المدائني عن مسلمة قال: قال معاوية يوما: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد ابنه: أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض لا يدعمه شيء من تحته ولا هو منوط بشيء من فوقه، وقال الضحّاك بن قيس: أعجب الأشياء إكداء العاقل وحظّ الجاهل، وقال سعيد بن العاص: أعجب الأشياء ما لم ير مثله، وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء غلبة من لا حقّ له ذا الحقّ على حقّه، فقال معاوية: أعجب من ذلك إعطاء من لا حقّ له ما ليس له بحقّ من غير غلبة. وإنّما عرّض عمرو بمعاوية وعرّض معاوية بعمرو في أمر مصر.
المدائني عن ابن المبارك عن هشام بن عوف أنّ مروان نازع ابن الزبير، فكان هوى معاوية مع مروان، فقال ابن الزبير: يا أمير المؤمنين إنّ لك حقّا وطاعة، ولنا بسطة وحرمة، فأطع الله نطعك، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، ولا طاعة لك علينا إلاّ في حق الله، ولا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السّخبر (١) فإنّه أقرّ صامت.
المدائني عن مسلمة بن محارب عن حرب بن خالد قال: كان عبد الرحمن بن أمّ الحكم ينازع يزيد بن معاوية كثيرا، فقال معاوية لأبي خداش بن عتبة بن أبي لهب: إنّ عبد الرحمن لا يزال يتعرّض ليزيد، فتعرّض له أنت حتّى يسمع يزيد ما يجري بينكما، ولك عشرة آلاف درهم، فقال: عجّلها، فحملت إليه، ثم التقيا عند معاوية فقال أبو خداش:
يا أمير المؤمنين أعدني على عبد الرحمن فإنّه قتل مولى لي بالكوفة، فقال عبد
стр. 1822
الرحمن: كذبت يا بن المتبوب التابّ، فقال أبو خداش: يا بن تمدّر (١)، يا بن البريح يا بن أمّ قدح، فقال معاوية: حسبك رحمك الله، عليّ دية مولاك؛ فخرج أبو خداش ثم رجع فقال لمعاوية: أعطني عشرة آلاف درهم أخرى وإلا أعلمته أنّك أمرتني بالكلام، فأعطاه عشرة آلاف درهم، ثم قال له: فسّر ليزيد ما قلت لعبد الرحمن، قال: هنّ أمّهات له حبشيات، وقد ذكرهنّ ابن الكلبية الثّقفي فقال:
ثلاث قد ولدنك من حبوش … إذا تسمو جذبنك بالزّمام
تمدّر والبريح وأمّ قدح … ومحلوب يعدّ من آل حام
المدائني عن الأسود بن شيبان، حدثني أبو نوفل عن موسى بن عبيدة أنّ معاوية حجّ فدخل البيت الحرام وأرسل إلى عبد الله بن عمر، وبلغ ابن الزبير ذلك فجاء فحرّك الباب، فقال معاوية: لا تفتحوا له، ثم جاء ابن عمر ففتح له ودخل، فقال معاوية: يا أبا عبد الرحمن أين صلّى النبي ﷺ حيث دخل البيت؟ فذكر السارية اليسرى، ثم دخل ابن الزبير بعد خروج ابن عمر فقال: يا معاوية أما هو إلاّ عبد الله بن عمر؟! قال: نعم يا بن الزبير، أمّا عرى الأمور التي هي عراها فلها قوم سواك، وفيما دون تلك أمور يستعان بك فيها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية لقد علمت أنّي أعلم من الذي سألت، ولكنّك حسود فحسدتني، قال: يا أبا بكر لو شئت قلت أحسن من هذا القول.
المدائني عن اسحاق بن أيّوب عن خالد بن عجلان قال: قال عبد الله بن الزبير لمعاوية: لقد أعظم الناس ولادة صفيّة إيّانا حتى كأنه لم
стр. 1823
تلدنا حرّة غيرها، فقال معاوية: هي والله أدنتك من الظلّ ولولا ذلك كنت ضاحيا، ويحك هل ولدك مثلها أو تجد مثلها إلا أختها أو عمّتها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية إنّها وبني أبيها مع قولك لرضفة بين جنبيك يوشك أن تطلع على قلبك، فقال معاوية: إنّ بيننا وبين ذلك زمانا وهم الرديف.
المدائني عن علي بن سحيم قال: خطب معاوية فقال: الحمد لله الذي أدالنا على عدوّنا وردّ علينا زماننا، فقال رجل من أهل الشام: أما والله ما ذاك لكرامتك على الله يا معاوية، فقال عمرو بن العاص للشامي:
ما أنت والكلام، وأنت من حثالة أهل الشام وسقّاطهم وسفلتهم، فقال الشامي: يا عمرو ما عدوت صفتك، فقال معاوية:
إنّي أرى الحلم محمودا مغبّته … والجهل أردى من الأقوام أقواما
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي أنّ معاوية بعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلّها، وأقسم على ابنه أن يأتي معاوية فيضرب بها وجهه، فانطلق حتى دخل على معاوية، فلمّا رآه قال: ما جاء بك يا بن أخي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ لأبي طيرة وفيه حدّة، وقد قال لي كيت وكيت، وعزمه الشيخ على ما قد علمت، فوضع معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك به أبوك وارفق بعمّك، فرمى الدنانير، وأمر معاوية للأنصاري بألف دينار، وبلغ الخبر يزيد فدخل على معاوية مغضبا وقال: لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعدّ ذلك منك ضعفا وجبنا، فقال: أي بنيّ إنّه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمّة، فامض لشأنك.
стр. 1824
وحدثني هشام بن عمّار عن الوليد قال: بلغنا أنّ يزيد بن معاوية ضرب غلاما له، فقال له معاوية: يا بني كيف طوّعت لك نفسك ضرب من لا يستطيع امتناعا منك؟!
المدائني عن أبي زكريّا العجلاني قال: دخل عبد الله بن العجلان أخو يعمر بن العجلان الزّرقي على معاوية فشكا عمرا فقال: يا أمير المؤمنين إنّ ابن العاص بمصر ينبعق منه كلام لهو أشدّ من وخز الأشافيّ، لا يرعوي عن إساءة، ولا يرجو الله في عاقبة، فقال معاوية: يا أبا سعيد إنّ عمرا رجل حديد، فاحمل له قوله فإنّه يفيء إلى خير، فقال: اكففه يا أمير المؤمنين فإنّه راع ونحن رعيّة، وربّما ساق السيء الرّعي الثلّة إلى مجزرها، قال معاوية: أجل ثم تفلت، قال عبد الله: ذاك إذا كنت أنت الجازر، فأمّا اذا كان الجازر من قد كدّحته السّنة الحمراء فمن أنيابه تفلت؟ فقال معاوية: أو يخالف أمري وتهمط (١) رعيّتي؟ إنّي إذا لغافل مضيع، ألي تقول هذا يا عبد الله؟! ثم تمثّل:
ألم تك قد جرّبتني قبل هذه … وعضّك منّي حدّ ناب ومخلب
قال: فحلما يا أمير المؤمنين وصفحا، فضحك ثمّ قال: ذاك لك، وتقدّم إلى عمرو في أمره.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن الكلبي عن عوانة عن أبيه قال:
قال سعد بن أبي وقّاص لمعاوية في كلام جرى: قاتلت عليّا وقد علمت أنّه أحقّ بالأمر منك، فقال معاوية: ولم ذاك؟ قال: لأنّ رسول الله ﷺ
стр. 1825
يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»، ولفضله في نفسه وسابقته، قال: فما كنت قطّ أصغر في عيني منك الآن، قال سعد: ولم؟ قال: لتركك نصرته وقعودك عنه وقد علمت هذا من أمره.
المدائني عن عبد الله بن سلام قال: كتب معاوية إلى مروان «والله لفلان أهون عليّ من ذرّة، أو كلب من الحرّة» ثم قال للكاتب: امح الحرة واكتب «من كلب من الكلاب».
المدائني عن عامر بن الأسود قال، قال عمرو بن العاص لمعاوية:
رأيتك في منامي وقد ألجمك العرق وأنت تحاسب، فقال معاوية: فما رأيت ثمّ دنانير مصر؟
المدائني عن جعفر بن سليمان الضّبعي عن مالك بن دينار قال: قال عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب لمعاوية، ولّني، فقال: لام ألف.
المدائني عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: لمّا بايع معاوية ليزيد قال رجل: أعوذ بالله من شرّ معاوية، فقال معاوية: تعّوذ بالله من شرّ نفسك فشرّها أضرّ عليك، وبايع رحمك الله فإن الله جعل في الكثرة خيرا كثيرا.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: مرض معاوية فأرجف به مصقلة بن هبيرة الشيباني وساعده قوم على ذلك، ثم تماثل معاوية وهم يرجفون به، فحمل زياد مصقلة إلى معاوية وكتب إليه: إنّ مصقلة كان يجمع مرّاقا من مرّاق أهل العراق فيرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إليك يا أمير المؤمنين لترى فيه رأيك، ويرى عافية الله بأمير المؤمنين، فلمّا قدم
стр. 1826
بمصقلة جلس معاوية للناس، فلمّا دخل مصقلة عليه قال له معاوية: ادن، فدنا، فأخذ معاوية بيده فجذبه فسقط مصقلة، فقال معاوية للناس:
أبقى الحوادث من خلي … لك مثل جندلة المراجم
قد رامني الأقوام قب … لك فامتنعت من المظالم
فقال مصقلة: قد أبقى الله منك يا أمير المؤمنين ما هو أعظم من ذلك: حلما يزينك، وكلأ ومرعى لأوليائك، وسمّا ناقعا لأعدائك، فمن يرومك وكان أبوك سيّد أهل الجاهليّة، وأنت في الإسلام أمير المؤمنين، فقال له: قم، وأمر بصلته وأذن له، فانصرف إلى الكوفة فقيل له: كيف تركت معاوية؟ فقال: زعمتم أنّه لما به، والله لغمز يدي غمزة فكاد يحطمها، وجبذني جبذة فكاد يكسر منّي عظما.
المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري عن زياد بن حدير أنّ معاوية قال لرجل: هل تذكر أبا سفيان؟ فقال: نعم أذكره وقد تزّوج هندا، فأطعمنا في أوّل يوم لحم جزور وسقانا خمرا، وفي اليوم الثاني لحم غنم وسقانا نبيذ زبيب، وفي اليوم الثالث لحم طير وسقانا نبيذ عسل، وإن كانت لذات أزواج، فقال معاوية: كرام (١).
المدائني عن عبد الحميد الأشجّ عن خالد بن سعيد قال: خرج عبد الملك ومعه نافع بن جبير بن مطعم، فوقف على راهب، فذكر الراهب معاوية فأطراه، فقال عبد الملك لنافع: لشدّ ما أطرى هذا الراهب ابن
стр. 1827
هند، فقال نافع: إنّ معاوية كان لذلك أهلا، أصمته الحلم وأنطقه العلم، بجأش ربيط، وكفّ نديّة.
المدائني قال: دخل معاوية المدينة فتلقّاه بعض سودانها فقال: والله لكأنّ وجهك وجه هند، قال: وأين رأيتها؟ قال: في مأتم سودة بنت زمعة، فقال معاوية: إن كانت لكريمة المحيا والممات.
قال ابن دأب: خرج نابغة بني جعدة إلى صفّين مع علي، فساق به يوما فقال:
قد علم المصران والعراق … أنّ عليّا فحلها العتاق
أبيض جحجاح (١) … له رواق
إنّ الألى جاروك لا أفاقوا
لكم سياق ولهم سياق (٢) …
فلمّا قدم معاوية الكوفة قام النابغة بين يديه فقال:
ألم تأت أهل المشرقين رسالتي … وإنّي نصيح لا يبيت على عتب
هلكتم وكان الشرّ آخر عهدكم … لئن لم تدراككم حلوم بني حرب (٣)
وكان مروان قد أخذ أهل النابغة وماله، فدخل على معاوية فأنشده:
من راكب يأتي ابن هند بحاجتي … ومروان والأنباء تنمي وتجلب
فإن تأخذوا أهلي ومالي بظنّة … فإنّي إذا ما ريم ظلمي أغضب (٤)
стр. 1828
فقال معاوية لمروان: ما تقول؟ قال: لا نردّ عليه، فقال معاوية:
وما أهون عليك أن ينجحر هذا في غار فيقطع عرضي بشعر ترويه العرب، فردّ عليه ماله وأهله.
المدائني عن أبي عبد الرحمن بن اسماعيل بن هشام قال: قال ابن الزبير: لله درّ معاوية إن كان ليتخادع لنا وإنّه لأدهى العرب، مع حلم لا ينادى وليده، وإن كان ليتضاعف لنا وهو أنجد العرب، فكان كما قالت النادبة:
ألا يا عين فابكيه … ألا كلّ النهى فيه
ولوددت أنّه بقي لنا ما بقي أبو قبيس.
المدائني قال: قال عبد الله بن فائد: كانوا يذكرون عبد الملك ومعاوية فيقولون: معاوية أحلم وعبد الملك أحزم.
المدائني عن عوانة عن أبيه أنّ ابن عبّاس قال: لله درّ ابن هند ولينا عشرين سنة فما آذانا على ظهر منبر ولا بساط، صيانة منه لعرضه وأعراضنا، ولقد كان يحسن صلتنا ويقضي حوائجنا.
المدائني عن اسحاق بن أيّوب ومسلمة بن محارب قالا: قدم رجل ممّن كان في الصائفة على معاوية، فسأله معاوية عن الناس وحالهم، فبينا هو يحدّثه إذ حبق الرجل فحصر وسكت، فقال معاوية: خذ أيّها الرجل في حديثك فما سمعتها من أحد أكثر ممّا سمعتها من نفسي.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد: لم يغلبني معاوية بالسياسة إلاّ في رجل من بني تميم استعملته فكسر الخراج ولحق به فآمنه، فكتبت اليه: إنّ في هذا مفسدة للعمّال وحملا على سوء الأدب، فابعث به
стр. 1829
إليّ، فكتب إليّ معاوية: إنّه لا يصلح أن أسوس وتسوس الناس سياسة واحدة، إنّا إن نشتدّ جميعا نهلك الناس ونحرجهم، وإن نلن جميعا نبطرهم، ولكن تلين وأشتدّ وتشتدّ وألين، فإذا خاف أحدهم وجد بابا فدخله.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا مجالد عن الشعبي عن زياد قال: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية إلا بواحدة، استعملت فلانا فكسر الخراج وهرب إلى معاوية، فكتبت اليه: إنّ هذا أدب سوء لمن قبلي، فكتب إليّ: إنّه لا ينبغي لي ولك أن نسوس الناس سياسة واحدة، فنلين جميعا نمرج الناس في العصبيّة، وأن لا نشتد جميعا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون أنت للغلظة والشدّة، وأكون أنا للّين والرأفة، أو قال: للرحمة.
المدائني عن اسحاق بن أيّوب عن خليد بن عجلان قال: دخل سعد بن أبي وقّاص على معاوية فقال له: يا معاوية أراك معجبا بما أنت فيه، والله ما أحب أنّي نلت ما أنت فيه وأنّي هرقت محجمة من دم، قال:
ولكنّني وابن عمّك قد هرقنا محجمة ومحجمة ومحاجم.
حدثني العمري عن لقيط المحاربي عن أشياخ من الزهريين قالوا: لمّا دخل سعد بن أبي وقّاص الشام في ولاية معاوية، بعث معاوية قوما ينعون عثمان ويلعنون قتلته ومن خذله وقعد عن نصرته، فقال سعد: هذا عمل الفاسق معاوية، فأتاه فدخل عليه فقال: يا معاوية قد سمعت قول هؤلاء الذين دسستهم، أفمن نهى عثمان عمّا فعله ثم كفّ عنه واعتزله خير أم من
стр. 1830
أمر عثمان بما فعله ثم خذله وخذّل عنه؟ فقال معاوية: ما أراك أبا اسحاق رحمك الله إلا محتاجا إلى عطائك، فقد حرمته مذ ولينا، فأمر له بذلك.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال:
ولي معاوية فلم يزل أمره مستقيما، ولم تزل الأموال عليه دارّة، فاستمال القلوب بالبذل والإعطاء، وكان يقول: البذل يقوم مقام العدل.
المدائني عن أزهر عن ابن عون عن مولى لأبي أيّوب الأنصاري أنّ أبا أيّوب قدم على معاوية فجلس معه على سريره، فقال له: يا أبا أيّوب من قتل صاحب الفرس الأشقر الذي كان يجول؟ قال: أنا قتلته يوم كنت أنت وأبوك على الجمل الأحمر تحملان لواء المشركين.
المدائني عن ابراهيم بن محمد قال: قال معاوية: لو كانت بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف يا أمير المؤمنين؟ قال: إن جبذوها أرسلتها، وإن خلّوها جبذتها.
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّه قال: قد علمت بما كان معاوية يغلب الناس، كان إذا طاروا وقع وإذا وقعوا طار، وإذا قعدوا قام وإذا قاموا قعد.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة عن أبيه قال: أغزى معاوية الناس في سنة خمسين وعليهم سفيان بن عوف، وأمر يزيد بالغزو فتثاقل واعتلّ فأمسك عنه، وأصاب الناس في غزاتهم جوع وأمراض، فأنشأ يزيد يقول:
стр. 1831
ما إن أبالي بما لاقت جموعهم … بالقرقذونة (١) من جوع ومن موم (٢)
إذا اتّكأت على الأنماط في غرف … بدير مرّان (٣) عندي أمّ كلثوم
وأمّ كلثوم امرأته، وهي بنت عبد الله بن عامر بن كريز، فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه ليلحقنّ بسفيان في أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس ولو مات، فلحق به في فرس أنطاكية وبعلبكّ وجماعة أنهضهم معه، فبلغ بالناس الخليج، وضرب بسيفه باب الذهب وهزم الروم، وخرج وسفيان بالناس.
