← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

فنظر إليها في السوق فعضّ على لحيته وقال: هذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس، ما من ميتة أموتها أحبّ إليّ من ميتة الثبجاء كل منية سوى منية الثبجاء ظنون. ومرّ أبو بلال ببعير قد هنئ فلمّا رأى القطران غشي عليه ثم أفاق ثم تلا ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ (١). وألح ابن زياد في طلب الشراة فملأ منهم السجن، وأخذ الناس بسببهم، وحبس أبا بلال، فكان السجان يأذن له في الانصراف إلى منزله بالليل لما رأى من عبادته. وعزم ابن زياد على قتل من في السجن وأخذ الناس بسببهم لوثوب بعضهم على رجل من الحرس وقتله إيّاه، وكان أبو بلال في منزله، فتنكّر حتّى عاد إلى محبسه وقال: ما كنت لأغدر بصاحبي وقد ائتمني؛ وأصبح ابن زياد فدعا بالخوارج فقتل بعضهم وكلّم في بعض. وكان مرداس ممّن كلّم فيه فصفح عنه وخلّى سبيله. وألحّ ابن زياد في طلب الخوارج بعد ذلك وأخافهم، فعزم أبو بلال على الخروج، ودعا قومه فأجابوه وقال في قصيدة له: وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا … على ظلم أهل الحقّ بالغدر والكفر وفيك إلهي إن أردت مغيّر … لكلّ الذي يأتي إلينا بنو صخر وقال لأصحابه: إنّ الإقامة على الرضى [بما يرى] لذنب، وإنّ تجريد السيف وقتل الناس لعظيم، ولكنّا نخرج من بين أظهرهم ولا نهيج أحدا، ونمنع من قدرنا على منعه من الظلم، فإن أرادنا قوم بظلمهم امتنعنا منهم.

стр. 1927

وأتوا قدامة جدّ سوّار بن عبد الله بن قدامة بن عنزة بن نقب العنبري فقالوا: أما ترى ما نحن فيه من الجور؟ فلو خرجنا على هؤلاء القوم فمنعاهم من الظلم، فقال: أنا معكم منكر لما تنكرون، فإذا جرّدتم السيف فلا أنا ولا أنتم. وقال الحسن البصري لأبي بلال: أخبرني عن رجلين خرجا في أمر فغشيتهما ظلمة، فوقف أحدهما حتّى انجلت الظلمة فمضى، وتقحّم الآخر الظلمة، أيّهما أصوب رأيا؟ قال: أصوبهما عندي أخطأهما عندك. وبايعوا أبا بلال فخرج من البصرة في ثلاثين، فمرّوا بعبد الله بن رباح الأنصاري وكان على الجسر من قبل عبيد الله بن زياد، فخوفهم السلطان فأبوا الرجوع، وأتوا الأهواز فأصابوا بها مالا يحمل إلى ابن زياد، فأخذ منه أبو بلال ما أعطى أصحابه ولم يعرض لما سوى ذلك، وقال للرسل: لا بأس عليكم، وبلغ ابن زياد خبرهم فندب لقتالهم أسلم بن زرعة الكلابي في سنة ستّين، وندب الناس معه، وبلغ الخبر أبا بلال فنزل بآسك فيما بين رامهزمز وأرّجان، وكان معه أربعون رجلا منهم عشرة صاروا معه بعد خروجه من البصرة، وكان مع ابن زرعة عبد الله بن رباح الأنصاري، فقيل لأبي بلال: إنّ فيهم صديقك ابن رباح: فقال: الله المستعان، هم أعوان الظلمة، وقال أصحاب ابن زرعة لأصحاب أبي بلال: اتّقوا الله وارجعوا، فقالوا: تردّوننا إلى ابن زياد الفاسق الذي أخذ دية المسلم أربع مرّات؟! والتقى أسلم وأبو بلال فرمى أصحاب ابن زرعة رجلا من الخوارج فقتلوه، فقال أبو بلال: استعينوا بالله واصبروا ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ﴾

стр. 1928

﴿يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ (١) وقد بدا لكم القوم، فشدّ الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد، فهزموهم حتّى قدموا البصرة، فغضب ابن زياد على ابن زرعة وقال: هزمك أربعون رجلا وأنت في ألفين؟! ما عندك خير، فقال ابن أسلم: لأن يذمّني ابن زياد وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يمدحني وأنا ميّت، إنّي لقيت ناسا ليسوا كالناس؛ فكان أسلم بن زرعة إذا مرّ صاح الصبيان: يا أسلم، أبو بلال خلفك، حتّى بعث ابن زياد الشّرط فضربوا من صاح به فكفّوا، فقال عيسى الخطّي: أألفا مؤمن فيما زعمتم … ويهزمهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم … ولكنّ الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة قد علمتم … على الفئة الكثيرة ينصرونا (٢) فوجّه إليهم ابن زياد عبّاد بن أخضر المازني - وأخضر زوج أمّه نسب إليه، وكان خلف عليها بعد أبيه - وهو عبّاد بن علقمة بن عبّاد بن جعفّي بن حزابة بن صعير بن خزاعيّ بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم - فسار عبّاد إليهم في أربعة آلاف، فلقيهم بناحية درأبجرد من فارس في يوم جمعة، فدعا أبا بلال وأصحابه إلى طاعة السلطان، فقال أبو بلال: أتدعونا إلى طاعة من يسفك الدماء وينتهك المحارم، والرجوع إلى الفاسق ابن زياد الذي يقتل على الظنّة ويأخذ بالشبهة؟! فقاتلهم حتّى دخل وقت العصر، وكان القعقاع بن عطيّة قدم من خراسان يريد الحجّ، فرآهم

стр. 1929

يقتتلون فقاتل معهم، حتّى إذا علم أنّهم خوارج كرّ على الخوارج حينئذ وقال: غزوتهم وليس عليّ بعث … نشاطا أو أشدّ من النشاط أكرّ على الحروريّين مهري … لأحملهم على وضح الصّراط فقتل، قتله كهمس بن طلق التميمي. وقال أبو بلال: انّكم في يوم عظيم، وهذا آخر أوقات العصر، فوادعونا حتّى نصلّي، فأجابهم ابن أخضر وتحاجزوا، فعجّل عبّاد وأصحابه الصلاة - ويقال قطعها والقوم يصلّون صلاتهم - ثمّ شدّ عبّاد وأصحابه فقتلوهم وهم بين قائم وراكع وساجد، ولم ينثن أحد منهم عن حاله التي كان عليها حتّى أتوا عليهم، وأخذ رأس أبي بلال: بشر بن حجل احد بني تيم اللات وجاء به، وقتل مع أبي بلال خبيبة بن همّام النكري من عبد القيس، فقال عمران بن حطّان السّدوسي في قصيدة له أوّلها: أصبحت من وجل منّي وإيجاس … أشكو كلوم جراح ما لها آسي يا لهف نفسي لمرداس وصحبته … يا ربّ مرداس الحقني بمرداس (١) وله شعر كثير، وكان من قعد الخوارج، وكان يبوح برأيه. وقالت أمّ الجرّاح العدوية: وما بعد مرداس وعروة بيننا … وبينكم شيء سوى عطر منشم فلست بناج من يد الله بعد ما … هرقت دماء المسلمين بلا دم (٢)

стр. 1930

وقعد قوم من الخوارج لابن أخضر في يوم جمعة عند مسجد بني كليب بالبصرة، فخرج على بغلة له وابنه ردفه، فظفروا به في موضع يخفى فيه أمره فقتلوه، ومسحوا سيوفهم بفخذه، وحكّموا، ولم يعرضوا لابنه فهرب. وجاء معبد بن علقمة أخو عبّاد فقاتل الخوارج فقتلوا، ولم ينج منهم أحد إلاّ عبيدة بن هلال، فإنّه خرق خصّا وخرج منه فمضى، فلقيه رجل من الشرط يقال له يحيى فتهدّد عبيدة فقال: قولوا ليحى يستعدّ كتيبة … تجالد عن حوبائه حين يحضر فعمّا قليل سوف يلقى حمامه … كمثل الذي لاقاه عبّاد فاحذروا وقال معبد بن علقمة: ولقد قلت لخيلي والقنا … تمتري الحرب سماما منقعا انزلوا صبرا إلى أقرانكم … فاصطلوا الموت على الارض معا انزلوا نظفر بهم في حربنا … أو نمت لم نبد منّا جزعا وقال الشاعر: لقد كان قتل ابني سمير خيانة … كما غال ذؤبان العراق ابن أخضرا ابنا سمير رجلان من بني نهشل. وقال الرهين في قصيدة له طويلة: كزيد ومرداس وعمرو وكهمس … وكابن عقيل في الكتيبة عامر أقاموا بدار الخلد لا يرتجيهم … حميم كما يرجى إياب المسافر وقال الفرزدق يذكر قتل عبّاد في بني كلب: لقد طلب الأوتار غير ذميمة … إذا ذمّ طلاّب الترات الأخاضر أراد لقد طلب الأخاضر غير ذميمة.

