← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وألصق المهلب بعبد ربه، وقال عبد ربه: يا معشر المهاجرين إن قطريا وعبيدة هربا رجاء البقاء ولا سبيل إليه فألقوا عدوكم غدا فإن غلبكم على الحياة فلا يغلبنكم على الموت. فقاتلوا المهلب فقتل عبد ربه، وطلب بعض أصحابه الأمان، ومضى عمرو القنا إلى خراسان فمات بها، ومضى بعضهم إلى سجستان. وحوى المهلب عسكر الخوارج وأصاب به جرحى فدفع كل جريح إلى قومه، ورجع المهلب إلى جيرفت فقال: الحمد لله الذي ردنا إلى الخفض والدعة فما كان عيشنا بعيش. قالوا: ونظر المهلب في مجلسه إلى قوم لا يعرفهم فقال: ما أشدّ عادة السلاح. قالوا: فقام في الحين فلبس سلاحه وقال: خذوا هؤلاء فأخذوا فقال: من أنتم؟ قالوا: أردنا غرتك لنقتلك. فقتلهم. وقال الهيثم بن عدي: اعتزل عبد ربه الصغير في أربعة آلاف، والصغير مولى بني قيس، واعتزل عبد ربه الكبير في سبعة آلاف، والكبير مولى بني يشكر. فقاتل المهلب الصغير فقتله وأصحابه، ومضى قطري وبقي الكبير فقاتله المهلب فقتله أيضا. قالوا: وكتب المهلب إلى الحجاج: «أما بعد فالحمد لله الكافي بالإسلام فقد ما سواه، الذي أوجب المزيد بالشكر، وقد كان من أمرنا وأمر عدونا ما قد انتهى إليك خبره بعد مطاولة نلنا فيها منهم ما لم ينالوه منا، وأدنيت السواد من السواد حتى تعارفوا بالوجوه وقاتلت الأغمار، وكان

стр. 3012

ما يسوءهم منا دون ما يسرهم (١)، وما يسرنا منهم فوق الذي يسوءنا حتى وقع بينهم الاختلاف ففرق الله أهواءهم وألقى بأسهم بينهم، ولم يزل الله يمحصنا (٢) ويمحقهم، وينصرنا ويخذلهم حتى بلغ بنا وبهم الكتاب أجله، فقطع دابر الكافرين والحمد لله رب العالمين (٣)». فكتب إليه الحجاج: «إن الله صنع بالمسلمين خيرا، وقد فرغتم من عدوكم وأراحكم من كثير مما كنتم فيه، فاقسم ما أفاء الله عليك فيمن معك. فأما قطري وعبيدة فنحن كافوك إياهم بعون الله وتوفيقه، فأقبل وليكن معك بنوك وفرسانك ولا تطمعن أحدا في اللحاق بأهله دون قدومك علي، واستخلف على كرمان». فاستخلف ابنه يزيد وأوصاه بالقصد والمبالغة في الأمور، وكان قد بعث بكتاب الفتح مع كعب الأشقري، ومرّة بن تليد الأزدي، أزد شنوءة، فأنشد كعب الحجاج قوله: يا حفص إني عداني منكم السفر .. فقال الحجاج: أخطيب أنت أم شاعر؟ فقال: خطيب شاعر. قال: فأخبرني عن بني المهلب. قال: المغيرة سيدهم وأشجعهم وحسبك بيزيد فارسا وما يستحي شجاع أن يصد عن مدرك، وما لقي الأبطال مثل حبيب، وعبد الملك موت ناقع، وكفاك ببأس مفضل ونجدته، وأسخاهم قبيصة، ومحمد ليث عاد. ثم قال لابن تليد: أخبرني

стр. 3013

كيف كانت حالكم. قال: كنا إذا لقيناهم بعفونا وعفوهم يئسنا منهم وإذا لقيناهم بجدّنا طمعنا فيهم، قال: فكيف كان بنو المهلب؟ قال: حماة السرح نهارا وفرسان البيات. قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان. قال: فأيهم أفضل؟ قال: هم الحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها. فوصل بني المهلب وأهل البلاء والغناء ممن كان معه وزادهم في الأعطية. وولى الحجاج المهلب خراسان، وكان المهلب يقول: ما أحب أن لي مكان بيهس بن صهيب ألف فارس. فقيل إنه ليس بشجاع؟ قال: لكنه سديد الرأي عاقل حذر فهو لا يدع الاحتراس والسؤال، ولو وجد مكانه ألف فارس شجاع لناموا حتى يحتاج إليهم. قالوا: وعقد الحجاج لسفيان بن الأبرد الكلبي على خمسة آلاف، وضرب على أهل الكوفة بعثا فخرجوا في عشرة آلاف عليهم الصباح بن محمد بن الأشعث، ويقال إسحاق بن عبد الله بن الأشعث. وجعل على جماعة الناس سفيان بن الأبرد وقال له الحجاج: أتدري إلى أين تسير؟ قال: نعم إلى كلاب النار. قال: اعلم أنك تسير إلى أسد الشرى وسباع العرب، يرون الموت قربة إلى الله ويعدون الفرار كفرا فعليك بالصبر والعزم، والقوم أصحاب مناجزة فإياك والعجلة. فصار سفيان وجعل على ساقته البختري بن عامر العاملي، فمر بالأخضر بن ورقاء الكلبي ومصاد بن زياد القيني والوازع بن دوالة الكلبي وهم سكارى فشتموا البختري، فقال له سفيان: هلا ضربت أعناقهم. وبلغ الحجاج أمرهم فحلق على أسمائهم فكتب فيهم فردها.

стр. 3014

قالوا: ومضى قطري وأصحابه نحو مكران وما وراءها، فأوقع ببعض من كان بأطراف بلاد السند، ومضى بعض أصحابه إلى سجستان، وأتى عبيدة بن هلال قومس فصار بها، ومضى قطري في طريق خراسان ثم عدل يريد الإصبهبذ بطبرستان. وبلغ الإصبهبذ ذلك فبعث إلى قطري والخوارج يسألهم عن أمرهم فقال قطري: نحن قوم أنكرنا جور سلطاننا فتنحينا عنه، ونحن قوم لا نظلم أحدا ولا نغصبه ولا ننزل عليه إلا برضاه. فأذن له الإصبهبذ في دخول بلاده، فدخل قطري طبرستان في أصحابه، فلما استقر بعث إلى الإصبهبذ يدعوه إلى الإسلام أو الجزية فقال الإصبهبذ لرسله: قولوا له أنت رجل دخلت بلادنا طريدا فآويناك وأحسنا إليك فتبعث إلي بمثل هذه الرسالة. فأرسل اليه: إنه لا يسعني في ديني غير هذا. فصار الإصبهبذ إليه ليخرجه عن بلده فأوقع به قطري وهزمه وقتل ابنه وأخوه، فخرج حتى أتى الري. وغلب قطري على طبرستان وأتى الطبري سفيان بن الأبرد وقد وافى الري فوضع يده في يده، وحدثه بما صنع قطري وقال له: أنا أدخلك عليه في طريق مختصرة حتى توافيه وهو لا يشعر بك ففعل، فقاتل سفيان ومن معه قطريا وأعانه الإصبهبذ وأساورته، وجعل قطري يقول: أنا أبو نعامة الشيخ الهبل … أنا الذي ولدت في أخرى الإبل. فطعنه رجل من أهل الشام في صدغه وانهزم أصحابه، فاتبعهم أهل الشام فقتلوا منهم خلقا.

