على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وذلك بعد شهرين ويقال ثلاثة أشهر من بيعته.
ثم سار الحسن فأتى دير كعب فبات به، ثم سار حتى أتى ساباط المدائن فنزل دون جسرها مما يلي ناحية الكوفة، فخطب الناس فقال: إني أرجو أن أكون أنصح خلف لخلقه، وما أنا محتمل على أحد ضغينة ولا حقدا ولا مريد به غائلة ولا سوءا، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا عليّ، غفر الله لي ولكم.
فنظر بعض الناس إلى بعض وقالوا: عزم والله على صلح معاوية وضعف وخار، وشدوا على فسطاطه فدخلوه وانتزعوا مصلاة من تحته وانتهبوا ثيابه، ثم شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقى متقلدا سيفه فدهش، ثم رجع ذهنه، فركب فرسه وأطاف به الناس فبعضهم يعجّزه ويضعّفه، وبعضهم ينحّي أولئك عنه ويمنعهم منه.
وانطلق رجل من بني أسد بن خزيمة من بني نصر بن الهون بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، ويقال له الجراح بن سنان وكان يرى رأي الخوارج إلى مظلم ساباط فقعد فيه ينتظره، فلما مر الحسن به دنا من دابته فأخذ بلجامها ثم أخرج مغولا (١) كان معه وقال: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، وطعنه بالمغول في أصل فخذه فشقّ في فخذه شقا كاد يصل إلى العظم، وضرب الحسن وجهه ثم اعتنقا وخرّا إلى الأرض، ووثب
стр. 1157
عبدك لام بن الحمل الطائي، وبعضهم يقول عبد الله بن الحصل فنزع المغول من يد الجراح وأخذ ظبيان بن عمارة التميمي بأنفه فقطعه، وضرب بيده إلى قطعة آجرة فشدخ بها وجهه ورأسه حتى مات.
وحمل الحسن إلى المدائن وعليها سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان عليّ ولاه إياها فأدخلوه منزله فأشار عليه المختار أن يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخى سنة، فأبى ذلك وقال للمختار: قبّح الله رأيك، أنا عامل أبيه وقد ائتمنني وشرفني، وهبني نسيت بلاء أبيه، أأنسى رسول الله ﷺ ولا أحفظه في ابن ابنته وحبيبه.
ثم إن سعد بن مسعود أتى الحسن بطبيب وقام عليه حتى برئ، وحوله إلى أبيض المدائن.
وتوجه معاوية إلى العراق واستخلف الضحاك بن قيس الفهري، وجدّ في المسير وقال: قد أتتني كتب أهل العراق يدعونني إلى القدوم عليهم فأومن بريئهم ويدفعون إليّ بغيتي، وأتتني رسلهم في ذلك فسيروا إليها أيها الناس فإن كدر الجماعة خير من صفو الفرقة، وكانوا يدعونه أمير المؤمنين.
ولما رأى عمرو جدّ معاوية في المسير واخذامه (١) إياه قال: قد علم معاوية والله أن الليث عليا قد هلك وغالته شعوب.
قالوا: ومر معاوية بالرقة ثم بنصيبين وهو يسكنّ الناس ويؤمّن من مر به، ثم أتى الموصل، ثم صار إلى الأخنونية فنزل بإزاء عبيد الله بن العباس، وأرسل عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلى عبيد الله وأصحابه أنّ كتب الحسن قد أتتني مع رسله يسألني فيها الصلح، وإنما
стр. 1158
جئت لذلك، وقد أمرت أصحابي بالكف عنكم فلا تعرضوا لهم حتى أفرغ مما بيني وبين الحسن، فكذبوه وشتموه.
ثم بعث معاوية بعد ذلك عبد الرحمن بن سمرة إلى عبيد الله فخلا به، وحلف له أن الحسن قد سأل معاوية الصلح، وجعل لعبيد الله ألف ألف درهم إن صار إليه.
فلما علم عبيد الله رأي الحسن وأنه إنما يقصد قصد الصلح، وحقن الدماء، صار إلى معاوية فأكرمه وبرّه، وحفظ له مسارعته إليه.
وقام بأمر الناس بعد عبيد الله، قيس بن سعد، وقال في عبيد الله قولا قبيحا، وذكر أخاه وما كان بينه وبين عليّ، ونسب عبيد الله إلى الخيانة والغدر والضعف والجبن، فبايع قيسا أربعة آلاف على الموت.
وظن معاوية أن مصير عبيد الله قد كسر الحسن فأمر بسر بن أبي أرطاة، وكان على مقدمته وناسا معه فصاحوا بالناس من جوانب العسكر فوافوهم وهم على تعبئة فخرجوا إليهم فضاربوهم، واجتمع إلى بسر خلق فهزمهم قيس وأصحابه.
وجاءهم بسر من الغد في الدهم فاقتتلوا فكشف بسر وأصحابه وقتل بين الفريقين قتلى، وعرض معاوية على قيس مثل الذي عرضه على عبيد الله فأبى، ثم بعث إليه ثانية فقال له: على ماذا تقتل نفسك وأصحاب الحسن قد اختلفوا عليه، وقد جرح في مظلم ساباط فهو لما به (١). فتوقف عن القتال ينظر ما يكون من أمر الحسن ففعل، وجعل وجوه أهل العراق يأتون معاوية فيبايعونه، فكان أول من أتاه خالد بن معمر فقال: أبايعك عن ربيعة كلها
стр. 1159
ففعل، وبايعه عفاق بن شرحبيل بن رهم التيمي فلذلك يقول الشاعر:
معاوي أكرم خالد بن المعمر … فإنك لولا خالد لم تؤمّر
وبلغ ذلك الحسن فقال: يا أهل العراق، أنتم الذين أكرهتم أبي على القتال والحكومة ثم اختلفتم عليه، وقد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه، فحسبي منكم لا تغرّوني في ديني ونفسي.
قال المدائني: وكتب معاوية إلى قيس يدعوه إلى نفسه وهو بمسكن في عشرة آلاف فأبي أن يجيبه، ثم كتب إليه: إنما أنت يهودي بن يهودي، إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك واستبدل بك وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك ونكّل بك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل فخذله قومه، وأدركه يومه فهلك بحوران طريدا والسّلام.
فكتب إليه قيس بن سعد بن عبادة: أما بعد يا معاوية، فإنما أنت وثن بن وثن من أوثان مكة، دخلت في الإسلام كرها، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك. وقد كان أبي وتر قوسه ورمى غرضه فاعترض عليه من لم يبلغ كعبه ولم يشقّ غباره، وكان أمرا مرغوبا عنه مزهودا فيه، ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي صرت إليه. فقال له عمرو: أجبه. فقال: أخاف أن يجيبني بما هو شر من هذا.
قالوا: ووجّه معاوية إلى الحسن عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فقال ابن عامر: اتّق الله في دماء أمة محمد أن تسفكها لدنيا تصيبها وسلطانا تناله لعل أن يكون متاعك به قليلا، إن معاوية قد لجّ، فنشدتك الله أن تلجّ فيهلك الناس بينكما، وهو يوليك الأمر من بعده، ويعطيك كذا.
стр. 1160
وكلّمه عبد الرحمن بن سمرة بمثل كلام عبد الله أو نحوه، فقبل ذلك منهما، وبعث معهما عمرو بن سلمة الهمداني ثم الأرحبي ومحمد بن الأشعث الكندي ليكتبا على معاوية الشرط ويعطياه الرضى.
فكتب معاوية كتابا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي أبي سفيان، إني صالحتك على أن لك الأمر من بعدي، ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد ﷺ وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد، لا أبغيك غائلة ولا مكروها، وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت المال، وعلى أن لك خراج فسا، ودرأبجرد، تبعث إليهما عمالك وتصنع بهما ما بدالك».