стр. 1931

هم جرّدوا الأسياف يوم أخيضر … فنالوا التي ما فوقها نال ثائر وخاست كليب يوم مات ابن أخضر … وقد شرعت فيه الرماح الشواجر هم شهدوه عاتمين بنصرهم … ونصر المليم عاتم غير حاضر فما لكليب في المكارم أوّل … وما لكليب في المكارم آخر (١) وقالت امرأة من بني سليط في أبيات: سقى الله مرداسا وأصحابه الألي … شروا معه غيثا كثير الزماجر فكلّهم قد جاد لله مخلصا … بمهجته عند التقاء العساكر (٢) وحدثني أبو خيثمة زهير بن حرب عن وهب بن جرير حدثنا غسّان بن مضر عن سعيد بن يزيد قال: خرج أبو بلال بالبصرة في أربعين فأتوا بعض كور الأهواز فلم يقاتلوا إلاّ من قاتلهم ولم يجّبوا مالا. وقال كعب بن عمير السمني: شرى ابن حدير نفسه الله فاحتوى … جنانا من الفردوس جمّا نعيمها وأسعده قوم كأنّ وجوههم … نجوم دجنّات تجلّت غيومها مضوا بسيوف الهند قدما وبالقنا … على مقربات باديات سهومها (٣) في أبيات.

стр. 1932

أمر زياد ودعوته: قالوا: كان من خبر زياد - ويكنى أبا المغيرة - أنّ سميّة أمّه كانت لرجل من بني يشكر ينزل بناحية كسكر (١). فأصاب اليشكريّ وجع شديد أعيا من حوله من الأطبّاء، فبلغه مكان الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزّى بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي بالطائف، فحجّ ثمّ أتاه، فعالجه حتّى برئ، فوهب له سميّة فوقع الحارث عليها فولدت على فراشه نافع بن الحارث، ثمّ ولدت له نفيعا وهو أبو بكرة، فأنكره الحارث ونسبه إلى غلام له يقال له مسروح، وكان أشبه الناس بمسروح، فكان أبو بكرة يقول: أنا نفيع بن مسروح، وقيل للحارث: إنّ جاريتك فاجرة لا تدفع كفّ لامس، فزوّجها الحارث من عبد لامرأته صفيّة بنت عبيد بن أسيد بن علاج الثقفي، روميّ يقال له

стр. 1933

عبيد، كان ساقه في مهرها، فولدت له زيادا على فراشه، وتزوّج عتبة بن غزوان أحد بني مازن بن منصور أزدة بنت الحارث بن كلدة، فلمّا ولاّه عمر بن الخطّاب البصرة قدمها ومعه نافع بن الحارث بن كلدة، ونفيع أبو بكرة، وزياد، وهو يومئذ ينسب إلى عبيد فيقال له زياد بن عبيد، وكان له فهم وذكاء وفطنة، ولم يكن مع عتبة بن غزوان من يكتب ويحسب كتاب زياد وحسابه، فلمّا فتح الله على المسلمين ما فتح على يد عتبة ولاّه قسمة الغنائم، وأمره فكتب له كتابا إلى عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه بالفتح، ثمّ ولّى عمر المغيرة بن شعبة البصرة بعد عتبة بن غزوان، فكان زياد كاتبه، ثمّ لم يزل في علوّ يدبّر أمر كلّ عامل يكون على البصرة ويكتب له، فلمّا ولي أبو موسى البصرة استكتبه، ثمّ خرج غازيا فاستخلفه على البصرة، فبلغ ذلك عمر فكتب إلى أبي موسى: بلغني أنّك استخلفت على البصرة غلاما حديث السنّ ليس له قدم ولا هجرة ولا تجربة، فإذا أتاك كتابي فأشخصه إليّ، فلمّا قرأ أبو موسى الكتاب بعث بزياد إليه، فكلّمه عمر وسأله فردّ عليه ردّ فهم عاقل، فقال له عمر: أتخبر الناس بما أخبرتني؟ فقال: إذا أخبرتك أنت فالناس عليّ أهون، فخرج عمر آخذا بيده وهو يقول: هذا ممّن يرفع الله به خسيسة أهله، فقال زياد: أيّها الناس أنفقنا في عام كذا كذا وبقي كذا، وفي عام كذا كذا وبقي كذا، فتعجّب الناس من حفظه وعقله؛ ثمّ أمر له عمر بألف درهم، فاستأذن على عمر في بعض الأيّام فبعث إليه: انتظر أخرج إليك، فغلبته عينه فنام وعليه خفّان جديدان، فلمّا رآه عمر علاه بالدرّة، فلمّا انتبه قال: إنّما أخذته بدرهم واحد، فقال عمر: فلا بأس إذا، وعجب من فطنته، فأمره عمر أن يكتب

стр. 1934

في بعض الأمر فكتب كتابا بليغا فقال: غيّره، فكتب في ذلك المعنى كتابا آخر، فقال غيّره، فكتب كتابا ثالثا ورابعا، فعجب عمر من سعة معرفته وتصرّفه في بلاغته، ثمّ ردّه إلى البصرة فاشترى بالألف أباه عبيدا فعتق، فلمّا كان من قابل وفد على عمر فسأله عن الألف، فقال: ابتعت بها عبيدا أبي من صفيّة بنت [عبيد بن] أسيد بن علاج، فقال له: نعم الألف كان ألفك. ثمّ لمّا قدم علي بن أبي طالب البصرة فأخذها، فاستعمل عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، استكتب ابن عبّاس زيادا، ثمّ ولاّه فارس، فسأل زياد عن أمثل سيرة الفرس، فقيل له سيرة أنوشروان كسرى بن قباذ، كان يضع عن أهل فارس من خراج كلّ عشر سنين خراج سنة، ففعل زياد مثل ذلك حتّى عمرت فارس عمارة لم يعمر مثلها قطّ. واستخلف ابن عبّاس حين غاضب عليّا وشخص إلى مكّة زيادا، فكتب معاوية إلى زياد يتوعّده ويتهدّده، فخطب الناس فقال: أيّها الناس كتب إليّ ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق وبقيّة الأحزاب يتوعدّني، وبيني وبينه ابن عمّ رسول الله في سبعين ألفا، قبائع سيوفهم عند أذقانهم، لا يلتفت أحد منهم حتّى يموت، أما والله لئن وصل هذا الأمر إليه ليجدنّي ضرّابا بالسيف، فلمّا قتل عليّ وصالح الحسن معاوية رضي الله تعالى عنهم، واستقام الناس له، تحصّن زياد في قلعة بفارس هي تدعى قلعة زياد. وبعث معاوية بسر بن أبي أرطاة إلى البصرة، وأمره بقتل من خالفه، وكان هواه مع عليّ، فلمّا قدم بسر البصرة أخذ بني زياد وهم: عبيد الله، وسلم، وعبد الرحمن، والمغيرة و [أبو] حرب، وكانوا غلمانا، فقال:

стр. 1935

لأقتلنّكم أو ليأتيني زياد، فشخص أبو بكرة إلى معاوية فكلّمه في تخلية أولاد زياد وقال: أحداث ولا ذنب لهم، فكتب إلى بسر بتخلية سبيلهم، وكتب لزياد أمانا، ويقال انّ أبا بكرة طلب إلى بسر أن يؤجّله أياما سمّاها ليأتي معاوية فيكلّمه في بني زياد، فأجابه إلى ذلك، فلمّا كان آخر يوم من الأجل وقد طلعت الشمس أخرج بني زياد ليقتلهم، فبينا هو ينظر غروب الشمس إذ أقبل أبو بكرة وأعين الناس طامحة ينتظرون قدومه، وهو على دابّة له قد جهدها، حتّى أعطى بسرا الكتاب من معاوية بالكفّ عنهم، فكبّر الناس. وقال بعضهم: كان مقام بسر بالبصرة ستّة أشهر. وكان المغيرة بن شعبة صديقا لزياد لكتابته له، ولأنه لمّا وجد مع المرأة فشهد عليه الشهود كان زياد رابعهم، فلمّا نظر إليه عمر قال: أرى رجلا لا يفضح الله - أو لا يخزي - به رجلا من أصحاب محمّد، فأحجم عن قطع الشهادة حتّى درأ عمر الحدّ عن المغيرة، فدخل المغيرة على معاوية فقال معاوية حين رآه: إنّما موضع سرّ المرء إن … باح بالسرّ أخوه المنتصح فإذا بحت بسرّ فإلى … ناصح يستره أو لا تبح فقال له المغيرة: يا أمير المؤمنين إن تستودعني سرّك تستودعه ناصحا شفيقا ووعاء وثيقا، فقال معاوية: شر الوطاء العجز، أترضى أن يكون زياد وهو داهية العرب وقريع ذوي الرأي والحزم بمكانه؟ ما يؤمّنني أن يبايع لبعض أهل هذا البيت فيعيدها جذعة، والله لقد بتّ ليلتي ساهرا لذكري زيادا واعتصامه بقلعة بأرض فارس، قال المغيرة: فأذن لي في إتيانه آتك به، قال: نعم فمضى جوادا حتّى قدم على زياد، فلمّا رآه قال: أفلح