стр. 3015

وعثر بقطري فرسه فاندقت فخذه ووقع بين صخرتين، وانتهى إليه باذام مولى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال باذام: الساقط بين الصخرتين والله قطري. فقال قطري: يا فاسق أنا غزيلكم، أو قال: أرينبكم الذي تطلبون، فاختلف وباذام ضربتين فكانت ضربه قطري ضعيفة. وضربه باذام فأبان يده ثم احتز رأسه، وادعى سورة بن الحر التيمي أنه قتله معه. وقال المدائني: انهزم قطري فإذا هو قد دفع إلى غيضة، فنزل عن فرسه فقاده حتى انتهى إلى موضع فيه ماء فأقام عنده وذلك في الصبح. وأقبل سورة بن الحر، وباذام مولى الأشعث بن قيس وشنظيز الثعلبي أحد بني ثعلبة بن يربوع يطلبون قطريا فأخبروا بأن رجلا دخل الغيضة فطلبوه فيها فوجدوه قائما يصلي وقد نزف دمه وضعف. فقال لهم: أنا غزيلكم الذي تطلبون، فقال سورة لباذام إن شئت أتيته أنا من بين يديه وأتيته أنت من خلفه، وإن شئت فأنا آتيه من خلفه وأنت من بين يديه. فتلقاه سورة من بين يديه وأتاه باذام من خلفه فقتلاه واحتزا رأسه فاختصما فيه، ووافاهم أبو الجهم الكلبي فأخذ الرأس وأتى به سفيان فبعث به إلى الحجاج. ويقال إن سورة كان يقول: رأيت قطريا وهو على فرس وخلفه امرأة على بغل فاتبعته أنا وباذام ونحن لا نعرفه فحملت على المرأة فلما غشيتها نادت: يا أمير المؤمنين. فعطف علي وشددت عليه فعانقته فسقطنا إلى الأرض فصار تحتي، وندر سيفه من يده فزحف يريد السيف وصارت إبهامه في يدي فرضضتها حتى فتر، وجاء باذام فضرب بالسيف بطنه واقتتلت أنا وباذام على رأسه.

стр. 3016

ويقال إن الذي قتل قطريا عثمان بن أبي الصلت. المدائني قال: قال معاوية بن محصن الكندي: رأيت قطريا وقد صرع في الشعب وهو يهوي ولا أعرفه، وحوله نسوة وفيهن عجوز، فحملت عليهن فانتضت العجوز السيف فضربتني فجرحتني في عنقي فضربتها فقتلتها. وأتى علج قطريا وهو لا يعرفه فقال له: اسقني ولك سلاحي، فمضى العلج فحدر عليه صخرة فأوهنت فخذه، وأتاه سورة فقتله، واختصم في رأسه سورة وباذام وشنظيز الثعلبي، وعثمان بن أبي الصلت، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، والصباح بن محمد بن الأشعث. وقال جعفر بن عبد الرحمن: إني لما عرفته لم تكن لي همة إلا قتله لأنه قتل أبي. قالوا: ولما قتل قطري وبعث سفيان برأسه، أتى قومس وبها عبيدة بن هلال فحصره ثلاثة أشهر، ويقال خمسة أشهر، ووضع عليه المنجنيق، فضاقوا وضجروا وصاروا إلى ذبح دوابهم وأكل لحومها، وأكلوا الجيف، فذلك حين قال عبيدة: إلى الله أشكو ما نرى بجيادنا … بقومس هزل مخهن قليل فإن يك أفناها الحصار فربما … تشحط فيما بينهن قتيل وأشرف عبيدة عليهم فقال: أقرأ عليكم أو أنشدكم؟ فقالوا: أنشد. فقال: يا فسقة. قد علمت أنكم تؤثرون الشعر على القرآن. ونادى سفيان: من خرج فهو آمن. فهمّ قوم بالخروج كثير. وقال الهيثم: نادى سفيان: يا معشر الأزارقة لا أمان عندي إلا لمن

стр. 3017

جاء برأس صاحبه فكان الرجل منهم يخاف ابنه وأخاه على قتله لما هم فيه من الجهد. وخرج عبيدة فاقتتلوا في يوم الجمعة إلى المساء، ثم دخل عبيدة القصر، وانهزم قوم من أصحابه فلم يدخلوا فاتبعهم سفيان، فأخذ منهم أسرى فقتلهم. وقال عبيدة: وما زالت الأقدار حتى قذفنني … بقومس بين الفرخان وصول إلى الله أشكو لا إلى الناس أشتكي … بقومس إذ فيها الشراة حلول ووعظ أصحابه فقال: إنما هي ساعة حتى تظفروا أو تستشهدوا، فخرجوا وشدوا على سفيان وأصحابه وقالوا الحصن لمن غلب، فكشف أصحاب سفيان، ثم بقي في جماعة من أهل الشام ليسوا بالكثير فقال سفيان: يا أهل الشام، يا أهل الصبر والحفاظ، يا حماة الأدبار أعن هؤلاء الأكلب تفرون، فتراجع الناس فقال سفيان: الأرض، فنزلوا جميعا وصبروا فقال عبيدة: يا إخوتي روحوا إلى الجنة، وقاتل فقتل عبيدة وعامة أصحابه واستأمن الباقون، فأمنهم سفيان، وكان من المستأمنة حطان الأعسر فقال شعرا: بليت وأبلاني الجهاد وساقني … إلى الموت، إخوان لنا وأقارب شريت فلم أقتل وما زلت لم أصب … كذاك صروف الدهر فينا عجائب واستأمن قيس الأصم وهو قيس بن عسعس ويلقب الخشبي، ثم كفّ بصره فمر بقومس فقال لقائده: أي موضع هذا؟ فأخبره. فقال: قف بي أبكي إخواني. وقال: ذكرت الشراة الصادقين بقومس … وذكري لهم مما يهيج شجوني

стр. 3018

وكان الحجاج كتب إلى سفيان يستبطئه في أمر عبيدة ويصغر ما عمل فقال: أن أبا محمد لا يرضي حتى جعل المحسن مسيئا والمطيع عاصيا. قالوا: وكانت عند قطري العيوف بنت يزيد بن حبناء التميمي فولدت ابنتين: مزنة والفجاءة فأخذ سفيان الفجاءة فبعث بها إلى عبد الملك، فصارت إلى العباس بن الوليد فولدت له الحارث والمؤمل فلما ولي عمر بن عبد العزيز وأمر برد سبايا الأزارقة قال للعباس: خل سبيلها أو تزوجها إن رضيت، فتزوجها برضى منها، ويقال: إنه كانت عند العباس نعامة بنت قطري. قال المدائني: وفد على عمر بن عبد العزيز قوم من بني مازن في أمر بنت قطري، فقال شاعرهم: أتيناك زوارا ووفدا إلى التي … أضاءت فما يخفى على الناس نورها أبوها عميد الحيّ عمرو وأمها … من الحنفيات الكرام قبورها فإن تك كانت حيث كانت فإنها … لها أسرة منا كرام نفيرها فقال عمر: قد تزوجها برضاها. وقال رجل للحارث بن العباس، أنت ابن الخلائف الأربعة. قال: ويحك من الرابع؟ قال: قطري. وقال الهيثم: بعث سفيان برأس قطري ورؤوس أعلام من معه إلى الحجاج مع الوليد بن بخيت الكلبي.

стр. 3019

أمر أبي فديك عبد الله بن ثور أحد بني قيس بن ثعلبة بن عكابة قالوا: ولما خالف نجدة بن عامر من خالفه من أصحابه، ولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور (١)، وكانوا بايعوا قبله ثابتا التمار، وكانت أخته عند أبي فديك، ثم قالوا: لا يقوم بأمرنا إلا رجل من العرب، وجعلوا الاختيار إليه فاختار لهم أبا فديك. فلما ولي خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد البصرة، وجّه أخاه أمية بن عبد الله إلى أبي فديك وهو بالبحرين فهزمه أبو فديك وفضحه فقال الفرزدق: جاؤوا على الريح أو طاروا بأجنحة … ساروا ثلاثا إلى الجلحاء من هجرا (٢) حدثنا أبو خلف بن سالم المخزومي، ثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن عمه صعب بن زيد ومحمد بن أبي عيينة قالا: خرج أبو فديك بالبحرين فلقيه أمية بن عبد الله فهزمه، فركب أمية فرسا له جوادا كان يقال

стр. 3020

له المهرجان فدخل البصرة عليه في ليلتين أو ثلاث. فقال يوما وهو بالبصرة: لقد سرت على المهرجان إلى البصرة فدخلتها في ليلتين أو قال ثلاث، فقال له بعضهم: هذا المهرجان، فلو ركبت النوروز لم تسر ليلة حتى تدخلها. حدثنا خلف بن سالم وأحمد بن إبراهيم الدورقي قالا، ثنا وهب بن جرير عن أبيه عن صعب بن زيد وغيره قالوا: خرج أبو فديك بالبحرين فبعث إليه خالد أخاه أمية فهزم، فبعث إليه عمر بن عبد الله بن معمر فقتله، وقالوا: هزم أبو فديك أمية، وهزم قطري عبد العزيز بن عبد الله بالأهواز بعد ذلك وفضحه، فقال الفرزدق: كل بني السوداء قد فرّ فرّة … فلم تبق إلا فرة عند خالد فضحتم قريشا بالفرار وأنتم … لدى الحرب أنكاس قصار السواعد (١) قال الهيثم: هزم أبو فديك أمية بن عبد الله، فندب عبد الملك عمر بن عبيد الله بن معمر وضم إليه عبد الرحمن بن عضاه الأشعري، ومعه وجوه أهل الشام، وقدم الكوفة فأجلسه بشر على سريره وأكرمه، فسار فواقع أبا فديك فانهزم أهل البصرة، وقاتل في أهل الشام والكوفة فقتل أبا فديك. وكان لقاؤه إياه بالبحرين، وكان أبو فديك في اثني عشر ألفا. وكان على جند البصرة عباد بن الحصين، ونصب رأس أبي فديك في رحبة البصرة.

