← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

المدائني عن حمزة بن ابراهيم قال: قال الحجاج لمعبد الجهني: يا معبد أتتكلم في القدر؟ قال: نعم، زعم فسّاق أهل العراق أن الله قضى وقدر أن يقتل عثمان، فقلت: كذبتم. فقال: صدقت. فبلغ هشاما قوله فقال: لقد قدر الله قتل عثمان لما كتب على قاتليه من الشقاء، وكذب معبد والحجاج. قالوا: وقدم رواية الفرزدق وجرير والأخطل على هشام، فدخل رواية جرير في فرو، ودخل الآخر في خزّ، فأنشد رواية الفرزدق شعرا: كأنّ مفالق الرّمان فيه … وجمر غضى قعدن عليه حام (١) فغضب هشام ولم يصل راوية الفرزدق والأخطل، ووصل راوية جرير. المدائني عن عبد الرحمن بن خالد قال: رأيت هشاما وهو يقول لغلمانه وهم يلقطون زيتونا في أرض له: القطوا لقطا، ولا تخبطوا خبطا، فإن الخبط يفقأ عيونه ويكسر غصونه، وكان معه عثمان بن حيان فوجّهه من وجهه إلى العراق للمسألة عن خالد فقدم عليه فأخبره، فكان ذلك سبب عزل خالد. حدثني هشام بن عمار قال: بلغنا أن هشاما حدّث بأن خالدا يعطي من جاءه من قومه، فازداد غيظا عليه وغضبا وقال: إني أبخل بهذا المال عن نفسي وأهلي وولدي، وخالد يفرقه في قومه، فحدثه بعض حضره أن رجلا من بجيلة دخل عليه فسأله فمنعه فقال:

стр. 3432

إذا المرء أثرى ثم قال لقومه … أنا السيد المفضى إليه المعمّم ولم يولهم خيرا أبوا أن يسودهم … وهان عليهم رغمه وهو أظلم فردّه وأعطاه فقال هشام: والله لأنقضنّ كور عمامته، ولأدعنّه وهو لا يفضى إليه. حدثني أبو مسعود عن ابن كناسة قال: اختلف هشام ومسلمة في إعراب حرف أو معنى حرف من الغريب، فحكما رجلا فقال: القول قولك يا أمير المؤمنين، فقال مسلمة: هذا حكم الجهّال وقولهم. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: هدم ابراهيم بن هشام المخزومي دار عبد الله بن عامر بن الزبير بأمر هشام، فمر به وهو يصلي فقال: اصبر، فقال: إني أعرضكم على الله في كل يوم خمس مرات - يعني الدعاء-. أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن محمد عن أبيه عن عامر بن عبد الله قال: أراد هشام الحج فقال: من بقي من رجال قريش في المدينة ممن يتكلم؟ فقالوا: لم يبق أحد يردّ على السلطان، فحج فأتاه عبد الله بن عروة بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على خالك ابراهيم بن هشام، فإنك وليته ما بين المدينة واليمن فلم يمنعه كثير ما في يديه عن قليل ما في أيدينا، فأنشدك الله أن تصل رحما بقطيعة أخرى. قال: لا أعديك عليه قال: ولم فوالله ما منعنا أن نموت مع عبد الله إلاّ هذه الأموال، وقد أخذت ولأن يموت الرجل عزيزا خير له من أن يموت ذليلا، فقال هشام: هذا واحد.

стр. 3433

ثم آتاه ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على نافع بن علقمة، فإنه أخذ داري. قال: أفلا رفعت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: قد فعلت فسلك بي غير طريق الحق، قال: أفلا أتيت الوليد؟ قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه. قال: أفلا رفعت إلى سليمان؟ قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه وأخيه. قال: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: عوجل ﵀، فغضب هشام وقال: لا يزال الرجل يتكلم عند أمير المؤمنين بما يستحق من يتكلم بمثله أن يدقّ أنفه ويسحب على وجهه. قال: إذا يسبق خيرك شرّك، وتقطع رحمك، وتكون يد الله فوق يدك، وأمر الله من ورائك، أما والله، ان القضاء ليتعقب وإن الفاسق ليصلح. فقال هشام: قبح الله من زعم أن قومي قد ذهبوا، هذا زعم إنّ قضائي يردّ، وابن عروة يتهددني. ثم قال لإبراهيم: لو كان فيك مضرب لضربتك مائة، قال ابراهيم: فيّ مضرب ألف، قال هشام: سوءة اكتمها علي. قال: فما أخبرت بها أحدا حتى مات، فلما مات حدثت بها لأنها مكرمة. وقال الفرزدق وقد خاف خالدا. ألم تعلموا يا آل مروان نعمة … لمروان عندي مثلها تحقن الدّما وما كان عني ردّ مروان إذ طغى … عليّ زياد بعد ما كان أقسما ليقتطعن حرفي لساني الذي به … لخندف أرمي عنهم من تكلما

