وحدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة وغيره قالوا: لمّا حضرت معاوية الوفاة وذلك في سنة ستّين كان يزيد غائبا، فدعا معاوية الضحّاك بن قيس الفهري، وكان على شرطه، ومسلم بن عقبة بن رياح بن أسعد المرّي، فأوصى إليهما فقال: بلّغا يزيد وصيّتي، وكتب فيها: يا بنيّ انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك فأكرم من قدم عليك منهم، وتعهّد من غاب عنك من وجوههم، وانظر أهل العراق وإن سألوك أن تعزل عنهم في كلّ يوم عاملا فافعل، فإنّ عزل عامل أهون عليك من أن تشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فإنّهم بطانتك وعيبتك فإذا رابك من عدوّ شيء فانتصر بهم ثمّ ردّهم إلى بلادهم فإن هم أقاموا في غيرها فسدت أخلاقهم.
حدثني هشام بن عمّار عن الوليد بن مسلم وغيره قال: جامع معاوية جارية له خراسانيّة ثم حمّ من يومه فمات من مرضه ذلك.
حدثني هشام بن عمّار قال: مات معاوية وعامله على مصر مسلمة بن مخلّد الأنصاري، وقد كان ولّى ابن أمّ الحكم مصر بعد الكوفة.
وحدثني محمّد بن مصفّى عن بقيّة عن الزبيدي عن الزهري قال:
أعطى رسول الله ﷺ رجلا فشكر وأثنى، فقال: «لكنّ أبا سفيان أعطي فلم يثن ولم يشكر»، فبلغ ذلك معاوية فقال: إنّ أبي يرى له حقا على الكرام.
قالوا: وولّى معاوية روح بن زنباع الجذامي عملا، فرجم رجلا وامرأة فقال الشاعر:
إنّ الجذاميّ روحا في إقامته … حدّ الإله لمعذور وإن عجلا
стр. 1892
فبلغ معاوية هذا البيت فقال: أولى الأمور بالتعجيل أداء حقوق الله.
وحدثني هشام بن عمّار قال: بلغنا أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه لمّا أتى الشام رأى معاوية في موكب يغدو ويروح فيه، فقال له: يا معاوية تروح في موكب وتغدو في مثله، وبلغني أنّك تصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك؛ فقال: يا أمير المؤمنين إنّا بأرض عدوّنا قريب منها، وله علينا عيون ذاكية، فأردت أن يروا للإسلام عزّا، فقال عمر: انّ هذا لكيد لبيب أو خدعة أريب، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين فأمرني بما شئت أنته إليه، قال: ويحك ما ناظرتك في أمر أعتب فيه عليك إلاّ تركتني منه في أضيق سبلي حتّى ما أدري أآمرك أم أنهاك.
وقال هشام والمدائني: كان عمر يرى معاوية فيقول: هذا كسرى العرب.
وحدثني محمّد بن مصفّى الحمصي عن أشياخهم أنّ معاوية بنى الخضراء بدمشق من لبن وطين، فقدم عليه وفد صاحب الروم فقال لهم:
كيف ترون بنائي هذا؟ قالوا: ما أحسنه إلاّ أنّك تبنيه لنفسك وللعصافير، يريدون أن العصافير تحفره وتنقره، ولم تبنه ليبقى لمن بعدك، فهدمها وبناها بالحجارة.
المدائني قال: شخص سليمان بن قتّة مولى بني تيم (١) إلى سعيد بن عثمان فلم يصله، فقيل له: إنّه يهجوك فقال: أويهجوني وأنا ابن عثمان بن
стр. 1893
عفّان؟! فبلغ ابن قتّة قوله فقال: صدق والناس كلّهم بنو آدم، فمنهم ذهب ومنهم فضّة ومنهم نحاس فسعيد فلس بني عثمان؛ وقال:
سألت قريشا عن سعيد فأجمعوا … عليه وقالوا معدن اللؤم والبخل
فقلت لنفسي حين أخبرت أنّه … بخيل ألا ليس ابن عثمان من شكلي
فكم من فتى كزّ اليدين مذمّم … وكان أبوه عصمة الناس في المحل
فأجمعت يأسا حين أيقنت أنّه … بخيل وقد ألقى على غاربي رحلي (١)
فوجّهت عنسا نحو عمرو فأسرعت … مواشكة تهوي مواشكة الفحل
إلى ماجد الجدّين سبط بنانه … إذا سئل المعروف يهتزّ كالنصل
يعني عمرو بن سعيد بن العاص؛ فشكا سعيد حين قدم على معاوية ابن قتّة، فقال له: كان ينبغي لك أن تفتدي منه عرضك، وأعطاه عمرو بن سعيد ألف دينار وجارية فقال:
ودون سعيد إن أراد ظلامتي … أغرّ كريم الوالدين نجيب
سيمنعني من خطّة الضيم سيفه … ورأي إذا حار الرجال صليب
فأعطاه سعيد بن عثمان ألفا وجارية فقال:
لقد نالني سيب ابن عثمان بعد ما … يئست وكان المرء ترجى فضائله
فجاد كما جاد السحاب ولم يكن … بكيئا ولكن غرّقتنا نوافله
وإن عاد عدنا للذي هو أهله … وأحظى عباد الله بالخير فاعله
وحدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جدّه وشرقي بن القطامي قالا: ولي معاوية الشام لعمر وعثمان، فأتاه وهو بالشام بحدل بن
стр. 1894
أنيف بن دلجة من ولد حارثة بن جناب الكلبي بابن أخ له قد قتل أخاه، وكان ابنا أخيه هذان خطبا ميسون بنت بحدل جميعا فزوّج المقتول، فإنّ رأسه لفي حجرها وهي تفليه إذ دخل عليه أخوه بصخرة فلق بها رأسه، فلمّا أتى معاوية قال له: إن شئت قتلته لك فذهب ابنا أخيك جميعا، وإن شئت فالدية، فقبل الدية.
ووجّه معاوية بعد ذلك رسولا إلى بهدل بن حسّان بن عديّ بن جبلة بن سلامة بن عليم بن جناب الكلبي ليخطب عليه ابنته، وكانت بكرا، فغلط فمضى إلى بحدل بن أنيف فخطب ابنته، فزوّجه ميسون، فقال عمرو الزهري من كلب يهجو حسّان بن مالك بن بحدل:
إذا ما انتمى حسّان يوما فقل له … بميسون نلت المجد لا بابن بحدل
بخمصانة ريّا العظام كأنّها … من الوحش مكحول المدامع عيطل
ولولا ابن ميسون لما ظلت عاملا … تخمّط أبناء الأكارم من عل
وما كان يرجو مالك أن يرى ابنه … على منبر يقضي القضاء بفيصل
ألا بهدلا كانوا أرادوا فضلّلت … إلى بحدل نفس الرسول المضلّل
فشتّان إن قايست بين ابن بحدل … وبين ابن ذي الشّرط الأغرّ المحجّل
وكان لعديّ بن جبلة بن سلامة شرط في قومه: لا يدفنوا ميّتا حتّى يكون هو الذي يخطّ له موضع قبره، وفيه يقول طعمة بن مدفع الكلبي:
عشيّة لا يرجو امرؤ دفن أمّه … إذا هي ماتت أو يخطّ لها قبرا
وقال المدائني: طلّق معاوية ميسون وهي حامل، وكان زوجها الذي قتل عنها زامل بن عبد الأعلى فرماه بعض الأعراب؛ ولم يقل شيئا، والصحيح أنّ الذي قتله أخوه.
стр. 1895
وحدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي السائب قال: كان رأس معاوية كبيرا فقال أبو سفيان: والله ليسودنّ ابني هذا قريشا، فقالت هند:
إنّي لأرجو أن يسود العرب قاطبة.
حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن عوانة قال: بلغ معاوية وهو مريض أنّ قريشا ببابه تتباشر بموته، فلمّا دخلوا عليه دعوا له، فقال:
أتتباشرون بموتي إذا خلوتم وتدعون لي إذا حضرتم؟! فانتفوا من ذلك واعتذروا، فقبل منهم، وقال:
وهل من خالد إمّا هلكنا … وهل في الموت يا للنّاس عار
حدثني هشام بن عمّار قال: أغمي على معاوية في مرضه ثمّ فتح عينيه فقال: اتّقوا الله فإنّ من اتّقاه وقاه، ولا وقاء لمن لم يتّق الله.
وحدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي السائب قال: لمّا احتضر معاوية رضي الله تعالى عنه قال:
إن تناقش يكن نقاشك يا ر … بّ عذابا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت ربّ غفور … عن مسيء ذنوبه كالتراب
حدثني أبو مسعود الكوفي عن أبي عوانة قال: لما حضرت معاوية الوفاة وضع رأسه في حجر رملة ابنته، فجعلت تقلّبه فقال: انّك لتقلبينّه حوّلا قلّبا، ثمّ تمثّل قول الشاعر:
لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّم … وسقى الغوادي قبره بذنوب
وقال المدائني، قال معاوية لابنتيه وهما تقلّبانه في مرضه: قلّباه حوّلا قلّبا، جمع المال من شبّ إلى دبّ، فليته لا يدخل النار، ثمّ تمثّل:
لقد سعيت لكم سعي امرئ نصب … وقد كفيتكم التطواف والرّحلا
стр. 1896
المدائني عن بشر بن موسى وأبي ظبية الحمّاني قالا: أغمي على معاوية في مرضه الذي مات فيه فقالت رملة ابنته، أو امرأة من أهله، متمثّلة بشعر الأشهب بن رميلة:
إذا متّ مات الجود وانقطع الندى … من النّاس ألاّ من قليل مصرّد (١)
وردّت أكفّ السائلين وأمسكوا … من الدين والدنيا بخلف مجدّد
ثم أفاق وأغمي عليه فأنشدت:
لو دام شيء لها لدام أبو … حيّان لا عاجز ولا وكل
الحوّل القلّب الأريب وهل … يدفع زوّ (٢) المنيّة الحيل
ويقال إنّ معاوية أفاق فأنشد البيتين. وكان معاوية ينشد:
وهل من خالد إمّا هلكنا … وهل في الموت يا للنّاس عار
وحدّثت عن هشام بن عمّار عن الوليد بن مسلم أنّه قال: جعل معاوية يهذي في مرضه ويقول: كم بيننا وبين الغوطة؟ فقالت ابنته:
واحرباه، فأفاق وقال:
إن تنفري فقد رأيت منفرا
المدائني عن عليّ بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون عن أبيه أنّ معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إنّ رسول الله ﷺ كساني قميصا فرفعته، وقلّم أظفاره فأخذت قلامتها فجعلتها في قارورة، فإذا متّ فألبسوني القميص، واسحقوا تلك القلامة وذرّوها في عينيّ، واجعلوا القميص بين جلدي وكفني فعسى، ثم تمثّل:
стр. 1897
إذا متّ مات الجود وانقطع الندى … من الناس إلاّ من قليل مصرّد
وردّت أكفّ السائلين وأمسكوا … من الدين والدنيا بخلف مجدّد
فقالت رملة أو بعض أهله: بل يدفع الله عنك، فقال:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها … ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
وحدثني هشام بن عمّار عن عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه أنّ معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: كنت أوضّئ رسول الله ﷺ فقال لي: «ألا أكسوك قميصا»؟ قلت:
بلى بأبي أنت وأميّ، فنزع قميصا كان عليه فكسانيه، وقلّم أظفاره فأخذت قلامتها، فإذا متّ فألبسوني القميص، وخذوا القلامة فاجعلوها في عينيّ، فعسى الله.
المدائني عن محمّد بن الحكم عن أبيه أنّ معاوية أمر بردّ نصف ماله إلى بيت المال كأنّه أراد أن يطيب له الباقي، وقال: إنّ عمر بن الخطّاب قاسم عمّاله.
المدائني عن أبي زكريا العجلاني قال: دخل عمرو بن سعيد الأشدق على معاوية وهو ثقيل، فقال: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال:
أصبحت صالحا، قال: لقد أصبحت عينك غائرة ولونك كاسفا وأنفك ذابلا، فاعهد أيّها الرجل ولا تخدع نفسك، فتمثّل معاوية:
وهل من خالد إمّا هلكنا … وهل في الموت يا للناس عار
فلمّا خرج قال له قائل: ما كنت أحبّ لك أن تسمعه هذا الكلام، فقال عمرو: والله ما أحبّ أنه سبقني بنفسه ولم أسمعه ما أسمعته من هذا الكلام.
стр. 1898
المدائني عن إسحاق بن أيّوب عن خالد بن عجلان قال: ثقل معاوية ويزيد بحوّارين (١)، فأتاه الرسول بخبره، فجاء وقد دفن معاوية، فلم يدخل منزله حتّى أتى قبره، فترحّم عليه ودعا له ثمّ انصرف إلى منزله وقال:
جاء البريد بقرطاس يخبّ به … فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا لك الويل ماذا في كتابكم … قال الخليفة أمسى مثبتا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأنّ أغبر من أركانه (٢) انقلعا
ثمّ انبعثنا على خوص مزمّمة … نرمي الفجاج بها لا نأتلي سرعا
وما نبالي إذا بلّغن أرحلنا … ما مات منهنّ بالبيداء أو ظلعا
من لا تزل نفسه تشفي على تلف … توشك مقادير تلك النفس أن تقعا
لمّا انتهينا وباب الدار منصفق … لصوت رملة ريع القلب فانصدعا
ثمّ ارعوى القلب شيئا بعد طيرته … والنفس تعلم أن قد أثبتت جزعا
أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه … كانا جميعا خليطا قاطنين معا
أغرّ أبلج يستسقى الغمام به … لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا
حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة وغيره قالوا: توفّي معاوية للنصف من رجب سنة ستّين وله اثنتان وثمانون سنة؛ فلمّا قبض صعد الضحّاك بن قيس الفهري المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنّ معاوية أمير المؤمنين كان عود العرب وحدّها ونابها، قطع الله به الفتنة وجمع به الكلمة، وملّكه خزائم العباد وفتح له البلاد، ألا وإنّه قد
стр. 1899
مات وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها ثمّ مدخلوه قبره، ومخلّون بينه وبين ربّه، ثمّ هو الهرج إلى يوم القيامة، فمن كان يريد أن يشهده فليحضر عند الظهر. قال هشام: وكانت أكفان معاوية في يد الضحّاك وهو يخطب؛ قال هشام: ويقال إنّ معاوية مات في أوّل رجب سنة ستّين، وكان عمره سبعا وسبعين سنة.
أبو الحسن المدائني عن أبي أيّوب عن عمرو بن ميمون قال: خرج الضحّاك حين مات معاوية فقال: إنّ معاوية أمير المؤمنين كان عبدا من عبيد الله أطفأ الله به الفتن، وبسط به الدنيا، فقد قضى نحبه، ونحن رائحون به مدرجا في أكفانه، ومدخلوه في قبره ومخلّون بينه وبين ربّه وعلمه، فإن شاء الله رحمه وإن شاء عاقبه.
حدّثني العمري عن ابن عديّ عن ابن عيّاش قال: كان يزيد بن معاوية حين مات أبوه بحوّارين، فقدم وقد دفن أبوه عند الباب الصغير بدمشق، فأتى قبره فدعا له ثمّ انصرف فخطب فقال: إنّ معاوية كان عبدا من عبيد الله أنعم عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممّن بعده ودون من قبله، ولا أزكّيه على الله فهو أعلم، فإن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، ولن أني عن طلب ولا أعتذر من تفريط، وعلى رسلكم إذا أراد الله شيئا كان.
وحدثني الحسن بن عليّ الحرمازي عن عليّ القصير عن أبي يعقوب الثّقفي قال: عزّى عطاء بن أبي صيفي الثقفيّ يزيد حين مات معاوية فقال: يا أمير المؤمنين إنّك رزئت الخليفة، وأعطيت الخلافة، قضى معاوية نحبه فغفر الله له ذنبه، ووليت الرئاسة وكنت أحقّ بالسياسة، فاحتسب
стр. 1900
عند الله عظيم الرزيّة، واشكره على حسن العطّية، أعظم الله على أمير المؤمنين أجرك، وأحسن على الخلافة عونك.
وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عديّ عن عوانة وابن عيّاش قالا: لمّا مات معاوية جاء عبد الله بن همّام السلولي أو غيره فقال: يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك في الخليفة، وبارك لك في الخلافة، ثمّ أنشد:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة … واشكر عطاء الذي بالملك أصفاكا
أصبحت لا رزء في الأقوام نعلمه … كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أعطيت طاعة أهل الأرض كلّهم … فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف … إذا فقدت ولا نسمع بمنعاكا
قال أبو الدرداء العنبري يرثي معاوية:
ألا أنعى معاوية بن حرب … نعاه الحلّ والشهر الحرام
نعته الناعجات لكلّ حيّ … خواضع في الأزمّة كالسهام
فهاتيك النجوم وهنّ خرس … ينحن على معاوية الشآمي
قال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:
رمى المقدار نسوة آل حرب … بحادثة سمدن (١) لها سمودا
فردّ شعورهنّ السود بيضا … وردّ خدودهنّ البيض سودا
فإنّك لو سمعت بكاء هند … ورملة إذ يلطّمن الخدودا
بكيت بكاء موجعة بحزن … أصاب الدهر واحدها الفريدا
стр. 1901
وقال الأحوص:
يا أيّها الرجل الموكّل بالصبا … وصبا الكبير إذا صبا تضليل
قدّم لنفسك قبل يومك صالحا … واعمل فليس إلى الخلود سبيل
إنّ الحمام لطالب لك لاحق … والموت ربع إقامة محلول
لا بدّ من يوم لكلّ معمّر … فيه لعدّة عمره تكميل
والناس أرسال إلى أمد لهم … يمضي لهم جيل ويخلف جيل
إنّ امرءا أمن الزمان وقد رأى … غير الزمان وريبه لجهول
أين ابن هند وهو فيه عبرة … أفما اقتديت بمن له معقول
ملك تدين له الملوك مبارك … كادت لمهلكه الجبال تزول
تجبى له بلخ ودجلة كلّها … وله الفرات وما سقى والنيل
والشام أجمع داره فبكلّه … تلفى كتائب جمّة وخيول
وبكلّ أرض للعدى من غزوه … حصن يخرب أو دم مطلول
يقضى فلا خرق ولا متتعتع … لغباوة في القول حين يقول
لو أنّه وزن الجبال بحلمه … لوفى بها ثقلا بها ويميل
متأثّل ما إن يظنّ لملكه … عنه ولا لسروره تحويل
فأزال ذلك ريب يوم واحد … عنه وحكم ما له تبديل
حتّى ثوى جدثا كأنّ ترابه … ممّا تطيّره الصبا منخول
وهو الذي لو كان حيّ خالدا … يوما لكان على المنون يؤول (١)
стр. 1902
وحدثني هشام بن عمّار عن إسماعيل بن عيّاش أبي عتبة عن صفوان بن عمرو أنّ عبد الملك مرّ بقبر معاوية فوقف عليه فترحم، فقال له رجل من قريش: قبر من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: قبر رجل كان والله ما علمته ينطق عن علم ويسكت عن حلم، إذا أعطى أغنى وإذا حارب أفنى، ثمّ عجّل له الدهر ما أخره لغيره ممّن بعده، هذا قبر أبي عبد الرحمن معاوية يرحمه الله.
ووجدت في كتاب لعبد الله بن صالح العجلي: ولّى معاوية المدينة مروان بن الحكم ثمّ عزله وولّى سعيد بن العاص، ثم رد مروان ثمّ عزله وولّى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وولّى معاوية مكّة عتبة بن أبي سفيان ثمّ عزله، وولّى خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي ثمّ عزله، وولّى عنبسة بن أبي سفيان وضم إليه الطائف، فلم يزل عليها حتّى مات في سنة ثمان وأربعين، فضمّ مكّة إلى مروان أشهرا، ثم عزله وولّى سعيد بن العاص المدينة ومكّة والطائف، فولّى سعيد ابنه عمرا الأشدق مكّة والطائف، فاشتدّ عليهم وعسفهم، فشكاه عبد الله بن صفوان بن أميّة، فعزل معاوية سعيدا عن عمله وولّى مروان المدينة ومكّة، فقال ابن صفوان لعمرو بن سعيد: الحمد لله الذي عزلك عن رقاب قريش، فقال: عزلني عن رقبتك ووضعني على رأسك، ثمّ عزل مروان وولّى الوليد بن عتبة المدينة ومكّة.
وقال أبو الحسن المدائني: كان كاتب معاوية سرجون مولاه، وكان على شرطه يزيد بن الحرّ العبسي، ثمّ زمل بن عمرو؛ وكان معاوية أوّل من
стр. 1903
اتّخذ حرسا؛ وولّى حرسه الضحّاك بن قيس، ثمّ ولاّه شرطه، وصيّر على حرسه يزيد بن الحرّ.
قال المدائني، قال معاوية للأحنف: من أعزّ أهل العراق؟ قال: بنو الحارث بن كعب: الربيع بن زياد على خراسان، وقطن بن عبد الله على أذربيجان، وشريك بن الأعور على فارس وكرمان، وكثير بن شهاب على الريّ، والسريّ بن وقّاص على أعمال الكوفة، وزياد بن النضر على أصبهان، فكتب معاوية إلى زياد: رأيت جلّ عمّالك بني الحارث بن كعب، فكتب إليه زياد: وجدت فيهم خلّتين لو كانتا في الزّنج لوليّتهم، معهما الأمانة والكفاية.
وقال المدائني عن جويرية بن أسماء: كتب مروان إلى معاوية يسأله تولية عبد الملك بن مروان ديوان المدينة ففعل، فكان عليه إلى آخر أيّام يزيد.
المدائني عن جعفر بن سليمان الضبعي قال: ذكر محمّد بن مسلمة الأنصاري عند معاوية قتل كعب بن الأشرف اليهودي، فقال يهوديّ كان عند معاوية: غدر به، فقال محمّد: يا معاوية أتمسك عنه وقد نسب رسول الله ﷺ إلى الغدر؟ فقال لليهودي: اخرج عنّا، وطلبه محمّد فلم يقدر عليه، وقال لمعاوية: والله لاكلّمتك أبدا ولأقتلنّ اليهودي إن قدرت عليه.
المدائني قال: كتب عبد الله بن الزبير إلى معاوية: إنك كنت أذنت لي في سفينة من الجار (١)، فكان لنا في ذلك مرفق، وقد قطعت ذلك، فإن
стр. 1904
أذنت لنا فيها فقد أحسنت، وإن أبيت فعسى أن يكون ذلك خيرا، وعندي فلانة وفلانة ولهن بك حرمه، وبهن إلى صلتك حاجة وهن أيتام، فوصلهنّ.
قال معاوية: صحبني أربعة من الأنصار: النعمان بن بشير فولّيته حمص، ومسلمة بن مخلّد فولّيته مصر، وعمرو بن سعيد فولّيته فلسطين، وفضالة بن عبيد فولّيته القضاء، ولو زادوني لزدتهم، ولأنا خير لهم من أبي بكر وعمر.
حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن عوانة وحدّثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن عوانة وابن عيّاش قالوا: ولّى معاوية زيادا العراق، فلمّا مات ولّى سمرة ثمّ ولّى بعده عبد الله بن عمرو بن غيلان بن سلمة بن المحبّق، ثمّ ولّى عبيد الله بن زياد؛ وولّى الكوفة بعد زياد الضحّاك بن قيس الفهري، وكان زياد استخلف على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد فأقرّه معاوية أشهرا ثمّ ولّى الضحّاك، ثم ولّى بعده ابن أمّ الحكم، ثمّ النعمان بن بشير.
حدثني العمري عن الهيثم عن ابن عيّاش والمدائني عن مسلمة قالا:
ولّى معاوية النعمان بن بشير حضرموت فكتب إلى يزيد بن معاوية:
أبا خالد لا تتركنّي ببلدة ال … قرود ونيران الحوادث تلمع
أبوك خليلي واصطفيتك بعده … على الناس ما كانوا معا وتصدّعوا
فكلّم معاوية في إعفائه، وولاّه الكوفة بعد ابن أمّ الحكم.
стр. 1905
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أخبار الخوارج في أيام معاوية ﵀
أمر عبد الله بن أبي الحوساء الطائي أحد بني ثعل
قالوا: كان فروة بن نوفل الأشجعي اعتزل يوم النّهروان في خمسمائة - وذلك الثبت، ويقال في ألف وخمسمائة - وقال: والله ما ندري على أيّ شيء نقاتل عليّا، ومضى حتّى نزل بناحية البندنيجين والدّسكرة ثمّ أتى شهرزور (١)، فلمّا بلغه صلح الحسن وولاية معاوية وقدومه الكوفة قال لأصحابه: قد جاء من لا نشكّ في أمره ولا نرتاب بأنّ الحقّ في قتاله فقالوا: صدقت، وأقبل من شهرزور ومعاوية بالنخيلة، فعسكر بالنخيلة بالقرب منه؛ وكان الحسن بن عليّ ﵉ قد شخص يريد المدينة، فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال فروة، فلحقه رسوله بالقادسيّة أو فويقها فلم يرجع، وكتب إلى معاوية: إنّي
стр. 1906
لو آثرت أن أقاتل أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإنّي تركته لصلاح أمر الأمّة وألفتها وحقن دمائها، فأمسك معاوية؛ وبعث إليهم جماعة من أهل الشام فهزمهم الخوارج، فندب معاوية أهل الكوفة لقتالهم وقال: لا أمان لكم عندي ولا رزق أو تكفوني أمرهم، فخرج من أهل الكوفة بشر كثير وعليهم خالد بن عرفطة العذري، فواقفهم وتراموا بالحجارة والنّبل، وجاءت أشجع إلى فروة فقالوا: هلمّ نكلّمك، فاعتزل معهم، فوعظوه ثمّ حملوه حتّى أدخلوه الكوفة، وأخذت طيّء القعقاع بن نفر الطائي فأدخلته، وأخذ بنو شيبان عتريس بن عرقوب فأدخلوه، وكان فروة جعل خليفته والقائم بأمر أصحابه إن حدث به حدث عبد الله بن أبي الحوساء الطائي، وكان ممّن اعتزل يوم النهر في ثلاثمائة، وقدم الكوفة فبايعه الخوارج من أصحاب فروة بعد دخول فروة الكوفة وحبس قومه إيّاه عندهم، فقاتل خالد بن عرفطة وأهل الكوفة فقتل ابن أبي الحوساء، قتله رجل من بني تغلب يقال له عبيد ابن جرير، وذلك في سنة إحدى وأربعين في شهر ربيع الأوّل، ويقال في جمادى الأولى، وقتل جلّ أصحابه؛ وكان ابن أبي الحوساء حين ولي أمر الخوارج قد خوّف من السلطان أن يصلبه إذا قتله فقال:
ما إن أبالي إذا أرواحنا قبضت … ماذا فعلتم بأوصال وأبشار
تجري المجرّة والنسران عن قدر … والشمس والقمر الساري بمقدار
وقد علمت وخير القول أنفعه … أنّ السعيد الذي ينجو من النار
ويقال: انّ الشعر لفروة بن نوفل حين خرج على المغيرة بن شعبة.
