والنساء؟ قال: ما أشاء أن أفعل إلاّ فعلت، فجفاه وحرمه صلته، فدسّ الكلبيّ امرأته الى ابنة قرظة امرأة معاوية فشكت وقالت: ما أنا وهو في اللحاف الاّ بمنزلة امرأتين، ودخل معاوية على ابنة قرظة فقال: من المرأة التي عندك؟ قالت: امرأة فلان الكلبي، قال: وما قالت؟ قالت: شكت حالها وكبر زوجها وأنّه لا ينال منها شيئا ولا يقدر عليه، فقال: ما كذا يزعم؛ فأرسل إليه وتوارت امرأته عند النساء، فقال له معاوية: يا فلان كيف قوّتك على الجماع؟ فقال: ما أشاء أن أفعل إلاّ فعلت، فقالت امرأته: كذب يا أمير المؤمنين، فقال الشيخ: أقلني هذه الكذبة، فضحك معاوية وقال: أنا أبو عبد الرحمن، وأمره فانصرف، وعاد إلى ما كان عليه من برّه وصلته.
قالوا: وقدم على معاوية روميّ لم ير قطّ أطول منه، فدعا معاوية قيس بن سعد بن عبادة فطاله، فقال معاوية لقيس: أعطه سراويلك، فلبسها الرومي فكادت تبلغ عنقه، فقال: اتركها عليه، فتركها، وأمر معاوية لقيس بسراويل من سراويلاته فوجده قصيرا عليه فقال: إنما أمرت لي بتبّان، يعيّره بذلك، فقال معاوية:
أمّا قريش فأشياخ مسرولة … واليثربيّون أصحاب التبابين
فقال قيس:
تلك اليهود التي تعنى بقريتنا … أضحت قريش هم أهل السخاخين (١)
стр. 1787
المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قدم أبو موسى على معاوية فدخل عليه في برنس أسود، فلمّا خرج من عنده قال: قدم الشيخ لأولّيه و والله لا ولّيته.
المدائني عن محمّد بن مروان العجلي عن حبيب بن الشهيد قال: قال معاوية لعبد الله بن عامر: يا أبا عبد الرحمن لا يزال يكون بينك وبين مروان الشيء فتقهره وتستعليه وتظفر به، فقال ابن عامر: إنّه يجدني عضّا، فقال معاوية: إنّك لو لقيت رجلا عرفّك نفسك، قال: فكن أنت ذلك الرجل يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: أنا ابن هند، قال ابن عامر: أنا ابن أم حكيم، قال معاوية: ارتفعت جدّا، قال ابن عامر: وانخفضت يا أمير المؤمنين. قال: أمّ عبد الله بن عامر دجاجة بنت [أسماء بن] (١) الصلت وأم أبيه أروى بنت كريز وأمّها أمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب.
المدائني عن أبي اسحاق التميمي قال: كتب معاوية إلى عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة في القدوم، فقدم عمرو من مصر والمغيرة من الكوفة، فقال عمرو للمغيرة بن شعبة: ما جمعنا إلاّ ليعزلنا، فإذا دخلت عليه فاشك الضعف واستأذنه في إتيان المدينة أو الطائف، فإني سأسأله إتيان مكّة أو المدينة، فسيقع في قلبه أنّا إنّما نريد إفساد الناس عليه، ففعل المغيرة ذلك، ثم دخل عمرو فسأله أن يأذن له في إتيان مكّة أو المدينة فقال: قد تواطأتما على أمر وإنّكما لتريدان شرّا فارجعا الى عملكما.
المدائني قال: نظر معاوية إلى فتيان من بني عبد مناف فتمثّل:
стр. 1788
بنو الحرب لم تقعد بهم أمّهاتهم … وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا
ونظر إلى فتيان من بني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ فقال:
شربن حتّى نفد القليب … أكلن حمضا فالوجوه شيب
المدائني عن سعيد بن عامر الخزرجي عن عبادة بن نسيّ قال: خطب معاوية فقال: إنّي كزرع مستحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، وتمنّيت فراقكم وتمنّيتم فراقي، ولن يأتيكم بعدي إلاّ من أنا خير منه كما أنّ من كان قبلي كان خيرا منّي، وقد قيل: من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه؛ اللهم إنّي أحببت لقاءك فأحبّ لقائي وبارك لي فيه.
حدثنا هشام بن عمّار حدثنا اسماعيل بن عيّاش عن صفوان بن عمرو عن الأزهر بن عبد الله الهوزني (١) عن أبي عامر الهوزني قال: حججنا مع معاوية، فلمّا قدمنا مكّة أخبر برجل قاصّ يقصّ على أهل مكّة، وكان مولى لبني مخزوم، فقال له معاوية: أمرت بالقصص؟ فقال: لا، قال: فما حملك على أن تقصّ بغير إذن؟ قال: إنّما ننشر علما علّمناه الله، قال: لو كنت تقدّمت إليك لقطعت طابقا منك.
المدائني عن سحيم بن حفص قال: خطب ربيعة بن غسل - وذلك الثبت، ويقال عسل - اليربوعي إلى معاوية فقال معاوية: اسقوه سويقا، فقال: يا أمير المؤمنين أعنّي في بناء داري باثني عشر ألف جذع، قال: وكم دارك؟ قال: فرسخان في فرسخين أو أكثر، قال: فدارك بالبصرة أم
стр. 1789
البصرة في دارك؟! قال: فدخل رجل من ولده على ابن هبيرة فقال: أنا الذي خطب أبي إلى معاوية، قال: فزّوجه معاوية؟ قال: لا، قال: فما صنع شيئا؛ ثم قال لسلم بن قتيبة: من هذا؟ قال: ابن أحمق قومه، قال: وان الحمق لبيّن فيه أيضا.
المدائني قال: ذكر مروان يوما لمعاوية كثرة عدد آل أبي العاص وقلّة عدد آل حرب، فتمثّل معاوية:
تفاخرني بكثرتها قريط … وقبلك طالت الحجل الصقور
فإن أك في عدادكم قليلا … فإنّي في عدوّكم كثير
بغاث الطير أكثرها فراخا … وأمّ الصّقر مقلات نزور
وحدثني عبد الله بن صالح عن هشام بن محمد قال: زوّج معاوية ابنته رملة من عمرو بن عثمان بن عفّان، فسمعت مروان بن الحكم يقول له وقد عاده: إنّما ولي معاوية الخلافة بذكر أبيك، فما يمنعك من النهوض لطلب حقّك، فنحن أكثر من آل حرب عددا، منّا فلان وفلان؛ وحجّ عمرو بن عثمان وخرجت إلى أبيها فقال لها: مالك، أطلّقك زوجك؟ قالت:
الكلب أضنّ بشحمته، وحدّثته حديث مروان واستكثاره آل أبي العاص واستقلاله آل حرب، فكتب معاوية إلى مروان:
أواضع رجل فوق رجل يعدّنا … كعدّ الحصا ما إن يزال يكاثر
وأمّكم تزجي تؤاما لبعلها … وأم أخيكم نزرة الولد عاقر
المدائني عن مسلمة قال: لمّا بلغ معاوية موت زياد قال:
وأفردت سهما في الكنانة واحدا … سيرمى به أو يكسر السّهم كاسره
стр. 1790
المدائني عن عوانة وابن جعدبة قالا: قال معاوية لابن عبّاس: إنّ عثمان أصاب من هذه الدنيا وأصابت منه، وإنّها قد مالت بي وملت بها، فما ترى يا أبا عبّاس؟ فقال: إنّ الدنيا قد أمكنتك فهي في يدك ولك درّها، وإنّ الآخرة ممكنة لك إن أردتها، ولما نقصك من دنياك وزادك في آخرتك خير لك ممّا نقصك من آخرتك وزادك في دنياك.
المدائني عن جويرية قال: قال معاوية لعمرو بن العاص، وعمرو عنده بدمشق: قد جاشت الروم، وهرب عامل من عمّالنا، وخرج أهل السجن، قال: فلا يكبرنّ عليك ذلك، أمّا الروم فأرضهم بشيء تردّهم به عنك، وأمّا أهل السجن فإنّما خرجوا حفاة عراة فابعث في طلبهم تؤت بهم، وأمّا عاملك فأظهر أنّك قد تركت له ما عليه فإنّه سيرجع فإذا رجع فطالبه، قال: ففعل معاوية ذلك.
المدائني عن غسان بن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور ابن مخرمة عن أبيه [عن جدّه المسور] قال: دخلت على معاوية فقلت:
السّلام عليك أيّها الملك، فقال: قد علمت أحسن ما قلت فكيف طعنك على الأمراء؟ فلم أدع شيئا إلاّ بكّتّه به، فقال: يا مسور إنّا غير متبرّئين من الذنوب ونرجو رحمة الله؛ إنّي لعلى شريعة يقين يقبل الله معها الحسنى ويتجاوز عن السّوآى، ولو خيّرت بين الله وما سواه لاخترته، ثم قضى حوائجه.