حدثني العمري عن الهيثم قال: ولّى معاوية روح بن زنباع بعلبك فرجم امرأة ورجلا، فقال الشاعر:
إنّ الجذاميّ روحا في إقامته … حدّ الإله لمعذور وإن عجلا
لو كان رفّه عن حسناء ناعمة … وعن أخي غزل لم يحسن الغزلا
فبلغ الشعر معاوية فكتب إلى روح: لا تعجلنّ بإقامة حدّ حتى تثبّت في أمره، فتكون إقامتك إيّاه بإقرار ظاهر، أو بأربعة شهداء مستورين.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدّي عن يعقوب بن داود قال: خطب معاوية فقال: إنّ عمر ولاّني ما ولاّني من الشام ثم عثمان بعده، فو الله ما غششت ولا استأثرت، ثم ولاّني الله الأمر فأحسنت وأسأت، فقام اليه رجل فقال: يا معاوية بل استأثرت وأسأت ولم تحسن ولم تنصف، فقال له
стр. 1832
معاوية: اجلس فما أنت والكلام؟! والله لكأنّي أنظر إلى بيتك بفخّ (١) تهفو الريح بجوانبه، بفنائه تيس وبهمة وأعنز، درّهنّ نزر يحلبن في مثل محارة ألقاها الموج، فقال: يا معاوية رأيت ذلك في شرّ زمان، وكان تحت ما رأيت حسب كريم غير دنس، فهل رأيتني قتلت مسلما وانتهكت محرما؟ قال:
وأين أنت حتى أراك وأنت لا تبرز إلاّ في خمار، وأيّ مسلم تقوى عليه حتى تقتله، اجلس لا جلست، قال: لا أجلس ولكنّي سأذهب عنك إلى أبعد أرض وأسحقها، وقام الرجل فولّى، فقال معاوية: ردّوه، فردوه فقال:
أستغفر الله، أما لقد رأيتك أتيت رسول الله ﷺ فسلّمت عليه فرّد عليك، وأهديت إليه فقبل منك، وأسلمت فحسن إسلامك، ولقد غلظ عليك منّا القول، فاذكر حاجتك فإنّي أعطيك حتى ترضى.
المدائني عن عبد الله بن سلم قال: خطب معاوية الناس فذكر تولية عمر أيّاه ثم قال: فو الله ما خنت ولا كذبت، ثم وليت هذا الأمر فتقدّمت وتأخّرت، وأصبت وأخطأت، وأحسنت وأسأت، فقام اليه رجل من كنانة يقال له سلمة (٢) فردّ قوله، فقال له: وما أنت وذاك؟! كأنّي أنظر إلى حفش بيتك مربوطا بطنب منه تيس، وبطنب بهمة، والريح تخفق به كأنّه جناح نسر، ولك أعنز تحتلب في مثل قواره حافر عير، قال: رأيت ذلك في زمن علينا لا لنا، أما والله إنّ حشوه لحسب غير دنس؛ ثم ذكر باقي الحديث.
стр. 1833
المدائني عن عبد الرحمن الأنصاري قال: قدم قوم من قريش على معاوية وفيهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن صفوان بن أميّة الجمحي وعبد الله بن الزبير، فوصلهم وفضّل عبد الله بن جعفر عليهم، أعطاه ألف ألف درهم، فقال عبد الله بن صفوان: يا معاوية إنّما صغرت أمورنا عندك لأنّا لم نقاتلك كما قاتلك غيرنا، ولو كنّا فعلنا كنّا كابن جعفر، فقال معاوية: إنّي أعطيكم فتكونون إمّا رجلا معدّا بما أعطيه لحربي، وإما مضمّا (١) له مع بخل به، وإنّ عبد الله يعطي أكثر ممّا يأخذ، ثم لا يلبث أن يلزمه من الدّين بتوسعه أكثر ممّا نعطيه، فخرج ابن صفوان وهو يقول: إنّ معاوية ليحرمنا حتى نيأس ويعطينا حتى نطمع.
المدائني عن مسلمة قال: أراد المغيرة أن يبلو ما عند معاوية، فكتب إليه يسأله أن يأذن له في إتيان الحجاز أو المصير اليه، فكتب إليه معاوية: إن شئت فأت الحجاز وإن شئت فصر الينا، فإنّك كما قال الأوّل:
اختر لنفسك ما بدا لك راشدا … ودع الخداع فقد كفاك الأوّل
فكتب إليه المغيرة:
إنّ الذي يرجو سقاطك والذي … سمك السّماء مكانها لمضلّل
أجعلت ما ألقي إليك خديعة … حاشا الإله وترك ظنّك أجمل
المدائني عن علي بن سليم قال: قال عمرو بن العاص في مجلس معاوية: احمدوا الله يا معشر قريش الذي جعل والي أمركم معاوية، من يغضي على القذى، ويتصامّ عن العوراء، ويجرّ ذيله على الخدائع، فقال
стр. 1834
عبد الله بن صفوان: لو لم يكن كذلك لمشينا إليه الضّراء ودببنا له الخمر، وقلبنا له ظهر المجنّ، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يعطيك مال مصر، فقال معاوية: يا معشر قريش حتى متى لا تنصفون من أنفسكم؟ فقال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: يا أمير المؤمنين إنّ عمرا وذويه أفسدوك علينا وأفسدونا عليك، لو أغضيت عن هذه، فقال معاوية: إنّ عمرا لي ناصح، فقال عبد الرحمن: فأطعمّنا مصر كما أطعمته ثم خذنا بمثل نصيحته، إنّا رأيناك تضرب عوامّ قريش بأياديك في خواصّها، كأنك ترى أنّ كرامها جازوك عن لئامها، ولعمر الله إنك لتفرغ من وعاء ضخم في إناء فعم (١)، وكأنّك بالحرب قد حلّ عليك عقالها ثم لا ينظر إليك، فقال معاوية: يا بن أخي ما أحوج أهلك إليك؛ ثم قال معاوية:
أغرّ رجالا من قريش تتايعوا (٢) … على سفه منّي الحيا والتكرّم
المدائني عن مسلمة قال: قال قوم من قريش: ما نظنّ معاوية أغضبه شيء قط، فقال بعضهم: بلى إذا ذكر (٣) من أمّه غضب، فقال مالك بن أسماء المنى القرشي - وهي أمّه، وإنّما قيل لها المنى لجمالها-: والله لأغضبنّه إن جعلتم لي جعلا، فجعلوا له جعلا رضي به، فأتى معاوية وقد حضر الموسم فقال له في جماعة: يا أمير المؤمنين ما أشبه عينيك بعيني أمّك، قال: تانك عينان طال ما أعجبتا أبا سفيان، انظر يا بن أخي إلى ما أعطيت من الجعل
стр. 1835
فخذه، ولا تتّخذنا متجرا، ثم دعا معاوية مولاه سعدا فقال له: أعدد لأسماء المنى دية ابنها فإنّي قد أقتلته (١) فرجع مالك فأخذ جعله، فقال له رجل: لك ضعفا جعلك إن أتيت عمرو بن الزبير فقلت له كما قلت لمعاوية، وكان عمرو ذا نخوة وكبر، فأتاه فقال له: ما أشبهك بأمّك يا عمرو، فأمر به فضرب حتى مات، فبعث معاوية بديته إلى أمّه وقال:
ألا قل لأسماء المنى أمّ مالك … فإنّي لعمر الله أقتلت مالكا
المدائني عن ابن جعدبة قال: ذكروا عند معاوية قول حذيفة: إنّي لم أشرك في دم عثمان، فقال معاوية: بلى والله لقد شرك فيه، فقال عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث: الرجل كان أعلم بنفسه، فقال معاوية:
وأنت قد شركت في دمه، قال: كلا والله، ولكني كنت أنهاه عمّا قيل فيه، وكنت تأمره به، فلمّا صعب الأمر عليه استغاث بك، فأبطأت عنه حتى قتل.
المدائني عن مسلمة قال: أوفد زياد عبيد الله بن كعب النّميري إلى معاوية فقال معاوية: أخبرني عن زياد، قال: يستعمل على الجرأة والأمانة دون الهوى والمحاباة، ويعاقب فلا يعدو بالذنب قدره، ويسمر ويحبّ السمر ليستجمّ بحديث الليل تدبير النهار، قال: أحسن، إنّ التثقيل على القلب مضرّة بالرأي، فكيف رأيه في حقوق الناس؟ قال: يأخذ ما له عفوا ويعطي ما عليه عفوا، قال: فكيف عطاياه؟ قال: يعطي حتى يقال جواد ويمنع حتى يقال بخيل، قال معاوية: إنّ العدل ضيّق وفي البذل عوض من
стр. 1836
العدل، فكيف الشفاعة عنده؟ قال: ليس فيها بمطمع، ما أراد من خير جعله لك أو له.
المدائني قال: قال رجل من قريش لمعاوية: يا معاوية لا تباعدنّ منّا ما قرّب الله، ولا تصغّرنّ ما عظّم، ولا تقطعنّ منّا ما أمر الله به أن يوصل، فقال معاوية: يرحمك الله، والله ما صغّرت منكم شيئا إلا بما أنزلتموه بأنفسكم، وما باعدت منكم إلاّ ما تباعدتم به منّي، ولا قطعت إلاّ ما بدأتم بقطعه، هذا مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، وعمرو بن العاص شرّفتهم بالمنابر، وولّيتهم معالي الأمور، ثم لا تزال تأتيني منهم هنة كراغية البكر (١).