стр. 1936

رائد، قال: إليك ينتهي الخبر يا أبا المغيرة، انّ الوجل منك قد استخفّ معاوية حتّى بعثني إليك، وقد بايعه الحسن واجتمع عليه الناس، قال: فأشر عليّ فإنّ المستشار مؤتمن، وارم الغرض الأقصى، قال المغيرة: إنّ في محض الرأي بشاعة ولا خير في التمذيق، أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه، قال: أرى ويقضي الله؛ وانصرف المغيرة، ومضى زياد بعد يوم أو يومين من مضيّ المغيرة فسار حتّى صار إلى معاوية، فسأله معاوية عن المال فضمن له أن يحمل إليه الفي ألف درهم، فرضي بذلك. وقال الهيثم بن عديّ: قال المغيرة لمعاوية، ومعاوية بالكوفة: أترضى بأن يكون زياد وهو في دهائه ورأيه متحصّنا في قلعة بفارس؟ قال: فما ترى؟ قال: أرى أن أشخص إليه فآتيك به، قال: افعل. قالوا: وشخص زياد إلى العراق لحمل الألفي ألف إلى معاوية، فلقيه مصقلة بن هبيرة الشيباني فقال له: أين تريد يا أبا الفضيل؟ قال: معاوية، قال: فلك عشرة آلاف درهم معجّلة ومثلها مؤجّلة إن ألقيت إليه ما أقول لك، إذا لقيته فقل له: يا أمير المؤمنين كان زياد عندك وقد أكل العراق برّه وبحره، فخدعك حتّى رضيت منه بألفي ألف درهم، ما أرى ما تقول الناس من أن زيادا ابن أبي سفيان إلاّ حقا، فضمن له ذلك، فلمّا لقي معاوية ألقي إليه ما قال له زياد، قال: أو قالوها؟ قال: نعم، فبعث معاوية إلى زياد فقدم عليه فادّعاه؛ وقال معاوية للمغيرة: يا أبا عبد الله سبقك زياد إليّ وقد خرجت قبله، فقال: يا أمير المؤمنين انّ الأريب إذا كتم الأريب شامه خذ حذرك واطو عنّي شرّك، إن زيادا قدم يرجو الزيادة وقدمت أتخوّف النقصان، فكان سيرنا على حسب ذلك.

стр. 1937

قالوا: فلمّا قدم زياد على معاوية في مرّته الثانية صعد المنبر، وأمر زيادا فصعد معه، فحمد معاوية الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنّي قد عرفت شبهنا أهل البيت في زياد، فمن كانت عنده شهادة فليقمها، فقام الناس فشهدوا أنّه ابن أبي سفيان، أقرّ به قبل موته ثمّ مات. وقام أبو مريم السلولي - وكان خمّارا في الجاهليّة - فقال: أشهد أنّ أبا سفيان قدم علينا يا أمير المؤمنين الطائف، فأتاني فاشتريت له لحما وأتيته بخمر وطعام، فلمّا أكل قال: يا أبا مريم أصب لي بغيّا، فخرجت فأتيته بسميّة وقلت لها: انّ أبا سفيان من قد عرفت شرفه وحاله، وقد أمرني أن أصيب له عرسا فقالت: يجيء عبيد زوجي من غنمه. فإذا تعشّى ووضع رأسه أتيته، فلم تلبث أن جاءت تجرّ ذيلها فدخلت معه، فلم تزل معه حتّى أصبحت، فقلت له: كيف رأيتها؟ قال: خير صاحبة لولا ذفر إبطيها ونتن رفغيها (١)، فقال زياد من فوق المنبر: مه يا أبا مريم، لا تشتم أمّهات الرجال فتشتم أمّك. ثمّ جلس أبو مريم. وقام آخر فقال: أشهد أنّ عمر بن الخطّاب أخذ بيد زياد فأخرجه يوم أخرجه إلى الناس، فقال رجل ممّن كان حاضرا: لله أبوه من رجل لو كان له عنصر. فقال أبو سفيان وهو إلى جانبي: أنا والله وضعته في رحم أمّه سميّة وما له أب غيري. وقال هشام بن الكلبي: قال معاوية لأبي البيضاء النهدي، وزياد حاضر: ما عندك في أمر زياد؟ قال: شهدت أبا سفيان واقعها في

стр. 1938

الجاهليّة، ورجع وذكره يقطر، وهو يقول: لعنها الله فما أنتنها! فقال زياد: أدّ شهادتك ولا تفحش، فإنّما دعيت شاهدا ولم تدع شاتما. قالوا: فلمّا تكلّم معاوية على المنبر، تكلّم زياد فقال: أيّها الناس إنّ أمير المؤمنين والشهود قد قالوا ما سمعتم، ولست أدري ما حقّ هذا من باطله، وهو وهم أعلم، وإنّما عبيد أب مبرور ووال مشكور، ثمّ نزل. وقد كان معاوية بعث إلى سعيد بن عبيد أخي صفية بنت عبيد، فأرضاه حتّى أقرّ ورضي بما صنع معاوية، وأبى يونس ابنه أن يرضى، وطلب الدخول على معاوية فلم يصل إليه، فلمّا كان يوم الجمعة ومعاوية يخطب على المنبر، أقبل يونس بن سعيد حتّى قام بين يديه فقال: يا معاوية قضى رسول الله ﷺ بأنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، وإنّك قضيت بالولد للعاهر وجعلت للفراش الحجر، فاتّق الله فو الله لئن كان زياد ابن أبي سفيان إنّه لعبدي ومولاي أعتقته عمّتي، فقال معاوية: والله لتكفّنّ يا يونس أو لأطيرنّ نعرتك (١) -ويقال أنّه قال له: والله لتكفّنّ يا يونس أو لأطيرنّ بك طيرة بطيئا وقوعها - فقال يونس بن سعيد: أو ليس المرجع بي وبك بعد إلى الله؟ وقال الشاعر: وقائلة إمّا هلكت وقائل … قضى ما عليه يونس بن سعيد قضى ما عليه ثمّ ودّع ماجدا … وكلّ فتى سمح الخليقة مودي وقال ابن الكلبي، قال يونس بن سعيد العلاجي: ردّ عليّ ولاء عمّتي من زياد، فقال: أتركت شرب ما في الدنان؟ قال: نعم، وترك أبي الزّنا في الجاهلية.

стр. 1939

حدثني المدائني قال: أسلم زياد بالطائف وهو ابن خمس سنين في كتّاب جبير بن حية الثقفي، فحفظ له زياد ذلك وولاه اصبهان، وكان يكنى أبا فرتنا. وزعم أبو اليقظان عن آل زياد أنّ زيادا لأبي سفيان، وأمّه أسماء بنت الأعور من بني تميم ثمّ من بني عبشمش، وذلك باطل. قالوا: ووقع بين زياد وأبي الأسود حين ولّى ابن عبّاس أبا الأسود الصلاة وولّى زيادا الخراج تدارؤا فقال أبو الأسود: رأيت زيادا باديا لي شرّه … وأعرض عنه وهو باد مقاتله وكنت امرءا بالدهر والناس عالما … له عادة قامت عليها شمائله تعوّدها فيما مضى من شبابه … كذلك يدعو كلّ أمر اوائله ويعجبه صفحي له وتحمّلي … وذو الجهل يجزي الفحش من لا يعاجله (١) في أبيات؛ وقال أيضا: نبّئت أنّ زيادا ظلّ يشتمني … والقول يكتب عند الله والعمل وقد لقيت زيادا ثمّ قلت له … وقبل ذلك ما جاءت به الرسل حتّام تشتمني في كلّ مجتمع … حتّى إذا ما التقينا ظلت تنتقل (٢) وقال أبو الأسود الدؤلي أيضا: ألا أبلغا عنّي زيادا رسالة … تخبّ إليه حيث كان من الأرض فما لك تلقاني إذا ما لقيتني … وتصرف عنّي طرف عينك كالمغضي (٣)

стр. 1940

أمر زياد بعد الدعوة: قالوا: وولّى معاوية زيادا البصرة، فلمّا قدمها كان بينه وبين أقوام عداوة صعد المنبر فقال: الحمد لله الذي رفع منّي ما وضع الناس، وعظّم ما صغّروا، ألا وإنّه قد كان بيني وبين أقوام منكم أشياء قد جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، ألا إنّ القدرة تذهب الحفيظة، ألا وإني لو اطّلعت على بعضكم وقد ورّاه بغضي لما هتكت له سترا ولا كشفت له قناعا حتّى يبدي صفحته، فإذا فعل لم أناظره، فأعينوني على أنفسكم يرحمكم الله، ألا وربّ مغتبط بقدومنا سييأس ممّا قبلنا، وآيس ممّا قبلنا سيغتبط بنا، ثم نزل، فلمّا كان الغد من يومه دعا رجلا من الشرط فقال له: انطلق إلى سنان بن مشنوء المزني فادعه، فانطلق إليه فوجده متصبّحا (١)، فرجع إلى زياد فأعلمه، فقال: انطلق إلى ابن أبي الحرّ فادعه فإنّك ستجده متحزّما، وكان بينهما شيء، فانطلق فوجده في داره متحزّما، بين يديه رواحل تعلف، فقال: أجب الأمير، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ما لي وللأمير، ثمّ ذكر قوله على المنبر فانطلق مع الرسول، فاستعمله على دستميسان (٢) فمكث عليها حينا. المدائني قال: جاء قوم من أهل ميسان أو دستميسان فقالوا: البصرة من أرضنا، فحطّ عنّا من خراجنا بقدر ما في أيدي العرب، فدعا بني الشعيراء، وكانوا أشعب أهل البصرة فأخبرهم بقولهم، فشتموهم وضربوهم حتّى تركوا خصومتهم وهربوا.