المدائني عن محمد بن الحجّاج عن عبد الملك بن عمير انّ أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس دخل على معاوية فقال: السلام عليك أيّها الأمير، فضحك معاوية وقال: بايع يا أبا موسى، وبسط يده، فقال أبو
стр. 1791
موسى: أبايع علينا ولنا، فقبض معاوية يده وانصرف أبو موسى، فقال له ابن عضاه الأشعري: يا أبا موسى إنّك رأيت رجالا من قريش يقولون لمعاوية فيحلم عنهم، ففعلت كما فعلوا، وإنّه يهون على معاوية أن يقتلك فيؤدّب بك غيرك، فإنّي سمعته يقول: إنّ السلطان يضحك ضحك الصبيّ ويصول صولة الأسد؛ فراح أبو موسى إلى معاوية فسلّم عليه بالخلافة وقال: ما أنكرت من تسليمي عليك بالإمرة فقد كنّا نقولها لعمر بن الخطّاب فيراها وغيرها سواء، وما أنكرت من قولي أبايعك علينا ولنا؟ علينا الوفاء بها ولنا أجرها، فتبسّم معاوية وقال: بايع أبا موسى فلعمري ما أخرجتها حتى زممتها وخطمتها، ولئن كنت قد قلت خيرا لقد أردت شرّا.
المدائني عن أبي عبد الله الحنفي عن رجل قال: قال عبد الله بن العبّاس: ما رأيت أحدا كان أحقّ بالملك من معاوية، لله درّه إن كان لحليما وإن كان الناس لينزلون منه بأرجاء واد خصب، لم يكن بالضيّق الليّق المتصعّب الحصوص، يعني الذي يحاصّ في كلّ شيء.
المدائني عن شهاب بن عبد الله عن يزيد بن سويد قال: أذن معاوية للأحنف ثم لمحمد بن الأشعث بن قيس، فجلس محمد فوق الأحنف، فقال معاوية: إنّي لم آذن له قبلك لتكون دونه إليّ، وقد فعلت فعل من أحسّ من نفسه بذلّ، إنّا كما نملك أموركم نملك تأديبكم، فأريدوا منّا ما نريد بكم فإنّه أبقى لكم، فقال محمد: إنّا لم نأتك ليقصى مكاننا منك، ولم نعدم الأدب فنحتاج إلى تأديبك، فخذ منّا عفونا تستوجب مودّتنا، وإنّا عنك لفي غنى وسعة، ثم خرج.
стр. 1792
المدائني عن مبارك بن سلاّم عن مجالد قال: قال معاوية لسعيد بن العاص: كم ولدك؟ فذكر عشرة أو أكثر، فقال معاوية: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ (١) فقال سعيد: ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء (٢).
المدائني عن غسّان بن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور عن أبيه قال: قدم معاوية المدينة فخطبهم فقال: إنّي رمت سيرة أبي بكر وعمر فلم أطقها، فسلكت طريقة لكم فيها حظّ ونفع، على بعض الأثرة، فارضوا بما أتاكم منّي وإن قلّ، فإنّ الخير إذا تتابع وإن قلّ أغنى، وإنّ السخط يكدّر المعيشة، ولست بباسط يدي إلاّ إلى من بسط يده، فأمّا القول يستشفي به ذو غمر فهو دبر أذني وتحت قدمي حتى يروم العوجاء.
حدثني عبد الله بن صالح عن أبي بكر بن عيّاش قال: حدثّت عن الشّعبي أنّ عمر بن الخطّاب ذكر معاوية فقال: احذروا آدم قريش وابن كريمها فإنّه لا ينام الاّ على الرضا ويضحك عند الغضب، ويتناول ما فوقه من تحته.
المدائني عن أبي قحافة عن أبي قرّة مولى عبّاد بن زياد قال: دخل أعرابي المسجد ومعاوية يخطب فقال: أيّها المتكلّم اسكت أنشد جملي، فسكت معاوية، فقال الأعرابي: أيّها الناس من دعا الى جمل عليه قتب، فردّد القول مرارا، فقال معاوية: أيّها الأعرابي حلّه حلية سوى القتب فلعلّ القتب قد ضاع، ثمّ مضى في خطبته.
стр. 1793
المدائني عن غسّان بن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الرحمن بن مسور قال: قدم عبد الله بن عبّاس على معاوية وافدا فأمر ابنه يزيد أن يأتيه مسلّما فأتى يزيد ابن عبّاس فرحّب به ابن عبّاس وحدّثه، فلمّا خرج قال ابن عبّاس: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء الناس.
قالوا: دخل عبد الله بن الحارث بن أميّة الأصغر على معاوية وكان بذيئا، فجرى بينه وبين معاوية كلام، فقال عبد الله: والله لقد شججت أخاك حنظلة فما أعطيتم عقلا ولا سألتم فدى، قال معاوية: إنّك هربت إلى أخوالك بالطائف، فقال: إنّي إذا مال أحد شقّيّ عدلته بالآخر.
المدائني عن عبد ربّه بن نافع عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: مرض معاوية فحسر عن ذراعيه وكأنّهما عسيبان (١) ثمّ قال:
هل الدنيا إلاّ ما جرّبنا وذقنا، ولوددت أنّي لم أعمّر فيكم فوق ثلاث حتى ألحق بربّي، فقال له رجل عنده: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: بما شاء الله أن يقضي لي، فقد علم أنّي لم أهو ما كره.
المدائني قال: دخل على معاوية عديّ بن حاتم فقال ابن الزبير وهو حاضر: إن عند هذا الأعور جوابا، فأحركه؟ قال: نعم، فقال:
يا عديّ أين ذهبت عينك؟ قال: يوم قتل أبوك هاربا وضربت أنت على قفاك موليّا، وأنا يومئذ مع الحقّ وأنت مع الباطل.
المدائني عن الفضل بن سليمان عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن أبيه عن حبيب بن مسلمة الفهري قال: ركب معاوية وأنا معه، فبينا نحن
стр. 1794
نسير إذ طلع رجل باذّ الهيئة فلم أره أكبر معاوية ولا اكترث له، وأعظمه معاوية إعظاما شديدا ثم قال: أجئت زائرا أم طالب حاجة؟ فقال: لم آت لشيء من ذلك ولكنّي جئت مجاهدا وأرجع زاهدا، فمضى معاوية عنه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: عقبة بن عامر الجهني، قلت:
ما أدري ما أراد بقوله أخيرا أم شرّا، قال: دعه فلعمري لئن كان أراد الشر إنّ الشرّ عائد بالسوء على أهله، قلت: سبحان الله ما ولدت قرشيّة قرشيّا أذلّ منك، فقال: يا حبيب أحلم عنهم ويجتمعون خير أم أجهل ويتفرّقون؟ قال: قلت: بل تحلم ويجتمعون، قال: امض فما ولدت قرشيّة قرشيّا له مثل قلبي، قال: قلت: إنّي لأخاف أن يكون ما تصنع ذلاّ، قال: وكيف وقد قاتلت عليّا فصبرت على مناوأته؛ وبعضهم يروي هذا عن الضحّاك بن قيس.
حدثني عمر بن بكير عن هشام بن الكلبي عن عوانة قال: قال معاوية: يا معشر بني أميّة إنّ محمدا لم يدع من المجد شيئا إلاّ حازه لأهله، وقد أعنتم عليهم بخلّتين: في ألسنتهم ذرب وفي العرب أنف، وهم محدودون، فأوسعوا الناس حلما فو الله إنّي لألقى الرجل أعلم أنّ في نفسه عليّ شيئا فأستثيره فيثور عليّ بما يجد في قلبه، فيوسعني شتما وأوسعه حلما، ثمّ ألقاه بعد ذلك أخا أستنجده فينجدني.
حدثنا حفص بن عمر عن الهيثم بن عديّ عن اسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال: بينا رجل يخاطب معاوية إذ قال:
والله يا معاوية لتستقيمنّ أو لنقوّمنّ صعرك (١)، قال: ومن أنت رحمك الله؟
стр. 1795
قال: أنا فلان بن فلان الحميري، قال: وما كان عليك لو كان كلامك ألين من هذا؟ فلمّا ولّى قال يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين لو نكّلت بهذا تأدب به غيره فقال: يا بنيّ لربّ غيظ قد تحطّم بين جوانح أبيك لم يكن وباله إلاّ على من جناه.
وقال ابن أمّ الحكم ليزيد: خالي من قريش وخالك من كلب فجئني بخال مثل خالي، فشكاه يزيد إلى معاوية فقال معاوية: قل له هات أبا مثل خالك.
حدثني عبد الله بن صالح قال: بلغنا أنّ معاوية قال: أحبّ الناس إليّ أشدّهم تحبيبا لي إلى الناس.
المدائني عن أبي اسماعيل الهمداني عن مجالد عن الشعبي قال: قال على رضي الله تعالى عنه: لا تمنّوا موت معاوية فإنّكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها.
قال العتبي: وقع بين هدبة بن خشرم العذري وبين آخر من عذرة كلام عند معاوية، فقال العذري: إنّه لا يقال في مجلس أمير المؤمنين الكذب، فقال هدبة: إنّه لا مجلس يدخله من الكذب أكثر ممّا يدخل مجلس أمير المؤمنين، ولكنّ فيه عزّا نيل بالصّدق، يعني الإسلام.
أبو الحسن المدائني عن علقمة عن الفضل بن سويد قال: قال عبد الملك: ما رأيت أكرم من معاوية، خرج حاجبه يوما فلم ير في المسجد غيري فرجع، ثم خرج معاوية فقمت إليه، فتوكّأ عليّ حتى خرج من المسجد، ثم أجرى الخيل فسبق في الثنيان، فلمّا كان بعد ذلك غدوت إليه وخرج فصنع بي كما صنع أوّلا، ثم أجرى الخيل فسبق في الربعان، ثم أتيته
стр. 1796
يوما ثالثا وخرج الحاجب فاستترت منه مخافة أن يتشاءم بي فقال لحاجبه:
اطلبه، فرآني، فأتيت معاوية فتوكّأ عليّ ثم قال: أجر القرّح، فسبق، فقال: يا بن مروان، هكذا القرّح تسبق لها القرّح، هات حاجتك، فما سألت حاجة إلاّ أمر بها فعجّلت.
