يوسف: أن أحبس الناس في المسجد واحلفهم رجلا رجلا على خبره وأمره حتى تتيقّنه.
فلما اجتمعوا سد الأبواب إلا باب الفيل وحده وأحلف الناس وبحثهم عن أمر زيد، ثم إن زيدا قتل فبعث يوسف برأسه الى هشام فنصبه هشام بدمشق، فقال بعض الشعراء
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة … وما كان مهديّ على الجذع يصلب
فلما ظهر عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما على الشام أخذ ذلك الشاعر فجعل يضرب رأسه بعمود بيده حتى نثر دماغه، وأمر فأحرق بالنار.
قال وقال الكميت بن زيد الأسدي:
دعاني ابن الرسول فلم أجبه … أيا لهفي على القلب الفروق
حذار منيّة لا بدّ منها … وهل دون المنية من طريق
وقال أيضا:
دعاني ابن الرسول فلم أجبه … فلهفي اليوم للرأي الغبين
فواندمي على أن لا أكن عاضدت زيدا (١) … حفاظا لابن آمنة الأمين
وقال الشاعر حين أشخص ريد وداود:
يأمن الظبي والحمام ولا يأ … من أهل النبي عند المقام
طبت بيتا وطاب أهلك أهلا … أهل بيت النبيّ والإسلام
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف، وقرأت على المدائني عن أشياخ ذكرهم، وأخبرني عبد الله بن صالح ﵀ عن عبثر بن
стр. 1297
القاسم بن زبيد، وابن كناسة قالوا: كان زيد بن علي رضي الله تعالى عنه مع خالد بن عبد الله القسري في أصحابه في الكوفة، وخالد والي العراق.
وكان داود بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله تعالى عنهم مع خالد أيضا، فلما ولي يوسف بن عمر الثقفي العراق مكان خالد بلغه أن خالدا أودع زيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم وداود بن علي بن عبد الله بن العباس مالا، فحلفا على ذلك فقبل يمينهما، وانصرفا إلى مكة فلقيهما نصر بن خزيمة العبسي فدعاهما الى الخروج فأجابه زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، فقال داود لزيد: يا بن عم لا تفعل فإنهم يغرّونك ويسلمونك. قال عبد الله بن صالح في حديثه عن ابن كناسة، وأنشد داود:
أنا ابن بجدتهم (١) … علما وتجربة
فاسأل بسعد تجدني أعلم الناس
قالوا: فقال زيد: يا بن عم، كم نصبر لهشام؟ قال داود: نصبر يا أبا الحسين حتى نجد الفرصة. فقال: يا بن عم من أحبّ الحياة ذلّ.
ومضى داود لوجهه، ثم رجع الى الكوفة وقد صلب زيد فأراد انزاله فأدركته خيل يوسف فتركه، فقال له سلمة بن كهيل: إن أباك كان خيرا منك، وقد كان بايعه أكثر ممن بايعك، وكان اولئك خير من هؤلاء فامض لوجهك.
فلما أتى الى اليمامة كتب هشام الى يوسف إن سلمة كان خيرا لك بالمصر من عشرة آلاف دارع، وقد كان ينبغي لك أن لا تحول بينه وبين الشخوص عن الكوفة.
стр. 1298
وقد قيل إنه بايعه هو وحجية بن الأجلح الكندي، وقتل حجية معه.
عمرو بن محمد عن ابن ادريس عن ليث قال: جاء منصور الى زياد اليامي وهو يبكي ويقول: ابن بنت نبيكم فقال زياد: ما كنت لأخرج إلاّ مع نبي وما أنا بواجده فأمسك.
المدائني عن أبي مخنف وغيره: ادعى يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وقد جلده يوسف بن عمر وحلقه، مالا قبل زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وداود بن علي بن عبد الله، وسعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن سلمة بن الوليد المخزومي، دفعه أبوه إليهم، فكتب يوسف بن عمر فيهم إلى هشام بن عبد الملك، وزيد بن علي، ومحمد بن عمر يومئذ برصافة هشام (١) يخاصمان عبد الله بن حسن بن حسن بن علي في صدقة علي ووصيته، فلما ورد كتاب يوسف على هشام بعث إليهما فذكر لهما ما كتب به يوسف، فأنكرا، فأشخص زيدا ومحمدا إلى يوسف، وأمره أن ينظر فيما ادعى ابن خالد عليهما وعلى أصحابهما، فإن أقام البينة أشخصهم إليه، وإلاّ أخرجهم بعد العصر الى المسجد وأحلفهم على صدقهم، فإن حلفوا خلى سبيلهم.
فقدم زيد بن علي الحيرة، فنزل بها على رجل يقال له عبد المسيح، فولد له غلام فسماه عيسى، وناظر يوسف زيدا ومحمد بن عمر وأصحابهما، فقال ابن خالد: ما لي قبلهم شيء، فقال يوسف: أبي كنت تهزأ أم بأمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكني استرحت إلى قولي، وقلت تمسك عن عذابي إلى أن تكتب بحمل من حمل.
стр. 1299
فعذبه حتى ظن أن قد قتله، ثم أخرج زيد وأصحابه إلى المسجد بعد العصر فحلفوا أنه ليس لخالد ولا ليزيد عندهم شيء، وغلّظ عليهم الأيمان وكتب بذلك إلى هشام، فأمره بتخلية سبيلهم وإشخاصهم إلى المدينة.
وقد روي أن ابن داود، وزيدا، ومحمد بن عمر كانوا في عسكر هشام، وأن يوسف بن عمر حمل إليه باقيهم فأحلفهم فحلفوا فخلى سبيلهم.
قالوا: ولقي زيد بن علي الأبرش الكلبي وهو خارج من عند هشام فقال: إنه والله ما ترك قوم الجهاد إلا ذلّوا، فسمعها خادم لهشام، ويقال سمعها الأبرش فأبلغها الأبرش هشاما فاحتملها عليه وقال له: يا زيد أخرج إلى حيث شئت ولا تدخل الكوفة.
قالوا: ولحق زيدا بعد شخوصه من الكوفة قوم من الشيعة فقالوا له:
أنا نرجو أن تكون المنصور (١)، وأن يكون هذا الزمان زمان هلاك بني أمية، فقال له داود حين أراد المضي إلى الكوفة وقد أطّلع على أمره: يا أبا الحسين، إن أهل الكوفة أصحاب علي وأصحاب الحسين فاحذرهم، فلم يقبل ورجع إلى الكوفة مستترا. فقال له محمد بن عمر بن علي: قد صدقك ابن عمك فلا تخرج، فلما أبى مضى إلى المدينة وتركه.
قالوا: ولما قدم زيد الكوفة أقبلت الشيعة تختلف إليه وأتته المحكّمة (٢) أيضا فبايعوه جميعا حتى أحصى في ديوانه خمسة عشر ألفا، ويقال، اثنا عشر ألفا من أهل الكوفة خاصة، سوى: أهل المدائن، والبصرة، وواسط،
стр. 1300
والموصل، وخراسان، والري، وجرجان، والجزيرة، فأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا، وأتى البصرة وأقام بها شهرين.
وقد كان وجّه دعاته إلى الآفاق فأجابه ناس من أهل كل ناحية، وكان قد نزل بالكوفة في منزل مولى له يقال له حميد بن دينار في أحمس وفي منزل نصر بن خزيمة العبسي، فبلغ يوسف أنه بالكوفة في عبس فتحوّل إلى بارق فنزل فيهم في منزل نصر بن عبد الرحيم البارقي، ثم تحوّل إلى بني يربوع ثم إلى بني بكر بن وائل، وكتب إلى هلال بن خبّاب فأجابه.
وكان إذا بويع قال: أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، واعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء على أهله، وردّ المظالم وإقفال المجمّرة، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا الحرب، أتبايعون على هذا؟ فيبايعونه ويضع يده على يد الرجل، ثم يقول: عليك عهد الله وميثاقه لتفينّ لنا، ولتنصحنا في السر والعلانية، والرخاء والشدة، والعسرة واليسرة، فيماسح على ذلك.