стр. 1907
أمر حوثرة بن وداع الأسدي:
قالوا: لمّا قتل ابن أبي الحوساء اجتمعت الخوارج فولّوا أمرهم حوثرة بن وداع بن مسعود الأسدي، وكان حوثرة نازلا ببراز الرّوز (١) من السواد فلمّا قتل ابن أبي الحوساء قام فعاب فروة بن نوفل لشكّه في قتال عليّ، ثمّ دعا الخوارج واعتقد من براز الروز وسار في مائة وخمسين حتّى قدم النّخيلة، وانضمّ إليه فلّ ابن أبي الحوساء وهم قليل، فدعا معاوية أبا حوثرة فقال: اخرج إلى ابنك فلعلّه يرقّ إذا رآك، فأتاه أبوه فكلّمه وناشده وقال له: ألا أجيئك بابنك فلعلّك إذا رأيته كرهت فراقه؟ فقال: أنا إلى طعنة من يد كافر برمح أتقلّب فيه ساعة أشوق منّي إلى ابني، فرجع أبوه إلى معاوية فأخبره بقوله، فقال: هذا عات؛ ووجّه معاوية عبد الله بن عوف بن أحمر في ألفين، وخرج أبو حوثرة فيمن خرج، فدعا ابنه إلى البراز، فقال: يا أبت لك في غيري من القوم سعة فأعفني منك، فقاتلهم ابن أحمر وصبر وصبروا، وبارز حوثرة ابن أحمر فطعنه ابن أحمر فقتله وقتل أصحابه، إلا خمسين رجلا دخلوا الكوفة، وذلك في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين. ونظر ابن أحمر إلى حوثرة فرأى بوجهه أثر السجود قد غلب على وجهه، وكان صاحب صلاة وعبادة، فندم على قتله وقال:
قتلت أخا بني أسد سفاها … لعمر أبيك ما لقّيت رشدي
قتلت مصلّيا محياء ليل … طويل الحزن ذا برّ وقصد
стр. 1908
قتلت أخا تقى لأنال دنيا … وذاك لشقوتي وعثار جدّي
فهب لي توبة يا رب واغفر … لما قارفت من خطأ وعمد
ومضى معاوية إلى الشام واستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة.
أمر فروة بن نوفل ومقتله:
قالوا: ثمّ إنّ فروة بن نوفل الأشجعي اعتقد وخرج على المغيرة بن شعبة، فوجّه إليه المغيرة خيلا عليها شبث بن ربعيّ - ويقال معقل بن قيس - فلقيه بشهرزور فقتله، ويقال بل لقيه ببعض السّواد فقتله وقتل أصحابه.
أمر شبيب بن بجرة الأشجعي:
كان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليّا، ثمّ إنّه أتى معاوية وهو بالكوفة كالمتقرّب إليه فقال له: إنّي وابن ملجم قتلنا عليّا، فوثب معاوية من مجلسه مذعورا فزعا حتّى دخل منزله، وبعث إلى أشجع فقال: والله لئن رأيت شبيبا أو بلغني أنّه ببابي لأبيرنّكم، أخرجوه عن بلدكم، وكان شبيب إذا جنّ عليه الليل خرج فلم يلق صبيّا ولا رجلا ولا امرأة إلا قتله، فلمّا ولي المغيرة بن شعبة الكوفة خرج عليه شبيب بالقف، فبعث إليه المغيرة خيلا عليها خالد بن عرفطة - ويقال معقل بن قيس - فواقعه فقتله وأصحابه. وقال الهيثم: القفّ بين باجوّا وسورا، وقال الكلبي: القف بين زبارا وتلّ بونّا وذلك كله قريب من الكوفة. وقال رجل من ضبّة كان معه:
إنّي أدين بما دان الشراة به … يوم النّخيلة عند الجوسق الخرب
ويقال قيل ذلك بعده.
стр. 1909
أمر معين المحاربي:
قالوا: بلغ المغيرة أنّ معين بن عبد المحاربي يريد الخروج عليه، وكان اسمه معنا فصغّر، فأرسل إليه فأتته الخيل وعنده جماعة، فنذروا بها فتفرّقوا، وأخذ معين ورجل من بني تميم فحبسهما المغيرة، وكتب إلى معاوية بخبرهما، فكتب إليه إن شهدا أنّي خليفة فخلّ سبيلهما، إذ كانا لم يخرجا ولم يقتلا أحدا، فأمّا التميمي فشهدت بنو تميم أنّه مجنون فخلّى سبيله، وأمّا معين فقال له: أشهد أن معاوية خليفة وأنّه أمير المؤمنين، فقال: أشهد أنّ الله حق ﴿وَ أَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ (١)، قال: إنّك لمجنون، قال: وددت أنّي من صالحي الجنّ، قال: أتشهد ويحك بما قلت لك؟ قال: أشهد أنّ تميما أكرم من محارب، فقال رجل من بني هلال يقال له قبيصة: اسقني دمه، قال: دونك، فقتله؛ فلمّا كانت ولاية بشر بن مروان وقف رجل من خوارج الكوفة من أهل عمان على حلقة فيها قبيصة وهو في صدرها، فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا قاتل معين، فجلس على باب قبيصة حتّى إذا خرج من منزله مشى معه ثمّ ضربه حتّى قتله، فلم يعرف له أثر حتّى خرج مع شبيب بن يزيد، فلمّا قدم الكوفة جعل ينادي: يا أعداء الله أنا قاتل قبيصة.
أمر أبي مريم مولى بني الحارث بن كعب:
قالوا: خرج مولى لبني الحارث بن كعب يقال له أبو مريم ومعه امرأتان قطام وكحيلة، وكان أوّل من أخرج معه النساء، فعاب عليه ذلك أبو بلال
стр. 1910
مرداس ابن أديّة، وكان أوّل من كره خروج النساء، فقال: قد قاتلت النساء مع رسول الله ﷺ ، وقاتلن مع المسلمين بالشام، ولكنّي أردّهما، فردّهما، فوجّه إليه المغيرة جابرا البجلي (١) فالتقوا ببادوريا (٢)، وجعل جابر يقول لهم: يا فسقة، يا أصحاب قطام وكحيلة، يعرّض لهم بالفجور، وجعل أصحابه ينادونهم بمثل ذلك، فقال: ويلكم إنّ الله يقول، ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣) وقاتلهم فقتلهم.
أمر أبي ليلى الخارجي:
قالوا: وأتى أبو ليلى، وكان أسود طويلا، مسجد الكوفة وفيه عدّة من الاشراف، فأمسك بعضادتي باب من أبوابه، وحكّم بصوت جهير سمعه أهل المسجد، فلم يعرض له أحد، فخرج واتّبعه ثلاثون راكبا من الموالي، فبعث إليه المغيرة بن شعبة معقل بن قيس الرياحي أو غيره، فقتله بسواد الكوفة سنة اثنتين وأربعين.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: جاء أبو ليلى مولى بني الحارث، فحكّم في عدّة فقتلهم الشرط، وكان قد دبّر أمرا فلم يتمّ له.