стр. 3021

قال ودعا عمر أعشى همدان فقال له: يا أبا المصفح (١) سر إلى بشر بالفتح، وقل فيه شعرا. وقال ابن الكلبي: كان محمد بن موسى بن طلحة بن عبد الله التيمي، وعمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر يتباريان في فعلهما وكانا في جيش عمر بن عبيد الله. فقال عبد الله بن شبل البجلي يفضل عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وهو الذي خرج مع ابن الأشعث بعد، فقتله الحجاج: تباري ابن موسى يا بن موسى ولم تكن … يداك جميعا تعدلان له يدا تباري امرأ احدى يديه مفيدة … وإحداهما تبني بناء مشيدا ووجه محمد بن موسى بعد إلى شبيب فقتله شبيب. وقال أبو اليقظان: كان على جيش أهل البصرة مع عمر بن عبيد الله حين توجه إلى أبي فديك: عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وكان أخا عبد الله بن عامر لأمه، أمهما: دجاجة بنت الصلت، وعلى جيش أهل الكوفة: محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله. وقال العجاج: لقد شفاك عمرو بن معمر … من الحروريين يوم العسكر وقع امرئ ليس كوقع الأعور يعني عبد الله بن عمير الليثي، وكان قد وجّه إلى بعض الخوارج نجدة أو غيره فهزم. وقال العجاج في أرجوزته في عمرو أولها:

стр. 3022

قد جبر الدين الإله فجبر … هذا أوان الجد إذ جد عمر وصرح ابن معمر لمن ذمر (١) … المدائني عن أشياخه قالوا: بويع عبد الله بن ثور أبو فديك أحد الحرقيين، والحرقيان: تيم وسعد ابنا قيس بن ثعلبة بن عكابة سنة إحدى وسبعين، فأقام باليمامة ستة أشهر، ثم فتك به مسلم بن جبير وهو من أهل الحجاز لمخالفته إياه في رأيه، وقوله بقول نجدة فوجأه اثني عشرة وجأة، وقال: خالفت قومي في دينهم … خلاف صبا الريح جاءت جنوبا أرجي الإله وغفرانه … ويرجون درهمهم والجريبا فقتل مسلم وحمل أبو فديك فبرئ من جراحاته، وقيل لأبي فديك: لا خير لك في المقام باليمامة مع بني حنيفة لأنّا لا نأمنهم عليك، فخرج أبو فديك إلى البحرين فأقام بجواثا، فوجه إليه مصعب بن الزبير محمد بن عبد الرحمن الإسكاف، فقال أبو فديك: «يا معشر المسلمين ان الله قد أذهب عنكم نزغ الشيطان وأنقذكم من فتنة نجدة وصيركم إلى أنصاركم فأنتم تناضلون عن دين الله، أو ما سمعتم ما أعد الله للمجاهدين في سبيله حين قال: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) فمن كان الله معه فهو المفلح المنجح. وقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣). فاشروا

стр. 3023

أنفسكم تنالوا الفوز كما وعدكم واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، وإياكم والفرار من الزحف فتبوؤا بسخط من الله ويحل عليكم غضبه، ثم ناهضهم. وكان البصريون يرون أن ابن الإسكاف إذا عاين أبا فديك قتله. فلم ينتصف النهار حتى انهزم البصريون، ومضى ابن الإسكاف منهزما. وأقام أبو فديك بالبحرين، وسار مصعب إلى الكوفة، وتشاغل بأمر عبد الملك ولقائه، فجمع زياد بن القرشي جمعا من أهل البحرين ومن أهل البصرة، ولقي أبا فديك محتسبا فقال له السائب بن الأخرس من ولد اللّبوء بن عبد القيس: ويحك يا بن القرشي لا تخرج إليهم، فأبى وسار إليهم، فلقيه عمارة الطويل، وهو عمارة بن عقبة بن مليل، وعمير بن سلمى من ولد زيد بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة، فقتل ابن القرشي، وتفرق أصحابه فقال الشاعر: تمتع قبل جيش أبي فديك … وقبل عمارة الرجل الطويل أغر صميدع يمشي إذا ما … تتابع مشية الجمل الصؤول وقبل الطير ينهش لحم قوم … بمعترك البياذق والخيول وقبل معرس (١) … لا شك فيه سينأى بالخليل عن الخليل فما لك حين تقطع صرّتاج (٢) … إلى البيض العباهر من سبيل لقاء الأسد أهون من لقاء … به التحكيم يشهر بالأصيل

стр. 3024

قالوا: وقتل مصعب في سنة اثنتين وسبعين، وقدم خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص واليا على البصرة من قبل عبد الملك، فوجه أخاه أمية بن عبد الله في سنة ثلاث وسبعين إلى أبي فديك في اثني عشر ألفا، وأبو فديك في سبعمائة. فلما تواقف الجمعان وتراءيا قال أبو فديك: قد ترون عدوكم والقليل المنصور خير من الكثير المخذول فاستنصروا ربكم واصبروا لعدوكم. فاقتتلوا ثم تحاجزوا على السواء، ثم عاودوا القتال فقاتلوهم حتى زالت الشمس، فكمن لهم ثابت التمار في مائة واستطرد الخوارج، واتبعهم أمية فلما جاوز موضع الكمين خرجوا عليهم وهم يحامون من خلفهم، وكر أبو فديك وأصحابه فصبر البصريون ساعة ثم انهزموا، وصرع أمية فحماه عون بن عبد الرحمن بن سلامة التيمي، وحوى أبو فديك عسكرهم. ومضى أمية والناس منهزمين إلى البصرة، وأصاب أمية في طريقه ضر، ولم يجد طعاما، فلقي أعرابيا فقال له عون: ما معنا دراهم ولكني أعطيك درعي هذه وتبيعني ناقتك؟ قال: لا أب لك، أتراها تساوي ناقتي؟ قال: والله لهي خير منك ومن أبيك ومن ناقتك، فأخذ الدرع ونحروا الناقة فأصابوا منها، فأكثر أمية الأكل فقال عون: ألم ينهك الطبيب عن لحم الجزور؟ قال: ويحك اسكت فليس هذا بموضع مزاح. فلما قدموا البصرة لزم أمية بيته استحياء من الناس حين هزم وفر، فأتاه خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم التميمي فقال: الحمد لله الذي خار لنا عليك ولم يخر لك علينا، أما والله لقد كنت حريصا على الشهادة

стр. 3025

طالبا لها، ولكن الله أبى إلا أن يزين بك مصرنا ويؤنس بك وحشتنا، ويجلو بك غمنا. وقال الفرزدق يذم أمية: أمّي هلا صبرت النفس إذ جزعت … فتبلي الله عذرا مثل من صبرا طاروا سراعا وما سلوا سيوفهم … وخلفوا في جواثا سيدي مضرا ساروا على الريح أو طاروا بأجنحة … ساروا ثلاثا إلى الجلحاء من هجرا لو كنت إذ جشأت ربّطت جرونها … ولم تولّهم يوم الوغى الدبرا (١) يعني بسيدي مضر: عبد الله بن الحشرج الجعدي، والحارث بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ارتث بجواثا فحمل إلى البصرة فمات بها ودفن، ويقال بل مات هناك فحمل في صندوق إلى البصرة. وقال بعض الشعراء: يوما بني خالد يومان قد فضحا … يوم بفسّا ويوم كان في هجرا وقال آخر لأمية: أما القتال فلا أراك مقاتلا … ولئن فررت ليعرفن الأبلق وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني وغيره: بلغ عبد الملك أمر أمية بن عبد الله فقال لعمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة، وهو عنده: اكفني أبا فديك. فقال: لا يمكني. فقال عبد الملك: والله لتسيرن إليه. قال: والله لا أفعل. قال: فارفع

