فمات هناك عند محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وقال له: يا بن عم، إنا كنا نظن أن الإمامة فينا، فقد زال الشك، وصرح اليقين بأنك الامام دون أبي ﵀، وأعطاه كتبه وسمى له شيعته.
стр. 1332
خبر محمد ابن الحنفية وابن الزبير وعبد الملك بن مروان.
قالوا: بايع محمد ابن الحنفية ليزيد بن معاوية حين أخذ معاوية له البيعة على الناس غير مغتاص ولا ملتو عليه، فكان معاوية يشكر له ذلك ويصله عليه ويقول: ما في قريش كلها أرجح حلما ولا أفضل علما ولا أسكن طائرا، ولا أبعد من كل كبر وطيش ودنس من محمد بن علي، فقال له مروان ذات يوم: والله ما نعرفه الا بخير، فأما كل ما يذكر فإن غيره من مشيخة قريش أولى به، فقال معاوية: لا تجعلن من يتخلق لنا تخلقا وينتحل لنا الفضل انتحالا كمن جبله، إنه على الخير وأجراه على السداد، فو الله ما علمتك إلا موزعا مغرى بالخلاف.
وكان يزيد يعرف ذلك له أيضا، فلما ولي يزيد لم يسمع عن ابن الحنفية الا جميلا وببيعته إلا تمسكا ووفاء، وازداد له حمدا وعليه تعطفا، فلما قتل الحسين بن علي، وكان من ابن الزبير ما كان مما نحن ذاكروه ان شاء الله كتب يزيد إلى ابن الحنفية يعلمه أن قد أحبّ رؤيته وزيارته إياه، ويأمره بالإقبال إليه، فقال له عبد الله ابنه: لا تأته فإني غير آمنه عليك، فخالفه
стр. 1333
ومضى إلى يزيد، فلما قدم عليه أمر فأنزل منزلا وأجرى عليه ما يصلحه ويسعه، ثم دعا به وأدنى مجلسه وقرّبه حتى صار معه، ثم قال له: آجرنا الله وإياك في الحسين بن علي، فو الله لئن كان نغضك (١) لقد نغضني، ولئن كان أوجعك لقد أوجعني، ولو أني أنا الذي وليت أمره ثم لم استطع دفع الموت عنه إلا بحزّ أصابعي أو بذهاب نواظري لفديته بذلك، وإن كان قد ظلمني وقطع رحمي ولا أحسبه إلا قد بلغك أنا نقوم به فننال منه ونذمه، وأيم الله ما نفعل ذلك لئلا يكونوا الأحباء الأعزاء، ولكنا نريد إعلام الناس أنا لا نرضى إلا بأن لا ننازع أمرا خصنا الله به، وانتخبنا الله له.
فقال له ابن الحنفية: وصلك الله، ورحم حسينا وغفر له، قد علمنا أن ما نغضنا فهو لك ناغض، وما عالنا فهو لك عائل، وما حسين بأهل أن تقوم به فتقصيه وتجذبه، وأنا أسألك يا أمير المؤمنين أن لا تسمعني فيه شيئا أكرهه.
فقال يزيد: يا بن عم. لست تسمع مني فيه شيئا تكرهه، وسأله عن دينه، فقال: ما علي دين فقال يزيد لابنه خالد بن يزيد: يا بني إن عمك هذا بعيد من الخبّ واللؤم والكذب، ولو كان لبعض هؤلاء لقال: عليّ كذا وكذا، ثم أمر له بثلاثمائة ألف درهم فقبضها، ويقال انه أمر له بخمسمائة ألف، وعروض بمائة ألف درهم.
وكان يزيد يتصنع لابن الحنفية ويسأله عن الفقه والقرآن، فلما جاء ليودعه قال له: يا أبا القاسم إن كنت رأيت مني خلقا تنكره نزعت عنه، وأتيت الذي تشير به عليّ، فقال: والله لو رأيت منكرا ما وسعني إلا أن
стр. 1334
أنهاك عنه وأخبرك بالحق لله فيه، لما أخذ الله على أهل العلم من أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وما رأيت منك إلاّ خيرا.
وشخص من الشام حتى ورد المدينة، فلما وثب الناس بيزيد وخلعوه ومالوا إلى ابن الزبير، وأتاهم مسلم بن عقبة المري في أهل الشام، جاء عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مطيع في رجال من قريش والأنصار فقالوا لابن الحنفية: أخرج معنا نقاتل يزيد، فقال لهم محمد بن علي: على ماذا أقاتله ولم أخلعه؟ قالوا: إنه كفر وفجر، وشرب الخمر، وفسق في الدين، فقال لهم محمد بن الحنفية: ألا تتقون الله هل رآه أحد منكم يعمل ما تذكرون، وقد صحبته أكثر مما صحبتموه فما رأيت منه سوءا.
قالوا: إنه لم يكن يطلعك على فعله. قال: أفأطلعكم أنتم عليه؟ فلئن كان فعل إنكم لشركاؤه، ولئن كان لم يطلعكم لقد شهدتم على غير ما علمتم.
فخافوا أن يثبّط قعوده الناس عن الخروج فعرضوا عليه أن يبايعوه إذكره ان يبايع لابن الزبير، فقال: لست أقاتل تابعا ولا متبوعا. قالوا:
فقد قاتلت مع أبيك. قال: وأين مثل أبي اليوم.
فأخرجوه كارها ومعه بنوه متسلحين وهو في نعل ورداء، وهو يقول:
يا قوم اتقوا الله ولا تسفكوا دماءكم. فلما رأوه غير منقاد لهم خلوه. فذهب أهل الشام ليحملوا عليه فضارب بنوه دونه فقتل ابنه القاسم بن محمد، وضرب أبو هاشم قاتل أخيه فقتله.
وأقبل ابن الحنفية إلى رحله فتجهز ثم خرج إلى مكة من فوره ذلك، فأقام بها حتى حصر عبد الله بن الزبير حصاره الأول، وهو في ذلك قاعد عنه
стр. 1335
لا يغشاه ولا يأتيه، وسأل قوم من الشيعة من أهل الكوفة عن خبره فأعلموا أنه بمكة، فشخصوا إليه وكانوا سبعة عشر رجلا وهم: معاذ بن هانئ بن عدي ابن أخي حجر بن عدي الكندي، ومحمد بن يزيد بن مزعل الهمداني ثم الصائدي، ومحمد بن نشر الهمداني، وأبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، وهانئ بن قيس الصائدي، وصخير بن مالك المزني، وسرح بن مالك الخثعمي، والنعمان بن الجعد الغامدي، وشريح بن احناء الحضرمي، ويونس بن عمرو بن عمران الجابري من همدان، وعبد الله بن هانئ الكندي، وهو الذي قتل بعد ذلك مع المختار، وجندب بن عبد الله الأزدي، ومالك بن حزام بن ربيعة، قتله المختار بعد بجبانة السبيع، وهو ابن أخي لبيد بن ربيعة الشاعر، وقيس بن جعونة الضبابي، وعبد الله بن ورقاء السلولي.
فبعث عبد الله بن الزبير إلى ابن الحنفية بعد انصراف أهل الشام من مكة مع الحصين بن نمير السكوني، وموت يزيد بن معاوية: أن هلمّ فبايعني. فأبى عليه، وبايع الناس ابن الزبير بالمدينة والكوفة والبصرة، فأرسل إليه أن الناس قد بايعوا واستقاموا فبايعني. فقال له: إذا لم يبق غيري بايعتك.
وبعث إلى السبعة عشر الكوفيين فسألهم عن حالهم وأمرهم بالبيعة له، فقالوا: نحن قوم من أهل الكوفة اعتزلنا أمر الناس حين اختلفوا، وأتينا هذا الحرم لئلا نؤذي أحدا ولا نؤذى، فإذا اجتمعت الأمة على رجل دخلنا معهم فيما دخلوا فيه، وهذا مذهب صاحبنا، ونحن معه عليه وله صحبناه.
стр. 1336
فوقع في ابن الحنفية وتنقصه وقال: أما والله ما صاحبكم بمرضيّ الدين، ولا محمود الرأي، ولا راجح العقل، ولا لهذا الأمر بأهل.