المدائني عن علي بن سليم قال: قال ابن الزبير: يا معاوية إذا استعتبناك من أمر فأعتبناه منه، ولا تحملنا على ما نكره، فإنّك إن لم تحتمل رجال قريش عابوك وخذلوك وقاتلوك، وإذا هممت لنا بخير فهنّئناه قبل المسألة، فإنّك إذا ألجأتنا إلى المسألة أخذت ثمن عطيّتك، فقال معاوية:
والله ما استعتبتموني من أمر قطّ إلا وجدتموني قد استعتبتكم من أعظم منه، وأمّا إعطائي إيّاكم قبل المسألة فمن سألنا أعطيناه ومن استغنى عنّا وكلناه إلى غناه، وأحبّكم إلينا السائل، فاعترفوا بذنوبكم، فقال عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه: ما لنا إليك ذنب فنعتذر منه، وإنّ خيرك علينا لقليل فقال معاوية متمثّلا:
стр. 1837
إذا العفو لم ينفع ولم يشكر امرؤ … وجاشت صدور منكم حشوها الغمر
فكيف أداوي داءكم ودواؤكم … يكون لكم داء فقد عسر الأمر (١)
المدائني عن جويرية بن أسماء قال: ذكر معاوية يوما الوليد بن عقبة فتنقّصه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه وقال: إنّه يرى أنّه أحقّ بما أنت فيه منك لمكانه من عثمان، أخيه لأمّه، فلم يجبه معاوية رضي الله تعالى عنه، وبلغ الوليد فدخل عليه فقال: يا معاوية إذا دبّت الرجال إليك فينا بالباطل فلا تقبل منهم ما لا تعرفنا به، وخذ منّا عفو طاعتنا، ولا تجشّمنا ما لا نريد، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: إنّي لا أقبل فيكم إلا ما أعرفكم به، وكلّ ذنب عنكم موضوع ما خلا القدح في هذا الملك.
وحدثني أبو مسعود عن عوانة قال: دخل عدّي بن حاتم الطائي على معاوية فقال له ابن الزبير: يا أبا طريف متى ذهبت عينك؟ قال: يوم فرّ أبوك وقتل خالك - يعني طلحة لأنّه من بني تيم - وضربت على قفاك، وأنا مع الحقّ وأنت مع الباطل، فقال معاوية: ما بقي من حبّك لعلي؟ قال:
هو على ما كان وكلّما ذكر زاد، فقال معاوية: يا أبا طريف ما نريد بذكرك له إلا خلافه، قال: إنّ القلوب إذا بيدك يا معاوية، فقال معاوية: إنّ طيّئا كانوا لا يحجّون البيت ولا يعظّمون حرمته، فقال عديّ: كنّا كما قلت إذ كان البيت لا ينفع حجّة ولا يضرّ تركه، فأمّا إذ نفع وضرّ تركه فإنّا نغلب الناس عليه، وكانت طيء وخثعم لا يحجّون فكانوا يدعون الأفجران.
стр. 1838
المدائني عن عبد الله بن عبد الرحمن الهمداني قال: دخل أبو الطفيل عامر بن واثلة على معاوية فقال له معاوية: يا أبا الطفيل أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا ولكنّي ممّن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: منعني أنّ المهاجرين والأنصار لم ينصروه، ولا رأيت أحدا نصره، قال: أوما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال:
يا معاوية أنت وعثمان كما قال الشاعر:
لا ألفينّك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زوّدتني زادي
فقال معاوية: يا أبا الطفيل فما بقي من وجدك بعلي؟ قال: وجد العجوز المقلاة والشيخ الرّقوب، قال: فكيف كان حبّك له؟ قال: حبّ أمّ موسى لموسى، وأشكو إلى الله التقصير.
المدائني عن عامر بن حفص أنّ الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة والجون بن قتادة العبشمي والحتات بن يزيد المجاشعي وفدوا على معاوية، فوصلهم وفضّل الأحنف وجارية، أعطاهما مائة ألف، وكان الأحنف بن قيس وجارية علويّين وكان الحتات مع عائشة يوم الجمل: فقال: يا أمير المؤمنين فضّلت من كان عليك على من كان لك، قال: إنّي اشتريت دينهم، قال: ومنّي فاشتر ديني، فألحقه بهما، فعرضت له علّة مات منها قبل قبضه صلته، فحبس معاوية المال، فقال الفرزدق:
أبوك وعمّي يا معاوي أورثا … تراثا فيحتاز التّراث أقاربه
فما بال ميراث الحتات حبسته … وميراث حرب جامد لك ذائبه
ولو كان إذ كنّا وللكفّ بسطة … لصمّم عضب فيك ماض ضرائبه
فلو كان هذا الأمر في جاهليّة … علمت من المولى القليل حلائبه
стр. 1839
ولو كان في دين سوى ذا عرفتم … لنا حقّنا أو غصّ بالماء شاربه
وكم من أب لي يا معاوي لم يزل … أغرّ يباري الريح مذ طرّ شاربه
نمته فروع المالكين ولم يكن … أبوك الذي من عبد شمس يخاطبه
تراه كنصل السيف يهتزّ للندى … جوادا منيع الجار جزلا مواهبه (١)
فأنشد معاوية الشعر، فلمّا بلغ إلى قوله: «ولم يكن أبوك الذي من عبد شمس يخاطبه» قال: صدق والله، ما كان قدره أن يخاطبه أبي.
وزعموا أنّ الفرزدق كان باع جملا وصرّ ثمنه، فعيّره رجل بصرّه وقال: لو كنت كريما ما صررت هذا الصرّ، فرمى بالدراهم ونثرها حتى انتهبها الناس، وبلغ ذلك زيادا فقال: هذا أحمق يضري الناس بالنهب، فطلبه فلم يوجد وبلغه هذا الشعر فقال: من صاحبه؟ فقيل: الذي نثر الدراهم، فجدّ في طلبه، فكان يهرب من البصرة إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى البصرة، وذلك أنّ زيادا كان يأتي هذه مرّة وهذه مرّة.
وكان المنصور أمير المؤمنين إذا ذكر شعر الفرزدق في معاوية قال: قبح الله معاوية ورأيه، ما كان هذا لحلم وما كان إلاّ ضعفا.
المدائني قال: قال ابن أمّ الحكم ليزيد بن معاوية: خالي من قريش وخالك من كلب، فشكاه يزيد إلى معاوية، فقال معاوية: قل له فجئني بأب مثل خالك.
ولمّا مات سعيد بن العاص قال معاوية لعمرو بن سعيد: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إليّ ولم يوص بي، فقال: إنّه الأشدق.
стр. 1840
حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة - وذكره المدائني عن جويرية - أنّ عمرو بن العاص قال لعبد الله بن عبّاس: يا بني هاشم، أما والله لقد تقلّدتم من دم عثمان كفرم (١) الإماء العوارك، وأطعتم فسّاق أهل العراق في عيبه، وأجزرتموه مرّاق أهل مصر، وآويتم قتلته، وإنّما نظر الناس إلى قريش، ونظرت قريش إلى بني عبد مناف، ونظر بنو عبد مناف إلى بني هاشم، فقال ابن عبّاس لمعاوية: ما تكلّم عمرو إلا عن رأيك، وإنّ أحقّ الناس أن لا يتكلّم في قتل عثمان لأنتما، أمّا أنت يا معاوية فزيّنت له ما صنع، حتى إذا حصر طلب نصرك، فأبطأت وتثاقلت وأحببت قتله، وترّبصت لتنال ما نلت، وأما أنت يا عمرو فأضرمت المدينة عليه نارا، ثم هربت إلى فلسطين، فأقبلت تحرّض عليه الوارد والصادر، فلمّا بلغك قتله دعتك عداوة علي إلى أن لحقت بمعاوية، فبعت دينك منه بمصر، فقال معاوية: حسبك يرحمك الله، عرّضني لك ونفسه فلا جزي خيرا.
المدائني عن عبد الله بن المبارك قال: أراد عمرو بن العاص معاوية على أن يكتب له مصر طعمة ويبايعه، فقال معاوية: إنّي لا أحب أن يقول الناس إنّك إنّما بايعتني على تأمير لك وشكم (٢)، فقال له مروان: أبا عبد الله إنّ هذا ليس بيوم مسألة، وقد تدانت الأمور بك فلا تدبرنّ بعد إقبالها، فقال عمرو: يا مروان قدمت على معاوية وأمره زلق دحض منفرج انفراج القتب، فما برحت أبرمه قوّة بعد قوّة حتى تركته على مثل دائرة الفلكة،
стр. 1841
ولعمر الله إن تركته والشبه المشكلات لتهننّ قواه حتى يدبر عنه ما قد تدانى منه، فقال مروان: إن يكن الله قد سهّل بك أمرا، فمثلك سهّل الله به الوعر وأعان به على حسن العاقبة، فقاربه فإنه مؤاتيك، ثم قال لمعاوية:
أيّها الرجل إنّ الأمور قد لزم بعضها بعضا، فاكمش أمرك، واكتب له بما أراد، فليس مثل عمرو يبخل عليه بالجزيل يطلبه، فكتب له؛ وقال معاوية للكاتب: اكتب لا ينقض شرط طاعة، فقال عمرو: لا ولكن اكتب ولا تنقض طاعة شرطا.