المدائني عن النضر بن اسحاق عن بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة قال:
قال معاوية لآذنه: ابغني قوما يتحدّثون عندي ويحدّثوني، فأدخل إليه أربعة من سليم فيهم نصر بن الحجّاج، فقال معاوية: أتدرون لم دعوتكم؟ فقال نصر: دعوتنا لأمر حزب ونازلة نزلت فأردت أهل النصيحة والرأي، قال:
ما كان بحمد الله إلاّ خير ولا جاءنا إلاّ ما نحبّ، قال: فدعوتنا لأنك روأت (١) فقلت ما تركت رحما إلاّ وصلتها وزيّدتها إلاّ رحم هذا الحيّ من سليم، فدعوتنا للصلة وقضاء الحقّ، قال: إنّكم لذلك لأهل وما لذلك دعوتكم، قالوا: فدعوتنا لأمر عراك فأردت أن نحدّثك ليذهب غمّك، فإن أردت حديث الجاهليّة وأيّام العرب وأنسابها فنحن بنوها، وإن أردت حديث الإسلام فنحن أهله، قرأنا كتاب الله وفقهنا في الدين، وإن أردت علم العجم فقد غزوناهم ولنا بأمورهم علم، قال: فأطرق معاوية طويلا ثم قال: أنا خير قريش لها حيّا وميتا، قال نصر: ذاك رسول الله ﷺ ، هداها الله به من الضلالة، وبصّرها بعد الحيرة، وأعزّها بعد الذلّة، وأغناها من الفقر، وجمع لها به الحسنيين الخلافة في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة، وأورثها كتاب الله فصرتم به علينا أربابا، ولكن إن
стр. 1797
شئت أخبرناك أنّك شرّ قريش لها حيّا وميتا، قال: وكيف؟ قال: لانت لها أكنافك، وانثنت لها أعطافك، وجادت لها كفّك، وعودتها بحلمك عادة لا يحملها لها من بعدك، فأطغيت برّها وأكفرت فاجرها، فكأنّي بهم إذا فقدوا ما عوّدتهم قد ثاروا إلى القنا فعقدوا فيها خمرهم، فأصبحوا مصرّعين شائلة أرجلهم بأفواه السكك، فقام معاوية وخرجوا، فدعا آذنه فقال:
والله ما استرحت من هؤلاء إلى مستراح، ويحك أردت قوما يحدّثوني حديثا سهلا فجئتني بشيطان.
ويروى أنّ معاوية قال لسعد مولاه: إنّ جلسائي قد ثقلوا عليّ ونازعوني الكلام فأدخل إليّ غيرهم، فأدخل إليه أبا الأعور السّلمي ورجلا آخر، فجرى بينه وبين معاوية ما نسب إلى نصر بن الحجّاج، قالوا: فلمّا قال أبو الأعور: وأضحوا شائلة أرجلهم بأفواه السكك، قال معاوية: وأبو الأعور فيهم، فقال: أغضبت يا معاوية أن صدقتك؟ ذلك إلى الله فإن شاء كنت فيهم.
المدائني عن سحيم بن حفص قال: كانت لعبد الله بن الزبير أرض إلى جانب أرض لمعاوية، فاقتتل غلمان معاوية وغلمان ابن الزبير: فكتب ابن الزبير: إلى معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد فقد غلبتنا بحمرانك وسودانك، ولو قد التقت حلقتا البطان واستوت بنا وبك الأقدام علمت من عبد الله أنّ سودانك وحمرانك لا يغنون عنك شيئا، فقرأ معاوية الكتاب ثم رمى به إلى ابنه يزيد فقال: ما عندك؟ قال: تبعث إليه من يقتله فتستريح من حمقه وعجبه، قال: يا بنيّ له بنون وعشيرة تمنعه، إن بعثت بمائة رجل وأعطيت كلّ رجل ألفا بلغ ذلك مائة ألف، ولا أدري على من تكون
стр. 1798
الدبرة، فإن غلبوا بعثت ألفا وأعطيتهم ألف ألف، ولكنّي أكتب إليه، فكتب إليه: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عبد الله بن الزبير، أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر أنّا غلبناك بحمراننا وسوداننا وأنّه إن التقت حلقتا البطان واستوت بنا وبك الأقدام علمنا أنّ حمراننا وسوداننا لا يغنون عنّا شيئا، وإنّ أمير المؤمنين قد وهب لك ذلك المال بحمرانه وسودانه فخذه خضرا نضرا والسّلام. فكتب إليه عبد الله بن الزبير: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير، أمّا بعد، فقد غلبتنا بحلمك وجدت لنا بمالك، فجزاك الله يا أمير المؤمنين خير جزاء، فلمّا أتى معاوية الكتاب قال ليزيد: يا بنيّ أهذا خير أم ما أردت؟
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن يزيد بن عياض قال: قال معاوية لأبي الجهم بن حذيفة: أيما أسنّ أنا أم أنت؟ فقال أبو الجهم: والله إنّي لأذكر دخول أمّك على زوجها، قال: أيّ أزواجها؟ فو الله إن كانت لكريمة المناكح، فإيّاك يا أبا الجهم والإقدام بعدي على السلطان بمثل هذا، فإنّما أمر السلطان كاللعب وصولته كصولة الأسد، فاحذر أن يؤمر بك فيؤتى على نفسك.
وحدثني العمري عن الهيثم عن ابن عيّاش عن أبي الهيثم الرحبي عن ابن عضاه الأشعري قال: دخل أبو الجهم على معاوية فأجلسه معه على سريره وأكرمه ثم قال له: أيّما أسنّ أنا أم أنت؟ قال: لقد أكلت في عرس أمّك قبل أن يتزوّج أبوك، فقال: لقد كانت تستكرم الأزواج، ففي عرس أيّ أزواجها أكلت؟ قال: في عرس حفص بن المغيرة، قال: ذاك سيّد
стр. 1799
قومه، ثم قال: إيّاك والسلطان فإنّه يغضب غضب الصبيان ويصول صولة الأسد.
أبو الحسن المدائني عن أبي عبد الرحمن العجلاني عن سعيد بن عبد الرحمن قال: دخل قوم من الأنصار على معاوية فقال لهم: يا معشر الأنصار، قريش لكم خير منكم لها، فإن يك ذلك لقتلى أحد فقد نلتم يوم بدر مثلهم، وإن يكن للأثرة فو الله ما تركتم لنا إلى صلتكم سبيلا، لقد خذلتم عثمان يوم الدار وقتلتم أنصاره يوم الجمل وصليتم بالأمر يوم صفّين؛ فتكلم قيس بن سعد فقال: أما ما قلت من أنّ قريشا خير لنا منّا لهم فإن يفعلوا فقد أسكناهم الدار وقاسمناهم الأموال وبذلنا لهم الدماء ودفعنا عنهم الأعداء، وأنت زعمت سيّد قريش فهل لنا عندك جزاء؟ وأمّا قولك إن يكن ذلك لقتلى أحد فإنّ قتيلنا شهيد وحيّنا ثائر، وأمّا ذكرك الأثرة فإن رسول الله ﷺ أمرنا بالصبر عليها، وأمّا خذلان عثمان فإنّ الأمر في عثمان كان الأجفلى (١)، وأمّا قتل أنصاره يوم الجمل فما لا نعتذر منه وبودّك أنّ الجميع اصطلموا، وأمّا قولك إنّا صلينا بالأمر يوم صفّين فإنّا كنّا مع رجل لم نأله خيرا؛ ثم قاموا فخرجوا، فقال معاوية: لله درّهم فو الله ما فرغ كلامه حتى ضاق المجلس عليّ وما كان فيكم رجل يجيبه؛ ثم ترضّاهم ووصلهم.
المدائني عن أبي عبد الرحمن العجلاني عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان قال: دخل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري مع رهط من الأنصار على معاوية فقال معاوية: يا معشر الأنصار بماذا تطلبون ما قبلي؟ والله لقد
стр. 1800
كنتم قليلا معي كثيرا عليّ، ولقد فللتم حدّي يوم صفّين حتى رأيت المنايا تلظّى في أسنّتكم، وهجوتموني بأشدّ من وخز الأشافي (١)، حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله قلتم ارع فينا وصيّة رسول الله ﷺ ، هيهات هيهات يأبى الحقين العذرة، فقال قيس بن سعد: إنّا نطلب ما عندك بالإسلام الكافي به الله فقد ما سواه لا بما تمّت به إليك الأحزاب، وأمّا عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك، وأمّا هجاؤنا إيّاك فقول يزول باطله ويثبت حقّه، وأمّا استقامة الأمر لك فعلى كره كان منّا، وأمّا فلّنا حدّك يوم صفّين فإنّا كنّا مع رجل نرى طاعته لله طاعة، وأمّا وصيّة رسول الله ﷺ بنا فإنّ من آمن به رعاها بعده، وأما قولك يأبى الحقين العذرة فليس دون الله يد تحجزك، فشأنك يا معاوية، فقال معاوية: سوءة، ارفعوا حوائجكم، فرفعوها فقضاها.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: هجا عقيبة الأسدي أبا بردة بن أبي موسى فقال:
أنت امرؤ في الأشعرين مقابل … وبالبيت والبطحاء أنت غريب
وما كنت من حدّاث أمّك بالضحى … ولا من يزكّيها بظهر مغيب
فشخص أبو بردة إلى معاوية فشكا عقيبة، فقال معاوية: لم يهجك، قال: أنت بالبطحاء غريب وقد صدق، وجعلك مقابلا في قومك وانّه لم يكن من حدّاث أمك، وقد قال لي أشدّ ممّا قال لك:
стр. 1801
أكلتم أرضنا فجردتموها … فهل من قائم أو من حصيد
فهبها أمّة هلكت ضياعا … يزيد يسوسها وأبو يزيد
فهلمّ ندعو الله عليه.