فقام عبد الله بن هانئ فقال: قد فهمت ما ذكرت به ابن عمك من السوء، ونحن أعلم به وأطول معاشرة له منك، وأنت تقتل من لم يبايعك، وهو يقول والله ما أحب أن الأمة بايعتني كلها غير سعد مولى معاوية، فبعثت إليه فقتلته، وإنما عرض به لأنه كان بعث إلى سعد فقتله.
وكلمه عبد الله بن هانئ بكلام كثير فقال: إلهزوه وجؤوا (١) في قفاه.
فقال: أتفعل هذا في حرم الله وأمنه وجوار بيته؟ فقالوا له: لئن لم يضرّك إلا تركنا بيعتك لا يضرك شيء أبدا، ولا يلحقك مكروه، ودعا به فقال:
إيه، أبي تضرب الأمثال، وإياي تأتي بالمقاييس؟ فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ (٢) فقال ابن الزبير: ادفعوهم عني لعنكم الله من عصابة.
فأتوا ابن الحنفية فأخبروه بما كان بينهم وبين ابن الزبير، فجزاهم خيرا وعرض عليهم أن يعتزلوه فأبوا وقالوا: نحن معك في العسر واليسر، والسهل والوعر، لا نفارقك حتى يجعل الله لك فسحة وفرجا، وبايعوه على ذلك فقال لهم: إني بكم لمتأنس كثير، وسأله بعضهم أن يرصدوا ابن الزبير فيقتلوه إذا خرج من الحرم فكره ذلك، وقال: ما يسرني أني قتلت حبشيا مجدّعا ثم أجمع سلطان العرب كله.
وقدم على السبعة العشر الرجل من أبنائهم ثلاثة نفر: بشر بن
стр. 1337
سرح، والطفيل بن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وبشر بن هانئ بن قيس.
فلما يئس ابن الزبير من بيعة ابن الحنفية وأصحابه وقد فسدت عليه الكوفة، وغلب المختار بن أبي عبيد الثقفي عليها، وأخرج ابن مطيع عامله عليها، ودعت الشيعة بها لابن الحنفية ثقل عليه مكان ابن الحنفية معه، وخشي أن يتداعى الناس إلى الرضى به. فحبسه وأهل بيته ومن كان معه من أصحابه أولئك بزمزم ومنع الناس منهم، ووكل بهم الحرس، ثم بعث إليهم:
أعطي الله عهدا لئن لم تبايعوني لأضربنّ أعناقكم أو لأحرقنكم بالنار.
وكان رسوله بذلك عمرو بن عروة بن الزبير، فقال له ابن الحنفية:
قل لعمك لقد أصبحت جريئا على الدماء منتهكا للحرمة متلثلثا (١) في الفتنة.
وقال له عدة من السبعة العشر الرجل فيهم ابن مزعل: إن هذا حصرنا بحيث ترى، وخوفنا بما تعلم، و والله ما ننتظر إلا أن يقدم، وقد ظهر بالكوفة من يدعو إلى بيعتك والطلب بدماء أهل بيتك فالطف لبعثة رسل من قبلك يعلمونهم حالك وحال أهل بيتك. فقال: اختاروا منكم نفرا فاختاروا الطفيل بن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وهو المقتول مع ابن الأشعث، ومحمد بن نشر، وأبا المعتمر وهانئ بن قيس، فأمرهم ابن الحنفية بكتمان أمرهم، وأمر لهم بأربع نجائب وأجّلهم لذهابهم ومجيئهم ستا وعشرين ليلة، فلما هدأت العيون ونام طالع الكلاب، ورمق الحرس فوجدهم نياما مستثقلين دفع إليهم كتابا منه إلى المختار بن أبي عبيد ومن قبله من الشيعة، يخبرهم فيه بحالهم وما يتخوفون من ابن الزبير، ويقول فيه:
стр. 1338
يا غوثتا بالله يا غوثتا بالله. وقال: إن رأيتم منه ما تحبون حمدتم الله على ذلك، وإن رأيتم منه تقصيرا فاعلموا الناس ما جاء بكم، والحال التي تركتمونا عليها.
فلما قرأ المختار الكتاب دعا أصحابه فقرأه عليهم، فوثب جميع من في القصر يبكون ويضجون ويقولون للمختار: سرّحنا إليه وعجّل، فخطب المختار الناس وقال: هذا كتاب مهديكم وصريخ أهل بيت نبيكم ومن معه من إخوانكم وقد تركوا محظورا عليهم حظار كزرب الغنم ينتظرون القتل والتحريق في آناء الليل ونارات النهار، لست بأبي إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا وأسرّب إليهم الخيل آثار الخيل كالسيل يتلوه السيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل - يعني بابن الكاهلية عبد الله بن الزبير وذلك أن أم خويلد أبي العوام زهرة بنت عمرو بن حنثر من بني كاهل بن أسد بن خزيمة-.
وأنفذ المختار جواب كتاب ابن الحنفية مع محمد بن نشر والطفيل بن أبي الطفيل عامر بن واثلة، واحتبس قبله أبا المعتمر وهانئ بن قيس ليسرح معهما جيشا.
ثم وجه أبا عبد الله بن عبد من ولد وائلة بن عمرو بن ناج بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان - وهو الذي يعرف بأبي عبد الله الجدلي، لأن أم عدوان بن عمرو بن فهم بن عمرو، يقال لها جديلة فهم ينسبون إليها - في سبعين راكبا، وعقبة بن طارق الجشمي في أربعين راكبا، ويونس بن عمرو بن عمران الجابري في أربعين راكبا، وكان يونس قد رجع إلى الكوفة قبل شخوص هؤلاء الأربعة النفر، فسار هؤلاء المائة والخمسون
стр. 1339
ومن عليهم حتى وافوا مكة وابن الحنفية وأهل بيته وأولئك القوم بزمزم قد أعد لهم عبد الله بن الزبير الحطب ليحرقهم بالنار فيما يظهر للناس ولهم، حتى يبايعوا. فعقل القادمون رواحلهم بالباب ودخلوا فكبروا ونادوا:
يا لثارات الحسين ثم شدوا على الحرس الموكلين بابن الحنفية وأصحابه فطردوهم، ودخلوا عليه يفدونه بآبائهم وأمهاتهم ويقولون: خلّ بيننا وبين ابن الزبير. فقال: لا أستحل القتال في حرم الله.
وقال ابن الزبير: وا عجبا من هذه الخشبية (١) الذين اعتزلوني في سلطاني ينعون حسينا كأني أنا قاتل حسين، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم.
وكان دخولهم على ابن الزبير وفي أيديهم الخشب كراهة أن يشهروا السيوف في الحرم والمسجد الحرام. وقال بعضهم بل وثبوا على الخشب الذي كان ابن الزبير جمعه حول زمزم لإحراق ابن الحنفية وأصحابه، فأخذ كل امرئ منهم بيده خشبة فسموا خشبية.
وأقبل ابن الزبير على أبي عبد الله الجدلي وأصحابه فقال: أتروني أخلي سبيل صاحبكم دون أن يبايع وتبايعوا؟ فقال الجدلي: ورب الركن والمقام
стр. 1340
والحل والإحرام لتخلين سبيله فينزل من مكة حيث شاء، ومن الأرض حيث أحب أو لنجالدنّك بأسيافنا.
فقال ابن الزبير - ورأى أن أصحابه قد ملأوا المسجد، وأن أصحاب ابن الحنفية لا يبلغون مائتين-: وما هؤلاء، والله لو أذنت لأصحابي فيهم ما كانوا عندهم إلا أكلة رأس.
فقال صخير بن مالك: أما والله لأرجو إن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحب.
وقام الطفيل بن عامر فقال:
قد علمت ذات الشباب الرّود … والجرم ذي البضاضة الممسود
إنا أسود وبنو الأسود
فقال ابن الحنفية لعامر: يا أبا الطفيل مر ابنك فليسكت، وتكلم ابن الحنفية فقال: آمركم بتقوى الله وأن تحقنوا دماءكم، وإني معتزل لهذه الفتنة حتى تجتمع الأمة. إذ اختلفت وتفرقت فأطيعوني.