стр. 3026

حسابك لفارس وصححه. قال: نعم. وقام فاتبعه روح بن زنباع الجذامي فقال: يا أبا حفص. ترد على أمير المؤمنين ويقسم فتقسم. قال: يا أبا زرعة إن أخاه بشرا بالكوفة وابن عمه خالد بن عبد الله بالبصرة وهما حائلان بيني وبين ما أريد من النخبة، وأن يندبا معي إلا ضعفة الناس من لا يحامي على دين ولا حسب، فإن صبرت قتلت ضيعة وإن أنحزت افتضحت. فرجع روح إلى عبد الملك بقول عمر، فأرسل إليه عبد الملك فرده وقال: يا أبا حفص، لو رأيت بين عيني أمير المؤمنين وتدا أما كنت نازعه وواقيا أمير المؤمنين مكروهه؟ قال: بلى والله يا أمير المؤمنين بنفسي وأهلي ومالي. قال: فإن أبا فديك وتد بين عيني فاكفني أمره. قال: نعم إن أعفيتني من عنت بشر وخالد قال: فليس لأحد عليك سلطان في بلد تنزله وليس لك أن تصلّي بالناس ولا تجبي الخراج وأنت مسلّط على الدواوين فانتخب من شئت وكم شئت، وكتب له بذلك إلى بشر، فسار حتى قدم الكوفة على بشر، فأكرمه وأقعده معه على السرير وقال: والله لو لم يكتب إلي أمير المؤمنين بما كتب فيك، لقويت، فهذه الدواوين فانتخب من شئت، وهذا المال فأعطهم، فانتخب من كل ربع ألفين وأعطاهم أعطياتهم، فلم يكلمه بشر في تخليف أحد، وقال لهم: سيروا إلى البصرة، واستعمل عليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله. وساروا وتزوج عمر بالكوفة عائشة بنت طلحة فأقام عندها أياما، ثم اتبع محمد بن موسى وحمل معه عائشة فقدم البصرة وأوصل كتاب عبد الملك إلى خالد، وانتخب من أهل البصرة ثلاثة عشر ألفا، فكلمه خالد في قوم ليخلفهم فأبى ذلك فمنعه خالد الديوان، فقال بيهس بن صهيب الجرمي:

стр. 3027

إن بشر بن مروان لم يكلمه في تخليف أحد، وهو أخو أمير المؤمنين، ولم يطمع في ذلك. فقال: إنه لم يدع لي محدثا ولا سميرا. فكف خالد حتى استكمل ما أراد فقال العجاج: لقد سما ابن معمر لما اعتمر … مغزى بعيدا من بعيد وصبر في نخبة الناس … الذي كان افتخر ثلاثة وستة واثني عشر … ألفا يجرون من الخيل العكر (١) فقال عمر بن عبيد الله: لا حول ولا قوة إلا بالله. وكان المهلب بالبصرة قد عزله خالد عن قتال الأزارقة وولى قتالهم عبد العزيز أخاه، فأثبته عمر فيمن يخرج معه، وأثبت عباد بن الحصين، فقال له المهلب: إني رمد العين فاختر أي بني شئت ليخرج معك واعفني. قال: لا. وعسكر عمر، وأخذ الناس في الجهاز، وأعطاهم أعطياتهم ورأى المهلب فقال له: مر ابنك المغيرة بالتجهز والخروج مكانك فإن أهل مصرك محتاجون إليك يا أبا سعيد. وبعث خالد إلى عمر بمال فقال: اقسمه في فرسانك، فقسمه فيهم وفضل المغيرة بن المهلب، وقال: أما والله لأربحن عليه ربحا رغيبا. فتجهز الناس بجهاز حسن وأداة كاملة، وخرجوا إلى المعسكر بالنّحيت (٢)، وخرج المغيرة في ثلاثين مجففا فعرضهم عمر، فجاءه الصلتان

стр. 3028

العبدي فقال: حاجتك؟. قال: أنشدك. قال: إياك أن تكلمني في أن أعفي أحدا من وجهه هذا. قال: ما كنت لأرغب بأحد عنك. قال: هات. فأنشده: لن يعدم الخابط المؤمل إن … حل بدار ابن معمر ورقا لا يخلف الوعد حين تسأله … ولا يرى عابسا ولا غلقا في أبيات. فقال: حاجتك؟ قال: ما تركت لي حاجة غير صحبتك. قال: ما أرغبني في أن تصحبني ولكني أكره أن أعرضك فقال الصلتان: رأيت صروف الدهر ليس يفوتها … صغير ولا ذو حنكة يتفكر فكم من شجاع طاول الحرب قد نجا … ومن حائد عن عمره لم يعمر قال: صدقت، وأمر له بأربعة آلاف درهم وحمله على فرس وأعطاه سلاحا، وصيّر عمر بن عبيد الله على أهل الكوفة جميعا وهم ثمانية آلاف محمد بن موسى بن طلحة، وعلى ربع أهل المدينة: بشر بن جرير بن عبد الله البجلي، وعلى ربع كندة وربيعة: إسحاق بن الأشعث وعلى ربع تميم وهمدان: محمد بن عمير بن عطارد ويقال مطر بن ناجية ويقال عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، وعلى ربع مذحج وأسد: زياد بن النّضر الحارثي وابنه، ويقال زحر بن قيس الجعفي، وكان على جماعة أهل البصرة: عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وعلى خمس أهل العالية: سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، ويقال سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي. وعلى بكر بن وائل: أبو رهم بن شقيق بن ثور السدوسي. وعلى

стр. 3029

تميم: عباد بن الحصين، وإليه الخيل كلها. وعلى عبد القيس: الحكم بن مخربة. وعلى الأزد: المغيرة بن المهلب. وحمل عمر بن عبيد الله معه عائشة بنت طلحة، وخلف رملة بنت عبد الله بن خلف فلم يحملها معه، فقال الشاعر: أنعم بعائش في عيش له أنق … وانبذ برملة نبذ الجورب الخلق ويروى: عيش بعائش عيشا غير ذي رنق. وقال أيضا: من يجعل الديباج عدلا للزيق … بين الحواري وبين الصديق كبكرة مما تباع في النوق قالوا: وسار بالناس فلما نزل الوفراء (١) وجه خمسمائة فارس وبعث معهم الفعلة وقال: احفروا لي خندقا فإذا فرغتم فأعلموني. فتقدموا فحفروا له خندقا وأعلموه فارتحل فنزل الخندق وقدمهم ليحفروا في المنزل الآخر خندقا، فلم يزل يصنع ذلك وتحفر له الخنادق وينزلها حتى أتى هجر ونزل جواثا في خندق وأبو فديك بالمشقر (٢) في جمع كثير من الأعراب كانوا ضووا إليه بعد هزيمة أمية، فقال أبو فديك لأصحابه: قد أتاكم هؤلاء القوم فمن أحب لقاء الله فليقم ومن أراد الدنيا فليذهب حيث شاء فهو في حل.

