وقال المدائني: أخذ سعيد بن جبير خالد بن عبد الله القسري بمكة فحمله إلى الحجاج مع اسماعيل بن أوسط البجلي، فقال له: ألم أقدم العراق فأكرمتك؟ وذكر له أشياء فعلها به، فقال: بلى، قال: فما أخرجك علي.
قال: كانت لابن الأشعث بيعة في عنقي وعزم علي، فغضب وقال: رأيت لعدو الله الحائك عزمة لم ترها لله ولخليفته ولي؟ والله لا أرفع قدمي حتى أقتلك وأعجل بك إلى النار، قال: إذا أخاصمك بين يدي الله، قال: أنا أخصمك، قال: ان الحاكم يومئذ غيرك، فأمر بقتله، فقام إليه مسلم الأعور ومعه سيف عريض حنفي، فضرب به عنقه.
حدثني محمد بن أبان الواسطي عن جرير بن حازم، وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن الزبير الحنظلي أن الحجاج وجه سعيد بن جبير في جيش الطواويس وأعطاه ألفي ألف درهم، وولاه نفقات الجيش وقال له: إذا رأيت خللا فسدّه، ومن كان من ضعيف فاحمله، ومن جريح فانفق عليه، وولاه أمر الغنائم إذا غنم الجيش، فخرج عليه مع ابن الأشعث، وكان يقول: ما خرجنا عليه حتى كفر بالله.
المدائني عن جرير بن حازم قال: قال سعيد بن جبير: أليس كافر بالله من زعم أن عبد الملك أكرم على الله من محمد رسول الله ﷺ .
المدائني عن يحيى بن زكرياء عن سالم الأفطس قال: لما قتل الحجاج سعيد بن جبير عرفوا تغير عقله لأنه قتله، ثم قال: قيود، ثم دعا بها ليقيده.
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ، حدثني علي بن نصر الجهضمي قال: كان خالد بن خليفة يحدث عن بواب الحجاج قال: ضربت عنق سعيد بن جبير فبدر رأسه وهو يقول: لا إله إلا الله.
стр. 2942
المدائني عن عبد الله بن مروان قال: لما أمر الحجاج بقتل سعيد بن جبير جاءت خالة له فدفع إليها يده فقبلتها، وقال له الحجاج حين أدخل عليه: أنت شقي بن كسير. قال: لا بل سعيد بن جبير. قال: ألم أصنع بك؟ ألم أكرمك، ألم أولّك ألم أأتمنك؟. قال: بلى. قال: فواله لأقتلنك.
قال: إذا أخاصمك غدا. قال: إذا أخصمك يا عدو الله. فضحك سعيد، فقال: ما يضحكك؟. قال: التعجب من جرأتك على الله.
المدائني عن أبي مريم صاحب الدستوائي قال: رأيت سعيد بن جبير مقيدا بمكة، واستأذن خالد بن عبد الله في توديع البيت، فأذن له فطاف أسبوعا وهو مقيد، وقد اتكأ علي، أو قال على رجل، فقال: اللهم إن كنت قضيت للحجاج قتلي فاجعل ذلك كفارة لذنوبي.
المدائني عن محمد بن ذكوان قال: أخذ سعيدا عبد الله بن أسد ابن أخي خالد فقال له: قد كنت أكره أن يجري أمرك على يدي. قال: فهلا إذ كرهت ذلك قلت كما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (١).
وكان الكرى (٢) الذي حمل سعيد بن جبير زيد بن مسروق اليربوعي، والذي أدخله إلى الحجاج اسماعيل بن أوسط البجلي.
المدائني عن رجل عن عمرو بن أبي وحشية قال: رأيت رأس سعيد بن جبير في فم كلب يعدو به بين الأطناب.
стр. 2943
المدائني عن عمرو بن هشام قال: قيل لسعيد بن جبير: إنّ الحجاج إذا أخذ رجلا كان مع ابن الأشعث فأقر له بالكفر، خلى سبيله، وإن الحسن (١) قال يدفع عن نفسه، فقال سعيد بن جبير: يرحم الله أبا سعيد، لا تقية في الإسلام.
المدائني عن جرير بن حازم عن واصل عن عبد الله بن سعيد بن جبير قال: قتل أبي وله تسع وأربعون سنة.
وحدثنا عفان بن مسلم، ثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر عن سعيد بن جبير قال: أنا ممن أنعم الله عليه ببني أسد.
المدائني عن محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: رأى خالد بن عبد الله سعيد بن جبير وطلق بن حبيب العنزي ورجالا يطوفون بقيودهم فقال: ما هؤلاء؟ قال: الأسراء الذين أمرت بحملهم قال:
امنعوهم من الطواف.
حدثني عمر بن شبه، ثنا أبو عاصم النبيل عن رجل عن جرير عن مغيرة أن الحجاج كان يعرف سعيد بن جبير فسأله مالخبر، فقال سعيد:
تركت الخمر تباع بالكوفة ظاهرة، ويباع الحكم بالرشا، فقال الحجاج: والله لئن وليت لاغيرن، فلما قدم رد شريحا على القضاء، ومنع أن تباع الخمر.
المدائني عن جرير بن حبيب بن أبي عمرة أن الحجاج أمر سعيد بن جبير أن يصلي بالناس في شهر رمضان، فصلى بهم فكساه الحجاج برنوس خزّ أسود فلبسه.
стр. 2944
حدثني عمر بن شبه، ثنا أبو عاصم النبيل، أنبأنا عمرو بن قيس قال:
كتب الحجاج إلى الوليد: «إن قوما من أهل الشقاق والنفاق قد لجأوا إلى مكة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي فيهم»، فكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسري فيهم، فأخذ عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهدا، وطلق بن حبيب، وعمرو بن دينار. فأما عطاء وعمرو فخليا، وأما الآخرون فبعث بهم إلى الحجاج، فمات طلق في الطريق، وحبس مجاهد حتى مات الحجاج، وقتل الحجاج سعيد بن جبير.
حدثني عمرو بن محمد الناقد عن عبد الله بن نمير عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: أخذ خالد القسري سعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وحبيب بن أبي ثابت، وأصحابهم فقيدوا، فكانوا يطوفون بالبيت في قيودهم.
قالوا: وبعث إبراهيم إلى سعيد في السر: إنّ القوم لن يستحيوك فاصلب لهم.
حدثني العباس بن الوليد النرسي، ثنا عبد الواحد بن زياد عن الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به فبكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: الذي أرى بك، قال: فلا تبك فإن هذا كان في علم الله، وقرأ: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿نَبْرَأَها﴾ (١).
المدائني عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة قال: ما تكلم سعيد بشيء وذلك أنه كره المثلة.
стр. 2945
حدثني الحسين بن علي بن الأسود عن أبي بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد قال: لما جيء بسعيد جعل يحدثنا لا ننكر منه شيئا، حتى جاءت ابنته فتحرك فانكشفت قيوده، فبكت الجارية فقال سعيد: اسكتي يا بنية، لا تغمي أباك. فهذا أكثر ما رأينا منه.
حدثني حفص عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: قال الحجاج لسعيد: أكفرت بخروجك؟ قال: ما كفرت مذ آمنت. قال: اختر أي قتلة أقتلك. قال: اختر أنت لنفسك أي القصاص شئت فإن القصاص أمامك، فقتله، فما قتل أحدا بعده.
حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير عن أبيه عن المفضل بن سويد قال: جيء بسعيد بن جبير فقمت على رأس الحجاج، فقال له الحجاج: ألم أشركك في أمانتي، ألم استعملك، ألم أفعل ألم أفعل؟.
قال: بلى. قال: فما حملك على خروجك عليّ؟ قال: عزم عليّ الرجل.
فقال: رأيت لعزمة عبد الرحمن حقا ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لي عليك حقا؟!! اضرب عنقه، فضربت عنقه فندر رأسه وعليه كمة بيضاء لا طية صغيرة.
المدائني قال: قال سلم بن قتيبة: كنت عند الحجاج فقال لسعيد:
أخرجت عليّ؟ قال: كانت للرجل في عنقي بيعة. قال: أتفي لعدو الله ولا تفي لأمير المؤمنين؟. اضرب عنقه، فضربت عنقه فسال منه دم كثير.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان بن عيينة عن سالم بن أبي حفص قال: لما أدخل سعيد بن جبير على الحجاج قال: أنت شقي بن كسير؟. قال: لا بل أنا سعيد بن جبير. قال: أما والله لأقتلنك، قال: إني
стр. 2946
إذا لكما سمتني أمي سعيد، دعوني أصلي ركعتين. فقال: وجهوه إلى قبلة النصارى. قال: أينما ﴿تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (١).