стр. 3434

وكنت إلى مروان أسعى إذا جنى … عليّ لساني بالمقال وأجرما وما تركت كفّا هشام مدينة … بها عوج في الدّين إلا تقوّما (١) وقال الكميت في خالد بن مسلمة: الشمس أدتك الا أنها مرة … والبدر أداك إلا أنه رجل الغالب النفس حلما عند طيرتها … والمستثيب حلوم القوم إن جهلوا ما أنت في الجود إذ عدّت فواضله … ولا ابن مامة إلاّ البحر والوشل قال: ولم يقدم جرير على هشام فيمن أتاه من الشعراء عشر سنين، ثم تهيأ للخروج إليه وقال: وكيف ولا أشدّ إليك رحلي … أروم إلى زيارتك المراما (٢) فمات قبل أن يخرج إلى هشام. قالوا: وقدم عروة بن أذينة الليثي على هشام، فسأله: ألست القائل: لقد علمت وما الإسراف من خلقي … أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنيني تطلّبه … ولو صبرت أتاني لا يعنّيني وإني لأحسبك ممن يفضل قوله فعله، فقال عروة: فإني استغفر الله وأستقيله ولا أرغب إلا إليه، فخرج من عنده ولم يبت إلاّ في الطريق منصرفا إلى أهله. وتذمم هشام مما استقبله به حين بلغه انصرافه، فبعث إليه بألف دينار، فلما أتاه بها رسوله قال: أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له إني

стр. 3435

رضيت بالله ورغبت إليه فأتاني برزقي على فراشي، فقال هشام: صدق. إنما نحن خزان الله، فإذا أذن في شيء أمضيناه على محبة منا وكرامة. المدائني قال: قال هشام لسعيد الأبرش: أوضعت أعنزك؟ قال: أي والله قال: لكن أعنزي تأخر ولادها فاخرج بنا إلى أعنزك نصب من ألبانها، قال: نعم. وقدّم خباء فضرب وغدا هشام والأبرش وغدا الناس فقعد هشام والأبرش على كرسيين، فقدموا الى كل واحد منهما شاة فحلب هشام الشاة بيده ثم قال: يا أبرش إني لم أنس الحلب. ثم أتي بخبزة أمر الأبرش بها فعملت بين يدي هشام، فأوقد هشام النار بيده وفحصها، وألقى الخبزة فيها وجعل يقبلها في النار بالمحراث ويقول: يا أبرش كيف ترى رفقي، حتى نضجت، ثم أخرجها فجعل يضربها بالمحراث ويقول: جنبيك، جنبيك والأبرش يقول: لبيك لبيك، وهذا شيء كان يقوله الصبيان إذا خبزت لهم الخبز، ثم تغدى وتغدى الناس وانصرف هشام. المدائني قال: قال رجل من أهل المدينة: انتقص الناس بعد هشام، ما كان أحد يشد رحله إلى رجل إلاّ وجد عنده رأيا وعقلا وسخاء، فلما مات هشام انتقص ذلك. وسئل هشام يوما عن مكحول، فذمه فقال مسلمة: مه يا أمير المؤمنين فقد سمعته يقول: اللهم لا تبقني بعد هشام. المدائني عن شيخ من جرم أنه قال: إني لباقريتين، وبينها وبين دمشق مرحلتان على الإبل، إذ نزلت قافلة جاءت من أرمينية فيها خلق، فجاء رجل من كلب من قبل هشام، ورجل آخر معه فقالا: أيتها النازلة