وقرأت في كتاب سالم كاتب هشام كتابا نسخته:» أما بعد فقد عرفت حال أهل الكوفة في حبهم أهل هذا البيت، ووضعهم إياهم في غير مواضعهم لافتراضهم على أنفسهم طاعتهم، ونحلتهم إياهم عظيم ما هو كائن مما استأثر الله بعلمه دونهم حتى حملوه على تفريق الجماعة والخروج على الأئمة، وقد قدم زيد بن علي على أمير المؤمنين في خصومه، فرأى رجلا جدلا لسنا حوّلا قلّبا، خليقا بصوغ الكلام وتمويهه واجترار الرجال بحلاوة لسانه، وكثرة مخارجه في حججه، وبما يدلي به عند الخصام من العلوّ على الخصم بالقوة المؤدية إلى الفلج، فعجّل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تدعه العام قبلك
стр. 1301
من لين لفظه، وحلاوة منطقه، مع ما يدلي به من القرابة برسول الله، وجدهم سبيلا إليه غير متفرقين».
وكتب زيد إلى أهل الآفاق كتبا يصف فيها جور بني أمية، وسوء سيرتهم، ويحضّهم على الجهاد ويدعوهم إليه، وقال: لا تقولوا خرجنا غضبا لكم، ولكن قولوا خرجنا غضبا لله ودينه.
وبعث زيد بن علي عطاء بن مسلم وهو ابن اخت سالم بن أبي الجعد إلى زبيد اليامي يدعوه إلى الجهاد معه، فقال: أخبره أنّ نصرته حق وحظ، ولكني أخاف أن يخذل كما خذل جده الحسين.
وبعث إلى أبي حنيفة فكاد يغشى عليه فرقا، وقال: من أتاه من الفقهاء؟ فقيل له: سلمة بن كهيل ويزيد بن أبي زياد، وهاشم البرند، وأبو هاشم الرماني وغيرهم. فقال: لست أقوى على الخروج، وبعث إليه بمال قواه به.
وقد كان سلمة بن كهيل فيما يقال أشد الناس نهيا لزيد عن الخروج، ويقال: إنه بايعه.
وبعث زيد إلى سليمان الأعمش فقال: قولوا له إني لا أثق لك بالقوم، ولو وثقت لك بثلاثمائة رجل منهم لغيّرنا لك جوانبها.
وكتب إلى الزهري مع رسول له يدعوه إلى الجهاد معه، فقال: أما مادام هشام حيا فلا. فإن أخّرت الخروج إلى ولاية الوليد خرجت معك.
وحدثنا يوسف بن محمد، ثنا حكام الرازي عن عنبسة قال: سمعت أبا حصين قال لقيس بن الربيع: يا قيس. قال: لبيك. قال: لا لبيك ولا سعديك، تبايع رجلا من ولد رسول الله ثم تخذله، وكان ممن بايع زيدا.
стр. 1302
قالوا: وبلغ يوسف بن عمر بيعة من بايع من أهل واسط فحصّنها وتوثق من أبوابها واستدّ عليهم، وكذلك المدائن، وشحن واسطا بالخيول.
وكان خليفته على الكوفة الحكم بن الصلت بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل، فقدم يوسف الكوفة وصار إلى الحيرة فنزل بها، ولما رأى أصحاب زيد المبايعون أن يوسف بن عمر قد علم بأمر زيد وصحّ عنده خبره، وأنه يبحث عنه، ويفحص عن خبره، ويدس إليه، اجتمع إلى زيد جماعة منهم من الرؤساء، فقالوا: يرحمك الله ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال: كنا أحقّ البريّة بسلطان رسول الله ﷺ فاستأثرا علينا، وقد وليا علينا وعلى الناس فلم يألوا عن العمل بالكتاب والسنّة، ففارقوه ورفضوا بيعته، وقالوا: إن أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين هو الإمام، وجعفر بن محمد إمامنا بعد أبيه، وهو أحق بها من زيد، وإن كان زيد أخاه، فسماهم زيد حين رفضوا بيعته:
الرافضة.
وقال لهم زيد: وجهوا إلى أبي جعفر رسولا، فإن أمركم بالخروج معي فاخرجوا، فاعتلّوا عليه، ثم قالوا: لو أمرنا بالخروج معك ما خرجنا لأنا نعلم أن ذلك تقية منه واستحياء منك. فقال: كفّوا أيديكم عني.
وكان زيد يقول: رفضتني الرافضة كما رفضت الخوارج عليا.
ويقال إن طائفة منهم قالوا لمحمد بن علي قبل خروج زيد: إن أخاك زيدا فينا يبايع، فقال بايعوه فهو اليوم أفضلنا، فلما قدم الكوفة كتموا زيدا ما سمعوا من أبي جعفر محمد بن علي أخيه.
قالوا: وكتب عبد الله بن حسن إلى زيد: يا بن عم، إن أهل الكوفة
стр. 1303
قوم نفج (١) العلانية خور السريرة، هرج الرخاء جزع عند اللقاء، تقدمهم ألسنتهم ولا تشايعهم قلوبهم لا يثوون بغناء فيرجون ولا يثبتون على عداوة فيخافون، ولقد تواترت إليّ كتبهم فصممت عن ندائهم وألبست قلبي غطاء عن ذكرهم يأسا منهم واطراحا لهم، وإنما هم كما قال عليّ رحمه الله تعالى:
«إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن دعيتم إلى مشاقة أجبتم».
وقال علي بن هاشم: إني سمعت زيدا يقول: البراءة من أبي بكر وعمر: البراءة من علي.
قالوا: ولما استتبّ لزيد خروجه واعد أصحابه الزيدية الذين وافقوه على تولي أبي بكر وعمر ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة، فخرج قبل الأجل، وذلك أنه بلغ يوسف بن عمر أمره، فأمر الحكم أن يجمع وجوه أهل الكوفة في المسجد الأعظم ثم يحصرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء والشرط والمناكب ووجوه المقاتلة فأدخلهم المسجد، ثم نادى مناديه: أيما رجل من وجوه العرب والموالي أدركناه في رحله الليلة فبرئت منه الذمة، إئتوا المسجد الأعظم.
فأتوا المسجد وطلبوا زيدا في دار إسحاق بن معاوية الأنصاري ثم الأوسي وبلغهم أنه تحول إليها فلم يقدروا عليه وذلك لأنه هرب منها حين بلغه إقبالهم إليها لطلبه.
وخرج ليلة الأربعاء لسبع ليال بقين من المحرم سنة إثنتين وعشرين ومائة في جماعة كانوا حوله، وآخرين بعث إليهم رسله فوافوه، وأمر فأشعلت
стр. 1304
النيران في الجرادي، فكلما أكلت جرديا رفعوا آخر فلم يزالوا كذلك إلى طلوع الفجر، وكانت ليلة باردة فلم يتتامّ إليه فيها إلا أربعمائة، فقال: أين الناس، أتراهم تخلفوا للبرد؟ فقيل له: لا، ولكنهم جمعوا في المسجد وأغلقت الدروب ليقطعوا عنك.
وقد ذكر بعض أهل الكوفة أنه اجتمع إلى زيد أربعة آلاف فلم يصبح إلا وهو في ثلاثمائة أو أقل منها.
وقال أبو مخنف فيما حدثني به عباس بن هشام عن أبيه عنه أن زيدا أصبح في مائتين وثمانية عشر رجلا.
وقال عوانة: أصبح في مائتين وخمسين.
وقيل إن يوسف دس مملوكا خراسانيا ألكن، وأعطاه خمسة آلاف درهم فأمره أن يلطأ لبعض الشيعة فيخبر أنه قدم من خراسان حبا لأهل البيت، وأن معه مالا يريد تقويتهم به، فلم يزل يتدسس حتى أدخل على زيد، ثم دل يوسف عليه، فوجه إليه الخيل فخرج زيد ونادى بشعاره، فخرج إليه أقل من ثلاثمائة، فقال: لا تبعد يا داود.
قالوا: وكان زيد وجه القاسم بن عبد الله التنعي من حضر موت لينادي بشعار رسول الله ﷺ في الناس وهو: يا منصور أمت، وهو كان شعار زيد الذي واطأ عليه أصحابه، فلقيه جعفر بن عباس بن زيد الكندي فشد عليه وعلى أصحابه فقتل من أصحابه رجلا وارتثّ القاسم، فأتي به يوسف بن عمر فضرب عنقه على باب القصر، فأقبل نصر بن خزيمة العبسي يريد زيدا في جماعة من الزيدية، فلقيه خليفة الحكم بن الصلت فشد عليه نصر بن خزيمة فقتله وانهزم من كان معه.