стр. 3030

فتفرقوا عنه، وبقي فيما بين التسعمائة إلى الألف، وعمر في أحد وعشرين ألفا. وقال رجل لأبي فديك: إن عطية بن الأسود بريء من نجدة فإن كنا مخطئين فنجدة محق، وإن كنا محقين فعطية لنا وليّ فما تقول؟. قال: ليس هذا يوم نظر. عدونا قد نزل فنجتمع على حربه حتى يحكم الله بيننا، ثم ننظر فيما سألت عنه، قال: فعلام أسفك دمي؟ ولحق باليمامة. وجعل عمر على الحرس: عباد بن الحصين الحبطي فخرج ليلة فتلقاه المغيرة بن المهلب فقال عباد: من هذا؟ وقال المغيرة: من هذا؟ فضربه عباد فشجه. فقيل له: هذا المغيرة فكف عنه، فغضبت الأزد للمغيرة ولبسوا السلاح فجاء رجل من هناءة من الأزد وكان متألها فقال له رجل من قومه: اتق الله. فقال: اغرب، تقول لي اتق الله وقد ضرب ابن المهلب؟. وبلغ عبادا فقال: أعلى هذه الحال ونحن بإزاء العدو، ولئن كانت بيننا صيحة ليهلكن هذا الجيش. فمشى إلى المغيرة فاعتذر إليه، ويقال إنه إنما كان هذا أيام مايرْنا بنهر تيرى وهم يقاتلون الأزارقة، وضرب عباد المهلب فغضبت الأزد، والأول أثبت. وأقام عمر بن عبيد الله ثلاثة أيام ثم أتاهم أبو فديك فنزل بإزائهم وخندق خندقا دون خندق وخرج عمر من معسكره ينظر ومعه رجلان من بني حنيفة فلقوا رجلا من أصحاب أبي فديك فحملوا عليه فقال: سبحان الله أما تستحيون؟ ثلاثة على فارس واحد؟ ليبرز إلى رجل رجل. فبرز إليه أحد الحنفيين فلم يصنع شيئا، وطعنه الخارجي فقتله.

стр. 3031

وخرج إليه عمر بن عبيد الله بنفسه فوقف له الخارجي فلما دنا منه وحّش بالرمح ثم ضربه بالعمود على رأسه فصرعه ونزل إليه فأجهز عليه. ورجع عمر إلى أصحابه فقال: ما يئست من الحياة قط إلا يومي هذا فدفع الله، رأيت الحنفيين جميعا قد أحسنا القتال وطعناه فلم يصنعا شيئا فعلمت أن على جسده شيئا يقيه الطعن فقلت لا يقتله إلا العمود، فلما قتله نظرت فإذا عليه سنون (١). فلما كان اليوم الرابع من مقام عمر قال أبو ماعز الحارثي: لو خرج منا إلى هؤلاء القوم فوارس فذاقوهم، فخرج أبو ماعز في ثلاثمائة فارس حتى أتى خندق أبي فديك فأشرفوا عليهم فخرج اليهم فوارس من الخوارج فاستطرد لهم أبو ماعز وأصحابه حتى إذا انقطعوا عطفوا عليهم فصرعوا من الخوارج أربعة أو خمسة. وبلغ ذلك عمر فأقبل في الناس وقد تحاجزوا وانصرف الخوارج فلام عمر أبا ما عز وقال: كدتم تفضحونا، لو قتل منكم رجل واحد لهد العسكر، فقال مجّاعة بن عبد الرحمن العتكي: قد وقى الله ما حذرت. ورجع عمر إلى عسكره فلما كان الغد نهض عمر للقتال وصف الناس وقدم الرجالة، وخرج الخوارج من عسكرهم فركزوا رماحهم واستتروا بالبراذع فقال أهل البصرة للرجالة: حركوهم. فقال عباد: إن خلف هذه البراذع أذرعا شدادا وأسيافا حدادا وأنفسا سخية بالموت، وهم شادون عليكم شدة لا يقوم لها شيء، فإن كانت فيكم جولة فليكن انصرافكم على

стр. 3032

حامية يمنع بعضكم بعضا فإنهم يتبعونكم وأكثرهم رجالة فإذا لغبوا فكروا عليهم. قال: وقال رجل من الخوارج: شدوا عليهم واحذروا تخطئة الحمار (١). يقول احذروا قول عباد حين قال ليكن انصرافكم على حامية فإذا لغبوا فكروا عليهم فنحّوا البراذع وأصلحوا رماحهم وسيوفهم وشدوا على الميسرة وفيها أهل البصرة فكشفوهم فذهبوا في الأرض. وصرع المغيرة فحماه الكوثر بن عبيد، ويقال عبد بن معمر، واعتزل المغيرة بن المهلب ومجاعة بن عبد الرحمن الأزدي في فوارس فقاتلوهم، وتراجع الناس فردوا الخوارج وحازوهم إلى موقعهم، ومر أصحاب عمر بن عبيد الله بعمر بن موسى جريحا فاحتملوه وشدوا على الخوارج حتى أدخلوهم عسكرهم وأحرقوا فيه تبنا، وهاجت الريح فأمالت الدخان في وجوههم فقتلوا منهم ثلاثة ويقال ثمانية وذلك الثبت، وأسروا ثلاثة نفر فقتلهم عمر صبرا. فلما كان اليوم الثالث من هذا اليوم باكرهم أبو فديك بالقتال، فقال لأصحابه: إن قتلت فأميركم أبو طالوت. وزحفوا جميعا مستميتين، فشدوا على الناس شدة أزالت الميمنة والميسرة والقلب من أهل العراق، فبقي عباد بن الحصين وسنان بن سلمة والمغيرة بن المهلب، فأمر عباد غلمانه: مهيرا ووازعا، وميسرة فجثوا وأشرعوا رماحهم، ونادى عباد: أيها الناس أنا عباد. فقال له غلامه الوازع: يا سيدي لا تنوه باسمك فيقصدوا إليك،

стр. 3033

قال: ويحك، إني إن ثبتّ ولم أنوه باسمي أقدموا علي فإذا عرفوني لم يقدم علي منهم أحد. فرجع مجاهد بن بلعاء في الخيل، وكان عباد صيره خليفته على الخيل، فرجع في عدة من البصريين وجماعة من أهل الكوفة من بني تميم، ومضى الباقون فلم يكن لهم ناحية دون البصرة، فقال عباد لمجاهد: احمل عليهم، فقال: إني عليك لهين حين تأمرني بالإقدام بالخيل وليس معي رجالة تقيها. فقال عباد: فليترجل بعضهم، فترجلوا، وقال عمر لعباد: ما ترى؟ فقد ذهب الناس. قال: الصبر. فقال: ما شاورتك إلا وأنا أريد أن أسألك أي موتة ترى أن أموت قال: انزل، فنزل عن برذون له أشهب أبيض وأقدموا عليهم، فكان عباد يحمل عليهم فيطاعنهم ثم يرجع فيقول: إنا لله. وصبروا مليا فسمعوا صارخا يقول: صرع أمير المؤمنين - يعني أبا فديك - وأطافوا به فأقبل عمر كأنه جمل هائج قاصدا لمصرع أبي فديك وحماه أصحابه حوله، فشدوا عليه بأسيافهم فما انثنى حتى أخذ برجل أبي فديك فسحبه والدم يسيل من كمه والسيوف تأخذه، فذب عنه عباد بن الحصين والمغيرة بن المهلب وسنان بن سلمة ومحمد بن موسى ومجاهد بن بلعاء حتى أفرجوا عنه وانحازوا وإن رجل أبي فديك لفي يده، فقال: احتزوا رأسه فاحتزوه وبعث به من ساعته إلى البصرة. واتبع ابن بلعاء الخوارج، ثم رجع ومضى الخوارج إلى المشقر، فوجه عمر بن عبيد الله إليهم مجاهد بن بلعاء وبيهس بن صهيب الجرمي

стр. 3034

وعرفطة بن رجاء اليشكري، فحصروا الخوارج حتى نزلوا على حكم عمر فقتل الموالي واستحيى العرب. وكان على خيل أبي فديك عبد الله بن صباح الزّماني، فلما طلب الأمان كلم قوم من بني حنيفة عمر وقالوا إنا قد آمناه. فقال: لا ولا نعمة عين، وأرسل إليه فحبسه فهرب من السجن فلقي أعرابيا معه بعيران فقال: أتكريني إلى اليمامة؟ فقال: نعم بكذا وكذا. فقال عبد الله: بل أضعفه لك على أن ترفق بي في السير. قال: ذاك إليك، فحمله. وطلبه عمر بن عبيد الله بن معمر، وبلغ الأعرابي أن عمر يطلب ابن صباح الزماني، فلما سار بقية يومه قال للأعرابي: أتدري من أنا؟. قال: لا. قال: أنا عبد الله بن صباح الزماني هربت من السجن وعمر يطلبني وإن يأخذني هلكت وذهب بعيرك فأنت أعلم. قال: غررتني. قال: أتراني أضعفت لك كراءك وأنا آمن. فطرد به شلا حتى قدم اليمامة، ثم أتى البصرة فاستجار بعامر بن مسمع فأخذ له عامر بن مسمع الأمان من خالد، فكان يغدو إلى خالد. وتزوج ابن صباح ابنة عطية بن الأسود، فأقام بالبصرة حتى قدم الحجاج بن يوسف فدخل عليه فقال له: من أنت؟. فقال: رجل من ربيعة. قال: هات نسبا أقرب من هذا. قال: من بني بكر بن وائل. قال: من أيّهم؟. قال: من بني مازن. قال: فمن أنت؟ قال: عبد الله بن صباح. قال: صاحب خيل أبي فديك؟. قال: نعم. قال: لئن تغيبت عني لأقطعن يدك ورجلك، ولأضربن عنقك.

