← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

فلو شهدتني يوم دولاب أبصرت … طعان امرئ في الحرب غير مليم غداة طفت في الماء بكر بن وائل … وألفافها من يحمد وسليم ومال الحجازيون نحو بلادهم … وعجنا صدور الخيل نحو تميم وكان بعبد القيس أول حدها … وولّت شيوخ الأزد ثم تعوم فلم أر يوما كان أكثر مقعصا … يمج دما من كاظم وكليم قالوا: وكان على الأزد يوم ابن عبيس قبيصة بن أبي صفرة، جد هزار مرد، وقال بعض الشعراء: يرى من جاء ينظر في دجيل … شيوخ الأزد طافية لحاها وقال الشاعر يرثي مسلم بن عبيس والحجاج بن ناب الحميري: ألا يا عين ويحك أسعديني … بدمعك ليس ذا حين الجمود على النفر الألى قتلوا جميعا … بدولاب علي دين المجيد هم صبروا على حر المنايا … ولما يرهبوا جمع الجنود ثوى ابن عبيس الماضي حميدا … إله الناس صلّ على الشهيد إذا نسبت قريش كان فرعا … قديم العز في البيت المشيد وما ألفوا ربيعا ثمّ نكسا … ولا رعديدة عند الورود غلام من غدانة في ذراها … بحيث الناس في الحسب التليد وحجاج بن ناب غادرته … رماح القوم ملقى بالصعيد غلام حميري لم يخنه … قراف الأمهات ولا الجدود وقال بعض الخوارج في مقتل نافع بن الأزرق: شمت ابن بدر والحوادث جمة … والجائرون (١) بنافع بن الأزرق

стр. 2732

قد مات غير مداهن في دينه … ومتى يمرّ بذكر نار يصعق والموت حتم لا محالة واقع … من لا يصبحه نهارا يطرق فلئن أمير المؤمنين أصابه … ريب المنون فمن يصبه يعلق وقالت عمرة أم عمران بن الحارث الراسبي وكان عمران بن الحارث الراسبي مع ابن الأزرق فقتل: الله أيد عمرانا وأسعده … وكان عمران يدعو الله في السحر يدعوه جهرا وإسرارا ليرزقه … شهادة بيدي ملحادة غدر ولى صحابته التسعون إذ دهموا … وشد عمران كالضرغامة الهصر أعني ابن عمرة إذ لاقى منيته … يوم ابن ناب يحامي عورة الدبر في أبيات قالوا: وقتل مع ابن الأزرق عوف بن أحمر الضّبعي فبكاه الحارث بن كعب الشني فقال: أجيهان (١) … قد أبلى عظامي وشفها وأسهر ليلي ذكر عون بن أحمر فتى كان لا يخشى سوى الله وحده … ويطمع في معروفه كل معتر يجاهد في الله ابن أحمر صادقا … إذا ما ارتضى بالجور كل مقصّر في أبيات: وكان عوف ممن شهد النهر فاعتزل، ثم شهد النخيلة فنجا، فقتل مع نافع، وكان الحارث بن كعب الشنّي مع نافع فنجا، ثم أخذه الحجاج بن

стр. 2733

يوسف بعد فقطع يديه ورجليه وصلبه، فطرق حرسه الخوارج ليلا فاستنزلوه، ولم يعرضوا للحرس حتى مضوا به فدفنوه. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدثنا وهب بن جرير عن محمد ابن أبي عيينة قال: حدثني معاوية بن قرة قال: خرجنا مع ابن عبيس ونحن نحو من عشرين ألفا، فقام ابن عبيس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنا إنما خرجنا حسبة، فمن كان منكم على مثل رأينا فلينهض معنا، ومن لا يك على مثل رأينا فليرجع عنا، فحصلنا في ألفين فسرنا حتى لقيناهم بدستوا فاقتتلنا، فقتل منا خمسة أمراء، وكانت الحرورية خمسمائة، فلما أمسينا بقيت شرذمة نحو من ستين، وقتل ابن الأزرق وابن عبيس، قال: فقمنا وقاموا ينظرون إلينا وننظر إليهم ما منا رجل يبسط يده للقتال من اللغوب، فقال الناس: أمسكوا عنهم حتى يسود عليهم الليل، وقال بعضهم: لا نقتلهم على غرة، فاستقام رأيهم على تركهم حتى يصبحوا. قال: وطرقهم مدد من اليمامة، وكان نافع يبقر النساء، ويقتل الصبيان. وقال الهيثم بن عدي عن ابن عياش والمجالد ويونس بن أبي إسحق قالوا: قال الشعبي: خاف أهل البصرة نافع بن الأزرق وأصحابه حين جاؤوهم، فقربوا الإبل ليرتحلوا عنها، والمتولي لأمر البصرة إذ ذاك عبد الله بن الحارث ببة، وذلك عند هرب ابن زياد، وكان أهل البصرة كتبوا إلى عبد الله بن الزبير بارتضائهم إياه، فأقره سنة ثم عزله، وكان يكنى أبا محمد، فعقد ببة لمسلم بن عبيس، ووجه معه القراء والمستبصرين في قتال الحرورية، فأتوا دولاب، فاقتتلوا فقتل مسلم وقتل نافع أيضا، فرأس أهل البصرة

стр. 2734

عليهم ربيعا الأجذم، أحد بنى سليط ورأست الأزارقة عليهم عبيد الله بن الماحوز التميمي، فقتل الأجذم، فرأسوا عليهم الحجاج بن ناب الحميري حليف قريش فقتلا جميعا، فرأس أهل البصرة عليهم حارثة بن بدر، ورأست الحرورية الزبير بن الماحوز فقال حارثة بن بدر: كرنبوا ودولبوا يا أهل البصرة وحيث شئتم فاذهبوا. فلست لكم بصاحب، وقتل من أهل البصرة بشر كثيرا فقال عبيد بن هلال: لعمرك إني في الحياة لزاهد (١) الشعر الذي قد كتبناه وقال المدائني: الأزارقة لا يكفرون من أهل الكبائر في دار هجرتهم إلا القاتل، فيقولون: القاتل قصد قطع الحجة لأن المسلم حجة. وقال المدائني: حدث أبو عمران الجوني واسمه عبد الملك بن حبيب عن أبي الجلد جيلان بن فروة الجوني قال: أتاني نافع بن الأزرق قبل أن يخرج، فقال: أريد الخروج، فقلت: لا تفعل فقال: قد طال مقامنا بين هؤلاء الذين أماتوا السنة، وأحيوا البدعة، قال: فقلت له: أما إذ أبيت إلا الخروج، فإني رويت أن لجهنم سبعة أبواب باب منها للحرورية فاخرج إن شئت أو دع، فخرج إلى الأهواز. المدائني عن عامر بن عبد الملك قال: جاء نافع بن الأزرق إلى مالك بن مسمع وعليه سيف عريض قصير، فقام إليه ابن مسمع فأخذ

стр. 2735

بحمائل سيفه فقال له: يا مالك خل عن سيف ابن عمك، فقال مالك: يا نافع ألا تعيننا على أمرنا هذا؟ فقال: إني لا أرى القتال معكم. وروي عن الجارود بن أبي سبرة قال: خرج نافع إلى الأهواز فأقام وأصحابه سبعة أشهر لا يستعرضون الناس وسيرتهم حسنة، ثم استعرضوا وبسطوا، فقتل نافع في جمادي الآخرة سنة خمس وستين، فقام بأمر الخوارج عبيد الله بن بشير بن الماحوز، وعلى أهل البصرة ربيع الأجذم. المدائني عن هشام بن قحذم قال: خرج قوم من الأزارقة بموقوع (١)، فقيل لببة: إن بموقوع خوارج، فقال: دعونا نمسي ونرى رأينا، فأرسل إليهم خيلا ليلا فالتقطوا. قال: ومات الأزرق أبو نافع، وكان رجلا سنّيا صالحا، فقدم نافع من سفر له وقد مات أبوه فلم يصل عليه وقال: دونكم صاحبكم، فلما بلغ ابن زياد ذلك أخذه فحبسه، فقال لرجل محبوس معه: لأي شيء حبسك ابن زياد؟ فقال أخذني بظنة الخوارج لعنهم الله، فقال نافع: هذا الظالم المظلوم يحبسه ابن زياد ويشتم الخوارج. قال: ولقي نافع امرأة على حمار لها، وذلك في أيام الطاعون فقال لها: أين تريدين؟ قالت: أفر من الطاعون قال: ويلك أتفرين من الله على حمار؟!. وقال سلامة الباهلي: قتلت نافعا فطالبتني بثأره امرأة كانت تدعوني إلى البراز ونحن نقاتل عبيد الله بن الماحوز.