وقال عبد الله بن عباس بن عبد المطلب لابن الزبير: قد نهيتك عن هذا الرجل وأعلمتك أنه لا يريد منازعتك فاكفف عنه وعن أصحابه.
فقال: والله لا أفعل حتى يبايع وتبايعوا، أما بايع يزيد ولا يبايعني؟!
فمكث القوم ثلاثة أيام قد صفّ بعضهم لبعض في المسجد والمعتمرون يمشون فيما بينهم بالصلح - فلما كان اليوم الثالث قدم عليهم من قبل المختار أبو المعتمر في مائة، وهانئ بن قيس في مائة، وظبيان بن عمارة التميمي في مائتين، ومعه مال بعث به المختار، وهو أربعمائة ألف درهم،
стр. 1341
ثم أقبلوا جميعا حتى دخلوا المسجد يكبرون وينادون: يا لثارات الحسين، فلما رآهم اصحاب ابن الزبير خافوهم.
ورأى ابن الحنفية أنه قد امتنع وأصحابه فقال لهم: اخرجوا بنا إلى الشّعب. ولم يقدر ابن الزبير على حبسهم فخرج فنزل شعب علي، وضم إليه المال الذي عنده، وأتته الشيعة من عشرة وعشرين ورجل ورجلين حتى اجتمع عنده أربعة آلاف رجل، ويقال أقل من أربعة آلاف فقسم بينهم المال الذي أتاه، فلما صار ابن الحنفية في هذا الجمع استأذنه قوم ممن كان قدم إليه في إتيان الكوفة للإمام بأهليهم ثم الرجوع إليه، منهم عبد الله بن هانئ الكندي، وعقبة بن طارق الجشمي، ومالك بن حزام بن ربيعة الكلابي، وعبد الله بن ربيعة الجشمي، فقدموا الكوفة، فلما كانت وقعة جبانة السبيع (١) قاتلوا المختار إلاّ عبد الله بن هانئ فيقال إنه رجع إلى ابن الحنفية.
ثم إن المختار بعث إلى ابن الحنفية بثلاثين ألف دينار مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي، وعبد الله بن شداد الجشمي، والسائب بن مالك الأشعري، وعبد الله وهو عبدل لام بن الحصل الطائي، وبعث معهم برأس عبيد الله بن زياد، وحصين بن نمير، وابن ذي الكلاع، فنصبت هذه الرؤوس على باب المسجد.
وقسم ابن الحنفية ذلك المال بين أصحابه فقووا وعزوا.
قالوا: ولم يزل ابن الحنفية بالشعب عزيزا منيعا حتى قتل المختار، وظهر مصعب بن الزبير على الكوفة، واشتد أمر عبد الله بن الزبير وتضعضع
стр. 1342
أمر أصحاب ابن الحنفية، وانقطعت عنهم موادهم، واشتدت حاجتهم، وقال ابن الزبير لابن عباس: لم يبلغك قتل الكذاب؟. قال: ومن الكذاب؟. قال: ابن أبي عبيد. فقال: قد بلغني قتل المختار، قال:
كأنك تكره تسميته كذابا وتتوجع له؟. فقال: ذلك رجل قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا، وشفى غليل صدورنا، ليس جزاؤه منا الشتم والشماتة.
فقال ابن الزبير: لست أدري أأنت معنا أم علينا.
ومر ابن عباس بعروة بن الزبير فقال: قد قتل الكذاب المختار وهذا رأسه، فقال ابن عباس: إنه قد بقيت لكم عقبة فإن صعدتموها فأنتم أنتم - يعني عبد الملك وأهل الشام-.
وبعث ابن الزبير إلى ابن الحنفية إن البلاد قد افتتحت، وإن الامور قد استوسقت فاخرج إليّ فادخل فيما دخل فيه الناس وإلا فإني منابذك.
وكان رسوله بذلك عروة بن الزبير، فقال له ابن الحنفية: بؤسا لأخيك ما ألحّه في إسخاط الله وأغفله عن ذات الله.
وقال لأصحابه في خطبة خطبها: إنه بلغني أن هذا العدو الذي قربت داره وساء جواره واشتدت ضغينته يريد أن يثور إلينا بمكاننا هذا من يومنا هذا، وقد أذنت لمن أحب الأنصراف عنا في ذلك فإنه لا ذمام عليه منا ولا لوم فإني مقيم حتي يفتح الله بيني وبينه وهو خير الفاتحين.
فقام إليه أبو عبد الله الجدلي، ومحمد بن نشر، وعبد الله بن سبيع فتكلموا وأعلموه أنهم غير مفارقيه.
قالوا: وجدّ ابن الزبير في قتال ابن الحنفية، وكره ابن الحنفية أن يقاتله في الحرم، وقد كان خبر ابن الحنفية انتهى إلى عبد الملك بن مروان،
стр. 1343
وبلغه فعل ابن الزبير فبعث إليه يعلمه إنه إن قدم عليه أحسن إليه، وعرض عليه أن ينزل إي الشام شاء حتى يستقيم أمر الناس، وكان رسوله إليه حبيب بن كرّه مولاهم.
وكتب عبد الله بن عباس إلى عبد الملك في محمد بن الحنفية كتابا يسأله فيه الوصاة بمحمد بن الحنفية والعناية بشأنه والحيطة عليه، إذا صار إلى الشام، فأجابه عبد الملك بكتاب حسن يعلمه فيه قبول وصيته، وسأله أن ينزل به (١) حوائجه، وخرج ابن الحنفية وأصحابه يريدون الشام، وخرج كثير عزة أمامه وهو يقول:
هديت يا مهديّنا ابن المهتدي … أنت الذي نرضى به ونرتجي
أنت ابن خير الناس من بعد النبي … أنت إمام الحق لسنا نمتري
يا بن عليّ سر ومن مثل علي (٢) …
وأتى ابن الحنفية مدين وبها مظهر بن حبّي العكي من قبل عبد الملك، فحدثه أصحابه بما كان من غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد بن العاص بعد أن أعطاه العهود المؤكدة فحذره ونزل أيلة، وتحدث الناس بفضل محمد وكثرة صلاته وزهده وحسن هديه، فلما بلغ ذلك عبد الملك ندم على إذنه له في قدوم بلده فكتب إليه: إنك قدمت بلادنا بإذن منا، وقد رأيت أن لا يكون في سلطاني رجل لم يبايعني. فلك ألف ألف درهم أعجل لك منها مائتي ألف درهم ولك السفن التي أرفأت إليك من مصر، وكانت سفنا بعث إليه فيها بأمتعة وأطعمة.
стр. 1344
فكتب إليه ابن الحنفية: قد قدمنا بلادك بإذنك إذ كان ذلك لك موافقا وارتحلنا عنها إذ أنت لجوارنا كارها.
وقدم ابن الحنفية فنزل الشعب بمكة، فبعث إليه ابن الزبير: ارتحل عن هذا الشعب فما أراك منتهيا عنه أو يشعب الله لك ولأصحابك فيه أصنافا من العذاب.
وكتب إلى مصعب بن الزبير أخيه يخبره بأسماء رؤساء أصحاب ابن الحنفية ويأمره أن يسيّر نساءهم من الكوفة فسير نساء نفر منهم فيهن امرأة طفيل بن عامر بن واثلة، وهي أم سلمة بنت عمرو الكنانية، فجاءت حتى قدمت عليه فقال الطفيل في ذلك:
إن يك سيّرها مصعب … فإني إلى مصعب مذنب
أقود الكتيبة مستلئما … كأني أخو عرة (١) أجرب
عليّ دلاص تخيّرتها … وبالكف ذو رونق مقضب
سعرت عليهم مع الساعرين … نارا إذا خمدت تنقب
فلو أن يحيى به قوة … فيغزو مع القوم أو يركب
ولكن يحيى كفرخ العقاب … ريش قوادمه أزغب
فكفّ ابن الزبير عن ابن الحنفية حتى إذا حج الناس، وكان يوم النفر أرسل إليه: تنحّ عن هذا المنزل وانفر مع الناس وإلا فإني مناجزك.
