← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ألف دينار، فركنوا إلى ذلك ولم يعيثوا بفساد، ثم دسّ إليهم سحيم بن المهاجر فتلطّف حتى وصل إلى رئيسهم متنكّرا فأظهر ممالأته وتقرّب إليه بذمّ عبد الملك وشتمه ووعده أن يدلّه على عوراته وما هو خير له من الصلح الذي بذل له، ثم عطف عليه وهو وأصحابه غارّون غافلون بجيش من موالي عبد الملك وبني أميّة وجند من ثقات جنده وكماتهم كان أعدّهم لمحاربته وأكمنهم في مكان بالقرب منه خفي، فقتل أولئك الروم وبشرا من الجراجمة وغيرهم، ثم نادى بالأمان فيمن بقي من الجراجمة ومن سواهم فتفّرقوا في قراهم ومواضعهم، فلما أصلح عبد الملك أموره استخلف ابنه الوليد على دمشق، ومعه سعيد بن مالك بن بحدل، ويقال: إنّه خلّف ابن أمّ الحكم أيضا، وأنفذ عبد العزيز إلى مصر، وسار إلى مسكن، فقتل مصعب بن الزبير. وقال هشام: قال الوليد: وقد سمعت أنّ خروج هؤلاء الذين خرجوا بلبنان كان مع مخالفة عمرو الأشدق، وإغلاقه أبواب دمشق، وحديث ابن جناح أصحّ. وقال الوليد: وبلغني أنّ عبد الملك أمر فنودي: من أتانا من العبيد يعني الذين كانوا مع أولئك القوم فهو حرّ وله أن نثبته في الديوان، فانفضّ إليه خلق منهم، فكانوا ممّن قاتل مع سحيم، وأنّه وفي لهم وجعل لهم ربعا على حدة، فهم يسمّون الفتيان إلى الآن. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن لوط بن يحيى في اسناده قال: التقى مروان والضحّاك يوم مرج راهط، وكان مع الضحّاك خلق من

стр. 2627

أهل اليمن إلا أنّ قيسا كانوا رؤوس الناس معه عددهم، فلما قتل الضحّاك مضى زفر فأتى قنسرين فاحتمل ما كان له بها إلى قرقيسياء. قال الكلبي: ويقال بل كان عاملا عليها من قبل الضحّاك، فأمدّه وسرّب الخيول إليه، فلما قتل هرب إلى قرقيسياء. ولما أتى قرقيسياء ضوى إليه خلق من قيس فرسان ورجال، وكان عياض بن عمرو الحميري بقرقيساء وقد غلب عليها، فقال له زفر: إنّي إنّما جئت لدخول الحمّام لعلّة عرضت لي، ثمّ أنا منصرف عنك فخاف عياض أن لا يفعل فأحلفه فحلف له زفر ليخرجن منها بعد دخول الحمّام بقرقيسياء، فلما صار بالمدينة أخرج عياضا منها ولم يدخل الحمّام بها أيّام مقامه كلّها، وكان دخوله إياها في المحرم سنة خمس وستّين، وذلك قبل مرور التوابين به بأشهر. قال: وتشاغل مروان بمصر حتى غلب عليها، ثم وجّه عبيد الله بن زياد وقال له: أنت أمير كلّ بلد أهله على غير طاعتي تفتتحه، فسار في ستّين ألفا فقتل من قتل من التوابين بعين الوردة، وقتل بالخازر، وأقبل عبد الملك يريد زفر بن الحارث، ثم العراق، فخلعه عمرو بن سعيد، فعاد إلى دمشق، ثم أتى قرقيسياء بعد قتله عمرو بن سعيد، فوضع المجانيق على قرقيسياء، فأمر زفر أن ينادى أهل عسكر عبد الملك، فيقال لهم: لم وضعتم المجانيق علينا؟ ففعلوا فقالوا: لنثلم ثلمة نقاتلكم عليها، فقال زفر: قولوا لهم إنّا لا نقاتلكم من وراء الحيطان والأبواب، ولكنّا نخرج إليكم، قالوا: وثلمت المجانيق من المدينة برجا ممّا يلي حسّان بن مالك بن بحدل، وحميد بن حريث بن بحدل، فقال زفر أو غيره: لقد تركتني منجنيق ابن بحدل … أحيد عن العصفور حين يطير

стр. 2628

وكان خالد بن (يزيد بن) معاوية يقاتل أهل قرقيسياء مع كلب، وهم أخواله لأنّ أمّ يزيد ميسون بنت بحدل، ويقال: إنّه كان يقاتلهم من ناحية أخرى في موالي معاوية وغيرهم فألحّ عليهم بالقتال والرمي حتى كاد يظفر فقال رجل من بني كلاب: لأسمعن خالدا قولا لا يعود بعده إلى ما يصنع، ولأكسرنّه به، فلما غدا خالد للمحاربة أشرف الكلابي عليه وهو يقول: ما ذا ابتغاء خالد وهمّه … إذ سلب الملك ونيكت أمه فانكسر واستحيا ولم يعد إلى الحرب حتى انقضى أمر زفر. وقال زفر خالد وكان يكنى أبا هاشم: أبو هاشم عطّارة فارسيّة … مكحّلة العينين برّاقة الفم أبو هاشم يرمي فوارس قومه … وأمّا العدوّ الأبعدين فما يرمي وقال الصقعب المرّي. نحن بنو مرّة نرمي زفرا … يهدي إلينا حجرا فحجرا لمّا رأينا دينه تغيّرا … وأصبح المعروف منه منكرا وقال أيضا: كيف ترى قيسا ترامي قيسا … حمقا ترى ذاك بها أم كيسا تدوسهم بالمنجنيق دوسا وقيل لعبد الملك: إنّ قيسا تنهزم بالناس فاجعلها ترمي بالمجانيق، فقال الصقعب: فباست من قال ألا لا ينصح … وقد فتحنا حولها ما يفتح في كل وجه وخصي ترجح

стр. 2629

وقالت كلب لعبد الملك: إنّا إذا لقينا زفر انهزمت القيسيّة فلا تشب جمعنا بأحد من قيس ففعل، فكتبت القيسية على نبلها ليس يقاتلكم غدا مضريّ، ورموا بنبلهم إلى المدينة، فلما أصبح زفر دعا الهذيل ابنه - وبه كان يكنى، ويقال أنّه كان يكنى أبا الكوثر والأوّل أثبت - فقال: اخرج إليهم فشدّ عليهم شدّة لا تنثني عنها حتى تضرب فسطاط عبد الملك، أسمعت يا بن اللخناء، والله لئن رجعت دون أن تطأ طنب فسطاطه لأضربنّ الذي فيه عيناك. فخرج عبد الملك وتقدّمت اليمانية، فجمع الهذيل بن زفر خيله، ثم رماهم فصبروا قليلا، ثم انكشفوا وتبعهم الهذيل بخيله حتى وطئوا أطناب الفسطاط، وقطعوا بعضها، ثم كرّوا راجعين فقبّل زفر رأس ابنه الهذيل، وقال: يا بنيّ لا يزال عبد الملك يحبّك بعدها أبدا فقال الهذيل: والله لو شئت أن ادخل فسطاطه لفعلت فقال زفر: ألا لا أبالي من أتاه حمامه … إذا ما المنايا عن هذيل تجلّت تراه أمام الخيل أوّل فارس … ويضرب في أعجازها إن تولّت حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأبو خيثمة قالا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا محمد بن أبي عيينة قال: جعل بشر بن مروان يرسل إلى قيس أتقتلون أنفسكم مع رجل ليس منكم، وإنّما هو من كندة، فبلغ ذلك زفر بن الحارث فقال: لعلك يا بشر بن مروان لائمي … على حين أبدت عن نواجذها الحرب فتخبر قومي أنّني لست منهم … وتزعم أنّا معشر من بني وهب أتجعل أجلافا عليها عباؤها … ككندة تمشي في المطارف والعصب

