← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لما انتهى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، لقي به إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ وأتي بقدح من لبن وقدح من خمر، فنظر إليهما فأخذ اللبن فشربه، فقال جبريل: هديت للفطرة. - قالوا: وكذّبته قريش بمسراه. فوقف فأخبرهم عن بيت المقدس وآياته، وأخبرهم عن ناقة شردت لبعضهم ببعض الطريق. فسألوا عن ذلك، فوجدوه كما قال ﷺ . - حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ (١). قال: رأي عين. - حدثني عبد الله بن صالح العجلي، عن ابن أبي الزناد. حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي عن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أسري بروح رسول الله ﷺ وهو نائم على فراشه. - حدثني إسحاق وبكر بن الهيثم، قالا: ثنا عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن قتادة عن الحسن، قال: أسري بروح رسول الله ﷺ وهو نائم على فراشه. - حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: رؤيا الأنبياء وحي.

стр. 317

-قالوا: وجاء رسول الله ﷺ بفرض الصلاة الخمس ركعتين ركعتين، وإنما كانت الصلاة قبل ذلك بالعشي، ثم صارت بالغداة والعشي ركعتين ركعتين. ثم صارت الصلوات خمسا، ركعتين، ركعتين. ثم أتمت صلاة المقيم أربعا، ويقيت صلاة المسافر على حالها، وذلك بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة بشهر.

стр. 318

أمر الهجرة: - قالوا: ولما شخص السبعون الذين بايعوا عند العقبة، اشتدّ ذلك على قريش، ورأوا أنه قد صارت لرسول الله ﷺ منعة ودار هجرة. فضيّقوا على المسلمين وآذوهم ونالوا منهم من الشتم والتناول ما لم يكونوا ينالونه. فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، وسألوه الهجرة، فقال: إنه لم يؤذّن لي في ذلك بعد، ثم إنه خرج عليهم بعد ذلك بأيام مسرورا، فقال: قد أخبرت أن دار هجرتكم يثرب؛ فمن أراد الخروج فليخرج فإن البلاد قريبة وأنتم بها عارفون وهي طريق عيركم إلى الشأم. فجعلوا يتجهزون إلى المدينة في خفي وستر، ويتسللون، فيقال إنه كان بين أولهم وآخرهم أكثر من سنة، وجعلوا يترافدون بالمال والظهر، ويترافقون. وبلغ من بالحبشة من المسلمين هجرة إخوانهم، فقدم من قدم منهم المدينة للهجرة مع النبي ﷺ . وكان ممن قدم المدينة (١) أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. واسم أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، ثم هاجر، فكان الثالث

стр. 319

بعد مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم. وكان مصعب أول من قدمها، وجّهه رسول الله ﷺ ليعلّم الناس القرآن. ثم تلاه ابن أم مكتوم. وسمعت من يذكر أن أبا سلمة قبل ابن أم مكتوم. والخبر الأول أثبت. - حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وبكر بن الهيثم، قالا: ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ المدينة مصعب بن عمير وابن أم مكتوم. قال الواقدي: وقد روي أن مصعبا صار من المدينة إلى مكة، ثم هاجر منها إلى المدينة مع رسول الله ﷺ وأصحابه. - حدثنا عمرو بن محمد، ومحمد بن سعد، عن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن عمر. عن نافع، عن ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون من مكة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، نزلوا العصبة (١). فكان سالم مولى أبي حذيفة يؤمهم لأنه كان أكثرهم قرآنا، وفيهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد. - قالوا: وكانت أم سلمة بنت أبي أمية أول ظعينة وردت المدينة. وكان زوجها أبو سلمة لما أراد الهجرة، رحل لها بعيرا وحملها عليه، وفي حجرها ابنها سلمة. فلما رآه رجال بني المغيرة قالوا: هذه نفسك قد غلبتنا عليها؛ فما بال صاحبتنا؟ لا ندعك وتسييرها في البلاد. ثم انتزعوا خطام البعير من يده، وأخذوها إليهم، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد بن هلال، وقالوا: والله لا نترك ابنها عندكم إذا نزعتموها من يد صاحبنا،

стр. 320

يعنون أبا سلمة. وتجاذبوا سلمة بينهم، حتى خلعوا يده، فكانت مخلوعة حتى مات. ثم انطلقوا به. فكانت، وهي عند أهلها من بني المغيرة، تخرج فتقعد على الصفا، ثم تقول: يا رخم الجوّ ألا استقلّي … وفي بني عبد الأسد فحلّي ثم هلالا وبنيه فلّي ثم تدعو عليهم أن تأكل الرخم لحومهم، فروي عنها أنها قالت: جلست بالأبطح أبكي، وكنت أفعل ذلك كثيرا، فرآني ابن عم لي، فكلم بني المغيرة فيّ وقال: ألا ترون ما بهذه المسكينة من الجهد لتفريقكم بينها وبين زوجها وولدها؟ فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. وردّ على بنو عبد الأسد ابني. فرحلت بعيري، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد أبا سلمة بالمدينة، فلما كنت بالتنعيم، لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال: أين تريدين يا ابنة أبي أمية؟ قلت: أريد زوجي بيثرب. فقال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله. فقال: مالك مترك. وأخذ بخطام البعير وانطلق معي يقودني، فو الله ما رأيت أكرم مصاحبة منه: كنت أبلغ المنزل، فينيخ جملي ثم يستأخر عني. فإذا نزلت، حطّ عن بعيري، وقيده، ثم أتى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح، قدّم البعير فرحله ثم استأخر وقال: اركبي. فإذا استويت على البعير، قادني. فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. فلما رأى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة. - وقدم المدينة بعد أبي سلمة، عامر بن ربيعة العنزي، وبلال،

стр. 321

وسعد، وعمر، وعمار. وخرج الناس مهاجرين متتابعين، فلم يبق منهم إلا من حبسته قريش، ولم يبق بمكة من بني أسد بن خزيمة أحد، حتى أغلقوا أبوابهم. وأغلقت أبواب بني البكير - وغير الكلبي يقول: بني أبي البكير - وأبواب بني مظعون. فمرّ عتبة بن ربيعة بدور بني جحش، فإذا أبوابها تخفق وليس فيها أحد، فتمثل قول الشاعر: وكل دار وإن طالت سلامتها … يوما ستلحقها النكراء والحوب وبقي رسول الله ﷺ وعليّ، وأبو بكر رضي الله تعالى عنهما، ليس معهم غيرهم، وأراد أبو بكر الهجرة، فسأله رسول الله ﷺ أن يحبس نفسه عليه. وكان قد علف راحلتين له ورق السمر أربعة أشهر. فلما أذن لرسول الله ﷺ في الهجرة، أتى أبا بكر، فأعلمه الهجرة، فأعطاه إحدى تينك الراحلتين، وهي ناقة رسول الله ﷺ القصواء، من نعم بني قشير، فلم تزل عنده، وماتت في أيام أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ وكانت مرسلة ترعى بالبقيع لا تهاج. ويقال بنقيع (١) الخيل. - قالوا: تناظرت قريش في أمر رسول الله ﷺ حين هاجر أصحابه، فقال أبو البختري العاص بن هاشم: نخرجه فنغيّب عنا وجهه ليصلح ذات بينها. وقال آخر: بل يقيد ويحبس حتى يهلكه، ثم فرق (٢) رأيهم على أن يأخذوا من كل قبيلة من قريش غلاما نهدا جلدا وسيطا، فيعطوه سيفا صارما، ثم يجتمع أولئك الغلمان فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مناف ما يصنعون، ولا يقوون على حرب