стр. 2736

أمر عثمان بن عبيد الله ابن معمر في قتال ابن بشير ابن الماحوز قالوا: أقام عبيد الله بن بشير بن الماحوز بالأهواز بعد مقتل مسلم وأصحابه ثلاثة أشهر، وهاب الناس بالخوارج وكره ببة القتال، فلزم منزله فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير في ذلك، فكتب إلى أنس بن مالك في تولي الصلاة، فصلي أربعين يوما، ثم ولى ابن الزبير البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر، وكتب إليه بعهده عليها وكان يريد العمرة، فقلد خلافته عبيد الله بن عبيد الله أخاه، وندب عمر بن عبيد الله لقتال الأزارقة وهم بالأهواز، أخاه عثمان، ويقال إن عبيد الله ندبه وبلغ الخوارج ذلك فأقبلوا من الأهواز يريدون البصرة، فقال حارثة بن بدر: ما عذرنا عند أهل مصرنا إن وصل إليهم الخوارج ونحن دونهم إليهم، فأقبل من نهر تيرى، وكان بها، فعبر دجيلا، وأقبل الخوارج فقاتلهم حتى رجعوا إلى دولاب، وقدم عثمان بن عبيد الله بن معمر في عشرة آلاف من أهل البصرة، فسار ومعه ابن بدر إلى ابن بشير بن الماحوز. فلما التقى العسكران قال عثمان لحارثة بن بدر: أما الخوارج إلا من أتاني؟ فقال حارثة: حسبك هؤلاء، فقال: لا جرم لا أطعم

стр. 2737

طعاما حتى أناجزهم، فقال حارثة: أذكرك الله إن هؤلاء لا يقاتلون بالتعسف، فاستبق نفسك وجندك فقال: أبيتم يا أهل العراق إلا جبنا وما هؤلاء الأكلب، فقال حارثة: أنا أعلم بهؤلاء منك، فقال عثمان: أنت بغير الحرب أعلم، فغضب حارثة واعتزل، وناهضهم عثمان بعد الظهر فاقتتلوا حتى غابت الشمس، وقد قتل عثمان قتله ابن برز مولى عبد القيس، ويقال إنهم: تحاجزوا عند المساء، ثم بيتهم الخوارج فقتل عثمان، وقال حارثة: أيها الناس أنا حارثة بن بدر، فقاتل الخوارج ومنعهم من اتباع الناس، وبلغ قتل عثمان أهل البصرة وذلك في ذي القعدة سنة خمس وستين، ورجع الخوارج إلى الأهواز، ورجع حارثة إلى نهر تيرى فقال رجل يرثي عثمان بن عبيد الله، وكان مقتله بدولاب أيضا: ونال الشهادة منهم فتى … بدولاب كالقمر الأزهر طويل النجاد رفيع العماد … كهمّك من فارس مسعر أطاع الكتاب رجاء الثواب … وقاتل عن دبر المدبر ليعذره الله والمسلمون … ومعذرة الله للمعذر في أبيات: وقال رجل من بني تميم: مضى ابن عبيس صابرا غير عاجز … وأعقبنا هذا الحجازي عثمان فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر … وأبرق والبرق اليمانيّ خوّان فلم ينك عثمان جناح بعوضة … فأضحى عداة الدين حربا كما كانوا فلولا ابن بدر للعراقين لم يقم … بما قام فيه للعراقين إنسان إذا قيل من حامي الحقيقة أومأت … إليه معد بالأكف وقحطان

стр. 2738

قالوا: ثم عزل عبد الله بن الزبير عمر بن عبيد الله بن معمر، وولى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وهو القباع، سنة ست وستين وحارثة بن بدر بنهر تيرى، فكتب إلى القباع يسأله توليته قتال الخوارج، وأن يمده بجيش فهم أن يفعل ثم أنشد فيه: ألم تر أن حارثة بن بدر … يصلي وهو أكفر من حمار وإن المال يعرف من وعاه … ويعرفك البغايا والغفار (١) فكتب إليه القباع: أن اشخص إلى مصرك فإني مولّ هذا الأمر غيرك، فقال: لا أبرح حتى يقدم من يقوم مقامي، فرفضه أصحابه، وقفلوا حتى بقي في عصيبة من قومه فقال: لا صحبكم الله: كرنبوا ودولبوا … وحيث شئتم فاذهبوا وقال حارثة: أير الحمار فريضة لنسائكم … والخصيتان فريضة الأعراب ولدى الموالي جلد أير أبيهم … والأنثيان قلادة وسخاب (٢) ولما علم الخوارج خفة من مع حارثة قطعوا إليه دجيلا فبيتوه، وأتى دجيلا فركب سفينة ولحق به قوم من بني تميم فرسبت السفينة فغرقوا جميعا. وقال المدائني: قال أبو أمية بن يعلى: ركب حارثة سفينة فجاء شكيم التميمي وقد دفع الملاح فناداه يا حارثة إن مثلي لا يضيّع، فقال للملاح: ادن سفينتك فقربها إلى جرف فرمى بنفسه من الجرف وعليه سلاحه، فمالت السفينة ودخلها الماء فرسبت وغرقت، وغرق حارثة ومن معه.

стр. 2739

قالوا: وأقام عبيد الله بن بشير بن الماحوز بعد غرق حارثة بنهر تيرى يجبي ما حوله، وبعث الزبير بن علي، وهو ابن عمه، إلى الفرات فجباه، وكان في جماعة، ثم إنه أتي الجسر الأكبر بالبصرة، فقطع الناس الجسر الأكبر فعقده، وعبر فصار بين الجسرين، وخرج الناس إليه في السفن وعلى الدواب، فلما انتهوا إليه خرج الناس من السفن فاسودت الأرض، فلما رأى كثرة الناس قال: أبى قومكم إلا كفرا، ورجع حتى عبر الجسر. وفزع الناس إلى الأحنف بن قيس فأتى الأحنف القباع، فشكا إليه ما الناس فيه، فقال: أشيروا علي بمن أولي؟ فأشار قوم بمالك بن مسمع الجحدري، وأشار قوم بزياد بن عمرو العتكي، فقال الأحنف: لا أرى لهم غير المهلب، فكلم القباع المهلب وقال له: إن أهل مصرك قد ارتضوك ورجوك وأملوا أن يقمع الله هذا العدو بك، فقال المهلب: لا حول ولا قوة إلا بالله إني عند نفسي لدون ما قالوا، وقد ولاني أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير خراسان، وأمرني بأمر فأنا أكره ترك أمره، فقال الأحنف: يا أبا سعيد لو أتيت عملك لم تنتفع به مع هؤلاء لا طلالهم على مصرك ومن تخلف من أهلك، ونحن نكتب إلى أمير المؤمنين فيعفيك مما ولاك، وتكتب إليه فتستعفيه وتعلمه ما رغبنا فيه إليك، فكتبوا وكتب فأجابهم ابن الزبير إلى ما سألوا، ويقال إنهم زوروا كتابا، واشترط المهلب أن ينتخب من أحب من المقاتلة فقالوا له: ذاك لك، وأن يكون والي كل بلد تغلب عليه، فقال له القباع: ذاك لك، ويقال: إنه سأل أيضا خراج ما غلب عليه فقال له القباع: ذاك للمسلمين، فإن أخذته كنت وعدوهم سواء، ولكن لك ما فضل من أعطيات أصحابك، فكتب له بما سأل كتاب وضع على يد الصلت بن حريث

стр. 2740

الثقفي، فانتخب المهلب اثني عشر ألفا من جميع الأخماس، وعسكر بالجسر، وأعان المهلب الناس، واتخذ ألوية ورايات، وقاتل الخوارج فهزمهم، وعقد الجسر، وأمر أن لا يتبعوا، فصاروا إلى نهر تيرى وانضموا إلى عبيد الله بن بشير بن الماحوز فقال رجل من الأزد: أبا سعيد جزاك الله صالحة … عن العراق ليالي الحرب تلتهب والناس في فتنة عمياء مظلمة … والدين مهتضم والمال منتهب لولا دفاعك إذ حل البلاء بهم … لأصبحوا عن جديد الأرض قد ذهبوا وجبى المهلب خراج الفرات وغيره، وأعطى الناس وانضم إليه محمد بن واسع الأزدي الناسك، وأبو عمران الجوني، وعبد الله بن رياح الأنصاري، وكان معه معاوية بن قرة المري، ووعظ المهلب الناس فقال: هذا عدوكم الذي لا ريبة في أمره، ولا توقف عنه، وقد لقيهم قبلكم مسلم بن عبيس الصابر المحتسب، وعثمان بن عبيد الله بن معمر العجلي المفرط، وحارثة بن بدر العاصي المخالف فالقوهم رحمكم الله بصبر وعزم، وجعل المهلب على تميم الحريش بن هلال، وسار حتى نزل بنهر تيرى، وقد صار الخوارج إلى الأهواز، فجبى خراج السوس ومناذر، واستخلف أخاه المعارك، فبعث عبيد الله بن بشير إلى المعارك مولى لأبي صفرة يقال له فايد من سبي الجاهلية في خمسين من الخوارج، فيهم صالح بن مخراق، فقتلوا المعارك وصلبوه، فبعث المهلب ابنه المغيرة فأنزل عمه ودفنه، وسار المهلب فأتى سولاف من مناذر، وقد صار الخوارج إليها، فقاتلهم فكشف المهلب، وقتل عبد الرحمن الإسكاف مولى الأزد، ويقال من أنفسها، وكان فارسا راميا، رمى طائرين فشكهما، فقيل خرزهما فسمي إسكافا فقال الشاعر:

стр. 2741

بسولاف أضعت دماء قوم … وطرت على مواشلة (١) درور ثم إن بعض المنهزمة رجعوا، وأتى المهلب سلّى وسلّبرى وهما من مناذر الصغرى وقد ثاب الناس إليه، فأقام المهلب ثلاثا بسلى وسلبرى فقال عبيد الله بن بشير للخوارج: ما تنتظرون بعدوكم، فحاربهم المهلب ثلاثة أيام، وقاتل بيديه أشد قتال، وقدم ابنه المغيرة فقاتل ومر على القبائل يحضهم على القتال ويحرضهم، وأمر أصحابه أن يكثروا الرمي بالحجارة، فجعلت تصرع الراجل، وترد الفارس، فقتل عبيد الله بن بشير بن الماحوز، وكان أمره ستة عشر شهرا، وكان مقتله في شوال سنة ست وستين، وقتل من أصحاب المهلب أكثر ممن قتل من الخوارج وقام بأمر الخوارج الزبير بن علي بن الماحوز، وكان المهلب ربما افتعل الحديث ينشط به الناس إلى القتال فقال الشاعر: أنت الفتى كل الفتى … لو كنت تصدق ما تقول وسماه بعضهم الكذاب وقال بعض الخوارج: كم من قتيل تنقر الطير عينه … بسولاف غرته المنى والجعائل وقال مجاهد المنقري: تبعنا الأعور الكذاب نمشي … نزجي كل أربعة حمارا فيا لهفي علي تركي عطائي … معاينة وأخذيه ضمارا كأن دموع عينك يا بن عصم … خرير المنجنوق (٢) سقي الديارا

стр. 2742

وقال ابن قيس الرقيات: ألمت وعرض السوس بيني وبينها … ورستاق سولاف حمته الأزارقه إذا نحن شئنا قارعتنا كتيبة … حرورية فيها من الموت بارقة (١) وقال بيهس بن صهيب: بسلّى وسلّبرى مصارع فتية … كرام وعقرى من كميت ومن ورد وقال آخر: قل للأزارقة الذين تمزقوا … بسلى وسلبرى لقيت نحوسا قتل المهلب جمعكم وأخذتم … من رسله بعد المساء رؤوسا وكان المهلب بعث برأس عبيد الله بن بشير بن الماحوز ورؤوس قوم من أصحابه إلى القباع مع رسول له من الأزد، فلقيه بنو بشير فقالوا: هل من خبر؟ فقال: نعم قتل هذا المارق، وهذا رأسه معي، فأخذوا راس أبيهم فدفنوه، وحفروا حفيرة فدفنوا الرؤوس الباقية فيها، وأخذوا الأزدي فقتلوه ومن معه وهربوا، فلما كان الحجاج أخذ ابنا لعبيد الله بن بشير فقتله، وقد أتاه مسلما عليه، ودفع ابنين له آخرين إلى ورثة الأزدي. وكتب المهلب إلى القباع مع الرّقاد بن عبد الله والصعب بن زيد عم جرير بن حازم: «إنا لقينا الأزارقة بسلى وسلبرى فكانت في الناس جولة، ثم ثاب أهل الدين والعزم والحفاظ، فرزقنا الله النصر عليهم، ونزل القضاء بأمر الله فجازت النعمة فيه الأمل فصاروا دريئة رماحنا، وضرائب سيوفنا، وقتل الله صاحبهم عبيد الله بن بشير بن الماحوز في رجال من فرسانهم

стр. 2743

وحماتهم، وبقيت منهم بقية شذوا عن عسكرهم ليلا، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها. فكتب إليه القباع: «هنيئا لك يا أخا الأزد، شرف الدنيا وعزها، وثواب الآخرة وفضلها. قال المهلب: ما أجفا أهل الحجاز أما تراه عرف اسمي. وقال بعض الخوارج في المهلب: أتانا بأحجار ليقتلنا بها … وهل تقتل الأقران ويحك بالحجر وكان المهلب قال: ارموهم بالحجارة فإنها تنفر الخيل، وتصرف وجوهها، وتحير الرجالة وتعقرهم، وكان الخوارج أكثر سلاحا من البصريين وطعن رجل من الخوارج رجلا من أهل البصرة فذكر أمه فقال الخارجي: أمك خير لك مني صاحبا … تسقيك محضا وتعل رائبا وقال بعضهم في قتل عبيد الله بن بشير بن الماحوز: ويوم سلى وسلبرى أحاط بهم … منا صواعق لا تبقي ولا تذر حتى تركنا عبيد الله منجدلا … كما تجدل جذع مال منعقر قال أبو الحسن المدائني: عبيد الله بن بشير بن يزيد - وهو الماحوز طعن رجلا فقيل: محزه محزا كما يمحز الحمار - ابن مساحق بن زبيد بن ضباب بن سليط، والزبير بن علي بن يزيد بن مساحق ويزيد أخو الحارث بن مساحق.

стр. 2744

أمر الزبير بن علي من آل الماحوز قالوا: لما قتل عبيد الله بن بشير، استخلف من الخوارج الزبير بن علي، فرأى جزع أصحابه على ابن بشير ومن قتل منهم فقال: لا تجزعوا على من صار إلى الجنة وأذكروا أيامكم: قتلتم ابن عبيس. وربيع الأجذم والحجاج بن ناب. وحارثة بن بدر. والمعارك والحرب سجال ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) وخرج فنزل في تخوم أصبهان فأقام شهرا ثم أتى السوس فقاتله المهلب، ثم أتى تستر فقاتله المهلب وصار إلى أرّجان من فارس، وقدم مصعب بن الزبير على البصرة والكوفة من قبل عبد الله أخيه في أول سنة سبع وستين، والزبير بن علي بأرجان، فكتب مصعب إلى المهلب في القدوم عليه، ووجه بكتابه مع محمد بن الأشعث فقدم واستخلف ابنه المغيرة بن المهلب، وقال لأصحابه: إنكم لا تفقدوني ما كان المغيرة عليكم، فإنه أبو صغيركم في الشفقة، وابن كبيركم في البر والطاعة، فلتحسن طاعتكم له، فما أردت صوابا

стр. 2745

قط إلا سبقني إليه. وقدم المهلب البصرة وكتب مصعب إلى المغيرة: «إنك إلا تكن كأبيك، فإنك بحمد الله كاف لما وليت، وعليك بالجد في أمرك والحذر لعدوك»، وسار مصعب ومعه المهلب وعمر بن عبيد الله بن معمر إلى المذار، فقتل أحمر بن شميط، ثم أتى الكوفة وهما معه، فقتل المختار بن أبي عبيد، ثم وجه عمر بن عبيد الله إلى البصرة فشهد الحيرة. وولى المهلب بن أبي صفرة الموصل والجزيرة وأرمينية. وأتى البصرة فتلافى أمر أصحاب الجفرة، وولى البصرة عباد بن زياد. ويقال ولاها سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، وجعل عبادا على شرطه، وولى عمر بن عبيد الله فارس، فالفى الزبير بن علي بإصطخر فعسكر على أربعة فراسخ من معسكره، فبيته الزبير والخوارج فقاتلهم فرجعوا ولم يظفروا، وأصاب منهم طرفا، ثم إنه قدم إليهم عبيد الله ابنه، وأمه من ولد قيس بن عدي السهمي من قريش في خيل فقتلوه، وأبوه لا يعلم، لأنه كان مشغولا بإصلاح قنطرة هناك تهدمت، ثم سال عن ابنه فقيل قتل والله كريما صابرا، فاحتسبه فاسترجع، وترحم عليه وقال: عند الله أحتسبه. وقال قطري بن الفجاءة للزبير بن علي: لا تقاتل عمر اليوم فإنه موتور، فأبى وقاتله فقتل من فرسان الخوارج تسعون وطعن عمر بن عبيد الله صالح بن محزاق فشتر عينه، وضرب قطريا على جبينه ففلقه، وانهزم الخوارج، واستشهد يومئذ رجل من ولد معبد بن العباس بن عبد المطلب، يقال له عباس بن عبد الله، وستة من ولد الحارث بن عبد المطلب، وكتب عمر إلى مصعب «إني لقيت هذه العصابة المارقة، فاستشهد عبيد الله بن