شهد عبد الله بن عامر، وعبد الله بن سلمة الهمداني وعبد الرحمن بن سمرة ومحمد بن الأشعث الكندي. وكتب في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين.
فلما قرأ الحسن الكتاب قال: يطمعني معاوية في أمر لو أردت لم أسلمه إليه.
ثم بعث الحسن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمه هند بنت أبي سفيان فقال له: ائت خالك فقل له إن أمنت بالناس بايعتك، فدفع معاوية إليه صحيفة بيضاء قد ختم في أسفلها وقال:
اكتب فيها ما شئت، فكتب الحسن:
стр. 1161
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
«هذا ما صالح عليه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين، على أن يعمل فيها بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، وعلى أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى والناس آمنون حيث كانوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وعلى أن لا يبغي الحسن بن علي غائلة سرا ولا علانية، ولا يخيف أحدا من أصحابه».
شهد عبد الله بن الحارث. وعمرو بن سلمة.
وردهما إلى معاوية ليشهدا ويشهدا عليه.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن رجل من قريش قال:
رأى رسول الله ﷺ الحسن فقال: سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين.
قالوا: وشخص معاوية من مسكن إلى الكوفة فنزل بين النخيلة ودارا لرزق، معه قصاص أهل الشام وقراؤهم، فقال كعب بن جعيل التغلبي:
من جسر منبج أضحى غبّ عاشرة … في نخل مسكن تتلى حوله السّور
قالوا: ولما أراد الحسن المسير من المدائن إلى الكوفة حين جاءه ابن عامر وابن سمرة بكتاب الصلح وقد أعطاه فيه معاوية ما أراد، خطب فقال في خطبته: ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١)، وسار إلى الكوفة، فلقي معاوية بالكوفة فبايعه، وبايعه عمرو بن سلمة الهمداني، فقال له معاوية: يا حسن - أو يا أبا محمد - قم فاعتذر، فأبى، فأقسم عليه فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ أكيس الكيس التّقى، وأحمق الحمق
стр. 1162
الفجور. أيها الناس انكم لو طلبتم بين جابلق وجابرس رجلا جدّه رسول الله ﷺ ما وجدتموه غيري، وغير أخي الحسين، وإن الله قد هداكم بأولنا محمد وإن معاوية نازعني حقّا هو لي فتركته لصلاح الأمة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن أسالمه وقد بايعته، ورأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها، وأردت صلاحكم وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، ﴿وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (١)، ثم سكت وتفرق الناس.
ويقال أن معاوية قال للحسن: يا أبا محمد انك قد جدت بشيء لا تطيب أنفس الرجال بمثله، فاخرج إلى الناس فأظهر ذاك لهم. فقام فقال:
إن اكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور، إنّ هذا الأمر الذي سلمته لمعاوية إما أن يكون حقّ رجل كان أحقّ به مني فأخذ حقّه، وإما أن يكون حقي فتركته لصلاح أمة محمد وحقن دمائها، فالحمد لله الذي أكرم بنا أوّلكم، وحقن دماء آخركم.
حدثني أحمد بن سلمان الباهلي عن عبد الله بن بكر السهمي عن حاتم بن أبي صغيرة عن عمرو بن دينار قال: خطب الحسن حين صالح معاوية فقال: أيها الناس، إني كنت أكره الناس لأول هذا الأمر، وإني أصلحت آخره إما لذي حق أديت إليه حقه، وإما لجور حق بي التمست به صلاح أمر أمة محمد، وإنك قد وليت هذا الأمر يا معاوية لخير علمه الله منك أو شرّ أراده بك ﴿وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾.
قالوا وجاء هانيء بن خطاب الهمداني إلى معاوية فقال: أبايعك على
стр. 1163
كتاب الله وسنة نبيه، فقال: لا شرط لك، قال: وأنت أيضا فلا بيعة لك.
ثم قال معاوية: إذن فبايع فما خير شيء ليس فيه كتاب الله وسنة نبيه، فبايعه. وكندة تقول إن الذي قال هذا القول سعيد بن الأسود بن جبلة الكندي.
قالوا: ثم قام معاوية فخطب الناس فقال في خطبته: ألا إني شرطت في الفتنة شروطا أردت بها الألفة ووضع الحرب، ألا وإنها تحت قدمي، فقال المسيب بن نجبة الفزاري للحسن: بايعت معاوية ومعك أربعون ألفا ولم تأخذ لنفسك منه ثقة، قد سمعت كلامه والله ما أراد بما قال غيرك.
وقام سفيان بن ليل إلى الحسن فقال له: يا مذلّ المؤمنين، وعاتبه حجر ابن عدي الكندي وقال: سودت وجوه المؤمنين، فقال له الحسن: ما كل أحد يحب ما تحب، ولا رأيه كرأيك، وإنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم.
ويقال إنه قال له: سمعت أبي يقول: يلي هذا الأمر رجل واسع البلعوم كثير الطعم، وهو معاوية، ثم إن الحسن شخص إلى المدينة وشيّعه معاوية إلى قنطرة الحيرة.
وخرج على معاوية خارجي فبعث إلى الحسن من لحقه بكتاب يأمره فيه أن يرجع فيقاتل الخارجي وهو ابن الحوساء الطائي، فقال الحسن: تركت قتالك وهو لي حلال لصلاح الأمة وألفتهم، افتراني أقاتل معك؟ وكان لحاقه إياه بالقادسية.
قالوا: وخطب معاوية أيضا بالنخيلة فقال: إني نظرت فعلمت أنه لا يصلح الناس إلا ثلاث خصال: إتيان العدو في بلاده فإنكم إن لم تأتوه أتاكم، وهذا العطاء والرزق أن يقسم في أيامه، وأن يقيم البعث القريب
стр. 1164
ستة أشهر والبعيد سنة وأن تستجم (١) بلاد إن جمدت خربت، وقد كنت شرطت شروطا ووعدت عداة ومنيت أماني لما أردت من إطفاء نار الفتنة وقطع الحرب ومداراة الناس وتسكينهم.
ثم نادى بأعلى صوته: ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يخرج فيبايع، ألا وإني طلبت بدم عثمان قتل الله قاتليه، ورد الأمر إلى أهله على رغم معاطس أقوام، ألا وإنا قد أجلناكم ثلاثا فمن لم يبايع فلا ذمة له، ولا أمان له عندنا.
فأقبل الناس يبايعون من كل أوب، وكان زياد يومئذ عاملا لعلي فلما بلغه أن ابن عامر قد ولي البصرة هرب فاعتصم بقلعة بفارس.
قالوا وولى معاوية عبد الله بن عامر البصرة، والمغيرة بن شعبة الكوفة، ومضى إلى الشام، فوجه الحسن عماله إلى فسا ودر أبجرد، وكان معاوية قد أمر ابن عامر أن يغري أهل البصرة بالحسن فضجوا وجعلوا يقولون قد انقصت أعطياتنا بما جعل معاوية للحسن، وهذا المال مالنا فكيف يصرف إلى غيرنا، ويقال إنهم طردوا عماله في الكورتين فاقتصر معاوية بالحسن على ألفي ألف درهم من خراج أصبهان وغيرها، فكان حضين بن المنذر الرقاشي أبو ساسان يقول: ما وفى معاوية للحسن بشيء مما جعل، قتل حجرا وأصحابه، وبايع لابنه ولم يجعلها شورى، وسمّ الحسن.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه، عن أبي مخنف، عن أبي الكنود عبد الرحمن بن عبيد قال: لما بايع الحسن بن علي معاوية أقبلت الشيعة تتلاقى باظهار الأسف والحسرة على ترك القتال، فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية فقال له سليمان بن صرد الخزاعي: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية
стр. 1165
ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد ولا حظا من العطية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتابا بأن الأمر لك من بعده كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك أشياء بينك وبينه ثم لم يف به، ثم لم يلبث أن قال على رؤوس الناس: إني كنت شرطت شروطا ووعدت عداة إرادة لإطفاء نار الحرب ومداراة لقطع هذه الفتنة، فأما إذا جمع الله لنا الكلمة والإلفة وآمننا من الفرقة فإن ذلك تحت قدمي، فو الله ما اغترني بذلك إلا ما كان بينك وبينه وقد نقض، فإذا شئت فأعد الحرب جذعة، وأنذر لي في تقدمك إلى الكوفة، فأخرج عنها عامله وأظهر خلعه وتنبذ إليه ﴿عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ (١).
وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان، فقال الحسن: أنتم شيعتنا وأهل مودتنا، فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أربض وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، ولا أشد شكيمة ولا أمضى عزيمة، ولكني أرى غير ما رأيتم. وما أردت فيما فعلت إلا حقن الدم، فارضوا بقضاء الله وسلّموا لأمره، والزموا بيوتكم وأمسكوا - أو قال: كفّوا أيديكم - حتى يستريح برّ أو يستراح من فاجر.
حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ومحمد بن حاتم المروزي قالا: ثنا أبو داود صاحب الطيالسة عن شعبة عن يزيد بن حمير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قلت للحسن إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة
стр. 1166
فقال: كانت جماجم العرب بيدي يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله، ثم أريدها بأهل الحجاز؟! وقال أحدهما: بأتياس الحجاز.
حدثني أحمد بن أبراهيم الدورقي، ثنا وهيب بن جرير عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: لما قتل علي بن أبي طالب، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة، سار معاوية بالناس إلى العراق وسار الحسن بن علي بمن معه من أهل الكوفة، ووجّه عبيد الله بن العباس وقيس بن سعد بن عبادة في جيش عظيم حتى نزلوا مسكن من أرض العراق، وقد رقّ أمر الحسن، وتواكل فيه أهل العراق، فوثبوا عليه فانتزع رداؤه عن ظهره، وأخذ بساطه من تحته، وخرق سرادقه. فأرسل عبيد الله بن عباس إلى عبد الله بن عامر يأمره أن يأتيه إذا أمسى بأفراس حتى يصير معه إلى معاوية فيصالحه ففعل، فلحق عبيد الله بمعاوية وترك جنده لا أمير لهم، وفيهم قيس بن سعد فقام بأمر أولئك الجند، وجعل معاوية يرسل إليه أربعين ليلة يسأله أن يبايعه فيأبى حتى أراد معاوية قتاله، فقال له عمرو بن العاص: إنك لن تخلص إلى قتل هؤلاء حتى تقتل أعدادهم من أهل الشام، فصار إلى أن أعطاه ما أراد من الشروط لنفسه ولشيعته، ثم دخل قيس في الجماعة ومن معه وبايعه.
ولم يزل معاوية بالحسن حتى بايعه وأعطاه كل ما ابتغى، حتى قيل إنه أعطاه عيرا أولها بالمدينة وآخرها بالشام، وصعد معاوية منبر الكوفة فقال للوليد بن عقبة يذكر قوله حين استبطأه في حرب علي:
ألا أبلغ معاوية بن حرب … فإنك من أخي ثقة مليم
يا أبا وهب كيف رأيت أهل المت؟
стр. 1167
حدثني أحمد بن أبراهيم، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا أبي قال:
سمعت محمد بن سيرين يقول: لما بلغ الحسن معاوية، ركب الحسن إليه في عسكره وأردف قيس بن سعد بن عبادة خلفه، فلما دخلا العسكر قال الناس: جاء قيس، فلما دخلا على معاوية بايعه الحسن ثم قال لقيس: بايع.
فقال قيس بيده هكذا، وجعلها في حجره ولم يرفعها إلى معاوية ومعاوية على السرير، فبرك معاوية على ركبتيه ومد يده حتى مسح على يد قيس وهي في حجره، قال إلي.
وحكى لنا محمد صنيعه وجعل يضحك. وكان قيس رجلا جسيما.
حدثنا خلف بن سالم، ثنا وهب قال: قال أبي، وأحسب رواه عن الحسن البصري قال: لما بايع أهل الكوفة الحسن أطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لأبيه، واجتمع له خمسون ألفا، فخرج بهم حتى أتى المدائن، وسرح بين يديه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في عشرين ألفا، فنزل بمسكن، وأقبل معاوية من الشام في جيش، ثم إن الحسن خلا ناحية الحسين فقال: يا هذا إني نظرت في أمري فوجدتني لا أصل إلى الأمر حتى يقتل من أهل العراق والشام من لا أحب أن احتمل دمه، وقد رأيت أن أسلّم الأمر إلى معاوية فأشاركه في إحسانه ويكون عليه إساءته، فقال الحسين: أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباك وطعن عليه ورغب عن أمره، فقال: إني لا أرى ما تقول، ووالله لئن لم تتابعني لأشدنّك في الحديد فلا تزال فيه حتى أفرغ من أمري. قال: فشأنك، فقام الحسن خطيبا فذكر رأيه في الصلح والسلم لما كره من سفك الدماء وإقامة الحرب فوثب عليه أهل الكوفة وانتهبوا ماله وخرقوا سرادقه وشتموه وعجزوه ثم انصرفوا عنه ولحقوا بالكوفة، فبلغ الخبر
стр. 1168
قيسا فخرج إلى أصحابه فقال: يا قوم إن هؤلاء القوم كذبوا محمدا وكفروا به ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، فلما أخذتهم الملائكة من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم دخلوا في الإسلام كرها وفي أنفسهم ما فيها من النفاق، فلما وجدوا السبيل إلى خلافه أظهروا ما في أنفسهم، وإن الحسن عجز وضعف وركن إلى صلح معاوية، فإن شئتم أن تقاتلوا بغير إمام فعلتم، وإن شئتم أن تدخلوا في الفتنة دخلتم، قالوا: فإنا ندخل في الفتنة، وأعطى معاوية حسنا ما أراد في صحيفة بعث بها إليه مختومة اشترط الحسن فيها شروطا فلما بايع معاوية لم يعطه مما كتب شيئا، فانصرف الحسن إلى المدينة ومعاوية إلى الشام.
قالوا: ولما صالح الحسن معاوية وثب حمران بن أبان فأخذ البصرة، وأراد معاوية أن يبعث إليها رجلا من أهل الشام من بلقين فكلمه عبيد الله بن عباس في ذلك فأمسك.
وولى عتبة بن أبي سفيان البصرة فقال له ابن عامر: ان لي بها أموالا وودائع فإن لم تولنيها ذهبت بولاة البصرة.
وحدثني أبو مسعود عن ابن عون عن أبيه قال: لما ادعى معاوية زيادا وولاه، طلب زياد رجلا كان دخل في صلح الحسن وأمانه، فكتب الحسن فيه إلى زياد ولم ينسبه إلى أب، فكتب إليه زياد: أما بعد فقد أتاني كتابك في فاسق يؤوي مثله الفساق من شيعتك وشيعة أبيك، وأيم الله لأطلبنّه ولو بين جلدك ولحمك فإن أحبّ لحم إلي آكله للحم أنت منه.
فلما قرأ الحسن الكتاب قال: كفر زياد، وبعث بالكتاب إلى معاوية فلما قرأه غضب فكتب إليه: أما بعد يا زياد فإن لك رأيين، رأي أبي سفيان ورأي
стр. 1169
سميه، فأما رأيك من أبي سفيان فحزم وحلم، وأما رأيك من سمية فما يشبهها فلا تعرض لصاحب الحسن فإني لم أجعل لك عليه سبيلا، وليس الحسن مما يرمي به الرجوان (١)، وقد عجبت من تركك نسبه إلى أبيه أفإلى أمه، وكلته وهي فاطمة بنت رسول الله، فالآن اخترت له والسّلام.
وقال أبو مخنف: بويع الحسن في شهر رمضان سنة أربعين، وصالح معاوية في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين فكان أمره ستة أشهر وأياما.