стр. 322

آلاف درهم. وذلك أنه أنفق ماله في الرقاب والعون على الإسلام. - قالوا: وكانت عند رسول الله ﷺ ودائع، وإنما كان يسمى الأمين، فوكل عليا ﵇ بردّها على أهلها. فلما وفاهم إياها، شخص إلى المدينة، حتى نزل على كلثوم بن الهدم ورسول الله ﷺ عنده. - قالوا: ولقي رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه، فيما بين مكة والمدينة، وهم يريدون موقع سحابة. فسايلوه سايلهم. فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، واعتذروا بقلة اللبن معهم، وقالوا: مواشينا شصص (١). وجاءه بلبن، فشربه وأبو بكر. ودعا لهم بالبركة. أم معبد: - ومرّ رسول الله ﷺ بأم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف الخزاعي، وهي امرأة أكثم بن الجون - والجون عبد العزى - بن منقذ الخزاعي. فأتت رسول الله ﷺ بشاة مصور (٢) ليذبحها، فمسح ضرعها فإذا هي ذات درّ. فقال رسول الله ﷺ : لا تذبحيها. فأتت بشاة أخرى، فذبحت وطبخ لحمها لهم. فأكل رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وابن أريقط. وسفّرتهم منها بما وسعته سفرتهم، وبقي عندها أكثر لحمها، وقالت أم معبد: لقد بقيت الشاة التي مسح رسول الله ﷺ ضرعها إلى عام الرمادة، وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة، فكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير. وقال الشاعر في نزول رسول الله ﷺ بأم معبد:

стр. 323

جميع قريش. وكان الذي أطلع لهم هذا الرأي شيخ من أهل نجد، ويزعمون أنه الشيطان. وأتى جبريل رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر، وأنزل الله عليه: ﴿وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ (١). وقوله «ليثبتوك» أي ليقيدوك. فأتى رسول الله ﷺ منزل أبي بكر، وأمر عليا فنام على فراشه. فلما دخلوا بيته وهم يرون أنه نائم على فراشه. فقام إليهم عليّ ﵇، فقالوا: أين ابن عمك؟ قال: لا علم لي به. ويقال إنهم رموه وهم يظنون أنه نبي الله فلما قام، تركوه وسألوا عن النبي ﷺ فأخبرهم أنه لا علم له به. - قالوا: وخرج النبي ﷺ وأبو بكر من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، حتى أتيا غار ثور، فصارا فيه، وكان عامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر، فيعزب بها ثم يبيت قريبا، ولا يبعد. فكانا يصيبان من رسلها (٢). فاستأجر أبو بكر رجلا دليلا، يقال له عبد الله بن أريقط الديلي، من كنانة بن خزيمة. وصنع آل أبي بكر لرسول الله ﷺ وأبي بكر سفرة، وذبحت شاة وطبخ لحمها، وجعل في جراب. فقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب، فقال رسول الله ﷺ : إنّ لها نطاقين في الجنة. فسميت «ذات النطاقين» ويروى أنه كان لها نطاق تنتطق به في منزلها، ونطاق تنتطق به إذا حملت الطعام لرسول الله ﷺ وأبي بكر، فقيل لها ذات النطاقين. - قالوا: وبعثت قريش قائفين يقصّان آثار رسول الله ﷺ . أحدهما كرز بن علقمة بن هلال الخزاعي. فاتّبعاه، حتى انتهيا إلى غار ثور. فرأى

стр. 324

آلاف درهم. وذلك أنه أنفق ماله في الرقاب والعون على الإسلام. - قالوا: وكانت عند رسول الله ﷺ ودائع، وإنما كان يسمى الأمين، فوكل عليا ﵇ بردّها على أهلها. فلما وفاهم إياها، شخص إلى المدينة، حتى نزل على كلثوم بن الهدم ورسول الله ﷺ عنده. - قالوا: ولقي رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه، فيما بين مكة والمدينة، وهم يريدون موقع سحابة. فسايلوه سايلهم. فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، واعتذروا بقلة اللبن معهم، وقالوا: مواشينا شصص (١). وجاءه بلبن، فشربه وأبو بكر. ودعا لهم بالبركة. أم معبد: - ومرّ رسول الله ﷺ بأم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف الخزاعي، وهي امرأة أكثم بن الجون - والجون عبد العزى - بن منقذ الخزاعي. فأتت رسول الله ﷺ بشاة مصور (٢) ليذبحها، فمسح ضرعها فإذا هي ذات درّ. فقال رسول الله ﷺ : لا تذبحيها. فأتت بشاة أخرى، فذبحت وطبخ لحمها لهم. فأكل رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وابن أريقط. وسفّرتهم منها بما وسعته سفرتهم، وبقي عندها أكثر لحمها، وقالت أم معبد: لقد بقيت الشاة التي مسح رسول الله ﷺ ضرعها إلى عام الرمادة، وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة، فكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير. وقال الشاعر في نزول رسول الله ﷺ بأم معبد:

стр. 325

جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبرّ وارتحلا به … فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمسلمين بمرصد ووصفت أم معبد رسول الله ﷺ صفة سنذكرها إن شاء الله تعالى. - قالوا: ولما جعلت قريش لمن اتبع رسول الله ﷺ وأبا بكر فقتلهما أو أتى بهما مائة ناقة - ويقال: ديتهما - أتبعهما سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ثم المدلجي، فلما قرب منهما ساخت قوائم فرسه، فطلب الأمان، وأخبر رسول الله ﷺ بما جعلت قريش فيه وفي أبي بكر فكتب له رسول الله ﷺ كتاب أمنة وموادعة، في قطعة أديم. فلم يزل الكتاب عنده حتى أتاه به وهو بين الطائف والجعرانة، وأسلم. - وكان قدوم رسول الله ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وكان الناس مستشرفين لقدومه، قد استبطؤوه، فرآه يهودي على بعض تلك الآطام (١)، فنادى: يا معشر العرب، هذا صاحبكم. فكبر بنو عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس تكبيرة رجل واحد. فصار رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف، فنزل فيهم على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس، من ولد عمرو بن عوف، بقباء. وذلك الثبت. فأقبل الناس يأتونه، يسلمون عليه. وقال بعضهم: نزل على سعد بن خيثمة بن الحارث، أحد بني السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس. وذلك أنه كان يكثر إتيانه للحديث عنده، فظنّ قوم أنه نازل عليه.