стр. 1911
أمر حيان بن ظبيان وأمر المستورد بن علّفة:
كان حيّان ممّن ارتثّ يوم النهر من الأربع المائة الذين عفا عليّ عنهم ودفعهم إلى قومهم، وكان مجتهدا، فمكث في منزله شهرا أو نحوه، ثم خرج إلى الريّ لقتال الديلم في رجال يرون رأيه، فلمّا بلغه مقتل عليّ بن أبي طالب ﵇ دعا أصحابه إلى الرجوع إلى الكوفة، فأجابوه وفيهم سالم بن ربيعة العبسي، وقال وكان شاعرا:
خليليّ ما بي من عزاء ولا صبر … ولا إربة بعد المصابين بالنهر
سوى نهضات في كتائب جمّة … إلى الله ما ندعو ولله ما نفري
إذا جاوزت قسطانة الريّ بغلتي … فلست بسار نحوها آخر الدهر (١)
فلمّا ولي المغيرة بن شعبة الكوفة اجتمع سالم بن ربيعة والمستورد بن علّفة التيمي - تيم الرباب - ومعاذ بن جوين الطائي وعتريس بن عرقوب وغيرهم إلى حيّان في منزله ليتشاوروا فيمن يولّون أمرهم، ليخرجوا منكرين للجور والظلم، ودعوه إلى تولّي أمرهم فأبى، ودعوا معاذ بن جوين إلى ذلك فأبى، ورضي حيّان ومعاذ بالمستورد بن علّفة، فبايعاه وبايعه القوم في جمادى سنة ثلاث وأربعين، وعزموا على الخروج في غرّة شعبان سنة ثلاث وأربعين. وأقبلوا يتجهّزون، فأتى شمر بن جعونة الطائي قبيصة بن الدمّون وهو على شرطة المغيرة فأخبره، فأنهى ذلك إلى المغيرة، فوجّه إليهم خيلا وبلغ المستورد فأمر أصحابه فتفرّقوا وغيّبوا ما عندهم من السلاح وتغيّب،
стр. 1912
فلمّا هجم رسل المغيرة في منزل حيّان لم يجدوا هناك شيئا من السلاح، ولم يجدوا إلاّ سالم بن ربيعة وحيّان بن ظبيان ومعاذ بن جوين، فقال المغيرة لحيّان: ما هذا الذي بلغني؟ فقال سالم ومعاذ: كنّا نأتي حيّان فنقرأ عنده، فحبسهم نحوا من سنة، وكانت الخوارج تختلف إلى المستورد وهو ينزل في عبد القيس، ويقال إنّه خرج فنزل قصر العدسيين بالحيرة مستترا، فاطّلع حجّار بن أبجر على بعض أمره، فخافه فنزل على سليم بن محدوج أحد بني سليمة وهو صهره، وأتى حجّار المغيرة فأخبره بما سقط إليه واطّلع عليه، فتواعد المستورد وأصحابه سورا (١)، ووافاه ثلاثمائة وعزموا على إتيان المدائن، وبلغ المغيرة خبرهم، فوجّه إليهم معقل بن قيس الرياحيّ في ثلاثة آلاف، وكان المنتدب لهم، فقال له المغيرة. سر أبا زميلة راشدا حتّى تكفيني هذه المارقة؛ وقال له صعصعة بن صوحان: ابعث بي إليهم فإنّي لدمائهم مستحل وبحملها مستقلّ، فقال له المغيرة: اجلس فإنّك خطيب.
وندب المغيرة مع معقل من عرف من الشيعة، وأتى المستورد مدينة بهرسير (٢) فمنعه عبيد بن سماك بن الحزّان بن حصين العبسي - ويقال بل منعه سماك بن عبيد بن سماك بن الحزّان - من العبور إلى المدينة العتيقة، وأمر بالجسر فقطع، وسار المستورد من الجانب الغربي حتّى عبر إلى جرجرايا، ثمّ أتى المذار، وأقبل معقل إلى المدائن على مقدّمته أبو الرّواع الشاكريّ من همدان في ثلاثمائة، فالتقى أبو الرّواع والمستورد فاقتتلا، وأبو الرواع يقول:
стр. 1913
إنّ الفتى كلّ الفتى من لم يهل … إذا الجبان حاد عن وقع الأسل
أنا أبو رواع الشهم البطل
وقاتل قليلا ثم انهزم فلحق بمعقل، وانحاز المستورد إلى المذار واتّبعه معقل، ووجّه عبد الله بن عامر من البصرة شريك بن الأعور في ثلاثة آلاف فيهم خالد بن معدان لأنّه من شيعة عليّ، فنزل على فرسخ من عسكر المستورد، فقال المستورد: ليس الرأي أن نقيم بين جندين، فارتحل نحو المدائن، وانصرف شريك إلى البصرة، وواقع معقل الخوارج بجرجرايا فقاتلهم أشدّ قتال، وكان معه مسكين بن عامر بن أنيف الدارمي الشاعر، فقاتل يومئذ قتالا شديدا عرف به موقفه، وأتى الخوارج ساباط، ونزل معقل ديلمايا (١) فأقام يومين، ثمّ لقي المستورد وأصحابه فدعاه إلى المبارزة، فبرز له معقل، فاختلفا طعنتين فمات معقل والمستورد جميعا، ويقال إنّ المستورد طعن معقلا فأنفذ رمحه في صدره، وضربه معقل بالسيف على رأسه فخرّا ميّتين. فلمّا قتل معقل أخذ الراية عمرو بن محرز بن شهاب المنقري فقتل أصحاب المستورد فلم ينج منهم إلاّ خمسة نفر، وكان مقتلهم في شعبان سنة ثلاث وأربعين، ويقال في شهر رمضان، وكان من رجز مسكين بن عامر الدارمي يومئذ:
أضربهم ولو أرى مستوردا … تركته بالقاع يكبو مقصدا (٢)
стр. 1914
وأوفد المغيرة مسكينا وأبا الرّواع إلى معاوية، فوصلهما وزاد في إعطائهما، فقال جرير بن عطيّة:
ومنّا فتى الفتيان والجود معقل … ومنّا الذي أردى بدجلة معقلا (١)
يعني المستورد.
وقال عمر بن لجأ التيمي:
ونحن قتلنا معقلا يوم دجلة … بمرهفة تفلى بهنّ الجماجم
وقال أيضا:
نحن قتلنا معقلا وتداءكت (٢) … بنا الحرب إذ هاب الجبان وعرّدا
وقال معاذ بن جوين وهو محبوس في أبيات له:
ألا أيّها الشارون قد آن لامرئ … شرى نفسه لله أن يترحّلا
أقيم بدار الخاطئين جهالة … وكلّ امرئ منكم يصار ليقتلا
ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التي … إذا ذكرت كانت أبرّ وأعدلا
ألا ليتني فيكم على ظهر سابح … شديد القصيري دارعا غير أعزلا
فلو أنّني فيكم وقد قصدوا لكم … أثرت إذا بين الفريقين قسطلا (٣)
أمر معاذ بن جوين الطائي:
قالوا: أخرج المغيرة معاذا، فأشار عليه حيّان بن ظبيان أن يخرج منكرا للجور، فخرج في ثلاثمائة ببانقيا، وهي في حدّ الكوفة، فوجّه إليهم
стр. 1915
المغيرة بن شعبة أبا الرّواع الهمدانيّ ثمّ الشاكري، وعمرو بن محرز بن شهاب المنقري في ألف وثلاثمائة، فقتل معاذ وأصحابه بجوخى، وقال معاذ حين دهمه الناس: إنّا لقليل عددنا ولكنّا نجاهد عدوّنا فنقتل منهم من قتلنا ثم نستشهد.