стр. 1941

قالوا: وسمع زياد حين قدم البصرة تكبيرا في بعض الليالي، فقال: ما هذا؟ قيل هذه دار عبيد بن عمير تحرس لأنّ الناس من البيات والسّرق في أمر عظيم، وإن المرأة لتستغيث فما يغيثها أحد، فقال زياد: ما كلّ الناس يقدر على ما يقدر عليه عبيد، ما قدومي ها هنا إلا باطل، فلمّا أصبح جمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس أنّه بلغني ما لا صبر عليه، إني قد أجّلتكم في أن يبلغ شاهدكم غائبكم ثلاثا، إنّا إن وجدنا أحدا بعد صلاة العتمة ضربنا عنقه، ثمّ نزل. وجعلوا يتحدثون بقوله فيهزأوون، فلمّا مضى الأجل دعا عبّاد بن الحصين الحبطي، وكان قد ولاه شرطه، فأمره فطاف فلم يجد أحدا بعد العتمة الا ضرب عنقه، فأصبح في الرحبة خمسمائة رأس، وفعل ذلك ليالي متوالية، فجعل الناس إذا سلّم الإمام في العتمة نهض الرجل من خلفه مبادرا فرّبما ترك نعليه من العجلة، ثمّ نادى مناديه: برئت الذمّة من رجل أغلق بابه، ومن ذهب له شيء فأنا له ضامن، ففتح الناس أبوابهم لا يخافون سرقا. قال هشام بن الكلبي: وبعث زياد بقطيفة ديباج منسوجة بذهب فألقيت بالخريبة (١)، فمكثت ليالي وأياما ما يمسّها أحد، فبعث إليها بعد فأتي بها. قال: وقدم أعرابيّ ذات ليلة بغنم له يريد بيعها، فلمّا استوحش من الجبّانة دخل البيوت، فأخذه عبّاد بن الحصين فقال: ويحك أما علمت بنداء

стр. 1942

الأمير؟ قال: لا والله، فرحمه عبّاد. فلمّا أصبح دفعه إلى زياد فسأله عن قصّته فأخبره، فقال: لا أراك إلا صادقا ولكن أكره أن أكذب نفسي في وعدي ووعيدي، اضربوا عنقه. فقتل. قال هشام بن الكلبي: وأتي زياد بنباشين فأمر بهم فدفنوا أحياء، وأتي برجل غرّق زرعا فغرّقه في الماء، وأمر برجل أحرق دارا فأحرق بالنار. قالوا: ونبش قبر فقال زياد لنافع بن الحارث: اخرج فانظر قبرا دفن صاحبه اليوم فكن قريبا منه، فإنّك ستجد الذي نبش القبر ينبشه، ففعل، وجاء النبّاش على ما ظنّ زياد، فأخذه بعد أن رماه رمية أثخنته، فأمر زياد بدفنه في القبر. وقال ابن الكلبي: قدم زياد وهو يريد البصرة، فلمّا صار ببعض الطريق أتاه موت المغيرة بن شعبة بالكوفة، فخاف أن يستعمل ابن عامر على الكوفة وقال: إن وليها لم آمن أن يضرّنا جواره ويلجأ أهل خراجنا إليه، فكتب إلى معاوية: كتبت إليك وقد مات المغيرة وترك بحمد الله ونعمته من عروة بن المغيرة خلفا صالحا عفيفا أمينا مسلما طيّبا، وأرى أن يولّيه أمير المؤمنين عمل والده فيصطنعه ويرعى حقّ والده فيه، فإنّي أرجو أن يعرف في ذلك الخيرة إن شاء الله، فلمّا قرأ معاوية الكتاب ضحك وعرف ما أراد، فكتب إليه: ليفرخ روعك يا أبا المغيرة، لست بمولّ عبد الله بن عامر؛ وبعث إليه بعهده على الكوفة، فجمع له المصرين وأعمالهما، فكان أوّل من ضمّا إليه. وقال ابن الكلبي: قدم زياد الكوفة حين أتته ولايتها وهو بالبصرة، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ هذا الأمر أتاني وأنا بالبصرة، فأردت أن

стр. 1943

آتيكم في ألف من الشرط ثمّ نظرت فوجدتكم أهل حق، ووجدت حقكم طال ما دمغ الباطل، فجئتكم في أهل بيتي، فالحمد لله الذي رفع منّي ما وضع الناس وحفظ ما ضيعوا. المدائني أنّ جماعة قال بعضهم لبعض: أزياد أفضل أم عبيد الله؟ فقال: شيخ منهم: إنّ لم يولّد لعبيد الله ابن مثله فزياد أفضل من عبيد الله. وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود العجلي حدثنا أبو بكر بن عيّاش حدثنا أبو حصين قال: لمّا استعمل معاوية زيادا، حين هلك المغيرة، على الكوفة جاء حتى دخل المسجد فصلّى ركعتين ثمّ خطب فقال: الحمد لله الذي رفع مني ما وضع الناس وحفظ منّي ما ضيّعوا، أيها الناس إنّا قد سسنا وساسنا السائسون، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة في غير عنف، واللين في غير ضعف، ألا فلا أفتحنّ بابا فتغلقوه، ولا أغلق بابا فتفتحوه، ولا أعقد عقدة فتحلّوها، ولا أحلّها فتعقدوها، ألا وإني لا أعدكم خيرا ولا شرا إلا وفيت به، فمتى وجدتم علي خلفا أو كذبا فلا طاعة لي عليكم، وأيّ رجل مكتبه بعيد فأجله سنتان ثمّ هو أمير نفسه، وأيّ رجل مكتبه قريب فأجله سنة ثمّ هو أمير نفسه، وأيّ عقال ذهب فيما بين مقامي هذا وخراسان فأنا له ضامن؛ إنّا لكم قادة وعنكم ذادة، ومهما قصّرت فيه فلن أقصّر في ثلاث: لن أحبس لكم عطاء، ولا أحرمكم رزقا، ولا أجمّر لكم جيشا، فاستوجبوا عدلنا بطاعتكم إيانا، وسخاءنا بسخاء أنفسكم لنا، وأدعوا الله لأئمّتكم بالعافية فإنّهم حصنكم الذي تستجنّون (١) وكهفكم الذي إليه تلجأوون.

стр. 1944

المدائني قال: استأذن عوف بن القعقاع على زياد، وكانت عنده أخته عمرة بنت القعقاع، فأغلظ له الحاجب فضربه بقضيب كان معه فأدماه، فدخل على زياد فقال: من ضربك؟ فقال: رجل بالباب لا أعرفه، فقال زياد للاحنف: أقدم عوف؟ قال: نعم، فهو صاحبه، أدخله، فلمّا دخل قال له: يا عوف إنّ خدمي لا يستذلّون ولو كنت تقدّمت إليك لقطعت يدك. المدائني عن أبي هلال الراسبي قال: استعمل زياد أمير بن أحمر على سابور، فكتب إليه أن يقتل دهقانا هناك فلم يفعل، فاستعمل غيره فقتل الدهقان. المدائني عن مسلمة قال: استعمل زياد أميّة بن عبد الله بن خالد على الآبلّة، واستعمل مسروق بن الأجدع على السلسلة، فهنأه رجل فقال: وقاك الله خشية الفقر، وطول الأمل. العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش قال: قال أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد لأبيه: قد أردت التزويج وما عندك مال، وما أظنّني إلا سآتي زيادا فأخطب إليه، فقال: يا بني والله ما أحبّ أن تخلط سمنك بإهالته، قال: فرحل إليه فلقيه بالبصرة، فسأله عن سبب قدومه فقال له: قدمت إليك لتزوجني وتصلني، فقال: نعم ونعمة عين، فزوّجه آمنة بنت زياد، ثمّ قال لمهران مولاه وكاتبه على الخراج: اطلب له كورة ترتفع عن عمق السواد وتتنحّى عن حزونة الجبال وبردها، فقال: السوس، فولاه إيّاها، قال أميّة: فو الله ما كنت أفترش إلا الخزّ ولا أشرب إلا السكّر، ولقد عزلت عنها وما أظنّ أحدا من الخلق يلبس إلا الخزّ ولا يشرب إلا السكّر. ولمّا قدم على زياد أمر

стр. 1945

بمحاسبته، فرآه أبوه فقال لزياد: أيّها الأمير أتحاسب أميّة؟ فقال: نعم يا أبا أميّة، إنّا نريد أن نصلح له حسابه خوفا من التبعة عليه، قال: فنعم إذا. وقال المدائني، قال زياد لأميّة: انّك تحب النعمة، وبالسوس خزّ وسكّر، فولاه إيّاها فأصاب خمسمائة ألف درهم، فأخذ منه زياد نصفها وسوّغه النصف. المدائني قال: أرسل زياد إلى قوم كانوا يصيبون الطريق فيهم مالك بن الريب فضمّن كلّ رجل منهم ما يليه، فقال الشاعر يذكر مالكا وأصحابه: الله نجّانا من القصيم … ومن أبي حردبة الأثيم ومن غويث فاتح العكوم … ومالك وسيفه المسموم قالوا: وأراد زياد الحجّ، فأتاه أبو بكرة - وهو لا يكلّمه مذ ترك زياد الشهادة على المغيرة بن شعبة وعرّضه لأن حدّ - فدخل عليه، وأخذ ابنه فأجلسه في حجره ليخاطبه ويسمع أباه زيادا فقال: انّ أباك هذا أحمق قد فجر في الإسلام ثلاث فجرات: أولاهنّ كتمانه الشهادة على المغيرة، والله يعلم أنّه قد رأى ما رأينا، والثانية في انتفائه من عبيد وادعائه إلى أبي سفيان، وأقسم أنّ أبا سفيان لم ير سميّة قطّ، والثالثة أنّه يريد الحجّ وأمّ حبيبة زوج رسول الله ﷺ هناك، وإن اذنت الأخت لأخيها فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله ﷺ ، وإن هي حجبته فاعظم بها عليه حجّة، فقال زياد: ما تدع النصح لأخيك على حال، وترك الحجّ في تلك السنة، وماتت أمّ حبيبة في سنة أربع وأربعين. حدّثني روح بن عبد المؤمن حدثني عمّي أبو هشام عن المبارك بن فضالة عن الحسن البصري قال: ذكر الحسن زيادا فقال: ما كان أجرأه على

