ندموا على استتابته وتفرقوا، وخالف عليه عامة من كان معه وانحازوا عنه وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور، أحد بني قيس بن ثعلبة، وكانوا حين فارقوا نجدة بايعوا ثابتا التمار، ثم قالوا: لا يقوم بأمرنا إلا رجل من العرب، وجعلوا الاختيار إليه، فاختار لهم أبا فديك عبد الله بن ثور، واستخفى نجدة، وأرسل أبو فديك في طلبه جماعة من أصحابه وقال: إن ظفرتم به فجيئوني به، وأتى أبو فديك إباض وبريء وأصحابه من نجدة وقيل لأبي فديك أنك إن لم تقتل نجدة تفرق الناس عنك، فألح في طلبه، وكان نجدة مستخفيا في قرية من قرى حجر، ويقال بين حجر وجو، وكان للقوم الذين أخفوه جارية يخالف إليها راع لهم، فأتاها ليلا وقد غسل نجدة رأسه ودعا بطيب فأخذت الجارية من الطيب شيئا فمسته، فسألها الراعي عن أمر الطيب فأخبرته خبر نجدة، وغدا الراعي إلى أصحاب أبي فديك فدلهم على مكانه فطرقوه، فنذر بهم، فأتى أخواله من بني تميم فاستخفى عندهم، وقال أتي عبد الملك فأضع يدي في يده، فقالوا: لك عندنا زاد وحملان قال:
فأعهد إلى أم المطرح عهدا فأتاها فنذروا به، فأذنوا أصحاب أبي فديك بموضعه، فسبق إليه رجل من بني عقيل من الفديكية فخرج نجدة مصلتا بالسيف فضن به العقيلي عن القتل، فنزل عن فرسه ومشى معه، وقال: إن فرسي هذا فرس لا يدركه شيء، فلعلك تنجو عليه، فإن الخيل طالعة عليك، فقال: ما أحب البقاء وقد تعرضت للشهادة في مواطن ما هذا الموطن بأخسّها، وغشيه الوازع أخو أبي فديك لأمه، وأبو طالوت وأبو هاشم مولى بني مازن، واسمه راشد في ثمانية عشر رجلا فيهم ثابت التمار وجههم أبو فديك لقتل نجدة، فطعنه أبو هاشم، ويقال طعنه رجل من بني عدي بن
стр. 2767
حنيفة، وضربه القوم فقتلوه، وبقي الحنفي الذي يقال إنه طعن نجدة، فلقيه حصين بن نجدة بدمشق فقتله، فوجدوه مقتولا فاتهموا حصينا بقتله فحبسوه، ثم أخرج، وقال رجل من جرم يرثي نجدة:
أبعد أبي المطرّح يوم حجر … يقوم بسوقها أبدا مجير
فليت سيوفكم يا أهل حجر … أتاها يوم نجدة مستعير
فأصبحت اليمامة بعد عز … أذل رقابها الأسد العقير
فلم يستبدلوا منه ابن ثور … فقد ضاعت بكاظمة الثغور
في أبيات.
وكان الجرمي وقوم معه من بني جرم، نزلوا قريبا من ذي المجاز، فأغار عليهم بنو قشير فأصابوا لهم أموالا، فلما ظفر نجدة ببني كعب، ردّ على الجرميين ما أخذ منهم، فلذلك رثاه الجرمي، وكان نجدة ذا شجاعة وسخاء، فقال نصر بن سيار يوما لرجل من بني حنيفة: من كان سيدكم؟ قال:
مجّاعة، قال: ما أدري ما مجاعتكم من عصيدكم، والله ما كان فيكم قط أكرم كرما ولا أعظم سؤددا من نجدة وهو الذي يقول:
وإن جرّ مولانا علينا جريرة … صبرنا لها إن الكرام الدعائم
وقال أبو الحسن: كان نجدة استخلف على البحرين هميان بن عدي السدوسي، فلما وافى مالك بن مسمع ثأج بعد الجفرة، كتب هميان إلى نجدة إنه قد ورد علينا قوم لهم شرف وقديم، لو قدموا على أبي بكر وعمر لعرفا مكانهم، فإن رأيت أن أعطيهم من سهم المؤلفة فعلت، فكتب نجدة: ليس في عطية المؤلفة وقت معلوم، فأعطهم ما ترى أنه يحل ان يعطى مثلهم،
стр. 2768
فأعطاهم هميان كل ما كان في بيت المال ثم لحق بهم، وحمل نجدة مالكا على ناقة وحمل ابنه على فرس، فكان ذلك مما أنكروه عليه.
قالوا: وفارق أبا فديك قوم حين قتل نجدة، فقتل به مسلم بن جبير، وهو من أهل الحجاز فوجأه اثنتي عشرة وجأة، وقال:
وخالفت قومي في دينهم … خلاف صبا حين جاءت جنوبا
أرجي الإله وغفرانه … ويرجون درهمهم والجريبا
قالوا: فقتل مسلم، وحمل أبو فديك جريحا فبرأ. وسنكتب خبر أبي فديك ومقتله في موضعه إن شاء الله. وكان أبو فديك من الجرميين من ولد قيس بن ثعلبة بن عكابة.
стр. 2769
خبر عبد الرحمن
ابن بحدج بن ربيعة بن سمير بن عاتك
ابن قيس من بني عامر بن حنيفة
قالوا: فارق عبد الرحمن بن بحدج نجدة ناقما عليه، فأتى فارس فقال الأعلم - وهو نعمان بن عبادة بن فياض بن شراحيل النكري من عبد القيس - لعمر بن عبيد الله بن معمر، وهو على فارس: إن دخول هؤلاء بلدا أنت فيه وهن، فندب ابن معمر قوما مع النعمان ووجهه إلى ابن بحدج، فصير النعمان على مقدمته أبا المنازل، وسار الأعلم، وكتب إلى عمر بن عبيد الله:
فلا أعرفنكم بعد ما تقرع العصا … ترومون أمرا منكم متفاقما
فلما قرأ عمر البيت قال: أما النعمان فلا يرجع حتى يظفر أو يموت.
قالوا: وأصاب النعمان كسر في فخذه فأبطأ في السير، وتقدم أبو المنازل فلقي الخوارج فقاتلهم وصبروا جميعا، ثمّ تحاجزوا وانحاز الخوارج، ولزموا الطريق، فلقوا النعمان بذي القاف، فقاتلهم النعمان، فانكشف أصحابه وصبر فحمل عليه حسان بن بحدج فضربه فلم يصنع شيئا، وعانقه النعمان فصارا إلى الأرض، فضغطه النعمان إلى الأرض بصلبه حتى قتله النعمان، وحمل عبد الرحمن بن بن بحدج على النعمان فقتل كل واحد منهما صاحبه
стр. 2770
ويقال بل حمل عبد الرحمن على النعمان فقتل النعمان وأتاهم أبو المنازل فقاتلهم وهو يقول:
اصبر على حظك فيما مضي … فإنما النصر مع الصابر
فقتل عبد الرحمن بن بحدج، وانهزم الخوارج وتفرقوا.
قال المدائني: ذو القاف بين فارس والبحرين، وبعمان أيضا موضع يقال له ذو القاف، وقوم يقولون: إن أبا فديك وجّه ابن بحدج، والخبر الأول أثبت.
وقال المدائني: ولم يزل النعمان النّكري مقيما بفارس، ولم يكن هاجر إلى البصرة، فلما قدم عمر بن عبيد الله بن معمر فارس واليا للمصعب تلقاه النعمان، وكان جسيما طويلا، فقال عمر: إن هذا لخليق للبأس والنجدة، فقال: من أنت؟ قال: النعمان بن عبادة النكري، قال: أصحبني، فأكرمه وولاه شرطته، فلما وجهه إلى ابن بحدج ولى مجاعة شرطته، وتزوجت امرأة النعمان بعده رجلا من قريش، فقال لها رجل من عبد القيس:
إنك لن تستبدلي أم أيمن … طوال الليالي فانكحي أو تأيمي
فكان يمر زوجها في الطريق فينشدون هذا البيت.