فسأله معاذ بن هانئ وغيره من أصحابه أن يأذن في مقارعته، وقالوا:
قد بدأك بالظلم واضطرك وإيانا إلى الامتناع، فقال له ابن مطيع:
لا يغرنّك قول هؤلاء فإنهم قتلة أبيك وأخيك، فقال له: نصبر لقضاء الله،
стр. 1345
اللهم ألبس ابن الزبير لباس الذل والخوف، وسلط عليه وعلى أشياعه وناصريه من يسومهم مثل الذي يسوم الناس، اللهم أبلسه بخطيئته، وأجعل دائرة السوء عليه، سيروا بنا على اسم الله إلى الطائف.
فقام ابن عباس فدخل على ابن الزبير فقال له: ما ينقضي عجبي من تنزّيك على بني عبد المطلب، تخرجهم من حرم الله وهم والله أولى به وأعظم نصيبا فيه منك، إن عواقب الظلم لتردّ إلى وبال.
فقال ابن الزبير: ما منك أعجب ولكن من نفسي حين أدعك تنطق عندي ملء فيك، فقال ابن عباس: والله ما نطقت عند أحد من الولاة أخسّ منك، قد والله نطقت غلاما عند رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، ونطقت رجلا عند عمر وعثمان وعلي يروني أحقّ من نطق فيستمع لرأيي، وتقبل مشورتي، وكل هؤلاء خير منك ومن أبيك.
فقال: والله لئن كنت لي ولأهل بيتي مبغضا، لقد كتمت بغضك وبغض أهل أبيك مذ أربعون سنة. فقال ابن عباس: ذلك والله أبلغ إلى جاعرتيك (١)، بغضي والله ضرك واثمك إذ دعاك إلى ترك الصلاة على النبي ﷺ في خطبك فإذا عوتبت على ذلك قلت إن له أهيل سوء، فإذا صليت عليه تطاولت أعناقهم وسمت رؤوسهم.
فقال ابن الزبير: اخرج عني فلا تقربني. قال: أنا أزهد فيك من أن أقربك، ولأخرجنّ عنك خروج من يذمّك ويقليك. فلحق بالطائف فلم
стр. 1346
يلبث يسيرا حتى توفي فصلى عليه ابن الحنفية، فكبّر عليه أربعا وضرب على قبره فسطاطا.
ولم يزل ابن الحنفية بالطائف حتى أقبل الحجاج بن يوسف من عند عبد الملك إلى ابن الزبير، فلما حصره عاد ابن الحنفية إلى الشعب.
وكتب إليه عبد الملك بعد مقتل مصعب بن الزبير وبعثته الحجاج: أما بعد فإذا أتاك كتابي فاخرج إلى الحجاج عاملي فبايعه. فكتب إليه: إني لا أبايع حتى يجتمع الناس عليك فاذا اجتمعوا كنت أول من يبايع.
فلما قتل عبد الله بن الزبير، وهو يومئذ بالشعب أيضا سرح أبا عبد الله الجدلي بكتاب منه إلى عبد الملك يسأله فيه الأمان لنفسه وأصحابه، وبعث اليه الحجاج يأمره بالبيعة فأبى وقال: قد كتبت الى عبد الملك كتابا، فإذا جاءني جوابه بما سألته بايعت.
قال: أو تشترط على أمير المؤمنين الشروط لتبايعنّي طائعا أو كارها؟! فأتاه عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال له: ما تريد من رجل ما نعلم في زماننا مثله. أمسك عنه حتى يأتيه كتاب ابن عمه.
وقد كان كتاب عبد الملك أتى الحجاج قبل قتل ابن الزبير يأمره فيه بالكف عن ابن الحنفية والرفق به، فأمسك الحجاج حتى قدم على ابن الحنفية رسوله أبو عبد الله الجدلي بجواب كتابه ببسط الأمان وتصديق قوله ووصف ما هو عليه في إسلامه وعفافه وفضله وقرابته وعظيم حقه، وقال له: لعمري لئن ألجأتك الى الذهاب في الأرض خائفا لقد ظلمتك وجفوتك، وقطعت رحمك، فبايع الحجاج على بركة الله، وأمره بالقدوم عليه آمنا مأمونا وفي الرحب والسّعة، والى الكرامة والاثرة والمواساة.
стр. 1347
فخرج الى الحجاج فبايعه لعبد الملك، وأشخصه الحجاج إليه في جماعة منهم عبد الله بن عمرو بن عثمان، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وعروة بن الزبير، فلما قدم على عبد الملك أعظمه وأكرمه وبره وأقبل عليه، فحسده الحجاج على ما رأى من احتفاء عبد الملك به فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد أردت أن أضرب عنقه لولا تقدمك إلي في أمره لتأخره وتثاقله عن البيعة.
فقال له عبد الملك: مهلا يا حجاج. فسأله ابن الحنفية أن ينزع عنه سلطانه فقال: إنه لا سلطان له عليك ولا لأحد من الناس دوني، ولك في كل سنة رحلة ترفع إلي فيها حوائجك فأقضيها لك.
ويقال إنه قال: أخلني يا أمير المؤمنين. فقال: إنه ليس دون الحجاج سر. قال: فاعدني عليه فإنه يكلفني الغدوّ والرواح اليه ويعدي عليّ غرمائي قبل بيع الثمرة. فقال عبد الملك: لا سلطان لك عليه دون بلوغ الثمرة، ولا على عبد الله بن جعفر فإنهما ينتظران الغلة، أو صلتنا.
ثم انصرف من عند عبد الملك وكان معه جماعة من أصحابه منهم عامر بن واثلة أبو الطفيل، ومحمد بن نشر، ومحمد بن يزيد بن مزعل حتى قدموا المدينة.
حدثني أبو الحسن المدائني عن ابن جعدبة عن ابن كيسان قال: قال عبد الملك لابن الحنفية حين قدم عليه وهما خلوان: أتذكر فعلتك يوم الدار؟ فقال: أنشدك الله والرحم يا أمير المؤمنين. فقال: والله ما ذكرتها ولا أذكرها.
стр. 1348
وكان محمد سمع مروان قال لعلي يوم الدار: قطع الله الليلة أثرك، فأخذ محمد بحمائل سيف مروان فرجع ففرق بينهما.
ويقال ان الحجاج وجه ابن الحنفية الى عبد الملك وافدا فأكرمه وبره، ثم رده الى المدينة وقال: فد إليّ في كل عام، وإن الحجاج لم يشخصه معه.
стр. 1349
وفاة محمد ابن الحنفية
وتوفي محمد ابن الحنفية بالمدينة ودفن بالبقيع سنة احدى وثمانين، ويقال في سنة اثنتين وثمانين.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي في اسناده قال: أرسل ابن الزبير إلى ابن العباس وابن الحنفية ان يبايعا فقالا: يجتمع الناس على رجل ثم نبايع فإنك في فتنة، فغضب من ذلك، ولم يزل الأمر يغلظ بينه وبينهما حتى خافا خوفا شديدا، وحبس ابن الحنفية في زمزم، فبعث الى الكوفة يخبر بما هو فيه من أمر ابن الزبير، فأخرج اليه المختار أربعة آلاف عليهم أبو عبد الله الجدلي فصاروا الى المسجد الحرام، فلما رأى ابن الزبير ذلك دخل منزله، وقد كان أيضا ضيّق على ابن عباس، وبعث إلى حطب فجعله على باب ابن عباس وحول محبس ابن الحنفية من زمزم فمنعه ذلك الجيش مما أراد.
وصار ابن الحنفية الى الشعب فنزله، ثم ان ابن الزبير قوي على ابن الحنفية حين قتل المختار وغلب مصعب على الكوفة، فأخرج ابن عباس وابن الحنفية عنه وقال: لا يجاوراني ولم يبايعاني، فخرجا الى الطائف فمرض
стр. 1350
ابن عباس ثمانية أيام ثم توفي بالطائف فصلى عليه ابن الحنفية ودفنه وكبر عليه أربعا، وكان الذي تولى حمله ودفنه مع ابن الحنفية أصحابه الشيعة.