وقال الواقدي وغيره: وكان صالح الحسن في سنة إحدى وأربعين واجتمع الناس على معاوية في هذه السنة قالوا: وطال مرض الحسن بعد قدومه المدينة من العراق حتى قيل إنه السل.
ثم إنه شرب شربة عسل فمات منها، ويقال إنه سم أربع دفعات فمات في أخراهنّ، وأتاه الحسين وهو مريض فقال له: أخبرني من سقاك السم؟ قال: لتقتله؟ قال: نعم. قال: ما أنا بمخبرك إن كان صاحبي الذي أظن فالله أشد له نقمة وإلا فو الله لا يقتل بي برئ.
وقد قيل أن معاوية دس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس امرأة الحسن، وأرغبها حتى سمّته وكانت شانئة له.
وقال الهيثم بن عدي: دس معاوية إلى ابنة سهيل بن عمرو امرأة الحسن مائة ألف دينار على أن تسقيه شربة بعث بها إليها ففعلت.
وحدثني روح بن عبد المؤمن قال حدثني عمي عن أزهر بن عون قال:
خرج الحسن بن علي على من كان يجالسه فقال: لقد لفظت الساعة طائفة من
стр. 1170
كبدي أقلّها هذا العود، ولقد سقيت السم غير مرة وما سقيته أشد من مرّتي هذه. ثم دخل عليه من الغد وهو يكيد بنفسه.
стр. 1171
وفاة الحسن بن علي ﵇
المدائني عن سلام بن مسكين عن عمران الخزاعي قال: رأى الحسن في منامه كأنه كتب على جبهته: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ﴾ السورة فقال أهله هذه الخلافة، فسئل سعيد بن المسيب فقال: يموت، لأن القرآن حق فهذا مصير إلى الحق. فمات بعد ثلاث.
حدثنا حفص بن عمر الدوري المقرئ عن عباد بن عباد عن هشام بن عروة عن أبيه قال قال الحسن حين حضرته الوفاة: ادفنوني عند قبر رسول الله ﷺ إلا أن تخافوا أن يكون في ذلك شر، فإن خفتم الشر فادفنوني عند أمي.
وتوفي فلما أرادوا دفنه أبى ذلك مروان وقال: لا يدفن عثمان في حش كوكب ويدفن الحسن ههنا. فاجتمع بنو هاشم وبنو أمية فأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاؤوا بالسلاح فقال أبو هريرة لمروان: يا مروان أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول له ولأخيه حسين:
«هما سيدا شباب أهل الجنة». فقال مروان: دعنا عنك، لقد ضاع حديث
стр. 1172
رسول الله ان كان لا يحفظه غيرك وغير أبي سعيد الخدري إنما أسلمت أيام خيبر، قال: صدقت، أسلمت أيام خيبر، إنما لزمت رسول الله ﷺ فلم أكن أفارقه، وكنت أسأله وعنيت بذلك حتى علمت وعرفت من أحبّ ومن أبغض ومن قرّب ومن أبعد، ومن أقرّ ومن نفى، ومن دعا له ومن لعنه.
فلما رأت عائشة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشر بينهم وتسفك الدماء قالت: البيت بيتي ولا آذن أن يدفن فيه أحد.
وقال محمد بن علي لأخيه: يا أخي إنه لو أوصى أن يدفن لدفناه أو نموت قبل ذلك، ولكنه قد استثنى فقال: إلا أن تخافوا الشر، فأي شر أشد مما ترى؟ فدفن بالبقيع إلى جنب أمه.
ويقال إن الحسن أوصى أن يدفن مع النبي ﷺ فأظهر الحسين ذلك قبل موت الحسن، فأنكره مروان بن الحكم وكتب بقول الحسين إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: إذا مات الحسن فامنع من ذلك أشد المنع كما منعنا من دفن عثمان مع النبي ﷺ .
فأتى الحسين الحسن فأخبره بذلك فقال: يا أخي اجتنبت القتال في حياتي، أفتريد أن يكون ذلك عند سريري؟ فضمن له ألا يفعل.
ويقال إنه لم يجر بينه وبين الحسين في ذلك شيء، فلما توفي أراد الحسين دفنه مع النبي ﷺ فمنعه مروان من ذلك، وكاد أن يكون بين الحسين وبينه في ذلك شر فأمسك.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح قال: قدم معاوية مكة فلقيه ابن عباس فقال له معاوية: عجبا للحسن شرب عسلة طائفية فما روته، فمات منها، فقال ابن عباس: لئن هلك الحسن فلن ينسأ في
стр. 1173
أجلك، قال وأنت اليوم سيد قومك. قال: أما ما بقي أبو عبد الله فلا.
المدائني عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: لقي معاوية ابن عباس بمكة فعزّاه عن الحسن فقال: لا يسوءك الله يا أبا العباس. فقال:
لن يسوءني الله ما أبقاك يا أمير المؤمنين، فأمر له بمائة ألف درهم وأكثر من ذلك وبكسوة.
وسمعت من يحدث أن وفاة الحسن أتت معاوية وعنده ابن عباس، فقال له: عجبت للحسن، شرب عسلة بماء رومة فمات، وعزى ابن عباس عنه فقال: لا يسوءك الله، وقال ابن عباس: لا يسوءني الله يا أمير المؤمنين ما أبقاك، فأمر له بألف ألف درهم.
قالوا: وكانت وفاة الحسن سنة تسع وأربعين، ويقال سنة خمسين، لخمس خلون من شهر ربيع الأول، وزعم بعضهم أنه توفي سنة إحدى وخمسين.
قالوا: ودفن الحسن بالبقيع، وصلى عليه سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، وكان واليا على المدينة.
وقال أبو مخنف: منع مروان من دفن الحسن مع رسول الله ﷺ حتى كاد يكون بين الحسين وبينه قتال، واجتمع بنو هاشم وبنو المطلب ومواليهم إلى الحسين، وقال أبو سعيد الخدري وأبو هريرة لمروان: تمنع الحسن من أن يدفن مع جده وقد قال رسول الله ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»؟ فقال مروان: لقد ضاع حديث رسول الله ﷺ إن كان لا يرويه إلا مثلك ومثل أبي هريرة. فدفن بالبقيع، وكان للحسن يوم توفي سبع وأربعون سنة وأشهر.
стр. 1174
وقال الواقدي: توفى الحسن في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين، وهو ابن سبع وأربعين سنة ودفن بالبقيع، وصلى عليه سعيد بن العاص.
وحدثت عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن بن علي أخرجوا جنازته فحمل مروان سريره، فقال له الحسين: أتحمل سريره، أما والله لقد كنت تجرّعه الغيظ. فقال مروان: إني قد أفعل ذاك بمن يوازن حلمه الجبال.
وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا أبي قال: سمعت النعمان بن أسد يحدث عن الزهري قال: بويع الحسن بعد أبيه فقال لأصحابه في بيعته: تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت، فلما سمعوا شرطه ارتابوا فطعنه رجل طعنة أشوته، فازداد لهم بغضا ومنهم ذعرا، وأرسل إلى معاوية بكتاب شرط اشترطه وفيه: إن أعطيتني ما فيه بايعتك.
وكان معاوية بعث الى الحسن بصحيفة بيضاء مختومة في أسفلها، فقال: اكتب فيها ما شئت. فكتب الحسن فيها ما أراد. ثم إن عمرو بن العاص أمر معاوية أن يأمر الحسن بالخطبة فأمره فقال الحسن بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أما بعد فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دار زوال، وقال الله: ﴿وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾.
ثم إن الحسن لحق بالمدينة وقال معاوية لعمرو بن العاص: اكفني الكوفة. قال: فكيف ترى في مصر؟ قال: ابعث عليها ابنك.