وقال الهيثم: ولى عبد الملك حين قتل مصعبا يزيد بن هبيرة المحاربي اليمامة، فخرج عليه خارجي يقال له سوار بن عبيد، فخرج إليه بأهل اليمامة فقتله، وتزوج يزيد امرأة من آل قيس بن عاصم، فأدخلت عليه وقد ألبست العصب والثياب الرقاق فقال:
стр. 2771
للبس عباءة وتقر عيني … أحب إلى من لبس الشفوف
وبكر يتبع الأظعان صعب … أحب إلى من بغل زفوف
وبيت تخفق الأرواح فيه … أحب إلى من قصر منيف
وولى بعده أدهم بن عربي.
стр. 2772
أمر عبد الملك بن مروان
(١) وأمّا عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وهو الذي جدع أنف حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، فقتل على أحد بعد انصراف قريش بثلاث، قتله علي بن أبي طالب بأمر النبي ﷺ . وأمها فاطمة بنت عامر بن حزيم من بني جمح، وأمها سكينة بنت أبي معيط.
بويع له في شهر ربيع من سنة خمس وستين بدمشق، ولعبد العزيز أخيه، واستخلف في شهر رمضان سنة خمس وستين وكانت ولايته بعد مقتل عبد الله بن الزبير ثلاث عشرة سنة سنة وثمانية أشهر، وقتل ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين، وكانت فتنته تسع سنين، ومات عبد الملك وله اثنتان وستون سنة، وصلى عليه الوليد بن عبد الملك، ودفن بمقبرة الباب الصغير وذلك في سنة ست وثمانين، وكنيته عبد الملك أبو الوليد.
стр. 2773
وقال الواقدي: مات وله ثلاث وخمسون سنة، وكان عبد الملك يلقب «رشح الحجر» لبخله، و «أبا الذبّان» لنتن فمه وفساد عمور أسنانه، واجتماع الذبّان عليها وعلى شفتيه، ولم يزل يتنسك قبل الخلافة، وقد روى الحديث عن عثمان وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وكان معاوية ولاه ديوان المدينة بعد زيد بن ثابت الأنصاري، ولما ولى عثمان مروان البحرين، ولاه هجر فقال فيه الشاعر:
وبدارين (١) … من قريش أمير
عبشمي نفاعه ضرّار
ويقال إنه ولد لسبعة أشهر، وقال فيه ابن قيس الرقيات:
أنت ابن عائشة التي … فضلت أروم (٢) نسائها
لم تلتفت للداتها … ومضت علي غلوائها
(٣) وقال أبو اليقظان: العرب تسمي الأبخر أبا الذبان، فلذلك قيل لعبد الملك أبو الذّبان:
وقال المدائني: كان عبد الملك آدم جميلا أقنى كأنه من رجال يهوذ في تمامه.
وقال فيه ابن قيس الرقيات:
يعتدل التاج فوق مفرقه … علي جبين كأنه ذهب
(٤)
стр. 2774
فسمعه رجل فقال: يعلم والله أنه قد رآه.
فولد عبد الملك: الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر، وداود، درجا.
وعائشة تزوجها خالد بن يزيد بن معاوية، وأمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس، ولها يقول العجاج:
من بين مروان قريع الإنس … وابنة عباس قريع عبس
(١) وقال بعض الشعراء:
لقد أنجبت له إمامي بلاده … فإنهما مستخلف ومؤمل
ويزيد ومروان الأصغر ومعاوية أمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية.
وهشاما أمه أم هشام واسمها عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
وأبا بكر أمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله.
والحكم وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان.
وعبد الله، ومسلمة، والمنذر، وعنبسة، ومحمدا، وسعيد الخير، وكان حين استنزل بنهر سعيد (حفر النهر وعمر غيضته فلقب به) وكان يزيد يقول: إن سعيد الخير لأهل لأن أستخلفه.
والحجاج وقبيصة لأمهات أولاد شتى.
وفاطمة أمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة تزوجها عمر بن عبد العزيز.
стр. 2775
وقال أبو اليقظان: سمى عبد الملك المنذر باسم رجل من أهل الشام كان ناسكا، وقد شهد المنذر هذا قتال حبيش بن دلجة الحنتف بالربذة، ولا أعلم له عقبا، قال وسمى قبيصة باسم قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وكان قبيصة على خاتم عبد الملك وبيت ماله، وولد له الوليد بن قبيصة، فدرج ولا عقب له، قال: وسمى الحجاج باسم الحجاج بن يوسف، وقال عبد الملك:
سميته الحجّاج بالحجّاج … بالناصح المعاون الدماج
نصحا لعمري غير ذي مزاج
فوهب الحجّاج بن يوسف للحجاج بن عبد الملك دارا بدمشق تعرف بدار الحجاج، وكان أبو بكر ضعيفا، فكان يسمي بكارا، حج من المدينة حين وردها ماشيا على اللبود، وقتله بعد عبد الله بن علي، وولد لعنبسه بن عبد الملك الفيض بن عنبسة لا عقب له. ووجه عبد الملك عبد الله بن عبد الملك إلى الحجاج أيام ابن الأشعث، وإلى أهل العراق، فعرض عليهم عزل الحجاج فلم يقبلوا، فأمر الحجاج بقتالهم، وولاه أخوه الوليد بن عبد الملك حمص، وغزا الصائفة وولاه مصر فمرض، فكتب إليه الوليد أن أكتب لي أموالك فقال: اكتبوها له فليتني لم أعرف الوليد ولا أباه، ومات فقال الوليد:
رحم الله عبد الله خاف التبعة في الآخرة وتحرج مما أصاب وقد جعلته من ذلك في حل، فبكاه الشاعر وقال:
فهلا على قبر الوليد أخي الندى … وقبر سليمان الذي عند دابق
وقبر أبي عمرو أخي وأخيهم … بكيت لحزن في الجوانح لا حق
стр. 2776
وفيه يقول الشاعر:
فإن بمصر عبد الله يأسو … ويجبر عظم ذي الكسر المهيض
وأوفد مسلمة بن عبد الملك مروان بن عبد الملك إلى يزيد بن عبد الملك بقتل يزيد بن المهلب، وأوصى عبد الملك الوليد وسليمان أن يستخلفا أحد ابني عاتكة يزيد أو مروان وهو الأصغر فمات مروان وكان ضعيفا وله يقول كثير:
أبا خالد فارقت مروان عن رضا … وكان يزين الأرض أن تنزلا معا
(١) وولد لمروان هذا: معاوية بن مروان، فولد معاوية الوليد بن معاوية، وكان من رجالهم ولي دمشق وله عقب.
وللحكم بن عبد الملك بن مروان يقول رؤبة (٢):
يا حكم الوارث عن عبد الملك … ميراث أحساب وجود منسلك
إليك أشكو عض دهر منتهك … بالمنكبين والجران مبترك
وقد علمنا ذاك علما غير شك … أنك بعد الله إن لم تدّرك
مفتاح حاجات أنخناهن بك … فالذكر فيها عندنا والأجر لك
ما بعدها من طلب ولا درك
стр. 2777
وقال عبد الملك في بنيه:
يزيد زيادة الرحمن فينا … وصاحب عزوة الأمر الشديد
ومروان الصفي صفي نفسي … شبيه النفس مني والجدود
وعبد الله صاحب كل حرب … وغزو تحت أبدان الحديد
فقد علقت حبّهم جميعا … على أنّ الخلافة للوليد
سليمان الشعار شعار قلبي … أحبّ إلى من ذوب الشهود
ورأيي في هشام أنّ فيه … حياة للجنود وللوفود
وقالوا: تزوج عبد الملك شقراء بنت مسلمة بن حنظلة الطائي، وصفت له، وكان الواصف لها ابن معرض الطائيّ، فقال: والله لوددت أن الله جعل حظ طيّئ كلها من نار جهنّم في حر شقراء ليلتها هذه وكانت عظيمة الركب، ويقال بل خرج عبد الملك متنزها، فرأى خباء حريدا فوقف عليه، فخرج إليه أبو شقراء فقال له عبد الملك: ما أنزلك متنحّيا؟ فقال إن لي ابنة لها بهاء قرشية، وحسن غطفانية، وفم طائية، وجسم عامرية، فتزوجها فماتت عنده فصالحهم من ميراثها على ألف ألف درهم.
وكتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل وهو بالمدينة اخطب عليّ امرأة من قريش من كمالها ومن طولها ومن بياضها فكتب إليه: إني لا أعلم هذه الصفة إلا في بنات المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان المغيرة جميلا، وكنّ بناته ذوات جمال وكمال، وللمغيرة يقول الشاعر:
ألا يا أيها الأعراب سيروا … فما بعد المغيرة من مقام
стр. 2778
المدائني عن إبراهيم بن سعد أنّ عبد الملك رأى في منامه كأن امرأته المخزوميّة قلعت رأسه، ثم لطعت منه عشرين لطعة (١)، فبعث إلى سعيد بن المسيب من سأله عن الرؤيا، فقال: تلد منه ولدا يملك عشرين سنة، فولدت هشاما فملك عشرين سنة، ويقال إنه رأى أيضا كأنه وتدت في ظهره أوتاد، فقصت رؤياه على سعيد، فقال: يخرج من صلبه أولاد يلون الخلافة.
وتزوج عبد الملك ابنة لعليّ بن أبي طالب، وتزوّج أمّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر فطلقها، وقد ذكرنا قصتها فيما تقدّم من أخبار آل أبي طالب.
وتزوج أم الحكم بنت ذؤيب بن حلحلة بن عمرو الخزاعي، وهي أخت قبيصة بن ذؤيب صاحبه.
وأما مسلمة بن عبد الملك فسنذكره بعد هذا الموضع إن شاء الله، وكان صاحب رأيهم، وفتح الطوانة وغزا الصوائف غير مرة ومات بالحانوتة من مضر (٢) سنة إحدى وعشرين ومائة وكان مولده عام أخرج ابن الزبير بني أمية من المدينة.
стр. 2779
ما قيل في عبد الملك
وأخباره بعد مقتل ابن الزبير
المدائني عن مسلمة قال: رأى معاوية عبد الملك فقال: هذا أبو الملوك.
المدائني عن عبد الله بن بكر السهمي قال: قال عمرو بن العاص:
كنت عند معاوية وعنده عبد الملك، فلمّا قام أتبعه بصره، ثمّ قال لله درّ هذا الفتى ما أعظم مروءته.
المدائني عن المنهال بن عبد الملك قال نظر رجل إلى عبد الملك، وكانت في رأسه شامة مدورة، فقال: أما ليملكنّ فقال: ليت لنا من عرفج خوصة (١).
المدائني وغيره قالوا دخل عبد الملك على يزيد بن معاوية فقال يا أمير المؤمنين إنّ لك أرضا بوادي القرى ليست لها غلة فإن رأيت أن تأمر لي بها
стр. 2780
فقال يزيد: إنا لا نخدع عن صغير ولا نبخّل بكبير، قال: فإن فيها كذا وكذا، قال: هي لك، قال: فلمّا ولى قال يزيد: هذا الذي يقال إنه يلي بعدنا، فإن كان ذلك باطلا فقد وصلناه، وإن كان حقا فقد صانعناه.
المدائني قال: قال عبد الله بن صفوان رأى عثمان عبد الملك فضمه إليه وقال: رأيتني أخذت برنسي فوضعته على رأسه، وقد ولده أبو العاص مرتين، ولئن خرجت مني إليه ما ذاك بكبير.
المدائني والحرمازي عن العتبي قالا: قال سعيد بن العاص، وبعضهم يقول عمرو بن العاص: لله درّ عبد الملك ما زلت أعرفه آخذا بأربع تاركا لثلاث، آخذا بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حدث، وبترك الجدال إذا خولف، وبإظهار البشر إذا لقي، تاركا لخلة الظنين في دينه، وملاحاة الغلق خوفا لشذّاته، وللدخول فيما لا يعنيه هذا مع حلم وعلم.
المدائني قال: وصف رجل عبد الملك، فقال: إنه ليترك مخالفة الجليس توقّيا لسوء المجالسة، ويدع مماراة اللجوج كراهة لعداوته.
المدائني عن أبي هاشم الحراني، كاتب بشر بن مروان قال: قال عبد الملك للشعبي، حين وفد عليه وحدثه: لقد حدثتني بأحاديث قد مرت بمسامعي، ولكني أنصت حتى تظن أني لم أسمعها، وإنّ ذلك لطرفا من الأدب.
حدثني الحسين بن الأسود عن يحيى بن آدم، عن وكيع قال: حدثنا الأعمش عن ذكوان قال: كان فقهاء المدينة يعدون أربعة، منهم عبد الملك بن مروان.
стр. 2781
حدثني روح بن عبد المؤمن قال: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن نافع قال: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشدّ تشميرا، ولا أملك لنفسه، ولا أظهر مروءة من عبد الملك بن مروان.
قال: وكان يقال لعبد الملك بالمدينة حمامة المسجد لعبادته.
قال: وشكي بعض العمّال إلى ابن عمر، وعبد الملك يصلي إلى سارية، فقال ابن عمر: لو وليهم عبد الملك هذا ما رضوا به، يضرب به المثل في الفضل والصلاح.
المدائني وغيره إن عبد الملك قال حين وجّه يزيد بن معاوية الجيش إلى ابن الزبير: ليت السماء وقعت على الأرض، إعظاما لذلك، ثم إنه ابتلي بعد ذلك بأن وجّه الحجاج فقتله بمكة ورمى البيت.
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي قال:
دخلت على عبد الملك فقلت: أنا الشعبي يا أمير المؤمنين فقال: لو لم نعرفك لم نأذن لك، فلم أدر ما أقول، فقال: علم بنيّ الشعر، فإنه ينجّدهم ويمجدهم.
وحدثني هشام بن عمار عن أبيه قال: مرّ ابن زمل العذريّ بسعيد بن المسيب فدعاه فجاءه، وهو في المسجد، فقال: بلغني إنك مدحت عبد الملك فأنشدني ما قلت فيه فأنشده:
فما عابتك في خلق قريش … بيثرب حين أنت بها غلام
فقال: صدقت كذا كان وهو عندنا.
стр. 2782
وقال المدائنيّ عن الأشياخ: بايع مروان بن الحكم لأبنيه: عبد الملك، وعبد العزيز حين رجع من مصر بالصّنّبرة (١)، أو بدمشق وولى عبد الملك فلسطين، فلما مات مروان أتاه عبد الرحمن بن أم الحكم، فسلم عليه بالخلافة. وقال المدائني: لما قتل عبد الملك عمرو بن سعيد قال ابن الزبير:
إن أبا الذبّان قتل لطيم الشيطان ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢) وبلغ ذلك ابن الحنفيّة فقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ (٣) يرفع له يوم القيامة لواء بغدرته، ويلعنه الله والملائكة.
وقال الواقدي: كان عبد الملك يكنى أبا الوليد عابدا ناسكا قبل الخلافة، وسمع من عثمان، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، ومات بالشام سنة ست وثمانين، وقبض وله ثمان وخمسون سنة.
وروى مروان عن عمر وعثمان وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة وله ثمان سنين، ومات سنة خمس وستين وله ثلاث وسبعون سنة.
وقالوا: كتب عبد الله بن عمر حين قتل ابن الزبير إلى عبد الملك بن مروان: «من عبد الله بن عمر، سلام عليك، فإني مقرّ لك بالسمع والطاعة عن سنة الله وسنّة رسوله ما استطعت».
المدائني عن محمد بن صالح عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: كتب ابن عمر إلى عبد الملك بالبيعة، فقيل لعبد الملك: أترضى بأن يكتب إليك بمثل هذا؟ فقال: هذا من أبي عبد الرحمن كثير.
стр. 2783
وكتب ابن الحنفية ببيعته، وقد كتبنا خبره وخبر عبد الملك والحجّاج فيما تقدّم من خبر ابن الحنفية.
قالوا: ووفد الحجّاج إلى عبد الملك بعد قتل ابن الزبير، وأوفد معه ابن الحنفية، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، وعمر بن عبد الرحمن بن عوف، وعيسى بن طلحة، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص في رجال آخرين، قالوا: فدخل عيسى بن طلحة على عبد الملك في هذه الوفادة، ويقال في غيرها، فسأله أن يخليه، فقال: إنه ليس دون الحجّاج سرّ، فقال: والله لئن لم تخلني لا قبلت صلتك ولأرجعنّ ساخطا، قد قطعت رحمي فأخلاه، فقال: يا أمير المؤمنين سلطت علينا هذا الغلام من ثقيف، لا يعرف لقومك حقا، فقال: إنكم ما تعرفون منه شيئا إلا وأنا عارف به، وأنا عازله عنكم عزلا جميلا، فلا يسمعن هذا منك أحد فإني أخبره أنك أثنيت عليه، وخرج فأخبر عبد الملك الحجّاج أنّ عيسى أثنى عليه، فأتى الحجاج عيسى فوقف عيسى على بابه ووصله. وقال بعضهم: انّ المتكلم بهذا الكلام والذي أخلاه عبد الملك عمر بن عبد الرحمن بن عوف.
حدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري قال: سمع عبد الملك بعض أهل الشام ممن توجّه إلى ابن الزبير أيام يزيد بن معاوية يقول: والله لنرمينّ البيت بالحجارة والنار إن أقام الملحد ابن الزبير على ما هو عليه، على رغم أنف من رغم، فقال عبد الملك: فإني أشهد الله أنّ أنفي إن كان ذلك، وأعوذ بالله، أول راغم، قال:
فلم يلبث أن رماه الحجّاج وهو عامله وصاحبه بأمره.
стр. 2784
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة عن أبيه قال: كان عبد الملك أول خليفة بخّل، وكان يقول: إعطاء الشعراء من السرف، ولكنهم قوم يتأتى لهم من الذم الباقي السائر ما لا يتأتى لغيرهم فأنا أتقيهم ببعض النوال ولا أتجاوز القصد.
وحدثني المدائني عن مسلمة بن محارب قال: لما مات مروان صلى عليه عبد الملك ودفنه، ثمّ صعد المنبر فقال: إني والله ما أنا بالخليفة المصانع، ولا الخليفة المستضعف، ولا الخليفة المطعون عليه (١)، إنكم تأمرونا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم، والله لا يأمرني أحد بعد يومي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه ثمّ نزل.
المدائني عن عوانة قال: قال عبد الملك: زينة الكهل العلم، وجنّته الحلم.
المدائنيّ قال: تزوج عبد الملك ولادة بنت العباس العبسي فولدت له الوليد وسليمان، فقال عثمان بن مسعود العبسي يوما للحضين بن المنذر:
يا حضين أنت عجوز بكر بن وائل، فقال: لا ولكني كبيرها وسيدها، وأنت من قوم سادهم في الجاهلية عبد يعني عنترة وتقدمهم في الإسلام بحر إن ندى نديتم، وإن جف جففتم.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود عن أبي بكر بن عياش عن حصين قال: قال الشعبي: وفدت على عبد الملك، فما أخذت في حديث أرى انه لم يسمعه إلا سبقني إليه، وربما غلطت في الشيء وقد علمه فيتغافل عنّي تكرّما.
стр. 2785
المدائني قال: أتى رجل عبد الملك فقال له: إنّ لك عندي يا أمير المؤمنين نصيحة في فلان، فقال له: نسمعها منك على أنك إن كنت صادقا مقتناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن أحببت أن نقيلك أقلناك؟ قال:
فأقلني، قال: قد فعلت.
الحرمازيّ عن جهم السليطي قال: دخل أعرابي على عبد الملك فسأله فقال: إنّ علينا في مالنا حقوقا هي أوجب من حقك، فقال: والله لو كنت مثلك ما منعت راغبا، فقال: أعطوه، فأبى قبول عطيته وخرج، فقيل له: لم امتنعت من قبول صلته؟ فقال: إن يد البخيل ثقيلة.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة قال: دعا عبد الملك بمؤدب ولده فقال: إني قد اخترتك لتأديب ولدي وجعلتك عيني عليهم وأميني، فاجتهد في تأديبهم ونصيحتي فيما استنصحتك فيه من أمرهم، علمهم كتاب الله حتى يحفظوه وقفهم على ما بيّن الله فيه من حلال وحرام حتى يعقلوه، وخذهم من الأخلاق بأحسنها، ومن الآداب بأجمعها، وروهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أصدقه، وجنبهم محادثة النساء، ومجالسة الأظناء، ومخالطة السفهاء، وخوفهم بي، وأدبهم دوني، ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يفهموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وأنا أسأل الله توفيقك وتسديدك، ثم أسمى له الرزق، وبدأه بصلة حسنة.
حدثني أبو أيوب الرقيّ المؤدب عن أبيه قال: دعا عبد الملك مؤدب ولده فقال له: رو ولدي ما في هذا القرطاس، وإذا فيه وصية معاوية فكانت:
стр. 2786
«بسم الله الرحمن الرحيم يا بني أمية إنّه لمّا قرب مني ما كان بعيدا، وخفت أن يسبق الموت إليّ، ويسبقكم بي سبقته إليكم بالموعظة، لأبلغ عذرا، وإن لم أردّ قدرا، إن الذي أخلفه لكم من دنياي أمر تشاركون فيه، أو تقبلون عليه، وإن الذي أخلف لكم من رأيي مقصور عليكم نفعه إن فعلتموه، مخوف عليكم ضرره إن ضيعتموه فاجعلوا مكافأتي قبول نصيحتي، وإن قريشا شاركتكم في أنسابكم وتفردتم دونها بأفعالكم، فقدمكم ما تقدمتم فيه إذ أخر غيركم ما تأخروا له، ولقد جهر لي فعلمت، ونعم لي ففهمت حتى كأني أنظر إلى أولادكم بعدكم كنظري إلى آبائهم قبلهم، إنّ دولتكم ستطول وكلّ طويل مملول، وكل مملول مخذول، فإذا انقضت مدتكم كان أول ذلك اختلافكم بينكم، واتفاق المختلفين عليكم، فيدبر الأمر بضد ما أقبل به، فلست أذكر عظيما ينال منكم ولا حرمة تنتهك لكم إلا وما أكف عن ذكره أعظم منه، فلا معول عليه عند ذلك أفضل من الصبر واحتساب الأجر، فيا لها دولة أنست أهلها الدول في الدنيا، والعقوبة في الآخرة، فيمادكم القوم دولتكم تماد العنانين في عنق الجواد، فإذا بلغ الله بالأمر مداه، وجاء الوقت الذي حده رسول الله ﷺ ، ضعفت الحيلة، وعزب الرأي وصارت الأمور إلى مصائرها فأوصيكم عندها بتقوى الله الذي يجعل لكم العاقبة إن كنتم متقين».
حدثني هشام بن عمار عن الوليد عن روح بن جناح عن الزهري أن عبد الملك رأى عند بعض ولده حديث المغازي، فأمر به فأحرق، وقال:
عليك بكتاب الله فاقرأه، والسنة فاعرفها واعمل بها.
стр. 2787
وكان المنصور أمير المؤمنين يقول الخلفاء ثلاثة: معاوية وكفاه زياد، وعبد الملك وكفاه الحجّاج، وأنا ولا كافي لي.
وقال المنصور أيضا وذكر ملوك بني أمية: كان عبد الملك أشدهم شكيمة، وأمضاهم عزيمة، وكان هشام رجلهم.
حدثني الحرمازي عن أبي عبيدة قال: كانت عبس تستطيل بتزويج عبد الملك ولادة بنت العباس العبسي، فقال الوليد بن القعقاع العبسي ليزيد بن عمر بن هبيرة: يا بن الفرار، فقال يا بن الضراط، قال الوليد: يا بن اللخناء، قال:
بل أنت نزوة خوّار على أمة … لا يدرك الحلبات اللؤم والخور
قال ابن هبيرة: يا بن الفجواء (١) لقد قدمتك أعجاز النساء وقدمني صدور الخيل والقنا.
وحدثني هشام بن عمّار قال: حدثني الوليد بن مسلم قال: سمعت شيخا من أهل دمشق مسنّا يحدّث عن أبي الزعيزعة قال: قال عبد الملك للهذيل بن زفر، وحاتم بن النعمان الباهلي: إني أريد اختصاصكما ومجالستكما، فلا تمدحاني في وجهي، فإني اعلم بنفسي منكما، ولا تطريا عندي ظنينا فأستغشكما، ولا تكذباني فليس لمكذوب رأي، ولا تغتابا عندي أحدا، وقولا ما شئتما.
وحدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن ابن عيّاش الهمذاني قال: دعا عبد الملك الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، وحاتم بن النعمان
стр. 2788
الباهلي، فقال: إني قد عزمت على ان تجالساني وتسامراني، فلا تمدحاني في وجهي فإني أعلم بنفسي منكما، ولا تطريا عندي فاسقا فأمقتكما، ولا ظنينا فأستغشكما، ولا تكذباني فإنه لا رأي لمكذوب، ولا تغتابا عندي أحدا، وقولا بعد ذلك ما شئتما.