стр. 3035

فخاف وهرب إلى اليمامة فكان في أصحاب ابراهيم بن عربي، وأظهر التوبة من رأي الخوارج، فرأى يوما رؤوسا تشيط فغشي عليه، فعلم أنه على رأيهم. قالوا: وقدم المنهزمة من أصحاب أبي فديك إلى البصرة، فكان أول من دخلها منهم عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، ثم تتابعوا فسر ذلك خالد بن عبد الله، ودعا بسرير له فجلس عليه وأعلم الناس أن عمر قد انهزم، وأرسل إلى عبد الله بن عمير الليثي وكان قد انهزم عن بعض الخوارج فبشره بانهزام عمر، فأعتق كل مملوك له. وبعث خالد يوم جاء خبر هزيمتهم رسولا إلى عبد الله بن عبيد الله بن معمر فأخبره بأن أخاه قد انهزم فقال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ إني لأنتظر من الله إحدى الحسنيين الشهادة أو الظفر، فأما الهزيمة فلا أخافها عليه لا سيما ومعه ابنة عمه. ودخل المهلب على خالد فقال له: يا أبا سعيد ما عندك من خبر أبي حفص؟. فقال: عندي أن أبا فديك قد قتل ورأسه يأتيك. قال: وما علمك؟ قال: وجهت مع المغيرة ابني غلامين فقلت: إن ظفر عمر فوجه إلي فلانا، وإن ظفر أبو فديك فوجه فلانا، ولا ترسل واحدا منهما حتى يتبين لك الظفر. فبعث بالذي أمرته أن يرسله إذا ظفر عمر. قال: ما أتاك الغلام إلا منهزما. قال: ما بذلك أخبرني. قالوا: فإنه ليحدث إذ دخل رسول عمر بن عبيد الله برأس أبي فديك فألقاه بين يديه فقال: ويحك كيف كان الأمر؟ قال: انهزم الناس وصبر عمر وعباد ونفير يسير معهما ساعة ثم كر أهل الحفاظ فقاتلوا الخوارج فقتل

стр. 3036

أبو فديك، وأخذ الرسول بأذنيه ثم هزه وقال: يا أبا فديك كيف رأيت ضرب بني عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي؟ وذلك أن عمر بن عبيد الله من ولده. فتناول خالد نعليه فانتعل وقال: أف، ودخل مغموما. فكان عباد بن الحصين يقول: ما رأيت أحدا يقاتل يوم أبي فديك غير المغيرة بن المهلب وسنان بن سلمة بن المحبق. وقالت عائشة بنت طلحة يومئذ: من الرجل الذي كان إذا صاح كادت الأرض تتصدع من صوته؟ فقال لها عمر: ذاك عباد بن الحصين. وقال خير بن حبيب بن عطية، أحد بني مالك بن سعد: استأذنت على عمر بن عبيد الله بن معمر بالبحرين فقال آذنه: من أنت؟ قلت: خير. فدخل ثم رجع إلي فقال: أي خير؟ قلت: خير بن حبيب. وعلمت أنه قد عرفني وتفاءل باسمي، فدخل ثم رجع فأذن لي فدخلت عليه وجاريته تشد عليه جيب الدرع وهي تبكي. فكلمته بحاجتي ثم خرجت وخرج، فقتل يومئذ أبو فديك. قال: ثم أرسل إلي بعد ذلك بأيام فدخلت عليه وعائشة إلى جنبه فلم أر زوجا قط أحسن منهما. فقال: ما قلت في عائشة؟ قلت: من يجعل الديباج عدلا للزيق. وبين يديه لؤلؤ منثور، فقال: تناول من هذا اللؤلؤ. وحفن لي حفنات منه. فبعت ذلك اللؤلؤ واشتريت بثمنه أرضا وكانت عائشة بنت طلحة تقول لعمر: أي اليومين كان أشد عليك؟ يوم أبي فديك أو يوم فارقت رملة؟ فيضحك.

стр. 3037

ويقال إنها قالت: أو يوم كنت تزور فيه رملة فترى خلقتها وعظم أنفها؟ وكان مقتل أبي فديك في سنة أربع وسبعين. وقال المدائني: كانت هزيمة عبد العزيز بن عبد الله بعد مقتل أبي فديك، وأوفد عمر إلى عبد الملك ببشارة الفتح وفدا فيهم الصلتان وهو قثم بن خبية بن قثم العبدي، ويقال هو تميم بن خبية بن قثم. فقال له عبد الملك: يا صلتان لعمر ثناؤك وعليه جزاؤك. فقال: يا أمير المؤمنين إني لأعيش من جدواه وأتقلب في نعماه، وإن خيره علي لكثير وقد أدرك في عدوك ما أدرك وهو محمود. فقال: صدقت، وأمر له بألفي درهم. وقال بعض الشعراء: ضجت جواثا ولم تفرح بمقدمنا … لما قدمنا وماذا ينفع الضجر كانت لنا هجر أرضا نعيش بها … فأرسل النار في حافاتها عمر وقال أعشى همدان في قصيدة له طويلة يذكر فيها قتالهم بجواثا ويفخر بصبر الكوفيين، ويذم البصريين في هزيمتهم، فمنها قوله: ألم يأت بشرا ما أفاءت رماحنا … وبشر بن مروان بذلك أسعد فإنك قد جهزت جيشا مباركا … ومثل أبي مروان بالخير يحمد أطعت أمير المؤمنين وإنما … جعلت غياثا كل خير تغمد وأعطيتنا منك العطاء مضاعفا … وزودتنا حتى جعلنا نحسد ولما رأينا القوم ليس لديهم … لمن زار إلا المشرفي المهند مشينا إليهم في الحديد كأننا … سحاب يضيء البرق فيه ويخمد ولما رأى أهل البصيرة حزمهم … تولّوا سراعا خيلهم ثمّ تطرد وما قاتلت فرسانهم عن رجالهم … وما منعوا قتلاهم أن يجردوا

стр. 3038

ولكنهم حاصوا من الموت حيصة … فهم في أصول النخل شتى وموحد وأهلك جمع المارقين فأصبحوا … أحاديث إذ جاروا عن الحق واعتدوا حدثني العمري عن الهيثم بن عدي أن سعيد بن خالد من ولد عثمان بن عفان قال لبيهس بن صهيب الجرمي: يا أبا المقدام، أمية أفضل أم عمر بن عبيد الله؟. فقال: أو كلما نشأ ناشئ من بني أمية أردتم أن تجعلوه مثل عمر؟ لا والله لعمر أجود منه جودا، وأكرم منه نفسا وأشد منه بأسا، فغضب سعيد وقال: ما أنت وذاك يا أخا جرم. فقال: اسكت فما أنت بالأول ولا الثاني ولا الثالث، ولقد كنت الرابع فربحت.

стр. 3039

أمر صالح بن مسرّح (١) أحد بني إمرئ القيس بن زيد مناة بن تميم: قال الهيثم بن عدي: خرج صالح بن مسرّح أحد بني إمرئ القيس بن زيد مناة وكان من مخابيث الخوارج، وكان لا يرفع رأسه خشوعا، وكان يكنى أبا مالك، فخرج ومعه فرسان من فرسانهم منهم ثور بن البطين بن سويد، ومرة، وخطامة، وشوذب، وشبيب، وهم من بني شيبان، فخرج بجوخى، ثم أتى النهروان فصلى في مصارع أصحابه وقال: اللهم ألحقنا بهم فإنهم مضوا على طاعتك، ثم أتى قرية بين الموصل والعراق وفيها قصر فنزله، فبعث إليه بشر بن مروان زفر بن عمرو الفزاري فنكص عنه، وبعث إليه الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهمداني فواقعه فقتله، وقتل للحارث ابنان، وكان الذي طعن صالحا فقتله: الأشعث بن الحارث بن عميرة.