стр. 3436

أفيكم غيلان بن مسلم؟ فقام رجل أحمر عليه قباء نصيبي مجلد الأزرار فقال: أنا غيلان أبو مروان. فقالا: أين صالح، فقام رجل ربعة حسن الوجه فقال: أنا صالح أبو عبد السلام فشداهما في الحديد وحملاهما إلى هشام، فقال هشام لغيلان: ويلك ما هذا الذي يبلغني عنك من القول؟ فسبقه صالح فقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ (١)، فقال له هشام: أتركت أن تتلو كتاب الله محكمه، وتلوت متشابهه، إن هذا ليحقق ما قيل فيكما، قال: أو هذا متشابه؟ قال: أخرجوهما فاضربوهما سبعين سبعين، فضربا، وجاء قوم فشهدوا عليهما بأنهما قالا: ما ولّى الله هشاما شيئا قط، وإن الناس يتغالبون على الأرزاق، وتأتيهم بالإتفاقات. فقال: لعلكم شهدتم لأمر وجدتم عليهما فيه، أو لعداوة واجبة؟ فقالوا: لا، ولكنك إمام وقد خرجنا إليك مما في أعناقنا، فقطع أيديهما وأرجلهما، فمر عليهما عثمان بن حيّان المرّي فقال: يا غيلان، كان هذا بقضاء الله وقدره؟ فقال: كان في علم الله. ثم أمر هشام باخراج ألسنتهما من أقفيتهما أو قطعها فلم يلبثا أن ماتا. وقيل إن غيلان وصاحبه كانا بأرمينية يتكلمان في هشام، فلما شخصا عنها، وكان قد وضع عليهما عيونا فأخبر بنزولهما حيث نزلا، فدس شهودا شهدوا عليهما، فصنع بهما ما صنع ثم صلبهما. قالوا: وعمل هشام منجنونا (٢) وكتب إلى صاحب الرقة يأمره أن يبتاع

стр. 3437

له ثور المنجنون فاشتراه بثلاثين درهما، وبعث به إليه مع بعض الشرط، فلما رأى هشام الثور أعجبه وقال: بارك الله فيك وفيمن وجّه بك، أعطوا الرسول عشرة دراهم. فقال: يا أمير المؤمنين زدني في عطائي خمسة دنانير فقال: جئت بثور اشتري بثلاثين درهما وإنما بيننا وبين الرقة ثلاثون ميلا، وأنت تنال خمسة دنانير في عطائك، أنت أحمق. إذهب بارك الله فيك. المدائني قال: قال عمرو بن عتبة المخزومي: أذن هشام يوما إذنا عاما، فدخل أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين قد كبرت سني، ورقّ عظمي فأعنّي بالفرض لابنيّ فإنهما كما يحب أمير المؤمنين في طاعتهما وجلدهما قال: ما ذاك لك عندنا، قال: فأقطعني دارا إلى جانب داري كانت ليهودي هلك، ولا وارث له أوسّع بها منزلي. قال: بيت المال أحقّ بها، قال: فأزرعني مزرعة إلى جانبي تخفف من خراجها عني. قال: لا. فولّى الرجل وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ رجلا أفحش بخلا ولا أسوأ ردّا، وسمع هشام كلامه فنكس، ورفع الشرط عليه العمد، قال عمرو: فضممت إلي ثوبي مخافة أن يقتل فيصيبني دمه، أو يشدخ فينتضح علي من دماغه، فقال الأعرابي: ما ينبغي أن ألومك وإني لأعلم أنك عبد من عبيد الله لا تعطي ولا تمسك إلا بإذنه، قال هشام: ردوه، كيف قلت؟ فأعاد قوله فقال: صدقت، أعد عليّ حوائجك، فقضاها. قالوا: وأهدى إلى هشام حسان النبطي هدايا كثيرة، وركب هشام فعرضها عليه وأرضى حسان كل من يطيف بهشام غير خادمين له صغيرين احتقرهما، فدخل هشام المتوضأ وجاء الوصيفان بالماء، فقال أحدهما أما تعلم أمير المؤمنين أن حسان لم يهد ما أهدى حتى أخذ لنفسه مثله؟ قال

стр. 3438

الآخر: بل لنفسه عشرة أمثاله، أفمن بيت أمه أهدى هذا؟ وسمعهما هشام، فلما دخل عليه حسان قال: وهبت لهذين شيئا؟. قال: لا ولقد أغفلتهما. قال: فأحسن إليهما. فبعث إلى كل واحد منهما بألفي درهم. وخلا به هشام وهما على باب البيت، فقال أحدهما: نحن نتكلم في أمر هذا الرجل بما لا نعلم، وأمير المؤمنين أعلم بنصيحته وتوفيره، وقال الآخر: ما صارت له عند أمير المؤمنين هذه المنزلة إلا بفضل نصيحته وما فعل أحد مثل فعله، عماله يأكلون الدنيا ولا يهدون شيئا. فقال هشام لحسان: أرضيتهما؟ قال: نعم. فضحك هشام وقال: ما أخبثهما قد رأينا أثر ذلك. المدائني قال: لما اشتد وجع هشام بكى نساؤه وولده، فقال جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، فترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما كسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له، ثم فاظت نفسه. المدائني قال: أتى هشاما محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فسأله فقال: لست معطيك شيئا، فإياك أن يغرك الناس فيقولون إن أمير المؤمنين لم يعرفك، قد عرفتك، أنت محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلا تقم فينفق ما معك، والحق بأهلك. حدثني على الأثرم عن الأصمعي قال: حج هشام فأراد سالم بن عبد الله الدخول عليه بالمدينة فقال له بنوه: لو اعتممت فاستعاروا له عمامة، ولما دخل على هشام قال له: يا أبا عمر العمامة لا تشبه الثياب. قال: انا استعرناها. قال: ما طعامك؟ قال: الخل والزيت. قال: أما تأجمهما؟ قال: إذا أجمتهما تركتهما حتى أشتهيهما. ثم قام فخرج فقال