قال: فكان الهذيل يتبع هواه فيما له وعليه مما يشينه ويزينه، وكان حاتم بن النعمان يخالفه فيما خاف عليه عاقبته وضرره، فقال له الهذيل: يا أمير المؤمنين إنما يخالفك حاتم ليري الناس جرأته عليك، فوقع ذلك في نفس عبد الملك فجفاه وحجبه، فبينا عبد الملك يسير في مسير له: إذ بصر بحاتم في الموكب فدعا به، وقال له: مالي لا أراك في مسيري إذا سرت، ونزولي إذا نزلت؟ فقال: ما أبرح من عسكر أمير المؤمنين أصلحه الله، ولا أخرج عنه، وقال:
إن مسيري في المسير ومنزلي … لبالمنزل الأقصى إذا لم أقرّب
ولست وإن أدنيت يوما بقائل … مقالة ذي غش لكم لتحبب
وقد عدها قوم كثير تجارة … ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
وإني أرى حق الإمام ونصحه … وطاعته فرضا كما هي للأب
فدعاه وأدناه وسمع منه.
حدثني محمد بن مصفى الحمصي عن الوليد عن بعض ولد عمر بن عبد العزيز قال: قدم عبد العزيز بن مروان علي أخيه عبد الملك من مصر في بعض الأمور، فلما أراد الشخوص إليها قال له: انظر ما أوصيك به فاجعله لك إماما: ابسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرفق في الأمور فهو ابلغ بك، وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك، فإنه وجهك ولسانك، ولا يقفنّ أحد
стр. 2789
ببابك إلا أعلمك مكانه لتكون أنت الذي تأذن له أو ترده، وإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ جلساءك بالكلام يأنسوا بك، وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك أمر مشكل فاستظهر عليه بالمشاورة فإنها تفتح مغاليق الأمور المبهمة، واعلم أن لك نصف الرأي، ولأخيك نصفه، ولن يهلك امرؤ عن مشورة، وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته فإنك على العقوبة بعد التوقف عنها أقدر منك على ردها بعد إمضائها.
حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن عوانة قال: كان عبد الملك جالسا وعنده قوم من الأشراف، فقال لعبيد الله بن زياد بن ظبيان البكري:
يا عبيد الله بلغني أنك لا تشبه أباك؟ فقال: بلى والله إني لأشبه به من الماء بالماء، والقتة بالقتة، والتمرة، بالتمرة، والغراب بالغراب، ولكن إن شئت أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام.
قال: ومن هو؟ قال: سويد بن منجوف فلمّا خرج عبيد الله وسويد، قال سويد: والله ما يسرني بمقالتك له حمر النعم، قال عبيد الله: وما يسرني والله باحتمالك إياي وسكوتك عني سودها، وإنما عرض بعبد الملك، وكان ولد لسبعة أشهر.
قالوا: ودخل أبو العبّاس الكناني الأعمى على عبد الملك فقال له:
أخبرني عن مصعب فأنشده قوله فيه:
يرحم الله مصعبا إنه مات … كريما ورام أمرا عظيما
طلب الملك ثمّ مات حفاظا … لم يعش باخلا ولا مذموما
ليت من عاش بعده من قريش (١) … موتوا قبله وعاش سليما
стр. 2790
فقال عبد الملك: صدقت كان مصعب نابا من أنياب قريش، وصنديدا من صناديدها.
حدثني أبو هشام الرفاعي عن عمّه كثير بن محمد عن ابن عياش المنتوف قال: قال عبد الملك: شممت الطيب حتى ما أبالي رائحة ما وجدت، وأتيت النساء حتى ما أبالي رأيت امرأة أم حائطا، وأكلت الطعام حتى ما أبالي ما أكلت، وما بقيت لي لذة إلا في محادثة رجل ألقي التحفظ بيني وبينه.
وحدثني أبو أيوب الرقي عن الحجاج بن أبي منيع الرصافي قال:
أوصى عبد الملك ولده، وأهل بيته، فقال: يا بني مروان ابذلوا معروفكم، وكفوا أذاكم، واعفوا إذا قدرتم ولا تبخلوا إذا سئلتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، فإنه من ضيّق ضيّق عليه، ومن وسع وسع عليه.
المدائني قال: قيل لعبد الملك: قد شبت يا أمير المؤمنين؟ فقال: وكيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة - يعني الخطبة-.
حدثني أبو صالح الأنطاكي عن الحجّاج بن محمد عن ابن جريج عن إسماعيل بن محمد قال: قدم علينا عبد الملك حاجا في سنة خمس وسبعين، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ذلكم أيها النّاس فلست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا بالخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا بالخليفة المأفون - يعني يزيد - ألا وإن من قبلي من الولاة كانوا يأكلون ويؤكلون، وإني والله لا أداويكم إلا بالسيف، فمن أحبّ أن يبدي صفحته فليفعل، فلا تكلفونا أعمال المهاجرين، ولستم تعملون أعمالهم، فوالله ما زلتم تزدادون استجراحا ونزداد لكم عقوبة، حتى التقينا نحن وأنتم عند السيوف، هذا عمرو بن سعيد قال برأسه كذا، فقلنا بسيفنا كذا، ألا فليبلغ
стр. 2791
الشاهد الغائب إنه ليست من لعبة إلا ونحن نحتملها، ما لم تبلغ أن تكون صعود منبر أو نصب راية، ألا وإن جامعة عمرو بن سعيد التي جعلناها في عنقه عندنا، وإني أعطي الله عهدا أن لا أجعلها في عنق أحد فأخرجها منه إلا صعدا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
المدائني عن مسلمة قال: قال عبد الملك: إن الخلفاء قبلي كانوا يداوونكم بأدوائكم، فيأكلون ويؤكلون، وإني والله لا أداويكم، إلا بالسيف، إن الله فرض فرائض وحدّ حدودا، فما زلتم تزدادون في الذنوب ونزداد في العقوبة حتى اجتمعنا نحن وأنتم عند السيف، فليبق امرؤ على نفسه.
المدائني عن ابن جعدبة قال: هدم ابن الزبير الدور التي كانت حول الكعبة، وقال: أنتم حللتم على الكعبة ولم تحلّ عليكم، ولم يعطهم أثمان دورهم، فلما قتل تظلموا إلى عبد الملك فقال: إن كان أخذ حقا فليس لكم عليه سبيل، وإن كان ظلمكم، فإني لا أحب إخراجه من الظلم.
قالوا: دخل حميد بن ثور الهلالي على عبد الملك فقال له: ما الذي أقدمك يا حميد؟ فقال:
أتاك بنا الله الذي فوق من ترى
قال عبد الملك: وماذا؟ قال:
وفضل ومعروف عليك دليل
قال: وماذا؟ قال:
ومطوية الأقراب أما نهارها … فسير وأمّا ليلها فذميل
فوصله وأعطاه.
стр. 2792
المدائني قال: خطب عبد الملك أهل المدينة. وقد قدمها يريد الحجّ فقال: إني لأعلم أني لا أحبكم ما ذكرت قتل عثمان، وأنّكم لا تحبوني ما ذكرتم الحرّة وحبيش بن دلجة، فأنا وأنتم كما قال الشاعر:
أبى لي قبر لا يزال مواجهي … وضربة فأس فوق رأسي فاقره
قال: وكان عبد الملك يتهدد أهل بيته بمثل ما صنع بعمرو بن سعيد، فكتب إليه عبد الله بن عمرو بن عثمان: «إنك قد عرفت بلاء عثمان عندك، وعند أهل بيتك، ورفعه أقداركم، وما أوصاك به مروان من قضاء دين عمرو بن عثمان، وتأخيرك ذلك، فإن تؤثر ما أوصاك به أبوك فأهله نحن، وإلا تفعل فسيغني الله عنك والسلام».
وكان مروان أوصى عبد الملك بقضاء دين عمرو، فكتب إليه عبد الملك: قد أتاني كتابك، وعمرو بن سعيد كان أقرب منك رحما، وأوجب عليّ حقا، فأخطأ موضع قدمه، ففرّقت بين رأسه وجسده، وقد هممت بأن الحقك به.
فكتب إليه عبد الله بن عمرو: أتاني كتابك بما ذكرت ممّا هممت، فإن تفعل فإني رجل معرق لي في الشهادة، أنا ابن أمير المؤمنين عثمان، وابن أمير المؤمنين عمر، وكانت أمّه حفصة بنت عبد الله بن عمر.