وحدثني علي بن الحسين بن عرفة عن أبيه عن الحارث بن أبي الزبير المدني عن عبد العزيز بن زمعة العامري حديثا طويلا اختصرته، أن الحجاج أرسل إلى سعيد بن جبير فأتي به فلما دخل عليه قال: أنت شقي بن كسير؟ قال: أنا سعيد بن جبير. قال: أنت شقي بن كسير. قال: أمي كانت أعلم باسمي منك، فقال لصاحب عذابه: اسمعني صوته فعذبه صاحب العذاب فلم يسمع له الحجاج صوتا فقال له: ألم آمرك ان تصبّ عليه العذاب حتى تسمعني صوته؟ قال: قد عذبته بألوان العذاب فلم أر أصبر منه قط. فدعا به الحجاج فقال: أو تصبر على عذابي؟. قال: إن من ذكر عذاب الله هان عليه عذابك. فقال: لألحقنك بأمك الهاوية، فقال سعيد: لو علمت أنّ ذلك إليك لأتخذتك إلها دون الله. ثم أمر به أن يقتل فتبسم، فقال له: ألم تقل لي أنك لم تضحك قط؟. قال: ضحكت للتعجب من جرأتك على الله واغترارك بحلمه. وانحرف إلى القبلة فعدل به عنها فقال: أينما ﴿تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
وقال سعيد: اللهم لا تمهله، فقدم فضربت عنقه، ويقال ذبح ذبحا، فأخذ الحجاج الزمهرير، وقرّح جوفه حتى كانت القديدة تدلّى في حلقه ثم تجبذ فيخرج فيها الدود وهو يصيح: مالي ولسعيد بن جبير، فلم يزل كذلك حتى مات.
стр. 2947
حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن أبي بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد قال: لما دخل سعيد بن جبير على الحجاج أمر به أن يقتل فنهض رجل من أهل الشام فقال له: ألصق بالمنكبين.
حدثني أبو محمد النحوي المعروف بالتوزي عن أبي عبيدة عن يونس النحوي قال: لما أتي بسعيد بن جبير قال الحجاج: لعن الله ابن النصرانية - يعني خالد بن عبد الله - والله لقد كنت أعرف مكانه ولوددت أنه بعث بغيره ولم يبعث به، ثم قال له: ما أخرجك علي؟. فقال: أنا رجل من الناس أخطئ وأصيب. قال: ألم أكرمك؟. قال: بلى. قال: فما حملك على ما فعلت؟ قال: كانت للرجل في عنقي بيعة. فاستشاط الحجاج غضبا وقال:
أفلم تكن لأمير المؤمنين في عنقك بيعة ثم، أخذتها عليك بالكوفة؟. قال:
بلى. قال: فنكثت بيعة أمير المؤمنين ووفيت ببيعة ابن الحائك. اضربا عنقه.
فذلك قول جرير بن عطية:
يا ربّ ناكث بيعتين تركته … وخضاب لحيته دم الأوداج (١)
وقال أبو عبيدة: أتي الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب، فقال:
والله لا أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار، اضربوا عنقه. فضربت عنقه، فخولط والتبس عقله مكانه فجعل يقول: قيودنا قيودنا. فظنوا أنه يقول:
القيود التي على سعيد، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود.
حدثني شجاع بن مخلد الفلاس، ثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: كان الحجاج يقول حين قتل سعيد بن جبير: ولع يا لك من ولع (٢).
стр. 2948
حدثني عمر بن شبه، ثنا عبيد بن جناد عن عطاء بن سالم قال: لما قتل سعيد بن جبير قال ميمون بن مهران: ما أدري بما أكافئ أخي إلا بأن أتزوج ابنته، فأقدم على سيف الحجاج. وانطلق فتزوج ابنة سعيد بالكوفة، وقدم بها الرقة. قال عطاء: فمضيت حتى رأيتها فإذا امرأة مسنة جليلة عابدة قاعدة في مسجدها، فالتمست عندها حديثا فلم أجده.
وقال عبيد بن جناد: وكان في الطريق أهل مسلحة يمنعون النساء فجلس إليهم ميمون فألقى تحت مصلى لهم ثلاثمائة درهم ثم قال: معي امرأة، فقالوا: وهل يمنع مثلك، امض راشدا.
حدثنا أبو أيوب المؤدب الرقّي، حدثني محمد بن مصفّى عن الوليد بن مسلم، ثنا عبد الملك بن محمد قال: سمعت ثابت بن محمد يقول: هرب سعيد بن جبير من الحجاج فكان عندي سنين أو قال سنتين.
حدثنا عمر بن شبه عن أبي عاصم النبيل، حدثني شيخ من أهل مكة قال: كان رجل من أهل مكة ضعيفا فمازحه سعيد وهو يطوف، أو قال:
زحمه. فقال: أنت تفر من الحجاج وتجيء إلى ههنا. فضربه عكرمة بن خالد وناس من قريش حتى كاد ينبسط.
حدثني الحسين بن علي عن أبي بكر بن عياش قال: قيل ليزيد بن زياد: هل كان سعيد يحدّث؟ قال: نعم ويضحك غير أني رأيت ابنته جاءت فجلست في حجره فسمعت حركة القيود فبكت فقال: مه، قال:
وأخذ بكفلاء لئلا يلقي نفسه في الفرات إذا مرّ به فكنت من كفل به في آخرين.
стр. 2949
حدثني عمر بن شبّه عن محمد بن حاتم: عن القاسم بن مالك، ثنا أبو الجهم قال: دخل علينا سعيد بن جبير الديماس (١) ولم يكن لكل واحد منا فيه مقعد إلا قدر ما يمد رجله، فأوسعت له إلى جنبي فلما كان يوم أخرج ليقتل قال لي: شد علي ثيابي، قال: فشددت عليه بركتي (٢) قباء كان عليه من خلفه وخرج به فقتل.
حدثني عمر بن شبّه عن عبد الملك بن عبد الله القطان عن هلال بن جناب قال: جيء بسعيد إلى الحجاج فقال له: والله لأقتلنك. قال: إني إذا لسعيد كما سمتني أمي. قال: فقتله فلم يلبث بعده إلا نحوا من أربعين يوما فكان إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه ويقول: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيقول: ما لي ولسعيد بن جبير.
وحدثني عمر عن محمد بن حاتم عن القاسم بن مالك عن رجل من أهل هجر عن عبد الملك بن سعيد بن جبير قال: لما قدم سعيد بن جبير على الحجاج قال: أنت شقي بن كسير؟ قال: أنا سعيد بن جبير. قال: والله لأقتلنك. قال: إذا ألقى الله بعملي وتلقاه بدمي، لقد أصابت أمي إذا إذ سمّتني سعيدا، فقال الحجاج: يا حرسي اضربه ضربة على حبل عاتقه تخالط رئته، قال: فأذن لي أصلّي ركعتين، قال: صلّ. فلما توجّه الى القبلة فقال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، قال الحجاج: لا، إلاّ إلى قبلة النصارى، فقال سعيد: أينما ﴿تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ فصلى، ثم ضربه الحرسي ضربة خالطت رئته.
стр. 2950
وقال الفضل بن دكين أبو نعيم: قتل سعيد في سنة خمس وتسعين وهو ابن تسع وأربعين سنة.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: لما أخذ الأعراب عبد الله بن إسحاق بن الأشعث فأتوا به عبد الملك قال له عبد الملك وقد أدخل عليه بحمص: ألم أقدم الكوفة حين قتلت مصعبا فوجدتك في ستمائة من العطاء فبلغت بك ألفين، وولّيت بشرا أخي الكوفة فأمرته أن يجعلك في صحابته، وحملتك على دابة من دواب رجلي وخلعت عليك ثيابا من ثياب بدني؟. قال: بلى. قال: ثم بلغني أن بشرا غضب عليك في حمقة من حمقاتك، فإنك من أهل بيت حمق ولؤم، فأغزاك أصبهان فكتبت إليه أعزم عليه أن يقفلك ويعيدك إلى حالك ففعل؟ قال: بلى، قال: فلعنتني على منبر البصرة وشتمتني على منبر الكوفة وأخذت رسولي فقطعت يديه ورجليه وصلبته منكوسا؟ قال: بلى. قال: فأنت ترجو الهوادة عندي لا أمّ لك.