وقال بعض الرواة: مات ابن الحنفية بأيلة وذلك غلط. والثبت ان ابن الحنفية مات بالمدينة وله خمس وستون سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان وهو والي المدينة، وقال له أبو هاشم ابنه: نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة، ولولا ذلك ما قدمناك.
ويقال ان أبا هاشم أبى أن يصلي على أبيه أبان، فقال أبان: أنتم أولى بميتكم، فصلى عليه أبو هاشم.
وروى الواقدي أن محمد ابن الحنفية قال في سنة الجحاف (١) حين دخلت سنة احدى وثمانين: هذه لي خمس وستون سنة قد جاوزت سن أبي بسنتين، وتوفي تلك السنة (٢).
حدثني أبو مسعود الكوفي عن عيسى بن يزيد الكناني قال: سمعت المشايخ يتحدثون أنه لما كان من أمر ابن الحنفية ما كان تجمع بالمدينة قوم من السودان غضبا له ومراغمة لابن الزبير، فرأى ابن عمر غلاما له فيهم وهو شاهر سيفه فقال له: رباح؟ قال رباح: والله إنا خرجنا لنردكم عن باطلكم الى حقنا. فبكى ابن عمر وقال: اللهم ان هذا بذنوبنا.
وقال غيره: تجمعوا أيام الحرة وهم يظهرون نصرة يزيد على ابن الزبير وخرج غلام ابن عمر معهم.
стр. 1351
أمر العباس بن عبد المطلب بن هاشم وولده
وأما العباس بن عبد المطلب فكان محبا لرسول الله ﷺ ، مائلا اليه، وكان رسول الله ﷺ يأتي منزله فيقيل فيه، واسلمت لبابة بنت الحارث امرأته حين بعث رسول الله ﷺ ، فقال الشاعر:
بها ثلّث الاسلام بعد محمد … وزوج رسول الله بنت خويلد
حدثني يحيى بن معين، حدثنا جرير بن عبد الحميد، اخبرنا مغيرة عن أبي رزين أنه قيل للعباس أنت أكبر أم رسول الله، فقال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله.
وحدثني بعض المدنيين أن العباس قال: أبعد عقلي أنه قيل لأمّي: قد ولدت آمنة غلاما، فخرجت وخرجت معها فكأنّي أراه يمصع برجليه فاجتذبني النساء اليه وقلن قبّل أخاك.
وأما عبد الكعبة بن عبد المطلب فمات صغيرا قبل النّذر الذي نذره عبد المطلب في ذبح ولده.
стр. 1352
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح، قال: قال العباس: أنا أسنّ من رسول الله ﷺ بثلاث، ولد عام الفيل وولدت قبل الفيل بثلاث سنين.
حدثني أبو مشعر - رجل من أهل اليمن - عن عبد الرزاق، عن معمر عن ابن عباس، أنّ رجلا من قريش رأى العباس فقال: هذا عم النبي وما أسلم حتى لم يبق كافر، فشكا العباس قوله إلى النبي ﷺ فخرج مغضبا فقال: «من آذى العباس عمّي فقد آذاني، إنّ عمّ الرجل صنو أبيه».
قالوا: وقال رسول الله ﷺ يوم بدر: «إني قد عرفت أنّ رجالا من بني هاشم وغيرهم أخرجوا مكرهين منهم عمي العباس، فمن لقيه منكم فلا يعرضنّ له فإنه خرج مكرها. ومن لقي أبا البختري - يعني العاص بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي - فلا يعرضنّ له»، وكان ابو البختري ممن أعان على نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وبني المطلب بن عبد مناف حين دخلوا الشّعب، فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وأخواننا ونترك العباس، لئن لقيته لأضربنّ وجهه بالسيف؛ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص، أيضرب وجه عم محمد رسول الله بالسيف»؟ فقال عمر: دعني اضرب عنق أبي حذيفة فقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول: ما انا بامن شر كلمتي ولا أزال خائفا منها إلاّ أن يكفّرها الله بشهادة، فقتل يوم اليمامة.
وحدثني بكر بن الهيثم، حدثني أبو الحكم العدني عن أبيه عن عكرمة، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أنه قال: كنت غلاما للعباس وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت، أسلم العباس واعتقد البيعة لرسول الله
стр. 1353
ﷺ على الانصار ليلة العقبة، على قبه (١) وقريش تطلبه، وأسلمت أمّ الفضل فكانت ثالثة، أو قال ثانية النساء بعد خديجة، وكان العباس يهاب قومه فيكتم اسلامه وكان ذا مال متفّرق على قريش وكان يحامي على مكرمته ومكرمة بني عبد المطلب من السقاية والرفادة ويخاف خروجهما من يده، فخرج مع المشركين يوم بدر وأطعم تجلّدا مع المطعمين، وكان يكتب إلى رسول الله ﷺ بخبر المشركين، فكتب إليه بخبرهم وما أعدّوا له يوم أحد وحذرّه إياهم كيلا يصيبوا غرتّه.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال: كتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ عند خروج المسلمين إلى بدر يعلمه السبب الذي خرج له من مداراة قريش وأنه غير مقاتل مع المشركين وإن أمكنه أن ينهزم بهم ويكسرهم فعل، فلما أسر يوم بدر بعث إلى رسول الله ﷺ أن ألزمني من الفداء أغلظ ما يؤخذ من أحد؛ وكان كتابه من مكة مع رجل من بني كنانة ومعه كتابه إلى رسول الله ﷺ باستعداد قريش لغزوه يوم أحد إشفاقا من أن يصيبوا غرّته، وبلغه فتح خيبر فأعتق غلاما له يكنى أبا زبيبة.
قالوا: وكان العباس آخذا بلجام بغلة رسول الله ﷺ يوم حنين، ويقال بحكمته، وأقبل يومئذ نفر من بني ليث من كنانة يريدون رسول الله ﷺ فدنا منه أحدهم فاحتضنه العباس وأحدق به موالي رسول الله، فقال العباس لأقرب الموالي منه: اضرب ولا تتّق مكاني ولا تبل أيّنا قتلت، فقتل
стр. 1354
المولى الليثي وجاء أخو المقتول فرفع يده إلى رسول الله ﷺ أيضا فاحتضنه العباس وقال كما قال أوّلا فقتل، حتى فعل ذلك بستة منهم، فدعا له النبي ﷺ وقبّل وجهه، وفي يوم حنين يقول العباس:
ألا هل أتى عرسي مكرّي ومقدمي … بوادي حنين والأسنّة شرّع
وقولي إذا ما النفس جاشت ألا قري … وهام تدهدي يوم ذاك وأذرع
وكيف رددت الخيل وهي مغيرة … بزوراء تعطي في اليدين وتمنع
وقولي إذا ما الفضل شدّ بسيفه … على القوم: أخرى يا بنيّ فيرجع
كأنّ السهام المرسلات كواكب … إذا دبرت عن عجسها (١) وهي تلمع
نصرنا رسول الله في الحرب سبعة … وقد فرّ من قد فرّ عنه فأقشعوا
يعني بالسبعة: نفسه، وعلي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وأبا رافع مولى رسول الله، وأيمن بن عبيد أخا أسامة لأمّه أم أيمن، ويقال إن السابع مكان أيمن بعض ولد الحارث بن عبد المطلب، ويقال إنهم: العباس، وعلي، وأبو سفيان بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والزبير بن العوام، وأسامة بن زيد، وبنو الحارث يقولون: إن جعفر بن أبي سفيان شهد حنينا أيضا.
وحدثني مظفّر (٢) بن مرجّى، عن ابن أبي أويس عن أبيه، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة
стр. 1355
قال: قال رسول الله ﷺ لعمه العباس: «فيكم النبوة وفيكم الخلافة» (١).
حدثني عبد الله بن صالح، حدثني إبراهيم بن حمزة الزبيري عن اسماعيل بن قيس الانصاري عن أبي حازم (٢) بن دينار عن سهل بن سعد قال: نزل رسول الله ﷺ منزلا فقام يغتسل، فأخذ العباس كساء فستره به، قال: فرأيت النبي ﷺ رافعا رأسه من جانب الكساء وهو يقول:
«اللهمّ استر العباس من النار»، أو قال: «العباس وولده من النار» (٣).