وقدم المغيرة بن شعبة الثقفي عليه، وكان مقيما بالطائف معتزلا أمر
стр. 1175
الناس فقال لمعاوية: أتؤمّر عمرا على الكوفة وابنه على مصر فتكون كالقاعد بين لحيي الأسد! قال: فما ترى؟ قال: انا أكفيك الكوفة. قال: نعم ما رأيت. وبلغ عمرا ذلك فقال لمعاوية: ألا أدلك على أمير للكوفة؟ قال:
بلى. قال: المغيرة بن شعبة، ولّه واستعن برأيه وقوة مكيدته، واعزله عن الخراج والمال فقد كان عمر، وعثمان فعلا به ذلك. فقال معاوية: نعم ما رأيت.
ودخل المغيرة على معاوية فقال له: إني قد كنت جمعت لك الجند والمال، ثم ذكرت أن الخليفتين قبلي كانا يوليانك الجند ويعزلان عنك الخراج. فخرج المغيرة فقال لأصحابه: قد عزلت عن الخراج وهذا رأي لم يغب عنه أبو عبد الله، يعني عمرو بن العاص، ويقول أنه من مشورته.
стр. 1176
مرثية الامام حسن
قال بعض الرواة: رثى سليمان بن قتة الحسن فقال:
يا كذّب الله من نعى حسنا … ليس لتكذيب قوله ثمن
أجول في الدار لا أرى في الدّ … ار أناس جوارهم عبن (١)
كنت خليلي وكنت خالصتي … لكل حيّ من أهله سكن
بدلتهم منك ليت أنّهم … أمسوا وبيني وبينهم عدن
وقال هشام بن الكلبي: هذا لعلي بن ثابت بن يزيد بن وديعة الأنصاري في ابنه.
وقال النجاشي الحارثي الشاعر:
يا جعد بكيّه ولا تسأمي … بكاء حقّ ليس بالباطل
على ابن بنت الطاهر المصطفى … وابن عم المصطفى الفاضل
كان إذا شبّت له ناره … يوقدها بالشرف القابل
كيما يراها يائس مرمل … أو ذو اغتراب ليس بالآهل
لن تغلقي بابا على مثله … في الناس من حاف ولا ناعل
стр. 1177
نعم فتى الهيجاء يوم الوغى … والسيّد القائل والفاعل
وقال رجل من غطفان:
بنو حسن كانوا مناخ ركابنا … قديما وما كنا ابن عمران نتبع
وقال أبو اليقظان: قال شاعر من همدان:
أتاني فوق الغال من أرض مسكن … بأنّ إمام الحق أمسى مسالما
فما زلت مذ نبّيته بكآبة … أراعي النجوم خاشع الطرف واجما
فراجعت نفسي ثم قلت لها اصبري … فإن الإمام كان بالله عالما
وقالت أم الهيثم بن الأسود:
أقرّ عيني أن جاءت مقلدة … خيل الشآمين في أعناقها الخرق
فحملن كلّ فتى حلو شمائله … بمثله تدرك الأوتار والحنق
قال أبو اليقظان وغيره: ولد الحسن بن علي ﵉: حسنا، أمه خولة بنت منظور بن زبان بن سيار الفزاري، وأمها مليكة بنت خارجة بن سنان المرّية، وهو الذي قال: إن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصيناه فابغضونا، فلو كان الله نافعا أحدا بقرابته من النبي ﷺ لنفع بذلك أباه وأمه. قولوا فينا بالحق ودعوا الغلو.
وزيد بن الحسن الذي يقول فيه الشاعر:
وزيد ربيع الناس في كل شتوة … إذا أخلفت أنواؤها ورعودها
حمول لأسياق الدّيات كأنّه … سراج الدّجى إذ قارنته سعودها
وفيه يقول قدامة، أحد بني جمح:
إن يكن زيد غالت الأرض شخصه … فقد بان معروف هناك وجود
وأم الحسن كانت عند عبد الله بن الزبير وأمهما أم بشير بنت أبي مسعود البدري.
стр. 1178
وحسينا الأثرم. وعبد الله أمهما ظمياء أم ولد.
وأبا بكر وعبد الرحمن. والقاسم، أمهم أم ولد ولا بقية لهم.
وطلحة بن الحسن أمه أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، وأمها ابنة قسامة طائيّة.
وعمرو بن الحسن، أمه ثقفية، ويقال أم ولد.
وأم عبد الله لأم ولد، تزوجها علي بن الحسين.
وكان الحسن بن حسن بن علي وصي أبيه، وولي صدقة عليّ فسأله الحجاج بن يوسف وهو على المدينة أن يدخل عمر بن علي في الوصية فأبى، ثم قدم الحسن على عبد الملك بن مروان فرحب به، وكان الحسن قد أسرع إليه الشيب فقال له عبد الملك: لقد أسرع إليك الشيب فقال يحيى بن الحكم: شيّبته أماني أهل العراق الذين يقدمون عليه كل عام يمنّونه الخلافة. فقال له: ليس كما قلت. ولكنا أهل بيت يسرع إلينا الشيب.
فسأله عما قدم له فأخبره بما سأله الحجاج فكتب إليه أن يمسك عنه ووصله، فلقي يحيى بن الحكم فقال له: ما حملك على ما قلت؟ فقال:
النظر لك. والله لولا فرقه منك ما قضى حاجتك.
فولد الحسن بن الحسن بن علي: عبد الله بن حسن بن حسن.
وحسن بن حسن بن حسن.
وابراهيم بن حسن. مات ببغداد، وأمهم فاطمة بنت الحسين بن علي.
وقدم على الحسن بن الحسن بعض أخواله فقال له: من عندك من النساء؟ قال: ابنة عمي الحسين. قال: ومالك ولبنات العم؟ إنهنّ
стр. 1179
يضوين (١) وإن الغرائب أنجب، اعرض علي بنيك، فدعا بعبد الله فقال:
هذا سيد. ثم دعا بالحسن بن الحسن بن الحسن فقال: ولا بأس، ثم دعا بابراهيم بن الحسن فلما رآه قال: حسبك منها.
وجعفر بن الحسن بن الحسن. وداود، أمهما أم ولد.
ومحمد بن الحسن بن الحسن، أمه رملة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
فولد عبد الله بن حسن بن حسن بن علي: محمد. وابراهيم.
وادريس مات بإفريقية. وموسى، أمهم هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن المطلب بن أسد بن عبد العزى.
وعيسى أمه عاتكة بنت عبد الملك بن الحارث بن خالد المخزومي ويحيى، أمه ركيح بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة.
وحدثت أن حسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن كان متغيبا من المهدي أمير المؤمنين، فبينا هو يطوف إذ عرضت له فاطمة بنت محمد بن عبد الله بن حسن في ستاره، فقالت: يا أمير المؤمنين، اسألك بقرابتك من رسول الله ﷺ لمّا أمنت زوجي. قال: ومن أنت؟ قالت:
فاطمة بنت محمد بن عبد الله، وزوجي الحسن بن إبراهيم. قال: وأين هو؟ قالت: معي. فأمنه وأخذ بيده حين فرغ من طوافه ثم خلا به.
فأما عبد الله بن حسن فكان ذا عارضة ونفس أبية، وكان يسأل الوالي الحاجة فإذا رده عنها لم يزل يعمل في أمره حتى يعزله ولم يمت حتى بلغت غلته مائة ألف، وكان يقال لولد حسن بن حسن خلاّء البلاد.
стр. 1180
وحدثني أبو مسعود الكوفي قال: كان عبد الله بن حسن يقول لابنه:
إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم فيها مكر حليم أو مباداة جاهل.
وكان عبد الله يرشح ابنيه محمدا وابراهيم للخلافة من قبل أن يستخلف أمير المؤمنين أبو العباس. ويسميّ محمدا ابنه المهدي والنفس الذكية.