المدائني عن جويرية بن أسماء عن مسافع بن شيبة قال: حجّ معاوية فلمّا كان عند الرّدم (١) أخذ الحسين بخطام ناقته فأناخ به راحلته، ثم سارّه طويلا ثم انصرف، وزجر معاوية راحلته وسار، فقال عمرو بن عثمان بن عفّان: ينيخ بك الحسين وتكفّ عنه وهو ابن أبي طالب وتسرّعه على ما تعلم، فقال معاوية: دعني من عليّ فو الله ما فارقني حتى خشيت أن يقتلني، ولو قتلني ما أفلحتم، وإنّ لكم من بني هاشم ليوما عصيبا.
حدثني الحرمازي عن جهيم بن حسّان قال: أخبرت رملة بنت معاوية امرأة عمرو بن عثمان أباها بقول قاله مروان لزوجها فكتب إليه: يا مروان سمعت رسول الله ﷺ وسلّم يقول: «إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين رجلا اتّخذوا مال الله دولا ودين الله دخلا وعباد الله خولا»، فكتب إليه مروان: فإنّي أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة والسّلام.
المدائني عن محمد الثقفي قال: دعا معاوية بجارية له خراسانية فخلا بها، وعرضت له وصيفة مولّدة فترك الخراسانية وخلا بالوصيفة فنال منها وخرج، فقال للخراسانية: ما اسم الأسد بالفارسية؟ فقالت: كفتار، فخرج وهو يقول: أنا الكفتار، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتدري ما الكفتار؟ قال: نعم الأسد، قالوا: لا ولكنّه الضّبع العرجاء، فقال:
ما لها لله درّها ما أسرع ما أدركت بثأرها.
стр. 1802
العمري عن الهيثم عن عوانة قال: قال عبد الرحمن بن حسّان:
ألا أبلغ معاوية بن حرب … فقد أبلغتم الحنق الصدورا
تقون بنا نفوسكم المنايا … عست بكم الدّوائر أن تدورا
بحرب لا يرى القرشيّ فيها … ولا الثقفيّ إلاّ مستجيرا
فبلغ معاوية الشعر فقال: لئن استجار القرشيّ إنّه لأسوأ الحالات.
المدائني عن عامر بن الأسود قال: وفد الزّعل بن منان على معاوية فقال: لقد كنت أحب أن أراك قبل أن تموت، فقال معاوية: أو تنعى إليّ نفسي، بك الوجبة، وضحك.
حدثني هشام بن عمّار حدثنا الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح قال: قال عمرو بن العاص وذكر معاوية وهو بمصر: انّ إمامكم لممّن سهّل الله خليقته، وقوّم طريقته، وأحسن صيغته، فمن كانت النعمة تبطره إنّها لتذلّله وتوقّره.
وحدثني هشام عن صدقة القرشي قال: قال يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين ما أدري أتخدع الناس أم يتخادعون لك؟ فقال: من تخادع لك ليخدعك فقد خدعته.
المدائني عن عوانة قال: قال معاوية: ما شيء أحبّ إليّ من عين خرّارة في أرض خوّارة، فقال عمرو بن العاص: ما شيء أحبّ إليّ من أن أبيت عروسا بعقيلة من عقائل العرب، فقال وردان مولى عمرو: ما شيء أحبّ إليّ من الإفضال على الإخوان، فقال معاوية: أنا أولى بهذا منك، قال: قد ملكت فافعل.
стр. 1803
المدائني عن عبد الحميد، عن جابر بن يزيد أنّ عمرو بن العاص قال وهو عند معاوية: ما بقي من لذّتي إلا الحديث وأن يأتيني من ضيعتي ما أحب، فقال معاوية: وأنا والله كذلك، فقال وردان: ما بقي في الدنيا شيء أحبّ إليّ من حديث حسن أسمعه، أو أن يأتيني رجل في حاجة قد عيّ بها وضاق ذرعه فأفرّج كربته وأقضي حاجته، فأنال بذلك ذكرا في الدنيا وأجرا في الآخرة، فقال معاوية: أين كنّا عن هذه يا عمرو؟ قال وردان:
أنتما والله أقدر على ذلك منّي.
حدثني العمري عن الهيثم عن ابن عيّاش عن [أبي الهيثم] الرحبي قال: قال معاوية ليزيد: ما ألقى الله بشيء أعظم في نفسي من استخلافك.
حدثني عبيد الله القواريري حدثنا يحيى بن سعيد عن عمران بن حدير قال: سألت أبا مجلز عن بيع المصاحف قال: انّما بيعت في زمن معاوية، قلت: فأكتبها؟ قال: استعمل يدك بما شئت.
المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يسأله أن يولّي عبد الله ابنه مصر بعده، فقال معاوية: أراد أبو عبد الله أن يكتّ (١) فهدر.
وروي عن عمرو بن العاص انّه قال: ما رأيت معاوية قطّ متّكئا واضعا إحدى رجليه على الأخرى كاسرا عينه يقول لمن يكلّمه: إيه إلاّ رحمت الذي يكلّمه.
стр. 1804
المدائني عن مسلمة قال: قال عبد الملك بن مروان: ما رأيت مثل ابن هند في حلمه وكرمه، وما رحمت أحدا قطّ رحمتي لرجل رأيت ابن هند قد احتبج (١) على يده اليسرى ثمّ قال: يا هذا قل.
المدائني قال: اشترى معاوية من حويطب بن عبد العزّى داره بخمسة وأربعين ألف دينار، فهنّأه قوم فقال: وما خمسة وأربعون ألف دينار بالحجاز مع سبعة من العيال.
المدائني قال: قال معاوية لرجل من قريش: ما المروّة؟ قال: إطعام الطعام وضرب الهام، ثم قال لرجل من ثقيف: ما المروّة؟ فقال: تقوى الله وإصلاح المال، فبلغ ذلك عمرو بن العاص فقال: أمّا قول القرشي فهو الفتوّة، وأمّا الثقفي فأصاب في قوله تقوى الله ولم يصنع بعد ذلك شيئا، ولكنّ المروّة أن تعطي من حرمك وتعفوا عمّن ظلمك وتسلّط الحقوق على مالك.
وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: ما المروّة؟ قال: الصبر على النوائب والصمت حتّى يحتاج إلى الكلام.
وزعموا أنّ معاوية قال للحسين بن علي: ما المروّة؟ فقال: فقه الرجل في دينه وإصلاحه معاشه وحسن مخالقته للناس، قال: فما النجدة؟ قال: الذبّ عن الجار والإقدام على الكريهة، قال: فما الجود؟ قال:
التبرّع بالإفضال والإعطاء قبل السؤال والإطعام عند الإمحال، فقال معاوية: أشهد بالله لقد صدقت.
стр. 1805
المدائني عن أبي اليقظان وغيره قالوا: وفد إلى معاوية الأحنف وجارية بن قدامة والحتات بن يزيد المجاشعي فقال معاوية لجارية: أأنت الساعي مع عليّ والموقد النار في نصرته؟ فقال جارية: يا معاوية دع عنك عليا وذكره، فو الله ما أبغضناه مذ أحببناه، ولا غششناه مذ نصحناه، قال: ويحك يا جارية ما كان أهونك على أهلك إذ سمّوك جارية، فقال:
أنت كنت أهون على أهلك إذ سمّوك معاوية، فقال معاوية: اسكت لا أمّ لك، قال: أمّ لم تلدني، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفّين لفي أيدينا، قال: إنّك لتوعدني، قال: إنّك لم تملكنا قسرا ولم تفتحنا عنوة ولكنّا أعطينا عهودا ومواثيق، فإن وفيت لنا وفينا، وإن نزعت إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالا أنجادا وأذرعا شدادا وأسنّة حدادا، فإن بسطت لنا فترا من غدر دلفنا إليك بباع من ختر، فقال له معاوية: اسكت فلا أكثر الله في الناس أمثالك، فقال: قل معروفا يا أمير المؤمنين فقد بلونا قريشا فوجدناك اليوم أوراها زنّدا وأكثرها زبدا وأحسنها رفدا، فارعنا رويدا، فإنّ شرّ الرّعاء الحطمة (١).
المدائني عن عامر بن عبد الله عن أبي الزناد قال: قال معاوية لرجل من سبأ: ما كان أجهل قومك حين ملّكوا عليهم امرأة ثم قالوا ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ (٢) فقال: قومك أجهل من قومي حين قالوا ورسول الله يدعوهم:
стр. 1806
﴿إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (١).