وتمثل:
أبعد الذي بالنعف نعف كويكب (١) … رهينة رمس من تراب وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابه … وبقياي أني جاهد غير مؤتل
أنختم علينا كلكل الحرب مرة … فنحن منيخوها عليكم بكلكل
стр. 2951
قم يا عتاب بن مسروق فاضرب عنقه، ودع عليه من ثيابه ما يواري عورته. فقال: قد أمنني عبد العزيز، فقال عبد الملك: ما يقول؟ فأخبر به، فقال: كذب ولو أمنه لم أجز أمانه، فضربت عنقه.
قال ابن شبّه في روايته: وأتي عبد الملك بالمسور بن مخرمة بن عوف الكلبي فقال: ألم يأتني بك الأصبغ يدعيك عبدا، فقلت أرى جلدة عربية ولأن يكون لك ابن عم خير من أن يكون لك عبدا، فأثبت نسبك وفرضت لك في أربعمائة، ثم أصحبتك للوليد بن عبد الملك حين أغزيته وأمرته أن يجعلك من البشراء؟. قال: بلى. قال: قم يا أبا العباس فاضرب عنقه.
ففعل.
ثم أتي بابن عبد الله بن يزيد الخطمي، من الأنصار، فقال له: من أنت؟ قال: أنا ابن عبد الله بن يزيد الخطمي. قال: من أهل بيت سبابة؟ قال: اقبل فيّ وصية رسول الله ﷺ بالأنصار أن يقبل من محسنهم ويعفى عن مسيئهم. فقال: خلوا سبيله.
وأتي بغطيس الجهني ومعه ابن له يتعلق به وهو يقول: يا أمير المؤمنين، أبي يا أمير المؤمنين أبي، فرحمه وقال: قد وهبتك لابنك.
стр. 2952
(من)
(اخبار عبد الملك
) المدائني عن سحيم قال: دخل عروة بن الزبير على عبد الملك وعنده الحجاج، فكلم عروة عبد الملك بكلام فيه بعض الغلظة، فقال له الحجاج: يا بن العمياء، أتقول هذا لأمير المؤمنين؟ فقال عروة: وما أنت وهذا يا بن المتمنية، يعني أن الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود، وهي أم الحجاج تمنت أنها على سطح فياح وعندها نصر بن حجاج فقالت:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها … أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
المدائني عن علي بن سليم عن محمد بن علي الكناني قال: حج عبد الملك فأتي الطائف فسايره أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن أم الحكم أخت معاوية، فذكر ابن أم الحكم الطائف ففضلها وفضل أهلها، وقال: يا أمير المؤمنين، جاء الإسلام وفينا من قريش عدة نساء فكثّر، فقال عبد الملك لأبي بكر: ما تقول؟ فقال: إذا لا تجد فيهن مغيرية، فقال ابن أم الحكم: نحن أعلم بقومنا، إنا نعتام الكرام لمناكحنا، ونأتي الأودية من ذروتها ولا نأتيها من أذنابها. فقال عبد الملك: قاتلك الله فما أسبّك.
стр. 2953
المدائني قال: جرت بين عبد الملك وبين عمرو بن سعيد منازعة في شيء، فأغلظ له عمرو بن سعيد، فقال خالد بن يزيد بن معاوية: إن أمير المؤمنين لا يكلم مثل هذا الكلام، فقال: اسكت، فوالله لقد سلبوك ملكك وغلبوك على أمرك فما كان عندك نكير فما هذه النصيحة له، أنت والله كما قال الشاعر:
ومرضعة أولاد أخرى وضيعت … بنيها فلم ترفع بذلك مرفعا
وقال الهيثم بن عدي: لما أمر عبد الملك بقتل عمرو بن سعيد شاور خالد بن يزيد فيه فقال له: اقتله، فقال عمرو: اسكت فوالله لقد سلبت ملكك ونيكت أمك فما عندك نكير، فما هذه النصيحة؟ فقال: أما أنت فقد وقعت في الأنشوطة فانظر كيف تخلص، وإنما أنت كما قال الأول:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه … وقد حيل بين العير والنزوان
قال المدائني: وقال عبد الملك لثابت بن عبد الله بن الزبير: أبوك كان أعلم بكم حيث كان يشتمكم. فقال: يا أمير المؤمنين أتدري لم كان يشتمني؟، إني نهيته أن يقاتل بأهل مكة وأهل المدينة، لأن أهل مكة أخرجوا رسول الله ﷺ وأخلفوه، ثم جاؤوا إلى المدينة فأخرجهم رسول الله ﷺ منها وسيرهم، يعرض بالحكم بن أبي العاص. وأما أهل المدينة فخذلوا عثمان حتى قتل بينهم لم يروا أن يدفعوا عنه.
المدائني عن مسلمة بن محارب عن بشير بن عبيد الله أن عمر بن عبيد الله بن معمر دخل على عبد الملك وعليه جبة حبرة مصدّأة، عليها أثر الحمائل فقال له أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: يا أبا حفص أيّ رجل أنت لو كنت من غير من أنت منه من قريش؟ قال: ما أحب أني من غير من
стр. 2954
أنا منه، إن منا لسيد الناس في الجاهلية عبد الله بن جدعان، ومنا سيد الناس في الإسلام بعد رسول الله أبو بكر الصديق، وما هذه يدي عندك، إني استنقذت أمهات أولادك من عدوك وهنّ حبالى فولدن في حجالك، يعني استنقاذه إياهن من أبي فديك بالبحرين.
وقال أمية لعبد الملك: يا أمير المؤمنين إن هذا دهره الامتنان علي، وهو كما قال الشاعر:
فو كنت كذئب السوء لما رأى دما … بصاحبه يوما أحال على الدم
وأنشد عمر:
ولو كنت صلب العود أو كابن معمر … لخضت حياض الموت والليل مظلم
فتبسم عبد الملك وقال: قل له كما قال لك.
المدائني قال: أجرى عبد الملك الخيل فسبق عباد بن زياد فقال الشاعر:
سبق عباد وصلى (١) … وثلث
بخيله تلك الخفيفات الجثث
فقال عبد الملك:
سبق عباد وصلت لحيته … وكان خرازا يجوّد قربته
قال: ويقال! إن عبادا كان خرازا ثم ادّعاه زياد بعد، وكان باع أمه وهي حامل به ثم أقر بعد أنه ولده، فشكا عباد قول عبد الملك إلى خالد بن يزيد بن معاوية فقال خالد: والله لأضعنك منه بحيث يكره، فزوجه أخته، فكتب الحجاج إلى عبد الملك: إن مناكح آل أبي سفيان قد ضاعت،
стр. 2955
فأخبر عبد الملك خالدا بكتاب الحجاج فقال خالد: يا أمير المؤمنين ما أعلم امرأة منا ضاعت ولا اغتربت إلا عاتكة بنت يزيد بن معاوية فإنها عندك، وما عنى الحجاج غيرك، فقال عبد الملك: بل عنى الدعي بن الدعي عبادا.
فقال خالد: يا أمير المؤمنين أفأدعي رجلا لا أزوجه، إنما كنت ملوما لو زوجت دعي غيري.
قالوا: واستعمل عبد الملك نافع بن علقمة بن صفوان بن محرث على مكة فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان تحت المنبر فشتم طلحة والزبير، فلما نزل قال لأبان: أأرضيتك في المدهنين في أمير المؤمنين؟ قال: لا ولكن سؤتني فحسبي أن يكونا شركاء في أمره، فبلغ ذلك عبد الملك فقال: صدق أبان، وكتب إلى نافع ينهاه عن مثل ما كان منه.
المدائني عن عبد الحكيم الأشج عن أبي قرّة أن عبد الملك خطب زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأبت أن تتزوجه وقالت: والله لا يتزوجني أبو الذبان، فتزوجها يحيى بن الحكم بن أبي العاص، فقال عبد الملك: والله لقد تزوجته أسود أفوه، فقال يحيى: أما إنها إذا أحبت مني ما كرهت منه.
وكان عبد الملك رديء الفم، كان يدمى فيقع عليه الذباب.
المدائني أن ليلى الأخيلية استأذنت على عبد الملك فأمر حاجبه أبا يوسف أن يدخلها، ويقال بل كانت بثينة صاحبة جميل، فدخلت امرأة طويلة يعلم أنها قد كانت جميلة، فقال عبد الملك: يا أبا يوسف ألق لها كرسيا. ففعل، فقال لها عبد الملك: ويحك ما رجا ثوبة - أو قال جميل - منك؟ فقالت: رجا مني الذي رجته منك الأمة حين ولتك أمرها.