стр. 1305
وندب يوسف بن عمر بن الحكم لمحاربة زيد عبيد الله بن عباس بن يزيد الكندي، والأصبغ بن ذؤالة بن لقيم بن لجأ بن حارثة بن زامل الكلبي، وبعث يوسف لمحاربته أيضا: الريان بن سليمة الأراشي من بلي في القيقانية وهم ألفان وثلاثمائة، وهم من أهل السند يقال إنهم بخارية، لقبوا القيقانية. فلما كان من الغد يوم الأربعاء عبأ زيد أصحابه وعليه درع تحت قباء أبيض ومعه سيف ودرقة فجعل على ميمنته نصر بن خزيمة، وعلى ميسرته معاوية بن إسحاق الأنصاري، ثم خطب فذكر أبا بكر وعمر فترحم عليهما، وذكر عثمان وما أحدث، وذمّ معاوية وبني أمية ثم انحاز إلى جبانة الصائديين (١) من همدان، وبها خمسمائة فارس من أهل الشام، فحمل عليهم فهزمهم، وكان على فرس له جواد، فوقف على باب رجل ممن بايعه يقال له أنس بن عمرو فناداه يا أنس، قد ﴿جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ﴾ (٢)، فلم يجبه ولم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلقكم أن تكونوا فعلتموها فالله حسبكم.
ثم أتى زيد الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام كانوا بها فهزمهم وشلهم إلى المقبرة، ويوسف على تل مشرف ينظر إلى زيد وأصحابه وهو في مائتين فلو شاء قتل يوسف قتله، ولكنه صرف عنه.
ودعا زيد الناس بالكناسة وناشدهم فلم يجبه إلا رجلان أو ثلاثة، فقال لنصر بن خزيمة: أراها والله حسينية، فقال نصر: إنما علي أن أضرب بسيفي حتى أموت.
قالوا: وقال نصر لزيد إن الناس محصورون في المسجد فامض بنا
стр. 1306
إليهم، فخرج زيد معه يريد المسجد، فمر على دار خالد بن عرفطة وبلغ عبيد الله بن عباس الكندي، وكان قائدا من قواد يوسف بالكوفة، إقباله فخرج إليه في أهل الشام الذي كانوا بالكوفة، وأقبل زيد إليه فالتقوا على باب عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري فكاع صاحب لواء عبيد الله، وهو مولى يقال له سلمان، فقال له: احمل يا بن الخبيثة، فحمل حتى انصرف وقد خضّب لواؤه. ويقال إنهم التقوا بجبانة السبيع.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف قال: لما التقوا ضرب واصل الحناط الأحول عبيد الله بن عباس الكندي ضربة وقال: خذها وأنا الغلام الحناط. فقال: والله لأتركنك لا تكيل بقفيز بعدها، وحمل عليه فضربه، فلم يصنع شيئا وانهزم ابن عباس حتى انتهى الى دار عمرو بن حريث.
وجاء زيد ومن معه إلى باب الفيل، وجعل نصر بن خزيمة ينادي:
يا أهل المسجد اخرجوا من الذل إلى العز، ومن الضلالة إلى الهدى، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم في واحد منهما.
وأشرف أهل الشام عليهم يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد، وكانت بالكوفة يومئذ مناوشة في نواحيها، وكان منادي زيد ينادي بين يديه:
من ألقى سلاحه فهو آمن. وأمر أصحابه أن ينادوا بذلك، وعرض نساء من نساء أهل الكوفة على زيد أن يخرجن فيقاتلن معه فقال: قرن في بيوتكنّ فو الله فما ترجى رجالكم فكيف النساء. ليس على النساء ولا على المرضى قتال.
وحدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش
стр. 1307
الهمداني قال: إني لواقف على رأس يوسف قبل قتل زيد إذ قال لي: يا بن عياش إن هذا الزاني ابن الزانية - يعني زيدا - قد خرج بأجمة سالم - وهو يريد جبانة سالم - فقلت: أصلح الله الأمير، أجمة سالم على خمسة عشر فرسخا من الكوفة وأكثر فلعله خرج بجبانة سالم. فقال: نعم ويحك. جبانة سالم.
قال: وبلغني أن على شرطته نصر بن سيار، قلت: نصر بن خزيمة العبسي، قال: نعم. فوجّه رسولا يأتيه بخبرهم فقال: قد استقبل نصر بن خزيمة أبا حفص عمر بن عبد الرحمن خليفة الحكم فقتله، قال: وكان يوسف دهره سكران من الخمر لا يفيق.
قالوا: ولما نادى زيد أهل المسجد ونودوا له فلم يخرج إليه أحد منهم انصرف إلى ناحية دار الرزق، فوجه يوسف إليه الخيول فجعلت تمر كردوسا كردوسا، ونادى مناديه: إن من جاء برأس الفاسق زيد بن علي فله ألف دينار. فقوتل أشد قتال وصبر أشد صبر.
وقدم عامر بن ضبّارة المري على يوسف، أمدّه به هشام حين بلغه أن زيدا بويع، ومعه ثمانية آلاف فانتدب رجل من أصحاب ابن ضبارة من أهل الشام فطلب المبارزة، فبرز له نصر بن خزيمة العبسي، فقال أهل الشام؛ من أنت؟ قال: نصر بن خزيمة العبسي. قال: ما أحد أبغض إلي من أن أصيبه منك، وكان قيسيا - فصاح به الشاميون: فعل الله بك وفعل، وأنّبوه وعيروه، فعطف على نصر فتشاولا ساعة، ثم ضرب كل واحد منهما صاحبه فأثبته، فرجع نصر مثخنا، ورجع الشامي وقد قطع نصر رجله من
стр. 1308
الفخذ فهو مثخن أيضا، فمات الشامي ومات نصر، وقد عرف مكانه فأتي به يوسف فأمر بصلبه.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن أبيه قال: اجتمع إلى زيد في أول ليلة أربعمائة، ثم أصبح وهم أقل من ثلاثمائة ثم لم تزل يثوب إليه العدة بعد العدة، ودعا نصر بن خزيمة قوما من قيس فتتام مع زيد ألف رجل فلقي بهم من لقي من أصحاب ابن ضبارة. وكانت وقعتهم بجبانة سالم، ويقال بغيرها.
قالوا: ولما قتل نصر بن خزيمة وأحاطت الخيول بزيد بن علي قال: إن القيام لهؤلاء الطغاة لغرر فلو لجأنا إلى الحيطان فجعلناها من وراء ظهورنا فلم يأتوا إلا من وجه واحد. فصوبه أصحابه فعطف برأس دابته. فناداه أهل الشام: يا بن أبي تراب، يا بن المنافق، يا بن السندية. إلى أين؟ فلما سمع زيد ذلك كر عليهم فكشفهم، فما رأى الناس قط فارسا أشجع منه، وقد كانوا على ذلك كالمتهيبين لقتله، وكانت مواقعته إياهم عند دار الرزق بالكوفة، فلما كان المساء رمي زيد بسهم في جبهته من يسارها، وذلك الثبت، ويقال في رجله.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: تولى حرب زيد بالكوفة عبيد الله بن العباس الكندي والأصبغ بن ذؤالة الكلبي في جماعة بعث بهم إليه يوسف من الحيرة وكان بها وهو يومئذ على العراق، وكان الحكم بن الصلت بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي خليفته على الكوفة، فأهل الكوفة يقولون: رمى زيدا داود بن سليمان بن كيسان مولى بشر بن عمارة بن حسان بن جبار الكلبي، وكيسان صاحب الباب بدمشق
стр. 1309
وأولاد داود يدفعون ذلك وينتفون منه ويقولون رماه رجل من القيقانية فأصاب جبهته وذلك عند المساء، فدعي له بحجام فنزع النشابه فسالت نفسه معها.
وقال أبو مخنف: رمي زيد بسهم في جبهته فبلغ الدماغ فرجع ورجع أصحابه، وأهل الشام يظنون أنهم إنما رجعوا للمساء والليل.
