الرحمن بن سمرة، وكان أعور، وذلك في أيام الزاوية.
يا أعور العين فديت العورا … لا تحسبن الخندق المحفورا
يدفع عنك القدر المقدورا … ودائرات الدهر أن تدورا
وصعد الحجاج المنبر فذكر الله بما هو أهله، ثم قال: إن الله لم ينصركم يا أهل الشام على عدوكم، لأنكم أكثر منهم عددا، وأظهر قوة، ولقد كانوا أثرى منكم وأقوى وهم في بلادهم، ومادتهم تأتيهم من مصرهم وبيوتهم، فهم يستندون إلى ذلك ويعتصمون به، ولكنكم كنتم أهل الطاعة، وكانوا أهل المعصية، فنصركم الله بغير حول منكم ولا قوة فاحمدوا الله على نعمه ولا تبغوا ولا تظلموا، وإياكم أن يبلغني أن رجلا منكم دخل بيت امرأة فلا يكون له عندي عقوبة إلا السيف، أنا الغيور ابن الغيور لا أداهن في الريبة، ولا أصبر على الفاحشة.
قالوا: وأصابت الحريش يومئذ جراحة، وكان يقاتل قتالا شديدا ويقول:
أنا الحريش وأبو قدامة … أضرب بالسيف مقيل الهامة
أشجع من ذي لبد ضرغامه
وأتى سفوان (١) فمات من جراحته.
стр. 2907
وقالت حميدة ابنة مقاتل ترثي أخاها زياد بن مقاتل بن مسمع:
يا عين جودي ولا تفتري … وبكي رئيس بني جحدر
ولما تولت جموع العراق … وأسلم من كان في العسكر
وحامى زياد على قومه … وفر محامي بني العنبر
فسمعها البلتع وكان يبيع سمنا له عند بعض بني العنبر فأتزر بكسائه، وجاء حتى قام عندها وهو يقول:
علام تلومين من لم يلم … تطاول ليلك من مقصر
فقد تبطح الخيل تحت العجاج … غير الشهيد ولا المعذر
ونحن منعنا لواء الحريش … وطاح لواء بني جحدر
ورجع إلى أصحابه فقال: قد شفيتكم منها.
وقال عامر بن واثلة، أبو الطفيل يرثي ابنه:
خلى طفيل على الهم فانشعبا … فهد ذلك ركني هدّة عجبا
وابني سهيمة لا أنساهما أبدا … فيمن نسيت وكل كان لي نصبا
وأخطأتني المنايا لا تطالعني … حتى كبرت فلم يتركن لي شذبا
في أبيات.
وولى الحجاج الحكم بن أيوب البصرة في صفر، واتبع ابن الأشعث، وسلك طرق البر وكان زادا نفروخ بن تيرى مستخفيا بالبصرة، فخرج من دار إلى دار فقتله بعض من رآه من أصحاب ابن الأشعث، فاستكتب الحجاج مكانه ابنه مردانشاه.
стр. 2908
أمر مطر بن ناجية الرياحي
قالوا: وكان مطر عامل الحجاج على المدائن وناحيتها، فأتى الكوفة فقال حين نزل من المنبر: ان ابن الأشعث قد هزم أهل الشام، فهلموا نخرج من عندنا منهم، فكثرت تابعته، وجاء حتى أحاط بالقصر، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي، عامل الحجاج على الكوفة، وهو في أربعة آلاف من أهل الشام، ويقال في الفين، فأشرفوا عليه وصالحوه على أن يجلوا ويخلوا القصر والمصر، وكان يونس بن أبي إسحق يحدث أن مطرا لما أراد دخول القصر زحمه بغل فضربه بسيفه فقطع جحفلته، ثم قال: اللهم أخزه زحمني وقد آمنت صاحبه، فأعطاه بغلا مكانه، وأسلف الناس مائتي درهم مائتي درهم، وصحت عنده هزيمة ابن الأشعث، فخطب الناس فقال: إن ابن محمد قد هزم، وأنا لكم مكانه، أقوم مقامه، فبايعه نفر من قومه قليل، وأمسك الناس، فلم يبايعوه، فلما رأى ذلك دخل القصر، ثم خرج بالعشي فقال: أيها الناس إن ابن محمد لقي الحجاج بالزاوية إلى جانب البصرة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم تحاجزوا فنظروا فإذا ابن محمد مفقود، لا يدرى أفي الأحياء هو أم في الأموات، فثار
стр. 2909
الناس عند ذلك إلى عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فعهد العاهد به وقد حصر الحجاج وظهر عليه، فقوموا فبايعوا له، فإنه رجل من قريش ثم من بني هاشم من أهل بيت نبيكم ﷺ ، فقام إليه عبد الرحمن بن أبي ليلى فبايعه، ثم بايعه حمزة بن المغيرة بن شعبة، ثم إنه دخل وأمر مطر بن أبي ليلى أن يبايع الناس ففعل، فقال صدقة وتوبة ابنا عبيد الله بن الحر الجعفي: ما هذه البيعة؟ نحن على بيعتنا الأولى، ويقال إنهما ضربا وجه ابن أبي ليلى بحصى كان معهما وقالا: نحن على بيعتنا التي بايعنا عليها صاحبنا حتى ننظر ما صنع، وقام ناس كثير فقالوا مثل ذلك وصاحوا بابن أبي ليلى أنزل فنزل، وسمع ابن ناجية الصوت فقال: ما هذا؟ قالوا له: قد اختلف الناس، فرجع إليهم فقال: أيها الناس أنا رجل منكم فمن استقمتم له ورضيتم به وبايعتموه بايعته، فسكن الناس، وأقبل ابن الأشعث وسمع الناس بمجيئه، فخرجوا إليه يستقبلونه.
وقال الهيثم بن عدي: أقبل ابن الأشعث من سجستان وقد خلع فنزل الخريبة بالبصرة، فخندق على عسكره، واقتتل هو والحجاج بالزاوية، وبلغ ابن الأشعث أن مطر بن ناجية قد أخذ الكوفة، فدعا خاصته فأعلمهم أنه يريد الكوفة، واستخلف عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة، وسار في نحو من ألف ففقد وقاتل عبد الرحمن بن عباس بالبصرة خمسة أيام، ثم انهزم وقدم ابن الأشعث الكوفة.
وقال ابن الكلبي عن أبي مخنف وغيره: لما خرج الناس لتلقي ابن الأشعث فرأى كثرة من استقبله عدل عن الطريق كراهة أن يروا من معه من
стр. 2910
الجرحى، وجعل أصحابه يقولون: إن الله قد أخزى الحجاج وهزمه وفرق جمعه، وأقبل حتى نزل عند دار فرات بن معاوية وقال: لا والله لا أبرح ولا أدخل منزلي حتى أستنزل مطرا، ثم جلس في أصحاب الخلقان، فرآه رجل من بني أسد يقال له عبد الله فقال: ما أخلق هذا الرجل لأن يخلق امره، وجاء الناس إليه من كل مكان، وسبقت إليه همدان بالناس، وكانوا أخواله وتفرق الناس عن ابن ناجية، وأراد قوم من بني تميم أن يقاتلوا عنه، فلم يطيقوا ذلك، فأمسكوا، وقال ابن الأشعث: كفوا عنه ولا تقتلوه وأتوني به سليما، فدعا الناس بالسلاليم، فوضعت على القصر، وصعدوا فأخذ فأتي به ابن الأشعث، فقال له: استبقني فاني أفضل فرسانك وأعظمهم غناء عنك، فأمر به إلى الحبس ثم دعا به بعد ذلك فبايعه: فقال الأقيشر الأسدي:
ابني تميم ما لمنبر ملككم … لا يستقر فعوده يتمرمر
يبكي إذا مطر علا أعواده … شم الكرام وقال ما قد ينكر
إن المنابر أنكرت أشباهكم … فادعوا خزيمة يستقر المنبر
قوم رأيت الله ينصر دينهم … عند اللقاء ودينكم لا ينصر
خلعوا أمير المؤمنين وبايعوا … أحواك كندة بيعة لا تظفر
بايعتم مطرا وكانت هفوة … خلف لعمرك من أمية أعور (١)
قالوا: ودخل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث القصر، وجاءه الناس من كل أوب، وأتاه أهل البصرة، وتقوضت إليه المسالح، وجاءه
стр. 2911
قوم من الثغور، ولحق به عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب في جماعة من فرسان أهل البصرة ووجوههم ممن لم يأمن الحجاج، ولم يثق بأمانه، وتلاحق به أصحابه، وقام الحجاج بالبصرة خطيبا فقال: إنكم خالفتم وعصيتم وأحللتم بأنفسكم، فعفوت عنكم، وقد قدرت، وأنا أقسم لكم بالله لئن عدتم لمثل فعلكم لأقتلن مقاتلتكم ولأحربنكم بأموالكم.