стр. 2956
وروى الأصمعي عن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقرئ قال:
قال عبد الملك للحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهو القباع: ما كان الكذاب - يعني ابن الزبير - يقول في كذا؟ قال: ما كان كذابا. فقال له يحيى بن الحكم: من أمك يا حار؟ فقال: هي من تعلم. فقال عبد الملك: اسكت فإنها أنجب من أمك.
وكانت أم الحارث نصرانية فلما ماتت أتاه قوم من المسلمين يحشدون له ويجلسون معه فقال: رحمكم الله انصرفوا فإن لها ولاة غيركم، وكانت سبية سباها أبوه من اليمن.
المدائني عن مسلمة بن علقمة المازني أن عبد الملك قال: العجب لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وليته البصرة وأمرته أن يجرد السيف ويمنع المال، فبذل المال وأغمد السيف. فقال عبد الله بن فضالة الزهراني:
يا أمير المؤمنين، لو جرد السيف لوجد سيوفا مجردة، ولو منع المال لوجد أيديا تنازعه.
المدائني عن الفضل بن سليمان أن عبد الله بن خالد بن أسيد تزوج امرأة من مراد فولدت له جارية تزوجها عبد الله بن مطيع العدوي، فدخلت المرادية على عبد الملك فقال لها: خدعتم الشيخ حتى زوج ابن مطيع فما رجا ابن مطيع وما رجوتم منه؟ فقالت: ما رجا أبوك من بني حنطب وقالت:
وما لي لا أبكي وتبكي قرابتي … وقد نكح البيض الأوانس حنطب
بنيّ لسوداء المغابن جعدة … لها نسب في آل دومة مطنب
المدائني عن إسحاق بن ابراهيم، عن عجلان مولى عباد قال: كنت عند عبد الملك فأتاه أبو يوسف حاجبه فقال: يا أمير المؤمنين هذه بثينة جميل
стр. 2957
بالباب. فقال: أدخلها، فدخلت امرأة أدماء طويلة يعلم أنها كانت جميلة، فقال عبد الملك: يا أبا يوسف ألق لها كرسيا. فألقاه لها، فقال لها عبد الملك: ويحك ما رجا جميل منك؟ قالت: الذي رجت منك الأمة حين ولتك أمرها.
المدائني قال: اصطرع محمد وهشام ابنا عبد الملك بين يديه فصرع هشام محمدا وقعد على صدره فقال هشام: أنا ابن الوحيد. وكانت أمه مخزومية. فغاظ ذلك عبد الملك فقال: عودا، فصرع محمد هشاما فقعد على صدر هشام وقال: سأرهقه صعودا، فضحك عبد الملك وضم محمدا إليه.
المدائني قال: ضرب يحيى بن سعيد بن العاص يوم قتل عبد الملك عمرو بن سعيد الوليد بن عبد الملك على إليته، فحبسه عبد الملك أربعين يوما ثم قال له: يا أبا قبيح، لو قتلت الوليد بأي وجه كنت تلقى ربك؟ قال:
بالوجه الذي خلق، وكان يكنى أبا قبيح لقبح وجهه. وقال عبد الملك: لله دره أي ابن زوملة هو، يعني عربية، وكانت كنيته أبا أيوب.
المدائني قال: حرم الحجاج أهل العراق أعطيتهم لمظاهرتهم ابن الأشعث، وكتب إلى عبد الملك يعلمه ذلك فكتب إليه عبد الملك: «إنا إنما نستوجب طاعتهم بإدرار أرزاقهم، فأعطهم إياها فإن في ذلك أعظم الحجة لنا عليهم، وهبك حرمت المقاتلة لسوء الطاعة فما بال الذراري؟! قالوا: وأتي الحجاج بحطيط الحرامي الزيات وحرام بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فسأل الحجاج حطيطا عن أبي بكر فقال خيرا، ثم عن عمر فقال خيرا، ثم سأله عن عثمان فقال: لم أولد إذ ذاك. قال الحجاج: يا بن اللخناء، أولدت زمان أبي بكر وعمر ولم تولد زمان عثمان؟
стр. 2958
فقال: يا بن اللخناء لا تعجل علي، إن الناس أجمعوا على أبي بكر وعمر، واختلفوا في عثمان، فوسعني أن أكله إلى الله.
قال: أما والله لألحقنك بالنار. قال: أما ترضى أن تكون مالكا في الدنيا حتى تكون مالكا في الآخرة، فقال الحجاج: علي بصاحب العذاب، فدفعه إليه وقال: أسمعني اليوم صوته. قال: نعم. فقال حطيط:
كذب. فجعل يعذبه حتى وضع الدهق على ساقيه وكان ثقيلا فكسر إحدى ساقيه وقال: أنا فلان، فقال حطيط: لعنك الله تتكنى علي لئن كسرت ساقي. فجعل يعذبه هو ساكت لا يتكلم فأخبر الحجاج بأمره، فدعا به فحمل حتى وضع بين يديه فقال له الحجاج. أتقرأ من القرآن شيئا؟ فقال حطيط: بل أنت تقرأ. فقرأ الحجاج: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ حتى بلغ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ (١) فقال حطيط: وأنت تقتلهم.
قال: فبينا هو يحاوره إذ وقع ذباب على بعض جراحاته فقال:
حس، فقال الحجاج: يا بن اللخناء أتجزع من ذباب ولا تجزع من العذاب؟ قال: يا بن اللخناء إني عاهدت الله عليك ولم أعاهده على الذباب. عاهدت الله لأجاهدنك بيدي ولساني وقلبي، فأما يدي فما أجد عليك أعوانا، وأما لساني فقد تسمع، وأما قلبي فالله أعلم بما فيه.
فقال الحجاج: علي بمسال الحديد فجعلت تدخل فيما بين الظفر واللحم وهو ساكت، فقال بعض جلساء الحجاج: ما أصبره، فقال
стр. 2959
حطيط: أو ما علمت أن الله يفرغ الصبر إفراغا، فأمر به فأدرج في عباء وضرب بالخشب حتى قتل.
حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن محمد بن فضيل بن غزون عن ابراهيم المؤذن قال: لما صلب ماهان الحنفي طعن وهو يسبح وفي يده أربع وعشرون، فرأيته على الخشبة والعقد في يده، وكنا نرى السرج بالليل عند خشبته.
وروى أبو بكر بن عياش عن عمار الدهني قال: لما صلب ماهان أبو صالح، اجتمع الناس فنظر إليّ فقال: يا عمار، وأنت ههنا أيضا.
قالوا: وكان الحجاج بعث إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى فقال: بلغني أنك تشتم أمير المؤمنين عثمان، فقال: إنه ليمنعني من ذلك ثلاث آيات في كتاب الله، قوله: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ﴾ الى قوله: ﴿الصّادِقُونَ﴾. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رؤوف رَحِيمٌ﴾ (١) وأنا منهم. فأعجب الحجاج قوله.
ثم إن ابن أبي ليلى أدخل على الحجاج بعد ذلك فقال: يا أهل الشام إن أردتم رجلا يشتم أمير المؤمنين عثمان فدونكم هذا. فقال عبد الرحمن مثل قوله الأول، فقال الحجاج: صدق.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد عن هشيم، ثنا الأعمش قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضربه الحجاج ووقفه على باب المسجد. فجعلوا
стр. 2960
يقولون له: إلعن الكذابين، فيقول: لعن الله الكذابين ويسكت، ثم يبتدئ فيقول: علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير والمختار بن أبي عبيد.
فجعلت أعرف حين سكت ثم ابتدأ أنه لا يريدهم.
وحدثت عن أبي بكر بن عياش، وحفص بن غياث عن الأعمش قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى على المصطبة. وكأن ظهره مسح أسود لضرب الحجاج إياه، وهم يقولون له: العن الكذابين، فيقول: لعن الله الكذابين ثم يسكت، فيقول: علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير والمختار بن أبي عبيد، وأهل الشام حوله كأنهم حمير ما يعقلون ما يقول.
وقوم يقولون: غرق ابن أبي ليلى بدجيل، وآخرون يقولون: قتل يوم الجماجم، وكان الحجاج أقامه قبل ذلك.
قالوا: وأتي الحجاج بالفضيل بن بزوان العدواني فقال له: فضيل؟ قال: فضيل! قال: ألم أكرمك؟ قال: بل أهنتني. وكان قد ولاه حين قدم العراق عملا فهرب.