المدائني عن علي بن حمّاد قال: قال عبد الملك السياسة هيبة الخصاصة، مع صدق مودتها، وإفساد قلوب العامّة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع، فإن شكرها لأقرب الأيادي إليها.
حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف وغيره أنّ عبد الملك كان فاسد الفم، فوقعت فيه الإكلة، فكان ينادي يا أهل العافية
стр. 2793
لا تستقلوها، فيسمع صوته بذلك من عدّة منازل، فلمّا اشتدت به العلّة دعا بنيه فقال لهم حين حضروا: يا بني أوصيكم بتقوى الله فإنها عصمة باقية وجنة واقية، وقروا كبيركم وارحموا صغيركم، وابذلوا للنّاس معروفكم، وجنبوهم أذاكم، وأكرموا مسلمة بن عبد الملك فإنه سنكم الذي به تتزينون، ونابكم الذي عنه تفترون، وسيفكم الذي به تصولون، فاقبلوا قوله، واصدروا عن رأيه، وأسندوا جسيم أمركم إليه، وأكرموا الحجّاج بن يوسف، فإنه وطأ لكم المنابر ودوخ لكم البلاد، قد عرفتم بلاءه في الملحد ابن الزبير، وفي طغاة أهل العراق، واجتهاده في طاعتنا، ومحاماته علينا ولم يلبث أن مات، فصلى عليه الوليد.
المدائني عن عامر بن حفص قال: مرض صديق لعبد الملك بن مروان من جرح كان به، فقال لروح بن زنباع الجذامي: أتيت فلانا؟ قال: نعم، قال: فأين جرحه؟ قال في عجانه، قال: مه، ثمّ قال لشبة بن عقال: اذهب فانظر أين جرحه، فمضى ثمّ أتاه فقال: جرحه بين الثنة والصفنة، وهي جلدة الخصيتين، فقال عبد الملك لروح: قل كذا.
المدائني عن خالد بن يزيد بن بشر عن أبيه: إنّ عبد الملك أتي برجل من قيس فقال له: زبيري عميري يعني عمير بن الحباب، فقال له: والله لا يحبك قلبي أبدا، قال: يا أمير المؤمنين إنما يبكي على الحب المرأة، ولكنّ عدلا وإنصافا.
حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن عوانة وابن عيّاش قالا: دخل الهيثم بن الأسود النخعي على عبد الملك، وقد أتي بخارجي من النخع، وعبد الملك يحلف ليقتلنه فقال للهيثم: هذا رجل من
стр. 2794
قومك، قال: يا أمير المؤمنين فهب جاني قوم لوافدهم، قال: هو لك، فخرج الهيثم والخارجي معه وهو يقول: تألّى على الله فكذّبه، وغالب الله فغلبه. وقوم يزعمون أن الهيثم قال هذا لمعاوية، وقوله إياه لعبد الملك أثبت.
المدائني عن شبيب بن شبّة قال: قال أمير المؤمنين المنصور - وذكر بني أمية - أمّا عبد الملك فكان جبارا لا يبالي ما أقدم عليه، وأمّا الوليد فكان مجنونا، وأمّا سليمان فكان همّه بطّنه، وأمّا عمر بن عبد العزيز فكان أعور بين عميان، وأمّا يزيد بن عبد الملك فكان ركيكا ماجنا، ورجل القوم هشام.
المدائني عن مسلمة قال: وفد الحجّاج بن يوسف على عبد الملك، فدخل عليه وعنده خالد بن يزيد بن معاوية فقال له خالد: إلى كم هذا البسط، إلى كم هذا القتل؟ فقال الحجّاج: ما دام بالعراق رجل يزعم أنّ أباك كان يشرب الخمر، فأسكته.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن الكلبي عن عوانة قال: دخل ولد مسلم بن عقبة المري على عبد الملك، فقال لهم: إنّ أباكم كان جلدا لئيما، فمضى بجلده وخلف فيكم لؤمه فلا حاجة لنا بكم.
المدائني عن عوانة إن حسان بن مالك بن بحدل الكلبي، ومنظور بن زبّان بن سيّار مرضا، فعادهما عبد الملك، وهو خليفة فبدأ بحسّان، ثم بمنظور، ثم خرج وهو يقول:
فما لي في دمشق ولا قراها … مبيت إن عرضت ولا مقيل
وما لي بعد حسّان سمير … وما لي بعد منظور خليل
стр. 2795
وحدّثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: مرض حسّان بن مالك بن بحدل، ومنظور بن زيد بن أفعى الكلبي أحد بني حارثة بن عبد ود، فعادهما عبد الملك وقال:
فما لي في دمشق ولا قراها … مبيت إن عرضت ولا مقيل
وما لي بعد حسّان سمير … وما لي بعد منظور خليل
وهذا أثبت وأصحّ.
المدائني عن زيد بن عياض بن جعدبة قال: حجّ عبد الملك، فلقيه عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم الشاعر، فلما سلّم عليه قال: ويحك أما ترعوي من فتونك، لقد علمت قريش أنك من أطولها صبوّة، وأبطأها توبة، وجفاه فقال عمر: يا أمير المؤمنين بئست التحية من ابن العم لابن عمه على طول النوى. وقيل له: يا أمير المؤمنين سلّم عليك ابن أبي ربيعة، وهو فتى قريش وشاعرها فلقيته بالغلظة والجفوة، فلو دعوته فآنست وحشته، وبسطته، فدعاه، فدخل عليه، وجارية تغمز رجله، وأخرى تغمز رأسه، فقال له: إني كنت ضجرا فأسمعتك ما لم أكن أحبّ أن اقول مثله لك فسلني حوائجك، فقال: يا أمير المؤمنين قد علمت قريش أني من أكثرها مالا وأحسنها حالا، وأنضها عينا، وأقلها دينا، وأعظم حوائجي بقاؤك. ثمّ انصرف، فقيل له: يا أبا الخطاب دعاك أمير المؤمنين، فعرض عليك الحوائج فلم تسأله شيئا؟ فقال: إنه أجلس القمر عند رجله، والشمس عند رأسه، ثم قال: تصدق، وما كان ذاك ليكون أبدا.
стр. 2796
قال القاسم بن سلام: يقال أن معاوية أو عبد الملك قال: ما غضبي على من أملك فأنا أقدر عليه وما غضبي على من لا أملك ويدي لا تناله.
وحدثني عمر بن بكير عن هشام ابن الكلبي عن ابن مسكين المديني عن أبيه قال: حج عبد الملك فمرّ بمنزل حبّى المدينيّة بالمدينة، وكان فتيان قريش يجلسون إليها فيتحدّثون عندها، فأشرفت عليه ونظر إليها وهي تدعو له، فوقف وقال: يا حبّى أنا عبد الملك، فقالت: قد علمت فبأبي أنت وأمي، الحمد لله الذي أراني وجهك قبل موتي، كيف أنت يا سيدي؟ قال:
بخير يا حبى كيف ماؤك المبرد، ومن كان يغشاك من فتيان قريش؟ قالت:
بخير يا أمير المؤمنين، أقتلت أخاك عمرو بن سعيد؟ قال: نعم والله ويعز عليّ، ولكنّه أراد قتلي، قالت: فلا أحاله، فأمر لها بخمسمائة دينار وأهدت له أشياء فقبلها.
حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش عن الشعبي قال:
دخل محمد بن أسامة بن زيد على عبد الملك فقال له: ابن كم كان أبوك حين عقد له النبي ﷺ على الجيش؟ قال ابن سبع عشرة سنة، قال: فهؤلاء يعيبوننا حين عقدنا للوليد وهو ابن بضع وعشرين سنة.
المدائني قال: قال عبد الملك: ظلم الناس عروة بن الورد حين قدّموا عليه حاتم طيّئ في السخاء، لقد كان سخيّا حازما.
حدثني أبو محمد النحوي المعروف بالتوّزي عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: نازع رجل من قريش رجلا من بني تميم، فقال التميمي: أما قريش فلها فضلها ولكن منّا الأحنف بن قيس أحلم الناس، وإياس بن قتادة أحمل الناس، حمل دماء الأزد، وفارس العرب الحريش بن
стр. 2797
هلال، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فقال: قد كان الأحنف حليما، وكان إياس حمولا، وأمّا الحريش فإن عبّاد بن الحصين أولى بما وصفه به منه.