وأقام فيما يقال بالبصرة نحوا من شهر، ثم خرج منها إلى الكوفة ومعه زياد بن عمرو العتكي، فرفع إلى الحجاج أن عند زياد ثقل عبد الله بن يزيد بن المغفل ونجائبه وإبله، فسأله الحجاج عن ذلك فأقر به، وقال:
أصلح الله الأمير كان رجلا من قومي، فوالله ما شعرت بشيء حتى رأيته في داري وثقله، فاستحييت منه، وخرج هاربا، وكانت مليكة بنت يزيد بن المغفل أخته امرأة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، قال: أفتؤوي ثقله، وقد عرفت عداوته لي وللمسلمين، فأين ثقله الآن؟ قال: ألحقته به، إلا ما لا بال به، فشده في الحديد، وخرج به معه، فبعث زياد ابنه الحواري بن زياد إلى عبد الملك فأعلمه علمه، فكتب إلى الحجاج: «أما بعد فإنه بلغني أنك حبست زياد بن عمرو العتكي، وليس مثل زياد حبس، ولا ظن به سوء، فخل سبيله حين يأتيك كتابي، فإنه من أهل السمع والطاعة والمناصحة قديما، والسلام».
فخلى سبيله وهو بدير الجماجم.
стр. 2912
خبر دير الجماجم
قالوا: سار الحجاج من البصرة في البر فمر بين القادسية والعذيب، فبعث ابن الاشعث إليه عبد الرحمن بن العباس في خيل أهل الكوفة والبصرة. وكان ابن الأشعث جمع بالبصرة سلاحا كثيرا وتجافيف، فسار ابن العباس إليه في خلق من المجففة فمنعوه من نزول القادسية، وبلغه كثرة من مع ابن الأشعث واجتماعهم على قتاله فارتفع عنهم، وسايروه حتى نزل دير قرة (١). وكان قد عزم على الارتفاع نحو الجزيرة ليقرب من عبد الملك ولا يكون بينه وبينه أحد يتخوفه، فلما صار إلى دير قرة قال: والله ما بهذا المنزل بين أمير المؤمنين وأهل الشام بعد، ولا أحد يحول بيني وبينهم ولا أتخوف أن يأتيني من ورائي أحد، وإني لفي رساتيق من الفلوجة وبالقرب من عين التمر، وأرجو أن تحملنا هذه الرساتيق، ولنزولي معهم في بلادهم أشد عليهم من نزولي نائيا عنهم.
стр. 2913
فنزل بدير قرة، ونزل عبد الرحمن بن العباس بدير الجماجم، وخرج ابن الأشعث حتى صار إلى دير الجماجم فعسكر فقال الحجاج: نزلنا بدير قرة ونزل عدو الله بدير الجماجم أفما أتفاءل بهذا، وخندق الحجاج على نفسه، وخندق ابن الأشعث أيضا على نفسه.
واجتمع قراء أهل الكوفة إلى جبلة بن زحر الجعفي فجعلوه رئيسا عليهم، وكان الحجاج كتب إلى عبد الملك حين قدم من البصرة فخبره بكثرة أهل العراق وجدهم واجتماعهم على حربه، فسرح إليه عبد الله بن عبد الملك ابنه في عشرين ألفا من أهل الشام، ومحمد بن مروان أخاه في عشرين ألفا من أهل الجزيرة، فوافوا الحجاج بدير قرة بعد تضييق أهل العراق عليه، فلما قدموا عليه قوي أمره وروخي من خناقه.
ولم يكن بين الفريقين قتال قبل قدوم عبد الله ومحمد، إلا أن أهل العراق كانوا يأتون عسكر الحجاج فيكون بينهم تناوش على خندقه عند أبوابه في غير تزاحف.
وكان من قبل عبد الملك من وجوه الناس من قريش وغيرها قالوا له:
إذا كان رضا أهل العراق بعزل الحجاج فاعزله عنهم تخلص لك طاعتهم وتحقن دماءهم ودماء أهل الشام. فقال لابنه: إذا اجتمعت ومحمدا عمك فاعرض على أهل العراق أن تعزل الحجاج عنهم، وتجري عليهم أعطياتهم كما تجري على أهل الشام، وتجري على ذريتهم كما تجري على ذرية أهل الشام، وأن ينزل ابن الأشعث أي بلد شاء ويكون عليه واليا ما دام حيا، فإن قبلوا ذلك كان محمد بن مروان الأمير عليهم، وإن أبوا فالحجاج أمير عليك وعلى محمد والناس.
стр. 2914
وكان عبد الملك كتب إلى محمد بن مروان في المسير إلى العراق من الجزيرة لأنه كان عامله عليها، وكتب إليه بمثل ما أوصى به ابنه عبد الله، وقوم يزعمون أن محمدا كان حاضرا فأوصاه مشافهة، والأول أثبت.
قالوا: فلما قدم عبد الله ومحمد على الحجاج، وقد أوصيا بما أوصيا به، اشتد ذلك على الحجاج فكتب إلى عبد الملك: والله لئن أعطيت أهل العراق ما يحبون من نزعي، وعرفوا أنك تحب مداراتهم لم يلبثوا إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ألم تسمع بوثوب أهل الكوفة على عثمان، فلما سألهم عما يريدون قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه، وإن بعض الشدة أبلغ في السياسة وأحزم في الرأي فإن الحديد بالحديد يفلح، خار الله لك فيما ارتأيت.
وأبى عبد الله إلا عرض هذه الخلال على أهل العراق طلبا للعافية، فخرج عبد الله ومحمد حتى وقفا على عسكر أهل العراق فقال لهم: أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين، وهذا عمي محمد بن مروان، وإن أمير المؤمنين يعطيكم كذا وكذا، وأدى رسالة أبيه، فقالوا: ترجع العشية لنعرفك رأينا.
ثم اجتمعوا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقال لهم: إنكم قد أعطيتم ما سمعتم فاقبلوا ما عرض عليكم وأنتم أعزاء أقوياء، إن كانوا قد نالوا منكم يوم الزاوية قبلا فقد نلتم منهم يوم تستر مثله، وهذه فرصة لكم فانتهزوها.
стр. 2915
فوثب الناس من كل جانب فقالوا: إن الله قد أهلكهم فأصبحوا في الأزل والضنك والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوي العدد الكثير والمادة القريبة، لا والله لا نقبل، وأعادوا حلفا ثانيا.
وكان إجماعهم على خلع عبد الملك بدير الجماجم أكثر من اجتماعهم على خلعه قبل ذلك، فرجع عبد الله ومحمد إلى الحجاج فقالا: شأنك بعسكرك وجندك فاعمل برأيك فإنا قد أمرنا أن نسمع ونطيع لك، فكانا يسلمان عليه بالإمرة ويسلم عليهما بالإمرة أيضا، وخلياه والحرب، فعبأ جنده، وعبأ ابن الأشعث جنده فجعل على خيله عبد الرحمن بن العباس الهاشمي، وعلى القراء جبلة بن زحر الجعفي، وكان في القراء عامر الشعبي وسعيد بن جبير مولى بني أسد وقوم يقولون أنه مولى سعيد بن العاص وذلك باطل.
وكان الحجاج وجهه على نفقات جيش الطواويس، فصار مع ابن الأشعث بعد، وأبو البختري الطائي واسمه سعيد بن فيروز مولى بني نبهان.
وقال الهيثم بن عدي: اسمه سعيد بن جبير، وقال علي بن المديني:
اسمه سعيد بن عمران. وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، ومسلم بن يسار مولى طلحة بن عبيد الله من بني تيم من قريش، وعبد الله بن غالب الجهضمي من الأزد، وعقبة بن وساج البرساني من الأزد، وأبو صالح ماهان الحنفي، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، فجعلوا يتزاحفون فمرة ينتصفون ومرة يكون لهؤلاء ومرة لهؤلاء، وكان أهل العراق في خصب وأهل الشام في غلاء من السعر وضر، وكان ابن الأشعث قد بعث عبد الله بن
стр. 2916
إسحاق بن الأشعث، لحشر الناس من الكوفة، فأخرج جعفر بن عمرو بن حريث، وبعض آل أبي معيط إلى عسكر ابن الأشعث، وأمر كميل بن زياد أن يحرض الناس فأخرج وهو شيخ كبير فحمل حتى أقعد على المنبر دون عبد الله بن إسحاق بدرجتين فخطب خطبة طويلة يقول فيها: إنكم قد غلبتم على فيئكم وبلادكم، ولقد فتح الله عليكم الموصل وأداني الجزيرة وجميع آذربيجان وأرمينية ثم انتزعها منكم معاوية، فجعل عليكم غزوها وجعل لأهل الشام خراجها، إنه والله لا ينفي عنكم الظلم والعدوان إلا التناصح والتأسي، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، والصبر على الطعان بالرماح والضرب بالسيوف، إنكم يا أهل العراق منيتم بشر أهل بيتين في العرب: بآل الحكم بن أبي العاص بن أمية وآل أبي عقيل، فتباذلوا وتناصحوا وتواسوا بالأنفس والأبدان.