стр. 3439

هشام: ما رأيت قط ابن سبعين أقوى كدنة (١) منه. فما وصل إلى بيته إلا محموما، فقال: أترون الأحول لعقني بعينه. ولم يبرح هشام المدينة حتى صلى عليه، وقد كتبنا خبره من جهة أخرى. المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: دخل زيد بن علي بن الحسين على هشام، فلما مثل بين يديه لم ير لنفسه موضعا يجلس فيه، فعلم أنه إنما فعل ذلك به على عمد، فقال: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد فوق أن يؤمر بتقوى الله، ولا أحد دون أن يأمر بها. قال: اسكت لا أم لك. قال: أمّ لم تلدني؟ قال: أنت الذي تنازعك نفسك الخلافة وأنت ابن أمة؟. قال: يا أمير المؤمنين إن لك جوابا، قال: هاته فما أنت وجوابك. قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجل دون بلوغ الغايات، كانت أم اسماعيل أمة، فلم يمنعه ذلك أن ابتعثه الله نبيا، وجعله أبا العرب وأخرج من صلبه محمدا ﷺ ، أفتقول هذا لي وأنا ابن فاطمة وجدي علي؟. قال: صدقت، ثم خرج فقال هشام لمن بقي عنده من أهل بيته: زعمتم أن أهل هذا البيت قد بادوا. لا لعمري ما انقرض قوم هذا خلفهم. قالوا: وخرج زيد على هشام بالكوفة، وقتل ودفن ليلا، فدل على قبره عامل الكوفة فنبش وصلب، وكان فيمن نبشه خداش بن حوشب أخو العوام بن حوشب المحدث.

стр. 3440

وكتب هشام إلى عامله بالعراق: إنّ زيدا قدم عليّ فرأيت حوّلا قلّبا خليقا لصوغ الكلام وتنميقه، وقد كتبت خبر زيد ومقتله في نسب آل أبي طالب وأخبارهم. حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم قال: قال هشام: إني لأرى الرجل فأعرف عقله من حسن سماعه، وكان يقول: أنا أعرف الجاهل الأحمق بسرعة جوابه بالخطأ، وكثرة تلفّته، وتدويمه نظره إلى جليسه بغير علة يصوّب ويصعّد فيه. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن اسماعيل بن عبد الملك بن نافع عن أبي عبيدة بن محمد قال: شرق ما بين ربيعة الرأي وأبي الزناد وكانا قديما يجالسان القاسم بن محمد بن أبي بكر، فلما ولي خالد بن عبد الله بن الحارث بن الحكم المدينة من قبل هشام، ولى أبا الزناد الخراج وما وراء بابه، وكان خالد قد علم الذي بينهما، فأرسل إلى ربيعة، وخثيم بن عراك، ومحمد بن عطاء الليثي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد، فوجد عبد الرحمن قد تغيب فضرب هؤلاء وحلقهم، وقال: إنهم يطعنون على الأئمة ويرون رأي الخوارج. وكتب خالد إلى هشام يعلمه ضرب هؤلاء النفر، وأنه طلب عبد الرحمن فوجده قد تغيب، وتوجه إلى ابن شريح بخراسان يدعو إليه، فجاء الكتاب إلى هشام وهو يومئذ بالرصافة فقال: أي رجل عبد الرحمن بن القاسم؟. فقال ابراهيم بن هشام: يا أمير المؤمنين، من أهل السنّة والجماعة، فرمى بالكتاب فقرأه فقال: باطل والله يا أمير المؤمنين، وما خرج ابن القاسم إلا إليك. فأفرخ روع هشام، فقال: أرى ذلك، ووكل

