتهكم عند إبراهيم.
قالوا: وقال سديف وقد صعد إبراهيم المنبر:
стр. 1221
إيها أبا اسحاق منّيتها … في صحة منك وعمر طويل
أذكر هداك الله دحل (١) … الألى
سيرتهم في مصمتات الكبول
يعني أباه ومن حمل معه - فلما قتل إبراهيم هرب سديف واستخفى وكتب إلى المنصور:
أيها المنصور يا خير العرب … خير من ينميه عبد المطلب
أنا مولاك وراج عفوكم … فاعف عني اليوم من قبل العطب
واحتال بالكتاب حتى وصل اليه فوقّع فيه:
ما نماني محمّد بن عليّ … إن تشبّهت بعدها بوليّ
ثم إنه قتل:
وقال إبراهيم بن علي بن هرمة يعتذر الى إبراهيم بن عبد الله:
يا بن الفواطم خير الناس كلهم … عند الفخار وأولاهم بتطهير
إني لحامل عذري ثم ناشره … وليس ينفع عذر غير منشور
وحالف بيمين غير كاذبة … بالله والبدن إذ كبّت لتنحير
لقد أتاك العدا عني بفاحشة … منهم فروها بإسراف وتكثير
لا تسمعنّ بنا إفكا ولا كذبا … يا ذا المعالي ويا ذا المجد والخير (٢)
ويقال إنما اعتذر الى غيره منهم في أمر بلغه عنه.
وكان قرّة الصيرفي عينا لأبي جعفر المنصور على إبراهيم فضربه إبراهيم وحبسه، فلما قتل إبراهيم قال له أبو جعفر: مرحبا بك يا قرة، ما زلت أدعو الله لك بالسلامة. ووصله.
стр. 1222
خروج يحيى بن عبد الله بن الحسن
قالوا: وخرج يحيى بن عبد الله بن حسن بالجبل، وصار الى ناحية الديلم فتوجه اليه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك وزير الرشيد هارون أمير المؤمنين، فجعل لملك الديلم ألف ألف، فسلمه اليه على أن أعطاه الرشيد الأمان من القتل، فكان محبوسا عند السندي بن شاهك فمات في الحبس
стр. 1223
خروج الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن حسن بن
علي ﵇
وخرج في سنة تسع وستين ومائة الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة، ثم أتى مكة فلقيه موسى بن عيسى بن موسى، والعباس بن محمد بن علي، ومحمد بن سليمان بن علي، وسليمان بن أبي جعفر وهو على الموسم فقتل بفخ (١)، وبعث برأسه إلى موسى الهادي أمير المؤمنين، فنصب على الجسر ببغداد، فصار علي بن محمد بن عبد الله بن حسن إلى مصر فحمل منها فمات ببغداد (٢).
وكان ادريس بن عبد الله بن حسن في وقعة فخ مع الحسين بن علي، فهرب في خلافة الهادي إلى مصر وعلى بريدها يومئذ واضح مولى صالح بن المنصور الذي يعرف بالمسكين، وكان واضح يتشيع فحمله على البريد الى المغرب فوقع الى أرض طنجة، وأتى بعض مدنها فاستجاب له من بها من البربر.
стр. 1224
فلما استخلف الرشيد بعد موسى الهادي أعلم ذلك فضرب عنق واضح، ودسّ الشماخ مولى المهدي وكتب له إلى إبراهيم بن الأغلب وهو عامله على إفريقية فأنفذه إلى بلاد طنجة، فادعى الشماخ الطب، فدعاه ادريس ليسأله عن وجع عرض له في أسنانه فأعطاه سنونا فيه سم كان معه، ثم هرب فطلب فلم يقدر عليه، ومات ادريس وصار مكانه ابن له يقال له ادريس أيضا.
قال الشاعر:
أتظنّ يا ادريس أنّك مفلت … كيد الخليفة أو يقيك حذار
إنّ السيوف إذا انتضاها سخطه … طالت وقصّر عندها الأعمار
وكان موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن ذا عارضة وبيان فأخذه المنصور ثم عفا عنه، وفيه يقول الشاعر:
إنك إمّا كنت جونا أترعا (١) … أخاف أن تضرهم وتنفعا
وتسلك العيس طريقا ميهعا … فردا من الأصحاب أو مشيّعا
وكان موسى آدم، وولدته أمه ولها ستون سنة، وكان موسى أحدث عينا فكره ذلك أصحاب الانضاح فقال:
يا ويحهم من هذه المسفوحة … إذا غدت أطباؤها (٢) مفتوحة
وأصبحت وجوههم مقبوحه
فقال له رجل من ولد مطيع من بني عدي بن كعب يقال له محمد بن
стр. 1225
اسماعيل: يا أبا حسن ما وفقت فيما صنعت وقلت، فقال له حسن: ومن أنت، انما أنت ذنب في قريش، فحلم عنه المطيعي وسكت فلم يجبه، ثم التقيا بعد ذلك فأحدّ موسى النظر إليه فقال المطيعي: أتحدّ النظر إلي وتستطيل بالخيلاء علي، أغرّك حلمي عنك وعفوي عما كان منك، ولخير لك أن تربع على ظلعك وتقيس فترك بشبرك وتعرف حالك من حال غيرك.