وحدّثني مظفّر (٤) بن المرجّى، حدثنا ابراهيم الهروي عن عبد الله بن عثمان الوقاصي عن جده أبي أمه مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعدي قال:
دخل رسول الله ﷺ على العباس وبنيه فقال: «تقاربوا»، فزحف بعضهم إلى بعض ثم اشتمل عليهم بملاءته وقال: «يا رب هذا عمي وصنو أبي، هؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي»، فأمنت أسكفّة البيت وحوائط البيت.
وحدثني هشام بن عمار الدمشقي عن اسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن كثير بن مرة الحضرمي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله ﷺ :
«إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا، وإن منزلي في الجنّة تجاه منزل إبراهيم، ومنزل العباس عميّ فيما بين منزله ومنزلي، مؤمن بين خليلين».
стр. 1356
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا خلاد بن يحيى عن سفيان عن أبيه عن أبي الضحى قال: قال العباس بن عبد المطلب لرسول الله ﷺ : إني لأعرف ضغائن في صدور أقوام أوقعت بهم، فقال: «أما إنهم لن ينالوا خيرا حتى يحبّوكم، أو يرجوا سلهم شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب»! سلهم حيّ من ولد حكم بن سعد العشيرة وعدادهم في مراد.
حدثني عمرو بن محمد، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن موسى بن كردم عن مجالد بن سعيد عن الشعبي قال: «كان النبي ﷺ إذا رأى العباس عمه أوسع له وقال: هذا عمي وبقيّة آبائي».
وحدثني بعض أصحابنا عن زبير بن بكار عن عتيق بن يعقوب عن عبد العزيز بن محمد الدّراوردي عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عبد الله بن أبي بكر أنه بلغه أن النبي ﷺ قال: «احفظوني في العباس عمّي فإنّ عمّ الرجل صنو أبيه».
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده عن أبي صالح قال:
قال علي بن أبي طالب: لم أر رأيا قط أوثق فتلا، وأحكم عقدا من رأي عمي العباس.
حدثني عبد الله بن صالح العجلي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين، أن العباس بن عبد المطلب قال لابنه عبد الله بن عباس حين اختصه عمر بن الخطاب وقرّبه: يا بنيّ لا تكذبه فيطرحك، ولا تغتب عنده أحدا فيمقتك، ولا تقولنّ له شيئا حتى يسألك، ولا تفشين له سرا فيزدريك، ويقال أنه قال له: إن هذا الرجل قد أدناك وأكرمك فاحفظ عني ثلاثا: لا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا تفشينّ له سرّا، ولا تغتابن عنده أحدا.
стр. 1357
حدثني الأعين، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا زهير عن ليث عن مجاهد عن علي بن عبد الله بن عباس قال: أعتق العباس عند موته سبعين مملوكا.
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك الطفاوي عن سفيان بن حبيب عن شعبة عن عمرو بن مرة عن ذكوان عن صهيب مولى العباس قال: رأيت عليّا يقبّل يد العباس ورجله ويقول:
يا عم ارض عنّي.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، حدثنا وكيع بن الجراح عن اسرائيل الملاّي عن الحكم بن عتيبة، أن النبي ﷺ بعث عمر بن الخطاب مصدّقا، فشكاه العباس إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «أما علمت أن العم صنو الأب، وأنا قد استسلفنا زكاة العباس العام عام أول».
وحدثني إسحاق الفروي أبو موسى، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله العمري عن نافع قال: خرج عمر عام الرّمادة يستسقي فقال: اللهم إنّا كنّا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنّا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فسقوا.
وحدثني إسحاق الفروي، حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن ميمون بن ميسرة عن السائب بن يزيد قال: نظرت إلى عمر يوم غدا ليستسقي عام الرّمادة متواضعا خاشعا عليه برد لا يبلغ ركبتيه، فرفع صوته بالاستسقاء وعيناه تفيضان والدموع تجري على خده ولحيته، وإن العباس لعن يمينه، فاستقبل القبلة يعجّ إلى ربه، وأخذ بيد العباس فقال: اللهم إنا
стр. 1358
نستشفع إليك بعم نبيك، والعباس قائم إلى جنبه ملحّ في الدعاء وعيناه تهملان.
حدثني أبو بكر الوراق، حدثنا اسحاق بن البهلول عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:
خرج عمر يستسقي فأخذ بضبعي (١) العباس وقال: اللهم هذا عمّ نبيك فاسقنا، فما برح الناس حتى سقوا.
ويروى عن الكلبي عن أبي صالح قال: أجدبت الأرض على عهد عمر حتى التقت الرّعاء وألقيت العصيّ وعطلت النعم، فقال كعب: يا أمير المؤمنين إن بني اسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء، فاستسقى عمر بالعباس فجعل عمر يدعو والعباس يدعو.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة فقال: اللهم إن هؤلاء عبادك وبنو إمائك أتوك راغبين متوسلين إليك بعم نبيك، فاسقنا سقيا نافعة تعمّ البلاد وتحيي العباد، اللهم إنّا نستسقيك بعم نبيك ونستشفع إليك بشيبته، فسقوا، فقال في ذلك الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب:
بعمي سقى الله الحجاز وأهله … عشّية يستسقي بشيبته عمر
توجّه بالعباس في الجدب راغبا … إليه فما أن رام حتى أتى المطر
ومنا رسول الله فينا تراثه … فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر
стр. 1359
وقال ابن عفيف النضري:
ما زال عباس بن شيبة عائلا … للناس عند تنكّر الأيام
رجل تفتحت السماء لصوته … لما دعا بفضيلة الاسلام
عرفت قريش يوم قام مقامه … فبه له فضل على الاقوام
وقال آخر:
رسول الله والشهداء منّا … وعباس الذي فتق الغماما
وقال الواقدي في روايته: لما كان عام الرمادة، وهو عام الجدب سنة ثماني عشرة، استسقى عمر بن الخطاب بالعباس وقال: اللهم إنّا كنا نستسقيك بنبّينا إذا قحطنا، وهذا عمّه بين أظهرنا ونحن نستسقيك به، فلم ينصرف حتى أطبق السحاب، قال: وسقوا بعد ثلاثة أيام، وكان عام الرمادة الذي كان فيه طاعون عمواس (١) بالشام.
حدثنا خلف بن هشام البزار عن خالد بن عبد الله الواسطي عن يزيد بن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: «من آذى العباس فقد آذاني، إنّ عم الرجل صنو أبيه».
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال للعباس: «يا عم من حفظني فيكم حفظه الله ولن يستكمل رجل الايمان حتى يعرف لك فضلك يا عم».
стр. 1360
حدثني عمر بن بكير، حدثني هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن الصلت بن عبد الله عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال للمغيرة بن نوفل الهاشمي: بأبي وأمي أنتم يا بني هاشم، كيف تفلح هذه الأمة وترجو شفاعة نبيها وقد ترك فيهم عمه، فاستأثروا بالرأي عليه؟
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال للعباس: «من سمعت منه مكروها أو رأيته في جاهلية أو اسلام فلم أسمعه منك قط ولم أره، ولقد سألت ربي أن يعضدني بأحب عمومتي إليه وإليّ، فعضدني بحمزة وبك.
وحدثني محمد بن زياد الأعرابي، حدثني شبابة عن اسرائيل عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير قال: وقع رجل في بعض آباء العباس فلطمه العباس، فأخذ قومه السلاح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فصعد المنبر ثم قال: «أيها الناس، أيّ الخلق أكرم على الله؟ قالوا: أنت يا رسول الله، قال: فان العباس منّي وأنا منه، لا تسبّوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا»، قالوا:
نعوذ بالله من غضبك، فاستغفر لنا يا رسول الله.
وحدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن كريب أبي رشدين مولى ابن عباس قال: «لقد كان رسول الله ﷺ يجلّ العباس من بين الناس إجلال الولد والده». وحدثت أنّ كريبا قال:
ما ينبغي لنبي أن يجل إلاّ أبا أو عمّا.