стр. 1310
مقتل زيد بن علي
وتحامل زيد حتى دخل دار الجرارين التي بالسبخة وأوصى يحيى ابنه بتقوى الله وجهاد بني أمية، ومكث هنيهة ثم قضى ليلة الجمعة فدفن في دار الجرارين وأجروا عليه ساقية من ماء السبخة كي يخفى قبره، وكان معهم غلام سندي أتى زيدا من أول النهار في قوم أتوه ليقاتل معه فلم يقبله وقال:
لا يقاتل مملوك بغير إذن مولاه، فدل على قبره.
وحدثني عبد الله بن صالح عن حمزة الزيات قال: دخل زيد دار جرار فجاءه (١) بطبيب يقال له سفيان مولى لبني رؤاس فانتزع النصل الذي رمي به من جبهته فلم يلبث أن مات.
وقال أبو مخنف: أرسل إلى حجام حميد الرؤاسي فقال له الحجام:
انك إن نزعته متّ مع إخراجه فقال: الموت أيسر مما أنا فيه، فأخذ الكلبتين وانتزعه فخرجت نفسه معه ودفن في حفرة من الحفر التي يؤخذ منها الطين، ومضى عبد سندي إلى الحكم فأخبره بخبره.
стр. 1311
وحدثني العمري عن الهيثم عن عوانة قال: رمي زيد بسهم فأصاب جبهته أو عينه فسقط فحامى عليه يحيى ابنه ووجوه من معه حتى جاوزه إلى عسكرهم وبه رمق ذلك في الظلام، ثم عبروا به الفرات بالكوفة وقطعوا الجسر وانتزعوا السهم ففاضت نفسه معه، ثم دفنوه وتفرقوا، فلما أصبح الصبح جاء علج وقد رآه يدفن، فدلّ الحكم على قبره فنبشه واحتزّ رأسه، وبعث به إلى يوسف فحملت جثته على بعير وصلبت بالكناسة بالكوفة، وكان عليه قميص أصفر هروي. وصلب معه معاوية بن إسحاق الأنصاري وكان قتل قبل ذلك في المعركة، ونصر بن خزيمة العبسي وزياد النهدي ثم خلى سبيل أهل المسجد.
وبعث يوسف برأس زيد وسائر رؤوس من قتل معه إلى هشام بن عبد الملك، وطلب يحيى بن زيد فلم يقدر عليه.
حدثني أبو الحسن المدائني قال: لما أتي يوسف برأس زيد وهو بالحيرة نظر الناس إليه، ثم تفرقوا وهو مطروح في ناحية من منزل يوسف، فجاء ديك فنقره، فقال زميل الكلابي:
اطرد الديك عن ذؤابة زيد … طال ما كان لا يطأه الدجاج (١)
ابن بنت النبيّ أكرم خلق الل … هـ زين الوفود والحجاج
حملوا رأسه إلى الشام ركضا … بالسّرى والبكور والإدلاج
في أبيات.
وحدثني محمد بن الاعرابي عن سعد بن الحسن بن قحطبة قال: رمى
стр. 1312
زيدا رجل من ولد كيسان مولى كلب فأخذه عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بالشام فقتله وصلبه.
وقال ابن عباس الكلبي حين قتل زيد لريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية أم يحيى بن زيد:
بسيف ابن عباس وسيف ابن زامل … بدت مقلتاها والبنان مخضّب
يعني عبيد الله بن العباس الكندي والأصبغ بن ذؤالة يقول: بسيفي هذا غلب أصحاب زيد وظهرت حرمته.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ، حدثني أصحابنا قالوا: أعطى يوسف الذي جاءه برأس نصر بن خزيمة ودلهم على جثته ألف درهم، وأعطى الذي جاءه برأس معاوية بن إسحاق الأنصاري ودلهم على جثته سبعمائة درهم.
وقال بعض الهلاليين في زيد:
يا ابا الحسين فلو رجال نصّر … نصروك كان لوردهم إصدار
يا ابا الحسين كيف عذت بمعشر … غدر لئام أسلموك وطاروا
غرّوا أباك وأسلموه وقبلهم … غروا الوصيّ وكلهم غرّار
وقال أبو ثميلة في قصيدة له:
يا ابا الحسين أعاد فقدك لوعة … من يلق ما لاقيت منها يكمد
كنت المؤمّل للعظائم والذي … يرجى لأمر الأمة المتأوّد
أرضيتم في دينكم أن تأمنوا … والخوف في أبيات آل محمد
ونساؤكم بغضارة وبشاشة … ونساؤهم يعولن بين العوّد
يبكين أشيب بالكناسة طيبا … نبش التراب عليه من لم يوسد
стр. 1313
وقال آخر:
لعن الله حوشبا … وخراشا ومزيدا
إنهم حاربوا الإل … هـ وآذوا محمدا
يا خراش بن حوشب … أنت اشقى الورى غدا
وكان خراش على شرط يوسف بن عمر وهو تولّى نبش زيد وصلبه.
وحدثني يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال:
كنت كثيرا أضحك فلما قتل زيد انقطع ضحكي.
قالوا: وبعث يوسف بن عمر إلى أم امرأة لزيد أزدية فهدم دارها وحملت إليه فقال لها: أزوجت زيدا؟ قالت: نعم زوجته وهو سامع مطيع، ولو خطب إليك إذ كان كذلك لزوجته. فقال: شقوا عليها ثيابها فجلدها بالسياط وهي تشتمه وتقول: ما أنت بعربي تعريني وتضربني لعنك الله، فماتت تحت السياط ثم أمر بها فألقيت في العراء فسرقها قومها ودفنوها في مقابرهم.
قالوا: وأخذ امرأة قوّت زيدا على أمره فأمر بها أن تقطع يدها ورجلها فقالت: اقطعوا رجلي أولا حتى أجمع عليّ ثيابي، فقطعت يدها ورجلها ولم تحسم حتى ماتت. وضرب عنق زوجها.
وضرب امرأة أشارت على أمها أن تؤوي ابنة زيد خمسمائة سوط، وهدم دورا كثيرة.
وأتى يوسف بعبد الله بن يعقوب السلمي من ولد عتبة بن فرقد، وكان زوج ابنته من يحيى بن زيد فقال له يوسف: ائتني بابنتك. قال:
стр. 1314
وما تصنع بها جارية (١) عاتق في البيت. قال: أقسم لتأتيني بها أو لأضربنّ عنقك.
وقد كان كتب إلى هشام يصف طاعته، فأبى أن يأتيه بابنته، فضرب عنقه، وأمر العريف أن يأتيه بابنة عبد الله بن يعقوب فأبى فأمر به فدقّت يده ورجله.
ووكل يوسف بخشبة زيد أربعمائة رجل يحرسونها. ينوب في كل ليلة مائة رجل، وبنى حول جذعه بناء كالدكة من آجر.
وكان زهير بن معاوية أحد من يحرسه، فلما مات هشام وولي الوليد بن يزيد وفد إليه يوسف فلما رجع من عنده إلى الكوفة أمر بإحراق زيد ﵇، فجمع الحطب والقصب، وجاء الغوغاء من ذلك بشيء كثير فأعطاهم دراهم كثيرة، ثم أمر به فأحرق وألقى رماده في الفرات.
ويقال إن الوليد قال له: انظر عجل أهل الكوفة فحرّقه ثم انسفه في اليمّ نسفا، ويقال إنه كتب إليه بذلك.
وكتب يوسف بن عمر إلى هشام في أم ولد لزيد ومعها ثلاثة أولاد لها صبيان، فأمر أن يدفعوا إلى أقرب الناس إليهم فدفعوا إلى الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذي يقول:
إذا ما كنت متخذا خليلا … فلا تجعل خليلك من تميم
بلونا حرّهم والعبد منهم … فما عرف العبيد من الصميم
موالينا إذا احتاجوا إلينا … وسير قدّ من من وسط الأديم
وأعداء إذا ما النعل زلّت … وأول من يغير على الحريم
стр. 1315
وهو الذي يرثي زيدا في قصيدة طويلة:
ألا عين جودي ثم جودي … بدمعك ليس ذا حين الجمود
ولا حين التجّلّد فاستهلّي … وكيف جمود دمعك بعد زيد
أبعد ابن النبيّ أبي حسين … صليبا بالكناسة فوق عود
يظل على عمودهم ويمسي … بنفسي أعظم فوق العمود
تعدى المترف الجبار فيه … فأخرجه من القبر اللحيد
دعاه معشر غرّوا أباه … حسينا بعد توكيد العهود
قالوا: ولما فرغ يوسف من أمر زيد صعد منبر الكوفة فشتم أهلها وقال: يا أهل المدرة الخبيثة، والله ما يقعقع لي بالشّنان، ولا تقرن بي الصعبة، لقد هممت أن أخرب بلدكم وأن أحربكم بأموالكم، والله ما أطلت منبري إلا لأسمعكم عليه ما تكرهون، فإنكم أهل بغي وخلاف.
ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم ولو فعل لقتلت مقاتلتكم وسبيت ذريتكم، إن يحيى بن زيد ليتنقل في حجال نسائكم كما كان أبوه يفعل وما فيكم مطيع إلا حكيم بن شريك المحاربي، و والله لو ظفرت بيحياكم لعرقت خصيتيه كما عرقت خصيتي أبيه.
وكتب إلى هشام في أهل الكوفة، فكتب إليه: أهل الكوفة أهل سمع وطاعة، فمر لهم بأعطياتهم. فقال: يا أهل الكوفة، إن أمير المؤمنين قد أمر لكم بأعطياتكم فخذوها لا بارك الله لكم فيها.
وكان شريك بن حكيم سعى بزيد.
ورأت امرأة على زيد بردا حسنا وذلك قبل خروجه، فسألت زوجها أن يشتري لها مثله فقال:
стр. 1316
تكلفني أبراد زيد ووشيه … ولست ببياع لدى السوق تاجر
ويقال إنه زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب.
وحدثني أبو مسعود قال: دخل رجل من الأنصار بين زيد وعبد الله بن حسن فقال له زيد: ما أنت والدخول بيننا فأنت من قحطان، فقال: أنا والله خير منك، فانبرى له رجل من قريش فقال: كذبت والله.
هو خير منك نفسا وأما وأبا، وأولا وآخرا. وفوق الأرض وتحتها، فحلف زيد أن لا ينازع عبد الله بين يدي الوالي وقاما.
стр. 1317
أمر يحيى بن زيد بن علي بن الحسين ﵈
حدثني الحسين بن علي الحرمازي عن علي القصير مولى قريش قال:
لما قتل زيد بن علي استخفى ابنه يحيى ثم هرب حين سكن عنه الطلب إلى خراسان فقتل بها، رماه رجل من أصحاب نصر بن سيار فقتله، وأخذ رأسه فبعث به نصر إلى يوسف بن عمر.
وكان يحيى بن الحسين بن زيد يسمى ذا الدمعة، وكانت عينه لا تكاد تجف من الدموع فقيل له في ذلك فقال:
وهل ترك السهمان فيّ مضحكا … سهم زيد وسهم يحيى بن زيد
وقال الكوفيون: لما قتل زيد أتى يحيى جبانة السبيع فلم يزل بها وهو في عشرة فقيل له: قد فضحك الصبح وأين تريد؟ فأتى نينوى، ثم أتى قرية قصر ابن هبيرة ولم يكن القصر يومئذ، فنزل على رجل من أهل الكوفة يقال له سالم فتفرق أصحابه عنه، ثم أتى المدائن وهي إذ ذاك طريق الناس إلى خراسان، فبلغ يوسف خبره فسرّح في طلبه حريث بن أبي الجهم الكلبي فخرج حتى أتى المدائن، ومضى يحيى حتى أتى الري فأقام بها أياما، ثم
стр. 1318
توجه إلى سرخس فأقام بها ستة أشهر عند يزيد بن عمر وأتاه قوم من المحكّمة فسألوه أن يبايعوه على قتال بني أمية، فأعجبه ذلك منهم، فنهاه يزيد بن عمر، وقال: كيف تقاتل بقوم يتبرأون من علي وأهل بيته؟ فقال لهم قولا جميلا وفرقهم عنه، وأتى بلخ من سرخس فأقام عند الحريش وهو رجل من ربيعة، فلم يزل عنده حتى مات هشام بن عبد الملك، وكتب يحيى إلى بني هاشم من خراسان:
خليليّ عني بالمدينة بلّغا … بني هاشم أهل النّهى والتجارب
فحتّى متى لا تطلبون بثأركم … أمية إن الدهر جمّ العجائب
لكل قتيل معشر يطلبونه … وليس لزيد بالعراقين طالب
قالوا: وبلغ يوسف بن عمر خبر يحيى فكتب إلى نصر بن سيار أن خذ الحريش بيحيى بن زيد حتى يأتيك به، فكتب نصر إلى عقيل بن معقل عامله على بلخ في ذلك فجحد الحريش أن يكون يعرف مكانه، فحمله إلى نصر فلم يقر له بأنه عنده ولا أنه يدري أين هو، فضربه ستمائة سوط وهو يقول: دلني على يحيى فيقول: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه فاصنع ما أنت صانع. فلما رأى ذلك ابنه قريش بن الحريش دلّ على يحيى فوجد في بيت فأخذوه ومعه يزيد بن عمر، ورجل آخر من عبد القيس شخص معه من الكوفة فحمله إلى نصر فلما صار إليه حبسه.
وكتب نصر إلى يوسف بخبره، فكتب بذلك إلى الوليد، فأمر الوليد أن يؤمن يحيى ويخلى سبيله وسبيل أصحابه وقال: إنما هو رجل هرب واستخفى فأطلقه نصر وأمره أن يلحق بالوليد وأعطاه ألفي درهم وبغلين، فخرج حتى أتى سرخس، فبعث إليه نصر من أزعجه وكتب إلى العمال في
стр. 1319
إزعاجه وأن يسلمه كل عامل إلى العامل الذي يليه، وكان يبسط لسانه في بني أمية، والوليد، ويوسف بن عمر، وهشام فيكف عنه، فلما صار بأبر شهر سلم إلى عاملها عمرو بن زرارة فبرّه وأمر له بألف درهم نفقة، ويقال بخمسة آلاف درهم، فلما صار ببيهق خاف أن يصير إلى يوسف فيغتاله يوسف، وبيهق أقصى عمل خراسان وكان يحيى بن زيد قد اشترى دواب لحمل أصحابه عليها وهم سبعون رجلا، فرجع إلى عمرو بن زرارة فقال:
إني إنما أريد بلخ ولست أقيم في عملك إلا ريثما أريح وأستريح فإني أجد علة، فأقام بأبر شهر أياما.
وكتب عمرو بن زرارة بذلك إلى نصر، فوجه نصر جيشا أمده به فواقعهم يحيى وهو في سبعين فهزمهم وقتل عمرا وعدة من أصحابه، وأخذ سلاحهم، وسار حتى أتى هراة، ثم أتى الجوزجان فانضم إليه قوم من أهلها، وأهل الطالقان، والفارياب، وبلخ فتتامّ جميع من معه مائة وخمسون رجلا، فلما بلغ نصرا مقتل عمرو بن زرارة ونزول يحيى الجوزجان، وجه سلم بن أحوز التميمي من بني كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم في ثمانية آلاف من أهل الشام، وغيرهم من أهل خراسان، فخرج سلم فواقعه وقد عبّأ أصحابه فجعل سورة بن محمد بن عبد الله بن عزيز الكندي على ميمنته، وحماد بن عمرو السعدي على ميسرته.
وعبأ يحيى أيضا أصحابه فاقتتلوا ثلاثة أيام ينتصف كلّ من كل وليست تزول قدم رجل من أصحاب يحيى.
فلما كان اليوم الثالث من آخر النهار رمى رجل من موالي عنزة يحيى بنشابة فأصابت جبهته، وحفّ به أصحابه فقاتلوا أشد قتال سمع به، ولم
стр. 1320
يفارقوه حتى قتلوا عن آخرهم، ووجد سورة بن محمد بن عبد الله يحيى قتيلا فاحتز رأسه، وأخذ الذي رماه سلبه حتى قميصه.
فلما ظفر أبو مسلم بعد، أخذ سورة بن محمد بن عبد الله بن عزيز الكندي والرجل الذي رمى يحيى فقطع أيديهما وأرجلهما وصلبهما.