стр. 326

-حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن موهب، عن يزيد بن رومان، عن عروة قال: كان رسول الله ﷺ يتحدث في بيت سعد بن خيثمة، هو وأصحابه. ويؤتى للسلام عليه وهو به. فلذلك قال الناس: نزل على سعد، وكان نزول الناس جميعا على بني عمرو بن عوف، لم يتجاوزهم. - قالوا: فأقام رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، ثم خرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فجمع في بني سالم، من بني النجار. ويقال: بل أقام بقباء ثلاثا وعشرين ليلة، ويقال: بضع عشرة ليلة، وكان من تقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد أبي سلمة بن عبد الأسد، ومن نزلوا عليه بقباء بنوا مسجدا يصلون فيه. والصلاة يومئذ إلى بيت المقدس. فجعلوا قبلته إلى ناحية بيت المقدس، فلما قدم رسول الله ﷺ صلى بهم فيه، وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين من مكة إلى المدينة. ثم أمهم بالمدينة حتى قدم النبي ﷺ . - حدثني الحسين بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى، عن اسرائيل، عن منصور، عن مالك بن الحارث، قال: كان سالم غير معروف نسبه، وكان يؤمّ المهاجرين من مكة إلى المدينة، وبالمدينة لأنه أقرؤهم، وإنّ فيهم لعمر بن الخطاب، وذلك قبل قدوم النبي ﷺ المدينة. - حدثني عمرو بن محمد الناقد والحسين بن الأسود قالا، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سفيان، عن مسروق. أن النبي ﷺ قال: خذوا القرآن عن أربعة: عن ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة.

стр. 327

-وحدثني الحسين بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. أن المهاجرين لما قدموا مكة إلى المدينة، نزلوا إلى جنب قباء، فأمّهم سالم مولى أبو حذيفة، لأنه كان أكثرهم قرآنا، وإنّ فيهم لعمر بن الخطاب، وأبا سلمة بن عبد الأسد. - وحدثني محمد بن حاتم، ثنا عبد الله بن نمير، عن نافع، عن ابن عمر بمثله. قال الواقدي: المجتمع عليه أن سالما مولى أبي حذيفة لما شخص عن مكة مهاجرا، كان يصلي بالمهاجرين إلى المدينة ثم صلى بهم إلى قدوم النبي ﷺ ، لأنه كان أقرأهم لكتاب الله. - وقدم عليّ ﵇ المدينة، فنزل على كلثوم بن الهدم. فكان يرى رجلا يجيء إلى امرأة في جواره بعد هّدء من الليل، فتفتح له بابها، فيدخل الدار ثم يخرج. فقال لها في ذلك. فقالت: يا عبد الله، إني امرأة مسلمة أرملة، والرجل الذي يأتيني سهل بن حنيف يدور على قومه فيكسر أصنامهم ويأتيني بها لأوقدها إن طبخت. قالوا: وكان عبد الله بن جبير، وسهل بن حنيف يكسران الأصنام ويأتيان بها المسلمين ليستوقدوا بها. - وحدثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط. أن جندع بن ضمرة الجندعي كان بمكة. فمرض، فقال لبنيه: أخرجوني منها، فقالوا: إلى أين. فأومأ بيده نحو المدينة، وهو يريد الهجرة. فلما بلغ أضاة بني غفار (١)، مات. فأنزل الله : ﴿وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾

стр. 328

﴿مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ (١). وقال الواقدي: هاجر بعد بدر، وهو جندب الجندعي. وبعضهم يقول: نزلت الآية في أكثم بن صيفي. وذلك غير ثبت. وحدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا هشيم بن بشير، أنبأ أبو بشر، عن سعيد بن جبير. في قوله: ﴿وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ،﴾ الآية، قال: وكان رجل من خزاعة، يقال له ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع. لما أمر النبي ﷺ بالهجرة، فأمر لأهله أن يفرشوا له على سرير ويحملوه إلى رسول الله ﷺ . ففعلوا. فمات بالتنعيم. فنزلت فيه الآية. - قالوا: وكان عبد الله بن سلام يقول: كنت تعلمت التوراة من أبي، وعرفت تأويلها. فوقفني ذات يوم على صفة النبي ﷺ وعلاماته وأمره، وقال: إن كان من ولد هارون اتبعته وإلا فلا، ومات قبل قدوم النبي ﷺ المدينة، قال: فلما قدم رسول الله ﷺ ، كنت في عذق لي أجني رطبا. فسمعت صائحا من بني النضير يقول: قد قدم صاحب العرب اليوم. فأخذني أفكل (٢)، وكبرت تكبيرة عالية. وعمتي تحتي، وهي عجوز، فقالت: أي خبيث، والله لو كان موسى القادم، مازدت على ما صنعت، فقلت: إنه أخو موسى ونبي مثله، ثم نزلت، فأتيت رسول الله ﷺ فرأيت صفته، فعرفتها. وحدّثته حديث أبي، وأسلمت، فيقال إنّ قول الله : ﴿شَهِدَ﴾

стр. 329

﴿شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ (١) نزل في عبد الله بن سلام. ثم أسلمت عمته، وأسلم مخيريق اليهودي. - قالوا: وركب رسول الله ناقته القصواء، والناس معه عن يمينه وشماله. فجعل لا يمرّ بقوم من الأنصار إلاّ قالوا: هلم هلمّ يا رسول الله في القوة والمنعة والثروة. فيقول لهم خيرا، ويقول: إنها مأمورة، خلوا سبيلها. وقد أرخى رسول الله ﷺ زمامها. فبركت عند مسجد رسول الله ﷺ ، وكان مربدا ليتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فيه جدار كان أسعد بناه تجاه بيت المقدس فكان يصلي إليه من أسلم قبل قدوم مصعب بن عمير. ثم صلى بهم إليه مصعب. ويقال إنّ أسعد كان يصلي بهم قبل قدوم مصعب وبعده إلى قدوم المهاجرين، لأن مصعبا لم يزد على تعليمهم القرآن. والله أعلم. قالوا: فلما بركت الناقة فضربت بجرانها واطمأنت، نزل رسول الله ﷺ . فجاء أبو أيوب، وامرأته أم أيوب، والناس يكلمون رسول الله ﷺ في النزول عليهم، فحطا رحله وأدخلاه منزلهما. فلما رآهما قد فعلا ذلك، قال: المرء مع رحله. وأخذ أبو أمامة أسعد بن زرارة بزمام الناقة، فأدخلها منزله. فكانت عنده. ويقال إن أبيّ بن كعب أخذها إلى منزله. وكونها عند أسعد أثبت. وقال أبو أيوب: بأبي أنت وأمي، إني أعظم أن أكون فوقك وأنت تحتي. فتحوّل وأهله إلى أسفل، ونزل رسول الله ﷺ في علوّ داره. وجعل بنو النجار يتناوبون في حمل الطعام إلى رسول الله ﷺ مقامه في منزل أبي أيوب، وبعثت إليه أم يزيد بن ثابت بثردة مرّواة سمنا ولبنا. - وقيل لأم أيوب، وكان مقام رسول الله ﷺ في منزل زوجها سبعة أشهر: أي الطعام كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ ؟ فقالت: مارأيته أمر بطعام