стр. 2630

وقال زفر أيضا: أبا الله أمّا بحدل وابن بحدل … فيحيا وأمّا ابن الزبير فيقتل كذبتم وبيت الله لا تقتلونه … ولمّا يكن يوم أغرّ محجّل ولمّا يكن للمشرفيّة فيكم … شعاع كقرن الشمس حين ترّجل المدائني عن أبي زياد بن يزيد بن قحيف الكلابي قال: قاتل عبد الملك زفر بن الحارث أربعين يوما، ورمى المدينة بالمجانيق حتى ثلم عامّة بروجها، فقال أبناء الكلبيّات من قريش واليمانيّة: إنّك قد هدمت مدينتهم فناهضهم غدا ساعة، فخرج الهذيل بن زفر، ويزيد بن حمران، ومسلم العقيلي، وهو أبو إسحاق بن مسلم، وعبد الله بن يزيد الهلالي فصاروا على برج المدينة، وأقبلت قضاعة مع شروق الشمس فاقتتلوا إلى الظهر، ثم جالت قضاعة وانكشفت، ووقفت القيسيّة على البروج، وأقبل روح بن زنباع الجذامي عند المساء إلى برج منها فقال: من صاحب هذا البرج؟ قيل: عبد الله بن يزيد الهلالي، فقال روح: نشدتك الله كم قتلنا منكم اليوم؟ قال: إذ نشدتني الله، فلم يقتل منّا أحد، ولم يجرح إلاّ الرجل الواقف صاحب الكردوس الأيمن فإنّه طعن طعنة في صدره، وأرجو أن لا يكون عليه بأس، فنشدتك الله كم قتلنا منكم؟ قال: عدّة فرسان، وجرحتم ما لا يحصى، فلعن الله ابن بحدل، ورجع روح إلى عبد الملك فقال له: إنّ ابن بحدل يمنيّك الباطل فأعرض عن هذا الرجل. عليّ بن محمد المدائني وغيره: أنّ رجلا من كلب يقال له الذّيال كان يخرج في حصار زفر بقرقيسياء فيشتم، فقال زفر للهذيل أو لبعض من معه من قيس، أما تكفيني هذا؟ فقال: أنا أجيئك به، فدخل عسكر عبد

стр. 2631

الملك ليلا فجعل ينادي من يعرف بغلا من صفته كذا وكذا حتّى انتهى إلى خباء الرجل وقد عرفه (فقال) الرجل: ردّ الله علينا ضالتك، فقال: يا عبد الله إنّي قد أعييت فلو أذنت لي فاسترحت قليلا، قال: ادخل فدخل والرجل وحده في خبائه فرمى بنفسه ونام صاحب الخباء، فقام إليه فأيقظه فقال والله لئن تكلّمت لأقتلنّك، ولن سكت وجئت معي إلى زفر فلك عهد الله وميثاقه أن أردّك إلى عسكرك بعد أن يصلك زفر ويحسن إليك، فخرجا وهو ينادي من دلّ على بغل ويصف حتّى أتى زفر بن الحارث والرجل معه، فأعلمه أنّه قد آمنه، فوهب له زفر دنانير وحمله على راحلة، وألبسه ثياب النساء، وبعث معه رجالا حتى دنوا من عسكر عبد الملك فنادوا هذه جارية بعث بها زفر إلى عبد الملك. وانصرفوا، فلما نظر إليه أهل العسكر عرفوه، وأخبروا عبد الملك خبره فضحك وقال: لا أبعد الله رجال مضر، والله إن قتلهم لذل، وإن تركهم لحسرة، وكف الرجل فلم يعد لشتم زفر وأصحابه، ويقال إنه هرب من العسكر. قالوا: وقال عبد الملك وهو محاصر لزفر بن الحارث: إنا وجدنا زفر بن الحارث … في هذه الهنات والهيائث (١) خبيثة من أخبث الخبائث قالوا: وكتب عبد الملك إلى زفر بن الحارث كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة ولزوم الجماعة ويرغبه ويرهبه، وبعث بالكتاب مع رجاء بن حيوة

стр. 2632

الكندي والحجّاج بن يوسف الثّقفي، فأتيا زفر بالكتاب وكلّماه فأبى الصلح، وحضرت الصلاة فصلّى رجاء مع زفر، وصلّى الحجّاج وحده، وقال: لا أصلّي مع مشاق منافق، فلما انصرفا قال عبد الملك لرجاء: كيف لم تفعل ما فعل الحجّاج؟ قال: ما كنت لأدع الصلاة مع قوم يقيمونها وأصلّي وحدي. وقال الهذيل بن زفر لأبيه: لو صالحت هذا الرجل فقد أكلتك وقومك الحرب وأنت مذ سنون في هذه المدينة وقد أعطى الناس الرجل طاعتهم، واجتمعوا عليه، وهو خير لك من ابن الزبير، وأمر عبد الملك محمد بن مروان أن يعرض على زفر وابنه الهذيل الأمان على أنفسهما ومن معهما، وأن يعطيا ما أحبّا، ففعل محمد ذلك فأجاب الهذيل، وكلّم أباه فأجاب على أن له الخيار عليه، فبينا الرسل تختلف في ذلك، إذ جاء رجل من كلب إلى عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين قد هدمت أربعة أبرجة، فقال عبد الملك: لا أصالحهم وناهضهم فهزموا أصحابه حتى دخلوا عسكره، وأزالوه عن موقعه، فقال: أعطوهم ما أرادوا، فقال زفر: كان هذا قبل هذه الحال أمثل، قال: واستقر صلح زفر على أن آمنه عبد الملك وابنه وكلّ من كان مع زفر وعلى وضع الدماء والأموال، وأن لا يقاتل زفر مع عبد الملك، ولا يقاتل له حتى يموت عبد الله بن الزبير لبيعته له، وأن يعطى مالا يقسمه في أصحابه، وخاف زفر أن يغدر به عبد الملك كما غدر بعمرو بن سعيد الأشدق، فتوقّف عن إتيانه حتّى بعث إليه بقضيب النبي ﷺ أمانا له. وحدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عديّ عن يعقوب بن داود قال: لما تمّ الصلح بين عبد الملك (وزفر) خرج إليه فرأى قلّة أصحابه

стр. 2633

فقال عبد الملك: لو علمت أنّه في هذه القلّة لحاصرته أبدا حتى ينزل على حكمي فبلغ زفر قوله فقال: إن شئت رجعت ورجعنا إلى أمرنا فقال: بل نفي لك يا أبا الهذيل. قال: ودخل زفر على عبد الملك فأجلسه معه على سريره فقال ابن عضاة الأشعري: أنا كنت يا أمير المؤمنين أحقّ بهذا المجلس، فقال زفر: كذبت لست هناك إنّي عاديت فضررت، وواليت فنفعت. ودخل الأخطل غياث بن غوث على عبد الملك، فرأى زفر بن الحارث معه على سريره، فقال: يا أمير المؤمنين أيقعد زفر هذا المقعد وقد قاتلك وحاول زوال نعمتك وسلبها؟ فقال زفر: إنّا كنّا قاتلناك بالأمس ثم أرانا الله خيرا ممّا كنّا فيه فواليناك ودخلنا في أمرك فنحن اليوم في طاعتك على أشدّ ممّا كنّا فيه من معصيتك، فلا تسمعنّ ما يقول هذا الفدوكسي النصراني ولا قول قومه، فإنّا أمسّ بك قرابة، وأوجب عليك حقا. قالوا: ودخل زفر على عبد الملك وقد مدّ رجله، ولم يقبل عليه كما كان يقبل لكلام الناس في إجلاسه إيّاه على سريره، فلما دنا زفر من السرير قال: يا أمير المؤمنين اقبض رجلك عن مجلس خالك، وفه لي بما أخذت عليه صفقتي ونلت به طاعتي فقبض رجله وجلس زفر. وقال ابن الكلبي: قوله خالك يعني أنّ أمّ عبد شمس من بني سليم، وأمّ أبيه آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر. قالوا: وكان ممّن يتكلّم في أمر زفر عند عبد الملك خالد بن يزيد بن معاوية فقال زفر:

стр. 2634

أبا هاشم لست الحليم فترتحبى … ولست أبيا صابرا حين تجهل ستمنعني قيس من الضيم والقنا … وتمنعني بيض تحدّ وتصقل أبعد سعيد يوم قام بخطبة … أزال بها عنك الخلافة تجذل سعيد بن مالك بن بحدل. قالوا: وقال عبد الملك لزفر: بلغني أنّك من كندة؟ فقال: وما خير من لا ينفى حسدا ولا يدّعى رغبة. قالوا: وساير زفر عبد الملك يوما، فلما كان بالمرج طعن في جنبه بمخصرته ثم قال: أبكاها الله ولا ذهبت، فغضب زفر وخنس من موكبه، فافتقده وقال: أين أبو الهذيل؟ فقالوا: تخلّف فوقف فدعي، فقال: يا أبا الهذيل إنما مزحت معك قال: فهلاّ بغير هذا. وقال الجحاف بن حكيم السلمي: وكنت زبيريّا فأصبحت شيعة … لمروان وأرتدّ الهوى لابن بحدل وقال ابن الكلبي: كانت الرباب بنت زفر بن الحارث عند مسلمة بن عبد الملك، فكان يؤذن عليه لأخويها الهذيل وكوثر في أوّل الناس، فقال عاصم بن عبد الله الهلالي لمسلمة: أمسلم قد منّيتني ووعدتني … مواعيد خير إن رجعت مؤمّرا أيدعى الهذيل ثم أدعى وراءه … فيا لك مدعى ما أذلّ وأحقرا فلست براض عنك حتى تحبّني … كحبّك صهريك الهذيل وكوثرا وكيف ولم يشفع لي الليل كلّه … شفيع إذا ألقى قناعا ومئزرا فقال الهذيل وفخر على عاصم:

стр. 2635

ما فخر ذي فخر عليّ وإنّما … نشأنا وأمّانا معا أمتان أبي كان خيرا من أبيك وأفضلت … عليك قديما جرأتي وبياني. وقال الهيثم بن عديّ: لما اتى زفر قرقيساء ومات مروان، كتب عبد الملك إلى أبان بن عقبة بن أبي معيط وهو على حمص يأمره أن يسير إلى زفر، فسار وعلى مقدمته عبد الله بن زميت الطائي، فواقع زفر بن الحارث فقتل من أصحاب ابن زميت ثلاثمائة فلامه أبان على عجلته، وأقبل أبان فوقع زفر بن الحارث فقتل ابنه وكيع بن زفر، وأدركت طيّئ ثقل زفر ونساء له فاستوهب محمد بن حصين بن نمير النساء، فألحقهنّ بقرقيساء، وقال زفر: علقنا بحبل من حصين لو أنّه … تغيّب حالت دونهنّ المصاير أبوكم أبونا في القديم وإنّني … لغابركم في آخر الدهر شاكر وكان يقال إنّ زفر بن الحارث من كندة (١).

стр. 2636

خبر عصبية قيس وكلب ويوم بنات قين قال هشام بن الكلبي وغيره: صار زفر بن الحارث إلى قرقيسياء فتحصّن بها، وجعل يغير منها على بلاد كلب لأنّ كلبا كانوا مروانيّة، وكانت قيس زبيريّة، فكان يقتل ويسوق الأموال، وكانت كلب تفعل مثل ذلك بقيس، وكان عمير بن الحباب السلمي يغير مع زفر أيضا ببني تغلب وذلك بعد انصراف عمير من جيش عبيد الله بن زياد حين قتل وقبل وقوع الحرب بين قيس وتغلب، وغزا زفر تدمر وعليها عامر بن الأسود الكلبي من بني عامر الاجدار بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللاّت، ومعه ابنه الهذيل بن زفر فقتلهم جميعا ففي ذلك يقول زفر: يا كلب قد كلب الزمان عليكم … وأصابكم منّي عذاب تنزّل إنّ السماوة لا سماوة فألحقوا … بمنابت الأشنان (١) وابني بحدل فأجابه جواس بن القعطل الكلبي.

стр. 2637

دسنا ولم نفشل هوازن دوسة … تركت هوازن كالفريد الأعزل من بعد ما دسنا ترائق هامها … بالمشرفيّة والوشيج الذبّل وأذلّ معطسكم وأضرع خدّكم … قتلى فزارة إذ سما ابنا بحدل قالوا: فلما رأت كلب المدار ما لقيته كلب البوادي من زفر بن الحارث، وعمير بن الحباب أمروا عليهم حميد بن حريث بن بحدل الكلبي، فخرج حتى نزل بتدمر، وعبد الملك يومئذ يريد أن يزحف إلى زفر بن الحارث، ثم يأتي العراق لمحاربة مصعب بن الزبير، وكان من شهد المرج من بني نمير بن عامر بناحية الشام بقرب تدمر، وبينهم وبين أهل تدمر عهد وعقد، فأرسل إليهم حميد بن حريث عن نفسه، وعن أهل تدمر: إنّا قد نقضنا عهدكم فألحقوا بمأمنكم من الأرض، ثم سار إليهم فقتلهم، ويقال: إنّه وجّه إليهم جماعة من كلب فأتت عليهم، وإنّ حميدا لم يكن معهم، وسار حميد يريد بني تغلب لمظاهرتهم عمير بن الحباب وقيسا على كلب، فوجد عميرا قد أغار على قوم من كلب فمضى في طلبه ودليلاه العكبش بن حليطة الكلبي والمأموم بن زيد الكلبي، فلم يلحقه ولحق قوما من قيس ممّن كان مع عمير فقتلهم، ولم ينج منهم إلاّ رجل عريان ركب فرسه وأتى عميرا فقال عمير: ما زلت أسمع بالنذير العريان حتى رأيت، ولحق عمير بقرقيسياء وانطلق حميد إلى من قتل من أولئك القيسيّة الذين كانوا مع عمير، فقطع آذانهم ونظمها في خيط ومضى بها إلى الشام. وانتهى الخبر إلى عبد الملك، وعبد الله بن الزبير يومئذ بمكة، وكان عند عبد الملك حسّان بن مالك بن بحدل الكلبي، وعبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري، فأتي عبد الملك بالغداء فقال

стр. 2638

عبد الملك لعبد الله بن مسعدة: ادن فكل، فقال ابن مسعدة: والله لقد أوقع حميد بسليم وعامر وأخلاط قيس وقعة لا ينفعني معها غداء، ولا يسوءني بعدها شراب حتى يكون لها غير، فقال حسّان بن مالك: يا بن مسعدة غضبت لقيس إن قتلت، وأنسيت دخولهم قرقيسياء يغيرون على أهل البادية منّا قوم ضعفاء لا ذنب لهم، فلما رأى حميد ما نزل بقومه وما نالهم طلب بثأره فأدركه، وبلغ حميدا قول ابن مسعدة فقال: والله لأوقعنّ بفزارة وقعة تشغل ابن مسعدة عن الغضب لعامر وسليم، فتجهّز وخرج حتى أتى فزارة ومعه دليل من كلب يقال له العكبش بن حليطة وآخر يقال له المأموم بن زيد بن مضرس الكلبي، ومعه كتاب قد افتعله على لسان عبد الملك بتوليته صدقاتهم، فلما اجتمعت إليه وجوههم قال: يا بني فزارة هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده، وقد كان ضرب فسطاطا وخباء فجعل يدعو الرجل منهم فيدخل الفسطاط، ثم يخرج من مؤخّرة فيقتل، وعلم قوم من خارج الفسطاط بما يفعل بأصحابهم فامتنعوا من الدخول، فكثرهم بمن معه فقتلهم فكان جميع من قتل منهم: من بني بدر خمسين رجلا، سوى من قتل من غيرهم، وأخذ أموالهم ثم رجع حميد إلى الشام. فلما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير بالعراق وقدم النخيلة بالكوفة، كلّمه أسماء بن خارجة بن حصن، وبنو فزارة، وذكروا ما صنع حميد بن حريث بن بحدل، وحدّثوه بأنّه ادّعى أنّه مصدقّه وقالوا: يا أمير المؤمنين أقدنا منه فأبى عبد الملك ذلك وقال: كنتم في فتنة، والفتنة كالجاهلية ولا قود فيها، ولكنّي صانع بكم ما لا أصنعه بغيرهم أدي كل قتيل منكم بدية من أعطيه قضاعة وحمير ممّن بأجناد الشام، فقبل القوم الديات، فقال

стр. 2639

عمرو بن المخلى، وبعضهم يقول: ابن المخلاة، وقال ابن الكلبي: هو المخلى. خذوها يا بني ذبيان عقلا … على الأحياء واعتقدوا الخزاما مواعد من بني مروان دينا … ندافعكم بها عاما فعاما فلما قبضوا الديات، مضى قوم منهم إلى اليمن، فاشتروا الخيل والسلاح، فلما قدموا أغارت بنو فزارة على بني عبد ودّ وبني عليم من كلب وهم على ماء يقال له بنات قين، وقال غير أبي مخنف: هو ماء عند جبل يقال له بنات قين، فقتلوا منهم مائة وثمانين، ويقال: نيّفا وخمسين، وكان قائدا القوم: سعيد بن عيينة بن حصن، وحلحلة بن قيس بن الأشيم بن سيّار من بني العشراء من فزارة. فقال عويف القوافي ابن معاوية: فسائل جحجبى وبني عديّ … وتيم اللاّت من عقد الحزاما فإنّا قد جمعنا جمع صدق … يفرّج عن مناكبه الزحاما في أبيات. وبلغ عبد الملك أنّ كلبا جمعت لتغير على قيس وفزارة خاصّة، فكتب إليهم يقسم لهم بالله لئن قتلوا من بني فزارة رجلا ليقيدنّهم به، فكفّوا وكتب عبد الملك إلى الحجّاج بن يوسف، وهو عامله على الحجاز يأمره بأن يحمل إليه سعيد بن عيينة، وحلحلة بن قيس الفزاريّين، فبعث بهما إليه فحبسهما، وقدم على عبد الملك وفد كلب فعرض عليهم الديات فأبوها، فقال: إنما قتل منكم الشيخ الكبير والصبيّ الصغير، فقال له النعمان بن فريّة: قتل منّا من لو كان أخاك لاختير عليك، فغضب عبد الملك، وأراد