المدائني إن عبد الملك حجّ فنزل بالمدينة دار مروان، فمرّ الحجّاج بخالد بن يزيد بن معاوية وهو قاعد في المسجد وعلى الحجّاج سيف مجلجل وهو يخطر، فقال رجل لخالد: من هذا الخطّار؟ قال خالد: بخ بخ هذا عمرو بن العاص، فقال الحجّاج: أقلت هذا عمرو بن العاص؟ ما يسرني أنّ العاص ولدني ولكنّي إلى الأشياخ من ثقيف والعقائل من قريش، وأنا الذي جمعت مائة ألف سيف بسيفي هذا وكلّهم يشهد أنّ أباك كان يشرب الخمر، ويضمر الكفر. ثمّ ولّى وهو يقول: بخ بخ هذا عمرو بن العاص.
حدثني محمد بن حبيب مولى بني هاشم عن أبي فراس السلمي عن هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: ولّى عبد الملك الحجاج مكّة سنتين ثمّ ضمّ إليه المدينة وكان يتولاها قبله طارق ثمّ ولاه العراق، فاستخلف على مكة عبد الرحمن بن نافع بن الحارث بن جبالة بن عمير الخزاعي، وكان نافع قد ولي مكة لعمر بن الخطاب، وولى المدينة عبد الله بن قيس بن مخرمة بن عبد المطّلب بن عبد مناف، فأمّا عبد الله بن قيس فعزله عبد الملك، وقال للحجّاج: وليته وهو من أحمق أهل بيت من قريش؟ وولى المدينة يحيى بن الحكم بن أبي العاص وأقر عبد الرحمن بن نافع على مكة ما شاء الله .
وقال أبو الحسن المدائني: كان الحجّاج على مكّة سنتين، وكان طارق على المدينة ثم ضمّها عبد الملك إلى الحجّاج فاستخلف عليها عبد الله بن قيس بن مخرمة، ثم ولّى الحجّاج العراق فاستخلف على مكة والمدينة عبد
стр. 2798
الله بن قيس بن مخرمة، فبعث عبد الملك على مكّة نافع بن علقمة بن صفوان الكنانّي، وولى المدينة يحيى بن الحكم، ثمّ ولّى عبد الملك المدينة أبان بن عثمان، وولّى عبد الملك اليمامة يزيد بن هبيرة المحاربي، ثمّ إبراهيم بن عربي، وولّى الموصل يوسف بن الحكم بن أبي العاص، ولمّا مات عبد العزيز بمصر ولاها عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك.
وقال المدائني: بلغ عبد الملك أنّ بعض عماله يقبل الهدايا فأشخصه إليه، فقال له: أقبلت هدية مذ وليت؟ قال: يا أمير المؤمنين بلادك عامرة، وخراجك زاج وافر، ورعيتك على أفضل حال، قال: أجب عمّا سألتك عنه؟ قال: نعم قد قبلت، فقال لئن كنت قبلت هديّة ولم تعوض عليها إنّك للئيم ولئن كنت أنلت مهديها ما كافأته به من مال المسلمين، أو قلدته من عملك ما لم تكن لتقلده إيّاه قبل هديته إنك لخائن جائر، ولئن كنت عوضت المهدي إليك من مالك ما أتهمك عند من ائتمنك، وأطمع فيك أهل عملك إنك لأحمق، وإنّ من أتى أمرا لم يخل فيه من لؤم أو حمق لحقيق أن لا يصطنع ثمّ عزله.
المدائني قال: وفد إلى عبد الملك رجل من أهل المدينة كان يألفه أيّام تنسكه فأذن له وأدخل إليه أسراء فأمر بضرب أعناقهم قبل أن يناظرهم فقال له الرّجل: يا أمير المؤمنين لقد أقست الخلافة قلبك بعد أن كنت رؤوفا، قال: كلا إن الخلافة لم تقس قلبي، ولكنّه أقساه احتمال الضغن بعد الضغن.
المدائني قال: خاض جلساء عبد الملك في قتل عثمان فقال رجل منهم:
يا أمير المؤمنين في أي سنّك كنت يوم قتل عثمان؟ قال: دون المحتلم، قال: فما
стр. 2799
بلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه.
وقال: قدم على عبد الملك عقيل بن علّفة المريّ فقال له عبد الملك:
ما أحسن أموالكم عندكم؟ قال: ما ناله أحدنا عن صاحبه تفضلا، قال: ثمّ أيها؟ قال: مواريثنا، قال: فما أسرّها لكم؟ قال ما استفدناه فأكسبنا نعما، وأفادنا عزّا، قال: فما مبلغ عزكم؟ قال: لم يطمع فينا ولم تؤمن بوادرنا، قال:
فما مبلغ جودكم؟ قال: أحبّ أموالنا إلينا ما اعتقدنا به منّه وأبقي لنا ذكرا، قال: فما بلغ من حفاظكم؟ قال: يدافع الرّجل منا عن جاره كدفاعه عن نفسه، قال: عبد الملك مثلك فليصف قومه.
المدائنيّ قال: قدم المساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي على الوليد بن عبد الملك، وأمّه ولادة بنت العبّاس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة، فنزل على رجل من قومه يدعى برزا فأقام أشهرا فلم يصنع الوليد به خيرا، فارتحل وقال:
ثلاثة أشهر في دار برز … أرجي نائلا عند الوليد
فلا تشكي الكلال بدار برز … ولكن إن نجوت فلا تعودي
وإن ضنّ الوليد كما زعمتم … فما نال الضنانة من بعيد
فبلغت أبياته عبد الملك، فبعث في أثره فرده وقال له: أمن قبلنا جاءته الضنانة، أم من قبلكم؟ قال: لا بل من قبلنا، فقال له عبد الملك: هات حاجتك، قال: عليّ ثلاثة عشر ألف درهم للتجار فقضاها عنه وقال للوليد:
أكانت هذه تفقرك لو دفعتها إليه قبل أن تسمع ما سمعت؟!.
стр. 2800
حدثني العمريّ عن الهيثم بن عدي عن ابن عيّاش قال: كان على شرط عبد الملك ابن أبي كبشة السكسكيّ، ثمّ أبو نائل رياح الغسانيّ، ثمّ عبد الله بن زيد الحكميّ، ثمّ كعب بن حامد العبسيّ، فمات وهو على شرطه، وكان على حرسه الريّان فمات، فصيّر مكانه خالد بن الريّان، وكان كاتبه على الخراج والجند سرجون الرومي، وعلى رسائله أبو الزعيزعة مولاه، وعلى الخاتم قبيصة بن ذؤيب فمات قبيصة سنة ستّ وثمانين، ويكنى أبا إسحق فصيّر مكانه عمرو بن الحارث مولى بني عامر بن لؤي.
قالوا: وكتب عبد الملك إلى الحجّاج بعد يوم دير الجماجم أن يعطي النّاس عطاءهم، فكتب إليه: «إنّهم نكثوا العهد، ونقضوا البيعة، وفارقوا الجماعة، وطعنوا على الأئمة»، فكتب إليه: «إنما تجب طاعتنا عليهم، بأن نعطيهم حقوقهم».
المدائني قال: أتي عبد الملك بأسارى، فهمّ بقتلهم فقال له رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين أذكرك آلاء الله عندك بالعفو، فعفا عنهم، وأمر بتخليتهم.
المدائنيّ قال: أراد الحجّاج قتل من بقي في ديوان ابن الأشعث من أصحابه حين ظفر بهم، فقال له قتيبة بن مسلم: أصلح الله الأمير إنّ الله قد أعطاك ما تحبّ من الظفر، فأعطه ما يحبّ من العفو، فبلغ ذلك عبد الملك، فقال: لله درّ قتيبة لقد أبلغ في الموعظة، ولقد أحسن الحجّاج في القبول.
المدائني عن مسلمة قال: كتب الحجّاج إلى عبد الملك إنّه بلغني أنّ أمير المؤمنين عطس فشمته من حضر، فأجابهم أن يهديكم الله ويصلح بالكم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.
стр. 2801
المدائني عن أبي اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: قام رجل من أهل اليمن إلى عبد الملك وهو يخطب، فقال: إنّ محمد بن يوسف - يعني أخا الحجّاج، وكان على اليمن - يسفك الدّم الحرام، ويأخذ المال الحرام، فقال:
اجلس فجلس، ثمّ قام فقال مثل مقالته، فقال له: ويحك اجلس فجلس، ثمّ قام فقال مثل مقالته فقال له عبد الملك: لقد هممت أن أقتلك، قال:
ما قمت هذا المقام إلا وبطن الأرض أحبّ إليّ من ظهرها إني سمعت أنّه تكون نبوّة، ثم خلافة ورحمة، ثمّ ملك وجبرية، فقد ذهبت النبوة والخلافة، وهذه الجبرية.