قالوا: ولم تكن كتيبة أشد على أصحاب الحجاج من كتيبة القراء، لأنهم كانوا يحملون فلا يكذبون، ويحمل عليهم فلا يبرحون.
ثم إن الفريقين تعبّوا فعبأ الحجاج لكتيبة القراء ثلاث كتائب وبعث عليها الجراح بن عبد الله الحكمي، فحمل أهل الشام عليهم ثلاث حملات، ثم قال ابن أبي ليلي: إن الفرار قبيح، وليس هو بأحد من الناس أقبح به منكم فإني سمعت عليا رفع الله درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء الصديقين يقول: من أنكر منكرا بقلبه فقد برئ منه، ومن أنكره بلسانه أجر، ومن أنكره بالسيف فقد أصاب سبيل الهدى، ونور قلبه باليقين، قاتلوا هؤلاء المحلين المبتدعين الذين جهلوا الحق فليس يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه.
стр. 2917
وقال أبو البختري الطائي: قاتلوهم فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن دينكم وليغلبنكم على دنياكم.
وقال الشعبي: قاتلوهم فوالله ما أعلم أحدا على بسيط الأرض أجور منهم في حكم، ولا إغلاء في ظلم لا تركا ولا ديلما.
وقال سعيد بن جبير: قاتلوهم بنيّة ويقين ولا تتأثموا في قتالهم، فعليّ كل إثم يدخل عليكم في ذلك، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة.
قال: ثم تهيأوا للحملة، فقال جبلة بن زحر: احملوا حملة صادقة.
فحملوا فضربوا الكتائب الثلاث حتى أزالوهم، فوجد جبلة بن زحر صريعا لا يدرى من قتله فهدهم ذلك، فقال أبو البختري: إنما كان ابن زحر رجلا منكم فاعتصموا بالصبر وارجعوا إلى الله في الأمر. ويقال إن الحارث بن جعونة العامري طعن جبلة فقتله.
وحمل الحجاج رأس جبلة على رمحين وقال: ما كانت فتنة قط فخبت حتى يقتل فيها رجل من أهل اليمن، وقتلت جماعة من القراء.
وقال ابن الكلبي عن أبي مخنف وعوانة: كان قتالهم بالدير مائة يوم، ثم اقتتلوا فهزموا، وضعف أمر ابن الأشعث، وقتل أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى، ويقال إنه قتل يوم دجيل الأهواز، وأبو البختري وابن شداد بن الهاد، ويقال يوم دجيل أيضا، ويقال إن أبا البختري قتل يوم دجيل أيضا.
قالوا: وكان بسطام بن مصقلة بن ميسرة الشيباني بالري فلما بلغه خلع الناس وابن الأشعث، قام ابن مصقلة خطيبا فقال: إن عبد
стр. 2918
الرحمن بن محمد بن الأشعث قد خلع الحجاج وعبد الملك وأخرج الحجاج من العراق فانصرفوا إلى نسائكم وأولادكم، فتصدع الناس وتركوا قتيبة، ووثبت ربيعة إلى بسطام، وصار أهل اليمن إلى جعفر بن عبد الرحمن بن مخنف فبقي قتيبة ليس معه أحد، وخاف أن يحارب فلما انصرفوا عنه وتركوه ولم يقاتلوه سر بذلك.
وأقبل بسطام مسرعا حتى أتى عبد الرحمن بن محمد بالجماجم، فيقال إن قتيبة استخلف على عمله وسار يستقري الجبال ويسكن الناس والدهاقين حتى صار إلى عكبرا، وكتب إلى الحجاج يعرفه خبره فكتب إليه، قد وفيت وسمعت وأطعت ونصحت فأقبل إلي، فصار إليه، ثم ردّه حين كثرت عنده الأمداد.
ويقال: إنه لم يبرح من الري، وكان بسطام بدير الجماجم على ربيعة، فاقتتلوا فحمل حتى دخل عسكر الحجاج فسبى نحوا من ثلاثين امرأة من بين أمة وسرية، فلما دنا من عسكر ابن الأشعث خلاهن، فقال الحجاج: أولى له، أما والله لو لم يفعلها لسبيت غدا نساءهم إذا ظهرت عليهم.
وكان أبو البختري وسعيد بن جبير يقولان: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١) ثم يحملان.
стр. 2919
حدثني يوسف بن موسى، ثنا جرير بن عبد الحميد عن معين عن البزيغ بن جبلة وخالد الضبي قال: سمعت الحجاج خطب على المنبر فقال: أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه أم رسوله في حاجته؟ فقال:
قلت: عليّ لله ألا أصلي خلفك أبدا، وإن رأيت قوما يجاهدونك أن أجاهدك. فخرج في الجماجم فقتل.
وقال أبو المخارق الراسبي: قاتلناهم مائة يوم أعدها، نزلنا دير الجماجم مع ابن الأشعث غداة يوم الثلاثاء في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وهزمنا يوم الأربعاء لأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة عند ارتفاع الضحى، وما كنا قط عليهم أجرأ منا في ذلك اليوم، خرجوا إلينا فاقتتلنا قتالا شديدا ونحن للهزيمة آمنون، وعليهم ظاهرون، ثم خرج علينا سفيان بن الأبرد الكلبي من قبل ميمنة أصحابه، فانحط على ميسرتنا وفيها الأبرد بن قرة التميمي فانكشف، فظن الناس أنه كوتب واستميل لأن الفرار لم يكن من عادته فتقوضت الصفوف لفعله، وركب الناس رؤوسهم به وصعد عبد الرحمن بن محمد منبره وجعل ينادي: عباد الله، أنا عبد الرحمن بن محمد. وجاءه قوم فأحاطوا به فيهم بسطام بن مصقلة وهو فارس الناس، وأتاه عبد الله بن يزيد بن المغفل أخو امرأته فقال له: انزل فإن الناس قد ذهبوا، وإن أهل الشام قد كثروا، وأنا أخاف إن لم تنزل أن تؤسر، ولعلك إن انصرفت عنهم أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به.
وقال الحجاج حين انهزموا: لا تتبعوهم، فنزل ابن الأشعث فخلى أهل العراق والعسكر ومضى مع بني جعدة حتى جاؤوا به قرية بني جعدة بالفلوجة، فعبروا وانتهى إليهم بسطام بن مصقلة فقال: أفيكم ابن محمد؟
стр. 2920
أفيكم الأمير؟ فلم يكلموه، فأتى أهله فأوصاهم ثم خرج من الكوفة فأتى المدائن ثم أتى مأمنه.
واستقبل مطر بن ناجية الناس فحمل على أصحاب الحجاج في خيل لبني حنظلة فخرقهم حتى جازهم، ثم حمل عليهم راجعا فقال الحجاج:
دعوهم لا تتبعوهم.
ثم إن الناس مضوا منهزمين، وجال أصحاب الخيل في متونها، واسودت الأرض من الرجالة، وتنحى عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة في ناس، ناس كثير فقاتلوا معه قتالا شديدا بعد ما ذهب أكثر النهار، وشغل الحجاج وأهل الشام عن الناس حين انهزموا وكثرت عليهم الأسراء فقتل بعضهم وعفا عن بعض كراهة أن يفنيهم، وقال من لثغورهم إذا ذهبوا؟ وأمر الحجاج فنودي: إن من رجع فهو آمن، ومضى حتى نزل دير النساء (١)، وكان على الكوفة من قبل عبد الرحمن بن محمد: عبد الله بن إسحاق بن الأشعث فهرب حتى لحق بعبد الرحمن بن محمد، ومضى عبد الرحمن إلى المدائن، ثم أتى مسكن الأهواز وهي بقرب تستر، واجتمعت إليه فلوله من أهل الكوفة وغيرهم وتلاوموا في الفرار.
وقال الهيثم بن عدي وغيره: أتى ابن الأشعث بعد الجماجم الكوفة فحمل ولده ونساءه وماله، ثم أتى المدائن فزحف إليه الحجاج فمضى نحو البصرة فقاتله الحجاج بفج دجيل.
стр. 2921
مقتل بسطام
وقد كان بسطام بن مصقلة لحق به، ثم إن بسطاما حلق رأسه وقال:
حتى متى تكون الحياة، وقاتل وخلق معه تبايعوا على الموت حتى قتلوا جميعا، فهدّ ذلك ابن الأشعث.
قالوا: وفصل ابن الأشعث من مسكن فأمر بقنطرة وشاذروان هناك فهدما فلم تصلح القنطرة إلى هذه الغاية.