стр. 2746

عمر، ورجال صالحون، ثم إن الله منحنا أكتافهم فقتلنا من كان يومه حان وكل إلى حين وخسران». وصار الزبير بن علي إلى سابور، فلقيه عمر بكازرون، وكان معه مجاعة بن سعر، فقتل مجاعة بعمود كان بيده من الخوارج أربعة عشر رجلا، ودافع عن عمر يومئذ، فوهب له تسعمائة ألف درهم، وكان مجاعة اجتباها من خراج إصطخر، ويقال أكثر من ذلك فقال يزيد بن الحكم: ودعاك دعوة مرهق فأجبته … عمر وقد نسي الحياة وضاعا فرجعت حين دعاك غير معتم … تحمي وكنت لمثلها رجاعا فرددت عادية الكتيبة عن فتى … قد كاد يترك لحمه أقطاعا وولى عبد الله بن الزبير ابنه حمزة البصرة، وكتب إلى المصعب أن يلحق به من معه من رجال أهل البصرة، فألحق به المهلب، وولى مكانه إبراهيم بن الأشتر، فوجه حمزة المهلب لقتال الخوارج لمسألة أهل البصرة إياه ذلك. وقال قوم: عزل حمزة المهلب عن الموصل ووجهه لقتال الخوارج وهذا قول من زعم أن حمزة ولي البصرة والكوفة، وذلك غلط. وأتى الخوارج رامهرمز في أيام حمزة، فقاتلهم المهلب، فأتوا أرجان ومضوا إلى أصبهان، وغضب مصعب، فمضى إلى أخيه وعامله على الكوفة القباع، وعلى الموصل ابن الأشتر، فرده أخوه على البصرة والكوفة وعزل حمزة ابنه فقدم مصعب البصرة ولم يعزل حمزة عمر بن عبيد الله عن فارس، وأقبل الزبير بن علي من أصبهان إلى الأهواز، فقال مصعب: «العجب لعمر بن عبيد الله، قطع هذا العدو أرض فارس فلم يقاتلهم، ولو قاتلهم لكان أعذر

стр. 2747

له» وكتب إليه: «يا بن معمر ما أنصفتني، تجبي الفيء وتحيد عن العدو، فاكفني أمرهم»، فأقبل عمر من فارس، وخرج مصعب من البصرة ومعه المهلب يريدان جميعا الزبير وأصحابه، فبلغهم ذلك، وانحازوا إلى السوس ثم أتوا الكلتانية وخرجوا إلى كسكر، وأتوا المدائن وعليها كردم بن مزيد الفزاري، فتحصن في القصر فأتوا ساباط فقتلوا أحمر طيّئ، وكان من فرسان عبيد الله بن الحر فقال الشاعر: تركتم فتي الفتيان أحمر طيّئ … بساباط لم يعطف عليه خليل فلو كنت من خلانه لحميته … ولكن خلان الصفاء قليل وقتل يومئذ كاتب الزبير بن علي ومولاه، وبسط الخوارج في القتل، فقتلوا النساء، والصبيان، والأطفال، وقتلوا أم ولد ربيعة بن ناجذ الأزدي وغيرها، وقالت لهم أم ولد ربيعة: أتقتلون ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١) فقال لهم رجل منهم: استحيوها، فقالوا: لقد أعجبتك وفتنتك، فأمسك. وسرحوا صالح بن مخراق إلى بكر بن مخنف، وكان عامل مصعب على إستان العال وهو بادوريا والأنبار، وقطربل ومسكن، فلقوه بكرخ بغداد فقتلوه، فقال سراقة يرثيه: ألا يا لقوم للهموم الطوارق … وللحدث الجاري بإحدى البوائق لحى الله قوما عردوا عنك بكرة … ولم يصبروا للاّمعات البوارق تولوا فأجلوا بالضحى عن عميدهم … وسيدهم بالمأزق المتضايق

стр. 2748

وكان مع الأزارقة رجل من بني العم يقال له راشد، شديد البأس، فقاتلهم راشد، وانحاز الخوارج فحماهم فقال الشاعر: وعبأ راشد العمي خيلا … إلي خيل فقاتلهم جهارا وحامى راشد العمي عنا … وقد جازت فوارسنا المذارا في أبيات. وأقبل الزبير وأصحابه يريدون الكوفة، وعليها من قبل مصعب القباع، فخرج إلى النخيلة متثاقلا، فكلمه شبث بن ربعي، وإبراهيم بن الأشتر وغيرهما - ويقال إن ابن الأشتر كان بالموصل - في أمر العدو، وقالوا: قد أظلنا، فخرج تجرجرا، فصار إلى دير عبد الرحمن بن محمد، وكان عبد الرحمن يومئذ على الموصل وقال الشاعر: إن القباع سار سيرا نكرا … يسير يوما ويقيم شهرا وجعل يتردد بين دباها ودبيرا. فقال الشاعر: إن القباع سار سيرا ملسا … يسير يوما ويقيم خمسا ثم سار إلى الصراة وقال: إذا لقيتم عدوكم فأحسنوا القتال، فإن أول الحرب المشاتمة، ثم الرمي بالنبل، ثم إشراع الرماح والطعان، ثم السلة (١)، فقالوا: لقد أحسن الأمير الصفة. وأتى الخوارج الصراة فقتلوا سماك بن يزيد السبيعي وابنيه، والقباع معسكر في ستة آلاف، فقطع الجسر، ورجع الخوارج، وانصرف القباع إلى

стр. 2749

الكوفة، وأتى الخوارج المدائن، ومضوا إلى جوخى فأغاروا ببراز الروز (١) فقتلوا وأصابوا أموالا، وأتوا البندنيجين، ثم حلوان، ومضوا إلى أصبهان، فنزل الزبير بن علي بعقوة عتّاب بن ورقاء الرياحي، وكان مصعب ولاه إياها، ويقال كان الذي ولاه إياها أبو يزيد الخطمي وابن مطيع، فأقره مصعب، ثم عزله ليحضر معه حرب عبد الملك، فحقد عليه ذلك، وكاتب عبد الملك، فبعث إليه عتاب ما أغراك بي وأنا ابن عمك؟ فقال: إن البعيد والقريب من المشركين عندنا سواء. فحصره الخوارج أشهرا، ثم إن الخوارج أتوا الري وعليها يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني، وكان المصعب ولاه إياها، وأقرّه عليها، فحصره شهرا، ثم قاتله، فقتله الزبير بن علي، ونادي يزيد ابنه حوشب بن يزيد، فهرب ولم يلو على أحد، وقتل الخوارج لطيفة أم حوشب، وكان علي بن أبي طالب صلوات الله عليه دخل على يزيد يعوده، فقال له علي: إن عندي جارية لطيفة الخدمة فبعث بها إليه فسماها لطيفة، وقال بعض الشعراء بعد قتل مصعب: مواطننا في كل يوم كريهة … أسر وأسنى من مواطن حوشب دعاه يزيد والأسنة شرع … فلم يستجب إن الفتى غير محرب ولو كان حرا حوشب ذا حفيظة … رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب وقال بشر بن مروان ذات يوم، ومعه حوشب بن يزيد، وعكرمة بن ربعي: من يدلني على فرس جواد؟ فقال عكرمة: فرس حوشب فإنه نجا

стр. 2750

عليه يوم الري فضحك بشر، وقال: بشر يوما: من يدلني على بغلة قوية ظهيرة؟ فقال حوشب: بغلة واصل بن مساور بن رياب حملت مساورا وواصلا، وكان عكرمة يتهم بامرأة واصل، وإنما عناها بقوله: «بغلة واصل» فضحك بشر، وقال: لقد انتصف. وقيل في حوشب بن يزيد: نجى حليلته وأسلم شيخه … تحت الأسنة حوشب بن يزيد وقيل أيضا: نجى حليلته وأسلم شيخه … لمّا رأى وقع الأسنة حوشب وأتي الزبير أصبهان منحطا من الري، فحارب عتاب بن ورقاء أشهرا. وقال رجل من أصحاب عتاب يكني أبا هريرة: قل لابن ماحوز وللأشرار … كيف ترون يا كلاب النار شد أبي هريرة الهرار فكمن له عبيدة بن هلال فضربه فصرعه، ثم حامى عليه أصحابه، فسلم فكان الخوارج ينادونهم: ما فعل الهرار؟ فيقولون: ما عليه بأس وخرج إليهم فقال: أنا أبو هريرة الهرار ثم إن عتاب بن ورقاء عقد لواء لياسمين جاريته، وقال: من اراد الهوينا فليأت لواء ياسمين، ومن أراد الصبر فإلي، وخرج إلى الخوارج فقاتلهم وهو في ألفين، ويقال ألفين وسبعمائة، فاقتتلوا أشد قتال وقتل الزبير بن علي وبشر معه وفشت فيهم الجراح، ومضى فله، فلم يتبعوا، وقال