وكان عبد الله بن عزيز من أصحاب ابن الحنفية، وقتل يوم عين الوردة مع التوابين.
وبعث سلم بن أحوز برأس يحيى إلى نصر، فبعث به نصر إلى يوسف بن عمر، وبعث به يوسف إلى الوليد بن يزيد، وصلبت جثته على باب الجوزجان سنة خمس وعشرين ومائة، فلم تزل جثة يحيى مصلوبة إلى أن ظهرت المسودة بخراسان فأنزلوه وغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، وتولى ذلك أبو داود خالد بن ابراهيم وخازم بن خزيمة، وعيسى بن ماهان.
وبلغ أبا مسلم أن ابراهيم بن ميمون الصائغ، كان ممن أعان على يحيى فقتله، وتتبع قتلة يحيى وأصحابه فجعل يقتلهم فقيل له: إن أردت استقصاء أمرهم فعليك بالديوان، فلم يدع أحدا ممن وجد اسمه في الجيش الموجه إليه ممن قدر عليه إلا قتله.
وكان ابراهيم البيطار أشد الناس على يحيى فمر أبو مسلم يوما في غلمان يلعبون بالحمام فقال قائل منهم: سقط حمامي في منزل ابراهيم البيطار، فسأل عن منزل ابراهيم فوقفوه عليه فأمر به فاستخرج من منزله فعرفه بالصفة، وأقر باعانته على يحيى فقطع يديه وصلبه.
فقال الشاعر
ألا يا عين ويحك أسعديني … لمقتل ماجد بالجوزجان
стр. 1321
وقتل سلم بن أحوز بجرجان حين قدمها قحطبة وهو يريد العراق، وسلم هو الذي قتل جهم بن صفوان صاحب الجهمية بمرو.
حدثني محمد بن الأعرابي قال: قتل يحيى بالجوزجان، وصلب في طاق بها، فلم يزل مصلوبا حتى ظهر أمر أبي مسلم بخراسان، فأمر به فأنزل وووري وتولى الصلاة عليه ودفنه وتتبع جميع من قاتله فقتلهم إلا من أعجزه منهم، وسود أهل خراسان.
وقال أبو عبيدة: هرب يحيى ومعه زهير بن محمد العامري فأخفاه في قرية لعبد الملك بن بشر بن مروان فطلب فلم يقدر عليه، فلما سكنت الأفوه مضى إلى خراسان، وكان معه أبو نميلة مولى بني عبس وكان دليل نصر بن سيار عليه.
وحدثني علي بن الأثرم عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عن أبي جنادة العدوي، قال: خرج أبو مسلم في رمضان للطلب بدم يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، فعقد لواء أسود، وخرج ومن معه مسوّدين كما يلبس للإحداد، وكان ذلك أول سواد رأيناه فاقشعررنا منه.
وحدثني أبو مسعود الكوفي قال: هرب يحيى بن زيد فاستخفى ولم يقدر يوسف بن عمر عليه، وانطوى عنه خبره، فلما كف عنه الطلب مضى إلى خراسان، فدل نصر بن سيار عليه فكتب إلى عامله على بلخ فأخذه وحمله إلى نصر في الحديد، فقال له نصر: ارحل عن خراسان إلى حيث شئت فإن أباك قتل أمس وأنا أكره أن أقتلك اليوم أو أعرضك للقتل، فلم يقبل قوله وأتى نيسابور فاجتمع إليه قوم فقتل عاملها وهو رجل من بني
стр. 1322
سليم، وأخذ ما في بيت المال، فوجه نصر بن سيار إليه سلم بن أحوز المازني من تميم صاحب شرطته فقاتله في يوم جمعة إلى وقت الصلاة ثم تحاجزوا، ودخل يحيى وأصحابه مبقلة ليتوضأوا للصلاة ويصلوا فكارّ عليهم سلم الخيل وهم غارون فقتلهم، وشد رجل من كندة يقال له سورة بن محمد على يحيى فقتله واحتز رأسه وأتى نصرا به، فبعث به إلى الوليد بن يزيد فنصبه بدمشق.
قال الشاعر في يحيى حين حمل مكبلا:
أليس بعين الله ما تصنعونه … عشيّة يحيى موثق في السلاسل
كلاب تعاوت لا هدى الله أمرها … فجاءت بصيد لا يحلّ لآكل
وبعضهم يقول: صلب بالطالقان، وذلك غلط.
المدائني قال: كان زيد بن علي يقول: اطلب ما يعنيك واترك ما لا يعنيك، فإن في ترك ما لا يعنيك دركا لما يعنيك، وإنما تقدم على ما قدّمت لا على ما أخّرت. وآثر ما تلقاه غدا على ما لا تلقاه أبدا.
стр. 1323
أمر محمد بن محمد بن زيد بن علي ﵈
قالوا: لما مات ابن طباطبا عقد أبو السرايا لمحمد بن محمد بن زيد بن علي بن حسين بن علي وهو يومئذ غلام، فخطب فأحسن القول في بني العباس، وقال: إن قوما يزعمون أن مال بني العباس فيء لنا، جهال ضلال، يحكمون بلا علم ويقولون بلا رويّة، فقام إليه عبد العزيز بن عيسى بن موسى فجزاه خيرا وشكره، وقال له عبد الله بن رئاب: قد كان هذا الكلام يتلجلج في صدري حتى أخرجه الله على لسانك.
ووجه الحسن بن سهل عبدوس بن أبي خالد المروزي أحد قواد الأبناء في كثف من الناس فقاتله فقتل عبدوس وجميع أصحابه، وأسر هارون أخوه المقتول بالسند في خلافة الواثق بالله فحبس بالكوفة، ونزل أبو السرايا قصر ابن هبيرة، ثم نهر صرصر، وبعث إلى المدائن من أخذها.
فوجه الحسن بن سهل إليه بمشورة منصور بن المهدي وغيره هرثمة بن أعين. وقال علي بن أبي سعيد: هبوا أن هرثمة قد مات أتضيع الخلافة؟
وكان هرثمة قد شخص يريد خراسان والمأمون بها، فوجه إليه من
стр. 1324
رده، وضم إليه محمد بن إبراهيم الإفريقي وموسى بن يحيى بن خالد بن برمك فعسكر بالفرك، ومضى إلى نهر صرصر واتخذ جسرا ربطه بالسلاسل فقاتل أبا السرايا فهزمه، ولقيته خيل ابن أبي سعيد بالمدائن فقتل أبو الهرماس أحد أصحابه، ومضى أبو السرايا يريد قصر ابن هبيرة، وأقحم هرثمة مهرا له في الأجمة، فلم تكن له حيلة فنادى: يا أبا السرايا إني لم آت لمحاربتك، ولكنه بلغنا موت المأمون فجئت لنجتمع على رجل يلي الأمر، فربثه (١) حتى تخلص وتلاحق به أصحابه، فحمل على أبي السرايا وأصحابه، وأنشب الحرب، فهزمهم هرثمة، وقتل من أهل الكوفة زهاء ثلاثين ألفا، وصار أبو السرايا إلى الكوفة منهزما.
وقدم قوم من أهل قم فصاروا مع أبي السرايا فلقي هرثمة فتضعضع أصحابه للقاء القميين إياهم، ثم لم يزل هرثمة يغاديهم القتال ويراوحهم إياه أربعين يوما حتى قتل من أهل الكوفة خلق، وفشلوا، فكان يصاح السلاح فلا يخرج منهم أحد.
وتوجه أبو السرايا إلى البصرة وعامله عليها العباس بن محمد الجعفري، فغلبه عليها زيد بن موسى، وسبق علي بن أبي سعيد أبا السرايا إلى البصرة فقاتله أهلها ومن بها من العلوية، وكان أحمد بن سعيد بن سلم على مقدمة ابن أبي سعيد، فخرج زيد بن موسى إلى المدينة، ومال أبو السرايا إلى الأهواز فلقيه الباذغيسي وهو يلقب المأموني، والقطيعة بسر من رأى منسوبة إليه، فقتل أصحاب أبي السرايا تحت كل حجر.