قال: ألم أقربك؟ قال: بل باعدتني. قال: والله لأقتلنك. قال:
بغير جرم ولا فساد في الأرض؟ قال: كل ذلك قد أتيت بمعصيتي، فقتله.
ويقال إنه قال له: إذا أخاصمك في دمي. قال: إذا أخصمك.
قال: إن الحاكم يومئذ غيرك.
قالوا: ودخل الحسن بن أبي الحسن على الحجاج بعد قتل ابن الأشعث فقال: حملت عليّ السلاح؟ قال: والله ما فعلت، فأخرج
стр. 2961
الحجاج إليه كفه فمسح عليها ثم لم يأمنه فتوارى، فيقال انه توارى تسع سنين، وكان يتنقل في منازل الناس ثم لزم منزله فتوارى فيه.
حدثني خلف بن هشام وعفّان قالا، ثنا هشيم بن بشر: أنبأنا العوام بن حوشب أنه لما انطلق بابراهيم التيمي إلى السجن قال له أصحابه: هل توصي إلى إخوانك بشيء تحب أن نبلغهم إياه عنك، ألك حاجة؟. قال: نعم تذكروني عند غير الرب الذي عناه يوسف.
قال خلف: يقول تدعون الله لي ولا تشفعون لي إلى السلطان. وإن ابراهيم لم يسأل العافية مما هو فيه حتى مات في محبسه، وكان يقول: اللهم هذا بعينك، اللهم قد ترى.
وحدثنا عمرو الناقد عن سفيان بن عينية عن أبي سعد قال: دخل علينا ابراهيم التيمي السجن فتكلم، فقال أهل السجن: ما يسرّنا أنا خارجون منه.
حدثني عمر بن شبه عن الأصمعي قال: قال يزيد بن أبي مسلم:
هاتوا ابراهيم فقيل: إنهما ابراهيمان التيمي والنخعي. قال: هاتوهما جميعا.
فمات التيمي في الحبس واستخفى النخعي.
حدثنا خلف البزار، ثنا أبو شهاب عن الحسن بن عمرو قال: كان ابراهيم النخعي ليالي الحجاج متواريا وكان المسجد على بابه، فكان لا يخرج فيصلي فيه.
المدائني عن عامر بن حفص قال: حبس الحجاج ابراهيم التيمي فجاءت ابنته فلم تعرفه حتى كلمها، وكان الحجاج يطعم أهل السجن دقيق الشعير والرماد مخلوطين.
стр. 2962
ومات ابراهيم التيمي في السجن فرأى الحجاج في الليلة التي مات فيها قائلا يقول: مات في هذه الليلة رجل من أهل الجنة، فلما أصبح قال: من مات الليلة بواسط؟. قالوا: ابراهيم التيمي قال: نزغة من نزغات الشيطان، وأمر به فألقي.
وقال الأصمعي: مات الحجاج وأبو عمرو بن العلاء مستخف فسمع أعرابيا يقول: مات الحجاج. وأنشد:
ربما تشفق النفوس من الأم … ر له فرجة كحلّ العقال
فقال أبو عمرو: ما أدري أبموت الحجاج كنت أسر أم بقوله فرجة، إنما كنا نرويها فرجة. وأتي الحجاج برجل من ثقيف كان في الأسرى فشهق فمات.
قالوا: وأتي الحجاج بأعشى همدان فقال له: يا بن اللخناء ألست القائل:
أمكن ربي من ثقيف همدان … يوما إلى الليل تخلي ما كان
فقد أمكن الله ثقيفا من همدان، أو لست القائل (١):
وسألتني بالمجد أين محله … فالمجد بين محمد وسعيد
بين الأشج وبين قيس في الذرا … بخ بخ لوالده وللمولود
والله لا تبخبخ لأحد بعد اليوم أبدا، ثم أمر بضرب عنقه.
стр. 2963
قالوا: وأتي بابن القريّة فقال: ائذن لي في الكلام. فقال: لا تكلمني.
قال: ائذن لي جعلت فداك في ثلاث كلمات كالدهم الواقفات، فأمر به فضربت عنقه.
وقال ابن الكلبي: قتل الحجاج أيوب بن السائب بن النمر بن قاسط وأمه القريّة.
وقال المدائني: أمره أن يكتب كتابا إلى ابن الأشعث فكتبه، وقال:
انطلق به إليه، فأتاه بالكتاب، فقال: أنت كتبته؟ قال: لا. قال: بلى والله لا جرم لتكتبن جوابه فكتبه، وأتى الحجاج فلما قرأه قال: هذا كتابك. قال:
أكرهني عليه. فقتله.
وقال علي بن محمد أبو الحسن المدائني عن أشياخه: قتل زياد بن مقاتل بن مسمع مع ابن الأشعث فقالت امرأته بنت شقيق بن ثور:
وما كنت أخشى أن أقوم سوية … لأبغي زيادا لا أموت وأكمد
وحبس الحجاج مسمع بن مالك، فكتب عبد الملك إلى الحجاج:
قد كان من بلاء مالك بن مسمع عندنا ما يعفي عن ذنب مسمع ابنه، فخل عنه ووله سجستان. فولاه إياها فظهر أبو جلدة اليشكري في ولايته، وكان مستخفيا من الحجاج، فكتب إليه الحجاج في حمله، فكتب إليه: إنه قد مات، فكتب إليه: لا ﵀، ابعث إلي بشعره. فأراد أبو جلدة أن يشخص إليه، فقال له: أتكذبني ويلك، أقم ولا تظهر. وبعث إلى الحجاج بشعره، ثم عتب أبو جلدة على مسمع فقال:
стр. 2964
إذا كان خير قلت قيس عشيرتي … تميل علينا جائرا في قضائكا
وإن كانت الأخرى فبكر بن وائل … تخاف عليها ردها من ورائكا
قضية سوء ما قضيت ابن مالك … أما إن ستجزى فاعلمنّ بذلك
فأعطاه عشرة آلاف درهم فقال:
يا مسمع بن مالك بن مسمع … أنت الجواد والخطيب المصقع
فاصنع كما كان أبوك يصنع
فقال: لعنه الله أمرني أن أفعل بأمي ما كان يفعل أبي، ويقال أن الفرزدق قال ذلك.
وقال المدائني: أتي الحجاج بطفيل بن حكيم بمسكن، فقال له: ألم أجعلك عريفا، ألم أفعل، ألم أفعل؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك علي؟ قال: يا أبا محمد، إن رأيت أن تأذن لي فألحق بأهلي؟ قال: نعم، الحق بهم.
فلما ولى قال الحجاج: ما كنت أرى أن به البائس من الضعف كل هذا.
قال المدائني: قدم إلى الحجاج قيس بن مسعود فقال: ما كنت أظنك إلا عند أبي حفص، يعني عمر بن محمد بن أبي عقيل، وكان بالبلقاء، فقال يزيد بن أبي كبشة: ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾ (١) قال الحجاج: كأنك ترى أن ما قلت له ينجيه، وأمر به فقتل، وكانت ابنته عند عمر بن محمد بن أبي عقيل فلذلك قال له ما قال.
وقال المدائني: قتل مع ابن الأشعث عبد الله بن رزام، والحريش بن هلال، وعمر بن عتبة بن أبي سفيان، ويزيد بن كعب العدوي الشاعر، ونويرة الحميري وكان له هوى في أهل العراق فأعلمهم بمكانهم فقتل
стр. 2965
وطفيل بن عامر بن واثلة، وغرق ابن أبي ليلى بدجيل الأهواز، ويقال قتل يوم الجماجم.
وقتل مرة بن شراحيل الهمداني الذي يقال له مرة الطيب. وقال له الحجاج: أما في الفتنة فأنت صحيح تحضّ وتأمر، وأما في الجماعة فأنت مريض سقيم ثم تسعى على أمير المؤمنين عثمان.
قال: وقتل بالكوفة رجالا من أهل الشام رأوا رأي ابن الأشعث فأعانوه ويقال تعصبوا له باليمانية.
وغرق عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي يوم مسكن في دجيل الأهواز.
ويقال قتل يوم دير الجماجم.
وأتي الحجاج بعمران بن عصام العنزي الشاعر أحد بني هميم، فقال:
يا عمران ألم أوفدك إلى أمير المؤمنين فوصلك، ثم قدمت فوصلتك؟ قال: بلى ولكن باذام مولى ابن الأشعث أخرجني. قال: أما كان في حجلة (١) امرأتك مقعد لك؟ قال: قد فعلت فأخرجني باذام بالسيف. فهم بالعفو عنه فنظر إلى رأسه فإذا هو محلوق فقتله.