стр. 2640

ضرب عنقه فقيل له: إنّه شيخ كبير خرف فأمسك، وقال أبناء القيسيّات، وهم: الوليد وسليمان ابنا عبد الملك، وأبان بن مروان لعبد الملك: لا تجبهم إلاّ إلى الديات، وقال خالد بن يزيد بن معاوية وأبناء الكلبيّات: لا إلا القتل واختصموا، وتكلّم الناس في ذلك في المقصورة حتى علت أصواتهم، وكاد يكون بينهم شرّ، فلما رأى عبد الملك ذلك أخرج سعيد بن عيينة وحلحلة بن قيس، فدفع حلحلة إلى بني عبد ودّ من كلب، وحلحلة يقول: إن أك مقتولا أقاد برمّتي … فمن قبل قتلي ما شفى نفسي القتل وقد تركت حربي رفيدة كلّها … مجاورها في داهرها الخوف والذلّ ومن عبد ودّ قد أبرت قبائلا … فغادرتهم كلاّ يطيف به كلّ وقال أيضا: إن يقتلوني يقتلوني وقد شفى … غليل فؤادي ما أتيت إلى كلب فقرّت به عيني وأفنيت جمعهم … وأثلج لمّا أن قتلتهم قلبي شفى النفس ما لاقت رفيدة كلّها … وأشياخ ودّ من طعان ومن ضرب ووقف حلحلة بين يدي عبد الملك فقال لعبد الملك: ما تنتظر بنا يا بن الزرقاء فوالله لو ملكناها منك ما أنظرناك طرفة عين، فلما قدّم ليقتل قيل له: اصبر يا حلحلة فقال: أصبر من عود بجنبيه جلب … قد أثّرت فيه الغروض والحقب أصبر من (ذي) ضاغط عركرك (١) … ألقى بوابي زوره للمبرك

стр. 2641

ومدّ عنقه وهو يقول: اجعلها خير الميتتين فقتل، وكان الذي تولّى قتله شعيب بن سويد، ودفع سعيد بن عيينة بن حصن إلى بني عليم من كلب فقتلوه، ويقال إنّ سعيدا هو الذي قال لعبد الملك: يا بن الزرقاء ما تنتظر بنا؟. وقال حين حبس: فإن أقتل فقد أقررت عيني … وقد أدركت قبل الموت ثأري وما قتل على حرّ كريم … أباد عدوّه يوما بعار فإن أقتل فقد أهلكت كلبا … ولست على بني بدر بزار وقال حلحلة وهو في الحبس: لعمري لئن شيخا فزارة أسلما … لقد حزنت قيس وقد ظفرت كلب فلا تأخذوا عقلا وخصّوا بغارة … بني عبد ود بين دومة والهضب سلام على حيّي هلال ومالك … جميعا وخصّوا بالسلام أبا وهب أبو وهب زبّان بن سيّار بن عمرو، أحد بني العشراء من فزارة، ومالك بن سعد بن عديّ بن فزارة، وقال زبّان حين بلغه شعر حلحلة: رحم الله أبا ثوابة قد كفانا النار والعار، وأدرك بالثأر، ولنا في القوم فضل فلم يحرّضنا عليهم، وقال بعض الفزاريّين: لقد وفي أبو الذبّان (١) لكلب وآثرهم على بني عمّه. وقال عليّ بن الغدير الغنوي في قتل سعيد وحلحلة:

стр. 2642

وحلحلة القتيل مع ابن بدر … وأهل دمشق أنجية عزين فبعد اليوم أيّام طوال … وبعد خمود فتنتكم فتون خليفة أمّة قسرت عليه … تخمّط (١) فاستخفّ بمن يدين وقال أرطاة بن سهيّة: ألا أبلغ بني مروان عنّا … فقد أعطيتم كرما وخيرا أيقتل شيخنا ويرى حميد … رخيّ البال يستبئ الخمورا فناكت أمّها قيس جهارا … وعضّت بعدها مضر الأيورا ولا والله ما كرمت ثقيف … ولا كانوا على كلب نصيرا يقول حين حمل الحجّاج سعيدا وحلحلة. وقال رجل من كلب: ونحن قتلنا سيّديهم بشيخنا … سويد فما كانا وفاء به ذمّا سويد بن زمان بن ماطل. حرب قيس وتغلب قالوا: لما انقضى أمر مرج راهط، وصار زفر بن الحارث إلى قرقيسياء صار معه عمير بن الحباب بن جعدة السلمي، وهو ابن الصمعاء، والصمعاء أمّة أوجدته، وكانت سوداء، فجعلا يطلبان كلبا واليمانيّة بقتلى مرج راهط وكان معهما قوم من بني تغلب يدلونهما ويقاتلون معهما إذا أغارا، فطلبت كلب قوما أغاروا عليهم من بني تغلب مع زفر، ففي ذلك يقول غياث الأخطل بن غوث:

стр. 2643

نبئت كلبا تمنّى أن تحاربنا … وطال ما حاربونا ثم ما ظفروا (١) وحدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقّة عن مشايخ القيسيّين قالوا: لما انقضى أمر المرج بايع عمير مروان بن الحكم وفي نفسه ما فيها من أمر قتلى قيس يوم المرج، فلما عقد مروان لعبيد الله بن زياد وجّهه إلى الجزيرة والعراق، وشخص عمير في جيشه، فجعله على إحدى مجنّبتيه وهي الميسرة، وكان معه يوم لقي ابن صرد بعين الوردة، وأتى معه قرقيسياء فكان عمير يثبطه عن المقام عليها ويشير عليه بتلقّي جيش المختار بن أبي عبيد الثقفي قبل أن يدخل الجزيرة، فأغذّ ابن زياد السير حتى لقي ابراهيم بن الأشتر، فمال عمير مع ابن الأشتر حتى فضّ عسكر عبيد الله بن زياد وقتل عند نهر يقال له الخازر بقرب الزابي، وكره عمير أن يصير إلى المختار، فأتى قرقيسياء، فأقام بها مع زفر بن الحارث، فكانا يغيران على كلب واليمانيّة، وشغل عبد الملك عن زفر فلم يسر إليه، ولم يوجّه جيشا، وملّ عمير المقام بقرقيسياء فطلب الأمان من عبد الملك فآمنه وكان عليه في نفسه ما كان، ووشى به إليه مع ذلك واش فحبسه فاحتال حتى هرب من الحبس، فيقال: انّه اتّخذ سلّما من خيوط قنّب وتسلّق به حتى تخلّص من حبسه على سلّم من خيوط من كوّة البيت وأنشأ يقول: عجبت لما تظنّته الموالي … بخرّاج من الغمرات ناج ونوّم شرطة الريّان عنّي … كميت اللون صافية المزاج

стр. 2644

والرّيان مولى عبد الملك وصاحب حرسه، وكان عمير محبوسا عنده، فسقى أعوانه نبيذا حتى أسكرهم ونجا، ويقال: بل كلّم فيه فخلاّه، والأوّل أثبت، فعاد إلى الجزيرة وكان منزله على النهر المعروف بالبليخ، فاجتمعت إليه قيس فكان يغير بهم على كلب واليمانيّة، وكان من معه من القيسيّة يسيئون جوار بني تغلب ويسخّرون مشايخهم من النصارى، فهاج ذلك بينهم شرّا لم يبلغ الحرب وذلك قبل شخوص عبد الملك إلى زفر والمصعب بن الزبير، وكانت قيس زبيريّة وتغلب مروانيّة. وقال أبو عمرو الشيباني الراوية فيما أخبرني عنه ابنه عمرو بن أبي عمرو: أغار عمير بن الحباب على كلب، ثم انكفأ راجعا فنزل ومن معه من قيس بثني من أثناء الفرات، ويقال: على الخابور، والخابور نهر يخرج من رأس العين ويصبّ في الفرات، وكانت منازل بني تغلب فيما بين الخابور والفرات ودجلة، وكانت بحيث نزل عمير وأصحابه امرأة من بني تميم ناكح في بني تغلب يقال لها أمّ دوبل ولها غنيمة، فأخذ غلام من بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر عنزا منها فذبحها، فشكت ذلك إلى عمير فلم يشكها، وقال: هذا من مغمرة الجيش فلما رأى الحرشيّون أنّ عميرا لم يغيّر على صاحبهم شدّوا على باقي الغنيمة فذبحوها وأكلوها، ومانعهم قوم من بني تغلب حضروهم فقتل رجل منهم يقال له مجاشع التغلبي، وجاء دوبل وهو من بني مالك بم جشم بن بكر بن حبيب، وكان من فرسان بني تغلب، فأخبرته أمه بما أصيبت به، فسار في قومه، فشكا إليهم ما صنع بغنم أمه، وجعل يذكرهم تعالي قيس عليهم، وسوء جوابهم لهم، فاجتمعت منهم جماعة، وأمروا عليهم شعيث بن مليل التغلبي، ثم أغاروا