فقال له موسى: والله لما أعدّك ولا أعتدّ بك، والله إنك الغويّ الغبيّ القريب من كل سوء، البعيد من كل خير. وما ذكرك شبري وفتري، فان فتري من شبري، وشبري من فتري من كفّ رحبة الذراع، طويلة الباع يقيمها ما يقعدك، ويرفعها ما يخفضك، مهما جهلت مني فأني عالم بأني خير منك أما وأبا ونفسا. وإن رغم أنفك وتصاغرت إليك نفسك.
وكان موسى شاعرا حديت (١) عنده أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وهي التي يقال لها:
يعجبني من فعل كل مسلمه … مثل الذي تفعل أم سلمه
إقصاؤها عن زوجها كل أمه … لأنها قدما تسامي المكرمه
وكتب موسى إليها يأمرها بالشخوص إليه في العراق فأبت فكتب إليها:
إني زعيم أن أجئ بضرّة … فراسية فرّاسة للضرائر
فقال الربيع بن سليمان مولى محمد بن عبد الله بن حسن:
أبنت أبي بكر تكيد بضرة … لعمري لقد حاولت إحدى الكبائر
فكتب موسى إليها:
стр. 1226
لا تتركيني في العراق فإنها … بلاد بها أهل الخيانة والغدر
فإني زعيم أن أجئ بضرّة … مقابلة الأجداد طيّبة النّشر
إذا انتسبت من آل شيبان في الذرا … ومرّة لم تحفل بفضل أبي بكر
وكان جعفر بن الحسن بن الحسن أخو عبد الله بن الحسن وعم محمد وابراهيم من رجال بني هاشم ووجوههم، واختصم ولد الحسن والحسين في وصية علي فقال كل قوم هي فينا، فكان زيد بن علي بن الحسين يخاصم لولد الحسين، وكان جعفر بن الحسن يخاصم لولد الحسن.
وتزوج سليمان بن علي أم الحسن بن جعفر فولدت محمد وجعفرا ابني سليمان، ومات جعفر بالمدينة.
وكان بالرقة محمد بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن علي، وتلقب إبراهيم بن حسن طباطبا. وقدم أبو السرايا السري بن منصور الشيباني مفارقا لهرثمة بن أعين القائد في سبعمائة من قومه فدعاه محمد بن ابراهيم فأتاه فبايعه على الدعاء إلى الرضا من آل محمد.
وشخصا حتى دخلا الكوفة فصار أبو السرايا إلى قصر العباس بن موسى فأغلقوا دونه أبوابه ورمي ومن معه، وكان مع أبي السرايا رجل يكنى أبا الشوك فرمى خادما كان بين شرفتين فانقلب على رأسه، ودخلوا القصر فأخذوا ما كان فيه، وبايعه أهل الكوفة وذلك سنة تسع وتسعين ومائة، فوجه اليهم الحسن بن سهل وهو خليفة المأمون ببغداد، وكان ينزل الشماسية زهير بن المسيب الضبي في أربعة آلاف فهزمه أبو السرايا عند قنطرة الكوفة وأخذ ما كان معه، وصار زهير إلى بغداد.
ثم إن محمد بن ابراهيم الطالبي مات بالكوفة بعد قدومه إياها بأقل من شهر ويقال بأربعين ليلة.
стр. 1227
أمر الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉
قالوا كان الحسن أسنّ من الحسين بسنة ويقال بأقل منها، وكان الحسين يكنى أبا عبد الله، وكان شجاعا سخيا، وكان يشبّه بالنبي ﷺ ، إلاّ أن الحسن كان أشبه وجها بوجه رسول الله ﷺ منه، ويقال إنه كان يشبه رسول الله ﷺ من سرته إلى قدميه.
وقال رسول الله ﷺ : «حسين مني وأنا منه، أحبّ الله من أحبّ حسينا. حسين سبط من الأسباط».
حدثنا محمد بن مصفى الحمصي، ثنا العباس بن الوليد عن شعبة عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت لحسين بن علي:
ما تذكر من رسول الله؟ قال: أتي رسول الله ﷺ بتمر من تمر الصدقة فأخذت منه تمرة فجعلت ألوكها، فأخذها بلعابها حتى ألقاها في التمر وقال: «إن آل محمد لا تحل لهم الصدقة».