المدائني قال، قال معاوية يوما للحسين: يا حسين، فقال ابن الزبير: يا أبا عبد الله أيّاك يعني، فقال معاوية: يا بن الزبير أتريد أن تغريه بي إذ سمّيته وكنيته؟! أما والله ما أولع شيخ قوم قطّ بالرتاج والباب إلاّ مات بينهما.
حدثني عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة قال: أراد معاوية أن يدّعي جنادة بن أبي أميّة الأزدي (٢)، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص:
سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يريح ريح الجنّة من ادّعى إلى غير أبيه»، فقال جنادة: أنا سهمك في كنانتك، فأمّا الدعوة فلا.
حدثنا العمري عن الهيثم بن عديّ حدثني ابن زغبان عن أبي المخارق قال: كنت أحمل كتب كاتب معاوية وأدخل بها معه إليه، فدخلت ذات يوم فكأنّه أعجبه منّي ما يعجب الملك من خادمه فقال لي: ويحك من أنت؟ قلت: أنا زياد مولى عبد الله بن أذينة الحارثي، قال: صاحبنا بصفّين؟ قلت: نعم يرحمه الله، ثم أقبل على كاتبه فقال: عليك أبدا بصاحبك الأوّل فإنّك تلقاه على مودّة واحدة، وإن طال العهد وشطّت الدار، وإياك وكلّ مستحدث فإنّه يستطرف قوما ويميل مع كلّ ريح.
أبو الحسن المدائني عن المغيرة بن عطيّة قال: خرج معاوية من دمشق هاربا من الطاعون، فلما كفّ الطاعون رجع إليها، فبينا هو يسير وقد قرب
стр. 1807
من الغوطة وقيس بن ثور الكندي وابن زمل السّكسكي يسايرانه أقبل همّام بن قبيصة النميري فأراد أن يدخل بين معاوية وبينهما، فقال معاوية:
ألا أخبركم عن صدرنا؟ قالوا: بلى، قال: إن الله بعث رسول الله ﷺ فكان فضله لا يوصف ولا يبلغ حتى توفّاه الله إليه، ثم ولي أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، ثم ولي عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، ثم ولي عثمان فأرادته الدنيا وأرادها حتى قتل، ثم صار الأمر إليّ فو الله ما بلغ من حسن عملي ما يكون مثل سيّئ عثمان الذي قتل عليه. ثم بكى، فقال همّام بن قبيصة: ما بكاؤك من أمر أنت مقيم عليه لا تنزع عنه؟! فلم يكلّمه معاوية ومضى حتى أشرف على الغوطة فقال: أيّ بستان رجل، فقال همّام:
يا معاوية ملكت الشرق والغرب فلم تكتف بذلك حتى أردت أن تأخذ أموالنا، لا أشبع الله بطنك. فضحك معاوية ثم حرك دابّته فقال: حتى نمير تحاقّني في الغوطة.
المدائني عن علي بن سليم قال: قال عبد الله بن همّام السلولي:
فإن تأتوا ببرّة أو بهند … نبايعها أميرة مؤمنينا
وكلّ بنيك نرضاهم جميعا … وإن شئتم فعمّهم البطينا
إذا ما مات كسرى قام كسرى … نعدّ ثلاثة متناسقينا
أيا لهفا لو انّ لنا رجالا … ولكنّا نعود كما عنينا
إذا لضربتم حتّى تعودوا … بمكّة تلعقون بها السخينا
حشينا الغيظ حتّى لو سقينا … دماء بني أميّة ما روينا
لقد ضاعت رعيّتكم وأنتم … تصيدون الأرانب غافلينا
стр. 1808
فقال معاوية: ما ترك ابن همّام شيئا، عيّرنا بالسخينة وذكّرنا أمّهاتنا وتهدّدنا وذكر أنّه لو شرب دماءنا ما اشتفى، اللهمّ اكفناه.
المدائني عن عبد العزيز بن عمران قال: قال معاوية لعبد الرحمن [بن الحكم] بن أبي العاص أخي مروان بن الحكم يا أبا مطرّف ألا أعرض عليك خيلا؟ قال: بلى، فعرض عليه أفراسا فقال: هذا سابح وهذا أجشّ وهذا هزيم، فقال معاوية: إنّ صاحبها لا يشبّب بكنّاتة ولا يتّهم بريبة، أراد عبد الرحمن قول النجاشي لمعاوية:
ونجّى ابن حرب سابح ذو علالة … أجشّ هزيم والرّماح دوان
فعّيره بالفرار يوم صفّين، وأراد معاوية تشبيب عبد الرحمن بأمرأتي أخيه مروان بن الحكم أمّ أبان بنت عثمان وقطيّة بنت بشر بن عامر بن ملاعب الأسنّة.
قطيّة كالدينار أحسن نقشه … وأمّ أبان كالشّراب المبرّد
المدائني عن مسلمة بن محارب عن حرب بن خالد بن يزيد قال: أراد معاوية عزل مروان بن الحكم عن المدينة، فبلغ ذلك مروان فقدم على معاوية، فلم يأذن له وقال: لا آذن له إلاّ مع جماعة الناس، فقال: ما شاء الله! وتهدّده، فبلغ معاوية قوله فأذن له وتعوّذ من شرّه، فدخل فقال:
يا أمير المؤمنين علام تعزلني؟ فو الله لقد أمرّناك فما عزلناك، ووصلناك فما قطعناك، ولا حرمناك مذ أعطيناك، فقال معاوية: أعزلك لثلاث لو لم تكن إلا واحدة منهنّ لوجب أن تقتلع اقتلاع الصّمغة، قال: وما هنّ؟ قال:
أتيتني وعبد الله بن عامر في يدي وقد أقرّ لي بألف ألف درهم فانتزعته منّي، واستصرختك ابنتي على زوجها فلم تصرخها، ورأيت أنّك قد ذهبت في
стр. 1809
السماء عاليا فأردت أن أضع منك، قال: يا أمير المؤمنين أمّا ابن عامر فقرابته منّي ومنك سواء، فلست بأحقّ به منك، فإن تطب نفسك بما عليه وإلاّ فإنّي ضامن لك ما أقرّبه، وأمّا ابنتك فإنّ أخت زوجها عمرو بن عثمان عندي، وأنا أغيرها وأمضّها فلم أكن لأنهى عمرا عن شيء أصنع مثله بأخته، وأمّا ذهابي في السماء، فأنا ابن عمّك وشرفي شرفك وزيني زينك، قال: صدقت أبا عبد الملك، فارجع إلى عملك وأزرني رملة ابنتي، فرجع مروان إلى المدينة وحمل رملة إلى معاوية، فقال: يا بنّية كيف رضاك عن عن عمرو بن عثمان زوجك؟ قالت: والله ما يزال بنو أبي العاص يتكثّرون علينا بعددهم حتى لوددت أنّ ابنيّ هذين منهم في البحر، قال: يا بنيّة إن هذا منك كبير، ولنحن كنّا أشقى بمناوأة الرجل من أن تكوني رجلا.
حدثني عبد الله بن صالح عن يحيى بن يمان عن سفيان قال: ذكر الأعمش معاوية فقال: لقد كان مستصغرا لعظيم ما يجبه به من القول الغليظ مغتفرا له إذا قيل له يا أمير المؤمنين.
حدثني محمد بن سعد الواقدي عن محمد بن راشد عن مكحول قال:
قال معاوية: ما من عدوّ إلا وأنا أقدر على مداراته واستصلاحه، إلاّ عدوّ نعمة وحاسدها، لا يرضيه منّي إلاّ زوال نعمتي، فلا أرضاه الله أبدا.
المدائني عن عبد الله بن فائد وغيره قال: أراد معاوية ابتياع ضيعة من بعض اليهود، وذكرت له، فبعث إلى صاحبها فأتي به، وهو شارب نبيذ، فلمّا رآه معاوية طمع في غبنه، فقال له: بعني ضيعتك، فضحك اليهودي
стр. 1810
وقال: ليس هذا وقت بيع ولا شراء، ولكن إن شئت غنّيتك صوتا، فضحك معاوية وقال: اللهم أخزه فما أشد عقدته وأثبت عكدته (١)!
المدائني عن علي بن مجاهد عن هشام بن عروة قال: سأل عبد الله بن الزبير معاوية حوائج فمنعه فقال: يا أمير المؤمنين، أو يا معاوية، إنّي لخليق أن أخرج فأقعد على طريق الشام فلا أشتم لك عرضا ولا أقصب لك حسبا، ولكنّي أسدل عمامتي بين يديّ ذراعا وخلفي ذراعا، وأذكر سيرة أبي بكر وعمر، فيقال هذا ابن حواريّ رسول الله ﷺ ، فقال معاوية: كفى بذلك، وقضى حوائجه.
المدائني قال: طلب عبد الله بن الزبير الإذن على معاوية هو وعمرو بن الزبير، وكانت أمّ عبد الله بن الزبير أسماء بنت أبي بكر، وأمّ عمرو بنت خالد بن سعيد بن العاص، فقال سعيد بن العاص: يا أمير المؤمنين ائذن لعمرو أوّلا، فقال معاوية: دعني من ولادتكم له، فما هما عندي إلا كجنبي شاة لا أبالي أيّهما وضع على النار أولا.