أمر سهم بن غالب الهجيمي والخطيم وعياذ بن حصن (١):
قالوا: خرج على عبد الله بن عامر بالبصرة سهم بن غالب الهجيمي في أيّام معاوية، وكان سهم من المستبصرين في رأيه، وهو أوّل من سمّى أهل القبلة بالكفر، ولم تكن الخوارج قبله تقطع بالشهادة في الكفر والإيمان، وكان خروجه في سنة أربع وأربعين في سبعين رجلا فيهم الخطيم الباهلي، وهو يزيد بن مالك أحد بني وائل، وإنّما سمّي الخطيم لضربة ضربها على وجهه، فنزلوا بين الجسرين بالبصرة، فصلّى بهم سهم الغداة، ومرّ بهم عبادة بن قرص الليثي ومعه ابنه وابن أخته فأنكروهم فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: قوم مسلمون، قالوا: كذبتم، فقال عبادة: سبحان الله اقبلوا ما قبل النبيّ ﷺ منّي، قالوا: وما قبل منك؟ قال: كذّبته وقاتلته ثمّ أتيته فقلت: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله فقبل ذلك، قالوا: أنت كافر، وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخته، فخرج إليهم ابن عامر بنفسه، فقاتلهم فقتل منهم عدّة، وانحازت بقيّتهم إلى أجمة، وفيهم سهم والخطيم، فعرض عليهم ابن عامر الأمان فقبلوه فآمنهم فرجعوا، وكتب إليه معاوية
стр. 1916
يأمره بقتلهم فكتب إليه ابن عامر: إنّي قد جعلت لهم ذمّتك؛ فلمّا قدم زياد البصرة في سنة خمس وأربعين خاف سهم والخطيم أن لا ينفذ لهما أمان ابن عامر، فخرجا إلى الأهواز، فاعتقد بها سهم ودعا قوما فأجابوه، وأقبل يريد البصرة فأخذ قوما، فقالوا: نحن يهود فخلاّهم، وأخذ سعدا مولى قدامة بن مظعون الجمحي فقتله، ثمّ أتى البصرة وقد تفرّق عنه أصحابه فاستخفى - ويقال إنّ أصحابه تفرّقوا بعد استخفائه - فطلب الأمان ورجا أن يسوغ له عند زياد ما ساغ له عند ابن عامر، وبعث بأمان ابن عامر إليه فلم يؤمنه، وبحث زياد عنه فدلّ عليه، فأخذه فقتله وصلبه في داره - ويقال انّه استخفى حتّى مات زياد فدلّ عليه عبيد الله بن زياد فقتله وصلبه - فقال رجل من الخوارج:
فإن يكن الأحزاب باؤوا بصلبه … فلا يبعدنّ الله سهم بن غالب
وكان قتل سهم في سنة أربع وخمسين - ويقال قبل ذلك - وسأل زياد الخطيم وقد أخذ وأتي عن قتل عبادة بن قرص فأنكر ذلك، فسيّره إلى البحرين، ثمّ إنّه أذن له بعد ذلك لأنّه لمّا أراد رسول زياد الشخوص من البحرين قال له: أبلغ زيادا أنّه لي ظالم. ولمّا صار الخطيم إلى البصرة قال له زياد: أقم في منزلك، وأمر مسلم بن عمرو أبا قتيبة أن يتفقّده وقال: إن غاب عن منزله ولم يبت فيه ليلة واحدة فما فوقها فأعلمني ذلك، فغاب عن منزله ليلة من الليالي، وعلم به مسلم بن عمرو فأتى به زيادا فسأله أين بات؟ فقال: أدنني منك أخبرك، فقال زياد: إن كنت تريد أن تسرّ إليّ شيئا فأسرّه إلى مسلم بن عمرو، فقال: والله لو أدنيتني لقطعت أنفك لو أمكنني ذلك، فأمر بقتله فقتل وألقي في باهلة، فحملته امرأة يقال لها عمرة
стр. 1917
فدفنته، وأخذ زياد امرأتين أرادتا الخروج مع الخطيم يقال لهما: أراكة، وأمّ سريع، فقتلهما، فقال رجل يعيب باهلة:
لعمري لقد أخزت أراكة قومها … وما قصدت للدّين أمّ سريع
واستعمل زياد على المسجد وباب عثمان (١) شيبان بن عبد الله السعدي صاحب مقبرة شيبان، وهو أحد بني ربيعة (٢) بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ففتك به قوم من الشراة وهو على باب داره وقتلوا ابنا له، وكان رئيسهم عبّاد بن حصين، وذلك في سنة سبع وأربعين، وكان شيبان شديدا عليهم، فخرج إليهم بشر بن عتبة التميمي في الشرط فقاتل الخوارج فقتلهم، فقال الفرزدق:
لعمرك ما ليث بخفّان خادر … بأشجع من بشر بن عتبة مقدما
أباء بشيبان النّؤوم وقد رأى … بني فاتك هابوا الوشيج المقوّما (٣)
وبنو فاتك قومه. وكان زياد إذا أخذ رجلا من الخوارج قال: اقتلوه متّكئا كما قتل شيبان متّكئا، وكان زياد يبعث إلى الرجل من قعد الخوارج فيعطيه ويكسوه ويقول:
ما أراه منعك من إتياننا إلاّ الخلّة والرّجلة.
стр. 1918
أمر حارثة بن صخر القيني:
قالوا: كان معاوية سيّر حارثة بن صخر إلى مصر، فلقي قوما من الخوارج فأمالوه إلى رأيهم فصار خارجيّا، وقدم العراق فأراد الخروج على زياد وتأهب لذلك، فبلغ ذلك زيادا فطلبه فهرب وقال:
تمنّاها ليلقانا زياد … سفاها والمنى طرف الضلال
فقلنا يا زياد دع الهوينا … وشمّر لا أبا لك للقتال
فإنّا لا نفرّ من المنايا … ولا ننحاش من ضرب النصال
ولكنّا نقيم لكم طعانا … وضربا يختلي هام الرجال (١)
فبعث زياد في طلبه شعيب بن زيد بن السائب، فدخل بلاد قضاعة فلم يقدر عليه لأنّهم منعوه، وكلّم فيه معاوية فآمنه، وكتب إلى زياد في الكفّ عنه فكفّ، ومضى مع مسلم بن عقبة إلى المدينة فقتل يوم الحرّة؛ وقال حين هرب:
سنلقح حربا يا بن حرب شديدة … وننتجها يتنا (٢) بسمر ذوابل
فما لزياد يحرق الناب ظالما … عليّ فإنّ الله ليس بغافل (٣)
في أبيات.
أمر قريب بن مرة وزحاف بن زحر الطائي:
قالوا: ثمّ خرج قريب بن مرّة الأزدي، وزحّاف بن زحر الطائي وهما ابنا خالة في ثمانين - ويقال في ستّين، ويقال في سبعين - وأرادوا أن يولّوا
стр. 1919
زحّافا أو قريبا فلم يفرق لهم الرأي في ذلك حتّى بلغ زيادا خبرهم، فبعث إليهم الشرط، فقالوا: نقاتل يومنا هذا، فإن سلمنا أمّرنا قريبا أو زحّافا، فقال بعضهم: لا قتال إلاّ مع إمام، فصيّروا قريبا إمامهم.
وقال بعض الرواة: صيّروا إمامهم زحّافا، وخرجوا يستعرضون الناس، ويقتلون من لقوا، وكانوا يدينون بالاستعراض، وكان خروجهم بناحية جبّانة بني يشكر، وذلك في شهر رمضان، فقال أبو بلال مرداس بن أديّة: قريب [لا] قرّبه الله من كلّ خير وزحّاف [لا] عفا الله عنه، لقد ركباها عشواء مظلمة، يقول: لاستعراضهما، فقتلوا رجلا من بني ضبيعة يقال له حكاك رآهم فظنّهم مع صاحب الشرط، وقتلوا غيره، وضربوا رجلا من بني قطيعة فصار أضجم (١)، وأتوا مسجد بني قطيعة فأخذوا بأبوابه حتّى هرب الناس ووثبوا الجدر، وصعد رجل المنارة فنادى: يا خيل الله اركبي، فأنزلوه وقتلوه، وخرج بكير بن وائل الطاحي من الأزد وقد اتّقاهم بطيلسان له فقطعوه بأسيافهم، ثمّ نجا، وأتوا بني راسب فقاتلوهم، وكان حجّار بن أبجر العجلي بالبصرة قد قدمها من الكوفة في حاجة، فضربوه فصرع، وحامى عليه شقيق بن ثور السدوسي فنجا، فقال العديل بن فرخ العجلي:
ونجّيت حجّار بن أبجر بعد ما … بدت للحروريّين منه مقاتله
وإنّ بني ثور إذا ما لقيتهم … لهم زبرتا (٢) مجد العراق وكاهله
стр. 1920
ونادى حجّار: يا بني راسب جئت لأنصركم أفأقتل بينكم؟! فقالوا: لا بأس عليك يا أبا الفضل، وحموه حتّى ركب، وجاءت الشّرط - وكان الشّرط خمسمائة - فقاتلوهم مع بني راسب حتّى اضطروهم إلى دار فحصروهم فيها، وكان عبّاد بن الحصين الحبطي مستخفيا لأنّ زيادا غضب عليه، فأتاهم مع الفجر فدخل الدار ودخل الناس معه، وقصد لقريب فاجتلدا، وضربه عبّاد فصرعه وقتله، وقتل الباقون في الدار، وبعث عبّاد برأس قريب إلى زياد فرضي عنه، وكان خليفة زياد يومئذ بالبصرة عبيد الله بن أبي بكرة، وكان زياد بالكوفة يومئذ، فلمّا قدم زياد البصرة رأى مع الشّرط رماحا قصارا فقال: أراكم تحضرون برماح كأنّها أيدي الجداء.
وصلب قريب وزحّاف وناس من أصحابهم، فجاءت جارية لقوم من الخوارج فقالت: سلام الله ورحمته ﴿عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (١)، فأمر زياد فصلبت معهم، وقال زياد: أيّ خارجة خرجت في قبيلة فلم تقاتلها كما فعلت بنو راسب حرمتهم العطاء وأجليتهم، وسيّر زياد أهل قريب وزحّاف، وحمل نساء من نساء من خرج معهما في البحر، ووهب امرأة زحّاف لشقيق بن ثور، وامرأة قريب لعبّاد بن الحصين، فردّها عبّاد إلى أهلها وكساها.