стр. 1946

الله، سمعته يقول لآخذنّ الجار بالجار، والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (١) وكنت تراه فترى جمالا: يكسر عينيه ويثني عطفه معرضا عمّا خلق له، قتل حجرا وملأ الأرض شرّا. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد: يعجبني من الرجل إذا سيم خطّة ضيم أن يقول: «لا» بملء فيه، وإذا أتى مجلس قوم أن يعرف قدره فيجلس مجلسه، وإذا ركب دابّة أن يحملها على ما يريد ولا تحمله على ما تريد، وقلّ من رأيته هكذا إلا وجدته مبرّزا. قال: وقال زياد: جنّبوني عدوّين لا يقاتلان الشتاء وبطون الأودية. وكان يقول: لم يعجبني فتح أتى على غير تقدير. وقال زياد لعمّاله: استعملوا عمّال المعذرة ومن يزنّ بصلاح، وإيّاكم ومن يحترس منه. وكان بالبصرة حين قدمها زياد سبعمائة ماخور فهدمها، وركب إلى ماخور كان في بني قيس بن ثعلبة فتولّى هدمه، وكان لا يقبل شهادة بني قيس بن ثعلبة بالعشيّ ولا يعدي عليهم. وقال المدائني: أهدي لزياد حمار وحش فقال له فيل مولاه: قد بعث إلينا بهمار وهش، قال: اسكت قبحك الله فما أدري ما تقول، قال: أهدي إلينا أير - يعني عيرا - فقال: الأوّل أمثل. قال: ووفد زياد إلى معاوية وعنده عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فنظر إليه، وسلّم عبد الله عليه فلم يردّ السّلام، فقال له: يا أبا المغيرة

стр. 1947

ما هذه الهجرة؟ فقال: إنّه ليس بيننا بحمد الله هجرة، ولكنّه مجلس لا يقضى فيه إلا حقّ أمير المؤمنين وحده. قال: وكتب كاتب في ديوان زياد: ثلاثة دنان فقال: أخرجوا هذا الكاتب من ديوانكم وأصلحوها ثلاثة أدنّ. وكان زياد يقول: العجب من الخوارج أنّك تجدهم من أهل البيوتات والشرف وذوي الغناء وحملة القرآن وأهل الزهد، وما أشكل عليّ أمر نظرت فيه غير أمرهم، فمن كفّ عنّي يده ولسانه كففت عنه. قالوا: وكان زياد أوّل من أحدث ديوان خاتم وديوان زمام، وأولّ من عرّف العرفاء ونكّب المناكب (١) وحبس بالظنّة وأخذ الجار بالجار. وحدثني عمرو بن محمّد عن أبي نعيم عن يونس عن الحسن قال: تتبّع زياد شيعة عليّ بن أبي طالب يقتلهم، فقال الحسن: اللهمّ تفرّد بموته فإنّ القتل كفّارة. حدثني العمري عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي أنّه قال: لم أسمع متكلّما قطّ يكثر ويطيل إلا تمنّيت أن يسكت مخافة أن يسيء، إلا زيادا فإنّه كان لا يزداد كلاما إلا ازداد إحسانا. قال: وكان حارثة بن بدر الغداني أليفا لزياد، فأتاه وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال: ركبت برذوني الكميت فاعترم بي فسقطت، فقال: أما والله لو ركبت الأشهب لسلمت.

стр. 1948

وكان زياد يقول: المروءة اجتناب الريب وإصلاح المال وقيام الرجل بأمر أهله، فإنّه لا يستكمل النّبل من احتاج أهله إلى غيره. المدائني قال: قال زياد لعجلان حاجبه: كيف تأذن للناس؟ قال: أبدأ بأهل السابقة والقدم، ثمّ أدعو أهل الشرف، ثمّ ذوي الأسنان، قال: فقد ولّيتك حجابتي وعزلتك عن أربعة: المنادي بالصلاة، وطارق الليل فأمر جاء به، ورسول صاحب الثغر فإن أبطأ ساعة فسد بإبطائه عمل سنة، وصاحب الطعام إذا أدرك طعامه فإنّه إذا أعيد إسخان الطعام فسد. قالوا: وكان زياد يقول: ما أعلم شيئا بعد الإخلاص وأداء الفرائض أفضل من نصيحة الوالي رعيّته. قالوا: وكان زياد يقول: لأن يجاور أحدكم أسدا في أجمة خير له من أن يجاور تاجرا إذا شاء أن يسلفه أسلفه وكتب عليه صكّا. وقال هشام بن الكلبي عن عوانة: قدم زياد على معاوية في بعض وفاداته فقال له: ما بلغ من سياستك رعيّتك؟ قال: أقمتهم بعد جنف (١)، وكففتهم عمّا لا يعرف، فأذعن المعاند رغبة، وخضع الأصيد الغشوم رهبة، قال: لله أبوك، فبأي شيء صيّرتهم إلى ذلك؟ قال: بالمرهفات القواضب يمضيها الحزم يتبعه العزم، فقال معاوية: أنا ابن هند، لكنّي ضبطت رعيتي بالحلم والحجى، وتودّدت ذوي الضغن بالبذل والإعطاء، واستملت العامّة بأداء الحقوق، وعقبت بين أهل الثغور فسلمت لي الصدور عفوا، وانقادت لي الأخشّة (٢) طوعا.

стр. 1949

المدائني عن مسلمة أنّ زيادا قال: اثنان يتعجّلان النصب ولعلّهما لا يظفران ببغية: الحريص في حرصه، ومعلّم البليد ما لا يبلغه فهمه. وقال مسلمة بن محارب، قال زياد: ما كذبت قطّ إلا مرّة واحدة، رأيت رجلا من بني تميم فقلت له اين تريد؟ قال: أريد عبد الرحمن بن زياد، وكان بالطفّ، فقلت: أرجع وإلا قطعت منك طابقا، وكان الرجل يشارب عبد الرحمن النبيذ، ثمّ رأيته بعد فقلت: أين تريد؟ قال: عبد الرحمن، فقلت: ألم أنهك عنه؟ فقال: أيّها الأمير لا صبر عنه، فقلت: إنّ رجلا طابت نفسه بقطع طابق منه بمحبّة عبد الرحمن لأهل لأن لا يؤذى، أمض إليه. وقال أبو اليقظان: كان زياد يكسر عينه فقال الفرزدق. وقبلك ما أعييت كاسر عينه … زيادا فلم تقدر عليّ حبائله المدائني عن مسلمة بن محارب وابن الكلبي عن عوانة قال: أشرف زياد على بلج بن نشبة السعديّ وهو بباب داره، وكان خليفة لصاحب حرسه، وهو صاحب حمّام بلج، فقال: ومحترس من مثله وهو حارس المدائني قال: اختصم بنو راسب والطفاوة في رجل وأقاموا جميعا البيّنة عند زياد، فقال سعد الرابية: أصلح الله الأمير، يؤتى به النهر فيلقى فيه فإن كان من راسب رسب، وإن كان من الطفاوة طفا، فضحك زياد وقال: لا تعد لمزاح في مجلسي. المدائني عن مسلمة وغيره أنّ زيادا قال على المنبر: إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور (١) لو بلغت إمامه سفكت دمه.

стр. 1950

المدائني قال: كان زياد يقول من قدر فلا يمنعنّ حسن الاستماع. حدثني عبد الله بن صالح حدثني بعض أصحابنا أنّ رجلا قدّم إلى زياد صديقا له في منازعة كانت بينهما، فقال: أصلح الله الأمير إنّه يدّعي أنّ بينك وبينه مودّة، فقال: صدق وأنا ناظر فيما بينكما، فإن ثبت لك عليه حقّ أدّيناه عنه، وإن ثبت له عليك شيء أخذناك به له أخذا عنيفا. المدائني عن مسلمة، قال: شخص زياد إلى معاوية ومعه الأحنف وعدّة من وجوه أهل البصرة، فقال زياد: يا أمير المؤمنين أشخص أقواما إليك الرّغبة، وأقعد آخرين العذر، ولكلّ من سعة رأيك وفضلك ما تجبر المتخلّف، ويكافأ به الشاخص، فقال الأحنف: ما نعدم منك يا أمير المؤمنين نائلا جزيلا وبلاء جميلا ووعدا ناجزا، وزياد عاملك المستنّ بسنّتك المحتذي لمثالك، ونستمتع الله بك، فما نقول الا كما قال زهير، فإنّه ألقى عن المادحين فضل الكلام حين قال: وما يك من خير أتوه فإنّما … توارثه آباء آبائهم قبل (١) فحباهم معاوية وبعث معهم إلى من تخلّف من الوجوه بصلات. حدثني الحررمازي عن جهم بن حسّان السليطي وغيره قالوا: كتب زياد كتابا قرئ على أهل المصر نسخته: أمّا بعد، فالحمد لله على إفضاله وإحسانه، وإيّاه أسأل المزيد في نعمائه، وإليه أرغب في زيادتنا شكرا كما زادنا إحسانا، ثمّ إنّ الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغيّ المورد أهله النار ما يأتيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام التي ينبت عليها