حدثني أبو مسعود عن ابن الكلبي عن عوانة قال: دخل الضحّاك بن قيس الفهريّ على معاوية وعنده أبو الجهم بن حذيفة، فقال أبو الجهم:
يا أبا أنيس كيف ترى الدهر؟ قال: هو كما قال الأسدي:
أبى الخلد أنّ الدّهر أفنت صروفه … رجالا كراما من لؤيّ بن غالب
فلا تأمننّ الدّهر إنّي رأيته … تناول كسرى مجدبا في الكتائب
فلم تنجه مل الموت حزم وحيلة … وقد كان محتالا كثير التجارب
стр. 1811
فقال أبو الجهم - وكان شريرا: كأنّك أردت أمير المؤمنين بهذا، قال: كليكما أردت، فقال معاوية: كلّنا يجري إلى غاية وهو بالغها.
المدائني عن بكر بن الأسود عن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: قال عبد الرحمن بن الحكم لمعاوية: والله يا معاوية لو لم تجد إلاّ الزّنج لتكّثرت بهم علينا قلّة وذلّة، كأنا لسنا بني أبيك؟! فأقبل معاوية على مروان فقال:
ألا تغني عنّا أخاك هذا الخليع! فقال مروان: قد علمت يا أمير المؤمنين أنّه لا يطاق، فقال معاوية: والله لولا حلمي لعلمت أنّه يطاق.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: استأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية فمنعه الحاجب، فكسر أنفه ومعاوية ينظر، فلمّا دخل عليه قال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: وما يمنعني من ذلك وأنا بالمكان الذي أنا به من أمير المؤمنين؟ فقال له أبوه: ويحك، ألا قلت وأنا بالمكان الذي أنا به من عبد مناف بن قصي؟!
المدائني عن أبي محمد القرشي عن أبي حرب بن أبي الأسود الدولي قال: وجّه معاوية روح بن زنباع الجذامي إلى بعض الملوك في صلح جرى بينه وبينه ليكتب بينهما كتابا، فلمّا قدم روح على الملك تشدّد في الشرط فقال له الملك: ما هذا التشدّد، وقد بلغني أنّك من صعاليك العرب، وأنّك تريد الركوب إلى صاحبك فتستعير الدوابّ، وأنّك لست تبصر أمرك ولا تقصد لما فيه الحظّ لك، فأصب من هذا المال واعمل لنفسك، فأعطاه عشرين ألف دينار، وليّن له الشرط، فلمّا قدم على معاوية نظر في الشرط فقال: ويحك ما عملت إلاّ له عليّ، ولقد خنتني وغششتني، والله لأعاقبنّك عقوبة أجعلك فيها نكالا لمن بعدك، خذاه، فقال روح، أنشدك الله يا أمير
стр. 1812
المؤمنين أن تبدي منّي خسيسة أنت رفعتها، أو تهدم منّي ركنا أنت بنيته، أو تنقض لي مريرة (١) أنت أبرمتها، وأن تشمت بي عدوّا أنت وقمته وكبتّه، ليأت حلمك على جهلي، وعفوك على ذنبي، وإحسانك على إساءتي، فرقّ له معاوية ﵁ وقال: خلّوه:
*إذا الله سنّى حلّ عقد تيسّرا*
المدائني عن علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه أنّ معاوية قال لعمرو بن العاص ﵄: أحبّ أن تصفح لي عن الوهط (٢)، ضيعتك، فقال: يا أمير المؤمنين أحبّ أن تعرض لي عنها، قال: لا، فأبى عمرو أن يفعل، فقال معاوية: مثلك يا عمرو كمثل ثور في روضة، إن ترك رتع، وإن هيج نطح، فقال عمرو: ومثلك يا أمير المؤمنين مثل بعير في روضة يصيب من أخلاط الشجر فيها، فرأى شجرة على صخرة زلاّء، فرغب عمّا هو فيه وتعاطى الشجرة فتكسّر.
المدائني عن علي بن سليم التميمي قال: قال معاوية لقيس بن سعد بن عبادة: والله يا قيس لقد كنت أكره أن تنجلي هذه الغمّة وتنكشف هذه الهبوة (٣) وأنت حيّ، فقال قيس: وأنا والله يا معاوية قد كنت أكره أن تنجلي وأنت أمير المؤمنين.
стр. 1813
المدائني عن عبد الله بن سلام عن عبد الملك بن نوفل عن محمد بن كعب قال: تنازع عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم فمال معاوية مع مروان، فقال ابن الزبير: يا معاوية إنّ لنا حقّا وحرمة وطاعة، ما أطعت الله نطعك، إنّا يا معاوية لا ندع مروان يركبنا في جماهير قريش بمشاقصه، ويضرب صفاتهم بمعاوله، ولولا مكانك كان أخفّ على رقابنا من فراشة، وأذلّ في أنفسنا من خشاشة، ولئن ملك أعنّة خيل تنقاد له ليركبنّ منك طبقا تخافه، فقال معاوية: إن يطلب الأمر فقد يطمع فيه من هو دونه، وإن يتركه يتركه لمن هو فوقه، وما أراكم يا معشر قريش بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف على أحد منكم بقرابة، ولا يذكركم في ملمّة، يسومكم الخسف ويوردكم التلف، قال ابن الزبير: إذا والله يا معاوية نطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد، لها دويّ كدويّ الريح، تتبع غطريفا من قريش لم تكن أمّه براعية ثلّة (١)، فقال معاوية: أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، وأكلت عبيط (٢) السّنام، وشربت عنفوان المكرع، فليس للآكل بعدي إلاّ الفلذة، ولا للشارب إلاّ الرّنق (٣)، فقال ابن الزبير: ربّ آكل عبيط سيغصّ، وشارب صفو سيشرق ويقال قال: ربّ آكل عبيط سيقدّ، والقداد حرّ في الصدر.
стр. 1814
المدائني عن حفص بن عمر عن معاوية بن عمرو عن ابن سيرين قال: دخل معاوية البيت الحرام ومعه عبد الله بن الزبير، فكلّمه ابن الزبير في حاجة للحسين بن علي فأباها معاوية، فأخذ ابن الزبير بيده فغمزها، فقال له معاوية: خلّني ويحك، قال: لا والله أو تقضي حاجة الحسين وإلا كسرتها، قال: فإنّي أفعل، فخلّى يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين أكنت ترى أنّني أكسر يدك؟ قال: وما يؤمنني ذلك منك؟
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال حدثني ابن عيّاش عن [أبي] الهيثم الرحبي، قال: دخل ابن الزبير على معاوية وهو خال، فأخذ يده فغمزها غمزة شديدة تأوّه لها معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين ما يؤمنك أن أقتلك؟ قال: لست من قتّالي الملوك، إنّما يصيد كل طائر قدره، قال:
يا أمير المؤمنين إنّي قد استجفيتك، قال: ولم؟ فسأله حوائج فقضاها.
وقد قيل: إنّ معاوية خرج من مكّة ليلا مستخفيا، وبلغ ابن الزبير خروجه فلحقه وسايره ساعة، ثم قال: لو شئت يا أمير المؤمنين لقتلتك مذ الليلة، قال: كلاّ لست من قتّالي الملوك، إنّما يصيد كلّ طائر قدره.