قالوا: ورجع محمد بن مروان إلى الجزيرة وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام، وخلوا الحجاج والعراق، فجاء حتى نزل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم، فخالط اللحم منكم والعصب والأعضاء والأطراف، وجرى مجرى الدم ومضى إلى الأمخاخ والأصماخ فحشاها شقاقا ونفاقا وسوء رعة، ثم عشش فيها وباض وفرخ ودب ودرج، اتخذتموه دليلا تتابعونه وقائدا تطاوعونه فلن ينفعكم معه تجربة ولا تعظكم وقعة ولا يحجزكم إسلام ولا يكفكم بيان، ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم النكر وسعيتم بالغدر واجتمعتم على الكفر، فأقسم بالله إني لأرميكم بطرفي وإنكم لتسللون متفرقين كل امرئ منكم ناكس رأسه على عنقه حذار السيف رعبا وجبنا وذلا مكنه الله في قلوبكم، ويوم الزاوية وما يوم الزاوية بما كان فشلكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم ونكوص وليكم بعد أن غركم فوليتم أستاهكم السيوف هاربين لا يسأل الشيخ عن بنيه، ولا يلوي امرؤ على أخيه حتى عضكم السلاح وأقعصتكم الرماح، ويوم دير الجماجم وما دير الجماجم، كانت الملاحم والمعارك العظام بضرب يزيل الهام
стр. 2922
عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله، فما الذي اذكر منكم يا أهل العراق وما الذي أتوقع وما الذي استبقيكم له، إن بعثتكم إلى الثغور جبنتم، وإن أمنتم رجعتم، وإن خفتم نافقتم، لا تجزون بحسنة ولا تشكرون نعمة، هل استنبحكم نابح واستغواكم غاو واستخفكم ناكث واستفزكم عاص إلا بايعتموه وتابعتموه وكيفتموه وأجلبتم حوله؟! وهل شغب شاغب، ونعب ناعب، وظهر كاذب إلا كنتم أشياعه وأنصاره، يا أهل العراق لم تنفعكم التحارب وتحكمكم المواعظ عن سوء ما أتيتم واجتنيتم، ولا انتفعتم بالعبر في الوقائع، ولا وزعتكم موارد الأمور ومصادرها، ثم يا أهل الشام أنا لكم كالظليم المحافظ على فراخه ينفي عنهن القذر، ويباعد المدر، ويكنفهن عند المطر، ويحرسهن من الذباب. أنتم العدة والجنة إن حارب محارب وجانب مجانب، وما أنتم إلا كما قال نابغة بني جعدة:
تحين المنايا بأيديكم … ومن يك ذا أمل يكذب (١)
قالوا: ولم يدخل في الأمان إلا نحو من ألف، فأمر الحجاج مصقلة بن كرب بن رقبة العبدي بتوبيخهم وتصغير أنفسهم إليهم فجلس على كرسي يبايعهم ويوبخهم ويشتمهم، حتى جاء زهير بن مسلم الأزدي، وكان قد ولاه قبل ذلك ميسان، فقال الحجاج: يا هؤلاء ألا أعجبكم هذا الذي عهدي في يده ولم يجف خاتمه، ثم خرج علي.
وركب الناس وجوههم إلى المدائن حتى اجتمعوا إلى ابن الأشعث بمسكن وهو من الأهواز.
стр. 2923
وقال الهيثم: صار الحجاج إلى البصرة فوجه جيشا لمحاربة ابن الأشعث وضمه إلى ابنه محمد بن الحجاج فواقعه بمسكن فقتل بسطام بن مصقلة وجماعة بايعوه على الموت ثم بعد مسكن بالسوس ساعة من نهار، ثم إن ابن الأشعث انهزم وأصحابه حتى صاروا إلى سابور من فارس فاجتمعت إليه مع أصحابه الأكراد فقاتلهم عمارة قتالا شديدا ثم إنّ ابن الأشعث انهزم ومن معه. وقاتلت الأكراد بعد مضي ابن الأشعث عمارة قتالا شديدا على العقبة.
وأتى ابن الأشعث كرمان فتلقاه عمرو بن لقيط العبدي، وكان خلفه عليها، فهيأ له نزلا، وقال رجل من عبد القيس لابن الأشعث: والله لقد بلغنا أنك كنت جبانا؟ فقال: والله ما جبنت، ولقد دلفت بالرجال إلى الرجال ولففت الخيل بالخيل، وقاتلت فارسا وراجلا وما تركت العرصة للقوم حتى لم أجد مقاتلا، ولكن زاولت ملكا مؤجلا له مدة.
وأمد الحجاج عمارة بن تميم بخيل كثيفة، وأمر محمدا ابنه بالانصراف إليه، وولى عمارة بن تميم سجستان، ثم إن ابن الأشعث فوز بمن معه في مفازة كرمان، وأهل الشام يتبعونه، فدخل بعض الشاميين فضلّ في المفازة، فإذا فيه شعر كتبه بعض أصحاب ابن الأشعث في صحيفة، ويقال في حائط:
أيا لهفي ويا حزني جميعا … ويا حرّ الفؤاد لما لقينا
تركنا الدين والدنيا جميعا … وأسلمنا الحلائل والبنينا
ألا كنا أناسا أهل دين … فنصبر للبلاء إذا ابتلينا
стр. 2924
ألا كنا أناسا أهل دنيا … فنمنعها وإن لم نرج دينا
تركنا دورنا لطغام عك … وأنباط القرى والأشعرينا
ثم إن ابن الأشعث سار إلى مدينة زرنج بسجستان وفيها رجل من بني تميم كان خلفه عليها يعرف بالبعار، فلما علم أن ابن الأشعث منهزم، أغلق باب المدينة دونه ومنعه من دخولها التماسا للتقرب بذلك إلى الحجاج وتلافي أمره عنده، فأقام عنده، فأقام ابن الأشعث عليها أياما فلما لم يصل إليها أتى بست فاستقبله عياض بن عمرو السدوسي صاحبه بها وقال له: انزل، فجاء حتى نزل، فلما تفرق أصحابه في المنازل وأغفلوه وثب عليه فأوثقه ليأمن بها عند الحجاج ويتخذ لديه مكانة.
وعلم رتبيل بمقدم ابن الأشعث فاستقبله في جنوده، فلما أوثق ابن الأشعث ذهب رجال من أصحابه يركضون حتى استقبلوا رتبيل فأخبروه بما ركب عياض صاحبه منه، فجاء رتبيل حتى أحاط ببست، ثم نزل وبعث إلى عياض فقال: والله لئن أقذيت عينه أو ضررته أدنى مضرة أو رزأته حبلا من شعر، لا أبرح حتى أقتلك وجميع من معك، ثم أسبي ذراريكم.
فأرسل إليه: أعطنا أمانا على أنفسنا وأموالنا، ونحن ندفعه إليك سالما موفورا، فأمنهم ففتحوا الباب لابن الأشعث وخلوا سبيله.
واستأذن ابن الأشعث رتبيل في قتل عياض فقال: قد أمنته، قال:
فأذن لي في الاستخفاف به فأذن له في ذلك، فأمر أن يوجأ عنقه ثم تركه، ويقال إن رتبيل وجه من يخلص ابن الأشعث وقدم إليه بعياض، ولم يتولّ أمره.
стр. 2925
ولما صار ابن الأشعث إلى رتبيل أعظمه وأكرمه وقام له الأتراك ولمن معه، ووفى بما كان بينه وبينه قبل شخوصه عن سجستان.
وقدم فلال ابن الأشعث عليه من كل وجه، فاجتمع إليه منهم عشرون ألفا فأمروا عليهم عبد الرحمن بن العباس الهاشمي، وحاولوا فتح زرنج، وكتبوا إلى ابن الأشعث فأتاهم فلما صار بزرنج وفتحها أخذ البعار فضربه وحبسه.
وقال أصحاب ابن الأشعث حين قرب منهم عمارة بن تميم بن فروة اللخمي: أخرج بنا من سجستان ودعها لأصحاب الحجاج وائت خراسان، فقال: إن بخراسان يزيد بن المهلب وهو رجل شاب شجاع ولن يترك لكم سلطانه لو دخلتموها، ولن يدع أهل الشام أيضا اتّباعكم فأكره أن يجتمع عليكم أهل الشام وجند خراسان.
فقالوا: إنما أهل خراسان منا، نرجو إن دخلتها أن يكون من يتبعك منهم أكثر ممن يقاتلك. وهي أرض طويلة عريضة نتنحّى منها إلى حيث شئنا إن أردنا التنحي، ونقيم بها إلى أن يهلك الله عبد الملك والحجاج ونرى من رأينا.
فقال: سيروا على اسم الله، فسار ابن الأشعث بأصحابه حتى قرب من هراة فلم يشعر حتى فارقه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشي في ألفين، وأخذ طريقا غير طريقهم، وجعل يفسد الناس على ابن الأشعث.
وقال بعضهم: أتى البصرة بعد ذلك فغلب عليها ثم هرب.