ويقال إن الحجاج أتي بعمران بن عصام فقال له: أقررت بالكفر؟.
قال: ما كفرت مذ آمنت، فقتله.
قال: وأخذ ماهان الحنفي بمكة فحمل إلى الحجاج فشدّ عليه قصبا قد شق ثم أمر به فجذب فقطع جلده فكان يقول أخذت في حرم الله، وأنا بعين الله، ونعم القادر الله، فألقي وقد ذهب ما على عظامه من اللحم، فرق له
стр. 2966
أصحابه وبكوا فقال: لا تجزعوا فإن كانت النار فما أيسر هذا فيما يراد بي، وإن كانت الجنة فهذا محتمل.
قال: وقتل الحجاج فيروز حصين في العذاب وكان مع ابن الأشعث، وكان الحجاج جعل في رأسه عشرة آلاف درهم وجعل هو في رأس الحجاج مائة ألف. فلما قدموا به في الأسرى من خراسان قال: احبسوا أبا عثمان، فحبس واستأداه فقال: إن أمنني على دمي لم أكتمه شيئا. فلم يؤمنه وعذبه فقال: أخرجوني فإن لي عند الناس ودائع فأخرج وكثر الناس فقال: أيها الناس. أنا فيروز حصين فليبلغ الحاضر الغائب، إنّ من كان لي عنده مال فهو له. فقال لصاحب العذاب: اقتله. فوضع الدهق على صدره حتى قتله.
قال: ويقال إن فيروز كتب ماله ولم يسم من هو عنده وقال: لا أسميهم أو تؤمنني على دمي، فلم يؤمنه وقتله.
وقتل الحجاج عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر وقال له: ألست صاحب ليلة سابور مع ابن الأشعث وقد خضبت أيرك؟ فقال: لقد كنت أرغب به عن عقائل نساء قومك. فقتله.
وقتل الحجاج عتبة بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة حين حمل إليه.
وقال ابن الكلبي: أتي بعمران بن عصام فقال له: ألم أقدم العراق وأنت خامل فنوهت باسمك وزوجتك مولاتك ابنة مقاتل بن مسمع ولست لها بكفء، وأوفدتك إلى أمير المؤمنين؟ قال: بلى. قال: فخرجت علي تضربني بسيفك مع ابن الحائك؟.
قال: قد فعلت. قال: أكفرت بخروجك عليّ؟. قال: ما كفرت مذ
стр. 2967
أسلمت. فأمر به فضربت عنقه، فقال عبد الملك: أقتل عمران بن عصام بعد قوله:
وبعثت من ولد الأغر معتب … صقرا يلوذ حمامه بالعوسج
مهما طبخت بناره أنضجته … وإذا طبخت بغيرها لم ينضج
قال: وكان ممن خرج مع ابن الأشعث: يوسف بن عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي فهرب، ثم مثل بين يدي الحجاج فلما رآه قال:
ثكلتك أمك. قال: وأبي مع أمي. قال: أين ألقتك الأرض بعدي؟ قال:
ما قمت مقاما أوسع من مقامي، إنّ الله استعملك علينا فأبينا فأبى علينا.
فأمّنه.
وقتل الحجاج آدم بن عبد الرحمن أخا صالح بن عبد الرحمن. ويقال بل قتله لأنه كان يرى رأي الخوارج.
المدائني عن سعيد بن عبد الرحمن عن مالك بن دينار قال: حبس الحكم بن أيوب الثقفي علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة بن عبد الله بن جدعان التيمي، والحسن يومئذ مستخف ونحن معه مستخفون فأتاه الحسن ليلا وأتيناه فأجلسه معه على السرير، فما كنا عنده ليلتنا إلا مثل الفراريج.
فذكر يوسف وإخوته فقال: باعوا أخاهم وحزنوا أباهم، ومكانه من أبيه مكانه، ثم لقي يوسف ﵇ ما لقي من الحبس وكيد النساء ثم أداله الله منهم وأعلى كعبه. فلما أكمل أمره وجمع أهله وأقرّ عينه بأبويه ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ
стр. 2968
لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (١) قال الحكم: وأنا أقول: لا تثريب عليكم، لو لم أجد إلا ثوبي هذا لسترتكم به، وأطلق عليا.
وقال المدائني: وأخذ الحجاج عبد الله بن شريك الأعور وكان خرج مع ابن الأشعث فقتله، ويقال: كان هرب إلى سجستان فبعث به إلى الحجاج.
وأتي بالمساور بن رئاب السليطي فقتله، وقال: ادفعوه إلى أهله فأهل القتيل يلون القتيلا. ويقال: قتل يوم الزاوية في المعركة.
قال المدائني: وكان الحجاج إذا قتل رجلا فتزوجت امرأته كف عنها، وإذا لم تتزوج حبسها في قصر المسيرين، فحبس من قدر عليه من نساء أصحاب الأشعث.
وقال المدائني: لما أتي الحجاج برأس ابن الأشعث سجد وقال: كنت أحب أن أوتي به أسيرا فأقيمه فيخطب على حزبه خطبة إبليس على أهل النار: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ (٢) الآية.
المدائني عن عبد الله بن فائد، وسحيم بن حفص قالا: عرض الحجاج أهل البصرة بعد هزيمة ابن الأشعث على الإقرار بالكفر والنفاق فمن أقرّ ختم في يده، ومن أبى قتله فما أبى ذلك إلا ثلاثة قتلهم، فكان ابن سيرين يلبس رداء وإزارا ولم يكن ختم فيمن ختم، فقيل له: لو لبست قميصا ليكون أستر ليدك فمن رآك ظنّ أنك قد ختمت فأبى ذلك.
стр. 2969
حدثني عمر بن شبه عن أبي داود عن شعبة عن عمرو بن مرة قال: لما كان يوم الجماجم أراد القراء أن يؤمروا عليهم أبا البختري الطائي فقال: إني مولى فأمروا رجلا من العرب.
وروى سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الكريم قال: رآني طلحة بن مصرف وأنا أضحك، فقال: أما هذا فلم يشهد الجماجم.
حدثنا عمرو الناقد عن أبي أحمد عن عبد الجبار الهمداني عن عطاء بن السائب قال: قال لي أبو البختري الطائي يوم الجماجم: أين تفر؟. النار أشد حرا من السيف، فقاتل حتى قتل.
أخبرنا عمرو عن أبي نعيم عن إسرائيل بن الحكم قال: سمعت ذرا بالجماجم يقول: هل هي إلا حديدة في يد كافر مفتون. قال: وقال زادان:
وددت أن دماء أهل الجماجم في كسائي هذا وأنا خصمهم عند الله.
حدثني الحسين بن علي، حدثني يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: مالك لا تخرج، قد خرج ابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وأبو البختري. وعددت عليه، فقال: إني رجل جبان - يقول عما أقدموا عليه (١) -.
قالوا: وأتي الحجاج بكميل بن زياد، أتى به قومه، فقال له: يا عبد النخع كنت ممن سار إلى أمير المؤمنين عثمان فعفا عنك معاوية، ثم عفا عنك أمير المؤمنين عبد الملك، فأقمت في بيتك مقعدا لا تشهد للمسلمين جمعة ولا جماعة حتى إذا خلع حوّاك كندة خرجت فقعدت على المنبر ثم قلت: إنّ شرّ
стр. 2970
بيتين تحت أديم السماء الحكمين: الحكم بن أبي العاص، والحكم بن أبي عقيل، ثم أمر به فضربت عنقه، وهو شيخ كبير.
وقال الهيثم بن عدي: التقى الحجاج وابن الأشعث بمسكن من أبرقباذ فقتل عبد الله بن شداد بن الهاد في عسكر ابن الأشعث، وقتل معه بسطام بن مصقلة بن ميسرة الشيباني، وعمير بن ضبيعة الرقاشي، وبشر بن المنذر بن الجارود، والحكم بن مخربة العبدي، فجعل الحجاج ينظر إلى رأس بسطام بن مصقلة ويقول:
إذا مررت بوادي حية ذكر … فاذهب ودعني أمارس حية الوادي
قال: وبكى مسمع بن مالك بن مسمع فقال الحجاج: أجزعا عليهم؟ قال: لا ولكن جزعا لهم من النار.