стр. 330

يصنع له بعينه، ولا رأيته ذم طعاما قطّ؛ ولكنّ أبا أيوب أخبرني أنه تعشى معه ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة، فيها طفشيل (١)، فرآه ينهكها نهكا لم يره ينهكه غيرها. فكنا نعملها له. وكنا نعمل له الهريس، فنراه يعجبه. وكان يحضر عشاءه الخمسة إلى الستة إلى العشرة. - وروى أن أسعد بن زرارة كان يتخذ لرسول الله ﷺ ليلة وليلة لا. فإذا كانت الليلة التي يتوقعها فيها، قال ﷺ : «هل جاءت قصعة أسعد»؟ فيقال: نعم. فيقول: «هلموا بها». فنعلم أنها تعجبه. - قال كعب بن مالك الأنصاري: الله أكرمنا بنصر نبينا … وبنا أقام دعائم الإسلام وبنا أعز نبيه ووليه … وأعزّنا بالنصر والإقدام في كل معترك تطير سيوفنا … تلك الجماجم عن فراخ الهام نحن الخيار من البرية كلها … ونظامها وزمام كل زمام الخائضو غمرات كل منية … والضامنون حوادث الأيام فسلوا ذوي الآكال عن سرواتنا … يوم العريض فحاجر فرؤام إنا نمنّع ما أردنا منعه … ونجود بالمعروف للمعتام (٢) ينتابنا جبريل في آياتنا … بفرائض الإسلام والأحكام في أبيات. وقال أبو قيس صرمة بن أبي أنس يذكر النبي ﷺ :

стр. 331

ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكّر لو يلقى صديقا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا أظهر الله دينه … فأصبح مسرورا بطيبة راضيا في أبيات. وقال أبو أحمد بن جحش الأعمى الأسدي: فلو حلفت بين الصفا أم أحمد … ومروتها يوما لبّرت يمينها لنحن الألى كنا بها ثم لم نزل … بمكة حتى عاد غثا سمينها بها خيمت غنم بن دودان وابتنت … ومنها غدت غنم فخفّ قطينها إلى الله تغدو بين مثنى وواحد … ودين رسول الله بالحق دينها وقال أبو أحمد أيضا: ولما رأتني أمّ أحمد غاديا … بذمة من أخشى بغيب وأرهب تقول: فإمّا كنت لا بدّ فاعلا … فيمم بنا البلدان من غير يثرب فقلت لها: لا إنّ تلك مظنة … وما يشأ الرحمن فالعبد يركب إلى الله وجهي والرسول ومن يقم … إلى الله يوما وجهه لا يخيّب فكم قد تركنا من حميم مناصح … وناصحة إن تنع تبك وتندب وكم من عدو قد تركنا وراءنا … مجدّ مباد للعداوة مجلب نمتّ بأرحام إليهم قريبة … ولا قرب للأرحام ما لم تقرّب وأبو أحمد الذي يقول: أبني أمية كيف أظلم فيكم … وأنا أبنكم وحليفكم في العسر ولقد دعاني غيركم فأبيته … وأجبتكم لنوائب الدهر وبلغ أبا أحمد أنّ أبا سفيان بن حرب باع دورهم ودار عثمان، وقضى من ثمنها دينا عليه، فقال: أبلغ أبا سفيان عن أم … ر عواقبه ندامة دار ابن عمك بعتها … تقضي بها عنك الغرامة

стр. 332

وحليفكم بالله ربّ الن … اس مجتهد القسامة اذهب بها اذهب بها … طوّقتها طوق الحمامة وكان الذي ابتاعها منه عمرو بن علقمة بن المطلب، أحد بني عامر بن لؤي. وقالت امرأة من الأنصار: لا همّ إنّ الخير خير الآخرة … فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة وعافهم من حرّ نار ساعرة … فإنها لكافر وكافره - قالوا: ووجّه رسول الله ﷺ أبا رافع وزيد بن حارثة مولييه إلى مكة، لحمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ ، وسودة. وأخذ من أبي بكر خمسمائة درهم فدفعها إليهما لما يحتاجون إليه. وأعطاهما بعيرين. وكتب أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى عبد الله ابنه، يأمره بحمل أم رومان امرأته، وعائشة وأسماء. وتوّجه مع زيد وأبي رافع: عبد الله بن أريقط الديلي. فوافوا طلحة بن عبيد الله يريد الهجرة، فتصاحبوا. فخرج زيد وأبو رافع بفاطمة، وأم كلثوم، وسودة بنت زمعة. وحبس زينب زوجها أبو العاص بن الربيع، وكانت رقية مهاجرة: حملها زوجها عثمان بن عفان. وحمل زيد أيضا امرأته أم أيمن، وأسامة بن زيد، وخرج عبد الله بأم رومان وأختيه عائشة وأسماء. فقدموا ورسول الله ﷺ يبني المسجد وحجره. وكان طلحة، حين هاجر رسول الله ﷺ ، بالشأم. فقدم يريد مكة، فلقي رسول الله ﷺ بالمدينة. فصار إلى مكة، ثم هاجر منها مع عيال النبي ﷺ وأبي بكر. - قالوا: ووهبت الأنصار لرسول الله ﷺ كل فضل في خططها. وقالوا له: إن شئت، فخذ منا منازلنا. فقال لهم خيرا، وخطّ لأصحابه في كل أرض ليست لأحد، وفيما وهبت له الأنصار من خططها. وأقام قوم من

стр. 333

المسلمين لم يمكنهم البناء بقباء على من نزلوا عنده. وكانت الأنصار أشحّاء على من نزل عليهم، من المهاجرين. المؤاخاة: - قالوا: وكان رسول الله ﷺ آخى بين حمزة وبين زيد بن حارثة على الحق والمواساة. وبين أبي بكر وعمر. وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف. وبين الزبير وبين عبد الله بن مسعود. وبين عبيدة بن الحارث وبلال. وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص. وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة بن عبيد الله، وقال لعلي بن أبي طالب: أنت أخي. - وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين على أن يتوارثوا دون ذوي الأرحام. فلما أن أصيب من أصيب ببدر، طلب إخوانهم الميراث. فنزلت: ﴿وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). فانقطعت المؤاخاة في الميراث. وكان ممن آخى بينهم حمزة بن عبد المطلب وكلثوم بن الهدم. أو غيره. علي بن أبي طالب وسهل بن حنيف. زيد بن حارثة وأسيد بن حضير. أبو مرثد الغنوي حليف حمزة، وعبادة بن الصامت. عبيدة بن الحارث وحمام بن الجموح؛ ويقال: عمرو بن الجموح. عثمان بن عفان وأوس بن ثابت. أبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر بن وقش. الزبير بن العوام وكعب بن مالك. مصعب بن عمير وأبو أيوب؛ ويقال: ذكوان بن قيس. عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع. سعد بن أبي وقاص وسعد بن معاذ. عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل. أبو بكر الصديق

стр. 334

وخارجة بن زيد بن أبي زهير صهره. طلحة بن عبيد الله وأبيّ بن كعب. صهيب والحارث بن الصمة. أبو سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة. أرقم بن أبي الأرقم وزيد بن سهل أبو طلحة. عمر بن الخطاب وعويم بن ساعدة. سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ورافع بن مالك. عثمان بن مظعون وأبو الهيثم بن التيهان. خنيس بن حذافة وأبو عبس بن جبر. أبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة الأوسي. - قالوا: وكان الذي آخى بينهم تسعين رجلا: خمسة وأربعين من المهاجرين، وخمسة وأربعين من الأنصار. ويقال إنه لم يبق من المهاجرين أحد إلا آخى بينه وبين أنصاري. وقوم يقولون: آخى بين أبي الدرداء وسلمان؛ وإنما أسلم سلمان فيما بين أحد والخندق. وقال الواقدي: والعلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر؛ ويقولون: قطعت بدر المواريث. - قالوا: وقدم رسول الله ﷺ المدينة والصلوات خمس: ركعتين ركعتين، فأنزل الله تمامها بعد شهر من قدومه. فصارت صلاة المقيم أربعا، وصلاة المسافر على حالها ركعتين. - وصرفت القبلة إلى الكعبة من جهة بيت المقدس، في الظهر من يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين من الهجرة. ويقال على رأس ستة عشر شهرا، في منزل البراء بن معرور. فقال اليهود: «آمنوا بما جاء به محمد أول النهار، وكفروا به آخره». فأنزل الله الآيتين (١). وقوم يقولون: صرفت في صلاة الصبح. والأول أثبت. - وفرض صيام شهر رمضان في شعبان سنة اثنتين من الهجرة. وفي سنة أربع من الهجرة حرمت الخمر.