стр. 1951

الصغير ولا ينحاش لها الكبير، كأن لم تسمعوا بنبيّ الله، ولم تقرأوا كتاب الله، ولم تعرفوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب. الأليم لأهل معصيته، في الدار التي لا تزول شدّتها ورخاؤها، أترضون أن تكونوا كمن طرفت عينه الدنيا وسدّت مسامعه الشهوات، فاختار الفانية على الباقية؟ قد أحدثتم هذه المواخير وسلبتم الضعيف في النهار المبصر والليل المظلم، أما منكم نهاة تمنع الغواة من الغارة في النهار والسرق في الليل؟ تعتذرون بغير عذر، وتسحبون ذيولكم على الغدر، كلّ امرئ منكم يذبّ عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا، فلم يزل بسفهائكم ما ترون من قيام حلمائكم دونهم، وذبّهم عنهم، وسترهم عليهم، حتّى انتهكوا حرمة الإسلام، وكنسوا في مكانس الريب، حرم عليّ الطعام والشراب حتّى أسوّيها هدما وإحراقا، وتقطيعا ببطون السياط ظهور الغاوين، وإني أقسم بالله لآخذن الوليّ بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح في نفسه بالسقيم النطف، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو لتستقيمنّ قناتكم. إنّ كذبة المنبر مشهورة، فإذا تعلّقتم عليّ بكذبة في وعد أو وعيد حلّت لكم معصيتي؛ من ذهب له منكم شيء فأنا ضامن له، وإيّاي ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجّلتكم في ذلك قدر ما يأتي الخبر الكوفة ثمّ يرجع إليكم، وإيّاي ودعوى الجاهليّة فإنّي لا أجد أحدا دعا دعوتها واعتزى عزوتها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وأحدثنا لكلّ ذنب عقوبة، فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن حرق على قوم حرقناه ومن نقب على بيت نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيّا، فكفّوا أيديكم أكفّ يدي عنكم، ولا يظهر أحد

стр. 1952

منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين قوم منكم إحن جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته، ولو علمت أنّ رجلا قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتّى يبدي لي صفحته ويبادي بمعصيته، فإذا فعل ذلك لم أناظره فاستأنفوا أموركم وأعينوا على انفسكم، أيّها الناس إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بالفيء الذي خوّلنا. قالوا: وكتب زياد إلى معاوية: اني قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة، فولّني الحجاز والعروض أكفك هذا الحيّ من قريش، فبلغ ذلك ابن عمر فقال: اللهمّ اشغله، فما مكث إلا أياما حتّى طعن في إصبعه، فلمّا مات وبلغ ابن عمر موته قال: يا بن سميّة لا في الدنيا بقيت ولا الآخرة أدركت. المدائني عن مسلمة أنّ زيادا قال: لو أنّ لي ألف ألف دينار ولي بعير جرب لقمت عليه قياما يقول من رآه إنيّ لا أملك معه غيره، ولو أنّ لي عشرة دراهم لا أملك غيرها ثمّ لزمني حقّ وضعتها فيه. المدائني عن مسلمة قال: شكا الناس إلى زياد نقصان المكاييل التي يرزقون بها، فدسّ من اتّبع خدمهم الذين يتولّون قبض أرزاقهم لهم، فوجدهم يشترون من أرزاقهم الطير وما يلعب به والحلواء، فخطب الناس فقال: انّكم تحملون علينا ذنب أنفسكم في أرزاقكم، يبعث أحدكم خادمه لقبض رزقه، فيشتري من رزقه ما اشتهى فتعهدوا أرزاقكم وتولّوا قبضها بأنفسكم. وكان زياد يقول: ما بال أحدكم يأخذ عطاءه ومؤونته خفيفة ثمّ يدّان؟ تعهدوا معايشكم وأصلحوا ما تحتاجون إليه من أموركم.

стр. 1953

وكان زياد يقول: إذا لم يجد أحدكم سعة لتزوّج من ترغب فيه لموضعه فليتزوّج سبيّة. المدائني قال: خطب زياد فلمّا فرغ قام عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيّها الأمير أنّك قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فقال: كذبت، ذاك نبي الله داود؛ فقام الأحنف فقال: إنّ الثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء، فقال زياد: صدقت، وقام أبو بلال الخارجي فجعل يهمس فقال زياد: إنّا لا نبلغ ما تريد وأصحابك حتّى نخوض إليه الدماء. المدائني قال: أمر زياد حاجبه أن يدخل من على بابه في وقت انتصاف النهار فأدخلهم، فتمثّل زياد: وهاجرة تحلب الناعجات … ماء حميما إذا الشاة قالا ثمّ قال لهم: ما الذي تخافون على أهل البصرة؟ فقال بعضهم: الحرق، وقال بعضهم: الغرق، قال زياد: أخوف من ذلك عدوّ يأتيكم لا رهج له، أو رجل يأتيكم فيشتدّ شدّتي ولا يلين ليني، فجاء الحجّاج فاشتدّ شدّته ولم يلن لينه، وكان عدوّا لا رهج له، فكان يسيء بصالحهم، ويحسدهم على نعمهم، فينتزعها منهم. المدائني قال: كان الحسن يقول: أوعد عمر فعوفي، وأوعد زياد فابتلي. المدائني قال: أهدي إلى زياد خوان بايزهر (١) قوائمه منه، فاقتلع نافع بن خالد قائمة وجعل مكانها قائمة ذهب فحبسه، فكلّمه فيه سيف بن وهب الأزدي، فقال زياد:

стр. 1954

أذكرتنا موقف أفراسنا … بالجوّ إذ أنت إلينا فقير ثمّ وهبه له. المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: كان زياد يؤخّر العشاء الآخرة حتى يكون آخر من يصلّي، ثمّ يأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة أو غيرها من الطوال ويرتّل القرآن، فإذا أمهل بقدر ما يرى أنّ إنسانا يبلغ الخريبة أمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج فلا يرى انسانا إلا قتله. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة وغيره قالوا: لمّا جمع معاوية لزياد الكوفة والبصرة في سنة خمسين كان يخلّف سمرة بن جندب الفزاري حليف الأنصار بالبصرة إذا خرج إلى الكوفة، ويخلفه بالكوفة إذا خرج إلى البصرة عمرو بن حريث، وكان يقيم بالبصرة ستّة أشهر وبالكوفة ستّة أشهر، وكان سمرة يحدث أحداثا عظيمة من قتل الناس وظلمهم، أعطى رجل زكاة ماله ثمّ صلّى ركعتين فأمر به سمرة فقتل، فقال أبو بكرة: ما شأن هذا؟ فأخبروه فقال: لقد قتله سمرة عند أحسن عمله فاشهدوا أنّه منّي وأنا منه، ثمّ قال لسمرة: ويلك لم قتلت رجلا عند أحسن عمله؟ فقال: هذا عمل أخيك زياد هو يأمرني بهذا، فقال: أنت وأخي في النار، أنت وأخي في النار، وتلا أبو بكرة، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (١) ويزعمون أنّ زيادا نهاه بعد ذلك عن القتل. حدثني عبيد الله بن عمر القواريري عن أبي المعلّى الجنّاني عن أبيه قال: كنت واقفا على رأس سمرة بن جندب فقدم إليه بضعة عشر رجلا،

стр. 1955

يسأل الرجل منهم مادينك؟ فيقول الإسلام ديني ومحمّد نبيّي فيقول: قدّماه فاضربا عنقه، فإن يك صادقا فهو خير له. وروي عن أنس بن سيرين قال: استخلف زياد سمرة على البصرة وخرج إلى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف، فقال له: هل تخاف أن تكون قتلت بريئا؟ فقال: لو قتلت مثلهم لم أخف أن أقتل بريئا. حدثني عمر بن شبّة عن محمّد بن عبد الله بن الزبير عن سفيان عن عاصم الأحول عن ابن سيرين عن ابن سمرة قال: من عرض لنا عرضنا له، ومن مشى على الكلاّء ألقيناه في النهر. حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة أنبأنا عليّ بن زيد حدثنا أوس بن خالد قال: كنت أقدم على أبي محذورة فيسألني عن سمرة، وأقدم على سمرة فيسألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة: إنّك لتسألني عن سمرة فلم ذاك؟ فقال: كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت واحد فأخذ النبيّ ﷺ بعضادتي الباب ثمّ قال: «إنّ آخركم موتا في النار»، قال: فمات أبو هريرة ثمّ مات أبو محذورة ثمّ سمرة. المدائني عن نوح بن قيس عن أشعث الحدّاني عن أبي السوّار العدوي، قال: قتل سمرة بن جندب من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين رجلا كلّهم قد جمع القرآن. المدائني عن جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا عوف قال: أقبل سمرة من المربد فخرج رجل من بعض الأزقّة فتلقّى الخيل، فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة، ثم مضت الخيل، ومرّ به سمرة وهو يتشحّط في