وحدثني الوليد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «لقد رأيت من تعظيم رسول الله ﷺ العباس عمه
стр. 1361
أمرا عجيبا، أغمي على رسول الله ﷺ في مرضه فلددناه (١) ثم سرّي عنه فأفاق، فلما علم أنّه قد لدّ قال: والذي نفسي بيده لا يبقى في البيت أحد إلاّ لدّ سوى عمي العباس، فرأيتهم يلدّون رجلا رجلا وفي البيت رجال يذكر فضلهم حتى لقد لدّت امرأة صائمة».
حدثني رجل من أصحابنا عن زبير بن بكار عن إسماعيل بن عبد الله عن بكار بن محمد عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كانت الخاصرة تأخذ رسول الله ﷺ ولا نهتدي لاسم الخاصرة ونقول عرق النّسا، فأخذته يوما فلددناه، فلما أفاق قال: «والذي نفسي بيده لا يبقى أحد في البيت إلاّ لدّ غير عمي العباس»، قالت: وفي البيت رجال يذكر فضلهم فلدّوا رجلا رجلا.
وحدثني الزبير بن بكار عن إبراهيم بن حمزة عن محمد بن طلحة عن نافع أبي سهل عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص قال:
خرج رسول الله ﷺ إلى نقيع الخيل (٢)، وهو موضع سوق النخاسين اليوم، فطلع العباس، فقال النبي ﷺ : «هذا العباس أجود قريش كفّا وأوصلها».
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن النبي ﷺ اشتكى الشكاة التي
стр. 1362
توفي فيها فغمر (١) من شدة الوجع فلدّوه، فلما أفاق قال: من فعل هذا؟ قالوا: خشينا ان تكون بك ذات الجنب، فقال ﷺ : ما كان الله ليعذبني بها، ثم قال: «لا يبقينّ في البيت أحد إلاّ التدّ غير عمي العباس» عقوبة لهم، فالتدّت ميمونة وهي صائمة (٢).
حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال: خرج رسول الله لله ينظر إلى بعث أو يجهزه، فطلع العباس فلما رأوه قال: «هذا عم نبيكم أجود قريش كفّا وأوصلها لرحم».
حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن الثقات من آل عثمان وغيرهم، أن العباس لم يمر بعمر وعثمان وهما راكبان وهو راجل إلا نزلا حتى يجوزهما إجلالا له أو يمشيان معه حتى يبلغ منزله أو مجلسه.
حدثني يوسف بن موسى القطان، حدثني جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد قال: جاء عبد الرحمن بن صفوان، وكان صديقا للعباس، بأبيه يوم فتح مكة إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة، فقال ﷺ : «إنّه لا هجرة»، فقال العباس: أقسمت عليك لما بايعته، فقال بيده: «هاه، أبررت قسم عمي ولا هجرة».
حدثني أبو مسلم الأحمري المؤدّب، حدثني هشام الكلبي عن أبيه محمد بن السائب عن أبي صالح عن عدّة من الهاشميين، «أن النبي ﷺ
стр. 1363
اشتاق إلى عمه العباس وقد خرج إلى بعض بوادي المدينة فزاره وأقام عنده أياما».
حدثني أبو بكر الأعين، حدثنا اسحاق بن إسماعيل عن سفيان عن أبي هارون موسى بن عيسى قال: كان للعباس ميزاب يصبّ في المسجد فكسره عمر فقال العباس: أما إن رسول الله ﷺ وضعه بيده، فقال عمر:
لا جرم والله لا يكون لك سلمّ إلاّ ظهري، فطأطأ له حتى ركب ظهره ثم وضعه.
وذكروا أن العباس بنى داره التي كانت إلى المسجد وجعل يرتجز:
بنيتها باللّبن والحجاره … فباركن لأهل هذي الدّاره
فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، حدثني يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين قال: أمر عمر بقلع الميازيب التي تصبّ في المسجد، فأتاه العباس فقال: أرأيت لو أتاك عم موسى ﵇ مسلما ما كنت تصنع به؟ قال كنت أفعل به كذا، فذكر إعظاما وإجلالا واسعا، قال: فأنا عم محمد ﷺ ، قال: اذهب فاصنع ما شئت.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن عكرمة، أن العباس كان يأمره فتوضع مائدته في السفر فيأكل من حضره ومن مرّ به ثم يلقي فضلها للطير والسباع.
حدثني عبد الله بن صالح عن يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن ابن المسيب قال: لقد جاء الاسلام وان
стр. 1364
جفنة العباس لتدور على فقراء بني هاشم وإنّ سوطه وقدّه معه لسفهائهم، يطعم الجائع ويؤدّب السفيه، وقال الزهري: هذا والله السّؤدد.
قال إبراهيم بن علي بن هرمة:
وكانت لعباس ثلاث يعدّها … اذا ما شتاء الناس أصبح اشهبا
فسلسلة تنهى الظلوم وجفنة … تباح فيكسوها السنام المرعّبا
وحلّة عصب ما تزال معدة … لعار ضريك ثوبه قد تهبّبا (١)
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن رجل من أهل المدينة قال: كنت عند الحسين بن علي فأتاه رجل فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من عند عبد الله بن عباس فأطعم طعامه وأيطب كلامه، فقال الحسين: إن أباه كان سيد قريش غير مدافع، وإن رسول الله ﷺ قال: «يا بني هاشم أطعموا الطعام وأيطبوا الكلام»، فأخذها والله العباس وولده.
حدثني أبو حسان الزيادي، حدثنا موسى بن داود عن الحكم بن المنذر عن عمر النخعي عن أبي جعفر قال: أقبل العباس بن عبد المطلب وعليه حلّة وهو أبيض له ضفيرتان، فلما رآه النبي ﷺ تبسّم، فقال له:
يا رسول الله ممّ تبسّمت؟ قال: «من جمالك يا عم»، قال: وما الجمال في الرجل بأبي أنت وأمي قال: «اللسان». قال أبو جعفر، يقول: أعجب من بيانك ولسنك (٢).
стр. 1365
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر: عليك العير فإنه ليس بينك وبينها كبير شيء، فناداه العباس: انها لا تصلح لك، فقال رسول الله ﷺ : «ولم؟» قال: لأن الله وعدك احدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك. قال أحمد بن ابراهيم: وفي حديث آخر مثله، فقال رسول الله: «صدق عمي».
وحدثني أحمد بن ابراهيم، حدثنا ابو داود الطيالسي عن شعبة عن عمرو بن مرة عن ذكوان عن صهيب مولى العباس قال: أرسلني العباس إلى عثمان بن عفان أدعوه، فأتيته وهو يغدّي الناس، فلما فرغ أتاه فقال: افلح الوجه يا أبا الفضل، فقال: ووجهك يا أمير المؤمنين، ثم قال عثمان: أتاني رسولك وأنا أغدّي الناس فما زدت حين غدّيتهم على أن أتيتك، وذكر كلاما.
حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع ولا أعلمه ألاّ عن ابن عمر، أن العباس استأذن رسول الله ﷺ في المبيت بمكة ليالي منى فأذن له.
حدثني بعض أصحابنا عن الزبير بن بكار عن ساعدة بن عبيد الله عن داود بن عطاء عن موسى بن عبيدة الرّبذي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، ان النبي ﷺ قال: «اللهم إن عمي العباس حاطني بمكة من أهل الشرك وأخذ لي البيعة على الأنصار ونصرني في الاسلام، اللهم فاحفظه وحطه واحفظ ذريته من كل مكروه».
стр. 1366
وحدثني هشام بن عمّار قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: قرئ علينا كتاب أبي جعفر أمير المؤمنين يذكر فيه سابقة جده العباس فقال فيه:
ومن ذلك أنه جهز في جيش العسرة بثمانين ألف درهم.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله، أن غلاما للعباس بن عبد المطلب يقال له كلاب قدم على رسول الله ﷺ المدينة بألطاف بعث بها إليه عمّه العباس، وكان رسول الله ﷺ قد شكا القيام على رجليه، وكان كلاب نجارا مجيدا، فأمره فعمل له منبره من أثل (١) الغابة درجتين ومقعدا وذلك قبل فتح مكة.