واعتل أبو السرايا فمضى هو ومحمد بن محمد، وأبو الشوك،
стр. 1325
والطبكي - وكان الطبكي قد صار مع أبي السرايا - متنكرين حتى صاروا إلى ناحية خانقين، فأنزلهم رجل هناك، وكان حماد الكندغوش على طريق خراسان، فبعث إليه الذي آواهم: إن أردت أبا السرايا، ومحمد بن محمد، وأبو الشوك فإنهم عندي، فركب حماد وأحسّ القوم بالشر فتسوروا حائطا ومضوا فدخلوا الجبل فطلبهم حماد حتى وقف عليهم فأخذهم وجاء بهم إلى الحسن بن سهل، والحسن بالنهروان فأدخلهم عليه، فأمر بضرب عنق ابن أبي السرايا، فضربه هارون بن أبي خالد، وبعث بمحمد وبأبي الشوك إلى المأمون بخراسان، فمات محمد بعد ما شاء الله وبقى أبو الشوك حيا ثم مات.
فكان عقب علي من ولده للحسن والحسين والعباس ابن الكلابية، وعمر ابن التغلبية، ومحمد ابن الحنفية، ﵈.
стр. 1326
أمر محمد بن علي بن أبي طالب وهو ابن خولة الحنفية
حدثنا الحسين بن علي الأسود العجلي عن يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن الحسن بن عمرو الفقمي عن منذر الثوري عن ابن الحنفية أنه قال: ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن ابن كناسة، حدثني مشايخ لنا قالوا: أهدى يزيد بن قيس إلى الحسن والحسين هدية فحطأ (١) علي كتف ابن الحنفية ثم قال متمثلا:
وما شر الثلاثة أم عمرو … بصاحبك الذي لا تصحبينا
فأهدى إليه كما أهدى إلى أحدهما.
وحدثنا أبو الحسين المدائني قال: قال ابن الحنفية: الكمال في ثلاث:
العفة في الدين والصبر على النوائب وحسن التقدير للمعيشة.
المدائني عن أبي العباس التميمي قال: قال محمد بن الحنفية: من كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينه.
стр. 1327
وقال ابن الكلبي: كان خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد مع ابن الحنفية، وكان المهاجر أبوه قتل مع علي بصفين، فأخذ عبد الله بن الزبير خالد بن المهاجر فعلق في عنقه زكرة (١) مملوءة شرابا، ثم ضربه الحد، فقال ابن الحنفية: ان ابن الزبير لرحب الذراع بما يضره.
وكان ابن الحنفية يقول: إنما يأمن في غده من خاف الله في يومه.
وكان يقول: شر عادات المرء اتباعه هواه.
المدائني قال: قال رجل لابن الحنفية وهو بالشام: أعليّ أفضل أم عثمان؟ فقال: اعفني، فلم يعفه فقال: أنت شبيه فرعون حين سأل موسى فقال: ما ﴿بالُ الْقُرُونِ الْأُولى * قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ﴾ (٢) فصاح الناس بالشامي: يا شبيه فرعون، حتى هرب إلى مصر.
وروي عن ابن الحنفية أنه قال: من لم يستعن بالرفق في أمره أضر الخلق بعمله.
وولد لمحمد بن الحنفية، ويكنى أبا القاسم: الحسن بن محمد لا بقية له وأمه جمال بنت قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمها درة بنت عقبة من الأنصار، وهو أول من تكلم في الإرجاء (٣)، وكان ناسكا مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وأخوه لأمه الصلت بن سعد بن الحارث بن الصمة من بني النجار من الأنصار.
وعبد الله بن محمد ويكنى أبا هاشم. وجعفر الأكبر. وحمزة. وعلي، لأم ولد تدعى نائلة.
стр. 1328
وجعفر الأصغر. وعون، أمهما أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب.
والقاسم بن محمد. وعبد الرحمن، لا بقية لهما. وأم القاسم، وأم أبيها. ورقيه. وحبابه، أمهم الشهباء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمها ابنة المطلب بن أبي وداعة السهمي.
وابراهيم بن محمد، وأمه مشرعة ويقال بسرة بنت عباد بن شيبان بن جابر بن نسيب بن وهيب من ولد مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، وأمها أميمة بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأمها أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب.
وقال أبو اليقظان: لا عقب لأبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية.
وقال غيره: ولد له هاشم ومحمد الأكبر أمهما من ولد آبي اللحم (١) الغفاري. ومحمد الأصغر وغيرهم.
حدثني عبد الله بن صالح عن ابن كناسة عن قيس بن الربيع أن الشيعة كانت تزعم أن محمد بن الحنفية هو الإمام بعد علي بن أبي طالب، فلما توفي قالوا: هو أبو هاشم ابنه، فوشى بأبي هاشم رجل إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان وقال: ان له بالعراق شيعة وإنه يتسمى أمير المؤمنين، فقبل الوليد ذلك، وبعث إلى عبد الله بن محمد فقدم به عليه فحبس في
стр. 1329
سجن دمشق، ثم حوّل من السجن إلى دار حتى قدم علي بن الحسين بن علي على الوليد وكان مرضيا عندهم، فكلمه فيه فأطلقه وأنزله في قصره، فكان يسمر عنده، فقال له ليلة من الليالي: لقد أسرع إليك الشيب يا أبا البنات، وكان أكثر ولده بنات. فقال له: أتعيرني بالبنات وقد كان نبي الله لوط، ونبي الله شعيب، ومحمد نبي الله صلّى الله عليهم آباء بنات، فغضب الوليد وقال: إنك لألد (١)، وأمره أن يرحل عنه فرحل يريد المدينة، فلما كان بالبلقاء مرض فمال إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فتوفي عنده وأوصى إليه.
المدائني عن غسان بن عبد الحميد قال: وفد أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية على سليمان بن عبد الملك فوصله، ثم تجهز فقدّم ثقله، وأتى سليمان ليودعه فحبسه سليمان حتى تغدى عنده في يوم شديد الحر، فخرج نصف النهار وقد عطش عطشا شديدا فمر بأخبية، فعدل إلى خباء منها فاستسقى فسقي ففتر وسقط، فأرسل رسولا إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقال له: ان هذا الأمر أمر أنت أوّل من يقوم به ولولدك آخره.
المدائني قال: كان ابراهيم بن محمد بن طلحة أخا الحسن بن الحسن لأمه وكان جلدا فغلب على الأموال التي لبني الحسن فشكوا ذلك لأبي هاشم بن محمد بن الحنفية، فإنه لعند هشام بن اسماعيل المخزومي، وهو والي المدينة، اذ دخل ابراهيم بن محمد بن طلحة، فقال أبو هاشم: أصلح الله الأمير، إن أردت الظالم الظالع فهذا، وكان ابراهيم أعرج، فأغلظ له
стр. 1330
ابراهيم وقال: أما والله إني لأبغضك. فقال: ما أحقك بذلك، ولم لا تبغضني وقد قتل جدي أباك، وناك عمي أمك، وأمه خولة بنت منظور.
وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن معن بن يزيد الهمداني قال: لما استخلف سليمان بن عبد الملك أتاه أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وافدا في عدة من الشيعة منهم أبو ميسرة، وأبو عكرمة مولى قريش، وحيان خال ابراهيم بن سلمة، وغيرهم. وكان محمد بن الحنفية حين حضرته الوفاة أوصى إليه وقلده أمر الشيعة والقيام بشأنهم، فلما دخل عليه استبرع بيانه وعقله، وقال: ما أظن هذا إلاّ الذي يحدّث عنه. فأجازه وقضى حوائجه ثم شخص، فبعث سليمان معه دليلا وأمره أن يخدمه فحاد به عن الطريق، وقد أعدله أعرابيا في خباء ومعه غنم له ومعه سم، فوافاه وقد كاد العطش يأتي عليه، فاستسقى من الأعرابي فسقاه لبنا قد جعل فيه ذلك السم، فلما شربه مرض، فمال إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو بالحميمة، فمات عنده.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: قدم أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية على سليمان بن عبد الملك فبرّه وأكرمه، ثم صرفه واعدّ له في طريقه أعرابا في أخبية، وعندهم أغنام لهم، ووجه معه رجلا من خاصته ينزله ويقوم بحوائجه، فلما صار إلى الأخبية عرض عليه لبنا وقد اشتد عطشه، فدعا الرجل له به فأتي بشيء منه في قدح نطار (١) فألقى فيه سما دفعه سليمان إليه وأبو هاشم لا يدري، فلما شربه أحس بالسم فعدل إلى الحميمة
стр. 1331
فمات هناك عند محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وقال له: يا بن عم، إنا كنا نظن أن الإمامة فينا، فقد زال الشك، وصرح اليقين بأنك الامام دون أبي ﵀، وأعطاه كتبه وسمى له شيعته.