ومرض بكير بن وائل من جراحه فكان الناس يعودونه، ويدخل النساء على أهله يسألن به، فقال:
غناء قليل عن بكير بن وائل … تزمّر أستاه النساء العوائد
стр. 1921
وقال أيضا:
عشيّة لولا الطيلسان لقطّعت … طوابق منّي أو يميني لشلّت
عشيّة قالوا إنّما القوم شرطة … وتلك حروريّو البلاد استقلّت
وهل هي إلاّ عصبة سبئيّة … دعاها مضلّ للهوى وأضلّت
وأتي زياد بأمرأة فصلبها وعرّاها وقال: أيّتما امرأة خرجت فعلت بها مثل هذه، فكفّ النساء عن الخروج خوفا من أن يعّرين.
وحدثني بعض البصريّين عن أبي عبيدة قال: مرّ أصحاب قريب وزحّاف ببني عليّ وفيهم رماة فرموهم فقالوا لهم: يا بني عليّ لم ترمونا؟ خلّوا لنا طريقنا، فقال رجل من أهل عمان:
يقول لنا الزّحّاف خلّوا طريقنا … فقلنا له لا والإله نريم
أمر زياد بن خراش العجلي:
قالوا: وخرج على زياد بالكوفة زياد بن خراش العجلي في سنة اثنتين وخمسين في ثلاثمائة، فأتى الأخيونية (١) من أرض مسكن بالسواد، فسرّح إليه زياد خيلا عليها سعد بن حذيفة أو غيره، فقتلوا وصاروا إلى ماه (٢).
стр. 1922
أمر معاذ الطائي الثاني:
قالوا: وخرج على زياد رجل من طيّء يقال له معاذ، فأتى نهر عبد الرحمن ابن أمّ الحكم في ثلاثين رجلا، في سنة اثنتين وخمسين، فبعث إليه زياد من قتله وأصحابه - وقال بعض الرواة: بل حلّ لواءه واستأمن - ويقال لهم أصحاب نهر عبد الرحمن ابن أمّ الحكم.
خبر طوافّ بن علاّق وعقبة بن الورد الجاوي وأصحاب الجدار في ولاية
ابن زياد:
قالوا: كان قوم من الخوارج يجتمعون إلى جدار فيتحدّثون عنده ويعيبون السلطان، فأخذهم عبيد الله بن زياد فحبسهم، ثم دعا بهم فعرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضا ويخلّي سبيلهم، فقتل اثنا عشر رجلا منهم اثني عشر رجلا من أصحابهم، قتل كلّ رجل رجلا، وكان ممّن قتل طوّاف بن علاّق وأوس بن كعب، فعذلهم أصحابهم وقالوا: قتلتم إخوانكم، قالوا: أكرهنا وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئنّ بالإيمان، وكان حجير الباهلي أتى الحيّ وقد أصابه نضح دم من دماء الخوارج المقتولين، فقيل له: ما هذا؟ فقال: قتل الأمير اليوم هؤلاء الكلاب فأصابني من دمائهم، فأتى عقبة بن الورد الباهلي منزله واشتمل على سيفه، وكان يرى رأي الخوارج، فحكّم وقتل حجيرا فأخذ فقتل، وندم طوّاف وأصحابه فقال طوّاف: أما من توبة؟ فكانوا يبكون؛ وعرض وأصحابه على أولياء من قتلوا القود فأبوا، وعرضوا الدّيات فأبوها، ولقي طوّاف الهثاث بن ثور السدوسي فقال له: يا بن عمّ أما ترى لنا من توبة؟ قال: ما أجد لك إلاّ
стр. 1923
آية من كتاب الله قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فدعا طّواف أصحابه إلى الخروج وإلى أن يفتكوا بابن زياد فبايعوه وذلك في سنة ثمان وخمسين، وكانوا سبعين رجلا في عبد القيس، فسعى بهم رجل من أصحابهم إلى ابن زياد، وبلغ طوّافا ذلك فقال: إنّا مأخوذون فعجّلوا الخروج، فخرجوا من ليلتهم فقتلوا رجلا من بني ضبيعة ومضوا إلى الجلحاء (٢)، فندب عبيد الله الشّرط والبخاريّة، فأتوهم وواقعوهم، فهزموا الشرط والبخاريّة حتّى دخلوا البصرة واتّبعوهم، وذلك في يوم الفطر، فكثرهم الناس فقاتلوا فقتلوا، وبقي طوّاف في ستّة، وعطش فرسه فاحتمله واقتحم به الماء، فرماه البخاريّة بالنشّاب حتّى قتلوه، فأمر به ابن زياد فصلب، وجاء عند المساء ابن لأخيه بيهس وبعض آل علاق فاحتملوه ودفنوه، فقال شاعر منهم بعد ذلك:
يا ربّ هب لي التقى والصدق في ثبت … واكف المهمّ فأنت الرازق الكافي
حتّى أبيع الذي يفنى بآخرة … تبقى، على دين مرداس وطوّاف
وكهمس وأبي الشعثاء إذ نفروا … إلى الإله وذي الإخبات زحّاف (٣)
في قصيدة.
стр. 1924
وقال عيسى الخطّي للهثهاث في قصيدة له:
فجهّلت طوّافا وزيّنت فعله … فأصبح طوّاف يمزّق بالنبل
فقل لعبيد الله إن كنت طالبا … ذوي الغشّ والبغضاء واللؤم والبخل
فدونك أقواما سدوس أبوهم … فإنّ سدوسا آفة الدين والعقل (١)
وطلب ابن زياد بعض أولئك الخوارج، فترك مجالسة إخوانه وقال:
ما زال بي صرف الزمان وريبه … حتّى رفضت مجالس الفتيان
وألفت أقواما لغير مودّة … وهجرت غير مفارق إخواني
وأفضت في لهو الحديث وهجره … بعد اعتياد تلاوة القرآن
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان قوم يجتمعون إلى جدار في بني حنيفة، فإذا أتاهم رجل ليس منهم قالوا له: يا عبد الله الحق بإخوانك، فبلغ ذلك ابن زياد فبعث قوما فأخذوهم، وفيهم نافع بن الأزرق الحنفي، فأخذوا فحسبوا وقتل بعضهم، وكلّم في بعض فأخرجهم فقال بعد ذلك رجل منهم:
ما كان في دين طوّاف وإخوته … وأهل الجدار حراث القطن والعنب
أمر أبي بلال مرداس بن أدية:
قالوا: كان أبو بلال مرداس بن أدية، وهي أمّه، وأبوه حدير بن عمرو بن عبيد بن كعب، أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وأمّه من محارب بن خصفة، وكان عابدا مجتهدا عظيم القدر
стр. 1925
في الخوارج، وشهد مع عليّ صفّين فأنكر التحكيم، وشهد مع الخوارج النّهروان، وكانت الخوارج كلّها تتولاّه، وسمع زيادا يقول: لآخذنّ البريء بالسقيم والجار بالجار، فقال: يا زياد إنّ الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (١) فحكم الله خير من حكمك، فقال زياد: إنّا لا نصل إلى ما نريد إلاّ ببعض الإغماض.
وكان غيلان بن خرشة ذكر الخوارج فعابهم، فقال له مرداس:
ما يؤمنك يا غيلان أن يلقاك بعض من عبت وتنقّصت فيندر أكثرك شعرا، فقال له: أذكرك الله يا أبا بلال والله لا أذكرهم بسوء أبدا.
ورأى مرّة ابن عامر وعليه قباء أنكره فقال: هذا لباس الفسّاق، فقال أبو بكرة: لا تقل هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه الله.
وكان أبو بلال لا يدين بالاستعراض، ويحرّم خروج النساء ويقول:
لا نقاتل إلاّ من يقاتلنا ولا نجبي إلاّ ما حمينا، وردّ امرأة خرجت معه، وكانت الثبجاء إحدى بنات حرام بن يربوع من تميم تحرّض على عبيد الله بن زياد وتذكر تجبّره وسوء سيرته وفعله، وكانت من مخابيت (٢) الخوارج، فذكر ابن زياد الثبجاء، فأعلم غيلان بن خرشة أبا بلال بذلك، فقال لها أبو بلال:
إنّ الله قد جعل لأهل الإسلام سعة في التقيّة، فإن شئت فتغّيبي فإن هذا الجبّار المسرف على نفسه قد ذكرك، فقالت: أكره أن يلقى أحد مكروها بسببي إن طلبني، فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها، ومرّ أبو بلال
стр. 1926
فنظر إليها في السوق فعضّ على لحيته وقال: هذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس، ما من ميتة أموتها أحبّ إليّ من ميتة الثبجاء كل منية سوى منية الثبجاء ظنون.