وحدثنا وهب بن بقيّة الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو أمية بن يعلى عن سالم أبي النضر قال: لما كثر المسلمون على عهد عمر ضاق بهم المسجد، فاشترى عمر ما حوله من الدور إلاّ دار العباس وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل إن المسجد قد ضاق وقد ابتعت ما حوله من المنازل لأوسّع بها على المسلمين مسجدهم إلاّ دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فإما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال، وإما أن أخطك خطة حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تتصدق بها على المسلمين فتوسّع بها مسجدهم، فقال العباس: لا ولا واحدة منها، فقال عمر:
أنت أعلم، اذهب فلن أعرض لك في دارك، قال العباس: أما إذا قلت هذا فإني قد تصدّقت بها على المسلمين، فخطّ له عمر داره التي هي له اليوم، وبناها من مال المسلمين.
стр. 1367
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه عن دحية بن خليفة الكلبي قال: أهديت إلى النبي ﷺ زبيبا وتينا من الشام فقال: «اللهم أدخل عليّ أحبّ أهلي إليك»، فدخل العباس فقال: «ها هنا يا عمّ، دونك فكل».
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما صار أمر السقاية والرفادة لبني عبد مناف بن قصي اقترعوا فخرج سهم هاشم فولي ذلك وقام به، فلما مات هاشم بغزّة قام بأمر السقاية والرفادة بعده بوصية منه المطلب بن عبد مناف أخوه، ثم لما مات المطلب قام بذلك عبد المطلب بن هاشم ثم ابنه الزبير بن عبد المطلب بن عبد مناف ثم أبو طالب بن عبد المطلب؛ ثم إن أبا طالب أمعر (١) واختلّت حاله فعجز عن القيام بأمر السقاية والرفادة فاستسلف من أخيه العباس بن عبد المطلب للنفقة على ذلك عشرة آلاف درهم، فلما كان العام المقبل سأله سلف خمسة عشر ألف درهم، أو قال اربعة عشر ألف درهم، فقال له العباس: انك لن تقضيني ما لي عليك فأنا أعطيك ما سألت على أنك إن لم تؤدّ إليّ مالي كله في قابل فأمر هذه المكرمة من السقاية والرفادة إليّ دونك والمال لك، فأجابه إلى ذلك، فلما كان الموسم من العام المقبل ازداد أبو طالب عجزا وضعفا لقلة ذات يده فلم تمكنه النفقة ولم يقض العباس ماله، فصارت السقاية والرفادة إليه، وكان للعباس كرم بالطائف يؤتى بزبيبه فينبذ في السقاية، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة أخذ مفتاح الكعبة وهمّ بدفعه إلى العباس، فنزلت
стр. 1368
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (١) فأقرّ السقاية والرّفادة في يد العباس وأقرّ الحجابة في يد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وقال رسول الله ﷺ حين فتح مكة: «ألا إني قد وضعت كل مأثرة ومكرمة كانت في الجاهلية تحت قدمي إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاج».
وحدثني علي الأثرم عن أبي عبيدة قال: قام العباس بالسقاية والرفادة، ثم قام بذلك عبد الله بن عباس ثم علي بن عبد الله ثم محمد بن علي ثم داود بن علي، ثم سليمان بن علي، ثم عيسى بن علي، فلما استخلف أمير المؤمنين أبو جعفر قال: انكم تقلدون هذا الامر مواليكم فموالي أمير المؤمنين أحقّ بالقيام به، فولّى السقاية ونفقات البيت مولى له يقال له زربى، وجعلت الرفادة من بيت المال.
المدائني عن ابن جعدبة قال: دخل عثمان بن عفان على العباس رضي الله تعالى عنهما، وكان العباس خال أمه أروى بنت كريز فقال: يا خال أوصني، فقال: أوصيك بسلامة القلب، وترك مصانعة الرجال في الحق، وحفظ اللسان، فإنك متى تفعل ذلك ترض ربك وتصلح لك رعيتك.
المدائني عن ابن جعدبة عن محمد بن علي بن عبد الله، أن العباس قال لعبد الله بن العباس: يا بنيّ إن الله قد بلّغك شرف الدنيا فاطلب شرف الآخرة، واملك هواك واحرز لسانك إلاّ مما لك.
стр. 1369
حدثني عمر بن حماد بن أبي حنيفة عن محمد بن الفضيل بن غزوان عن زكريا بن عطية عن أبيه قال: أخذ كعب الأحبار بيد العباس وقال: اختبئها لي عندك للشفاعة، فقال: وهل لي شفاعة؟ قال: نعم ليس أحد من أفاضل أهل النبي يسلم إلاّ كانت له شفاعة.
حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، حدثنا يحيى بن آدم عن أبي أسامة وعبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عروة بن الزبير قال: أخذ العباس بيد رسول الله ﷺ حين وافاه السبعون من الأنصار بالعقبة فجعل يأخذ لرسول الله البيعة ويعتقدها عليهم ويشترط له، قال عروة: وذلك في غرّة الاسلام وأوله وليس يعبد الله علانية.
حدثني علي بن حماد بن كثير، حدثنا الحزامي عن محمد بن طلحة عن اسحاق بن إبراهيم الأنصاري عن أبيه قال: لما قدم صفوان بن أمية الجمحي على رسول الله ﷺ قال له: «على من نزلت يا أبا وهب»؟ قال:
على عمك العباس، قال: «نزلت على أشدّ قريش لقريش حبّا».
المدائني عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قريش رؤساء الناس وليس منهم أحد يدخل في أمر إلا دخل معه فيه طائفة، فلما طعن عمر أمر صهيبا أن يصلي بالناس ويطعمهم ثلاثة أيام حتى يجتمعوا على رجل من الستّة، فلما وضعت الموائد كفّ الناس عن الطعام، فقال العباس: أيها الناس إن رسول الله ﷺ قبض فأكلنا بعده وشربنا، وتوفي أبو بكر فأكلنا بعده وشربنا، وإنه لا بدّ من الأكل، فأكل وأكل الناس، قال: فعرفت قول عمر.
стр. 1370
ومن حديث الواقدي وغيره، إن الله فتح على نبيه ﷺ خيبر، وكان الحجاج بن علاط السّلمي قدم من غارة له يوم خيبر فأسلم وأستأذن رسول الله ﷺ في إتيان مكة ليأخذ مالا له هناك عند زوجته أم شيبة بنت عمير أخت مصعب بن عمير العبدري، فأذن له رسول الله ﷺ في ذلك، فقدم مكة وأهلها لا يعلمون بخبر خيبر ولا بإسلامه، فقال لقريش متقربا إليها: إن محمدا قد أسر ونكب أصحابه، فلما بلغ العباس ذلك اشتد عليه وغمّه فخرج مدلّها حتى لقي الحجاج في خلوة فسأله عن الخبر، فقال: اكتم عليّ فداك أبي وأمي جميع ما أقول لك ثلاثا حتى آخذ مالي عند زوجتي ثم أظهر الأمر، إني قد أسلمت وإن رسول الله قد ظفر، وجئتك وهو عروس بابنة ملك خيبر، فسرّي عنه؛ فلما مضت ثلاثة أيام وخرج الحجاج يريد رسول الله ﷺ ، غدا العباس على قريش وعليه حلّة خزّ مصبوغة وهو متعطّر فوقف على باب أم شيبة فقال: أين الحجاج؟ قالت: خرج يبتاع ممّا غنم أهل خيبر من محمد وأصحابه، فقال: ذاك والله الباطل، لقد خلص ماله، وإنك لا تحلّين له حتى تتبعي دينه، فقالت: صدقت والثواقب، ثم أتى قريشا فقالوا: ما هذا التجلد يا أبا الفضل؟ فأخبرهم الخبر فسيء بهم واكتأبوا وجعل بعضهم يصدّق وبعضهم يكذّب، حتى ورد عليهم الخبر بعد يومين أو ثلاثة أيام، وذلك في سنة سبع.
حدثني الوليد بن صالح عن ابراهيم بن سعد عن محمد بن اسحاق بن يسار عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس.
وعن محمد بن اسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت في منامها - قبل قدوم ضمضم بن عمرو