стр. 1956

دمائه، فقال: ما هذا؟ فقيل: رجل أصابته أوائل خيل الأمير، فقال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنّتنا. حدثنا عفّان حدثنا أبو هلال عن ابن سيرين قال: كان سمرة صدوق الحديث عظيم الأمانة يحبّ الإسلام وأهله حتى أحدث ما أحدث. حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة عن أبي عمران وعليّ بن زيد عن الحسن أنّ سمرة قال لأبي بكرة: رأيت كأنّ الدجّال خرج فجعلت أهرول حذرا، ثم التفت خلفي فأراه قريبا منّي، ثمّ انشقّت لي الأرض فدخلتها، فقال أبو بكرة: ان صدقت رؤياك أصبت قحما (١) عظاما في دينك. المدائني، قال: كان زياد يقول: أكره للرجل (٢) أن يكون وصّافا لبطنه وفرجه. المدائني عن مسلمة قال: نقب على رجل من بني سعد فذهب ما كان له، فأتى زيادا فأخبره خبره، فقال زياد: لا يبقى محتلم من بني سعد إلا حضر، فحضروا فقال: هل تفقدون أحدا؟ قالوا: لا، قال: تألّفوا عشرة عشرة، ثمّ قال لكلّ عشرة: أخرجوا إليّ خيركم، ثمّ قال لأولئك الصلحاء: أخبروني عن أهل الريبة منكم، فقام رجل لم يكن بخيرهم فقال: الأمان، فأمنه، فأخبره بأهل الريبة، فردّ المال. قال: وأرسل زياد رجلا إلى بني رميلة، وبلغه أنّهم يصيبون الطريق، وكان رئاب بن رميلة يعضد قوما يصيبون الطريق، فلمّا قدموا قال زياد للأشهب بن رميلة: أنت رئاب فقال: لا أنا الأشهب، وهذا أخي رئاب،

стр. 1957

فقال زياد: قد بلغني عنكم أمر كرهته لكم ولمن كان مثلكم في موضعكم وشرفكم وجلدكم، أتدعان أن يكون حدكم على عدوكم وعدوّ الإسلام وتجعلان ذلك في أهل دعوتكم؟! فانتفوا من ذلك وجحدوه، فقال زياد لا بني رميلة: قد قبلت قولكما وصدقتكما، وعرض عليهما الفريضة وضمّنهما ما يليهما، فقال الأشهب. تداركني أسباب ورد وردّني … زياد كما ردّ الجموح الشكائم ولو أنّني أجمعت إذ أنا محرم … فرارا ونت دوني العتاق الرّوائم إذا لاتّخذت الليل في الأرض جنّة … وبيني وبين الليل أبيض صارم وقال زياد: واحدة من رأيتموها فيه لم يخطئ أن يكون ضعيفا: من إذا مشى حرك رأسه وعنقه وكثر التفاته. وقال: يعجبني من الرجل إذا سمع قولا فيه عليه ضيم أن يقول: لا بملء فيه، وإذا أتى مجلس قوم عرف قدره وعلم أين ينبغي له أن يجلس منه، وإذا ركب دابّة حملها على ما يريد ولم تحمله على ما تريد وقلّ من رأيته كذا إلا كان مبرّزا. وقال زياد لأبي الأسود الدولي: لولا ضعفك وسنّك لولّيتك، فقال: لعمري لئن كنت تريد منّي مصارعة أهل عملي إنّي لضعيف عن ذلك، وإن كنت تريد منّي ما تريد من غيري من عمّالك إنّي لقويّ عليه. المدائني قال: مرّ رجل من الدّهاقين بخمر فأتي به زياد فقال: ينبغي أن يكون أراد التوصّل إليّ فأقدم على حمل الخمر وإدخاله البصرة بعد نهيي عن ذلك، فدعا به، فأخبر أنّ رجلا عقر نخلا له، فوجّه من أغرم الرجل لكلّ نخلة ألف درهم، وقال: ان لم يعطه هذا المال بعد ثلاث ساعات

стр. 1958

فاضربوا عنقه، فغرّم له أربعين ألف درهم، وقال لو جئتني برأسه كان أحبّ إليّ من المال. المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: بنى زياد دار الرزق ثمّ زاد فيها عبيد الله ابنه بعد، وكان عامل زياد على دار الرزق عبد الله بن الحارث بن نوفل ثم روّاد بن أبي بكرة، وكان الجعد بن قيس النمري على السوق، وكان زياد يجلس في كلّ يوم جمعة، فيسأل رسل عمّاله عن بلادهم وينظر فيما قدموا له وفي أمر الأموال والنفقات، ثمّ يأتيه عمّاله على دار الرزق والكلاء والسوق فيسألهم عمّا ورد دار الرزق، وعن الأسعار والأخبار وما يحتاجون إليه من مصالحهم. حدثني العمر عن الهيثم بن عدي قال: كتب معاوية إلى زياد في أمر من الأمور يكرهه الناس، فقال زياد: إن شاء معاوية أن يعصى عصي، وأغلظ للرسول وردّه أعنف ردّ، فلمّا قدم على معاوية قال له: أنا أخبرك بما كان، دخلت على ألين الناس جانبا وأغلظهم كلاما، قال: والله ما أخطأت. وقال الهيثم: حدثنا المجالد بن سعيد عن الشعبي قال: كتب زياد إلى معاوية: إن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إليّ بسيرة أسيرها في العرب، فكتب إليه معاوية: يا أبا المغيرة قد كنت لهذا منك منتظرا، انظر أهل اليمن فأكرمهم في العلانية وأهنهم في السرّ، وانظر هذا الحيّ من ربيعة فأكرم أشرافهم وأهن سفلتهم، فإنّ السفلة تبع للأشراف، فأمّا هذا الحيّ من مضر فإنّ فيهم فظاظة وغلظة، فاحمل بعضهم على رقاب بعض، ولا ترض بالظنّ دون اليقين، وبالقول دون الفعل، واترك الأمور بينك وبين الناس على أشدّها، والسّلام.

стр. 1959

المدائني قال: نهى زياد عن النوح، فبكت امرأة على بعض أهلها فأتوا زيادا بها فقالت: ما عندي نساء، وإنّما بكيت إخوتي فجهرت بالبكاء، فقال: وما قلت؟ قالت قلت: ألا زعموا أنّي جزعت عليهما … وهل جزع أن قلت وابائي هما إذ افتقرا لم يجشعا خشية الرّدى … ولم يخش رزءا منهما مولياهما وإن غنيا حبّ الصديق إليهما … ولم يزو عن رفد الصديق غناهما المدائني عن الهذلي ومسلمة أنّ بني عجل تحوّلوا إلى الكوفة أيام الجمل، فنزلت الأزد دورهم، فقال رجل من بني عجل: لعمري لقد بدّلتم من فوارس … سراع إلى الهيجا بطاء عن الجهل وكان رجل من بني عجل باع دارا لبني أخيه، وكانوا أيتاما، فلمّا غلت الدور بالبصرة خاصم العجليّ بنو أخيه إلى شريح، فردّ البيع، فأتى الرجل زيادا فأخبره بقصّته وقال: خاصموني حين كثرت أثمان الدور وغلت، فقال زياد لبني أخي الرجل: أتحلفون أنّ الدور لو كانت على حالها في الرخص لم تخاصموا عمّكم، ولم تحاولوا نقض بيعه فلم يحلفوا، فقال: إنّ عمّكم لم يبع إلا نظرا لكم، فأنا أجيز بيعه. المدائني عن إسماعيل الباهلي عن ابن عون عن إبراهيم قال: أمر رجل بالكوفة عبدا لرجل أن يشجّه حتّى يستحقّه، فشجّه فتعلّق به وخاصم مولاه إلى زياد، فأخبره مولى العبد بالقصّة، وأعطى زياد مولى العبد قيمته، وقطع العبد ودفعه إلى المشجوج.

стр. 1960

المدائني عن جرير بن حازم قال: كان زياد بن سميّة أول من أخذ بالظنّة وعاقب على الشبهة وأخاف الناس في سلطانه، فلمّا قدم الحجّاج سأل عن سيرته فأخذ بشدّته وترك لينه. قال: وكان زياد قد آمن الناس حتّى إنّ الشيء ليسقط من الرجل فلا يعرض له أحد حتّى يأتي صاحبه فيأخذه، وتبيت المرأة لا تغلق عليها بابها، وأدرّ العطاء، فقال حارثة بن بدر الغداني: ألا من مبلغ عنّي زيادا … فنعم أخو الخليفة والأمير وأنت إمام معدلة وقصد … وحزم حين تحضرك الأمور أخوك خليفة الله ابن حرب … وأنت وزيره نعم الوزير بإذن الله منصور معان … إذا جار الرعيّة لا تجور يدرّ على يديك لما أرادوا … من الدنيا لهم حلب غزير وتقسم بالسواء فلا غنيّ … بظلم يشتكيك ولا فقير ولمّا قام سيف الله فينا … زياد قام أبلج مستنير قويّ لا من الأحداث غرّ … ولا ضرع ولا فان كبير قالوا: واستعمل زياد على شرطته بالبصرة عبد الله بن حصن صاحب مقبرة ابن حصن، وهو أحد بني ثعلبة بن يربوع، والجعد بن قيس صاحب طاق الجعد السّلمي، وكانا جميعا يسيران بين يديه بالحربة، ثمّ اقتصر على عبد الله بن حصن فحمل الحربة بين يديه، وولّى الجعد أمر الفسّاق فكان يتبعهم، وفيه يقول جرير: إليك إليك يا جعد بن قيس … فإنّك لست من حيّي نزار (١)