ويروي ذلك له المغيرة مولى بجيلة الذي ينتسب إليه المغيرية، وبيان التبان وكانا يكفّران أصحاب محمد بن علي بن الحسين. فقال أبو هريرة العجلي - وكان أبو هريرة من شيعة محمد بن علي بن الحسين-:
أبا جعفر أنت الإمام نحبه … ونرضى الذي يرضى به ونبايع
أتتنا رجال يحملون عليكم … أحاديث قد ضاقت بهن الأضالع
أحاديث أفشاها المغيرة عنكم … وشرّ الأمور المحدثات البدائع
وكان بيان خرج على خالد بن عبد الله القسري داعيا لمحمد بن عبد الله بن الحسن، وخالد على العراق فأدهشه خروجه، فقال: أطعموني ماء. ووجه إليه الخيل فأخذ بيان وأتي به خالدا فقتله وصلبه.
ثم خرج المغيرة عليه بعد بيان فأخذه فقتله وصلبه بحيال بيان فقال الشاعر لخالد:
وقلت لما أصابك أطعموني … شرابا ثم بلت على السرير
إذا ذكر الكرام بيوم خير … فأير في حرامّك من أمير
وقد قيل أيضا أن المغيرة استخفى بعد قتل بيان، فدلّ خالد عليه فأخذه وصلبه فقال الشاعر:
طار التجاور من بيان واقفا … ومن المغيرة عند جسر العاشر
стр. 1181
قالوا: ولما قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك. وكانت الفتنة، كتب الفضل بن عبد الرحمن بن عياش بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب إلى عبد الله بن الحسن:
دونك أمر قد بدت أشراطه … وريشت من نبله أمراطه
إن السبيل واضح صراطه … لم يبق إلا السيف واختراطه
فدعا عبد الله بن الحسن قوما من أهل بيته إلى بيعة ابنه محمد، وأتى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فأراده على أن يبايع لمحمد فأبى وقال:
اتق الله يا أبا محمد وأبق على نفسك وأهلك فإن هذا الأمر ليس فينا، وإنما هو في ولد عمنا العباس، فإن أبيت فادع إلى نفسك فأنت أفضل من ابنك.
فأمسك ولم يجبه.
واستتر محمد بن عبد الله وقد بايعه قوم من أهل بيته ومن قريش، وكان يخرج إلى البادية فيطيل المقام بها ثم يظهر أحيانا ويستتر أحيانا، فلم يزل على ذلك حتى بويع أبو العباس أمير المؤمنين ومحمد يومئذ في بلاد غطفان عند آل أرطاة بن شبيب، وجعل يتنقل بالبادية، وتسمّى المهدي.
وكان مروان بن محمد بن مروان يخوف من محمد بن عبد الله فيقول:
لا تهيجوه فليس هو بالذي يخاف ظهوره علينا.
قالوا: ولما بويع أبو العباس وظهر أمره استخفى محمد، وتمارض أبوه وأظهر أن ابنه محمدا قد مات، وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن الحسن يأمره بالقدوم عليه فقدم في رجال من أهله فأكرمهم أبو العباس وبرّهم ووصلهم، وقال له: يا أبا محمد إني أرضى من ابنك محمد بأن يبايع بالمدينة ولا يشخص إلي؟. فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أدري أين مستقره،
стр. 1182
فقال: أما إني لا أطلبه، والله ليقتلنّ محمد وليقتلنّ ابراهيم، فلما خرج من عنده قال لأخيه حسن بن حسن: ما نتهنأ باكرام هذا الرجل لنا مع كثرة ذكره محمدا وابراهيم.
وسمعه أبو العباس يقول: ما رأيت ألف ألف درهم قط مجتمعة.
فدعا له بألف ألف درهم فوصله بها فقال: إنما أعطانا بعض حقنا.
وكان لا يمتنع من إظهار حسده، فأطافه ذات يوم في مدينة يريد بناءها فجعل ينشد:
ألم تر حوشبا أمسى يبنّي … منازل نفعها لبني بقيله
يؤمّل أن يعمّر ألف عام … وأمر الله يطرق كلّ ليله
فتطيّر أبو العباس من إنشاده وقال: أف لك. قلّما يملك الحسود لسانه، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين فإني لم أرد سوءا، فقال: لا أقالني الله إذا، وهجره أياما، واشتد عليه في طلب ابنيه فقال: تغيبا فما أدري أين هما، فقال: أنت غيبتهما، ثم أظهر الرجوع له وبره فدخل عليه ذات يوم وبين يديه مصحف فقال: يا أمير المؤمنين اعطنا ما في هذا المصحف بحق ما فيه، فقال: أعطيك ما أعطاك أبوك حين ولي الأمر.
ثم إنه استأذنه في إتيان المدينة فأذن له في ذلك ووصله ومن معه، وقضى حوائجهم وأقطع عبد الله قطائع، وأقطع أخاه الحسن بن الحسن بن الحسن عين مروان بذي خشب (١)، ولم يمت عبد الله حتى بلغت غلته مائة ألف درهم.
وكان عثمان بن حيان المرّي من قبل الوليد على المدينة فأساء بعبد الله
стр. 1183
والحسن، فلما عزل أتياه فعرضا عليه الحوائج فجزاهما خيرا، وقال: الله أعلم حيث يضع رسالاته.
وكان عبد الله بن الحسن إذا كلم عاملا في حاجة فلم يقضها عمل في عزله، وقال لبنيه: إياكم ومعاداة الرجال فإنكم لن تعدموا فيها أمرا من أمرين: مكر حليم أو مباداة جاهل.
وقال عبد الله بن الحسن:
أنس غرائر ما هممن بريبة … كظباء مكّة صيدهنّ حرام
يحسبن من أنس الحديث زوانيا … ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام
وولى أبو العباس المدينة داود بن علي بن عبد الله بن العباس عمه، فألفى بها داود دعاة لمحمد فتغيبوا، وتوفي داود بالمدينة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وقام بأمر المدينة موسى بن داود بن علي بعد أبيه، ثم قدم زياد بن عبيد الله الحارثي من قبل أبي العباس على المدينة في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فقدمها محمد بن عبد الله من البادية فدعا زياد الناس للبيعة ودعاه معهم فبايع مع الناس، وأراد أن يحضر الناس بيعة محمد وحده، فطلب لذلك فاستخفى، فتكلم الناس فقال قائل: بايع وقال آخر: لم يبايع. وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن الحسن:
أريد حباءه ويريد قتلي … عذيرك من خليلك من مراد
فكتب إليه:
وكيف أريد ذاك وأنت مني … وزندك حين يقدح من زنادي
وكيف أريد ذاك وأنت مني … بمنزلة النياط من الفؤاد
стр. 1184
وكيف أريد ذاك وأنت مني … وأنت لغالب رأس وهاد
وقال بعضهم: كتب هذا البيت إلى محمد حين ظهر، فكتب إليه بهذه الأبيات، ثم كان بين الظاهر والمستخفي.
حدثني الأثرم عن الأصمعي عن نافع بن أبي نعيم قال: قدم عبد الله بن حسن بن حسن بن علي على عمر بن عبد العزيز فقال له عمر:
إنك لن تغنم غنيمة لا يغنمها أهلك خير من نفسك. فرجع وأتبعه حوائجه.
وكان عبد الله يقول لبنيه: اصبروا فإنما هي غدوة أو روحة حتى يأتي الله بالفرج.
стр. 1185
خلافة المنصور
قالوا: ولما توفي أبو العباس واستخلف أمير المؤمنين المنصور كتب إلى زياد بن عبيد الله يأمره بالتشدد على عبد الله بن حسن حتى يأتيه بابنه محمد فلم يفعل وجعل يعذر.
وكان كاتب زياد يتشيع فبلغ ذلك المنصور فكتب إليه أن نحّ كاتبك حفصا. فنحاه عنه، ثم كتب زياد الى عيسى بن موسى فكلم المنصور في رده فرده.
واستبطأ المنصور زيادا، وشخص الى المدينة سنة أربعين ومائة فأعطى أهل المدينة عطاء كاملا، وقسم فيهم مالا وتحول زياد حين قدم المنصور عن دار الإمارة وترك داره التي أقطعه إياها أبو العباس وهي بالبلاط وهي التي يقال لها دار معاوية.