فلمّا قتل محمّد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما بمصر، غلب عمرو عليها، واستقامت الأمور لمعاوية، فلم يحمل عمرو إليه منها شيئا، فكان أهل معاوية يسألونه أن يكتب إلى عمرو في هدايا مصر فيقول: عمرو جموح طموح منوع، فاعفوني من الكتاب إليه واكتبوا أنتم، فكانوا يكتبون إليه فلا يبعث إليهم بشيء، فقالوا لمعاوية: اعزله، فقال: أمّا عزله فلا، ولكنّي أروّعه بالقدوم فإنّه شبيه بالعزل له، فكتب إليه فقدم، فقال معاوية: يا عمرو بلغني أنّك تقوم على منبر مصر فتذكر بلاءك بصفّين، فإن كان ذلك لله فأجرك عليه، وإن كان للدنيا فقد أعظمنا مكافأتك، فهل علمت أنّك قد نقضت شرطك لردّك كتبي؟ قال: ما رددت لك كتابا أعلم أنّه منك، ولكنّه كانت تأتيني كتب على لسانك؛ فأمّا قيامي على المنبر فلم أرد به منّا عليك، وأمّا قولك إني أعظمت مكافأتك بمصر فعليها بايعتك، قال: انصرف إلى رحلك، فانصرف ثم عاد إليه من الغد، فقال: يا أمير المؤمنين لم أزل أقدح في غارب خير بمصر حتى رجعت إليك، وقد رأيت أن أحضرك ما قدمت به لترى فيه رأيك، فقال معاوية: أمسك عليك مالك،
стр. 1842
واعلم أنّك اذا دعيت إلى مأدبة قوم - أو قال مائدة قوم - فقد عدّك أهلها ممّن يأكل، فإن شئت فكل وإن شئت فجع، وما أعطيتك مصر إلا لأنفعك، فارجع إلى عملك.
المدائني عن أبي زكرياء العجلاني عن عكرمة بن خالد قال: قدم معاوية المدينة يريد الحجّ، فلقيه الحسين ﵇ فقال له: يا معاوية قد بلغني ذكرك وذكر ابن النابغة بني هاشم بالعيوب، فارجع إلى نفسك وسلّط الحقّ عليها، فإنّك تجد أعظم عيوبها أصغر عيب فيك، لقد تناولتنا بالعداوة وأطعت فينا عمرا، فو الله ما قدم إيمانه ولا حدث نفاقه، والله ما ينظر لك ولا يبقي عليك، فانظر لنفسك أو دع.
المدائني عن غسّان بن عبد الحميد عن أبيه أنّ معاوية قال لشدّاد بن أوس: قم فاذكر عليا وتنقّصه، فقام شدّاد فقال: الحمد لله الذي افترض طاعته، وجعل في التقوى رضاه، على ذلك مضى أوّل الأمة، وعليه يمضي آخرهم؛ أيّها الناس إنّ الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإنّ الدنيا أجل حاضر، يأكل فيها البرّ والفاجر، وإنّ السامع المطيع لا حجّة عليه، وإنّ السامع العاصي لا حجّة له، وإن الله إذا أراد بالناس صلاحا عمل (١) عليهم صلحاؤهم، وقضى بينهم فقاؤههم، وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بالعباد شرّا عمل عليهم سفهاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وجعل المال عند بخلائهم، وإنّ من صلاح الولاة أن تصلح
стр. 1843
قرابينها (١) ووزراؤها، نصحك يا معاوية من أسخطك بالحقّ، وغشّك من أرضاك بالباطل؛ فكره معاوية أن يجيء بشيء يكرهه فقال: اجلس رحمك الله، وأمر له بمال، فقال معاوية: ألست من السمحاء؟ قال: إن كان من مالك دون مال المسلمين ممّا تعهّدته عند جمعه مخافة تبعته، تعهّده لك من محضك النصح وآثر الحقّ، وإن كنت أصبته اقترافا وأنفقته إسرافا فإنّ الله يقول ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ (٢).
وقال العتبي: دخل عبد الرحمن بن شيحان، وكان أبوه حليفا لحرب، على سعيد بن العاص فقال له سعيد: قلت:
إنّي لأشربها حتّى تميل بنا … كما تمايل وسنان بوسنان
قال: معاذ الله أن أشرب الخمر وأصفها، ولكنّي الذي أقول:
عمدت بحلفي للطوال وللذّرى … ولم تلقني كالنّسي في ملتقى الحرب
فقال عمرو بن سعيد لأبيه: ما يمنعك من ضربه مائة سوط؟ قال؛ أي بنيّ أضربه وهو حليف معاوية؟! فقال معاوية لسعيد: أمرك أحمقك أن تضرب حليفي، والله لو ضربته مائة سوط لضربتك مائتين، ولو قطعت يده لقطعت يديك، قال غفرا يا أمير المؤمنين، فإنّك ضربت حليفك عمرو بن جبلة، قال: إنّي آكل لحمي ولا أوكله.
المدائني عن جويريه بن أسماء قال: قال معاوية لشدّاد بن أوس: أنا أفضل أم عليّ، وأيّنا أحبّ أليك؟ قال: عليّ أقدم إسلاما وهجرة، وأكرم بيتا وعتره، وأقدم لنبي الله نصرة، وأشدّ إلى الخير سبقا، وأشجع نفسا
стр. 1844
وأسلم قلبا، وأمّا الحبّ فقد مضى عليّ ﵀، وأنت اليوم عند الناس أرجى منه.
المدائني قال: قال معاوية لرجل من اليهود: هل تروي من شعر أبيك شيئا؟ قال: أيّ شعره أردت؟ قال: أبياتا كانت قريش تستحسنها، فأنشده:
هل أضرب الكبش في ملمومة قدما … أم هل سمعت بشرّ كان لي نشرا
أم هل يلومنّني قوم إذا نزلوا … أم هل يقولنّ يوما قائل بسرا
نقريهم الوجه ثمّ البشر يتبعه … لا يمنع العرف منّا قلّ أو كثرا
فقال معاوية: أنا أحقّ بهذا الشعر من أبيك، فقال اليهودي:
لا لعمرو الله لأبي أحقّ بها إذ سبق إليها، فاستلقى معاوية ووضع ساعده على وجهه، فقال الوليد بن عقبة وعبد الرحمن بن أمّ الحكم، اسكت يا بن اليهوديّة، وشتماه، فقال: كفّا عن شتمي وإلاّ شتمت صاحب السرير، فرفع معاوية رأسه ضاحكا ثمّ قال: كفّا عنه يكفّ عنّي، ثمّ قال لليهودي:
إنّكم أهل بيت تجيدون صنعة الهريسة في الجاهليّة، فكيف صنعتكم لها اليوم؟ قال: نحن اليوم يا أمير المؤمنين لها أجود صنعة، قال: فاغد بها عليّ، وأمر له بأربعة آلاف درهم. فخرج، فقال الوليد وعبد الرحمن:
كذّبك وتأمر له بجائزة؟! قال: أنتما أجزتماه بما شتمتماه، فأردت أن أسلّ سخيمته؛ وغدا بالهريسة فأكلها معاوية.
حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: أغزى معاوية الناس، فحمل اليمانية في البحر، وحمل مضر في البرّ، فقال رجل من صداء متهدّدا لمعاوية:
стр. 1845
يا أيّها القوم الذين تجمّعوا … بعكّا أناس أنتم أم أباعر
أتترك قيس ترتعي في بلادكم … ونحن نسامي البحر والبحر زاخر
فو الله ما أدري وإني لسائل … أكندة تحمي أصلنا أم يحابر (١)
أم الغرّ من حيّي قضاعة إنّهم … هم أصلنا لو تستمرّ المرائر
أما كان في همدان حامي حقيقة … ولا كان في عكّ ولا في الأشاعر
فبلغ معاوية الشعر فقال: حتّى صداء تهدّدني! ويقال إنّ معاوية غرّب قوما من اليمانية فحملهم في البحر، فقال شاعرهم هذا الشعر، وكان يقال ليزيد بن يزيد بن حرب بن علة: صداء.
المدائني عن عوانة قال: قدم زياد على معاوية ومعه شريك بن تمّام الحارثي، فقال معاوية: ما هذا الرجل يا أبا المغيرة؟ فقال شريك: لم أر لك هفوة قبل هذه، قال: ما رأيت رحمك الله؟ قال: إنكارك مثلي من رعيّتك، فقال معاوية: عسى أن تكون معرفتي إيّاك متفرّقة، أعرف وجهك إذا حضرت في الوجوه الحاضرة، وأعرف اسمك إذا ذكرت في الأسماء الكافية، فلا أعلم أنّ هذا الوجه هو لذلك الاسم، فما اسمك تجتمع لي معرفتك؟ قال: أنا شريك بن تمّام الحارثي، فقال معاوية: الآن عرفتك.