المدائني قال: قال عبد الملك بن مروان لأميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد: مالك ولابن حرثان؟ قال: إنّه أتى حدّا فأقمته عليه، قال: أفلا درأت عنه بالشبهة؟ قال: كان الأمر أظهر من ذلك، قال: أما والله لقد أوجعك ولوددت أنّك كنت سلمت منه، وما سرّني أنّي هجيت، وأنّ لي مثل كل شيء أصبحت أملكه، وكان الذي قال فيه ابن حرثان:
أضاع أمير المؤمنين ثغورنا … وأطمع فينا المشركين ابن خالد
وبات على حور الحشايا (١) … ممهدا
يعانق أمثال المها في المجاسد
وبتنا قياما في الحديد وتارة … سجودا نناجي ربّنا في المساجد
إذا هتف العصفور ريع فؤاده … وليث حديد الضرس عند الثرائد
وقال أبو اليقظان: حدثنا جويرية بن أسماء قال: كان لعبد الملك بيت مال لا يدخله إلا مال طيب لم يظلم فيه مسلم ولا معاهد وقد عرف وجوهه،
стр. 2802
فكان يشتري منه الإماء اللاتي يتخذهنّ أمهات أولاد ويتزوج منه، ويقول لا أستحل إلا طيبا فإنّ ذلك في الأولاد.
المدائني قال: كان عبد الملك يلبس جبّة ورداء، ويجلس للنّاس، وينظر في أمورهم، ويقف على بنيه في الكتاب فيقول للمعلم: أحسن تأديبهم ويكلمهم، قال: وقال عبد الملك لإسماعيل بن مهاجر، مؤدب مسلمة، ويزيد، وعنبسة: علم بنيّ القرآن، وخذهم بمكارم الأخلاق، وحثهم على صلة الأرحام، ووقّرهم في الملإ، وأخفهم في السر، فإن الأدب أملك بالغلام من الحسب، وتهددهم بي، وأدبهم دوني ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يفهموه فإنّ ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم.
المدائني عن بكر بن عبد العزيز قال: قال عبد الملك لإسماعيل (١) مؤدب بنيه: علم بنيّ الصدق حتى إن قتل أحدهم قتيلا اعترف به على نفسه، والصق بابن عاتكة - يعني - يزيد فإنّ مهر أمه من عرق جبيني. قال:
وكان مع سعيد بن عبد الملك معبد الجهني.
المدائني عن علي بن حماد قال: قام رجل إلى عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين قطعت إليك القفر لأمر ضاق به الصدر، قال: وما هو؟ قال: ابني بثغر كذا، وقد اشتد إليه شوقي، وطال توقي، قال: فكتب في رده فأقفل.
المدائني عن عبد الحليم الأشج عن أبي قرة أن عبد الملك خطب زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقالت: والله لا يتزوجني أبو الذّبّان،
стр. 2803
فتزوجها يحيى بن الحكم، فقال عبد الملك: لقد تزوجته أسود أفوه، فقال يحيى أما إنّها أحبت مني ما كرهت منه.
حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش وأبي جناب قال: رأى الغضبان بن القبعثرى صبيّا يلعب عند عبد الملك بن مروان، فقال: من هذا الصبيّ يا أمير المؤمنين؟ قال: ابني من عائشة بنت موسى بن طلحة، قال: سيناله السّخاء بولادة طلحة له، فقال له: ويحك أو بخيل أنا؟ قال: أي والله الذي لا إله إلا هو لا أستثني، فضحك. وقال ابن عياش: كان عبد الملك أول خليفة بخل.
المدائني عن محمد بن عيسى قال: سأل رجل عبد الملك فألح عليه، وألحف في المسألة، فقال عبد الملك: قد ألحفت في المسألة؟ فقال إنك والله يا أمير المؤمنين لتردّ السائل الملح بالمنع المصرح.
أراد عبد الملك أن يتزوج زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فتزوجها يحيى بن الحكم فغضب، واصطفى كلّ شيء له فقال يحيى: كعكة وزينب، فلما رأى عمر بن عبد الرحمن بن عوف أسف عبد الملك عليها، قال له: أدلك على أجمل منها بنت إسماعيل بن هشام، وهو عندك، فخطبها فتزوجها.
الكلبي عن عوانة قال: دخل مسلمة بن زيد بن وهب الفهمي على عبد الملك فقال له: أي الزمان أدركت أفضل وأيّ من أدركت من الملوك أكمل؟ قال: أما الملوك فلم أر منهم أحدا إلا وله ذام ومادح، وأمّا الزمان فرأيته يرفع أقواما ويضع آخرين، وكلّ الناس إذا صدق نفسه ذمّ الزمان، لأنّه يبلي الجديد ويهرم الصغير، وكل ما فيه منقطع إلا الأمل، فإنّه أبدا
стр. 2804
جديد، قال: فأخبرني عن فهم، قال: هم كما قال القائل:
درج الليل والنهار على فه … م بن عمرو فأصبحوا كالرّميم
وخلت دارهم فصارت يبابا … بعد عز وثروة ونعيم
وكذاك الزمان يذهب بالنّا … س وتبقي ديارهم كالرسوم
قال فمن الذي يقول:
رأيت النّاس قد خلقوا جميعا … يحبون الغني من الرجال
وإن كان الغني قليل خير … بخيلا بالقليل من النّوال
فما أدري علام وفيم هذا … وماذا يرتجون من البخال
قال الكلبي: فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان، وكان الحارث أخو فهم عدا عليه فقتله فسمي عدوان.
المدائني عن سفيان الثوري قال: قدم الحجّاج على عبد الملك وافدا، ومعه معاوية بن قرة أبو إياس، فسأله عبد الملك عن الحجّاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله ، فنظر إليه الحجّاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له يا حجّاج فغربه إلى السّند.
المدائني عن سحيم بن حفص قال: كان الحجّاج يقول سألت قبل أن أقدم العراق عن وجوه رجاله، فذكروا زياد بن عمرو العتكيّ، فما كان أحد أثقل عليّ منه، فقدمت على عبد الملك وهو معي في ناس من الأشراف، فأثنوا عليّ فما كان أحد منهم أحسن صفة لي منه، ولا قام أحد منهم مثل مقامه. قال: يا أمير المؤمنين إنّ الحجّاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه في أمرك لومة لائم، فلقد رأيتني وما أحد من الخلق بعد ذلك اليوم يعدله عندي.
стр. 2805
هشام بن عمّار والمدائني عن أشياخهم قالوا: كان عبد الملك يشتو بالصّنّبرة من الأردن، فإذا انسلخ الشتاء نزل الجابية، وأمر لأصحابه بأنزال ويفرق أغناما على قدر منازلهم، فإذا مضت أيّام من آذار دخل دمشق فنزل دير مرّان (١)، حتى إذا جاءت حمّارة القيظ أتى بعلبكّ فأقام بها حتى تهيج رياح الشتاء، فيرجع إلى دمشق فإذا اشتدّ البرد خرج إلى الصنبرة.
قال المدائني: وبها مات يوم مات.
المدائني قال تغدي شبّة بن عقال يوما عند عبد الملك فأتي بخزيرة (٢)، فضحك شبّة، فغضب عبد الملك وقال: ما أضحكك؟ قال: تعيير جرير مجاشعا بالخزيرة، وهي مائدة أمير المؤمنين، وإنما ضحك من السخينة التي تعيّر بها قريش.
المدائني قال: دعا عبد الملك عبيد الله بن زياد بن ظبيان أو غيره إلى الغداء فأكل معه، فجعل يتناول مما بين يديه فقال له عبد الملك - ويقال بعض من كان على رأسه: كل مما بين يديك، فقال: أو في مائدة أمير المؤمنين حمى؟ فقال عبد الملك: لا كل من أيها شئت.
حدثني بعض الشاميين قال: خطب عبد الملك بن مروان وأعرابي يسمع خطبته، فقال له رجل من قريش: كيف ما تسمع؟ فقال لو كان كلام يؤتدم به لكان هذا.