стр. 335

-وفي سنة اثنتين من الهجرة ولد عبد الله بن الزبير بالمدينة. وفيها ولد النعمان بن بشير. وهما أول مولودين بالمدينة في الإسلام من أصحاب رسول الله ﷺ . - قالوا: وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قوم فقراء، لا منازل لهم. وكانوا في صفّة، يأوون إليها في المسجد. منهم واثلة بن الأسقع الكناني، وأبو قرصافة، وأبو هريرة، وأبو ذرّ ويختلف فيه. وكان منهم نبيط بن شريط الأشجعي. وكان منهم طلحة بن عمرو الليثي؛ ويقال: طلحة بن عبيد الله، ونزل البصرة. - حدثنا هشام بن عمار، عن صدقة القرشي، عن زيد بن واقد، عن بشر بن عبد الله، عن واثلة بن الأسقع قال: كنت من أصحاب الصفة، وما منا إنسان يجد ثوبا تاما، قد جعل الغبار والعرق في جلودنا طرقا. - وحدثنا هشام، ثنا أبو حفص، حدثني عبد الرحمن بن أبي قسيمة، عن واثلة بن الأسقع الليثي أنه حدث، قال: كنت في محرس يقال له الصفّة، ونحن عشرون رجلا، نابنا جوع. وكنت أحدث أصحابي سنا، فبعثوني إلى النبي ﷺ أشكو جوعهم. فالتفت في بيته، فقال: هل من شيء؟ قالوا: نعم، ها هنا كسرة أو كسر، وشيء من لبن. قال: فأتوني به. ففتّ الكسر فتّا دقيقا، ثم صبّ عليه اللبن، ثم جبله بيده حتى جعله كالثريد، ثم قال: يا واثلة، ادع عشرة من أصحابك، وخلف عشرة، ففعلت، فقال رسول الله ﷺ : اجلسوا بسم الله، فجلسوا. فقال: كلوا بسم الله من حواليها، واعفوا رأسها فإن البركة تأتي من فوقها. قال: فرأيتهم يأكلون حتى تملّوا شبعا. ثم قال لهم: انصرفوا إلى مكانكم، وابعثوا

стр. 336

أصحابكم. فأمرهم الذي أمر به الأولين. فأكلوا حتى ملوا شبعا، وإن فيها لفضلة وقمت متعجبا مما رأيت. - وكان عباد بن خالد الغفاري من أهل الصفة، ومات أيام معاوية. وكان منهم ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ ، صحبه قديما وبقي إلى آخر أيام الحرّة، وكان منهم جرهد بن رزاح الأسلمي أبو عبد الرحمن، بقي إلى زمن معاوية، ويقال: إلى زمن يزيد. ويعيش بن طخفة الغفاري.

стр. 337

باب الأذان - قالوا: وائتمر رسول الله ﷺ وأصحابه أن يجعلوا شيئا للاجتماع للصلاة، فقال بعضهم: الناقوس. وقال بعضهم: البوق. فروي أنّ عمر بن الخطاب ﵁ رأى في نومه أن لا يجعلوا شيئا من ذلك، وأن يؤذّنوا بالصلاة. فأتى رسول الله ﷺ فوجد بلالا يؤذن، فقال له رسول الله، حين قصّ رؤياه: سبقك الوحي يا عمر. - وقد روي أيضا أن عبد الله بن زيد بن ثعلبة الخزرجي رأى في النوم أنه مر به رجل ومعه ناقوس، فقال له: أتبيع الناقوس؟ فقال الرجل: وما تصنع به؟ قال: أضرب به ليجتمع المسلمون للصلاة، فقال: أجيئك بخير من ذلك؟ تقول: الله أكبر الله أكبر حتى تختم الأذان ب «لا إله إلا الله» فأتى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد الوحي قد سبقه بذلك، فأمر بلالا، فأذّن. - قالوا: وكانت بالمدينة تسعة مساجد. فكانوا يصلون فيها، ويجّمّعون مع رسول الله ﷺ .

стр. 338

أسماء المنافقين من الخزرج: - عبد الله بن أبيّ بن سلول، رأس المنافقين، القائل: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (١). وسلول أم أبيّ، وهي خزاعية؛ وأبوه مالك بن الحارث. جدّ بن قيس، وهو القائل لرسول الله ﷺ ، وقد ندب الناس إلى غزو تبوك، وذكر بنات الأصفر: ﴿اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ (٢) ببنات الأصفر. وقال رسول الله ﷺ لبني سلمة: «من سيدكم يا بني سلمة»؟. قالوا: جدّ بن قيس على بخل فيه. فقال: «وأيّ داء أدوأ من البخل؟ سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور». عدي بن ربيعة الذي كان يؤذي رسول الله ﷺ ، ورماه مرة بقذر، وكان أعمى. وابنه سويد بن عدي.

стр. 339

قيس بن عمرو بن سهل، جد علي بن سعيد الأنصاري المحدّث. سعد بن زرارة، وكان يدّخن على رسول الله ﷺ بالشعر. زيد بن عمرو. عقبة بن قديم، حليف. وذكروا أن أبا قيس بن الأسلت أتى النبي ﷺ في السنة الأولى من الهجرة، فعرض عليه الإسلام، فقال: ما أحسن ما تقول وتدعو إليه، وسأنظر في أمري وأعود إليك. فلقيه ابن أبيّ، فقال له: كرهت والله حرب الخزرج. فقال: لا أسلم سنة، فمات في ذي الحجة سنة إحدى. حدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ أراد أن يصلي على عبد الله بن أبيّ، فأخذ جبريل بثوبه، ونزلت: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً،﴾ الآية (١). ومن الأوس: الجلاّس بن سويد بن الصامت، من بني حبيب بن عمرو بن عوف، وكان عبد الله بن المجذّر بن ذياد البلوى قتل أباه سويدا في الجاهلية. فلما كان يوم أحد، قتل الجلاس بن سويد. المجذّر غيلة. فأخبر جبريل رسول الله ﷺ بذلك، وأمره بقتل الجلاس بالمجذّر. فركب رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف في يوم حار، فخرجوا يسلمون عليه، وخرج الجلاس في ملاءة صفراء. فدعا رسول الله ﷺ عويم بن ساعدة، وأمره بقتله، فقدّمه إلى باب المسجد، فضرب عنقه. وكان الجلاس يقول: إن كان هذا الرجل صادقا، لنحن شرّ من الحمير. فبلغ النبي ﷺ ذلك. فحلف