المدائني عن عوانة قال، قال معاوية ليزيد: يا بنيّ احفظ عنّي ما أقول لك: أكرم أهل مكّة والمدينة فإنّهم أصلك ومنصبك، ومن أتاك منهم فأكرمه، ومن لم يأتك فابعث إليه بصلة، وانظر أهل العراق فإنّهم أهل طعن على أمرائهم وملالة لهم، فإن سألوك أن تبدل كلّ يوم أميرا فافعل،
стр. 1846
وانظر أهل الشام فليكونوا عيبتك وحصنك، فمن رابك أمره فارمه بهم، فإذا فرغوا فأقفلهم فإنّي لا آمن الناس على إفسادهم، وقد كفاك الله عبد الرحمن بن أبي بكر، فليس يخالف عليك غير الحسين وابن الزبير - فأمّا ابن عمر فقد وقذه الإسلام - وأمّا ابن الزبير فخب خدع، فإذا هو شخص لك فالبد له فإنّه ينفسخ على المطاولة، وأمّا الحسين فلست أشكّ في وثوبه، ثمّ يكفيكه الله بمن قتل أباه وجرح أخاه؛ إنّ بني أبي طالب مدّوا أعناقهم إلى غاية أبت العرب أن تعطيهم أيّاها، وهم محدودون.
حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن عوانة قال: هجا عقيبة بن هبيرة الأسدي عمرو بن قيس الأسدي فقال:
لعمرك إنّ اللؤم خدن وصاحب … لعمرو بن قيس ما دعا الله راغب
تراه عظيما ذا رواء ومنظر … وأجبن من منزوف (١) ان صاح ناعب
شجاع على جيرانه وصديقه … وأجرأ منه في اللقاء الثّعالب
فشكاه إلى معاوية فقال معاوية: قد هجانا بأشدّ من هذا، فقال:
أرى ابن أبي سفيان يزجي جياده … ليغزو عليا ضلّة وتحامقا
وبئس الفتى في الحرب يوما إذا بدت … برازيق خيل يتّبعن برازقا (٢)
فهلمّ ندعو الله عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما غير هذا؟ قال:
لا، وإن شئت هجوته.
стр. 1847
حدثنا بعض أصحابنا عن عمر بن بكير عن الهيثم بن عديّ قال:
دخل الحسن بن عليّ على معاوية، فلمّا أخذ مجلسه قال معاوية: عجبا لعائشة تزعم أنّي في غير ما أنا أهله، وأنّ الذي أصبحت فيه ليس لي بحقّ، ما لها ولهذا يغفر الله لها، إنّما كان ينازعني في هذا الأمر أبوك، وقد استأثر الله به، فقال الحسن: أو عجب هذا يا معاوية؟ قال: أي والله إنّ هذا لعجب: قال: أفلا أنبئك بأعجب منه؟ قال: وما هو؟ قال: جلوسك في صدر المجلس، وأنا عند رجليك، فضحك معاوية ثمّ قال: يا بن أخي بلغني أنّ عليك دينا، قال: إنّ عليّ دينا، قال: وكم هو؟ قال: مائة ألف، قال: فقد أمرنا لك بثلاثمائة ألف، ثمّ قال: مائة ألف لقضاء دينك، ومائة ألف تقسمها في أهل بيتك، ومائة ألف لخاصّة بدنك، فاقبض صلتك؛ فلمّا خرج الحسن قال يزيد: تالله ما رأيت رجلا استقبلك بما أستقبلك به، ثمّ أمرت له بثلاثمائة ألف درهم، فقال: يا بنيّ إنّ الحقّ حقّهم، فمن أتاك منهم فاحث له واحتفل.
حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة عن عبد الملك بن عمير قال: قال قبيصة بن ذؤيب الأسدي (١): ما رأيت أحدا قطّ أعلم بالله من عمر بن الخطّاب، ولا رأيت أحدا أطول بلاء في الله من عليّ بن أبي طالب، ولا رأيت أحدا قطّ أعطى من طلحة، ولا رأيت أحدا قطّ أحمل لأحد من
стр. 1848
معاوية لمصقلة بن هبيرة، ولا رأيت أحدا قطّ أظهر جلدا وظرفا من عمرو بن العاص، ولا رأيت أحدا أيسر لصديق في عداوة العامّة من المغيرة بن شعبة، ولا رأيت أحدا قطّ أخصب رفيقا ولا أقلّ أذى لجليسه من زياد.
المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: دخل صعصعة بن صوحان على معاوية أوّل ما دخل عليه، وقد كان يبلغه عنه ما يكره، فقال له معاوية:
ممّن الرجل؟ قال: من نزار، قال: وما نزار؟ قال: كان إذا غزا احتوش، وإذا انصرف انكمش، وإذا لقي افترش، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ربيعة، قال: وما ربيعة؟ قال: كان يغزو بالخيل، ويغير بالليل، ويجود بالنيل، قال: فمن أيّ ربيعة؟ قال: من ولد أسد، قال:
وما أسد؟ قال: كان إذا طلب أفضى، وإذا أدرك أرضى، وإذا آب أنضى، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من جديلة، قال: وما جديله قال: كان يطيل النجاد ويعدّ الجياد ويجيد الجلاد، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ولد دعميّ [قال]: وما دعميّ؟ [قال]: كان نورا ساطعا وشرّا قاطعا وخيرا نافعا، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد أفصى، قال: وما أفصى؟ قال: كان ينزل القارات ويغير الغارات ويحمي الجارات، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من عبد القيس، قال:
وما عبد القيس؟ [قال]: أبطال ذادة جحاجحة سادة صناديد قادة، قال:
فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد أفصى، قال: وما أفصى؟ [قال]: كانت رماحهم مشرعة وقدورهم مترعة وجفانهم مشبعة، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد عمرو، قال: وما عمرو؟ قال: كانوا يستعملون
стр. 1849
السيف ويكرمون الضيف في الشتاء والصيف، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد لكيز، [قال]: وما لكيز؟ [قال]: كان يباشر القتال ويعانق الأبطال ويبذّر الأموال، قال: فمن أيّ ولده أنت: قال: من ولد عجل، [قال]: وما عجل؟ [قال]: الليوث الضراغمة الملوك القمامة القروم القشاعمة، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ذهل بن عجلان، [قال]:
وما ذهل؟ [قال]: كان يغشى الحرب ويجيد الضرب ويكشف الكرب، قال:
يا بن صوحان ما تركت لهذا الحيّ من قريش شيئا، قال: تركت لهم أكثره وأكبره، تركت لهم الوبر والمدر والأبيض والأصفر والصفا والمشعر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر، قال: يا بن صوحان لقد كان يسوءني أن أراك خطيبا، قال: وأنا والله لقد كان يسوءني أن أراك أمير المؤمنين، فردّه ووصله. قالوا: هو صعصعة بن صوحان بن حجر بن الحارث بن الهجرس بن صبرة بن حدرجان بن عساس بن ليث بن حداد بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
المدائني عن عتّاب بن إبراهيم أنّ معاوية استعمل على الصائفة وقد جاشت الروم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكتب له عهدا ثمّ قال له:
ما تصنع بعهدي هذا؟ قال: أتّخذه إماما فلا أتجاوزه، قال: ردّ عليّ عهدي، فقال: أتعزلني ولم تخبرني؟ أما والله لو كنّا ببطن مكّة على السّواء ما فعلت بي هذا؛ فقال: لو كنّا ببطن مكّة كنت معاوية بن أبي سفيان بن حرب، وكنت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان منزلي بالأبطح، وكان منزلك بأجياد، أعلاه مدرة وأسفله عذرة. ثمّ بعث إلى سفيان بن
стр. 1850
عوف الغامدي فقال له: قد ولّيتك الصائفة وهذا عهدي، فما أنت صانع به؟ قال: أتّخذه إماما ما أمّ الحزم، فإذا خالفه أعملت رأيي، وبالله التوفيق. قال معاوية: أنت لها، فلمّا ودّعه قال: هذا والله الذي لا يدفع عن نطق، ولا يكفكف من عجلة، ولا يضرب على الأمور ضرب الجمل الثفال؛ فغزا بالناس الصائفة، ثم هلك فاستخلف عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري وقال له: احرص على أن ترجع بالناس سالمين، فغزا بهم فأصيبوا ورجع منهزما، وقد كان الشاعر قال فيه:
أقم يا بن مسعود قناة قويمة … كما كان سفيان بن عوف يقيمها
وسم يا بن مسعود مدائن قيصر … كما كان سفيان بن عوف يسومها
فلمّا قدم على معاوية قال: «أقم يا بن مسعود» فقال: يا أمير المؤمنين، قرنتني إلى رجل قلّ أشباهه في حزمه، فقال معاوية: إنّ من فضلك عندي معرفتك بفضل من هو أفضل منك، ولكنّك قلت هذه أوّل ولاياتي ومحني فحرصت فغررت، والله يغفر لك.
المدائني عن أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: كتب معاوية إلى عبد الله بن عبّاس: أمّا بعد فإنّكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد بالمساءة أسرع منكم إلى أنصار عثمان، فإن يك ذلك لسلطان بني أميّة فقد وليها بنو تيم وعديّ فأظهرتم الطاعة، وقد وقع من الأمر ما ترى معما كان من وقعة البصرة (١) التي لم يخف عليك ما كان فيها من عظيم المصائب، وذهاب طلحة والزبير، وأخذ هذه الحرب منّا ومنكم، حتّى استوينا فيها،
стр. 1851
وقد رجونا غير الذي كان، وخشينا دون الذي وقع، ولستم بلاقينا اليوم بأحدّ من حدّكم أمس، ولا غدا بأحدّ من حدّكم اليوم، وقد منعنا بما كان منّا الشام، ومنعتم بما كان منكم العراق، فاتّقوا الله في قريش فإنّما بقي من رجالها سبعة نفر: رجلان بالشام ورجلان بالعراق وثلاثة بالحجاز، فأمّا الذي بالحجاز فسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأمّا اللذان بالشام فأنا وعمرو، وأمّا اللذان بالعراق فعليّ وأنت، ومن السبعة رجلان ناصبان، ورجلان مدبران، وثلاثة وقوف عنّا وعنك، وأنت رأس هذا الجمع اليوم، ولو بايع الناس لك بعد عثمان كنّا إليك أسرع منّا إلى عليّ، والسّلام. فلمّا قرأ ابن عبّاس كتابه ضحك ثمّ قال: حتّى متى يخطب إليّ معاوية عقلي وأجمجم له عمّا في نفسي؟! ثمّ كتب.