стр. 2645

على بني الحريش، ومع بني الحريش حينئذ قوم من إخوتهم بني قشير بن كعب، فقتلوا منهم واستاقوا ذودا لامرأة من بني الحريش يقال لها أمّ الهيثم، فلم يقدر القيسيّون على تخلّصه من أيديهم، فقال الأخطل وبلغه الخبر وهو براذان (١): أتاني ودوني الزابيان كلاهما … ودجلة أنباء أمرّ من الصبر أتاني بأنّ ابني نزار تضاغنا … وتغلب أولى بالوفاء وبالغدر (٢) وقال الأخطل أيضا: فإن تسألونا بالحريش فإنّنا … بلينا بنوك منهم وفجور غداة تحامتنا الحريش كأنّها … كلاب بدت أنيابها لهرير وجاؤوا بجمع ناصري أمّ هيثم … فما رجعوا من ذودها ببعير (٣) وقال عمرو بن الأهتم التغلبي: وإنّا يوم سار بنا شعيث … قريناهم وأيّ قرى قرينا نصصنا الخيل والرايات حتى … قضينا من هوازن ما قضينا وما أبقين من قيس شريدا … وما غادرن للجشمي دينا فرد عليه نفيع بن صفّار المحاربي بعد مقتل شعيث بن مليل فقال: وإنا يوم لاقينا شعيثا … قريناه فأيّ قرى قرينا في أبيات.

стр. 2646

وقال القطامي وهو عمير بن شييم. وإنّا يوم نازلهم شعيث … كليث الغيل أصحر ثمّ ثارا وتغلب جدّعوا أشراف قيس … وذاقوا من تخمّطها البوارا بضرب يقعص الأبطال منهم … ويمتكر اللحى منه امتكارا (١) المكر المغرة. ومن رواية أبي عبيدة فيما أخبرني عنه عليّ بن المغيرة الأثرم: أن غنم أم دوبل، وهي فيما ذكر تغلبيّة، نفشت في زرع لرجل من قيس في بعض الليالي، فشكا القيسي ذلك إليها فلم تشكه وضحكت به، ثم نفشت في زرعه ليلة أخرى، فأخذ عنزا منها فذبحها، فلما جاء ابنها دوبل اعلمته ذلك فأتى وأخ له وعدّة معهما من بني تغلب الرجل القيسي فذبحوه على دم العنز، فأغار قومه على بني تغلب فقتلوا منهم اثني عشر رجلا فيهم مجاشع التغلبي، وأغارت بنو تغلب وعليها شعيث بن مليل على قوم من بني قشير فقتلوا منهم خمسة وعشرين رجلا، ولم يذكر أبو عبيدة بني الحريش البتّة. وقوم يزعمون: أنّ شعيثا كان بآذربيجان وكان يرى رأي الخوارج، فأرسلت إليه تغلب تستنجده، فأقبل في ألفي فارس ومعه ثعلبة بن نياط فعبر دجلة إلى لبّى وهي بين تكريت والموصل، وأتى الثرثار فوجد قيسا مجتمعين عليه وتغلب بإزائهم وعليهم ابن هوبر التغلبي، فكره أن يسير تحت لواء ابن هوبر، فقصد قصد قيس، وأتت عمير بن الحباب طلائعه فأخبرته بخبر شعيث، فانفرد له في جمع كبير من قيس، وخلّف من يكيفه أمر ابن هوبر

стр. 2647

والتغلبيّين، فلقي شعيثا، فاقتتلا فظهر عمير على شعيث، فقتل وأصحابه فلم ينج منهم إلاّ عدة يسيرة لحقوا ببني تغلب، وكان ثعلبة بن نياط فارق شعيثا ولحق ببني تغلب فقاتل معهم، والخبر الأوّل أثبت، والشعر على صحته أدلّ. يوم ماكسين قالوا: استحكم الشر بين قيس وتغلب، وعلى قيس عمير بن الحباب وعلى تغلب شعيث بن مليل، فغزا عمير بني تغلب وجماعتهم بماكسين وهي قرية من قرى الخابور، بينها وبين رأس العين يوم أو يومان، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهي أوّل وقعة لهم تزاحفوا فيها، فقتل من بني تغلب خمسمائة، وقتل شعيث بن مليل، وكانت الوقعة عند قنطرة هناك، فقال نفيع بن صفّار المحاربي: وأيّام القناطر قد تركتم … رئيسكم لنا غلقا رهينا تركنا الباكيات على شعيث … سواجم عبرة ما ينقضينا وكان زفر بن الحارث قال حين أغارت تغلب على بني الحريش ومن معهم من قشير: شغلت قيس بغزل نسائها عن هؤلاء النصارى، فقال عمير بن الحباب: ما همّنا يوم شعيث بالغزل … يوم انتضيناهنّ أمثال الشعل وهنّ يردين كعقبان الخيل … من بين دهماء وطرف ذي خصل وزعموا أنّ رجل شعيث قطعت يومئذ، فجعل يقاتل حتى قتل وهو يقول:

стр. 2648

قد علمت قيس ونحن نعلم … أنّ الفتى يقتل وهو أجذم وقال نفيع بن صفّار: وبشاطئ الخابور صبّحناكم … بالمرهفات البيض يفرين الذرى وقال جرير بن عطيّة: تركوا شعيث بني مليل مسندا … والآسين وأقعصوا شعرورا (١) وقال نفيع بن صفّار المحاربي: ما بعد قتل شعيث في سراتكم … وبعد قتل أبي أفعى وشعرور وقال تميم بن أبي (بن) مقبل العجلاني: قل لابنة الأخطل المسلوب مئزرها … يوم الفوارس لمّا راث فاديها ولست سائلها إلاّ بواحدة … ما ردّ تغلب عنها إذ تناديها (٢) وقال عبيد بن حصين النميري الراعي: أبا مالك لا تنطق الشعر بعدها … وأعط القياد القائدين على كثر ونحن تركنا تغلب ابنة وائل … كمنكشر الأنياب منقطع الظهر (٣) يعني بما كان بينهم يوم الخابور ويوم ماكسين.

стр. 2649

يوم الثرثار الأول والثرثار نهر ينزع من هرماس نصيبين ويفرغ في دجلة بين الكحيل ورأس الإيل (١). قالوا: استمدّت تغلب بعد يوم ماكسين وحشدت واجتمعت إليها النمر بن قاسط، وأتاها المجشّر بن الحارث من ولد أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وكان من سادات بني شيبان بالجزيرة، وأتاها زمام بن مالك الشيباني في جمع، وأتت جماعة منهم مالك بن مسمع قبل يوم الجفرة وقبل مصيره إلى ناحية اليمامة والبحرين، فشكوا إليه قيسا وما كان منهم يوم ماكسين وقبله، فقال: ما أحسبكم إلاّ من نبيط تكريت، ولو كنتم من بني تغلب لدافعتم عن أنفسكم وحرمكم، فقالوا: إنّا حيّ فينا ما قد علمت من النصرانيّة، ومضر مضر وأيّ السلطانين غلب فهو مع قيس، فقال مالك: اذهبوا فإن أمدّهم السلطان بفارس فلكم عليّ فارسان، وإن أمدّهم برجل فلكم رجلان، إنّ السلطان اليوم لفي شغل عنكم وعنهم، فانطلقوا وقد غضبوا وجعلوا عليهم بعد شعيث بن مليل زياد بن هوبر، ويقال يزيد بن هوبر التغلبي، وقال ابن الكلبي: هو حنظلة بن قيس بن هوبر أحد بني كنانة بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب، وكان على قيس عمير بن الحباب السلمي، فلما رأى من مع بني تغلب، استنجد تميما وبني أسد فلم يأته منهم أحد فقال عمير:

стр. 2650

أيا أخوينا من تميم هديتما … ومن أسد هل تسمعان المناديا ألم تعلما إذ جاء بكر بن وائل … وتغلب ألفافا تهزّ العواليا إلى قومكم قد تعلمون مكانهم … وكانوا جميعا حاضرين وباديا وزعموا أنّ عبيد الله بن زياد بن ظبيان البكري ممّن أنجدهم من ربيعة، فلذلك حقد عليهم المصعب بن الزبير حتى قتل أخاه النابئ ولم يقتل صاحبه، وكانت القيسيّة زبيريّة، وأنجد بني تغلب أيضا ركضة بن النعمان الشيباني. قالوا: ثم إنّ الربعيّين والقيسيّين التقوا على الثرثار فاقتتلوا قتالا شديدا وجعل بنو تغلب يقولون: ننعى بأطراف القنا المجاشعا … فإنّه كان كريما فاجعا وابن مليل شيخنا المدافعا ثم إنّ قيسا انهزمت وقتلت بنو تغلب وألفافهم منهم مقتلة عظيمة، وبقروا بطون ثلاثين امرأة من بني سليم. وقالت ليلى بنت الحمارس التغلبيّة، ويقال قالها الأخطل: لما رأونا والصليب طالعا … ومار سرجيس وسمّا ناقعا والخيل لا تحمل إلاّ دارعا … والبيض في أيماننا قواطعا خلّوا لنا الثرثار والمزارعا … وحنطة طيسا وكرما يانعا (١) كأنّما كانوا غرابا واقعا ويروى: زاذان والمزارعا

стр. 2651

وقال الأخطل. عتبتم علينا آل عيلان كلّكم … وأيّ عدو لم نبته على عتب (١) في قصيدة له. فأجابه جرير بن عطيّة في قصيدة له: ستعلم ما يغني الصليب إذا غدت … كتائب قيس كالمهنّاة الجرب لعلّك يا خنزير تغلب فاخر … إذا مضر يوما تسامت بها الحرب (٢) وقال الأخطل في شعر طويل: لعمري لقد لاقت سليم وعامر … إلى جانب الثرثار راغية البكر وقال نفيع بن صفّار المحاربي: أبا مالك لا تدّع الفخر بالمنى … فما بسفاه القول يغضب للوتر ولكن بحدّ المشرفيّة ينتمى … بها للمعالي والمثقّفة السمر فيقال: انّه بهته بهذا الشعر، بل قاله له وقد ادّعى الأخطل باطلا في بعض أيامهم. يوم الثرثار الثاني قالوا: ثم إنّ قيسا تجمعت واستمدّت واستعدّت، وعليها عمير بن الحباب وهم في عسكر، فأتاهم زفر بن الحارث من قرقيسياء وعبد الملك مشغول عنه، فكان في عسكر آخر، وكان رئيس بني تغلب والنمر ومن معهما ابن هوبر، فالتقوا بالثرثار فاقتتلوا أشد قتال اقتتلته الناس، فانحازت

стр. 2652

بنو عامر وكانت في إحدى المجنّبتين، وصبرت بنو سليم وأعصرت حتى انهزمت بنو تغلب، وقتل ابنا عبد يسوع بن حرب ومحكان، وعبد الحارث من بني الأوس بن تغلب، فقال عمير بن الحباب: فدى لفوارس الثرثار نفسي … وما جمّعت من أهل ومال وولّت عامر عنّا فأجلت … وحولي من ربيعة كالجبال أكاوحهم (١) … بدهم من سليم وأعصر كالمصاعيب النهال وقال زفر بن الحارث: ألا من مبلغ عنّي عميرا … رسالة ناصح وعليه زار أتترك حيّ ذي يمن وكلبا … وتجعل حدّ نابك في نزار كمعتمد على إحدى يديه … فخانته بوهن وانكسار يوم الفدين قالوا: وأغار عمير بن الحباب على الفدين، وهي قرية على شاطئ الخابور ولها حصن، فاكتسح ما فيها وقتل عامّة أهلها، ويقال: بل قاتل فيها جميع بني تغلب، وكانوا بها مزاحفة مهزمهم، فقال ابن صفّار: لو تسأل الأرض الفضاء بأمركم … شهد الفدين بهلككم والصوّر كذبتك شيبان الأخوّة وأنّفت … أسيافكم بكم سدوس ويشكر والعامّة تسمّي هذه القرية الصوّر، وهي قريبة من الفدين بينهما نحو من أربعة فراسخ.

стр. 2653

يوم السّكير وهو يسمّى اليوم سكير العبّاس، قال: ولقي عمير بن الحباب تغلب والنمر وعليهم ابن هوبر بالسّكير، وهي قرية تشرع على الخابور، ومنها ناحية تشرع على الفرات فاقتتلوا فانهزمت تغلب والنمر، وهرب عمير بن جندل وكان من فرسان تغلب، وقال عمير بن الحباب: وأفلتنا يوم السكير ابن جندل … على سابح غوج اللبان (١) مثابر ونحن كررنا الخيل قبّا شوازبا … دقاق الهوادي داميات الدوائر وقال ابن صفّار: صبحناكم بهنّ على سكير … فلاقيتم هناك الأقورينا يوم المعارك والمعارك بين الحضر والعقيق من أرض الموصل، قال: اجتمعت تغلب يوم السكير بهذا المكان، فالتقوا وقيس به، واشتدّ قتالهم فانهزمت تغلب، فقال ابن صفّار: ولقد تركنا بالمعارك منكم … والحضر والثرثار أجسادا جثّا فيقال: إنّ يوم المعارك والحضر واحد، هزموهم إلى الحضر فقتلوا منهم بشرا، وقال بعضهم: هما يومان مختلفان كانا لقيس والله اعلم.

стр. 2654

يوم لبّى قالوا: والتقوا أيضا بلبّى عند ديرها، ولبّى فوق تكريت من أرض الموصل، فتناصفوا فقيس تقول كان الفضل لنا وتغلب تقول كان الفضل لنا. يوم بلد وقال أبو الوليد الكلابي: كانت بين قيس وتغلب وقعة ببلد تكافأوا فيها، وقال أبو عيسى القيسي: كانت لقيس. يوم الشرعبية قالوا: التقوا بالشرعبيّة وعلى قيس عمير بن الحباب، وعلى تغلب وألفافها ابن هوبر، فكان بينهم قتل شديد وقتل يومئذ عمّار بن المهزّم وعاصم السلميان وكان يوم الشرعبيّة لتغلب على قيس، فقال الأخطل: ولقد بكى الجحّاف لمّا أوقعت … بالشرعبيّة إذ رأى الأهوالا (١) والشرعبيّة من بلاد بني تغلب، وبناحية منبج أيضا شرعبيّة. فبعضهم يقول إنّ هذه الواقعة كانت بناحية منبج وذلك غلط. يوم البليخ قالوا: اجتمعت تغلب وسارت إلى البليخ وهناك عمير والقيسيّة، والبليخ نهر بين الرقّتين، فالتقوا، وعلى قيس عمير، وعلى تغلب ابن

стр. 2655

هوبر، فهزمت تغلب وقتلت وبقرت بطون نساء من نسائهم كما فعلوا يوم الثرثار، وفي ذلك يقول ابن صفّار: زرق الرماح ووقع كلّ مهنّد … زلزلن قلبك بالبليخ فزالا وأنشدني أبو الوليد الكلابي لبعضهم: تسامت جموع بني تغلب … إلينا فكنّا عليهم وبالا بقّرنا النساء غداة البليح … إذا جئننا وقتلنا الرجالا يوم الحشاك ومقتل عمير بن الحباب السلمي قالوا: لما رأت تغلب إلحاح عمير بن الحباب عليها، جمعت حاضرتها وباديتها وصاروا إلى الحشّاك، وهو نهر يأخذ من الهرماس، وعلى الحشّاك تلال وقور (١) وبقربه الشرعبيّة وإلى جنبه براق ويقال براق، ودلف إليهم عمير في قيس ومعه زفر بن الحارث والهذيل ابنه، وعلى تغلب ابن هوبر، فاقتتلوا عند تلّ الحشّاك أشدّ قتال وأبرحه حتى جنّ عليهم الليل ثم تفرّقوا، فاقتتلوا من الغد إلى الليل، ثم تحاجزوا، وأصبحت تغلب في اليوم الثالث فتعاقدوا ألا يفرّوا، فلما رأى عمير جدّهم وأنّ نساءهم معهم قال لقيس: يا قوم أرى لكم أن تنصرفوا عن هؤلاء فإنّهم مستقتلون، فإذا اطمأنّوا وصاروا إلى سرحهم وجّهنا إلى كلّ قوم منهم من يغير عليهم، فقال له عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي: يا بن الصمعاء قتلت فرسان قيس أمس وأول من أمس ثم ملئ سحرك وجبنت، ويقال: إنّ عيينة بن أسماء بن