стр. 340

له أنه ما قاله. فأنزل الله فيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ،﴾ الآية (١). الحارث بن سويد بن الصامت، أخوه. يقال إنه الذي قتل المجذّر، فقتله رسول الله ﷺ ؛ وأن الجلاس كان ممن تخلف عن غزاة تبوك. والقول الأول قول الكلبي. ودريّ بن الحارث. بجاد بن عثمان بن عامر. نبتل بن الحارث الذي قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ أن ينظر إلى الشيطان، فلينظر إلى نبتل» وكان أدلم، ثائر الشعر، جسيما، أحمر العينين، أسفع (٢) الخدّين. وكان ينقل حديث النبي ﷺ إلى المنافقين. عبد الله بن نبتل، وهو الذي كان ينقل أيضا حديث النبي ﷺ . قال الواقدي: وكان خارجة بن زيد بن ثابت يسقي الناس الماء المبرد بالعسل، وكان عبد الله القرّاظ، وهو فارسي سبي في خلافة عمر بن الخطاب، يأتيه. فإذا رآه، قال: اسقوه. فيسقى، فجاء ذات يوم وقد حضر رجل من ولد عبد الله بن نبتل، فجعل يهزأ به. وكان القراظ عظيم الرأس والأذنين، له خلقة منكرة، فقال له: من أنت يافتى؟ قال: رجل من الأنصار. قال: مرحبا بالأنصار؛ من أنت منهم؟ قال: أنا فلان بن الحارث بن عبد الله بن نبتل. فقال: «أما جدّك فلم ينصر؛ أعلمت ما نزل فيه من القرآن؟ أما تدري ما صنعت به تراه فضحته. والله وهي الفاضحة». قيس بن زيد، قتل يوم أحد. أبو حبيبة بن الأزعر، وكان ممن بنى في مسجد الضرار.

стр. 341

ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد. معتب بن قشير، وثعلبة ومعتب هما اللذان عاهدا الله ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١). ومعتب هو الذي قال يوم أحد: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ (٢). وهو القائل يوم الأحزاب: يعدنا محمد كنوز قيصر، وأحدنا لا يقدر على إتيان الغائط؛ ما هذا إلا غرور (٣). ويقال إنّ جد بن قيس القائل ذلك. ورافع بن زيد. وفيه وفي معتب ونفر من أصحابهما نزلت: ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ،﴾ الآيتين (٤) وكان خصماؤهم دعوهم في خصومتهم إلى النبي ﷺ ، فأبوا ذلك وقالوا: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فسماه رسول الله ﷺ طاغوتا، وفي رواية أخرى: فسماه الله، ويقال إنهم دعوهم إلى الكاهن. وجارية بن عامر بن مجمّع، وبنوه: يزيد. وزيد. ومجمع. وهم ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع بن جارية قد قرأ القرآن، فكان يصلي بهم فيه. ويقال إنّ مجمع بن جارية لم يكن منافقا، ويقال إنه نافق ثم صح إسلامه، وعني بالقرآن حتى حفظه. ومربع بن قيظي القائل للنبي ﷺ : أحرج عليك أن تمرّ في حائطي، وهو القائل يوم الخندق: ﴿إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ (٥). فأذن لنا في المقام. ويقال إنّ

стр. 342

الذي قال ذلك بالخندق معتب بن قشير. ومربع هذا عم عرابة بن أوس بن قيظي الجواد الذي مدحه الشماخ بن ضرار. وكان عرابة قد أقبل من الطائف، ومعه أبعرة عليها زبيب وأدم. فعنّ له الشماخ بن ضرار، فاستطعمه من الزبيب. فقال: خذ برأس القطار. فقال الشماخ: أتهزأ بي؟ فقال: خذ عافاك الله برأس القطار، فهو لك. فأخذ الإبل بما عليها، وقال: رأيت عرابة الأوسي ينمى (١) … إلى الخيرات منقطع القرين وعباد بن حنيف بن واهب بن العكيم، أخو عثمان وسهل ابني حنيف بن واهب، وكان عباد ممن بنى مسجد الضرار. وفيه نزلت: ﴿إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ﴾ (٢). وخذام بن خالد. وهو أخرج مسجد الضرار من داره، ويقال إن الذي أخرجه من داره وديعة بن خذام. ورافع وبشير ابنا زياد. وقيس بن رفاعة الشاعر، وكان يختلف هو والضحاك بن حنيف إلى كنيسة يهود، فأصاب عينه قنديل، فذهبت. وحاطب بن أمية بن رافع بن سويد الذي قيل لابنه. وحمل مرتثّا: أبشر بالجنة، فقال حاطب: جنة من حرمل، لا يغرّنك هؤلاء يا بني. وبشر بن أبيرق الظفري. وهو أبو طعمة. واسم الأبيرق الحارث بن عمرو بن حارثة بن الهيثم بن ظفر. واسم ظفر: كعب. وكان بشر شاعرا منافقا.

стр. 343

حدثني خلف بن سالم المخزومي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن الحسن قال: سرق ابن أبيرق درعا من حديد، ثم رمى بها رجلا بريئا. فجاء قومه إلى النبي ﷺ فعذروه عنده، فأنزل الله فيه: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً،﴾ إلى قوله ﴿وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (١). فلما أنزلت فيه هذه الآيات، لحق بالمشركين، فمكث بمكة زمينا، ثم نقب على قوم بيتهم ليسرق متاعهم. فألقى الله عليه صخرة فشدخته، فكانت قبره. وروي عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الظفري، عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر قال: كان أهل بيت منا ذوو فاقة، يقال لهم بنو أبيرق: بشر، وبشير، ومبشّر. وكان بشر منافقا يهجو أصحاب النبي ﷺ ، ثم ينحله بعض العرب، فإذا سمعه أصحاب رسول الله ﷺ ، قالوا: والله ما قاله إلا الخبيث بشر. فقال: أو كلما قال الغواة قصيدة … أضموا (٢) وقالوا ابن الأبيرق قالها متغضّبين كأنني أخشاهم … جدع الإله أنوفهم فأمالها قال: فابتاع رفاعة بن زيد بن عامر، عمي، جملا من درمك (٣) من ضافطة (٤) قدمت من الشأم. وإنما كان طعام الناس بالمدينة الشعير والتمر. فكان الموسر منهم يبتاع من الدرمك ما يخصّ به نفسه. فجعل عمي ذلك

стр. 344

الدرمك في مشربة له، وفيها درعان وسيفان وما يصلحهما. فعدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح، أتاني فقال: يا بن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا، فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقروا في هذه الليلة، ولا نرى ذلك إلا من طعامكم، قال: وجعل بنو أبيرق ونحن نبحث ونسأل في الدار، يقولون: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة بن عبد رزاح بن ظفر. وكان للبيد صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد قولهم، اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟ والله ليخالطنكم سيفي أو لتبيننّ هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فلست بصاحبها. فسألنا وفحصنا، حتى لم نشك في أن بني أبيرق أصحابها. فقال عمي: لو أتيت النبي ﷺ فأخبرته؟ قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله إنّ أهل بيت منا ذوي فاقة وجفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه؛ فليردوا السلاح، ولا حاجة لنا في الطعام، فلما سمع بنو أبيرق بذلك، أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه. فانطلق وجماعة من أهل الدار معه إلى النبي ﷺ فكلموه في ذلك، وقالوا: إنّ قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، فرمياهم بالسرقة عن غير ثبت ولا بينة. قال قتادة: وأتيت النبي ﷺ فكلمته. فتجهمني، وقال: بئس ما صنعت وما أتيت به ومشيت فيه: عمدت إلى أهل بيت ذكر لي عنهم صلاح وإسلام ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة. قال: فرجعت وأنا أودّ أني خرجت من جلّ مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، وأتاني عمي، فقال: ما صنعت؟ فأخبرته بقول رسول الله ﷺ ، فقال: الله المستعان. ولم أتلبث أن نزل: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ

стр. 345

بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً،﴾ يعني بني أبيرق- ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ -أي مما قلت لقتادة- ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً* وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً﴾ - يعني بني الأبيرق- ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً* ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ -يعني بشيرا وأصحابه- ﴿فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ -أي عن بني أبيرق- ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً* وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً* وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً* وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً﴾ -قولهم للبيد بن سهل- ﴿وَ لَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ،﴾ يعني بشيرا وأصحابه. قال: فلما نزل القرآن، اشتد بنو ظفر على بني أبيرق حتى أخرجوا السلاح، فأتي به رسول الله ﷺ ، فردّه إلى رفاعة. قال قتادة: فأتيت عمي بالسلاح، وكنت أرى أن إسلامه مدخول. فقال: يا بن أخي، هو في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه صحيح. قال: ولحق بشر بن أبيرق - وهو يصغر فيقال: بشيّر - بالمشركين. فنزل بمكة على سلافة بنت سعد بن شهيد، أخت عمير بن سعد بن شهيد، وهو من بني عمرو بن عوف، من الأوس، وكانت سلافة تحت طلحة بن أبي طلحة العبدري. فأنزل الله ﵎: ﴿وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً* إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾

стр. 346

﴿لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١). ولما نزل بشر على سلافة، كان يقع في أصحاب رسول الله ﷺ ويقول في رسول الله فهجاه حسان بن ثابت، ورمى سلافة به. فأخذت رحله، فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، وقالت: «أهديت إليّ شعر حسان. ما كنت لتأتيني بخير». قال حسان: وما سارق الدرعين إن كنت ذاكرا … بذي كرم عند الرجال أوادعه لقد أنزلته بنت سعد فأصبحت … ينازعها جلد استه وتنازعه فهلا بشيّر حيث جاءك راغبا … إليه ولم تعمد له فترافعه ظننتم بأن يخفي الذي قد فعلتم … وفيكم نبيّ مفلح من يتابعه ولولا رجال منكم أن يسوءهم … هجائي لقد حلت عليكم طوالعه وجدناهم يرجونكم قد علمتم … كما الغيث يرجيه السمين ويانعه فإن تذكروا كعبا إذا ما نسيتم … فهل من أديم ليس فيه أكارعه (٢) وقد روى أن الذي رماه بنو أبيرق بالدرعين يهودي يقال له النعمان بن مهض. وليس بثبت. وقال بعض الظفريين: بني الأبرق المشؤوم هلاّ نهيتم … سفيهكم عن آل زيد بن عامر أردتم بأن ترموا ابن سهل بغدرة … جهارا ومن يغدر فليس بغادر الضحاك بن خليفة الأشهلي. وقزمان، حليف بني ظفر، ولا يعرف نسبه، ويكنى أبا الغيداق، رمى يوم أحد زرارة بن عمير العبدري - ويقال يزيد بن عمير - فقتله؛ وقتل قاسط بن شريح العبدري، وقطع يد صواب الحبشي مولى بني عبد الدار ثم

стр. 347

رماه فقتله. وكان قزمان قد امتنع من الخروج يوم أحد حتى عيرته النساء، وقلن: إنما أنت امرأة. فأخذ سيفه وقوسه، وقاتل حمية وأنفة لقومه، وجعل يقول: قاتلوا، معشر الأوس، عن أحسابكم فالموت خير من العار والفرار، وكان النبي ﷺ يقول: «قزمان في النار». وأثبت يوم أحد، فحمل إلى دار بني ظفر، فقيل له: أبشر أبا الغيداق بالجنة، فقد أبليت اليوم وأصابك ما ترى. فقال: «أي جنة؟ والله ما قاتلت إلا حمية لقومي»، فلما اشتد به الوجع، أخرج سهما من كنانته فقطع به رواهش يده، فقتل نفسه. وفيه يقول رسول الله ﷺ : «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». وأبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان، من الأوس، وكان يناظر أهل الكتاب، ويميل إلى النصرانية، ويتتبع الرهبان ويألفهم، ويكثر الشخوص إلى الشأم، فسمّي الراهب، فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ ، حسده، ومرّ إلى مكة وقاتل مع قريش. ثم أتى الشأم، فمات هناك. فتخاصم في ميراثه كنانة بن عبد ياليل الثقفي - وكان ممن حسد رسول الله ﷺ فشخص إلى الشأم - وعلقمة بن علاثة وكان بالشأم أيضا وكان مسلما، ويقال: بل كان مشركا ثم إنه أسلم حين قدم، فأتى رسول الله ﷺ ، فبايعه. حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده. إنه حكم بميراث أبي عامر لكنانة بن عبد ياليل لأنه من أهل المدر، وحرمه علقمة لأنه بدوي، وكان الحاكم بذلك صاحب الروم بدمشق. وقوم يقولون: إنه اختصم في ميراثه كنانة وعامر بن الطفيل، وذلك غلط، لأن عامرا أتى النبي ﷺ ومعه أربد بن قيس، وهما يريدان برسول الله ﷺ أمرا، حال الله بينهما وبينه. فدعا النبي ﷺ عليهما، فأما أربد، فأصابته صاعقة

стр. 348

فأحرقته، وأما عامر فأصابته غدّة كغدة البعير في عنقه، فمات. وذلك في سنة خمس. وقال الهيثم بن عدي: كان أبو عامر يهمّ بادّعاء النبوة، فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ وهاجر، حسده فهرب إلى مكة فقاتل، ثم أتى الشأم. وقال الواقدي: هرب أبو عامر إلى مكة، فكان يقاتل مع المشركين. فلما فتحت مكة، هرب إلى الطائف، فلما أسلموا، هرب إلى الشأم. فدفع ميراثه إلى كنانة بن عبد ياليل الثقفي، وكان ممن هرب أيضا. حدثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا بهز بن أسد، أنبأ حماد بن زيد، أنبأ أيوب، عن سعيد بن جبير: أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا، فصلى بهم فيه رسول الله ﷺ . فحسدهم بنو إخوتهم بنو غنم بن عوف، فقالوا له: بنينا أيضا مسجدا، وبعثنا إلى رسول الله ﷺ فصلىّ بنا فيه كما صلى في مسجد أصحابنا؛ ولعل أبا عامر أن يمرّ بنا إذا أتى من الشأم فيصلي بنا فيه. فلما قام رسول الله ﷺ لينطلق إليهم، أتاه الوحي، فنزل عليه فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَ رَسُولَهُ﴾ (١). قال: هو أبو عامر. حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ هشام بن عروة أنه قال في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ،﴾ قال: كان سعد بن خيثمة بنى مسجد الضرار، وكان موضعه للبّة، تربط فيه حمارها. فقال أهل مسجد الشقاق: أنحن نسجد في موضع كان يربط فيه حمار لبة؟ لا، ولكنا نتخذ مسجدا

стр. 349

نصلي فيه حتى يجيئنا أبو عامر فيصلي بنا فيه، وكان أبو عامر قد فرّ من الله ورسوله إلى أهل مكة، ثم لحق بالشأم، فتنصّر، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ،﴾ يعني أبا عامر. قالوا: فبعث رسول الله ﷺ ، لما نزل عليه القرآن، إلى ذلك المسجد، فهدمه. قالوا: وحضر قوم من المنافقين مسجد رسول الله ﷺ ، فجعلوا يضحكون ويلعبون ويهزأون، فأمر رسول الله ﷺ بإخراجهم فقام أبو أيوب إلى قيس بن عمرو، فجرّ برجله حتى أخرجه من المسجد. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان طويل اللحية، فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عنيفا، حتى أخرجه. وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى دريّ بن الحارث، فأخرجه، فأخرجوا جميعا. - حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، قال: مثل المنافق مثل الشاة العابرة بين القطيعين.