قال الهيثم: وكان قبل مولى زياد عاملا لابن الأشعث على الأبلّة، فأعد سفينة بحرية، فلما صار ابن الأشعث إلى الأبلة حمله في السفينة، وركب معه فمر بعبّاد بن الحصين وهو في ضيعته بعبادان فناداه: يا أبا مالك احملني معك فإني أخاف الحجاج، فقال ابن الأشعث: إيّاك أن تدنو منه فإنما يريد أن يتقرب بك إلى الحجاج، فلما لم يطمع فيه نادى: ويلك لا يغلبنك ابن الأشعث، تقرّب به إلى الحجاج تأمن على نفسك وولدك، فأتوا جنابا (١) ثم ركبوا الدواب إلى سابور، ثم مضى إلى سجستان.
قال الهيثم: وكان ممن تبع ابن الأشعث: سوّار بن مرواريذ.
стр. 2971
وقال المدائني: قال ابن عون: رأيت ابن الأشعث يخطب على منبر البصرة متربعا ما رأيت متربعا قط على منبر غيره، فجعل يوعد الذين ينهون عن اتباعه، فقيل: إنما يعني الحسن. قال: فأتيت الحسن فما دخل عليه أحد إلا نهاه عن اتباعه.
حدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه، ثنا أبو معدان عن مالك بن دينار قال: شهدت الحسن بن أبي الحسن، ومسلم بن يسار وسعيدا ومسلما يأمرون بقتال الحجاج مع ابن الأشعث فقال الحسن: إن الحجاج عقوبة جاءت من السماء، أفتستقبل عقوبة الله بالسيف؟. ولكن استغفروا وادعوا وتضرعوا.
المدائني قال: قيل لابن الأشعث: إن أردت أن يقاتل معك أهل البصرة جميعا فأخرج الحسن. فيقال إنه أخرجه كرها.
حدثنا أبو الربيع الزهراني عن حماد بن زيد قال: حدثني أيوب أنه أخرج كرها وكان ينهى عنه.
المدائني قال: حمل عياش بن الأسود بن عوف الزهري إلى الحجاج أسيرا، حمله يزيد بن المهلب، وكان شيخا فقال الحجاج: هذا والله الأشمط الغمت (١) الغفل، أتى بالعراق مذ كذا لم أولّه وجها قط، ولم أسمع له بذكر، حتى إذا كانت الفتنة خرج فيها تابعا لابن الحائك. ثم أمر به فقتل.
قال: وقتل محمد بن الأسود أخوه يوم الزاوية. قال: وحمل إليه أيضا ابن لعبد الله بن عبد الرحمن بن رستم فإذا غلام حدث فقال: أصلح الله الأمير
стр. 2972
ما لي ذنب. كنت غلاما صغيرا مع أبي وأمي لا أمر لي ولا نهي. قال: وكانت أمك مع أبيك في هذه الفتن كلها؟ قال: نعم. قال: على أبيك لعنة الله.
وروى عبد الله بن المبارك قال: كان مطرّف بن المغيرة بن شعبة مع ابن الأشعث، ثم اعتزله فأتي به الحجاج بعد ذلك فقال: يا مطرف: أكفرت؟ فقال: لم نبلغ ذلك، ولو نصرنا الحق وأهله كان خيرا لنا.
حدثنا الحرمازي، أخبرني أبو عبيدة معمر بن المثنى أنّ الهلقام بن نعيم التميمي قال للحجاج حين أدخل عليه، وقد حمله إليه يزيد بن المهلب:
لعنك الله يا حجاج إن فاتك هذا المزوني (١) وقد قدّم قومك وأخر قومه، فوقر ذلك في قلب الحجاج وقال: أتخذني ابن المهلب جزارا أجزر مضر وترك قومه اليمانية، وكان قد امسك عن حمل اليمانية، وحمل غيرهم من خراسان.
المدائني قال: لما قتل عبد الملك عبد الله بن إسحاق بن الأشعث أصابوا في ثقله جارية فقالت: أنا لنافع كاتب الحجاج استودعني قوما بالبصرة، فلما خرج الحجاج عن البصرة دلوا ابن الأشعث عليّ فأخذني فصرت إلى عبد الله بن إسحاق. فبعث بها إلى الحجاج فقال الحجاج لنافع:
هذه جاريتك وقد وطئها ابن إسحاق المنافق فلا تقربها، فأعتقها ابن نافع وعوضه الحجاج منها خمسة آلاف درهم فتتبعتها نفسه فتزوجها وأحبلها، وغضب الحجاج عليه في سر أفشاه إلى صالح بن عبد الرحمن في كتاب أقرأه إياه وفي مائة ألف درهم ارتشاها. وبلغه أن الجارية حبلى فأرسل إليه فقطع يديه ورجليه، وسأله عن كتب كانت عنده، فقال: أين تلك الكتب؟ فقال:
стр. 2973
في حرامك. فقطع لسانه وقال: قطعت لسانك لأفشائك سري، وقطعت يديك ورجليك للرشوة، وزعمت انك تزوجت هذه الجارية ولم تقم البينة على تزويجك فأنا ارجمك. فرجمه، وقيل: مات قبل ان يرجم.
وكان أيضا تزوج أم ولد للحجاج بغير علمه، وكان نافع مولى لمصعب، فانضمّ إلى الحجاج حين ولي العراق فاستكتبه.
стр. 2974
خبر مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي وخروجه على الحجاج
حدثني على بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة قال: سمع مطرف الحجاج يقول: أرسول أحدكم أكرم أم خليفته؟ فوجم وقال: كافر والله، والله إن قتله لحلال.
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش الهمداني قال:
قدم الحجاج الكوفة فاستعان بولد المغيرة، فولى عروة الكوفة وأمّه أمة كانت لمصقلة بن هبيرة، فلم يزل على الكوفة حتى رجع إليها الحجاج بعد رستقباذ.
وولى حمزة بن المغيرة المدائن، وأرسل إلى مطرف بن المغيرة وكان يتألّه فقال له يوما: إن عبد الملك خليفة الله وهو أكرم على الله من رسله. فوقرت في نفس مطرف، وكان يعتقد إنكار المنكر ولا يبلغ قول الخوارج، فمرّ شبيب بن يزيد الخارجي بالمدائن ومطرف بها فناظره فخالفه في رأيه ووافقه على الخروج.
وقال هشام ابن الكلبي عن أبي مخنف وغيره: كان بنو المغيرة صلحاء نبلاء، فاستعمل الحجاج عروة بن المغيرة على الكوفة فكتب إلى عبد الملك
стр. 2975
كتابا ذمّ فيه الحجاج ونسبه إلى العجلة والتسرّع إلى القتل. فبعث عبد الملك كتابه إلى الحجاج فضربه بالسياط حتى مات وذلك بالكوفة.
وقال أبو عبيدة: كتب عبد الملك إلى عروة وإلى محمد بن عمير بن عطارد يسألهما عن سيرة الحجاج. فأما محمد بن عمير فأتى الحجاج بكتابه فأقراه إياه وكتب جوابه برضاء الحجاج وإرادته. وأما عروة فكتب ينسب الحجاج إلى التجبر والعجلة في الأمور، والتسرع إلى العذاب، والإقدام على الدماء، فضربه حتى قتله بالتجني عليه.
وقال هشام ابن الكلبي: استعمل الحجاج حمزة بن المغيرة على همذان واستعمل مطرفا على المدائن ونواحيها.
وخرج شبيب بن يزيد الخارج على الحجاج، فجاء حتى نزل مدينة بهرسير (١)، فقال بشر بن الأجدع الهمداني لمطرف:
إني أعيذك بالرحمن من نفر … حمر السبال كأسد الغابة السود
فرسان شيبان لم يسمع بمثلهم … أبناء كل كريم النجر صنديد
شدوا على ابن حصين في كتيبته … وغادروه صريعا ليلة العيد
وابن المجالد إذ أودت رماحهم … كأنما زلّ عن خلفاء منجود
سعيد بن المجالد بن عمير بن ذي مرار الهمداني يعني أصحاب شبيب الخارجي. فقطع مطرف الجسر بينه وبين شبيب، وبعث إلى شبيب أن ابعث إليّ رجالا من صلحاء أصحابك لأناظرهم فيما تدعو إليه، فبعث إليه قعنبا وسويد بن سليمان في آخرين.
стр. 2976
واحتبس شبيب رسل مطرف ليكونوا رهناء عنده بأصحابه، فلما دخلوا على مطرف قال سويد: السلام على من خاف مقام ربه وعرف الهدى وأهله. قال مطرف: أجل فسلّم الله أولئك فقصوا علينا أمركم وخبرونا إلى ما تدعون.