стр. 2656

خارجة الفزاري، وكان أتاه منجدا له، قال ذلك، فغضب عمير من قوله وقال كأنّي بك لو حمس الوغى أوّل فار، فنزل عمير وجعل يقاتل راجلا وهو يقول: أنا عمير وأبو المغلّس … قد أحبس القوم بضنك المحبس وانهزم زفر يومئذ وهو اليوم الثالث فلحق بقرقيسياء، وذلك أنّه بلغه أنّ عبد الملك قد عزم على الحركة إليه بقرقيسياء، فبادر لاحكام أمره والتأهب بما يحتاج إليه، ويقال: أنّه ادّعى ذاك حين فرّ تحسّنا به، وركبت تغلب ومن معها أكساء (١) القيسيّة وجعلوا يقولون: أما تعلمون أنّ تغلب تغلب وشدّ على عمير جميل بن قيس من بني كعب بن زهير فقتله، فقال الأخطل لزفر: لعمر أبيك يا زفر ابن ليلى … لقد أنجاك جدّ بني معاز وركضك غير منقلب إلينا … كأنّك ممسك بجناح بازي (٢) ويقال: بل تعاوى على عمير غلمان من بني تغلب فرموه بالحجارة وقد أعيا حتى أثخنوه، وكرّ عليه ابن هوبر فقتله، وأصابت ابن هوبر يومئذ جراحة فلما انقضت الحرب أوصى بني تغلب وهو لمآبه من جراحته بأن يولّوا أمرهم مرّار بن علقمة الزهيري. وروي أيضا: أنّ ابن هوبر جرح في اليوم الثاني من أيامهم هذه الثلاثة، فأوصى بني تغلب بأن يؤمّروا عليهم مرّارا، ومات من ليلته فكان

стр. 2657

مرّار رئيسهم في اليوم الثالث، فعبأهم على راياتهم، وأمر كلّ بني أب أن يجعلوا نساءهم خلفهم، فلما أبصرهم عمير قال لأصحابه: يا معشر قيس إنّ تغلب حيّ كثير العدد، وقد اجتمعوا لقتالكم ونساؤهم معهم فأطيعوني وانصرفوا فإذا تفرّقوا شددنا عليهم حيّا حيّا، فقيل له القول الذي قيل له وفعل ما فعل حتى قتله جميل الزهيري، قال المشاعر: أرقت بأثناء الفرات وشفّني … نوائح أبكاها قتيل ابن هوبر ولم تظلمي إن نحت أمّ مغلّس … قتيل النصارى في نوائح حسّر وقال بعض الشعراء ينكر قتل ابن هوبر عميرا: وإنّ عميرا يوم لاقته تغلب … قتيل جميل لا قتيل ابن هوبر قالوا: وكانت ابنة الحمارس تنشر شعرها وتحرّض الناس وهي تقول: إيها بني تغلب إيها إيها … نحن بنو الحرب نشأنا فيها واستحرّ القتل يومئذ ببني سليم وغنيّ خاصّة، وقد قتل من غيرهم من قيس بشر كثير. وقال عمير في أوّل يوم لاقى بني تغلب فيه فصابروه فيما ذكر بعضهم: وكنّا حسبنا كلّ بيضاء (١) … تمرة ليالي لاقينا جذاما وحميرا فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه … ببعض أبت عيداننا أن تكسّرا وإنّا لقينا من ربيعة معشرا … يقودون خيلا للمنيّة ضمّرا سقيناهم كأسا سقونا بمثلها … على أنّهم كانوا على الموت أصبرا ويقال: أنّه لغيره والله أعلم.

стр. 2658

وقال زفر: ألا يا كلب غيرك أوجعوني … وقد ألصقت خدّك بالتراب ألا يا كلب فانتشري ونامي … فقد أودى عمير بني الحباب وبعثت بنو تغلب برأس عمير بن الحباب إلى عبد الملك وهو بغوطة دمشق مع وفد منهم، فأعطى الوفد وكساهم، فلما صالح عبد الملك زفر بعد ذلك واجتمع الناس عليه، قال الأخطل شعرا يقول فيه: بني أميّة قد ناضلت دونكم … أبناء قوم هم آووا وهم نصروا وقيس عيلان حتّى أقبلوا رقصا … فبايعوا لك قسرا بعد ما قهروا ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم … وقيس عيلان من أخلاقها الضجر فلا هدى الله قيسا من ضلالتها … ولا لعا لبني ذكوان إن عثروا ولم يزل لسليم أمر جاهلها … حتّى تعايا بها الإيراد والصدر فقد نصرت أمير المؤمنين بنا … لمّا أتاك بمرج الغوطة البقر يعرّفونك رأس ابن الحباب فقد … أضحى وللسيف في خيشومه أثر (١) وقال الأخطل في قصيدة له: ألا من مبلغ قيسا رسولا … فكيف وجدتم طعم الشقاق فإن يك كوكب الصماء نحسا … به ولدت وبالقمر المحاق ولاقى ابن الحباب له حميّا … كفته كلّ حازية وراق فأضحى رأسه ببلاد عكّ … وسائر خلقه بجبا براق

стр. 2659

وإلاّ تذهب الأيّام نرفد … جميلة مثلها قبل الفراق ملأنا جانب الثرثار منهم … وجهّزنا أميمة لانطلاق أميمة امرأة عمير بن الحباب. يوم الكحيل من أرض الموصل في عبر دجلة المغربي قالوا: لما قتل عمير بن الحباب تجمّعت قيس بناحية حدث الرقاق وهي بناحية قيس، فقال الأخطل: ضربناهم على المكروه حتّى … حدوناهم إلى حدث الرقاق (١) قالوا: ثمّ إنّ تميم بن الحباب أتى زفر بن الحارث، فسأله أن يطلب له بثأره فامتنع من ذلك، فقال له الهذيل ابنه: والله لئن ظفر بهم إنّ ذلك لعار عليك، وإن ظفروا وقد خذلتهم إنّ ذلك لأشدّ، فاستخلف زفر على قرقيسياء أخاه أوس بن الحارث، وعزم على أن يغير على بني تغلب ويغزوهم، فوجّه يزيد بن حمران في خيل إلى بني فدوكس، فقتل رجالهم واستباح أموالهم، حتى لم يبق غير امرأة واحدة يقال لها حميدة أعاذها ابن حمران وقد استعاذت به، وبعث الهذيل بن زفر إلى بني كعب بن زهير، فقتل فيهم قتلا ذريعا، وبعث مسلم بن ربيعة أخا بني عقيل إلى قوم من بني تغلب مجتمعين فأكثر فيهم القتل، ثم قصد لبني تغلب وقد اجتمعوا بالعقيق من أرض الموصل، فلما أحسّت به بنو تغلب ارتحلت تريد عبور دجلة، فلما

стр. 2660

صارت بالكحيل، لحقهم زفر بن الحارث في القيسيّة فاقتتلوا قتالا شديدا، وترّجل أصحاب زفر أجمعون وبقي زفر على بغل له فقتلوهم ليلتهم وبقروا بطون نساء منهم، وغرق في دجلة أكثر ممّن قتل بالسيف، وأتى فلّهم لبّى، فوجّه زفر إليهم الهذيل بن زفر فأوقع بهم إلاّ من عبر فنجا، وأسر زفر منهم مائتين فقتلهم صبرا، فقال زفر: ألا يا عين جودي بانسكاب … وبكّي عاصما وابن الحباب فان تك تغلب قتلت عميرا … ورهطا من غني في الحراب فقد أفنى بني جشم بن بكر … ونمرهم فوارس من كلاب قتلنا منهم مائتين صبرا … وما عدلوا عمير بن الحباب فقتلانا نعدّهم كراما … وقتلاهم تعدّ مع الكلاب وقال أيضا: قتلنا من بني جشم جموعا … فما عدلت جموعهم عميرا وقال ابن صفّار المحاربي: ألم تر حربنا تركت حبيبا … محالفها المذلّة والصغار وقد كانوا أولي عزّ فأضحوا … وليس بهم من الذلّ انتصار حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه حدثنا ابن الجصّاص قال: وقف عكرمة بن ربعي التيمي من ربيعة على أسماء بن خارجة الفزاري بالكوفة فقال: قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب، فقال أسماء: لا بأس إنّما قتل في ديار القوم مقبلا غير مدبر، ثم قال:

стр. 2661

يدي لك رهن عن سليم بغارة … تشيب لها أصداع بكر بن وائل وتترك أولاد الفدوكس عالة … يتامى أيامى نهزة للقبائل وحدثني الأثرم عن خالد بن كلثوم عن المفضّل الضبّي وغيره قالوا: أسر القطامي في يوم من أيّامهم، وأخذ ماله، فقام زفر بأمره حتى ردّ عليه ماله وجميع ما أخذ منه ووصله فقال فيه: إنّي وإن كان قومي ليس بينهم … وبين قومك إلاّ ضربة الهادي مثن عليك بما أوليت من حسن … وقد تعرّض منّي مقتل بادي في شعر طويل. وقال أيضا: فمن يكن استلام إلى ثويّ … فقد أحسنت يا زفر المتاعا أأكفر بعد دفع الموت عنّي … وبعد عطائك المائة الرتاعا وقال عوانة بن الحكم وغيره: لما ولّى مصعب المهلّب بن أبي صفرة الموصل والجزيرة بعث إلى بني تغلب وكانوا مروانيّة: إن تبايعوا أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وإلاّ أتاكم جيش ينسيكم قيسا ويلحقكم بمن قتلتم منهم وقتلوا منكم فعزل قبل أن يحدث فيهم حدثا، فلذلك قال القطامي: أتاني من الأزد النذيرة بعد ما … تناشد قولي بالحجاز المجالس فقالوا عليك ابن الزبير فعذ به … أبى الله أن أخزى وعزّ خنابس (١) وما جعل الله المهلّب فارسا … ولكنّ أمثال الهذيل الفوارس

стр. 2662

يوم البشر والبشر جبل في عبر الفرات الغربي قالوا: وفد الأخطل على عبد الملك بن مروان فدخل عليه الجحّاف بن حكيم بن عاصم بن قيس السلمي، والأخطل عنده فقال له عبد الملك: أتعرف هذا يا أخطل؟ قال: نعم هذا الذي أقول فيه: ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر … بقتلى أصيبت من سليم وعامر (١) وأنشد القصيدة حتى فرغ منها فتغالظا في الكلام، فنهض الجحّاف يجرّ مطرفا كان عليه حتى أتى الديوان فنظر إلى مقادير القراطيس التي تكتب فيها العهود، ثم لطف لبعض الكتّاب حتى كتب له عهدا مفتعلا على صدقات بكر وتغلب بالجزيرة وقال لأصحابه: إنّ أمير المؤمنين قد ولاّني هذه الصدقات فمن أراد اللحاق بي فليفعل وسار حتى أتى الموضع الذي يدعى اليوم برصافة هشام، وهو بقرب الرّقة فاجتمع إليه أصحابه بها، فقال لهم: إنّ الأخطل أتعبني وأسمعني، ولست بوال فمن كان يحبّ أن يرحض عنّي العار وعن نفسه فيّ فليصحبني فإنّي آليت أن لا أغسل رأسي أو أوقع ببني تغلب، فرجعوا غير ثلاثمائة قالوا له: نموت معك ونحيا، فسار ليلته حتى أصبح الرحوب وهو ماء لبني جشم بن بكر قوم الأخطل فصادف عليه جماعة عظيمة من بني تغلب فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخذ الأخطل وعليه عباءة وسخة فظنّ آخذه أنّه عبد وسئل فقال: أنا عبد فخلّى سبيله فرمى بنفسه في جبّ من جبابهم مخافة أن يراه من يعرفه من قيس فيقتل، وقتل أبوه يومئذ،

стр. 2663

فلما انصرفت القيسيّة خرج من البئر وجعلت عبلة امرأته تسله أن يعود إلى البئر خوفا عليه من كرّتهم وعودتهم فقال: يا عبل أكرم حرّة في قومها … حسبا وأرعاها لكهل سيّد قامت تتبّعنا دموعا قرّة … منها بطرف غضيضة لم تبرد ثم إن الجحّاف استخفى فطلبه عبد الملك بن مروان فمضى حتى دخل بلاد الروم مما يلي أرمينية. وأرادت بنو تغلب دفن موتاهم فقال لهم الشمرذي: إنّكم إن دفنتموهم، فرأى الناس كثرتهم غزوكم استقلالا لكم واجترأوا عليكم فأحرقوهم. وقال الجحّاف للأخطل: أبا مالك هل لمتني إذ حضضتني … على القتل أم هل لامني لك لائم ألم أفنكم قتلا وأجدع أنوفكم … بفتيان قيس والسيوف الصوارم بكلّ فتى ينعى عميرا بسيفه … إذا أعتصمت أيمانهم بالقوائم فإن يطرودني يطردوني وقد جرى … بي الورد يوما في دماء الأراقم نكحت بسيفي من زهير ومالك … نكاح اغتصاب لا نكاح الدراهم لقد أوقدت نار الشمرذى بأرؤس … عظام اللحى معرنزمات (١) اللهازم تحشّ بأوصال من القوم بينها … وبين الرجال الموقديها محارم فلا تحمدوا إلاّ الإمام لترككم … تمشّون بالخابور دسم العمائم في أبيات.

стр. 2664

وقال نفيع بن صفّار المحاربي: لقد رفعت نار الشمرذى لقومه … شنارا وخزيا طار كلّ مطار ولم يزل الجحاف ببلاد الروم حتى طلب له الأمان من عبد الملك فآمنه، وسمعت مشايخ من أهل أرمينية يذكرون: انّ الجحاف أقام بطرا بزندة ثم اتى كمخ ثم أتى قاليقلا وبعث إلى بطانة عبد الملك من القيسيّين حتى أخذوا له أمانا. قالوا: فلما صار إليه حمّله ديات من قتل، وأخذ منه الكفلاء، وأمره بالسعي والاضطراب فقال: أسأل قومي، فأتى الحجّاج بن يوسف فحجبه فلقي أسماء بن خارجة فقال له: إنّي لا أعصب لومها إلاّ بك، فدخل على الحجّاج بن يوسف فكلّمه فأذن له، فلما دخل عليه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّي أعملت المطيّ إليك من الشام لأنّه ليس أمامك مذهب ولا وراءك مطلب وليست يد دون الله تحجزك، وأنت أمير العراق، وسيّد قيس ففك رهني وتلاف أمري، فيقال أنّ الحجاج قال له: يا جحّاف أعملت المطيّ من الشام فقلت آتي الحجّاج فإن أعطاني شكرت وإن منعني بخّلت وذممت، والله ما أعطيك مال الله فقال: تعطيني عمالتك، فقال: هذا نعم فتركها له، ويقال إنّ الحجّاج قال له: أعهدتني خائنا؟ فقال: لا ولكنّك سيّد قومك، ولك عمالة واسعة، فقال: لقد ألهمت الصدق، ونظرت بنور الله، فأمر له بمائة ألف درهم، وكانت عمالة الحجّاج خمسمائة ألف درهم، ثم أقبل الحجّاج عليه يضاحكه ويسأله عن خبره وخبر بني تغلب والأخطل، فلما ولّى قال: لله رجال قيس! وقال الجحّاف:

стр. 2665

رحلت إلى الحجّاج أطلب رفده … على ثقة بالله والرهن قد غلق فأحفى سؤالي ثم أقبل ضاحكا … إليّ وأعطاني الوفاء من الورق فلما أدّى الجحّاف ما ألزمه عبد الملك أظهر التوبة وأصحابه ومضى حاجّا، فذكروا أنّ محمد بن سوقة قال: مرّ بي الجحّاف وأنا في دكّاني في السوق فاشترى منّي خزا قسمه في أصحابه، وإذا هو وأصحابه قد زمّوا (١) انفسهم. قلت: ما هذا الذي أراك وأصحابك صنعتموه فقال: جعلنا ما ترى لنذكر خطيئتنا في قتل القوم الذين قتلناهم، ونحن نريد الحجّ فلعلّ الله يرحمنا ويتوب علينا، وقدم الجحّاف مكة وأصحابه معه فتعلق بأستار الكعبة فجعل ينادي اللهم أغفر لي وما أظنّ أن تفعل، فسمعه محمد بن الحنفيّة فقال: يا شيخ القنوط شرّ من الذنب، ثم سأل عنه فقيل: هذا الجحّاف. وقال الأخطل: لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة … إلى الله منها المشتكى والمعوّل فإلاّ تغيرها قريش بملكها … يكن عن قريش مستماز ومرحل فإن تحملوا عنهم فما من حمالة … وإن ثقلت إلاّ دم القوم أثقل (٢) وزعموا أنّ عبد الملك قال له لما انشده: يكن عن قريش مستماز ومرحل قال: إلى أين ويلك؟ قال: إلى النار.
следующие страницы →