стр. 2751

الأعشى في قتل الزبير - وذكر أن الحارث بن عميرة الهمداني قتله - في قصيدة أولها: إن المكارم أكملت أسبابها … لابن القيول الزّهر من قحطان حتى تداركهم أغر سميدع … فحماهم إن الكريم يمان الحارث بن عميرة الليث الذي … يحمي العراق إلى قرى نجران (١) وقال رجل من ضبة: خرجت من الكتيبة (٢) … مستميتا ولم أك في كتيبة ياسمينا وآثرت الحياء على حياتي … ولم أترك لها حسبا ودينا ولم أك في المدينة ديدبانا … أرجّم في نواحيها الظنونا أعاذ الله قومي أن يكونوا … مع السمك الذي بالفارقينا وقال ابن حسان (٣) يزيد: صبحنا بزار (٤) … الروز منا بغارة كورد القطا فيها الوشيج المقوم وملنا على جابي المدينة كردم … فأفلتنا فوت الأسنة كردم ونجى ابن ورقاء الرياحي سابح … شديد مناط القصرتين (٥) عثمثم ونحن شفينا من يزيد صدورنا … ومن خيله وصاحب الحرب مغشم وقال رجل من أصحاب عتاب:

стр. 2752

نحن قتلنا الزبير مارقكم … فأصبح الفل منكم مزقا وذلك الفعل فعلنا أبدا … إذا جهول من قومنا مرقا وولى الخوارج بعد قتل الزبير بن علي قطري بن الفجاءة، واسم الفجاءة مازن بن زياد بن يزيد بن حنثر بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن بن تميم، ويقال مازن بن زياد بن يزيد بن حنثر بن حارثة بن صعير بن خزاعي بن مازن. وقال الشرقي بن القطامي: اسم الفجاءة جعونة. وكانوا قد أرادوا تولية أمرهم عبيدة بن هلال، فقال لهم: أنا أدلكم على من هو خير مني، قطري، فبايعوه سنة إحدى وسبعين. فسار قطري، ويكنى أبا نعامة من أصبهان حتى أتى الأهواز، ثم رفع إلى كرمان فقال بعض أصحابه: هربنا نريد الخفض من غير كلة … وللحرب ناب لا يفل ومخلب فلما بلغه البيت انحط إلى إيذج من كور الأهواز. وبلغ مصعبا أن عبد الملك مجد في الحركة إليه، فكتب إلى عماله في النواحي من الوجوه فجمعهم إليه غير المهلب، وعمر بن عبيد الله، ويقال إن المهلب كتب إليه يسأله أن يكون بقربه، وقال له: قد بلغني أن وجوه المصرين قد كاتبوا عبد الملك، فقال له: إن أهل المصر سألوني أن لا أصرفك عن وجهك، وأبوا أن يخرجوا معي إن أخليت هذا الوجه منك. وواقع المهلب قطريا فنحاه عن إيذج وعن الأهواز كلها وقال الأحنف وهو بالبصرة، قبل أن يدخل مصعب الكوفة للتوجه إلى مسكن وقد ذكر

стр. 2753

قطري أنه أبو نعامة: إن ركب بنات سجاح وقاد بنات صهّال (١) وأمسي بأرض وأصبح بأخرى، وجبى المال، طال أمره فأبلغ قطريا ذلك رسول كان له بالبصرة، فنادى في عسكره: ألا لا يصحبنا إلا رجل معه بغل، فكان ذلك مما ينكر على الأحنف، وقاتل قطري عمر بن عبيد الله بن معمر بفارس، ثم أتى أصبهان، ثم الأهواز، وقتل مصعب في سنة اثنتين وسبعين والخوارج برامهرمز، والمهلب بإزائهم. وقال الهيثم بن عدي والمدائني: برز المصعب لحرب عبد الملك، والمهلب في وجوه الخوارج وهو يحمي البصرة والأهواز منهم، وعمر بن عبيد الله بفارس، وعباد بن الحصين بالبصرة، فبلغ ذلك عبد الله بن خازم فاسترجع، وقال: أنا بخراسان، وفي إبراهيم ابن الأشتر ما سد بعض المسد وأنشد: خذيني فجريني ضباع وأبشري … بلحم امرئ لم يشهد العام ناصره وكان مقتل قطري في أيام الحجاج، وسأذكر ذلك في موضعه إن شاء الله. قال: وكان الخوارج يسألون أصحاب المهلب عن ابن الزبير فيقولون إمام هدى، فلما قام عبد الملك سألوهم عنه فقالوا: إمام هدى، فقالوا لهم: يا كفرة قلتم بالأمس قولا تقولون اليوم خلافه، لعنكم الله يا عبيد الدنيا.

стр. 2754

أمر نجدة ابن عامر الحنفي قال ابن الكلبي: هو نجدة بن عامر بن عبد الله بن سيار بن المطرّح بن ربيعة بن الحارث بن عبد الحارث بن عدي بن حذيفة، وسمي المطرح لأن بني كلاب أصابوه وهو غلام فأخذوه، وكان شهاب بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث يغير على القبائل فقال له ربيعة بن الحارث: أنت تغير، وابني في بني كلاب مطرح. وكان نجدة مع نافع بن الأزرق ففارقه مع قوم فارقوه لتبرئه من القعد، وامتحانه المهاجر إليه، وتحريمه التقية في دار قومه، وصار نجدة إلى اليمامة فنزل بإباض، ودعا أبا طالوت، وهو في قول الكلبي مطر بن عقبة بن زيد بن جهينة بن الفند، وهو شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمّان بن مالك بن صعب ودعا سالم بن مطر مولى بني مازن بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل إلى نفسه، فبايعه خمسون على أنهم إن وجدوا من هو خير لهم منه بايعوه وبايعه معهم.

стр. 2755

ثمّ إنّ أبا طالوت صار إلى الخضارم وكانت لبني حنيفة، فأخذها معاوية بن أبي سفيان، فصير فيها رقيقا مبلغهم ومبلغ أولادهم ونسائهم أربعة آلاف، ويقال كانوا أربعة آلاف بيت، فأخذ سالم ذلك الرقيق فقسمه في أصحابه وأقام أشهرا، وذلك في سنة خمس وستين، وأتاه الناس، وكثر أصحابه، وخرجت عير من البحرين أربعين راحلة تحمل مالا وغير ذلك يراد بها ابن الزبير، فخرج نجدة في عشرة آلاف فلحقهم بجبلة من أرض بني تميم، وهي على خمس ليال من هجر فأخذ العير بما فيها، وقال بعضهم: خرجت العير من البصرة يراد بها عبد الله بن الزبير، وفيها ثلاثون رجلا من شيعته وأكرياؤهم من بني تميم، فخرج إليهم نجدة في ستين راكبا، ومعهم ثور بن حليلة بن ثور الحنفي، فساق العير حتى أتى بها أبا طالوت بالخضارم، فقال نجدة: اقتسموا هذا المال واجعلوا غلة هذه الشيوخ لكم ولمن لحق بكم، وردوا هذا الرقيق فدعوهم كما كانوا يعتملون الأرض ويعمرونها، فإن ذلك أرد وأنفع، فاقتسموا المال، وقالوا لأبي طالوت: إنا كنا بايعناك على أنا إن وجدنا خيرا منك بايعناه وبايعته، ونجدة خير لنا منك، فبايعوه على ما يبايع عليه الخلفاء أن لا يخلع إلا عن جور ظاهر، ولم يبايعوه على ما بايعوا عليه أبا طالوت، وبايعه أبو طالوت أيضا وذلك في سنة ست وستين ونجدة يومئذ ابن ثلاثين سنة. وخرج سراج بن مجاعة الحنفي إلى عبد الله بن الزبير ليأخذ لقومه أمانا، فقال له ابن الزبير: يا سراج ألم تر ما صنع قومك والله لأوجهن إليهم جيشا، فقال: والله ما صنع هذا إلا حرورية.