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله بن عبّاس إلى معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد، فقد أتاني كتابك، فأمّا ما ذكرت من سرعتنا إلى أنصار عثمان بسلطان بني أميّة فقد أدركت حاجتك بعثمان، لقد استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمّك الوليد بن عقبة وما كتب به إليك، وأمّا طلحة والزبير فإنهما طلبا الملك ونكثا البيعة، فقاتلناهما على النكث، وقاتلناك على البغي، وأما قولك لم يبق من قريش غير سبعة نفر، فما أكثر رجالها وأحسن بقيّتها بحمد الله ونعمته، وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، وأمّا إغراؤك إيّاي بتيم وعديّ فأبو بكر وعمر خير من عثمان، كما أنّ عثمان خير منك، وماذا تقيس به نفسك بأبي بكر وعمر، وأمّا قولك إنّا لن نلقاكم بمثل ما لقيناكم به بالأمس، فقد بقي لك منّا يوم ينسيك ما قبله،
стр. 1852
ويخيفك ما بعده، وأمّا قولك إنّه لو بايعني الناس استقمت لي، فقد بايعوا عليّا وهو خير منّي فلم تستقم له، وإنّ الخلافة لا تصلح إلاّ لمن كان في الشورى، ممّن سمّاه عمر، فما أنت والخلافة يا معاوية، وأنت طليق الإسلام، وابن رأس الأحزاب، وابن آكلة الأكباد؟! فلمّا أتى معاوية كتابه قرأه على عمرو، فقال له عمرو: أنت عرضت نفسك لهذا، فقال: لست والله أعود لمثلها.
حدثني أبو مسعود عن عليّ بن صالح عن عيسى بن يزيد المدني قال:
قالت فاختة بنت قرظة امرأة معاوية: يا أمير المؤمنين، لم تصانع الناس وترى أنّهم منصفون منك، فلو أخذتهم من عل كانوا الأذلّين وكنت لهم قاهرا، فقال: ويحك إنّ في العرب بقيّة بعد، ولولا ذلك لجعلت عاليها سافلها، فقالت: والله ما بقي أحد إلاّ وأنت عليه قادر، قال: فهل لك في أن أريك بعض ذلك منهم؟ قالت: نعم، فأدخلها بيتا وأسبل عليها ستره، ثمّ أمر حاجبه أن يدخل عليه رجلا من أشراف من بالباب، فأدخل عليه رجلا من قيس يقال له الحارث، فقال له معاوية: يا حويرث، إيه أنت الذي طعنت في الخلافة وتنقّصت أهلها؟ والله لقد هممت أن أجعلك نكالا، فقال: يا معاوية إنّما دعوتني لهذا؟ والله إنّ ساعدي لشديد، وإنّ رمحي لمديد، وإنّ سيفي لحديد، وإنّ جوابي لعتيد، ولئن لم تأخذ ما أعطيت بشكر لتنزعنّ عمّا نكره بصغر، فقال: أخرجوه عنّي، فأخرج، فقالت فاختة: ما أجرأ هذا وأقوى قلبه؟! فقال معاوية: ما ذاك إلاّ لإدلاله بطاعة قومه له، ثمّ أمر الحاجب فأدخل عليه رجلا من ربيعة يقال له
стр. 1853
جارية، فقال له معاوية، إيه يا جويرية، أنت الذي بلغني عنك تخبيب (١) للجند وقلّة من الشكر؟ فقال: وعلام نشكر؟ ما تعطي إلاّ مداراة ولا تحلم إلاّ مصانعة، فاجهد جهدك، فإن ورائي من ربيعة ركنا شديدا لم تصدأ أدرعهم مذ جلوها، ولا كلّت سيوفهم مذ شحذوها، فقال: أخرجوه، ثمّ أمر معاوية حاجبه فأدخل إليه رجلا من أهل اليمن يقال له عبد الله، فقال له: إيه يا عبيد السوء، ألحقتك بالأقوام وأطلقت لسانك بالكلام، ثمّ يبلغني عنك ما يبلغني من سوء الإرجاف؟! لقد هممت أن أخرجك وأنت عبرة لأهل الشام، فقال: أيا معاوية ألهذا دعوتني، ثم صغّرت اسمي ولم تنسبني إلى أبي؟ وإنّما سميّت معاوية باسم كلبة عاوت الكلاب، فاربع على ظلعك فذلك خير لك، فقال لحاجبه: أخرجه، فقالت فاختة: صانع الناس بجهدك، وسسهم برفقك وحلمك، فأخزى الله من لامك.
حدثني أبو حفص السامي قال: بلغنا أن يزيد بن معاوية قال لأبيه:
يا أمير المؤمنين متى يكون العلم ضارّا؟ قال: إذا نقصت القريحة وفصلت الرواية.
وقال معاوية: إذا لم يكن الهاشمي شجاعا سخيّا لم يشبه قومه ولم يشبه من هو منه؛ وقال: إذا لم يكن الاموي مصلحا لماله، حليما عند غضبه، لم يشبه من هو منه، ولن تعدم من الهاشمي لسنا أو سخاء أو شجاعة، وربّما اجتمع ذلك لبعضهم.
المدائني عن أبي إسحاق التميمي قال: سمع معاوية رجلا يقول:
ومن رقاش ماجد سميدع … يأبى الذي يكرهه فيمنع
стр. 1854
فقال معاوية: ذلك منّا، ذاك ابن الزبير.
المدايني عن سلاّم بن أبي مطيع عن قتادة قال: حرم مروان بن الحكم ابنا لصهيب عطاءه، فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه معاوية: إنّك حفظت على ابن صهيب ما كان من أبيه في أمر عثمان، ونسيت ما كان من سابقته مع رسول الله ﷺ ، فاردد عليه عطاءه وأكرمه وأحسن مجاورته، إن شاء الله.
وقال معاوية لخالد بن معمر: كيف حبّك لعليّ؟ قال: شديد، أحبّه لحلمه إذا غضب، وصدقه إذ قال، ووفائه إذا وعد، وجوده إذا سئل.
وقال عمرو بن العاص: عقم النساء أن يلدن مثل معاوية، وما استدرّ لمعاوية كلام قطّ فقطعه حتّى يأمر بخير ويصيب الناس بفضل.
حدثني هشام بن عمّار عن أبيه أو غيره قال: قدمت رملة بنت معاوية الشام من المدينة، وكانت عند عمرو بن عثمان بن عفّان، وكان عمرو لها محبّا إلاّ أنّه كان ربما أغارها، فقال لها: أطلّقك ابن عمّي؟ فقالت: كلا، الكلب أضنّ بالشحمة، قال: ويقال: قالت بشحمته.
وقال هشام: كان معاوية يقول: زين الشرف العفاف.
وقال هشام: أتي معاوية بصريع فقال ليزيد: أما في أخوالك من يصارع هذا؟ قال: بلى، الزبّان خالي، فأتي به فصرعه، فقال يزيد:
أقول له والعبد يكبو لوجهه … لقد فعل الزبّان ما كنت أعرف
وقال المدائني: قدم بحير بن ريسان الحميري على معاوية وعنده أبو الأسود الدولي فقال:
стр. 1855
ألا إنّ خير الناس بعد نبيّهم … وبعد أمير المؤمنين بحير
وإنّي لأرجو من بحير وليدة … وذاك على الحرّ الكريم يسير (١)
فقال بحير: بل وليدة ووليدة، ولو قلت ألف دينار لأعطيتك إيّاها.
وحدّثني محمّد بن سعد عن الواقدي قال: توفّي خالد بن الوليد بن المغيرة بحمص سنة عشرين وأوصى إلى عمر بن الخطّاب وكان عبد الرحمن بن خالد يلي الصوائف فيبلي ويحسن أثره، فعظم أمره بالشام، فدسّ إليه معاوية متطبّبا يقال له ابن أثال ليقتله وجعل له خراج حمص، فسقاه شربة فمات، فاعترض خالد بن المهاجر بن خالد - ويقال خالد بن عبد الرحمن بن خالد - ابن أثال فضربه بالسيف فقتله، فرفع أمره إلى معاوية، فحبسه أيّاما وأغرمه ديته ولم يقده به.
المدائني وغيره قالوا: غزا عبد العزيز بن زرارة الكلابي الصائفة مع يزيد بن معاوية فمات وبلغ معاوية ذلك فقال لأبيه: هلك والله فتى العرب، فقال: ابني أوه، قال: ابنك، فآجرك الله، وأمر فنودي ليعزّي الناس أمير المؤمنين عن عبد العزيز بن زرارة، فقال زرارة.