стр. 1961

وولّى زياد قضاء البصرة عمران بن الحصين الخزاعي من أصحاب النبيّ ﷺ . المدائني قال: أبطأ زياد يوما بالغداء لأمر كان ناظر فيه الدهاقين، فقال سعد بن المخشّ الضبّي: الغداء أصلح الله الأمير، فقال رجل من الدهاقين: بأيّ ذنوبنا ابتلينا بهؤلاء الكلاب؟! فسمعها زياد فقال: بجرأتك على الله وكفرك به وكذبك عليه، وقال لابن مخشّ: لا تعودنّ لمثل هذا، ثمّ دعا بالغداء فأكل وأكل معه ابن المخشّ، وكان أكولا، فقال له زياد: مالك من الولد؟ قال: تسع بنات، أنا أجمل منهنّ وهنّ آكل منّي، فقال: لقد لطفت في المسألة ففرض لهنّ فقال ابن المخشّ: إذا كنت مرتاد السماحة والندى … فناد زيادا أو أخا لزياد يجبك امرؤ يعطي على الحمد ماله … إذا ضنّ بالمعروف كلّ جواد وما لي لا أثني عليك وإنّما … طريفي منكم كلّه وتلادي المدائني، قال: لقي زيادا رجل نشأ بالأهواز فقال: أصلح الله الأمير إنّ أبينا مات، وإنّ أخونا شدّ على ميراثنا فأخذه، فقال: لا رحم الله أباك ولا حفظ أخاك، ولا أحسن الخلافة عليك، فما ضيّعت من نفسك أكثر ممّا ضاع من مالك. المدائني عن مسلمة قال: قال زياد: جمال السلطان لين في غير إهمال، وشدّة في غير افراط. المدائني عن مسلمة قال: قال عجلان حاجب زياد: أصبت في غداة واحدة ألفي ألف درهم وألفي سيف، أعطى زياد العطاء فأعطاني كلّ رجل نصف عطائه وسيفه.

стр. 1962

المدائني عن مسلمة بن محارب أنّ زيادا كان يجبي من كور البصرة ستّين ألف ألف، فيعطي المقاتلة من ذلك ستّة وثلاثين ألف ألف، ويعطي الذرّية ستّة عشر ألف ألف درهم، وينفق في نفقات السلطان ألفي ألف، ويجعل في بيت المال للبوائق والنوائب ألفي ألف درهم، ويحمل إلى معاوية أربعة آلاف ألف درهم. وكان يجبي من الكوفة أربعين ألف ألف، ويحمل إلى معاوية ثلثي الأربعة الآلاف ألف لأن جباية الكوفة ثلثا جباية البصرة. وحمل عبيد الله بن زياد إلى معاوية ستّة آلاف ألف درهم فقال: اللهمّ ارض عن ابن أخي. حدثنا خلف بن سالم عن وهب بن جرير عن محمّد بن أبي عيينة عن سبرة بن نخف قال: ما بلغ الناس عاشوراء قطّ في أيّام زياد إلاّ وطائفة يأخذون العطاء، ولا رأينا الهلال إلاّ مضينا إلى دار الرزق فأخذنا الأرزاق لعيالاتنا، وكان يأخذ الجزية ممّن عجز عن الدراهم عروضا، فكانت خزائننا مملوءة من ذلك. وحدثنا عبد الله بن صالح عن الحسين الجعفيّ عن شيبان النحوي عن قتادة قال: كان زياد إذا أهلّ هلال المحرّم أخرج للمقاتلة أعطياتهم، وإذا رأى هلال شهر رمضان أخرج للذريّة أرزاقهم. المدائني قال: قال الحسن: أيّ سائس كان زياد لولا إسرافه على نفسه في العقوبات وسفك الدماء، كان إذا جاء شعبان أخرج أعطية المقاتلة فملأوا بيوتهم من كلّ حلو وحامض واستقبلوا رمضان بذلك، وإذا كان ذو الحجّة أخرج أعطية الذرّية.

стр. 1963

حدثني بعض أصحابنا عن عفّان حدثنا حمّاد عن الحسن أنّ زيادا قال لمعقل بن يسار: أبا زياد ألست تعلم أنّ الأسواق قائمة، وأنّ السبل آمنة، وأنّ الأعطيات والأرزاق تخرج إلى شهر معلوم، ويبيع البائع إلى شهر معلوم؟ قال: بلى، قال: فلّله الحمد لا يزال الناس بخير ما كان أمرهم هكذا. وقال المدائني: كان المقاتلة بالبصرة حين قدم زياد أربعين ألفا فبلغ بهم ثمانين ألفا، وكانت الذرّيّة ثمانين ألفا فبلغ بهم عشرين ومائة ألف، ويقال انّ ابنه فعل ذلك. قال: وجعل زياد الناس بالبصرة أخماسا، وجعل على كلّ خمس رجلا، وعرّف العرفاء، ونكّب المناكب، وجعل خروج القبائل على الرايات، وكان أوّل من بنى المقصورة بالبصرة، وأوّل من جعل الأذانين يوم الجمعة، وأوّل من جلس بين يديه على الكراسي، وأولّ من لبس الخفاف الساذجة بالبصرة، وأوّل من سقف حوانيت السوق، وأوّل من دعا النّقرى وكانوا يدعون الجفلى (١). حدثني عبد الله بن صالح قال: قال زياد لعجلان حاجبه: كيف تدعو الناس؟ قال: على الشرف ثمّ على الأسنان ثمّ أترك الذين لا يعبأ الله بهم، قال: ويحك ومن هم؟ قال: الذين يلبسون في الصيف ثياب الشتاء وفي الشتاء ثياب الصيف، قال: يا بن اللخناء هذا هزل، ولو كنت تقدّمت إليك فيه لأحسنت أدبك.

стр. 1964

قالوا: وكان رجل من بني مخزوم أعمى يكنى أبا العريان، فمرّ به زياد في موكبه، فقال من هذا؟ قالوا: زياد بن أبي سفيان، قال: ما ولد أبو سفيان إلا فلانا وفلانا، فمن هذا فو الله لربّ أمر قد نقضه الله، وبيت قد هدمه الله، وعبد قد ردّه الله إلى مواليه، فبلغ معاوية قوله، فأرسل إلى زياد: ثكلتك أمّك اقطع لسان أعمى بني مخزوم، فبعث إليه بألف دينار وقال لرسوله: أقرئه السّلام وقل له: يقول لك ابن أخيك أنفق هذه حتّى يأتيك مثلها، ومرّ به زياد من الغد فسلّم فقال قائل: من هذا؟ فقال أبو العريان: هذا زياد بن أبي سفيان، وجعل يبكي ويقول: والله إنّي لأعرف منه حزم أبي سفيان ونبله وأشبّه جرمه بجرمه، وبلغ معاوية خبره فكتب إليه: ما لبّثتك الدنانير الّتي رشيت … أن لوّنتك أبا العريان ألوانا لله درّ زياد لو يعجّلها … كانت له دون ما يخشاه قربانا فكتب إلى معاوية: أحدث لنا صلة تحيا النفوس بها … قد كدت يا بن أبي سفيان تنسانا من يسد خيرا يجده حين يطلبه … أو يسد شرّا يجده حيثما كانا قالوا: وكان زياد أوّل من اتّخذ الحرس واتّخذ الثياب الزياديّة، وأوّل من مشي بين يديه بالحراب والأعمدة، واتّخذ زياد رابطة عدّتهم خمسمائة وولّى أمرهم شيبان صاحب مقبرة شيبان من بني سعد، فكانوا لا يبرحون المسجد. وحدثني محمّد بن خالد الواسطي حدثنا يزيد بن هارون عن هشام بن حسّان عن الحسن أنّ زيادا ولّى الحكم بن عمرو الغفاري خراسان فغزا فغنم

стр. 1965

فكتب إليه زياد أن اصطف كلّ صفراء وبيضاء لأمير المؤمنين، ولا تقسم ذلك واقسم ما سواه، فكتب الحكم إليه: إنّي وجدت كتاب الله قبل كتابك، فلو أنّ السّموات والأرض كانتا رتقا على عبد فاتّقى الله لجعل له منهما مخرجا، والسّلام؛ وقسم الغنائم بين الناس. المدائني عن يزيد بمثله وزاد فيه: فكتب إليه زياد: والله لئن بقيت لك لأقطعنّ منك طابقا، فقال الحكم: اللهمّ إن كان ما عندك خيرا لي فاقبضني إليك، فمات بعد أيّام بخراسان. وقال المدائني: صلّى أنس بن أبي أناس على الحكم وذلك في سنة خمسين، ويقال بعد ذلك، وكتب الحكم إلى زياد: إنّي قد استخلفت أنسا وإنّي أرضاه لك وللمسلمين، فقال زياد: اللهم إنّي لا أرضى أنسا لك ولا لي ولا للمسلمين، وولّى خراسان خليد بن عبد الله، فقال أنس: ألا من مبلغ عنّي زيادا … مغلغلة يخبّ بها البريد أيعزلني ويطعمها خليدا … لقد لاقت حنيفة ما تريد عليكم باليمامة فاحرثوها … فأوّلكم وآخركم عبيد فولّى خليدا أشهرا ثمّ عزله وولّى الربيع بن زياد خراسان فغزا فغنم، وأعتق الربيع فروّخا - وكان كاتبه على مائة ألف - فقال: ما أقبح أن آخذ لك ثمنا يا فروخ، وما أقبح أن تكون مكاتبا، أنت حرّ ومالك لك. وحمل الربيع مرزبان مرو إلى زياد، فأمر الناس فصفّوا من المربد إلى دار الإمارة وعليهم السلاح، فقال: كيف رأيت عدّتنا مع قرب عهدنا بالسلطان؟ فقال: ما أحسن ما رأيت، قد ملك السلاح قبلكم أقوام فلم أره أغنى عنهم شيئا حين انقطعت آثارهم وانقضت مدّتهم.
следующие страницы →