ومرّ أبو بلال ببعير قد هنئ فلمّا رأى القطران غشي عليه ثم أفاق ثم تلا ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ (١). وألح ابن زياد في طلب الشراة فملأ منهم السجن، وأخذ الناس بسببهم، وحبس أبا بلال، فكان السجان يأذن له في الانصراف إلى منزله بالليل لما رأى من عبادته. وعزم ابن زياد على قتل من في السجن وأخذ الناس بسببهم لوثوب بعضهم على رجل من الحرس وقتله إيّاه، وكان أبو بلال في منزله، فتنكّر حتّى عاد إلى محبسه وقال:
ما كنت لأغدر بصاحبي وقد ائتمني؛ وأصبح ابن زياد فدعا بالخوارج فقتل بعضهم وكلّم في بعض. وكان مرداس ممّن كلّم فيه فصفح عنه وخلّى سبيله. وألحّ ابن زياد في طلب الخوارج بعد ذلك وأخافهم، فعزم أبو بلال على الخروج، ودعا قومه فأجابوه وقال في قصيدة له:
وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا … على ظلم أهل الحقّ بالغدر والكفر
وفيك إلهي إن أردت مغيّر … لكلّ الذي يأتي إلينا بنو صخر
وقال لأصحابه: إنّ الإقامة على الرضى [بما يرى] لذنب، وإنّ تجريد السيف وقتل الناس لعظيم، ولكنّا نخرج من بين أظهرهم ولا نهيج أحدا، ونمنع من قدرنا على منعه من الظلم، فإن أرادنا قوم بظلمهم امتنعنا منهم.
стр. 1927
وأتوا قدامة جدّ سوّار بن عبد الله بن قدامة بن عنزة بن نقب العنبري فقالوا: أما ترى ما نحن فيه من الجور؟ فلو خرجنا على هؤلاء القوم فمنعاهم من الظلم، فقال: أنا معكم منكر لما تنكرون، فإذا جرّدتم السيف فلا أنا ولا أنتم.
وقال الحسن البصري لأبي بلال: أخبرني عن رجلين خرجا في أمر فغشيتهما ظلمة، فوقف أحدهما حتّى انجلت الظلمة فمضى، وتقحّم الآخر الظلمة، أيّهما أصوب رأيا؟ قال: أصوبهما عندي أخطأهما عندك.
وبايعوا أبا بلال فخرج من البصرة في ثلاثين، فمرّوا بعبد الله بن رباح الأنصاري وكان على الجسر من قبل عبيد الله بن زياد، فخوفهم السلطان فأبوا الرجوع، وأتوا الأهواز فأصابوا بها مالا يحمل إلى ابن زياد، فأخذ منه أبو بلال ما أعطى أصحابه ولم يعرض لما سوى ذلك، وقال للرسل:
لا بأس عليكم، وبلغ ابن زياد خبرهم فندب لقتالهم أسلم بن زرعة الكلابي في سنة ستّين، وندب الناس معه، وبلغ الخبر أبا بلال فنزل بآسك فيما بين رامهزمز وأرّجان، وكان معه أربعون رجلا منهم عشرة صاروا معه بعد خروجه من البصرة، وكان مع ابن زرعة عبد الله بن رباح الأنصاري، فقيل لأبي بلال: إنّ فيهم صديقك ابن رباح: فقال: الله المستعان، هم أعوان الظلمة، وقال أصحاب ابن زرعة لأصحاب أبي بلال: اتّقوا الله وارجعوا، فقالوا: تردّوننا إلى ابن زياد الفاسق الذي أخذ دية المسلم أربع مرّات؟! والتقى أسلم وأبو بلال فرمى أصحاب ابن زرعة رجلا من الخوارج فقتلوه، فقال أبو بلال: استعينوا بالله واصبروا ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ﴾
стр. 1928
﴿يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ (١) وقد بدا لكم القوم، فشدّ الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد، فهزموهم حتّى قدموا البصرة، فغضب ابن زياد على ابن زرعة وقال: هزمك أربعون رجلا وأنت في ألفين؟! ما عندك خير، فقال ابن أسلم: لأن يذمّني ابن زياد وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يمدحني وأنا ميّت، إنّي لقيت ناسا ليسوا كالناس؛ فكان أسلم بن زرعة إذا مرّ صاح الصبيان: يا أسلم، أبو بلال خلفك، حتّى بعث ابن زياد الشّرط فضربوا من صاح به فكفّوا، فقال عيسى الخطّي:
أألفا مؤمن فيما زعمتم … ويهزمهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم … ولكنّ الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتم … على الفئة الكثيرة ينصرونا (٢)
فوجّه إليهم ابن زياد عبّاد بن أخضر المازني - وأخضر زوج أمّه نسب إليه، وكان خلف عليها بعد أبيه - وهو عبّاد بن علقمة بن عبّاد بن جعفّي بن حزابة بن صعير بن خزاعيّ بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم - فسار عبّاد إليهم في أربعة آلاف، فلقيهم بناحية درأبجرد من فارس في يوم جمعة، فدعا أبا بلال وأصحابه إلى طاعة السلطان، فقال أبو بلال:
أتدعونا إلى طاعة من يسفك الدماء وينتهك المحارم، والرجوع إلى الفاسق ابن زياد الذي يقتل على الظنّة ويأخذ بالشبهة؟! فقاتلهم حتّى دخل وقت العصر، وكان القعقاع بن عطيّة قدم من خراسان يريد الحجّ، فرآهم
стр. 1929
يقتتلون فقاتل معهم، حتّى إذا علم أنّهم خوارج كرّ على الخوارج حينئذ وقال:
غزوتهم وليس عليّ بعث … نشاطا أو أشدّ من النشاط
أكرّ على الحروريّين مهري … لأحملهم على وضح الصّراط
فقتل، قتله كهمس بن طلق التميمي. وقال أبو بلال: انّكم في يوم عظيم، وهذا آخر أوقات العصر، فوادعونا حتّى نصلّي، فأجابهم ابن أخضر وتحاجزوا، فعجّل عبّاد وأصحابه الصلاة - ويقال قطعها والقوم يصلّون صلاتهم - ثمّ شدّ عبّاد وأصحابه فقتلوهم وهم بين قائم وراكع وساجد، ولم ينثن أحد منهم عن حاله التي كان عليها حتّى أتوا عليهم، وأخذ رأس أبي بلال: بشر بن حجل احد بني تيم اللات وجاء به، وقتل مع أبي بلال خبيبة بن همّام النكري من عبد القيس، فقال عمران بن حطّان السّدوسي في قصيدة له أوّلها:
أصبحت من وجل منّي وإيجاس … أشكو كلوم جراح ما لها آسي
يا لهف نفسي لمرداس وصحبته … يا ربّ مرداس الحقني بمرداس (١)
وله شعر كثير، وكان من قعد الخوارج، وكان يبوح برأيه.
وقالت أمّ الجرّاح العدوية:
وما بعد مرداس وعروة بيننا … وبينكم شيء سوى عطر منشم
فلست بناج من يد الله بعد ما … هرقت دماء المسلمين بلا دم (٢)
стр. 1930
وقعد قوم من الخوارج لابن أخضر في يوم جمعة عند مسجد بني كليب بالبصرة، فخرج على بغلة له وابنه ردفه، فظفروا به في موضع يخفى فيه أمره فقتلوه، ومسحوا سيوفهم بفخذه، وحكّموا، ولم يعرضوا لابنه فهرب. وجاء معبد بن علقمة أخو عبّاد فقاتل الخوارج فقتلوا، ولم ينج منهم أحد إلاّ عبيدة بن هلال، فإنّه خرق خصّا وخرج منه فمضى، فلقيه رجل من الشرط يقال له يحيى فتهدّد عبيدة فقال:
قولوا ليحى يستعدّ كتيبة … تجالد عن حوبائه حين يحضر
فعمّا قليل سوف يلقى حمامه … كمثل الذي لاقاه عبّاد فاحذروا
وقال معبد بن علقمة:
ولقد قلت لخيلي والقنا … تمتري الحرب سماما منقعا
انزلوا صبرا إلى أقرانكم … فاصطلوا الموت على الارض معا
انزلوا نظفر بهم في حربنا … أو نمت لم نبد منّا جزعا
وقال الشاعر:
لقد كان قتل ابني سمير خيانة … كما غال ذؤبان العراق ابن أخضرا
ابنا سمير رجلان من بني نهشل.
وقال الرهين في قصيدة له طويلة:
كزيد ومرداس وعمرو وكهمس … وكابن عقيل في الكتيبة عامر
أقاموا بدار الخلد لا يرتجيهم … حميم كما يرجى إياب المسافر
وقال الفرزدق يذكر قتل عبّاد في بني كلب:
لقد طلب الأوتار غير ذميمة … إذا ذمّ طلاّب الترات الأخاضر
أراد لقد طلب الأخاضر غير ذميمة.