وقال ابن الأشعث لأصحابه إني قد شهدت بكم هذه المواطن فليس منها مشهد إلا وأنا أصبر لكم فيه نفسي حتى لا يبقى معي منكم أحد، فلما
стр. 2926
رأيت أنكم لا تقاتلون ولا تصبرون أتيت ملجأ ومأمنا، فكنت به فجاءتني كتبكم بأن أقبل إلينا فقد اجتمعنا بزرنج، وأمرنا واحد، وكلمتنا مجتمعة، فأبيتم قتال عدوكم ورأيتم أن نمضي إلى خراسان، وزعمتم أنكم مجتمعون لي وأنكم لن تتفرقوا عني، وهذا عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة قد صنع ما رأيتم فحسبي منكم فاصنعوا ما بدا لكم فإني منصرف إلى صاحبي الذي أتيتكم من عنده، فمن أحب منكم أن يتبعني فليفعل، ومن كره ذلك فليذهب إلى حيث أحبّ في خيار من الله.
فتفرقت منهم طائفة، وخرجت معه منهم طائفة حتى أتوا معه رتبيل، وبقي عظم العسكر فوثبوا إلى عبد الرحمن بن العباس الهاشمي فبايعوه.
وانتهوا إلى هراة فلقوا بها الرقاد الأزدي فقتلوه.
وسار إليهم يزيد بن المهلب فلقي عبد الرحمن بن العباس ومعه خلق كثير فقاتلهم بهراة فهزمهم يزيد وفلهم وقتل خلقا منهم فما أحصوا إلا بالقصب، وأخذ رؤوس من معهم أسرى فكان فيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص وعمر بن موسى بن عبد الله بن معمر التيمي، وكان على شرطته بعد الجماجم، وعتبة بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، وعاصم بن قيس التميمي.
وأسر يومئذ الهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس، وعياض بن الأسود بن عوف الزهري، ويقال إنه قتل بالزاوية.
وعبد الرحمن بن طلحة الطلحات الخزاعي، ويقال يزيد بن طلحة الطلحات. وفيروز حصين المنسوب إلى حصين العنبري، وكان مولاه فحبس ابن طلحة الطلحات عنده وأمنه، وبعث بالباقين إلى الحجاج،
стр. 2927
ويقال إنه صفح عن جميع الأسراء اليمانية وبعث بمن سواهم فقال الحجاج لمحمد بن سعد حين رآه، وكان أحول أسود: هذا ظل الشيطان، وثّاب في كل فتنة، ألست صاحب يوم الحرة تقتل أصحابك كما تقتل عدوك، قال:
أوليس ذاك كان أحب إليك، قال: أما والله لا تقاتل بعدها في فتنة أبدا ثم ليصلينّك الله نارا كلما خبت زيدت سعيرا. فقال: إن الله قد أعدها لك ولقومك أكباد الحمر، وأما أنا فقد والله حشدت عليك فيمن حشد وجهدت مع من جهد، وايم الله ما أعطيت بيدي طائعا، ولكني ضربت بسيفي حتى انقطع. فأمر به الحجاج فقتل.
ويقال إنه قال: يا ظل الشيطان أنت أعظم الناس كبرا وتيها، تأبى بيعة يزيد بن معاوية تشبها بابن عمر والحسين ثم تتابع حواك كندة؟ فقال له: ملكت فأسجح، فضرب عنقه.
ثم دعا بعمر بن موسى بن عبد الله فقال: أنت صاحب شرطة عبد الرحمن بن عباس؟ فقال: أصلح الله الأمير، كانت فتنة شملت البر والفاجر، فدخلنا فيها وقد أمكنك الله منا فإن عفوت فبحلمك وفضلك، وإن عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين.
فقال: أما قولك: شملت البر والفاجر فقد كذبت فيه، ما شملت إلا الفجار ولقد عوفي منها الأبرار، أما اعترافك بذنبك فعسى أن ينفعك، فعزل ناحية ورجا له الناس السلامة.
وقال للهلقام: ما رجوت من اتباع ابن الأشعث؟ أظننت أنه يكون خليفة؟ قال: نعم قد رجوت أن يكون خليفة وطمعت في ذلك، وأن ينزلني منه بمنزلتك من عبد الملك، فغضب وقال: اضربوا عنقه.
стр. 2928
ونظر إلى عمر بن موسى وقد نحي، فقال: اضربوا عنقه فقتل، ويقال إنه قال لعمر بن موسى:
أتقوم بالعمود على رأس ابن الأشعث الحائك، وتشرب معه الشراب، يا فرزدق أنشده ما قلت فيه فانشده.
أخضبت أيرك للزناء ولم تكن … يوم الهياج لتخضب الأبطالا (١)
قال: فوالله لقد أكرمته عن عقائل نسائكم.
وقتل عتبة بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة وجميع الأسراء.
وكان يزيد بن المهلب أمر حين انهزم عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ومن معه أن لا يتبعوا، فهرب عبد الرحمن إلى السند فمات بها.
وكان ممن خرج مع ابن الأشعث: ببة، وهو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فلحق بعمان وهو شيخ كبير فمات بها.
وقال المدائني في إسناده: لما خرج ابن الأشعث من هراة، أشار عليه مودود بن بشر العنبري ألا يأتي رتبيل وأن يتحصن ويقاتل حتى يظفر أو يؤمن أو يموت كريما فأبى، وأتى رتبيل وأقام مودود متحصنا في مدينة زرنج، فأتاه عمارة بن تميم اللخمي في أهل الشام فحصره حينا ثم أمنه وأصحابه فوفى لهم الحجاج وقال لمودود: أي الأرض أحب إليك؟ قال: البصرة. قال: فأيها أبغض إليك قال: عمان. فسيره إلى عمان. وفي مودود يقول بعض همدان ممن كان مع عمارة:
стр. 2929
لله عينا من رأى من فوارس … أكر على المكروه منهم وأصبرا
فما برحوا حتى أعضوا سيوفهم … بذي الهام منا والحديد المسمرا
فلو أنهم لاقوا قواما مقاربا … ولكن لقوا موجا من البحر أخضرا
مقتل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث
قالوا: ولما صار عبد الرحمن إلى رتبيل منصرفه من خراسان وأقام عنده. كتب الحجاج إلى رتبيل: «أما بعد فإن الكذاب الشرود عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب، فأما معدي كرب فإنه عاهد مهرة فغدر بهم فظفروا به فجدعوا أنفه وأذنيه، وشقوا بطنه وملأوه حصى، وأما قيس فإنه عاهد مذحج ثم غدر بهم فقتلوه، وأما الأشعث فإنه كفر بعد إيمانه وغدر بقومه فأسلمهم لينجو، وأما محمد فغدر بأهل طبرستان وهذا رجل غدار فاجر مائق معرق له في الغدر والفجور، فلا تثق به ولا تمنعه ولا تؤوه».
وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في ابن الأشعث بالوعيد والترغيب والترهيب، حتى كان خوفه أكثر من رجائه، وقال في بعض كتبه: «لئن لم تسلمه وتبعث به إلي أو تخرجه من بلادك إلى غير حرز لأبعثن إليك مائة ألف ومائة ألف من أهل الشام والجزيرة وأرمينية وأهل خراسان، ولئن أسلمته أو أخرجته لأضعن عنك الأتاوة سبع سنين.
وكان عند رتبيل رجل من بني يربوع يقال له عبيد بن سبع بن أبي سبع، فقال لرتبيل: أنا آخذ لك من الحجاج أمانا وكتابا بوضع الخراج عن أرضك سبع سنين، ولا تغزى، على أن تدفع عبد الرحمن بن محمد إليه.
стр. 2930
فسفر بينه وبينه عمارة بن تميم، ويقال إنه أتى الحجاج فتوثق منه لرتبيل.
وبعث رتبيل إلى الحجاج برأس ابن الأشعث، فوفى له الحجاج بالصلح، فيقال أن ابن الأشعث مات حتف أنفه، فلما أرادوا دفنه احتز رتبيل رأسه وبعث به إلى الحجاج، ويقال بل دس له شربة أضنته وقتلته، فأخذ رأسه حين مات وبعث به إلى الحجاج فكانت امرأته مليكة - كما زعموا - تقول: مات ورأسه على فخذي، فلما أرادوا دفنه أمر رتبيل فاحتز رأسه، وكان قد أصابه السل.
وقال الهيثم بن عدي عن أشياخه: كان عبيد بن سبع مولى بني تميم تاجرا يدخل بلدان رتبيل وكان عاقلا، وهو كان الداخل بين ابن الأشعث ورتبيل في الصلح، فبلغ ابن الأشعث عنه شيء فأراد قتله، فصار عليه، فلم يزل يحذر رتبيل الحجاج ووفاءه بما كان يتوعده به، ويخوفه أهل الشام، وقال: ابعثني أتوثق لك وعمارة ففعل، واشترط له عمارة ألا تؤخذ الجزية منه عشر سنين ولا يغزى.