стр. 1332
خبر محمد ابن الحنفية وابن الزبير وعبد الملك بن مروان.
قالوا: بايع محمد ابن الحنفية ليزيد بن معاوية حين أخذ معاوية له البيعة على الناس غير مغتاص ولا ملتو عليه، فكان معاوية يشكر له ذلك ويصله عليه ويقول: ما في قريش كلها أرجح حلما ولا أفضل علما ولا أسكن طائرا، ولا أبعد من كل كبر وطيش ودنس من محمد بن علي، فقال له مروان ذات يوم: والله ما نعرفه الا بخير، فأما كل ما يذكر فإن غيره من مشيخة قريش أولى به، فقال معاوية: لا تجعلن من يتخلق لنا تخلقا وينتحل لنا الفضل انتحالا كمن جبله، إنه على الخير وأجراه على السداد، فو الله ما علمتك إلا موزعا مغرى بالخلاف.
وكان يزيد يعرف ذلك له أيضا، فلما ولي يزيد لم يسمع عن ابن الحنفية الا جميلا وببيعته إلا تمسكا ووفاء، وازداد له حمدا وعليه تعطفا، فلما قتل الحسين بن علي، وكان من ابن الزبير ما كان مما نحن ذاكروه ان شاء الله كتب يزيد إلى ابن الحنفية يعلمه أن قد أحبّ رؤيته وزيارته إياه، ويأمره بالإقبال إليه، فقال له عبد الله ابنه: لا تأته فإني غير آمنه عليك، فخالفه
стр. 1333
ومضى إلى يزيد، فلما قدم عليه أمر فأنزل منزلا وأجرى عليه ما يصلحه ويسعه، ثم دعا به وأدنى مجلسه وقرّبه حتى صار معه، ثم قال له: آجرنا الله وإياك في الحسين بن علي، فو الله لئن كان نغضك (١) لقد نغضني، ولئن كان أوجعك لقد أوجعني، ولو أني أنا الذي وليت أمره ثم لم استطع دفع الموت عنه إلا بحزّ أصابعي أو بذهاب نواظري لفديته بذلك، وإن كان قد ظلمني وقطع رحمي ولا أحسبه إلا قد بلغك أنا نقوم به فننال منه ونذمه، وأيم الله ما نفعل ذلك لئلا يكونوا الأحباء الأعزاء، ولكنا نريد إعلام الناس أنا لا نرضى إلا بأن لا ننازع أمرا خصنا الله به، وانتخبنا الله له.
فقال له ابن الحنفية: وصلك الله، ورحم حسينا وغفر له، قد علمنا أن ما نغضنا فهو لك ناغض، وما عالنا فهو لك عائل، وما حسين بأهل أن تقوم به فتقصيه وتجذبه، وأنا أسألك يا أمير المؤمنين أن لا تسمعني فيه شيئا أكرهه.
فقال يزيد: يا بن عم. لست تسمع مني فيه شيئا تكرهه، وسأله عن دينه، فقال: ما علي دين فقال يزيد لابنه خالد بن يزيد: يا بني إن عمك هذا بعيد من الخبّ واللؤم والكذب، ولو كان لبعض هؤلاء لقال: عليّ كذا وكذا، ثم أمر له بثلاثمائة ألف درهم فقبضها، ويقال انه أمر له بخمسمائة ألف، وعروض بمائة ألف درهم.
وكان يزيد يتصنع لابن الحنفية ويسأله عن الفقه والقرآن، فلما جاء ليودعه قال له: يا أبا القاسم إن كنت رأيت مني خلقا تنكره نزعت عنه، وأتيت الذي تشير به عليّ، فقال: والله لو رأيت منكرا ما وسعني إلا أن
стр. 1334
أنهاك عنه وأخبرك بالحق لله فيه، لما أخذ الله على أهل العلم من أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وما رأيت منك إلاّ خيرا.
وشخص من الشام حتى ورد المدينة، فلما وثب الناس بيزيد وخلعوه ومالوا إلى ابن الزبير، وأتاهم مسلم بن عقبة المري في أهل الشام، جاء عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مطيع في رجال من قريش والأنصار فقالوا لابن الحنفية: أخرج معنا نقاتل يزيد، فقال لهم محمد بن علي: على ماذا أقاتله ولم أخلعه؟ قالوا: إنه كفر وفجر، وشرب الخمر، وفسق في الدين، فقال لهم محمد بن الحنفية: ألا تتقون الله هل رآه أحد منكم يعمل ما تذكرون، وقد صحبته أكثر مما صحبتموه فما رأيت منه سوءا.
قالوا: إنه لم يكن يطلعك على فعله. قال: أفأطلعكم أنتم عليه؟ فلئن كان فعل إنكم لشركاؤه، ولئن كان لم يطلعكم لقد شهدتم على غير ما علمتم.
فخافوا أن يثبّط قعوده الناس عن الخروج فعرضوا عليه أن يبايعوه إذكره ان يبايع لابن الزبير، فقال: لست أقاتل تابعا ولا متبوعا. قالوا:
فقد قاتلت مع أبيك. قال: وأين مثل أبي اليوم.
فأخرجوه كارها ومعه بنوه متسلحين وهو في نعل ورداء، وهو يقول:
يا قوم اتقوا الله ولا تسفكوا دماءكم. فلما رأوه غير منقاد لهم خلوه. فذهب أهل الشام ليحملوا عليه فضارب بنوه دونه فقتل ابنه القاسم بن محمد، وضرب أبو هاشم قاتل أخيه فقتله.
وأقبل ابن الحنفية إلى رحله فتجهز ثم خرج إلى مكة من فوره ذلك، فأقام بها حتى حصر عبد الله بن الزبير حصاره الأول، وهو في ذلك قاعد عنه
стр. 1335
لا يغشاه ولا يأتيه، وسأل قوم من الشيعة من أهل الكوفة عن خبره فأعلموا أنه بمكة، فشخصوا إليه وكانوا سبعة عشر رجلا وهم: معاذ بن هانئ بن عدي ابن أخي حجر بن عدي الكندي، ومحمد بن يزيد بن مزعل الهمداني ثم الصائدي، ومحمد بن نشر الهمداني، وأبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، وهانئ بن قيس الصائدي، وصخير بن مالك المزني، وسرح بن مالك الخثعمي، والنعمان بن الجعد الغامدي، وشريح بن احناء الحضرمي، ويونس بن عمرو بن عمران الجابري من همدان، وعبد الله بن هانئ الكندي، وهو الذي قتل بعد ذلك مع المختار، وجندب بن عبد الله الأزدي، ومالك بن حزام بن ربيعة، قتله المختار بعد بجبانة السبيع، وهو ابن أخي لبيد بن ربيعة الشاعر، وقيس بن جعونة الضبابي، وعبد الله بن ورقاء السلولي.
فبعث عبد الله بن الزبير إلى ابن الحنفية بعد انصراف أهل الشام من مكة مع الحصين بن نمير السكوني، وموت يزيد بن معاوية: أن هلمّ فبايعني. فأبى عليه، وبايع الناس ابن الزبير بالمدينة والكوفة والبصرة، فأرسل إليه أن الناس قد بايعوا واستقاموا فبايعني. فقال له: إذا لم يبق غيري بايعتك.
وبعث إلى السبعة عشر الكوفيين فسألهم عن حالهم وأمرهم بالبيعة له، فقالوا: نحن قوم من أهل الكوفة اعتزلنا أمر الناس حين اختلفوا، وأتينا هذا الحرم لئلا نؤذي أحدا ولا نؤذى، فإذا اجتمعت الأمة على رجل دخلنا معهم فيما دخلوا فيه، وهذا مذهب صاحبنا، ونحن معه عليه وله صحبناه.