قال الهيثم بن عدّي: أراد معاوية أن يأخذ أرضا لعمرو بن العاص فكتب اليه عمرو بشعر [هجي به] خفاف بن ندبة:
أبا خراشة إما كنت ذا نفر … فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع (١)
وكلّ قومك يخشي منك بائقة … فانظر قليلا وأبصرها بمن تقع
فالسّلم تأخذ منها ما رضيت به … والحرب يكفيك من أنفاسها الجرع
стр. 1815
المدائني عن أبي عبد الرحمن العجلاني قال: قال معاوية يوما وهو في جماعة من أهل بيته: من يكفيني ابن الزبير، فو الله ما أردت أمرا إلاّ عاند فيه، ولا تكلّمت في شيء إلاّ اعترض في قولي، وهو بعد غلام من غلمان قريش، إلا أنّه غير معروف بالأفن (١) وإن كان حديث السنّ، فقال عمرو بن العاص: ضمنت لك يا أمير المؤمنين أن ألين عريكته، وأذهب نخوته، وأخرس لسانه، وأعدمه بيانه، حتى أدعه ألين من خميرة مريّثة، وأذلّ من نقدة (٢) على أن ترفدني وتقضي حوائجي، قال: نعم؛ وجاء ابن الزبير وقد بلغه الخبر، فنكت عمرو بن العاص في الأرض ثم قال:
إنّي لنار ما يرام اصطلاؤها … لدى كلّ أمر معضل متفاقم
فقال ابن الزبير مجيبا له:
وإنّي لبحر ما يسامى عبابه … متى يلق بحري حرّ نارك تخمد
فقال عمرو: مهلا يا بن الزبير فإنّك لا تزال متجلببا جلابيب التيه، مؤتزرا بوصائل التهكّم، تعاطى الأقورين ولست من قريش في لباب حسبها ولا مؤنق جوهرها، فقال ابن الزبير: أمّا ما ذكرت من تجلببي جلابيب التيه وائتزاري بوصائل التهكّم فمعاذ الله من ذلك، لقد عرف من عرفني أنّ الأبّهة ليست من شأني، وإنّك لأنت المتوّه في وادي الضلالة، المستشعر جخائف (٣) الكبر، اللابس للسّبّة، المتجرثم جراثيم البطالة، الساهي عن كلّ مروءة وخير، وأيم الله لتنتهينّ عن تناولك القلل الشامخة والذرى الباسقة
стр. 1816
أو لأرمينّك بلسان صارم من أريب مراجم، يلدغك بحسبان، فإنّك ذو خدع ومكر، قتّات عيّاب مغتاب، تقلّب لسانك في قريش كتقليب المحالة، و والله لتدعنّ وقيعتك في الرجال أو لأسمنّك بسمة تدعك شنارا وتكسبك عارا، فقال عمرو: كلا يا بن الزبير لقد أحكمتني التجارب، وجرّستني الدهور، وعرفت نظائر الأمور، وحلبت الزمان أشطره، ورضعت أفاويقه، فأغرق سهمي نزعا، ولم تعرف لي نبوة في شدة، ولا جهالة عند الحدّة، ولقد ضربت أمور الباطل بذرب الحقّ حتى أقمت ميلها، وثقّفتها بعد اعوجاجها. فقال ابن الزبير: لقد قرب غورك، وضاق صدرك، فانتفخ سحرك، والتوى عليك أمرك، فأمّا ما ذكرت من تعاطيّ ما أتعاطاه فإنّي امرؤ سمابي إلى ذلك ما لا تصول بمثله: أنفي حميّ، وحسبي زكيّ، وقلبي ذكيّ، وأمري سديد، ورأيي رشيد، ولقد قعد بك عن ذلك ضعف جنانك، وصغير همّتك، وأمّا ذمّك نسبي وحسبي فقد حضرني وإيّاك النظراء الأكفاء العلماء بي وبك وأنشد:
تعالوا فإنّ العلم عند ذوي النّهي … من الناس كالبلقاء باد حجولها
ننافركم بالحقّ حتّى تبيّنوا … على أيّنا تلقي الفروع أصولها (١)
فقال معاوية ومن حضر: أنصفك، فقال ابن الزبير: أما والله لأغصّنّك بريقك، ولأليّننّ أخدعيك، ولأقيمنّ صعر خدّيك، ولأبيّننّ للناس كهامة لسانك، يا معشر قريش أأنا في نفسي خير أم هو، قالوا:
أنت: قال: فأبي خير أم أبوه، قالوا: اللهمّ أبوك حواريّ رسول الله، قال:
стр. 1817
أفأمّي خير أم أمّه؟ قالوا: أمّك والله أسماء بنت الصدّيق، قال: أفجدّتي خير أم جدّته؟ قالوا: جدّتك صفيّة عمّة محمد ﷺ ، قال: فظفر به ابن الزبير فأنشد:
قضت الغطارف من قريش بيننا … فاصبر على رغم لفصل قضائها
وإذا جريت فلا تجار مهذّبا … بذّ الجياد لدى احتفال جرائها
ثم قال: والله يا عمرو لو أنّ الذي أمرك بهذا إيّاي واجه، لقصرت من سامي طرفه، ولجرجرت الغيظ في صدره، فو الله ما استغاث بكهف ولا لجأ إلى وزر، يعني معاوية. فلما خرج ابن الزبير قال معاوية لعمرو:
والله لقد علاك بخصومته. وفلج عليك بحجّته، وما زدت على أن فضحتنا ونفسك، فقال: يا أمير المؤمنين عجل عليّ بالمقالة، فقطعتم عليّ الشهادة، فقال معاوية: لله أبوك أفأردت أن نبهته لك؟!
المدائني قال: قدم الزعل السّلمي من الأزد على معاوية فقال:
الحمد لله الذي لم يمتك حتى رأيتك، فقال: بك الوجبة، أتنعاني إلى نفسي لا أمّ لك؟! وابنه سفيان بن الزعل كان على شرطة عبد الملك بن المهلّب، وعبد الملك يومئذ خليفة الحكم بن أيّوب.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن اسماعيل بن عيّاش قال: قدمت رملة بنت معاوية على أبيها فقال: أطلّقك عمرو؟ فقالت: لا، فقال: ليته فعل، وكانت هند بنت معاوية عند ابن عامر، فقال عبد الرحمن بن الحكم:
أيرجو ابن هند أن يموت ابن عامر … ورملة يوما أن يطلّقها عمرو
стр. 1818
وحدثت عن عيسى بن يزيد الكناني قال: كان بين الوليد بن عقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص لحاء بين يدي معاوية، فقصبه عمرو، فقال له الوليد: اسكت يا عبد السلطان وأخا الشيطان، يا منزوع الحياء وطوع النساء، يا ألأم أهل بيته وأذلّ عشيرته، لقد بلغ بك اللؤم الغاية القصوى المذلّة لأهلها في الآخرة والأولى، فمنعت الحقوق ولزمت العقوق وماريت أهل الفضل، فقال عمرو: إنّك لتعلم أنّي مرّ المذاقة وأن ليس لك بي طاقة، وأنّي حيّة الوادي، وداهية الأعادي، لا أتبع الأفياء ولا أنتمي إلى غير الآباء، أحمي الذمار في المضمار، غير هيوبة للوعيد ولا فروقة رعديد، أطعم الطعام وأضرب الهام، أفبالبخل تعيّرني وإيّاه حالفت وعليه جبلت؟! فقال معاوية: أقسمت لما سكتّما، ثم أنشد:
وليد إذا ما كنت في القوم جالسا … فهن وليكن منك الوقار على بال
ولا يأتينّ الدهر من فيك منطق … بلا نظر قد كان منك وإعمال
لرأيك فيه، خوف ما ليس راجعا … فما كلّ من تلقى ابن عمّ ولا خال
قال لي هشام بن عمّار: نظرت في أحاديث معاوية عندكم فوجدت أكثرها مصنوعا، وذكر هذا الحديث.
حدثني العمري عن الهيثم عن يعقوب بن داود عن يزيد بن بشر عن همّام بن قبيصة وعن ابن عيّاش عن [أبي] الهيثم الرحبي قالا: كان عند عبد الله بن معاوية امرأة من بني مخزوم فأغارها، فشكت فعله إلى أخيها، فقال لمعاوية: إنّ عبد الله يسيء إلى أختي، ولولا مكانك لعدلته عن طريقته، فقال معاوية: أما والله إنّي لأقنى العرنين، أصمع (١) الكعبين،
стр. 1819
أحذّ القدمين، أعزّ قرشيّ في الجاهليّة، ولم يزدني الإسلام إلا عزّا، فقال المخزومي: لم أرد هذا يا أمير المؤمنين، فدعا بعبد الله فقال: أحسن إلى امرأتك.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان معاوية معجبا بجارية له، فدخل عليه يزيد يوما وهي جالسة على السرير، ومعاوية على الأرض، وفي يدها قضيب تلويه على رأسه، فقال يزيد: أو هذا أيضا؟! وهمّ بها، فبادرت فدخلت بيتا، فقال معاوية: ويحك شدّي لزاز الباب دونه، وأراد يزيد دفع الباب فنهاه معاوية، ثم قال: من يعذرنا من هذا، يدخل علينا ويضرب جوارينا، ارجع يا بنيّ فإنّ الجواري لعب، والرجل في بيته مع أهله بمنزلة الصبيّ، فاستحيا يزيد وخرج.
المدائني عن يعقوب بن عمر قال: قال ابن الزبير لمعاوية: والله لقد قاتلت عليّا لحبّ عثمان فلم تجزني، فقال معاوية: قاتلت عليّا مع أبيك فغلبكما بشماله، و والله أن لولا بغضك عليّا لجررت برجل مع الضبع، فقال ابن الزبير: إنّا قد أعطيناك عهدا سنفي لك به، ولكن سيعلم من بعدك، فقال معاوية: أما إنّي لا أخافك إلاّ على نفسك، وكأنّي بك قد تورّطت في الحبالة فعلقتك الأنشوطة، فليتني عندك فاستشليتك منهما، ولبئس المولى أنت في تلك الساعة.
المدائني عن محمد بن علي بن الحكم قال: حضر ناجذ بن سمره وواثلة بن الأسقع الكناني باب معاوية فقال معاوية لآذنه، وهو أبو أيّوب يزيد مولاه: ايذن لناجذ، فأذن له، فمنعه واثلة، وواثلة أحد بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وناجذ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة،
стр. 1820
فدخل الآذن فأعلم معاوية، فأمره أن يدخلهما معا، فقال واثلة: يا أمير المؤمنين لم أذنت لهذا قبلي ولي صحبة برسول الله ﷺ ولي السنّ عليه؟ قال معاوية: إنّي وجدت برد أسنانك بين ثدييّ، ووجدت كفّ هذا تدفع ذلك البرد، يعني يوم الفجار الذي كان بسبب البرّاض، وهو يوم نخلة، فقال:
يا معاوية أبثأر الجاهليّة تطالبني؟! أفلا آخذت الذي قال:
أغرّك أن كانت لبطنك عكنة … وأنّك مكفيّ بمكّة طاعم (١)
فقال معاوية:
إذا جاءك البكريّ يحمل قصبه … فقل قصب كلب صاده وهو نائم
فقال واثلة:
فما منع العير الضّروط ذماره … ولا منعت مخزاة والدها هند (٢)
فقال معاوية: سوءة أجهلتنا وأجهلناك، وأسأنا إليك ولنا المقدرة عليك، ارفع إلينا حوائجك، فقضاها ووصله.
المدائني عن اسحاق بن أيّوب قال: شهد أعرابيّ عند معاوية بشهادة فقال: كذبت، قال: الكاذب والله المتزمّل في ثيابك، فقال معاوية: هذا جزاء من عجل.