стр. 350

أسماء عظماء يهود من بني النضير: حيّ، ومالك، وأبو ياسر، وجديّ بنو أخطب. وفيهم وفي نظرائهم نزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). وسلام بن مشكم الذي نزل عليه أبو سفيان بن حرب بن أمية، فقال فيه أبو سفيان. سقاني فرواني عقارا سلافة … على ظمأ مني سلام بن مشكم وامرأة سلام هذا، واسمها زينب بنت الحارث، هي التي أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مسمومة. وكنانة، وربيع، ورافع، وأبو رافع - واسمه سلام - بنو أبي الحقيق. وكعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، حليف بني النضير، وأمه عقيلة بنت أبي الحقيق، وكان أبوه أصاب دما في قومه، فأتى المدينة. وكان كعب طوالا، جسيما، ذا بطن وهامة ضخمة، وهو الذي قال يوم بدر: بطن الأرض خير من ظهرها؛ هؤلاء ملوك الناس وسرواتهم - يعني قريشا - قد

стр. 351

أصيبوا. فخرج إلى مكة، ونزل على أبي وداعة بن ضبيرة، وجعل يهجو المسلمين، ورثى قتلى بدر فقال: طحنت رحى بدر لمملك أهله … ولمثل بدر تستهلّ وتدمع قتلت سراة الناس حول حياضهم … لا تبعدوا إن الملوك تصرّع ويقول أقوام غوىّ أمرهم … إنّ ابن أشرف ظلّ كعبا يجزع صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا … ظلت تسيخ بأهلها وتصدّع نبئت أنّ الحارث بن هشامهم … في الناس يبني الصالحات ويجمع ليزور يثرب بالجموع وإنما … يسعى على الحسب القديم الأروع (١) فأمر رسول الله ﷺ حسان بهجاء من نزل كعب عنده (٢)، حتى رجع إلى المدينة. وكان كعب كما وصفنا. حجاج، وبحري ابنا عمرو. أبو رافع. سعد بن حنيف، كان متعوذا بالإسلام. رفاعة بن قيس. فنحاص الذي سمع قول الله: ﴿وَ أَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ (٣)، فقال: أرانا أغنى من ربّ محمد حين يستقرض منا، فنزلت فيه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا﴾ ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ (٤). محمود بن دحية. عمرو بن جحاش. عزيز بن أبي عزيز.

стр. 352

نباش بن قيس. سعية بن عمرو. نعمان بن أوفى. سكين بن أبي سكين. زيد بن الحارث. رافع بن خارجة. أسير بن زارم، ويقال: رزام؛ كان يحرّض على النبي ﷺ ويبسط لسانه فيه، ثم أتى خبير، فبعث رسول الله ﷺ من قتله، وعدّة من اليهود معه. مخيريق الذي أسلم، وقاتل مع النبي ﷺ يوم أحد، وأعطاه ماله، فوقفه؛ ويقال إنه من غير بني النضير. - ومن بني قينقاع: كنانة بن صويرا، ويقال: صوريا. زيد بن اللصيت الذي قال: «زعم محمد أنه يأتيه خبر السماء، فضّلت ناقته فليس يدري أين هي؟». فدله الله عليها، فوجدت وقد تعلق خطامها بشجرة. سويد، وداعس كانا منافقين يتعوذان بالإسلام. مالك بن أبي قوقل، كان متعوذا بالإسلام ينقل أخبار النبي ﷺ إلى يهود، وهو حبر من أحبارهم. ويقال إنّ مخيريق منهم. - ومن بني قريظة: الزّبير بن باطا بن وهب. كعب بن أسد.

стр. 353

عزال بن شمويل. سهل بن زيد، وهب بن زيد. علي بن زيد. قردم بن كعب. كردم بن حبيب. رافع بن رميلة. رافع بن حريملة، متعوّذ، وهو الذي قال النبي ﷺ يوم مات: «لقد مات اليوم منافق عظيم النفاق». لبيد بن أعصم الذي كان يتعاطى السحر. سلسلة بن أبراهام، وبعضهم يقول بهرام، والأول أصح، وكان سلسلة متعوّذا. رفاعة بن زيد بن التابوت. الحارث بن عوف. سعية بن عمرو منهم، وهو القائل: يخبرني عن غائب المرء هديه … كفى مخبرا عن غائب المرء ما يبدي ويقال إن هذا الشعر لسعية بن عمرو النضري. - ومن بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس: أبو سنينة. - ومن بني عبد الأشهل: يوشع. وكان يبشر بالنبي ﷺ . فلما بعث، آمن به بنو عبد الأشهل

стр. 354

سواه. وفيه وفي ضرباء له نزل: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١). - قالوا: وكان رسول الله ﷺ عند قدومه المدينة وادع يهودها، وكتب بينه وبينهم كتابا، واشترط عليهم أن لا يمالئوا عدّوه وأن ينصروه على من دهمه، وأن لا يقاتل عنهم كما يقاتل عن أهل الذمة. فلم يحارب أحدا، ولم يهجه، ولم يبعث سرية حتى أنزل الله عليه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ،﴾ إلى قوله: ﴿وَ لِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢). فكان أول لواء عقده لواء حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه. حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث، ثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أول آية نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. وحدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا معمر، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن عروة. أن أول آية نزلت في الجهاد: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا،﴾ إلى قوله: ﴿لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

стр. 355

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ غزوات رسول الله ﷺ - غزاة الأبواء: وهي غزاة ودّان . خرج رسول الله ﷺ في صفر على رأس اثني عشر شهرا من هجرته يريد عيرا لقريش.، فبلغ هذين الموضعين، وبينهما ستة أميال. ولم يلق كيدا، فانصرف إلى المدينة. وكان خليفته عليها في هذه المرة سعد بن عبادة الخزرجي. وغاب عنها خمس عشرة ليلة، وفي هذه الغزاة وادع بني ضمرة بن كنانة على أن لا يغزوهم ولا يغزونه وألا يعينوا عليه أحدا. - ثم غزاة بواط: خرج رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة اثنتين من الهجرة في طلب عير لقريش، فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش، فلم يلق كيدا، وكان الخليفة على المدينة سعد بن معاذ الأوسي، من ولد النبيت، من بني عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت، واسمه عمرو بن مالك بن الأوس. - ثم غزاة سفوان: خرج رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول أيضا في طلب كرز بن جابر الفهري، وقد أغار على سرح المدينة، وكان يرعى بالجماء ونواحيها، حتى بلغ
следующие страницы →