стр. 3040

وقال هشام بن محمد الكلبي عن أبي مخنف: كان صالح بن مسرّح أحد بني إمرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ويكنى أبا مالك متخشعا، فأتاه شبيب بن يزيد الشيباني، فقال له صالح: إن الحكيم السعيد إذا سمع الحق نوّر الله قلبه وجلا العمى عن بصره. ثم إن شبيبا أتى الموصل وهو يريد الشام في أمر من أموره، فقدم صالح بن مسرح الموصل وهو بها، وصالح يريد نصيبين للقاء قوم من أصحابه بها، فصار صالح إلى نصيبين، ومضى شبيب إلى عبد الملك بن مروان بالشام، ثم أتى دار صالح بن مسرح بها فقال لصالح: يا أبا مالك رحمك الله، أخرج بنا فوالله ما تزداد السّنة إلا دروسا ولا يزداد المجرمون إلا طغيانا واستجراحا. فبعث صالح الرسل إلى أصحابه فتواعدوا للخروج في صفر سنة ست وسبعين ليلة أربعاء، فاجتمعوا جميعا للميعاد، فقال شبيب لصالح: أرى أن نستعرض الناس فإنّ الكفر قد علا وإنّ الظلم قد فشا. فقال صالح: بل ندعوهم فإن الدعاء أقطع للحجة، ولا نريد أن نعيب على قوم أعمالا ندخل فيها، وكان رأي صالح البسط بعد الدعاء، فأقاموا بأرض دارا (١) بضع عشرة ليلة، فتحصن منهم أهل دارا ونصيبين وسنجار. وكان خروج صالح في مائة وعشرين فأخذوا دواب من دواب محمد بن مروان كانت بقربهم، وقد كان أمرهم بلغ محمدا فاستخف به وهو على الجزيرة ونواحيها من قبل أخيه عبد الملك بن مروان، فوجّه محمد إليهم

стр. 3041

عدي بن عدي بن عميرة الكندي في خمسمائة، ثم أمدّه بخمسمائة فصار في ألف، فأتى الخوارج وهم بدوغان (١) من حرّان، وقد جعل صالح على ميمنته شبيبا وعلى ميسرته سويد بن سليم. وكان عدي متنسّكا متوقيا للدماء، فأرسل إلى صالح: إني لست على رأيك ولكني أكره سفك الدماء، فواقعه، فكبّ عديّ رايته وهرب فحوى صالح عسكره فغضب محمد بن مروان، وبعث مكانه الحارث بن جعونة العامري في ألف وخمسمائة، وبعث أيضا خالد بن جزي السّلمي في ألف وخمسمائة وقال: أيكما سبق فهو الأمير، فتوافيا جميعا، فوجه صالح شبيب إلى (الحارث بن) جعونة العامري في شطر أصحابه، وتوجّه هو إلى خالد بن جزي في النصف الثاني، فاقتتلوا بآمد (٢) حتى حجز المساء بينهم وقد قتل من الخوارج ثلاثون ومن أصحاب محمد بن مروان سبعون، وسار صالح فيمن بقي معه حتى أتى الموصل ثم أتى إلى الدّسكرة. ووجّه بشر بن مروان الحارث بن عميرة بن مالك بن حمزة بن أنفع بن زبيب بن شراحيل، وكان يقال لحمزة: ذو المسعار الهمداني في ثلاثة آلاف من أهل الكوفة، وصالح في تسعين، ويقال بل وافاه في أربعة آلاف من مقاتلة أهل الكوفة وستة آلاف من الفرض. وكان على ميمنة الحارث بن عميرة أبو الرواع الشاكري من همدان، وعلى ميسرته الزبير بن الأروج التميمي، فثبت صالح فقتل، وضارب

стр. 3042

شبيب حتى صرع عن فرسه فوقع في الرّجالة، فلما رأى صالحا قتيلا قال: إليّ يا معاشر المسلمين. فلاثوا به واجتمعوا إليه وحامى بعضهم على بعض حتى دخلوا حصنا بجواثا (١) فقال لهم شبيب: بايعوني أو من شئتم منكم، ثم اخرجوا بنا حتى نبيتهم فإنّ الليل أخفى للويل، وهم آمنون لكم. فبايعوا شبيبا وأتوا باللّبود فبلّوها بالماء ثم ألقوها على الجمر وخرجوا فلم يشعر ابن عميرة وأصحابه إلا والخوارج يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم، وضارب الحارث بن عميرة حتى صرع فاحتمله أصحابه وانهزموا وخلّوا لهم العسكر وما فيه ومضوا إلى المدائن. ومات ابن عميرة، ويقال إن صالحا جرح جراحات مات منها في ليلته، وأمر أن يبايع شبيب بعده واستخلفه والأول أثبت. وكان قتل صالح بن مسرح في أيام بشر بن مروان، وقال قوم: كان قتله في سنة ست وسبعين يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، ويقال يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة. وقال الجعد بن ضمام: أيا عين فابكي صالحا إنّ صالحا … شرى نفسه لله يبغي بها الخلدا وقد كان ذا رأي ثخين ورأفة … صفوحا عن العوراء يدفعها عمدا وقد كان في الحرب العوان يشبّها … ويسعرها بالخيل محبوكة جردا في أبيات.

стр. 3043

وقال أعشى همدان، وهو عبد الرحمن بن بسطام، أحد بني مالك بن حاشد بن جعشم بن خيران بن نوف بن همدان: إلى ابن عميرة تحدي بنا … على أينها (١) القلص الضمّر ولابن المسرّح في جحفل … دلفت وفرسانه حضّر شبيب وقعنبهم والبطين … وعمرو وفارسهم أبجر ليوث عرين هم ما هم … إذا حكّموا وإذا كبّروا فلم ير تحت ظلال السيو … ف مثلك محتسبا أصبر ولا مثل أشبالك الضاريا … ت ولا مثل معشركم معشر وقال رجل من بني تميم يرثي صالحا، واسمه المنهال: أمنهال إنّ الموت غاد وروائح … ولا خير في الدنيا وقد مات صالح إذا قلت أنسى صالحا عاد ذكره … جديدا لما انضمّت عليه الجوانج لئن كان أمسى صالحا ثلّ عرشه … لقد كان لا تخشى عليه الفضائح في أبيات. وقال الحويرث الراسبي: أقول لنفسي في الخلاء ألومها … هبلت دعيني قد مللت من العمر ومن عيشة لا خير فيها دنيّة … مذمّمة عند الكرام ذوي الصّبر سأركب حدباء الأمور لعلني … ألاقي التي لاقى المحرّق في القصر وما كان غمرا صالح غير أنّه … رمته صروف الدهر من حيث لا يدري

стр. 3044

أمر يزيد بن بعثر قال الهيثم: خرج يزيد بن بعثر السعدي من تميم بجوخى (١)، فوجّه إليه بشر بن مروان خيلا فقتل. فقال عمران بن حطّان: لقد كان في الدنيا يزيد بن بعثر … حريصا على الخيرات حلوا شمائله في أبيات. وقال الهيثم بن عدي: خرج في أيام ابن عربي وولايته اليمامة خوارج من السجن، وكانوا مقيّدين فحكّموا، فقال لهم رجل منهم: أطلقوا قيودكم. قالوا: ولم؟ لسنا نريد الفرار. فلم يخرج إليهم إبراهيم بن عربي وأخرج رجلا يقال له عطية بن جناب من أصحابه، ومعه رجل من موالي آل أبي مرثد الغنوي فقاتلاهم فقتل الخوارج.

стр. 3045

أمر هدبة الطائي بن عمرو من بني جدعاء، وأمه شيبانية وكان فيهم. وقال: وخرج هدبة الطائي بجوخى على بشر بن مروان في جماعة فقتله سيف بن هانئ، وكان على مسالح جوخى والطريق، وكان موكلا بقتال الخوارج في نواحيه، فقال أيوب بن سعفة: إن يك خلّي هدبة اليوم قد مضى … فإني بآلاء الفتى أنا نادبه فيا هدب للهيجا وللسّيف والقنا … ويا هدب يوما للخصيم يجاذبه في أبيات. ويقال: إنّ هدبة شيباني وهو هدبة بن عبد عمرو من ولد قيس بن خالد الشيباني، وقال المدائني: قتل هدبة سيف في أيام الحجاج.