فحمد الله سويد وأثنى عليه ثم قال: الذي ندعو إليه كتاب الله وسنة نبيه، وقد نقمنا على قومنا الاستئثار بالفيء، وتعطيل الحدود، والتسلط بالجبرية. فقال مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق، ولا أنكرتم إلا منكرا، ولا نقمتم إلاّ جورا ظاهرا، وأنا لكم على مثل هذا متابع فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه يجتمع أمري وأمركم، وتكن يدي وأيديكم واحدة.
قالوا: هات اذكر ما تريد أن تذكر، قال مطرف: أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة الغاصبين على ما أحدثوا وندعوهم إلى الكتاب والسّنة، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين يولّون من ارتضوه على مثل الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب، فإن العرب إذا علمت أنه إنما يراد الرضا من قريش رضوا وقنعوا، فإنما الأئمة من قريش. فقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه يا بن المغيرة، ولو كان القوم يريدون غدرا كنت قد أمكنتهم من نفسك ففزع لها وقال: صدقت وإله موسى.
ومضى القوم فأخبروا شبيبا بقول مطرف، فطمع فيه، وبعث إليه من الغد سويدا، فانطلق ومعه رجل آخر، فقال له مطرف: من هذا الذي ليس لك دونه سرّ؟ قال: هذا الشريف الحسيب، هذا ابن مالك بن زهير بن جذيمة العبسي. قال مطرف: بخ بخ استكرمت، فاربط، إن كان دينه على قدر حسبه فهو الكامل.
стр. 2977
ثم أقبل سويد على مطرف فقال له: قد ألقينا إلى أمير المؤمنين ما قلت، وهو يقول لك: إنّا لا نرى قريشا أحق بهذا الأمر منا، فكما اختارت قريش أفضلها بعد وفاة رسول الله فكذلك لنا أن نختار أفضلنا.
وانصرف الرجلان، ثم إن مطرفا دعا رجالا من ثقاته ونصحائه فيهم الربيع بن يزيد الأسدي فقال لهم: إنكم نصحائي وأهل مودتي ومن أثق بصلاحه وحسن رأيه، ولم أزل لأعمال هؤلاء الظلمة كارها أنكرها بقلبي، فلما عظمت خطيئتهم، ورأيت هؤلاء يجاهدونهم لم أرهم أولى بمجاهدتهم مني، ولم يسعني إلاّ مخالفتهم ومحاربتهم إن وجدت أعوانا عليهم، ولو كان هؤلاء الخوارج أجابوني إلى الشورى، ولم يركبوا أهواءهم لقاتلت معهم، وخلعت عبد الملك بن مروان والحجاج.
فقال له يزيد بن أبي زياد مولاه: إني لا آمن أن يؤدى ما كان منك إلى الحجاج، ويزاد على كل كلمة مما تتكلم بها عشرة أمثالها، وأرى لك أن تطلب دارا غير المدائن فإن أصحاب شبيب سيتحدثون بما دار بينك وبينهم حتى يفشو خبرك وخبرهم، ونحن مجيبون لك إلى دعوتك. فقال: إني أشهدكم أني قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف، فمن أحبّ صحبتي فليصحبني ومن أباها فليذهب حيث شاء فإني لا أحب أن يتبعني من لا نية له في جهاد أهل الجور، وأني أدعوكم إلى قتالهم، فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الأمر شورى بين المسلمين يرتضون من قريش من أحبوا.
فوثب إليه أصحابه فبايعوه، وأتاه قوم من أهل المدائن فبايعوه أيضا، وارتحل حتى أتى الدسكرة، ثم خرج منها متوجها نحو حلوان وقد صارت معه جماعة يرون رأيه.
стр. 2978
وبلغ الحجاج بن حارثة خروج مطرف فاتّبعه وصار معه في ثلاثين، ودخل مطرف حلوان فقاتله عامل حلوان قتالا خفيفا عذر فيه، ثم بعث إليه العامل أن اخرج من حلوان فإني أكره أن ينالك وأصحابك مني مكروه، فمضى وعرض له الأكراد فأوقع بهم، فلما دنا من همذان كره أن يدخلها فيتهم أخوه حمزة عند الحجاج، فبعث إليه يسأله إعانته بمال وسلاح، وكان رسوله يزيد بن أبي زياد، فصرفه إليه بما سأله.
وبلغ الحجاج ذلك فعزل حمزة، وكتب إلى قيس بن سعد العجلي، وهو على شرطة حمزة بن المغيرة، بولايته همذان، وأمره أن يحبس حمزة فحبسه، فيقال إنه مات في الحبس.
وسار مطرف حتى نزل بقرب أصبهان، ثم صار إلى ناحية قم وقاشان وعلى أصبهان البراء بن قبيصة بن أبي عقيل الثقفي، وهو الذي يقول فيه الشاعر.
حوى الملك حجاج عليك كما حوى … عليك الندى والمكرمات براء
فبعث الحجاج نحوا من ألف رجل من موالي الإمارة عليهم عبيد مولاه إلى البراء، وأمره أن ينهض إلى مطرف، فأنهضهم وعدة معهم ممن قبله إليه، فقاتلوه فهزمهم حتى لحقوا بالبراء وهو بجيّ (١).
وكان مطرف قد كتب كتبه بالدعاء، وبثّ دعاته في النواحي فأجابه خلق من الناس، فكتب البراء إلى الحجاج: إن كانت لك في أصبهان وغير أصبهان حاجة فابعث إلى مطرف جيشا كثيفا يستأصله،. فإنه لا تزال
стр. 2979
العصابة بعد العصابة تأتيه فقد كثرت تابعته، واستفحل أمره، واشتدت شوكته، فكتب إليه الحجاج: إذا أتاك كتابي فاخرج بمن معك، ومن بعثت به إليك من الموالي، فعسكر حتى يصير إليك عدي بن وتاد الايادي من الري فقد كتبت إليه أن ينهض إليك ثلاثة أرباع أهل الري، فإذا صار إلى ما قبلك كان أمير الجيش كله فسمعت له وأطعت.
فوافاه عدي فيمن نهض معه، واجتمعا على قتال مطرف، والأمير:
عديّ بن وتاد ومعه عمرو بن هبيرة الفزاري على إحدى مجنبتيه، وهو في حدّ دستبى. فلما تدانوا وعظهم مطرف ودعاهم إلى مجاهدة الظلمة، ثم أمر بعض أصحابه فنادى: يا أهل قبلتنا أسألكم بالله الذي لا إله غيره لمّا انصفتمونا وصدقتمونا فإن الله شهيد على نيّاتكم أخبرونا عن عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف، ألا تعلمونهما جبارين يتبعان الهوى ويزيغان عن الحق ويأخذان بالظنّة ويقتلان على الغضب؟. فقالوا من كل جانب:
كذبت يا عدو الله، فقال مطرف: قل لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ (١) قد استشهدتكم فكتمتم الشهادة، وقال الله : ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢).
وكان الرجل بكير بن هارون البجلي، فخرج إليه صارم مولى عدي بن وتّاد فقتله بكير وجعل يقول:
صارم قد لاقيت سيفي صارما … غير كهام يختلي الجماجما
стр. 2980
ثم لقي القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، فانكشفت ميسرة مطرف حتى انتهت إليه، فجعل يقول: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (١).
وقاتل أشد قتال حتى قتل واحتز رأسه عمرو بن هبيرة الفزاري، وذكروا أنه هو قتله، وقيل إن الذي قتله غير ابن هبيرة، وإن ابن هبيرة احتزّ رأسه فأوفده به عدي بن وتاد إلى الحجاج وبذلك حظي وذكر.
وقتل يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة، وكان صاحب راية مطرف.
ثم انصرف عدي وأصحابه إلى الري، وطلبت بجيلة الأمان لبكير بن هارون فأمنه عدي، وكان رجال من أصحاب مطرف لما أحيط بهم في عسكره نادوا: يا براء خذ لنا الأمان، يا براء اشفع لنا. فشفع لهم، فنزلوا.
وأسر عدي خلقا فخلى سبيلهم وبسط للناس الأمان فسلموا.
وأتى الحجاج بن حارثة الري فطلب إلى عدي بن وتاد فيه وهو مستخف، فقال: هذا رجل مشهور مع صاحبه، وهذا كتاب الحجاج فيه أن أحمله إليه إن كان حيا، ولا بد من السمع والطاعة له، ولولا كتابه لم أعرض له ولم أطلبه ولآمنته. فلم يظهر الحجاج ولم يزل خائفا حتى عزل عدي بن وتاد عن الري، وقدم خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي واليا على الري، فكلم فيه فأمنه وظهر.