стр. 2756

قالوا وأقام نجدة أشهرا، وكثر أصحابه فقالوا: لو غزونا، فسرح نصر بن مبارك الحنفي في ثلاثمائة إلى البحرين، وقال: إن قتل فأميركم أبو سعدة العجلي، وعلى البحرين يومئذ سعيد بن الحارث الأنصاري، وكان من قبل يزيد بن معاوية فبقي بها، فمنعهم سعيد بن الحارث من دخولها، فوجه نجدة قدامة بن المنذر بن النعمان في ثلاثمائة وقال: إن قتل فأميركم أبو سعدة، فإن قتل فأميركم إساف اليشكري، فإن قتل فأميركم المطرح بن نجدة، فإن قتل فأميركم أبو سنان حييّ بن وائل اليشكري. وقال بنو كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، لكلاب بن قرة بن هبيرة القشيري: إنها فتنة فلو أتينا سوق المجاز فأغرنا، فإن بها بزا منشورا، وتمرا منثورا، فأجابهم كلاب ومعه أخوه غطيف، فكتب نجدة إلى ابن المنذر، وأبي سعدة والذين وجههم إلى البحرين فردهم، ووجه حر بن وائل إلى ابن كعب وهم بالمجاز، وقدامة بن النعمان في ثلاثمائة، واتبعهم نجدة في أربعمائة، ويقال خمسمائة، فالتقوا بذي المجاز، فهزمهم نجدة، وقتلهم قتلا ذريعا، وصبر كلاب وغطيف ابنا قرة، وجعل كلاب يقول لأخيه: صبرا غطيف إنها الشهادة … كل امرئ مفارق أولاده وصبرا حتى قتلا وانهزم قيس بن الرقاد الجعدي، فلحقه أخوه لأمه معاوية بن قرة، فسأله أن يحمله ردفا فلم يفعل، وقدم جفينة بن قرة على أهله خفية، فأتته امرأته بزبد وتمر - فجعل يأكل وهي تسأله عن إخوة لها وإخوته فلم يجبها فقالت: اجتحف وأخبر فقال: لا يستوي الجحفان جحف بزبدة … وجحف حروري بأبيض صارم

стр. 2757

فلما فرغ قال: سلي، فلم تسأله عن أحد من إخوته وإخوتها إلا نعاه، فشقت جيبها وقالت: ويحك ألا صبرت حتى تقتل معهم، وقال معاوية: يا قاتل الله قيس الجعد كيف دعا … كعبا لأسباب أمر غير ميمون حتى إذا التقت الأبطال واطعنوا … فعل الديافية المطلية الجون طرّح رايتنا قيس وبرّزه (١) … عن الطعان طويل الشخص ملبون (٢) في أبيات وقال قيس: أسأل معاوية بن قرة إذ دنت … منه الأسنة أي فعل يفعل فإذا أتيت أباك فاشتر مثله … إن الرداف عن الأحبة يشغل يريد مثل فرسه. وقال جفينة - وهو جفنة - يحرض ابن الزبير: على أي شيء أنت بالركن واقف … مقيم وقد سارت بهن الركائب ولا شيء إلا الموت إذ برزت لنا … حنيفة أرباب السيوف القواضب في أبيات قالوا: ورجع نجدة إلى اليمامة وكثر أصحابه، فصاروا ثلاثة آلاف، فخاف أن يطأ الجنود اليمامة، وأن يغزى أهلها، فاستخلف باليمامة عمارة بن سلمى من ولد الدّول بن حنيفة، وهو عمارة الطويل وأتى البحرين في سنة سبع وستين، فقالت الأزد: نجدة أحب إلينا من ولاتنا، لأنه منكر للجور،

стр. 2758

وولاتنا يجورون، فعزموا على مسالمته، واجتمعت عبد القيس ومن بالبحرين غير الأزد على محاربته، فقال بعضهم: نجدة أقرب إليكم منه إلى الأزد فلا تحاربوه، وقال بعضهم: أندع نجدة وهو حروري مارق تجري أحكامه علينا، فالتقوا بالقطيف، وأقبل وكيع أحد بني جذيمة من عبد القيس يرتجز ويقول: يا أم يعقوب تجنبيني … لا تحذري على واحذريني إن عليّ واقيا يقيني … أنا وكيع لست بالهجين اليوم أحمي حسبي وديني … ما ملكت قائمه يميني فقتل وكيع وجماعة من العبديين، وسبى نجدة من قدر عليه من أهل القطيف. قال الشاعر: نصحت لعبد القيس يوم قطيفها … وما نفع نصح قيل لا يتقبل وأقام نجدة بالقطيف، ووجه ابنه المطرّح إلى فلّ أهل القطيف من عبد القيس، فقاتلوه بالثوير (١) فقتل المطرح وجماعة من النجدية، فقال جمال بن سلمة الشاعر: إن تقتلونا بالقطيف فإننا … قتلناكم يوم الثوير وصحصحا وإن تقتلوا منا وكيعا وعاصما … فإنا قتلنا طارقا والمطرحا

стр. 2759

ووجه نجدة رجلا من عكل يقال له ذواد إلى الخطّ (١) فطفر بهم، فقال سويد بن كراع العكلي: صبحت الخط بنا صباحا … تحمل من عكل فتى وضاحا مهرية ترى بها مراحا وأقام نجدة بالبحرين، فلما قدم مصعب بن الزبير البصرة سنة تسع وستين، بعث إليه عبد الله بن عمير الليثي الأعور في أربعة عشر ألفا، ويقال في عشرين ألفا، ويقال إنّ حمزة بن عبد الله بن الزبير الموجه له حين ولي البصرة، فجعل ابن عمير يقول: اثبت يا أبا المطرح فإنا لا نفر، فقدم ونجدة بالقطيف فنزل على ميل من عسكره، وصير البحر خلفه، والأثقال أمامه، وأناخ الإبل أمام الأثقال، وقال لآخذنّ نجدة أخذا، وحضّ نجدة أصحابه، فرغبهم في الشهادة والجنة، وزهدهم في الدنيا، واعتزل قوم من أصحابه منهم ذوّاد العكلي فلم ينهض معه، فقال نجدة: إن إخوانكم هؤلاء أحبوا البقاء وثبت نجدة فيمن بقي معه وأتى ابن عمير في عسكره وهو غار فقاتلهم طويلا، وأصبح ابن عمير فهاله أمر من رأى في عسكره من القتلى والقطعي والجرحى، وتشاغل ومن في عسكره بموتاهم وجرحاهم، فأتاهم نجدة فحمل عليهم فلم يلبثوا أن انهزموا فلم يلو أحد منهم على أحد، وحوى نجدة العسكر، وأصاب جواري لابن عمير وفيهن أمّ ولد له، فعرض نجدة عليها أن يردها عليه، فقالت: لا حاجة لي فيمن فرّ عني، وورد ابن عمير البصرة فارا، فقال الفرزدق:

стр. 2760

ما فر من جيش أمير براية … فيدعى طوال الدهر إلا منافقا تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم … تركت لهم دون النساء السرادقا وأعطيت ما تعطي الحليلة بعلها … وكنت حبارى إذ رأيت البوارقا (١) وقال العجاج حين قتل عمر بن عبيد الله بن معمر، أبا فديك: لقد شفاك عمر بن معمر … من الحروريين يوم العسكر وقع امرئ ليس كوقع الأعور (٢) يعني عبد الله بن عمير في حرب نجدة. وبعث نجدة بعد هزيمة ابن عمير عطية بن الأسود الحنفي إلى عمان وقد غلب عليها عياذ بن عبد الله وهو شيخ كبير، وابناه سعيد وسليمان يعشران السفن ويجيبان البلاد، فمانعوه وقاتلوه فقتل عياذ وغلب عطية على عمان فأقام بها أشهرا، ثم خرج منها واستخلف رجلا يكنى أبا القاسم فقتله سعيد وسليمان ابنا عياذ وأهل عمان، وخالف عطية نجدة فعاد إلى عمان فلم يقدر عليها فركب البحر وأتى كرمان، وضرب دراهم كان يقال لها العطويّة، وأقام بكرمان، فيقال إن المهلب بعث إليه جيشا فلحق بسجستان، ثم صار إلى السند فقتلته خيل المهلب بقندابيل، ويقال إن الخوارج قالوا له: هاجر فقال أنا مهاجر على ديني فقتلوه. وسمع أبو حزابة امرأة كانت مع عطية تقول وهو بكرمان: هل من سيف هل من رمح، فقال: أتريدين نيزكا فرفعته إلى عطية فضربه أسواطا، وقال الفرزدق لبني حنيفة:

стр. 2761

وهم من بعيد في الحروب تناولوا … عياذ بن عبد الله والخيل شحب (١) قالوا ووجه نجدة بعد هزيمة ابن عمير إلى البوادي من يأخذ من أهلها الصدقة، فكانوا يدعون القوم فإذا أجابوهم أخذوا الصدقة منهم، فقاتل أصحابه بنو تميم بكاظمة وأعانهم أهل طويلع (٢)، وقتلوا رجلا من الخوارج، فوجّه نجدة إلى أهل طويلع من أغار عليهم وقتل منهم نيفا وثلاثين رجلا وسبى، ثم إنه دعاهم بعد ذلك فأجابوه وأخذ منهم الصدقة، وقال الفرزدق: لسنا بأقوام يبيعون دينهم … إذا علموا أن لا سبيل إلى التمر وما كنت مذ شدت على السيف قبضتي … لانقض بيعا بين زمزم والحجرة (٣) يعني بيعة ابن الزبير. قال علي بن محمد المدائني: وخرج نجدة إلى صنعاء في خف فبايعه أهلها، وخافوا أن يكون وراءه جمع كثير، فلما أقام أياما ولم يروا مددا يأتيه ندموا على بيعته، وبلغه ذلك فقال: إن شئتم أقلتكم بيعتكم وجعلتكم في حل منها وقاتلتكم، فقالوا: ما كنا لنستقيل بيعتنا، فبعث إلى مخاليفها، فأخذ منهم الصدقة، ووجّه نجدة أبا فديك إلى حضرموت فجبى صدقات أهلها، وحج نجدة في سنة ثمان وستين، ويقال في سنة سبعين، وهو الثبت، وقد كان في أيام يزيد بن معاوية قاتل مع ابن الزبير غضبا للبيت، وما انتهك من حرمته، فلمّا حج مرته هذه كان في ثمانمائة وستين رجلا، ويقال في ألفين

стр. 2762

وستمائة، فصالح ابن الزبير على أن يصلي كل واحد بأصحابه ويقف بهم ويكف بعضهم عن بعض على مثال ما كانت الأزارقة عليه أيام مقاتلتها معه. فلما صدر نجدة عن الحج توجه إلى المدينة، فتأهب أهلها لقتاله، وتقلد عبد الله بن عمر السيف، فلما كان نجدة بنخل، وأخبر بلبس ابن عمر السلاح رجع نجدة إلى الطائف وأصاب ابن بحدج ابنة لعبد الله بن عمرو بن عثمان كانت عند ظئر لها، فضمها نجدة إليه، فقال بعضهم: إن نجدة ليتعصب لهذه الجارية، فامتحنوه بأن سأله بعضهم بيعها منه، فقال: قد أعتقت نصيبي منها فهي حرة، قال: فزوجني إياها، قال: هي بالغ، وهي أملك بنفسها، فأنا أستأمرها، فقام من مجلسه ثم قال قد استأذنتها فكرهت الزوج، وقيل إن عبد الله بن الزبير كتب إليه: «والله لئن أحدثت فيها حدثا لأطأن بلادك وطأة لا يبقي بها معها بكري»، وكتب نجدة إلى ابن عمر يسأله هل ساروا بين يدي رسول الله ﷺ بالحربة واللواء، وعن الرجل يغشى المرأة في الحيض، فقال: سلوا ابن عباس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن أين كان يوم حنين قد سير بذلك بين يدي رسول الله ﷺ مرجعه من حنين، وأما الذي يغشى المرأة في الحيض في أوله فدينار والذي يغشي في الكدرة (١) فنصف دينار، فبعث إليه نجدة: فإن لم يجد؟ قال: يقوم الذي يلزمه طعاما، ويصوم لكل مدّ يوما، وقال ابن عباس: قاتله الله يقتل المسلمين، ويسأل عن المحقرات.

стр. 2763

ولما رجع نجدة من نخل وقرب من الطائف أتاه عاصم بن عروة بن مسعود فبايعه عن قومه، فلم يدخل نجدة الطائف، فلما قدم الحجاج الطائف لمحاربة ابن الزبير قال لعاصم: يا ذا الوجهين بايعت نجدة؟! فقال: اي والله وذو عشرة أوجه أعطيت نجدة الرضا، ودفعته عن قومي وبلدي. قالوا: وأتى نجدة تبالة ثم شخص عنها واستعمل الحازوق الحنفي وهو - حزاق - على الطائف وتبالة والسراة، واستعمل سعد الطلائع على ما يلي نجران، ووجه إلى بعض أصحابه يقال إنه عمرو بن همام العقيلي، ووجه حاجب بن خميصة لقبض صدقات بني هلال ونمير، فمنعوه إياها، فقاتلهم فقتل منهم رجلان، وتولى قتلهما رجلان من بني كلاب، فطالبوا بدمهما فهرب الكلابيان، ورجع نجدة إلى البحرين فقطع الميرة عن أهل الحرمين من اليمامة والبحرين، فكتب إليه ابن عباس: إن ثمامة بن أثال لما أسلم قطع الميرة عن أهل مكة وهم مشركون حتى أكلوا العلهز (١)، فكتب رسول الله ﷺ إلى ثمامة: «إنّ أهل مكة أهل الله فلا تمنعهم الميرة فخلهم وإياها» وإنك قطعتها عنا ونحن مسلمون، فخلى لهم نجدة الميرة، وأقام عمال نجدة في النواحي حتى وقع الاختلاف بينه وبين أصحابه، فاجترأ الناس عليهم، فأما الحازوق فطلبوه بالطائف فهرب، فلما كان في عقبة في طريقه إذا قوم يطلبونه فرموه حتى قتلوه وهو يقول: أتقتلوني قتلة الزناة، ليبارزني منكم من شاء، وأخذوا فرسه فقالت أخته، أو ابنته تبكيه:

стр. 2764

أعيني جودا بالدموع على الصدر … على الفارس المقتول بالجبل الوعر فإن تقتلوا الحازوق وابن مطرف … فإنا قتلنا حوشبا وأبا جسر أقلب عيني في الركاب فلا أرى … حزاقا فعيني كالحجاة من القطر ومن يغنم العام الوشيك ولا حقا … وقتل حزاق لا يزل عالي الذكر في أبيات وقال هشام ابن الكلبي: كان عبد الله بن النعمان الدوسي سيد الأزد بالسراة، وهو قتل الحازوق الحنفي أيام نجدة، وكان أوغل في بلاد الأزد، وقال عبد الله بن الزبير حين بلغه قتل الحازوق: إن الأزد هم الأسد قتلوا الحازوق وإن من خثعم سلمى، أوتدرون من هي؟ هي امرأة في الجاهلية كانت. وقالوا: قتل سعد الطلائع ناجية الجرمي، وأراده على الصدقة، فمنعه إياها وقاتله فقتله ناجية. وقال الكلبي: لقيت رسل نجدة لطلب الصدقة بهدل بن مالك بن الطفيل بن حبيب بن منيف الطائي، ومعه رجال من طيّئ فاقتتلوا، فقتل نويرة بن بحير الطائي منهم بالأجفر سبعة خوارج، وكانت راية طيّئ يومئذ مع زيد بن حبال بن بشر الطائي، فقتل يومئذ عبس بن سمي بن الأغر الطائي، ونافذ بن زهير بن ثعلبة الطائي، وله يقول المعنى الطائي: يا عين بكي نافذا وعبسا … يوما إذا كان البراء نحسا قال: وكان أميرهم في الحرب زياد بن جد بن وبرة قتل من الخوارج اثني عشر، وكانوا يقاتلون أياما.

стр. 2765

قالوا: وخالف نجدة أبو سنان حي بن وائل، وذلك لأنه اشار عليه بالبسط على من كان أجابه وتابعه تقيّة فنهره وشتمه نجدة، فهم بالفتك به وحي هو القائل: أما أقاتل عن ديني على فرس … ولا كذا رجلا إلا بأصحاب لقد لقيت إذا شرا وأدركني … ما كنت أزعم في قومي من العاب ويروي في خصمي من العاب. فبعث إليه نجدة من ناظره فقال: أكلف الله أحدا علم الغيب؟ قال: لا، قال: فإنما عليه أن يحكم بما ظهر، فقبل منهم ورجع إلى نجدة. وحدثني الكردي وغيره قالوا: كان سبب خلاف عطية بن الأسود على نجدة لأن نجدة وجه سرية برا وسرية بحرا، فأعطى سرية البر أكثر مما أعطى سرية البحر، فنازعه حتى أغضبه فشتمه نجدة فغضب وألب الناس عليه، وقد كان كلم نجدة في رجل فأعطاه فرسا فقال: ألا ترونه يعطي على الشفاعة؟!. وأعطى نجدة مالك بن مسمع حين هرب إلى ثأج (١) مالا. وكلم في رجل شرب الخمر في عسكره، فقال هو شديد النكاية، وقد استنصر رسول الله ﷺ بالمشركين. قالوا: وكتب عبد الملك إلى نجدة يدعوه إلى طاعته وبيعته، على ان يهدر له ما أصاب من الدماء والأموال، وأن يوليه اليمامة وما حولها، فطعن عليه عطية وقال: ما كاتبه عبد الملك حتى علم منه ادهانا في الدين، فخرج عطية إلى عمان مفارقا له، وخالف نجدة أيضا قوم استتابوه فحلف أن لا يعود ثم