قال وكان يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الكذب ريبة، وإن الصدق طمأنينة.
стр. 1228
شبر وشبير ومشبر
حدثني هشام بن عمار، ثنا عيسى بن يونس، ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: سمع رسول الله ﷺ بكاء حسن أو حسين فقام فزعا فقال: «أيها الناس، الولد فتنة، لقد قمت إليه وما أعقل».
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن هانئ عن علي ﵇ قال: ولد لي ابن سميته حربا. فقال رسول الله ﷺ : ما سميتموه؟ قلنا: سميناه حربا. فقال: هو حسن. ثم ولد لي آخر فسميته حربا فقال رسول الله ﷺ : ما سميتموه؟ قلنا: حربا، قال:
هو حسين. ثم ولد لي ابن آخر فسميته حربا فقال رسول الله ﷺ ما سميتموه؟ قلنا: حربا. قال: هو محسن، إني سميت بنيّ هؤلاء بأسماء ولد هارون: شبر وشبير ومشبر.
فولد حسين: عليا الأكبر وأمه ثقفية، قتل بالطفّ، وكان يقاتل وهو يقول:
أنا عليّ بن الحسين بن علي … أنا وبيت الله أولى بالنبي
стр. 1229
من شمر وشبث وابن الدّعي وعليا الأصغر وهو الذي أعقب، وأمه أم ولد تسمى سلافة.
قال الزهري: ما رأيت قرشيا قط أفضل من علي بن الحسين، ومات بالمدينة وهو ابن ثماني وخمسين سنة ويقال ابن ستين ويكنى أبا محمد. وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين، ودفن بالبقيع، ويقال مات في سنة اثنتين وتسعين.
وفاطمة بنت الحسين، أمها أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله.
وسكينة، أمها الرباب بنت امرئ القيس، وقد ذكرنا أمرها فيما تقدم.
وكانت فاطمة بنت الحسين عند الحسن بن الحسن بن علي، ثم خلف عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان.
فولد علي بن الحسين: محمدا. وعبد الله. وحسينا، وأمهم أم عبد الله بنت الحسن بن علي. وعمرا وزيدا لأم ولد. وعليا وخديجة لأم ولد.
وأم موسى. وأم حسن. وكلثم. ومليكة، لأمهات أولاد شتى.
فولد محمد بن علي: جعفر. وعبد الله، وأمهما أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، فإلى جعفر بن محمد بن علي تنسب الجعفرية وهو أبو موسى بن جعفر. وكان يكنى أبا عبد الله ومات بالمدينة.
وأما عبد الله بن محمد فكان يلقب دورقا. مات بالمدينة وله عقب.
وأما زيد بن علي بن الحسين، فكان يكني أبا الحسين، قتل بالكوفة.
وكانت ميمونة بنت حسين بن زيد بن علي بن الحسين عند المهدي، وكان حسين بن زيد أعمى.
стр. 1230
وكان لزيد ابن يقال له عيسى، مات بالكوفة.
وأما علي بن علي بن الحسين فكان يلقب الأفطس وله عقب.
حدثني بكر بن الهيثم، حدثني علي بن عبد الله المديني عن سفيان بن عيينة، عن ابراهيم بن ميسرة، عن طاوس عن ابن عباس قال: استشارني الحسين في الخروج فقلت: والله لولا أن يزري ذلك بي وبك لنشبت يدي في رأسك. فقال: والله لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي هذه الحرمة غدا.
حدثني يوسف بن موسى، ثنا حكام، أنبأ عمرو بن معروف عن ليث عن مجاهد قال: قال علي وهو بالكوفة: كيف أنتم إذا أتاكم أهل بيت نبيكم يحمل قويهم ضعيفهم؟. قالوا: نفعل ونفعل. فحرّك رأسه ثم قال:
توردون ثم تعردون (١)، ثم تطلبون البراءة ولا براءة لكم.
قالوا: وكان الحسين بن علي منكرا لصلح الحسن معاوية فلما وقع ذلك الصلح دخل جندب بن عبد الله الأزدي والمسيب بن نجبة الفزاري، وسليمان بن صرد الخزاعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي على الحسين وهو قائم في قصر الكوفة يأمر غلمته بحمل المتاع ويستحثهم، فسلموا عليه فلما رأى ما بهم من الكآبة وسوء الهيئة، تكلم فقال: إن أمر الله كان قدرا مقدورا، إن أمر الله كان مفعولا. وذكر كراهته لذلك الصلح وقال: كنت طيّب النفس بالموت دونه ولكن أخي عزّهم علي وناشدني فأطعته وكأنما يحزّ أنفي بالمواسي ويشرّح قلبي بالمدى، وقد قال الله : ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا﴾