стр. 3046

أمر شبيب بن يزيد الشيباني قال ابن الكلبي عن لوط وغيره: غزا يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة الروم فابتاع جارية من السبي ووقع عليها فولدت له شبيب بن يزيد في سنة خمسة وعشرين في يوم النحر، فقال أبوه: ولد في اليوم الذي تهراق فيه الدماء، وأحسبه سيكون صاحب دماء، وكان اسم أم شبيب جميرة. وقال الهيثم بن عدي: كان اسم أمه غزالة واسم امرأته جهيزة بنت عمرو. قال الكلبي: وانتقل يزيد من الكوفة إلى الموصل وكان شبيب صاحب فتك وغارات وكان يبيت الأكراد، فقال الشاعر: لم أر أياما كأيام مالك … ولم أر ليلا مثل ليل شبيب وكان مالك رجلا يغير بالنهار فيأخذ ما استطفّ (١) له، وكان شبيب في الديوان فرض له حين أدرك. ثم إنه تنسّك وارتدع، وذلك أنه سمع رجلا

стр. 3047

يقرأ: ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً. إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً. فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ (١)، فقال: ما أغفل شبيب عما خلق له وعما يراد به، فأعجب أباه ما رأى من حاله. ثم إن شبيبا حج فأتى الكوفة فنزل على القعقاع بن شور الذّهلي في بدأته فبرّه وأكرمه، ثم سار فلما قضى حجته وصار بالربذة أيدع به (٢) وانقطع بقوم معه أيضا فمرت بهم هند بنت أسماء بن خارجة الفزاري فقاموا إليها فسألوها فأمرت لهم بزاد وحملان. ثم إن شبيبا قدم الكوفة فجعل يسأل عن أهل العبادة والصيام فدلّ على صالح بن مسرح، فسمع منه وقبل قوله. ومضى شبيب بعد أن لقي صالحا إلى الموصل، وسار صالح يريد نصيبين للقاء أصحاب له هناك، ثم أتى دارا ومضى شبيب إلى عبد الملك بن مروان وقد كان اسمه سقط من الديوان لكثرة غيبته وتخلفه عن الإعتراض من العرّاض فحلّق على اسمه فكلم الناس عبد الملك في الفكّ عن اسمه وإدرار أرزاقه عليه فأبى وقال إنّ بكر بن وائل وبني تميم حيّان كثير شرّهما وما أحبّ أن يكثروا بهذه البلاد. فأخبر شبيب بقول عبد الملك فقال: والله لأسوءنّه فأبلغوه عني فله مني يوم أرونان (٣).

стр. 3048

ثم قدم على صالح بن مسرّح وهو بدارا فكان منه ما ذكرنا، وقتل صالح فبايعه أصحابه. وقال الهيثم بن عدي: كان بنو مروان لا يفرضون لبكر ولا تميم بالشام فخرج شبيب يطلب الفريضة وقد سبقه صالح بن مسرّح بالخروج والخوارج يرون من خرج منهم، ثم خرج بعده آخران الثاني تبع للأول فكان شبيب معه حتى قتل فبويع بعده فوجّه إليه بشر بن مروان خيولا فهزمها شبيب. وأقام على ذلك نحوا من سنة حتى مات بشر بن مروان، وقدم الحجاج العراق، فأقام سنة لا يعرض لشبيب حتى كثف أمره واشتدت شوكته. وبلغ قطري بن الفجاءة خروج شبيب في أيام الحجاج فقال: إن الله قد قيّض للفاسق أخي ثمود رجلا من الصّفرية سيشجيه ويخزيه، والله ما نبالي في أيّ الفريقين كان الفتح. وقال ابن الكلبي: لما اعتقد شبيب ارتفع إلى أرض الموصل، فدعا سلامة بن سيّار الشيباني إلى الخروج معه، وكان فضالة بن سيار أخوه يقول: الفضل بن سيار قد خرج قبل خروج صالح بن مسرّح فقتلته عنزة، ففرض لهم عبد الملك وأنزلهم بانقايا من حرّة الموصل - فاختار سلامة من أصحابه ثلاثين فأغار بهم على عنزة فقتل منهم بشرا، وقال شعرا يقول فيه: فصبّحتهم قبل الشّروق بفتية … مساعير لا كشف اللّقاء ولا عزل وليست دماء اليقدميّين بالّتي … توازي دماء الحيّ شيبان في القتل لعلّ جيادي أن تعود عليهم … فتنزلهم دار الصّغار مع الذّلّ

стр. 3049

فيقال: إن سلامة كان معه، ويقال إنه اعتذر بشغل له. وأقبل شبيب في أصحابه نحو زاذان (١) ومعه أمه في مظلة من مظالّ الأعراب، وكان حملها من الموصل معه، وانضمّ إليه قوم، منهم أبو الصقر ابراهيم المحلّمي وكان نازلا في بني تميم بن شيبان، وكان الحجاج قد ولى سفيان بن أبي العالية الخثعمي طبرستان فكتب إليه أن ينكفئ راجعا لمواقعة شبيب، ونادى في جيش الحارث بن عميرة الهمداني بالكوفة والمدائن فساروا عليهم سورة بن أبجر بن نافع بن العرباض أحد بني أبان بن دارم فلم يتخلف منهم كثير أحد. وعجل سفيان بن أبي العالية إلى محاربة شبيب بخانقين قبل مصير سورة إليه، وأكمن شبيب لابن أبي العالية مصاد بن يزيد أخاه، واستطرد لهم حتى ظنوا أنهم قد هزموه، ثم خرج عليهم الكمين فقاتلوهم من ورائهم، وكرّ شبيب فواجههم فانهزموا، وثبت سفيان بن أبي العالية في نحو من مائتين فقاتلهم فأحاط به أصحاب شبيب فقاتل دونه غلام له يقال له غزون. وأقبل سفيان إلى مهروذ (٢) فنزل بها وكتب إلي الحجاج بخبره ومواقعته شبيبا بخانقين، وكتب الحجاج إلى سورة يعنّفه ويأمره أن يأتي شبيبا، فبعث سورة إلى المدائن فانتخب له منها خمسمائة رجل من جندها فتوافوا إليه مع من معه وخرج لطلب شبيب وهو يجول (بجوخى) وأتى شبيب المدائن فقتل من ظهر له وأخذ دواب من دواب الجند ولم يدخل البيوت.

стр. 3050

ثم إن شبيبا أتى النهروان فوقف أصحابه على قبور من قتله علي بن أبي طالب فاستغفر لهم وكان في مائة، فلقيه سورة في نخبة من معه فقاتله شبيب وهو يقول: «من ينك العير ينك نيّاكا». فهزمه شبيب واتبعه حتى بلغ المدائن ودنا من بيوتها، فرمي وأصحابه من فوق البيوت. ثم أتى شبيب كلواذى (١)، ثم أقبل يسير إلى أرض جوخى وصار إلى جبال تكريت ولحق الجند بالكوفة فغضب الحجاج على سورة بن أبجر وقال: والله لأسوءنّه، ووجّه الجزل وهو سعيد بن شرحبيل بن عمرو بن الأرقم الكندي، وبعضهم يقول سعيد بن عمرو. والأول أثبت. وضم إليه أربعة آلاف مقاتل، وأقبل الجزل يطلب شبيبا في أرض جوخى وشبيب يريه الهيبة له فيخرج من طسّوج إلى طسّوج، وكان يومئذ في ستين ومائة. واستبطأ الحجاج الجزل فولّى سعيد بن المجالد بن عمير بن ذي مرّان الهمداني - جدّ المجالد بن سعيد المحدّث - جيشه وضمّه إليه فصار من تحت يده وقال له: لا تفعل كما فعل الكندي يطلب طلب السّبع ويحيد حياد الضّبع. وأتى شبيب براز الروز (٢) فالتقوا وعلى ميمنة ابن المجالد عياض بن أبي لينة وعلى ميسرته عبد الرحمن بن عوف الرؤاسي أبو حميد بن عبد الرحمن، فهزمهم شبيب وحمل على سعيد بن المجالد فضربه ضربة خالطت دماغه فقتله شبيب.
следующие страницы →