ودخل زياد على المنصور فلم يأمره بالجلوس ولم يرد عليه¬ السّلام، ولم يزل قائما حتى انتصف الليل ثم رفع رأسه إليه فقال: قتلني الله إن لم أقتلك. حذّرت ابني عبد الله حتى هربا من بعد ما ظهرا، وقلت لمحمد:
стр. 1186
اذهب إلى حيث شئت. فقال: يا أمير المؤمنين. وجّهت عقبة بن سلم في أمرهما فشخص من الكوفة فلم ينزل منزلا إلا أظهر فيه سفطا معه فيه سكاكين وقال أمرني أمير المؤمنين أن أذبح فلانا وفلانا، فلما بلغهما ذلك حذرا فلو تركتني لرجوت أن أترفق بهما حتى يظهرا.
ثم إنه أمر زيادا بأخذ عبد الله بن حسن فأخذه وحبسه في دار مروان، وكان المنصور قبل قدومه المدينة بعث عقبة بن سلم بن الملدّ إلى المدينة ليعلم علم محمد فقدمها متنكرا فجعل يبيع العطر ويدس غلمانا يبيعون العطر ويسألون عن الأخبار، وكان يبذل ويعطي في طلبه ويكتب بالأخبار.
وكان المنصور يدس قوما يتجرون في البلدان ويتعرفون الأخبار، ودس رجلا أعطاه مالا فأتى عبد الله بن حسن فأظهر التشيع وقال: إن معي مالا أدفعه اليكم، فوثق به وبعث معه من أوصله الى محمد وهو في جبل جهينة، ثم علم عبد الله بعد ذلك أنه عين، فبعث إلى محمد رجلا من مزينة يحذره إياها فقيده محمد وحبسه عند بعض الجهنيّين.
ثم إنه احتال فهرب في غراره مخيطة ولم يعرف ذلك العين اسم الرسول المزني، فبعث أبو جعفر المنصور من حمل إليه مائة رجل من المزنيين فكان صاحبه فيهم، فلما رآه أشار إليه فضرب تسعمائة سوط، واراد المسيب الضبي ضرب عنق عبد الله فمنعه المنصور من ذلك.
قالوا: وشخص المنصور من المدينة إلى الكوفة راجعا وعبد الله محبوس، وأمر زيادا بطلب محمد وإبراهيم فغيب وقصّر، وبلغ ذلك المنصور فعزله، ويقال إنه أغرمه مالا، وولى المدينة عبد العزيز بن عبد المطلب من آل كثير بن الصلت، ثم عزل عبد العزيز، واستعمل محمد بن خالد بن عبد الله
стр. 1187
القسري على المدينة فقدمها في رجب سنة إحدى وأربعين ومائة فاستبطأه في أمر محمد، وبلغه أنه وجد في بيت مال المدينة ألف ألف درهم وسبعين ألف دينار. فأسرع في انفاقها. فعزله في سنة أربع وأربعين ومائة. وولى المدينة رياح بن عثمان بن حيان المري. فأخذ كاتب محمد بن خالد. وكان يقال له رزام فضربه وعذبه. وحبس محمدا فبعث بابنه عليا داعية إلى مصر فدل عليه وحمل إلى المنصور فأمر بحبسه.
وكان محمد بن عبد الله قدم إلى البصرة. فأرسل إلى عمرو بن عبيد صاحب الحسن. فلقيه فطالت النجوى بينهما فلم يجبه عمرو إلى شيء ووعظه وحذره الدماء وسوء العواقب.
وقدم المنصور البصرة فأرسل إلى عمرو أن الناس مجمعون على أنك قد بايعت محمدا، فقال عمرو: والله لو قلدني الناس أمرهم على أن اختار لهم إماما ما اخترته، فكيف أبايع محمدا.
وكتب المنصور على لسان محمد كتابا إلى عمرو بن عبيد فلما قرأه قال للرسول: ليس له جواب على ذاك، قل له: دعنا عافاك الله نعيش في هذا الظل، ونشرب هذا الماء البارد حتى يأتينا الموت، فلما رجع الرسول إلى المنصور أخبره فقال: هذه ناحية قد كفيناها.
قالوا: وضيق رياح على عبد الله بن الحسن وأخذ أخاه حسن بن حسن وعدة من أهلهما فحبسهم، وحج المنصور سنة أربع وأربعين ومائة فتلقاه رياح بالربذة فأخبره بما صنع بعبد الله ومن معه، وقد كان حملهم يتلقى المنصور بهم، فدعا المنصور بعبد الله فأغلظ عبد الله له فأمر ببيع متاعه واصطفاء ماله، فبيع متاعه وصيّر في بيت المال بالمدينة، فأخذ مالك بن أنس
стр. 1188
الفقيه رزقه من ذلك المال بعينه اختيارا منه.
ودعا المنصور بعقبة بن سلم فقال لعبد الله: أتعرف هذا؟ فسقط في يده، وكان يراه فلا يدري أنه عين عليه وعلى ولده، وأمر المنصور بحمل عبد الله ومن أخذ معه ومحمد يومئذ بجبال رضوى.
وكان محمد بن عبد الله المطرف بن عمرو بن عثمان بن عفان قد زوج ابنته من ابراهيم بن عبد الله فأخذه المنصور بأن يدله على ابراهيم فأبى فضربه بالربذة ستين سوطا، فقال له قولا غليظا تعدى فيه فضربه مائة وخمسين سوطا، وحمل مع القوم، وكان يقال لمحمد هذا الديباج.
وبعث المنصور عيسى بن علي عمه إلى عبد الله وهو بالربذة، فقال له:
قل له أذكّرك الله في نفسك وأهل بيتك، أظهر ابنيك وخذ على أمير المؤمنين ما شئت من عهد وميثاق، فقال: إني لا أجيب بشيء إلا أن يأذن لي أمير المؤمنين عليه فأكلمه، فأبى المنصور أن يأذن له عليه وقال: يسحرني بلسانه كما سحر غيري.
وقال بعض الرواة إن عبد الله وأهل بيته لم يكونوا مع رياح بالربذة ولكن المنصور وجّه أبا الأزهر فحملهم من المدينة إلى الربذة، ومضى بالقوم ومضى معه إلى مكة، ثم انصرف إلى العراق وهم معه، فلم يزل عبد الله بن حسن محبوسا عنده حتى مات في محبسه بها شمية الكوفة وهو يومئذ ابن اثنتين وتسعين سنة (١) ودفن عندها بقرب قنطرة الكوفة على الفرات
وتوفي حسن بن حسن بن حسن بن علي بالهاشمية أيضا في حبس أبي جعفر سنة خمس وأربعين ومائة، وكان حسن صاحب جد فقدم السيالة في
стр. 1189
أيامه وبها إبراهيم بن هرمة (١) يشرب في أصحاب له وقد نفد ما معه فكتب إليه يعلمه ان قوما أتوه، وأنه لا شيء عنده وكتب في أسفل كتابه:
إني أجلّك أن أقول لحاجتي … فإذا قرأت صحيفتي فتفهّم
وعليك عهد الله أن أخبر بها … أهل السيالة إن فعلت وإن لم
قال: وعليّ عهد الله إن لم أخبرهم، فأخبر العامل بخبره وخبر أصحابه. فلما بلغ ابن هرمة ذلك فرّق أصحابه.
ولما بلغ محمد بن عبد الله حبس أبيه، ويقال موته، خرج بعد أيام بالمدينة، وصار إبراهيم إلى البصرة وأتى الأهوار فأمر المنصور بالعثماني فقتل.
وقال أبو اليقظان: ضرب المنصور عنقه صبرا، وشهر رأسه، وأظهر أنه رأس محمد، وبعث به إلى خراسان.