стр. 2766

ندموا على استتابته وتفرقوا، وخالف عليه عامة من كان معه وانحازوا عنه وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور، أحد بني قيس بن ثعلبة، وكانوا حين فارقوا نجدة بايعوا ثابتا التمار، ثم قالوا: لا يقوم بأمرنا إلا رجل من العرب، وجعلوا الاختيار إليه، فاختار لهم أبا فديك عبد الله بن ثور، واستخفى نجدة، وأرسل أبو فديك في طلبه جماعة من أصحابه وقال: إن ظفرتم به فجيئوني به، وأتى أبو فديك إباض وبريء وأصحابه من نجدة وقيل لأبي فديك أنك إن لم تقتل نجدة تفرق الناس عنك، فألح في طلبه، وكان نجدة مستخفيا في قرية من قرى حجر، ويقال بين حجر وجو، وكان للقوم الذين أخفوه جارية يخالف إليها راع لهم، فأتاها ليلا وقد غسل نجدة رأسه ودعا بطيب فأخذت الجارية من الطيب شيئا فمسته، فسألها الراعي عن أمر الطيب فأخبرته خبر نجدة، وغدا الراعي إلى أصحاب أبي فديك فدلهم على مكانه فطرقوه، فنذر بهم، فأتى أخواله من بني تميم فاستخفى عندهم، وقال أتي عبد الملك فأضع يدي في يده، فقالوا: لك عندنا زاد وحملان قال: فأعهد إلى أم المطرح عهدا فأتاها فنذروا به، فأذنوا أصحاب أبي فديك بموضعه، فسبق إليه رجل من بني عقيل من الفديكية فخرج نجدة مصلتا بالسيف فضن به العقيلي عن القتل، فنزل عن فرسه ومشى معه، وقال: إن فرسي هذا فرس لا يدركه شيء، فلعلك تنجو عليه، فإن الخيل طالعة عليك، فقال: ما أحب البقاء وقد تعرضت للشهادة في مواطن ما هذا الموطن بأخسّها، وغشيه الوازع أخو أبي فديك لأمه، وأبو طالوت وأبو هاشم مولى بني مازن، واسمه راشد في ثمانية عشر رجلا فيهم ثابت التمار وجههم أبو فديك لقتل نجدة، فطعنه أبو هاشم، ويقال طعنه رجل من بني عدي بن

стр. 2767

حنيفة، وضربه القوم فقتلوه، وبقي الحنفي الذي يقال إنه طعن نجدة، فلقيه حصين بن نجدة بدمشق فقتله، فوجدوه مقتولا فاتهموا حصينا بقتله فحبسوه، ثم أخرج، وقال رجل من جرم يرثي نجدة: أبعد أبي المطرّح يوم حجر … يقوم بسوقها أبدا مجير فليت سيوفكم يا أهل حجر … أتاها يوم نجدة مستعير فأصبحت اليمامة بعد عز … أذل رقابها الأسد العقير فلم يستبدلوا منه ابن ثور … فقد ضاعت بكاظمة الثغور في أبيات. وكان الجرمي وقوم معه من بني جرم، نزلوا قريبا من ذي المجاز، فأغار عليهم بنو قشير فأصابوا لهم أموالا، فلما ظفر نجدة ببني كعب، ردّ على الجرميين ما أخذ منهم، فلذلك رثاه الجرمي، وكان نجدة ذا شجاعة وسخاء، فقال نصر بن سيار يوما لرجل من بني حنيفة: من كان سيدكم؟ قال: مجّاعة، قال: ما أدري ما مجاعتكم من عصيدكم، والله ما كان فيكم قط أكرم كرما ولا أعظم سؤددا من نجدة وهو الذي يقول: وإن جرّ مولانا علينا جريرة … صبرنا لها إن الكرام الدعائم وقال أبو الحسن: كان نجدة استخلف على البحرين هميان بن عدي السدوسي، فلما وافى مالك بن مسمع ثأج بعد الجفرة، كتب هميان إلى نجدة إنه قد ورد علينا قوم لهم شرف وقديم، لو قدموا على أبي بكر وعمر لعرفا مكانهم، فإن رأيت أن أعطيهم من سهم المؤلفة فعلت، فكتب نجدة: ليس في عطية المؤلفة وقت معلوم، فأعطهم ما ترى أنه يحل ان يعطى مثلهم،

стр. 2768

فأعطاهم هميان كل ما كان في بيت المال ثم لحق بهم، وحمل نجدة مالكا على ناقة وحمل ابنه على فرس، فكان ذلك مما أنكروه عليه. قالوا: وفارق أبا فديك قوم حين قتل نجدة، فقتل به مسلم بن جبير، وهو من أهل الحجاز فوجأه اثنتي عشرة وجأة، وقال: وخالفت قومي في دينهم … خلاف صبا حين جاءت جنوبا أرجي الإله وغفرانه … ويرجون درهمهم والجريبا قالوا: فقتل مسلم، وحمل أبو فديك جريحا فبرأ. وسنكتب خبر أبي فديك ومقتله في موضعه إن شاء الله. وكان أبو فديك من الجرميين من ولد قيس بن ثعلبة بن عكابة.

стр. 2769

خبر عبد الرحمن ابن بحدج بن ربيعة بن سمير بن عاتك ابن قيس من بني عامر بن حنيفة قالوا: فارق عبد الرحمن بن بحدج نجدة ناقما عليه، فأتى فارس فقال الأعلم - وهو نعمان بن عبادة بن فياض بن شراحيل النكري من عبد القيس - لعمر بن عبيد الله بن معمر، وهو على فارس: إن دخول هؤلاء بلدا أنت فيه وهن، فندب ابن معمر قوما مع النعمان ووجهه إلى ابن بحدج، فصير النعمان على مقدمته أبا المنازل، وسار الأعلم، وكتب إلى عمر بن عبيد الله: فلا أعرفنكم بعد ما تقرع العصا … ترومون أمرا منكم متفاقما فلما قرأ عمر البيت قال: أما النعمان فلا يرجع حتى يظفر أو يموت. قالوا: وأصاب النعمان كسر في فخذه فأبطأ في السير، وتقدم أبو المنازل فلقي الخوارج فقاتلهم وصبروا جميعا، ثمّ تحاجزوا وانحاز الخوارج، ولزموا الطريق، فلقوا النعمان بذي القاف، فقاتلهم النعمان، فانكشف أصحابه وصبر فحمل عليه حسان بن بحدج فضربه فلم يصنع شيئا، وعانقه النعمان فصارا إلى الأرض، فضغطه النعمان إلى الأرض بصلبه حتى قتله النعمان، وحمل عبد الرحمن بن بن بحدج على النعمان فقتل كل واحد منهما صاحبه

стр. 2770

ويقال بل حمل عبد الرحمن على النعمان فقتل النعمان وأتاهم أبو المنازل فقاتلهم وهو يقول: اصبر على حظك فيما مضي … فإنما النصر مع الصابر فقتل عبد الرحمن بن بحدج، وانهزم الخوارج وتفرقوا. قال المدائني: ذو القاف بين فارس والبحرين، وبعمان أيضا موضع يقال له ذو القاف، وقوم يقولون: إن أبا فديك وجّه ابن بحدج، والخبر الأول أثبت. وقال المدائني: ولم يزل النعمان النّكري مقيما بفارس، ولم يكن هاجر إلى البصرة، فلما قدم عمر بن عبيد الله بن معمر فارس واليا للمصعب تلقاه النعمان، وكان جسيما طويلا، فقال عمر: إن هذا لخليق للبأس والنجدة، فقال: من أنت؟ قال: النعمان بن عبادة النكري، قال: أصحبني، فأكرمه وولاه شرطته، فلما وجهه إلى ابن بحدج ولى مجاعة شرطته، وتزوجت امرأة النعمان بعده رجلا من قريش، فقال لها رجل من عبد القيس: إنك لن تستبدلي أم أيمن … طوال الليالي فانكحي أو تأيمي فكان يمر زوجها في الطريق فينشدون هذا البيت. وقال الهيثم: ولى عبد الملك حين قتل مصعبا يزيد بن هبيرة المحاربي اليمامة، فخرج عليه خارجي يقال له سوار بن عبيد، فخرج إليه بأهل اليمامة فقتله، وتزوج يزيد امرأة من آل قيس بن عاصم، فأدخلت عليه وقد ألبست العصب والثياب الرقاق فقال:
следующие страницы →