فكتب عمارة بذلك إلى الحجاج فأنفذه الحجاج وأجازه، فلما هم رتبيل بالغدر بابن الأشعث قال له: فرق أصحابك فإن البلاد لا تحملهم، ففعل، ثم صنع طعاما فحضره وجعل يعظمه، وأمر أساورته فكفروا له، وأقبل على طعامه، ثم أشار إلى أساورته بأن يأخذوه ومن معه في البيت من آل الأشعث.
وتسامع أصحاب ابن الأشعث بذلك فهربوا على وجوههم، وأخذ من أهل بيته جماعة يقال ثمانية عشر، ويقال سبعة وعشرين فبعث بهم إلى
стр. 2931
عمارة فقتلهم جميعا، وبعث بابن الأشعث إلى الحجاج فرمى بنفسه من قصر أنزله في طريقه فمات فأخذ رأسه.
وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني في إسناده: أتى عبيد بن سبع عمارة وهو ببست فقال: ما تجعلون لي ولرتبيل إن دفع إليكم ابن الأشعث؟ فجعل له ثلاثمائة ألف درهم وجعل لرتبيل ألا يؤخذ منه الخراج سبع سنين ولا يغزى.
وكتب إلى الحجاج أن عبيد بن سبع أحد بني يربوع ذكر كذا وسأل كذا. فكتب إليه: أعطه ما سأل لنفسه، وأعط رتبيل ما سأل له.
ثم قدم على رتبيل فقال له: ما كنت صانعا فاصنعه فقد توثقت لك وإلا أتاك ما لا قبل لك به من جنود أهل الشام والمصرين والجزيرة وخراسان، وهيّبه الحجاج، وأخبره بغدر ابن الأشعث، فأجابه إلى إسلام ابن الأشعث.
وجاء ابن الأشعث فدخل على رتبيل فلما جلس قام رتبيل فقال: قد جاشت نفسي. وترك ابن الأشعث في المجلس فقام إليه النعار، وقد كان أخرج من محبسه فضرب رأسه بعمود حديد كان معه فشجه وأثخنه، فقال:
ويلك أخذت لها جعلا.
ثم أخذوا ابن الأشعث فأوثقوه وناسا من آل ابن الأشعث، وقيل لأصحابه إنكم آمنون فاذهبوا حيث شئتم، وبعث بابن الأشعث ومن معه من حرمه إلى عمارة بن تميم اللخمي لينفذهم إلى الحجاج ووكل بهم جماعة من جند رتبيل فسلموهم إلى عمارة بن تميم.
стр. 2932
وصير عليهم عمارة رجلا من بني تميم وسير معه رجلا من بني ربيعة بن حنظلة كان أتى عنزا فلقب أبا العنز، فجعل مع ابن الأشعث في سلسلة واحدة. فلما صار بالرخج رمى ابن الأشعث نفسه من جبل، ويقال من فوق سطح عال كان إلى الطريق وأبو العنز فوقه فتدهدى وأبو العنز يقول له:
أنشدك الله والصحبة، فلما وافيا الأرض مات أبو العنز، ثم لم يلبث ابن الأشعث أن مات.
واحتز رأسه وحمل إلى الحجاج، وقدم بالقاسم بن محمد وأهل بيته ومليكة بنت يزيد الأزدي امرأة عبد الرحمن وأمه على عمارة فحملهم، فقال الحجاج: يا مليكة: أسلطاننا خير أم سلطان رتبيل فظنّت أنه عرض بها فقالت: ما كنت فحاشا. فقال: إني لم أذهب إلى حيث ذهبت. فقالت:
سلطانك خير لنا.
وقال الحجاج لأم عبد الرحمن: ويقال لأمرأته: أخذت مال الله فوضعته تحت ذيلك، فقال عنبسة بن سعيد بن العاص: لقد أعففت المنطق، قال: أفكنت تراني أقول الأخرى؟ ولما رأى الحجاج رأس ابن الأشعث قال: لقد كنت عالما بتيهه وموقه وسخافة عقله، ولكن الله أراد أن يهلك به جيلا من خلقه كانت له فيهم نقم. وتمثل:
أبى حينه والموت إلا تهورا … فلاقاه عبل الساعدين شتيم
كريه المحيا باسل ذو عرامة … فروس لأعناق الكماة أزوم
стр. 2933
فقال ناعصة بن يزيد القيني. ويقال إنه من غير القين: لا يبعد الله إلا من عصاك. قالوا: وبعث برأسه إلى عبد الملك، فبعث به عبد الملك، إلى عبد العزيز بمصر، فقال الشاعر:
هيهات موقع جثة من رأسها … رأس بمصر وجثة بالرّخج
قتلوه قسرا ثم قالوا بايعوا … وجرى البريد برأس قرم أبلج
وقدم بالقاسم بن محمد ومن معه من أهله على الحجاج فاستبقى القاسم ولم يقتله.
قال: ولم يقتل من آل ابن الأشعث أحدا يعرف غير عبد الرحمن وعبد الله بن إسحاق بن الأشعث. وكان عبد الرحمن بن محمد ولى عبد الله بن إسحاق الكوفة فلما هزم عبد الرحمن خرج وهو يريد عبد العزيز بمصر وكان ابن خالته، فأخذ طريق السماوة فانتهى إلى ماء من مياه كلب. فنزله فوجد الأعراب منه ريح الطيب فقالوا: إن لهذا شأنا، ولم يعلمهم من هو فأخذوه فأتوا به عبد الملك فضرب عنقه.
وكانت أم عبد الله بن إسحاق الشعثاء بنت زبّان بن الأصبغ الكلبي، وأم عبد العزيز ليلي بنت زبان.
وقال هشام ابن الكلبي: خرج الحجاج في أيامه تلك ومعه حميد الأريقط وهو يقول:
ما زال يبني خندقا ويهدمه … هيهات من مصعده منهزمه
إن أخا الكظاظ (١) … من لا يسأمه.
стр. 2934
فقال الحجاج: هذا أصدق من قول الفاسق أعشى همدان:
إن بني يوسف للزل انزلق، وقد تبيّن من زال وتب. ومن دحض فانكبّ.
ورفع صوته ففرغ الأريقط فقال له: مالك؟ قال: إن سلطان الله عزيز، ورأيتك قد غضبت فأرعدت خصائلي واسترخت مفاصلي وأظلم بصري. فقال: صدقت. إن سلطان الله عزيز فعد إلى ما كنت فيه.
وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: كان صلح رتبيل سنة ثلاث وثمانين والمدة سبع سنين ويقال تسع، ويقال عشر سنين.
قالوا: وكان مع ابن الأشعث عبد الرحمن اليحصبي، وكان أطول الناس صلاة، فهرب إلى خراسان ودخل حائطا ليصلي وبعث غلامه إلى السوق ليبتاع له ما يصلحه فجاء ناس فجلسوا إلى جنبه وظنوا أن معه مالا فوثبوا عليه وهو قائم يصلي فقتلوه ثم نظروا فإذا ليس معه شيء.
وقال المدائني: كان عباد بن الحصين الحبطي مع ابن الأشعث وأشار عليه بأشياء بلغت الحجاج، فهرب إلى سجستان وصار إلى ناحية كابل، واعتزل في قرية هناك، وكان صاحب القرية شابا فكان يراسل أمة له، فسقى عبادا يوما شيئا فقتله فوثب ابنه جهضم، وبه كان يكنى. على العلج فقتله فاجتمع أهل تلك القرية على بنيه ومن معه فقاتلوهم فقتلوا بعضهم، فيقال إن جهضما قتل يومئذ، ويقال أن الحجاج ظفر به فقتله لخروجه مع ابن الأشعث.
وقال عوانة وغيره: بدأت فتنة ابن الأشعث في سنة اثنتين وثمانين وانقضت سنة ثلاث وثمانين، ومات عبد الملك سنة ست وثمانين.
стр. 2935
قالوا: وكتب عبد الملك إلى الحجاج: «أن جمّر أهل العراق وتابع عليهم البعوث واستعن عليهم بالفقر فإنه جند الله الأكبر. ففعل ذلك بهم سنتين. ثم إنه كتب إلى عبد الملك كتابا يقول فيه: «إن الله إنما نصرنا بطاعته والوفاء ببيعة خليفته، وإنما هلك أهل العراق. بمعصيتهم وخلافهم ونكثهم. وإن لهم في هذا الفيء حقا ونصيبا، وإنى أخاف إن حبسناه عليهم أن ينصروا علينا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لهم بحقوقهم فليفعل. وإلا فلا يحرمن أمير المؤمنين الذرية الذين لا ذنوب لهم».
فكتب إليه أن: «آمر للناس جميعا من أهل المصرين مقاتلتهم وذريتهم بحقوقهم»، فوضع للحجاج سريره في المسجد، ثم دعا الناس بعد الجماجم بسنتين فأعطاهم عطاءين للسنة الأولى والثانية.