وقال المدائني: وجد المنصور كتبا للعثماني إلى محمد بن عبد الله فأحفظه ذلك فدعا به فأمر فضربت عنقه، وبعث برأسه إلى خراسان.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ قال: مر المنصور بعبد الله بن حسن وهو مغلول مقيد في محمل بلا وطاء، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما فعل رسول الله هذا بأسارى بدر، فلم يكلمه بشيء.
стр. 1190
وحدثني بعض أصحابنا عن الزبير بن بكار عن أحمد بن محمد عن محمد بن حوب قال: قال عبد الله بن حسن لابنه محمد حين أراد الاستخفاء من المنصور: يا بني إني مؤد إلى الله حقه في نصيحتك، فأدّ إلى الله حقه في الاستماع والقبول، يا بني كفّ الأذى، واستعن على السلامة بطول الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها، فإن الصمت خير على كل حال إذا لم يكن للكلام موضع، وللمرء أوقات يضر فيها خطأه ولا ينفع صوابه، واعلم أن من أعظم الخطأ العجلة قبل الإمكان والأناة بعد الفرصة، وأحذر الجاهل وإن كان ناصحا، كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوا.
стр. 1191
خروج محمد بن عبد الله بن حسن ومقتله
قالوا: أقبل محمد بن عبد الله بن حسن في ولاية رياح بن عثمان بن حيان بن معبد المرّي المدينة في مائة وخمسين، وهو على حمار ويقال على أتان حتى أتى بني سلمة من الأنصار، فأقام وتوافى إليه أصحابه، ثم أتى السجن فأخرج من فيه فأقبل حتى أتى بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية الذي يقول فيه الأحوص بن محمد الأنصاري:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدى وبه الفؤاد موكّل (١)
فجلس على بابه وهو يقول: لا تقتلوا أحدا وادخلوا المقصورة فدخلوها وأحرقوا باب الخوخة، ودخلوا دار مروان وفيها رياح، وكان رياح يقول:
أبدا هذه الدار محلال مظعان وأنا أول ظاعن عنها، فصعد رياح مشربة في الدار وهدم الدرجة، وصعدوا إليه فأنزلوه، وأمر محمد بحبسه وحبس أم ولد (٢) له وأخرج محمد بن خالد القسري من الحبس وكان المري حبسه وابن أخيه نذير بن يزيد بن خالد بن عبد الله.
стр. 1192
وأصبح محمد فبايعه الناس وخطبهم فقال: يا أهل المدينة إني والله ما خرجت فيكم للتعزز بكم فلغيركم أعزمنكم، وما أنتم بأهل قوة ولا شوكة، ولكنكم أهلي وأنصار جدي فحبوتكم بنفسي، والله ما من مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذت لي دعاتي فيه بيعة أهله، ولولا ما انتهك مني ووترت به ما خرجت.
ووجه حسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى مكة فقدم حسن بن معاوية على مقدمته أبا عدي عبد الله بن عدي بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس الذي يقول للوليد:
إنّ سيري إليك من قن أرض … لمن الحزم والفعال السّديد
عبد شمس أبوك وهو أبونا … لا نناديك من مكان بعيد
والقرابات بيننا واشجات … محكمات القوى بعقد سديد
فاثبني ثواب مثلك مثلي … تلقني للثواب غير جحود
فكان أبو عدي يقدم مولى لبعض أهل المدينة يقال له سلجم أمامه حتى قدموا مكة وعليها السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب فكان سلجم ينادي: ابرز يا بن أبي عضل، وكان الحارث بن العباس يلقب أبا عضل، فكانت فيه لكنة.
فتنحى السريّ عن مكة، وكان خروج محمد ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، ويقال لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان في عامه ذلك سنة خمس وأربعين، وسارع أهل المدينة إلى بيعة محمد وقالوا: هذا الذي كنا نسمع به: «العجب كل العجب بين جمادى ورجب».
وأمر محمد بن عبد الله ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن طلحة بن
стр. 1193
عمر بن عبيد الله بن معمر ببيعته فأباها وقال: قد بايعت لأبي جعفر المنصور أمير المؤمنين، فكان المنصور يقول له بعد مقتل محمد بن عبد الله: لو كان بالمدينة آخر مثلك لم يقتل محمد نفسه.
وكان الذين خرجوا مع محمد: جهينة ومزينة وأهل المدينة، وقدم الكوفة رجل في تسع ليال فأخبر بخروج محمد، فلما تبين المنصور صدقه أمر له بتسعة آلاف درهم كل ليلة بألف.
ولما ورد ذلك الرجل الكوفة كتب إلى المنصور يخبره وهو ببغداد يقدر بناء مدينته بها، فشخص من يومه حتى أتى الكوفة وقال: أطأ أسمختهم، وأقطعهم عن إمداد محمد بن عبد الله بن حسن فإنهم سراع إلى أهل هذا البيت.
وغدر محمد بن خالد القسري بمحمد بن عبد الله وقال له: إن لك هذه اليد باخراجك إياي من الحبس فسمّ لي من بايعك من أهل العراق حتى أكتب إلى مواليّ هناك وأهل بيتي ومعاضدتهم ومكاتفتهم في أمرهم. فسمّى له من بايعه، فكتب إلى المنصور بأسمائهم فظفر محمد بالكتاب والرسول.
وكان قد قال له أيضا: إني مطاع بالشام فابعث أخاك موسى بن عبد الله مع ابن أخي نذير بن يزيد بن خالد ومولاي رزام ليدعو الناس بالشام إلى طاعتك، ويأخذ لك موسى البيعة عليهم ففعل، فخلفاه بدومة الجندل وقالا له: انتظرنا حتى نحكم لك الأمور ثم نشخص، ثم مضيا إلى المنصور فأخبراه خبره ليوجه إليه من يحمله، فلم يقم موسى، وانصرف إلى المدينة لاسترابته بهما حين فارقاه، وأخذ محمد بن عبد الله محمد بن خالد القسري فحبسه.
стр. 1194
كتاب المنصور إلى محمد بن عبد الله
وكتب المنصور إلى محمد بن عبد الله حين خرج: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فإن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك فلك أن اؤمنك وجميع اخوتك وولدك وأهل بيتك وأتباعك، وأعطيك ألف ألف درهم.
فكتب إليه محمد: ﴿طسم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٢).
стр. 1195
وقال في كتابه: إن الله اختارنا واختار لنا فولدنا من النبيين محمد أفضلهم مقاما، ومن السلف أولهم إسلاما، ومن الأزواج خيرهنّ خديجة الطاهرة وأول من صلى القبلة، ومن البنات خيرهنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة. وإن هاشما ولد عليا مرتين وأن عبد المطلب ولد حسنا مرتين، فأنا أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا. لم تعرق فيّ العجم، وانا ابن ارفع الناس درجة في الجنة وابن أهونهم عذابا في النار؛ ولك الأمان إن دخلت في طاعتي فأنا أولى بالأمر منك، وأولى بالوفاء بالعهد، فأيّ الأمانات ليت شعري أعطيتني: أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي؟
فكتب إليه المنصور: قد بلغني كتابك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء لتغرّ بذلك الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والعصبة، وقد جعل الله العم أبا وبدأ به قبل الوالد فقال: ﴿نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ﴾ (١) فسمى اسماعيل أبا وهو عم يعقوب.
ولقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ وله عمومة أربعة فدعاهم وأنذرهم فأجابه أثنان أحدهما أبي، وأبى الإسلام اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله وراثتهما وولايتهما عنه.
وزعمت أنك ابن أخف الناس عذابا يوم القيامة وابن خير الأشرار، وليس من الكفر بالله صغير، وما شيء من عذاب الله بخفيف، وليس في الشرار خير، وليس ينبغي لمسلم يؤمن بالله أن يفخر بأهل النار.
وأما ما فخرت به من أن عليا ولده هاشم مرتين، وأن عبد المطلب أبوه