فإن يكن الموت أودي به … وأصبح مخّ الكلابيّ ريرا (٢)
فكلّ فتى شارب كأسه … فإمّا صغيرا وإمّا كبيرا
المدائني قال: قال معاوية ذات يوم: إنّ الله بعث رسوله بفضل بيّن فلم يرد الدنيا ولم ترده، وكان بعده أبو بكر وعمر فلم يرداها ولم تردهما، ثمّ
стр. 1856
كان عثمان فنال منها ونالت منه، ثمّ آتانا الله هذا الأمر والمال فأعطينا كلّ ذي حق حقّه، وفضل مال كثير عاث فيه أهل معاوية، فإن يغفر الله لهم فأهل ذاك هو، وإن يعذّبهم فأهل ذاك هم.
المدائني قال: قال معاوية لسعية بن عريض اليهودي: أنشدني مرثية أبيك نفسه، فأنشده:
يا ليت شعري حين أندب هالكا … ماذا تؤبّنني به أنواحي
ولقد حملت عن العشيرة ثقلها … ولقد أخذت الحقّ غير ملاح
إنّ امرءا أمن الحوادث جاهلا … ورجا الخلود كضارب بقداح
فقال معاوية: صدق، وتغرغرت عيناه.
وزعموا أنّ معاوية كتب إلى عليّ رضي الله تعالى عنهما: يا أبا الحسن، إنّ لي فضائل كثيرة، كان أبي سيّدا في الجاهليّة، وولاّني عمر في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﷺ وخال المؤمنين، وأحد كتّاب الوحي، فلمّا قرأ عليّ كتابه قال: أبالفضائل يفخر عليّ ابن آكلة الأكباد؟! يا غلام اكتب، فكتب:
محمّد النبيّ أخي وصهري … وحمزة سيّد الشهداء عمّي
وجعفر الذي يمسي ويضحي … يطير مع الملائكة ابن أمّي
وبنت محمّد سكني وعرسي … مسوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منها … فأيّكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طرّا … غلاما قبل حين أوان حلمي (١)
стр. 1857
فلمّا قرأه معاوية قال: يا غلام مزّق الكتاب لئلا يقرأه أهل الشام فيميلوا إليه دوني. قالوا: وانتحل السيّد الحميري هذه الأبيات فأدخلها في شعره.
ورحل حضين بن المنذر إلى معاوية في وفد من أهل العراق، فتأخر وصوله إليه من بينهم، فقال:
وكلّ صغير الشأن يسعى مشمّرا … إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ويبقى الجلوس الماكثون رزانة … حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا
فأمر معاوية أن يدخل أوّل الناس.
وذكروا أنّ معاوية أقبل على بني هاشم فقال: يا بني هاشم إنّ خيري لكم ممنوح، وبابي مفتوح، فلا تقطعوا خيري عنكم، ولا تغلقوا بابي دونكم، وقد رأيت أمري وأمركم متفاوتا، ترون أنّكم أحقّ بما في يدي منّي، وأنا أرى أنّي أحقّ به منكم، فإذا أعطيتكم العطيّة فيها قضاء حقوقكم قلتم: أخذنا دون حقّنا وقصّر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب لا يحمد على ما أخذ منه، فبئست المنزلة نزلت بها منكم، أعطي فلا أشكر، وأمنع فلا أعذر، ونعمت المنزلة نزلتم بها منّي: إنصاف قائلكم، وإعطاء سائلكم، فقال عبد الله بن عبّاس، والله ما منحتنا خيرك حتّى طلبناه، ولا فتحت لنا بابك حتّى قرعناه، ولئن قطعت عنّا خيرك لله أوسع لنا منك، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفّنّ أنفسنا عنك، فو الله ما أحفيناك في مسألة ولا سألناك باهظة، فأمّا هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقّان: حقّ الغنيمة وحقّ الفيء، فالغنيمة ما غلبنا عليه، والفيء ما اجتبيناه، فعلى أيّ وجه خرج ذلك منك أخذناه وحمدنا
стр. 1858
الله عليه، ثمّ لم نخلك من شكر خير جرى على يدك، ولولا حقّنا في هذا المال ما أتاك منّا زائر يحمله خفّ ولا حافر، أكفاك أم أزيدك؟ فقال معاوية: حسبك يا أبا عبّاس فإنك تكوي ولا تغوي، فقال الفضل بن عبّاس بن عتبة بن أبي لهب:
ألا أبلغ معاوية بن صخر … فإنّ المرء يعلم ما يقول
لنا حقّان حقّ الخمس واف … وحقّ الفيء جاء به الرسول
فكلّ عطيّة وصلت إلينا … وإن سحبت لخدعتها الذّيول
ففي حكم القران لنا مزيد … على ما كان لا قال وقيل
أتأخذ حقّنا وتريد حمدا … له، هذاك تأباه العقول
فقال له ابن عبّاس مجيبا … فلم يدر ابن هند ما يقول
فلا تهج ابن عبّاس مجيبا … فإنّ جوابه جذع أصيل
حدثني محمّد بن اسماعيل الواسطي عن الفرات العجلي عن أبيه عن قتادة قال: خطب معاوية بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عليّا فنال منه ونسبه إلى قتل عثمان وإيواء قتلته، والحسن بن عليّ تحت المنبر، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أهل الشام إنّ معاوية يخدعكم بهذا الخاتم الذي من كان في يده جازت كتبه في الآفاق، وادخر لعياله الذخائر، فقام رجل من أهل الشام فأراد أن يقطع على الحسن كلامه فقال: يا حسن قد وصفت لنا معاوية، فكيف صفتك للخراءة؟ فقال الحسن: يا أحيمق أبعد الممشى، وأنفي الأذى، وأستنجي باليسرى، فغاظ قوله من حضر من أهل المدينة، واستشاط الحسن، فلمّا رأى معاوية ذلك نزل عن منبره تخوّفا أن يأتي الحسن بشيء يكرهه، وأن يتشارّ الناس، فأخذ بيد الحسن وأدخله منزله، ثمّ دعا
стр. 1859
بماء وسويق فجدحه بيده، ثمّ قال: اشرب يا بن فاطمة فو الله ما جدحته (١) لأحد قبلك، فأخذه الحسن فشرب منه الحسن، ثمّ ناوله معاوية وقال:
اشرب يا بن هند فو الله ما ناولك مثلي، وانّ بين الأمرين لبونا بعيدا، فقال معاوية: أجل والله وما أردت بما قلت بأسا.
وقال معاوية لعقيل: إنّ فيكم لينا قال: أجل في غير ضعف، وإنّ لنا لعزا في غير كبر، وأمّا أنتم فإن في لينكم غدرا، وإنّ في كبركم كفرا، فقال معاوية: دون هذا يا أبا يزيد، فقال عقيل:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا … وما علّم الإنسان إلاّ ليعلما (٢)
فقال معاوية:
وإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده … وإنّ الفتى بعد السّفاه ليحلم (٣)
فقام عقيل وهو يقول:
إنّ السفاهة قدما من خلائقكم … لا قدّس الله أخلاق الملاعين
العمري عن الهيثم عن ابن عبّاس قال: قال معاوية: الرأي الثاقب كهانة، والحلم سؤدد.
المدائني وغيره قالوا: دخل شريك الحارثي على معاوية، وكان رجلا دميما آدم شديد الأدمة شريفا في قومه، فلمّا استقرّ به المجلس أراد معاوية أن يضع منه فقال: إنّك لشريك وما لله شريك، وإنّك لابن الأعور والصحيح
стр. 1860
خير من الأعور، وإنّك لدميم حنزقرة (١) أسود، فكيف سوّدك قومك؟ فقال شريك: انّك لمعاوية، وما معاوية إلاّ كلبه عاوت فاستعوت فسمّيت معاوية، وإنّك لابن صخر والسّهل خير من الصخر، وإنّك لابن حرب والسلم خير من الحرب، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ ثمّ خرج مغضبا وهو يقول:
أيشتمني معاوية بن صخر … وسيفي صارم ومعي لساني
وحولي من ذوي يمن ليوث … ضراغمة تهشّ إلى الطعان
يعيّر بالدمامة من سفاه … وربّات الحجال هي الغواني
ذوات الحسن، والرئبال جهم … شتيم وجهه ماضي الجنان
فلا تبسط لسانك يا بن هند … علينا أن بلغت مدى الأماني
فإن تك للشقاء لنا أميرا … فإنّا لا نقيم على الهوان
وإن تك من أميّة في ذراها … فإنّي من بني عبد المدان
قالوا: وصعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه، فلمّا أراد الكلام قطع عليه غلام من الأنصار قام فقال: يا معاوية ما جعلك وأهل بيتك أحقّ بهذه الأموال منّا؟ وإنّما أفاءها الله على المسلمين بسيوفنا ورماحنا، وما لنا عندك ذنب نعلمه إلاّ أنّا قتلنا خالك وليدا وجدّك عتبة وأخاك حنظلة، فقال معاوية: لا والله يا بن أخي، ما أنتم قتلتموهم ولكنّ الله قتلهم بملائكة بعد ملائكة، على يدي بني أبيهم، وما ذاك بعار ولا منقصة، قال الأنصاري:
فأين العار والمنقصة إذا؟ قال: صدقت، أفلك حاجة؟ قال: نعم لي