وعزل الحجاج عمارة بن تميم اللخمي وولى عبد الرحمن بن سليم الكلبي ثغر سجستان فظفر عبد الرحمن بعطية بن عمرو العنبري وخرشة، وكانا متحصنين في القلعة وبعث بهما إلى الحجاج، فقتلهما وصلبهما على بابي منزليهما.
قالوا: وكان منادي الحجاج حين هزم أهل دير الجماجم نادى: من لحق بقتيبة بن مسلم فهو آمن، فلحقت به جماعة.
стр. 2936
أمر الشعبي
وكان منهم عامر بن شراحيل الشعبي وكان قتيبة بالري، وسأل الحجاج عن الشعبي فأخبره يزيد بن أبي مسلم، مولى الحجاج، بمصيره إلى قتيبة، فكتب إلى قتيبة باشخاصه فلما قدم به استشار ابن أبي مسلم في أمره فقال: ما أدري ما أشير به، غير ان اعتذر ما استطعت، فلما دخل على الحجاج سلم بالإمرة ثم قال: أيها الأمير إن الناس أمروني أن اعتذر إليك بغير الحق، وايم الله لا قلت في مقامي هذا إلا حقا، قد والله سعرنا عليك الحرب واجتهدنا كل الجهد فما ألونا، ولقد نصرك الله علينا وظفرك بنا، فإن سطوت علينا فبذنوبنا وما كسبت أيدينا، وإن عفوت فبحلمك عنا وبعد الحجة علينا.
فقال: أنت والله أحب إلي قولا ممن يدخل علينا وسيفه يقطر من دمائنا فيقول والله ما فعلت ولا شهدت، فقد أمنت عندنا يا شعبي فانصرف، قال الشعبي: ثم دعاني فارتعت حتى ذكرت قوله أنت آمن عندنا فاطمأننت، فلما دخلت عليه قال: هيه يا شعبي. فقلت: أصلح الله الأمير، أوحش الجناب وأحزن المنزل ونبا بنا، واستشعرنا الخوف، واكتحلنا السهر، واستحلسنا
стр. 2937
البلاء، وفقدنا الصالحين من الإخوان - أو قال صالحي الإخوان - وشملتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء، وما أعتذر إلى الأمير ألا أكون شيعت عليه، وقد كنت أكتب إلى يزيد بن أبي مسلم بعذري وأعلمه حالي فصدقه يزيد. فقال الحجاج: قد قبلت عذرك يا شعبي، وأمر بعطائه فرد عليه وقال: انصرف مصاحبا.
حدثنا يوسف بن موسى القطان عن جرير عن مغيرة قال: دخل الشعبي على الحجاج فقال له: ما الذي نقمت؟. قال: لا يسألني الأمير ما نقمت ولكن ليسلني لم بطرت.
حدثني عمر بن شبّة، ثنا حفص بن اسماعيل عن عيسى الحناط قال:
لما ظهر الحجاج على ابن الأشعث، جعل يؤتى بالناس فأتي بالشعبي فقال:
هيه يا شعبي. قال: أصلح الله الأمير، أجدب الجناب واعترانا السهر، وامتلأنا رعبا، وأتينا فتنة لم نكن فيها أبرارا أتقياء ولا فجارا أقوياء. قال:
صدق الشعبي، خلّو سبيله.
وروي عن مخلد بن الحسن عن أسماء بن عبيد عن الشعبي قال: هربت من الحجاج فأتيت المدينة.
حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي قال: لما انهزم ابن الأشعث ضاقت بي الأرض وكرهت ترك عيالي وولدي، فأتيت يزيد بن أبي مسلم، وكان لي صديقا، وكانت الصداقة تنفع عنده، فقلت: قد صرت إلى ما ترى؟ قال: إن الحجاج لا يكذب ولا يخدع ولكن قم بين يديه وأقر بذنبك واستشهدني على ما شئت، قال: فوالله ما شعر الحجاج إلا وأنا قائم بين يديه فقال: أعامر؟ قلت: نعم أصلح الله الأمير. قال: ألم أقدم
стр. 2938
العراق فأحسنت إليك ووفدتك إلى أمير المؤمنين واستشرتك؟ قلت:
بلى. قال: فأنى كنت في هذه الفتنة؟ قال: استشعرنا الخوف، واكتحلنا السهر، وأحزن بنا المنزل وأوحش الجناب وفقدنا صالحي الإخوان وشملتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء، وقد كنت أكتب إلى يزيد بن أبي مسلم بعذري. فصدقه يزيد، فقال الحجاج: هذا، لا من ضربنا بسيفه ثم جاءنا بالأحاديث كان وكان.
حدثنا أبو أيوب سليمان بن المعلم الرقي عن عيسى بن يونس، عن عباد بن موسى عن الشعبي قال: أتي بي الحجاج، فلما انتهيت إلى الباب لقيني يزيد بن أبي مسلم، فقال: إنا لله يا شعبي لما بين كفيك من العلم، وليس بيوم شفاعة، بؤ الأمير بالشرك والنفاق على نفسك فبالحري أن تنجو، ثم لقيني محمد بن الحجاج فقال مثل مقالة يزيد. فقال لي الحجاج: وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا؟. فقلت: أصلح الله الأمير، أحزن بنا المنزل، وأجدب الجناب، وضاق المسلك، واكتحلنا السهر واحتلسنا الخوف ووقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء.
فقال: صدق والله، ما بروا بخروجهم ولا قووا بحمد الله علينا إذ فجروا، أطلق عنه.
ثم قال: ما تقول في أم وأخت وجد. قلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ : عثمان بن عفان، وعلي وعبد الله بن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت. قال: ما قال فيها ابن عباس إن كان لمتقنا؟. قلت:
جعل الجد أبا فأعطى الام الثلث ولم يعط الاخت شيئا. قال: فابن مسعود؟ قلت: جعلها من ستة فأعطى الأخت النصف ثلاثة، والجد الثلث اثنين،
стр. 2939
والأم سدسا. قال: فأمير المؤمنين عثمان؟ قلت: جعلها أثلاثا. قال: فزيد بن ثابت؟ قلت: جعلها من تسعة، أعطى الأم الثلث ثلاثة والجد أربعة، والأخت اثنين. قال: فأبو تراب؟ قلت: جعلها من ستة، أعطى الأخت النصف ثلاثة، والأم الثلث، والجد السدس. فقال: مروا القاضي أن يمضيها على قول أمير المؤمنين عثمان.
وقال الهيثم بن عدي: فارق ابن الأشعث عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة فأتى زابلستان فأقام بها برهة من دهره، ثم صار إلى خراسان فحبسه قتيبة بن مسلم، وخرج ابنه أبو بكر بن عبيد الله إلى عبد الملك فطلب له الأمان فأمنه وكتب بذلك إلى الحجاج، فرتب الحجاج أمره، وبعث إلى قتيبة رسولا ودفع إليه زبيبة وقال: ضعها في يد قتيبة ثم اغمز عليها، ففعل، فبعث قتيبة إلى عبيد الله من غمه حتى قتله - وكتب الحجاج إلى عبد الملك أن رسوله وافاه وقد مات.
وقال المدائني: لما هزم ابن الأشعث من مسكن هرب عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة إلى خراسان فاستخفى بها فعلم به يزيد بن المهلب فأخذه وحبسه، وكان قد فارق ابن الأشعث. فلما عزل يزيد وولي المفضل بن المهلب كتب إليه الحجاج في قتله، فكتب إليه: «إنه لما به، وستكفاه بغير قتله»، فلما ولي قتيبة خراسان ومات عبد الملك خرج أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الرحمن إلى الوليد فكلمه في أبيه فكتب إلى الحجاج بأمانه، وبلغ الحجاج الخبر فسبق بتوجيه رجل إلى قتيبة فقتله ودفنه.
стр. 2940
أمر سعيد بن جبير
حدثني عدة من المشايخ قالوا: سمعنا أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: خرج مع ابن الأشعث من أهل الكوفة: سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن عوسجة، والشعبي، وذر، وطلحة بن مصرف، وعبد الله بن شداد، وأبو البختري الطائي، والحكم بن عتيبة، وعون بن عبد الله فيما يقال، ومن أهل البصرة: مسلم بن يسار، وجابر بن زيد أبو الشعثاء الأزدي، وعقبة بن عبد الغافر، وقتل معه، وأبو الجوزاء وقتل معه، وعبد الله بن غالب وقتل معه، وعقبة بن وساج، وطلق بن حبيب، وأبو شيخ الهنائي، من الأزد، واسمه خيوان بن خالد.