حدثني هشام بن عمّار قال: قال معاوية: خير الصنائع ما أبقى ذكرا حسنا، وخير الجود ما لم يعدّ سرفا، وخير السلطان ما لم يورث صاحبه كبرا، وربّ المعروف أفضل من ابتدائه.
стр. 1821
المدائني عن مسلمة قال: قال معاوية يوما: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد ابنه: أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض لا يدعمه شيء من تحته ولا هو منوط بشيء من فوقه، وقال الضحّاك بن قيس: أعجب الأشياء إكداء العاقل وحظّ الجاهل، وقال سعيد بن العاص: أعجب الأشياء ما لم ير مثله، وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء غلبة من لا حقّ له ذا الحقّ على حقّه، فقال معاوية: أعجب من ذلك إعطاء من لا حقّ له ما ليس له بحقّ من غير غلبة. وإنّما عرّض عمرو بمعاوية وعرّض معاوية بعمرو في أمر مصر.
المدائني عن ابن المبارك عن هشام بن عوف أنّ مروان نازع ابن الزبير، فكان هوى معاوية مع مروان، فقال ابن الزبير: يا أمير المؤمنين إنّ لك حقّا وطاعة، ولنا بسطة وحرمة، فأطع الله نطعك، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، ولا طاعة لك علينا إلاّ في حق الله، ولا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السّخبر (١) فإنّه أقرّ صامت.
المدائني عن مسلمة بن محارب عن حرب بن خالد قال: كان عبد الرحمن بن أمّ الحكم ينازع يزيد بن معاوية كثيرا، فقال معاوية لأبي خداش بن عتبة بن أبي لهب: إنّ عبد الرحمن لا يزال يتعرّض ليزيد، فتعرّض له أنت حتّى يسمع يزيد ما يجري بينكما، ولك عشرة آلاف درهم، فقال: عجّلها، فحملت إليه، ثم التقيا عند معاوية فقال أبو خداش:
يا أمير المؤمنين أعدني على عبد الرحمن فإنّه قتل مولى لي بالكوفة، فقال عبد
стр. 1822
الرحمن: كذبت يا بن المتبوب التابّ، فقال أبو خداش: يا بن تمدّر (١)، يا بن البريح يا بن أمّ قدح، فقال معاوية: حسبك رحمك الله، عليّ دية مولاك؛ فخرج أبو خداش ثم رجع فقال لمعاوية: أعطني عشرة آلاف درهم أخرى وإلا أعلمته أنّك أمرتني بالكلام، فأعطاه عشرة آلاف درهم، ثم قال له: فسّر ليزيد ما قلت لعبد الرحمن، قال: هنّ أمّهات له حبشيات، وقد ذكرهنّ ابن الكلبية الثّقفي فقال:
ثلاث قد ولدنك من حبوش … إذا تسمو جذبنك بالزّمام
تمدّر والبريح وأمّ قدح … ومحلوب يعدّ من آل حام
المدائني عن الأسود بن شيبان، حدثني أبو نوفل عن موسى بن عبيدة أنّ معاوية حجّ فدخل البيت الحرام وأرسل إلى عبد الله بن عمر، وبلغ ابن الزبير ذلك فجاء فحرّك الباب، فقال معاوية: لا تفتحوا له، ثم جاء ابن عمر ففتح له ودخل، فقال معاوية: يا أبا عبد الرحمن أين صلّى النبي ﷺ حيث دخل البيت؟ فذكر السارية اليسرى، ثم دخل ابن الزبير بعد خروج ابن عمر فقال: يا معاوية أما هو إلاّ عبد الله بن عمر؟! قال: نعم يا بن الزبير، أمّا عرى الأمور التي هي عراها فلها قوم سواك، وفيما دون تلك أمور يستعان بك فيها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية لقد علمت أنّي أعلم من الذي سألت، ولكنّك حسود فحسدتني، قال: يا أبا بكر لو شئت قلت أحسن من هذا القول.
المدائني عن اسحاق بن أيّوب عن خالد بن عجلان قال: قال عبد الله بن الزبير لمعاوية: لقد أعظم الناس ولادة صفيّة إيّانا حتى كأنه لم
стр. 1823
تلدنا حرّة غيرها، فقال معاوية: هي والله أدنتك من الظلّ ولولا ذلك كنت ضاحيا، ويحك هل ولدك مثلها أو تجد مثلها إلا أختها أو عمّتها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية إنّها وبني أبيها مع قولك لرضفة بين جنبيك يوشك أن تطلع على قلبك، فقال معاوية: إنّ بيننا وبين ذلك زمانا وهم الرديف.
المدائني عن علي بن سحيم قال: خطب معاوية فقال: الحمد لله الذي أدالنا على عدوّنا وردّ علينا زماننا، فقال رجل من أهل الشام: أما والله ما ذاك لكرامتك على الله يا معاوية، فقال عمرو بن العاص للشامي:
ما أنت والكلام، وأنت من حثالة أهل الشام وسقّاطهم وسفلتهم، فقال الشامي: يا عمرو ما عدوت صفتك، فقال معاوية:
إنّي أرى الحلم محمودا مغبّته … والجهل أردى من الأقوام أقواما
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي أنّ معاوية بعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلّها، وأقسم على ابنه أن يأتي معاوية فيضرب بها وجهه، فانطلق حتى دخل على معاوية، فلمّا رآه قال: ما جاء بك يا بن أخي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ لأبي طيرة وفيه حدّة، وقد قال لي كيت وكيت، وعزمه الشيخ على ما قد علمت، فوضع معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك به أبوك وارفق بعمّك، فرمى الدنانير، وأمر معاوية للأنصاري بألف دينار، وبلغ الخبر يزيد فدخل على معاوية مغضبا وقال: لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعدّ ذلك منك ضعفا وجبنا، فقال: أي بنيّ إنّه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمّة، فامض لشأنك.
стр. 1824
وحدثني هشام بن عمّار عن الوليد قال: بلغنا أنّ يزيد بن معاوية ضرب غلاما له، فقال له معاوية: يا بني كيف طوّعت لك نفسك ضرب من لا يستطيع امتناعا منك؟!
المدائني عن أبي زكريّا العجلاني قال: دخل عبد الله بن العجلان أخو يعمر بن العجلان الزّرقي على معاوية فشكا عمرا فقال: يا أمير المؤمنين إنّ ابن العاص بمصر ينبعق منه كلام لهو أشدّ من وخز الأشافيّ، لا يرعوي عن إساءة، ولا يرجو الله في عاقبة، فقال معاوية: يا أبا سعيد إنّ عمرا رجل حديد، فاحمل له قوله فإنّه يفيء إلى خير، فقال: اكففه يا أمير المؤمنين فإنّه راع ونحن رعيّة، وربّما ساق السيء الرّعي الثلّة إلى مجزرها، قال معاوية: أجل ثم تفلت، قال عبد الله: ذاك إذا كنت أنت الجازر، فأمّا اذا كان الجازر من قد كدّحته السّنة الحمراء فمن أنيابه تفلت؟ فقال معاوية: أو يخالف أمري وتهمط (١) رعيّتي؟ إنّي إذا لغافل مضيع، ألي تقول هذا يا عبد الله؟! ثم تمثّل:
ألم تك قد جرّبتني قبل هذه … وعضّك منّي حدّ ناب ومخلب
قال: فحلما يا أمير المؤمنين وصفحا، فضحك ثمّ قال: ذاك لك، وتقدّم إلى عمرو في أمره.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن الكلبي عن عوانة عن أبيه قال:
قال سعد بن أبي وقّاص لمعاوية في كلام جرى: قاتلت عليّا وقد علمت أنّه أحقّ بالأمر منك، فقال معاوية: ولم ذاك؟ قال: لأنّ رسول الله ﷺ
стр. 1825
يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»، ولفضله في نفسه وسابقته، قال: فما كنت قطّ أصغر في عيني منك الآن، قال سعد: ولم؟ قال: لتركك نصرته وقعودك عنه وقد علمت هذا من أمره.
المدائني عن عبد الله بن سلام قال: كتب معاوية إلى مروان «والله لفلان أهون عليّ من ذرّة، أو كلب من الحرّة» ثم قال للكاتب: امح الحرة واكتب «من كلب من الكلاب».
المدائني عن عامر بن الأسود قال، قال عمرو بن العاص لمعاوية:
رأيتك في منامي وقد ألجمك العرق وأنت تحاسب، فقال معاوية: فما رأيت ثمّ دنانير مصر؟
المدائني عن جعفر بن سليمان الضّبعي عن مالك بن دينار قال: قال عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب لمعاوية، ولّني، فقال: لام ألف.
المدائني عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: لمّا بايع معاوية ليزيد قال رجل: أعوذ بالله من شرّ معاوية، فقال معاوية: تعّوذ بالله من شرّ نفسك فشرّها أضرّ عليك، وبايع رحمك الله فإن الله جعل في الكثرة خيرا كثيرا.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: مرض معاوية فأرجف به مصقلة بن هبيرة الشيباني وساعده قوم على ذلك، ثم تماثل معاوية وهم يرجفون به، فحمل زياد مصقلة إلى معاوية وكتب إليه: إنّ مصقلة كان يجمع مرّاقا من مرّاق أهل العراق فيرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إليك يا أمير المؤمنين لترى فيه رأيك، ويرى عافية الله بأمير المؤمنين، فلمّا قدم