وقال أبو نعيم: كان مع ابن الأشعث ثمانون ألف فارس ومائة واثنان وعشرون ألف راجل. قالوا: وكان خالد بن عبد الله القسري عامل الوليد بن عبد الملك بمكة، وكان سعيد بن جبير هرب إلى مكة فاستخفى بها حتى مات عبد الملك ثم ظهر، فكتب الحجاج إلى خالد في إشخاصه واشخاص طلق بن حبيب العنزي، فأشخصهما إليه فقتلهما.
стр. 2941
وقال المدائني: أخذ سعيد بن جبير خالد بن عبد الله القسري بمكة فحمله إلى الحجاج مع اسماعيل بن أوسط البجلي، فقال له: ألم أقدم العراق فأكرمتك؟ وذكر له أشياء فعلها به، فقال: بلى، قال: فما أخرجك علي.
قال: كانت لابن الأشعث بيعة في عنقي وعزم علي، فغضب وقال: رأيت لعدو الله الحائك عزمة لم ترها لله ولخليفته ولي؟ والله لا أرفع قدمي حتى أقتلك وأعجل بك إلى النار، قال: إذا أخاصمك بين يدي الله، قال: أنا أخصمك، قال: ان الحاكم يومئذ غيرك، فأمر بقتله، فقام إليه مسلم الأعور ومعه سيف عريض حنفي، فضرب به عنقه.
حدثني محمد بن أبان الواسطي عن جرير بن حازم، وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن الزبير الحنظلي أن الحجاج وجه سعيد بن جبير في جيش الطواويس وأعطاه ألفي ألف درهم، وولاه نفقات الجيش وقال له: إذا رأيت خللا فسدّه، ومن كان من ضعيف فاحمله، ومن جريح فانفق عليه، وولاه أمر الغنائم إذا غنم الجيش، فخرج عليه مع ابن الأشعث، وكان يقول: ما خرجنا عليه حتى كفر بالله.
المدائني عن جرير بن حازم قال: قال سعيد بن جبير: أليس كافر بالله من زعم أن عبد الملك أكرم على الله من محمد رسول الله ﷺ .
المدائني عن يحيى بن زكرياء عن سالم الأفطس قال: لما قتل الحجاج سعيد بن جبير عرفوا تغير عقله لأنه قتله، ثم قال: قيود، ثم دعا بها ليقيده.
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ، حدثني علي بن نصر الجهضمي قال: كان خالد بن خليفة يحدث عن بواب الحجاج قال: ضربت عنق سعيد بن جبير فبدر رأسه وهو يقول: لا إله إلا الله.
стр. 2942
المدائني عن عبد الله بن مروان قال: لما أمر الحجاج بقتل سعيد بن جبير جاءت خالة له فدفع إليها يده فقبلتها، وقال له الحجاج حين أدخل عليه: أنت شقي بن كسير. قال: لا بل سعيد بن جبير. قال: ألم أصنع بك؟ ألم أكرمك، ألم أولّك ألم أأتمنك؟. قال: بلى. قال: فواله لأقتلنك.
قال: إذا أخاصمك غدا. قال: إذا أخصمك يا عدو الله. فضحك سعيد، فقال: ما يضحكك؟. قال: التعجب من جرأتك على الله.
المدائني عن أبي مريم صاحب الدستوائي قال: رأيت سعيد بن جبير مقيدا بمكة، واستأذن خالد بن عبد الله في توديع البيت، فأذن له فطاف أسبوعا وهو مقيد، وقد اتكأ علي، أو قال على رجل، فقال: اللهم إن كنت قضيت للحجاج قتلي فاجعل ذلك كفارة لذنوبي.
المدائني عن محمد بن ذكوان قال: أخذ سعيدا عبد الله بن أسد ابن أخي خالد فقال له: قد كنت أكره أن يجري أمرك على يدي. قال: فهلا إذ كرهت ذلك قلت كما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (١).
وكان الكرى (٢) الذي حمل سعيد بن جبير زيد بن مسروق اليربوعي، والذي أدخله إلى الحجاج اسماعيل بن أوسط البجلي.
المدائني عن رجل عن عمرو بن أبي وحشية قال: رأيت رأس سعيد بن جبير في فم كلب يعدو به بين الأطناب.
стр. 2943
المدائني عن عمرو بن هشام قال: قيل لسعيد بن جبير: إنّ الحجاج إذا أخذ رجلا كان مع ابن الأشعث فأقر له بالكفر، خلى سبيله، وإن الحسن (١) قال يدفع عن نفسه، فقال سعيد بن جبير: يرحم الله أبا سعيد، لا تقية في الإسلام.
المدائني عن جرير بن حازم عن واصل عن عبد الله بن سعيد بن جبير قال: قتل أبي وله تسع وأربعون سنة.
وحدثنا عفان بن مسلم، ثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر عن سعيد بن جبير قال: أنا ممن أنعم الله عليه ببني أسد.
المدائني عن محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: رأى خالد بن عبد الله سعيد بن جبير وطلق بن حبيب العنزي ورجالا يطوفون بقيودهم فقال: ما هؤلاء؟ قال: الأسراء الذين أمرت بحملهم قال:
امنعوهم من الطواف.
حدثني عمر بن شبه، ثنا أبو عاصم النبيل عن رجل عن جرير عن مغيرة أن الحجاج كان يعرف سعيد بن جبير فسأله مالخبر، فقال سعيد:
تركت الخمر تباع بالكوفة ظاهرة، ويباع الحكم بالرشا، فقال الحجاج: والله لئن وليت لاغيرن، فلما قدم رد شريحا على القضاء، ومنع أن تباع الخمر.
المدائني عن جرير بن حبيب بن أبي عمرة أن الحجاج أمر سعيد بن جبير أن يصلي بالناس في شهر رمضان، فصلى بهم فكساه الحجاج برنوس خزّ أسود فلبسه.
стр. 2944
حدثني عمر بن شبه، ثنا أبو عاصم النبيل، أنبأنا عمرو بن قيس قال:
كتب الحجاج إلى الوليد: «إن قوما من أهل الشقاق والنفاق قد لجأوا إلى مكة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي فيهم»، فكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسري فيهم، فأخذ عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهدا، وطلق بن حبيب، وعمرو بن دينار. فأما عطاء وعمرو فخليا، وأما الآخرون فبعث بهم إلى الحجاج، فمات طلق في الطريق، وحبس مجاهد حتى مات الحجاج، وقتل الحجاج سعيد بن جبير.
حدثني عمرو بن محمد الناقد عن عبد الله بن نمير عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: أخذ خالد القسري سعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وحبيب بن أبي ثابت، وأصحابهم فقيدوا، فكانوا يطوفون بالبيت في قيودهم.
قالوا: وبعث إبراهيم إلى سعيد في السر: إنّ القوم لن يستحيوك فاصلب لهم.
حدثني العباس بن الوليد النرسي، ثنا عبد الواحد بن زياد عن الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به فبكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: الذي أرى بك، قال: فلا تبك فإن هذا كان في علم الله، وقرأ: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿نَبْرَأَها﴾ (١).
المدائني عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة قال: ما تكلم سعيد بشيء وذلك أنه كره المثلة.
стр. 2945
حدثني الحسين بن علي بن الأسود عن أبي بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد قال: لما جيء بسعيد جعل يحدثنا لا ننكر منه شيئا، حتى جاءت ابنته فتحرك فانكشفت قيوده، فبكت الجارية فقال سعيد: اسكتي يا بنية، لا تغمي أباك. فهذا أكثر ما رأينا منه.
حدثني حفص عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: قال الحجاج لسعيد: أكفرت بخروجك؟ قال: ما كفرت مذ آمنت. قال: اختر أي قتلة أقتلك. قال: اختر أنت لنفسك أي القصاص شئت فإن القصاص أمامك، فقتله، فما قتل أحدا بعده.
حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير عن أبيه عن المفضل بن سويد قال: جيء بسعيد بن جبير فقمت على رأس الحجاج، فقال له الحجاج: ألم أشركك في أمانتي، ألم استعملك، ألم أفعل ألم أفعل؟.
قال: بلى. قال: فما حملك على خروجك عليّ؟ قال: عزم عليّ الرجل.
فقال: رأيت لعزمة عبد الرحمن حقا ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لي عليك حقا؟!! اضرب عنقه، فضربت عنقه فندر رأسه وعليه كمة بيضاء لا طية صغيرة.
المدائني قال: قال سلم بن قتيبة: كنت عند الحجاج فقال لسعيد:
أخرجت عليّ؟ قال: كانت للرجل في عنقي بيعة. قال: أتفي لعدو الله ولا تفي لأمير المؤمنين؟. اضرب عنقه، فضربت عنقه فسال منه دم كثير.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان بن عيينة عن سالم بن أبي حفص قال: لما أدخل سعيد بن جبير على الحجاج قال: أنت شقي بن كسير؟. قال: لا بل أنا سعيد بن جبير. قال: أما والله لأقتلنك، قال: إني