стр. 3441

ابراهيم غلاما له يتفقد عبد الرحمن عند مسلحة عليها طريق من قدم من المدينة إلى هشام، فكان مقيما عندها أياما، ثم طلع عليه عبد الرحمن على بغلة له وهو معتمّ فسلّم فقالوا: من الرجل؟. قال: رجل من قريش. قالوا: من أي قريش أنت؟ فأخبرهم، فأتى عبد الرحمن ابراهيم بن هشام، فأتى به إبراهيم هشاما، فأدخله إليه فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام، كيف أنت يا عبد الرحمن، كيف أهل بيتك؟. قال: بخير يا أمير المؤمنين. قال: أحب أن يكونوا بخير، فما أقدمك يا عبد الرحمن؟. قال: ظلامتي، خاصمت إلى خالد: ابن أبي عتيق، فمال علي ميلا بينا، فرحلت إلى أمير المؤمنين مستغيثا به لينصرني. فكتب إلى خالد: «أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فأحضر رجالا من أهل الفضل والستر والصدق والعفاف ممن يخيرهم عبد الرحمن بن القاسم، ثم اجمع بينه وبين خصمه، ثم مرهم أن يجزموا القضاء على أحدهما، ولا تعرض لعبد الرحمن في خصومة ولا غيرها، فإن لعبد الرحمن فضلا، ومكان أبي بكر في الاسلام مكانه». ثم ختم الكتاب ودفعه إلى عبد الرحمن فقال عبد الرحمن: قد بررت وقضيت الحاجة وأعفيتني من الظلم وعليّ أربعمائة دينار. فقال: يا عبد الرحمن، لو جمعنا لأحد أن نرد ظلامته ونقضي دينه لفعلنا ذلك بك، ولكنا لا نفعله بأحد فامض لشأنك. قال عبد الرحمن: فلحقني حسان النبطي فقال: قد سمعت كلامك في دينك، وهذه أربعمائة دينار من مالي فخذها واقض بها دينك. فقال عبد

стр. 3442

الرحمن: ما أستجيز أخذها منك وأنا استجيزه من الخليفة، وأنا أقبلها على أن تكون قرضا، فأخذها على هذه الجهة فقضاه إياها ورثة عبد الرحمن بعد ذلك. قال ابن شوذب يمدح أبا الزناد نصر بن ربيعة وأصحابه: حتى إذا ما دخيل الهمّ أرّقني … فوق الفراش وكاد النوم يمتنع وقلت حين أناجي النفس من رجل … والرأي مشترك والهم ملتفع (١) فصرت نحوك من أرضي لتنفعني … إذا بلغتك والمعروف متبع أبا الزناد فلا تقعد بحاجتنا … إن الكريم إذا ما هز ينخدع تحوي من العلم ما يشقي السقيم به … ويجبر العظم منه حين ينصدع ما زلت بالحق إذ ضلت عقولهم … حتى ردعت إلي الأهواء فارتدعوا

стр. 3443

الخوارج في أيام هشام بن عبد الملك أمر صبيح الخارجي (١): قال أبو الحسن المدائني: اشترى سوّار بن الأسعر المازني غلاما من سبي الأزارقة غلاما يقال له صبيح، فكان عنده حينا فلما صار رجلا أعتقه، وكان يرى رأي الخوارج، فخرج في حاجة لسوار وصحبه رجل من طيّئ فحضرت الصلاة فصلّى صبيح ولم يصلّ الطائي فقال له: ألست مسلما؟ قال: بلى! قال: فما بالك لم تصلّ؟ فقال: وما أنت وهذا؟ أقبل على شأنك. فحكّم صبيح وقتل الطائي. واجتمع إليه رجال فخرج وسار إلى هراة وأغار على إبل لبني سعد وقتل رجالا، فأتى السعديون ضرار بن الهلقام بن نعيم التميمي، وهو عامل للجنيد بن عبد الرحمن المرّي على بعض خراسان، فخرج ضرار إلى الخوارج فسار في المفازة ولقيه صبيح في أربعمائة، وضرار في جمع كثير من بني

стр. 3444

تميم وغيرهم، ومعهم البختي بن ضبيعة المرّي، فاقتتلوا فقتل من أصحاب صبيح خمسون، وقتل عامة من كان مع ضرار، ورجع صبيح إلى سجستان فقال سوار لعمري لئن أغفلت من خشية الردى … زرنج (١) ولم أخرج حذار صبيح لبئس إذا حامي الحقيقة بعدها (٢) … ولابس ثوبي ذلة وفضوح فكتب خالد بن عبد الله إلى عبد الله بن أبي برده بطلب صبيح رجاء أن يظفر به دون الجنيد، ونزل صبيح قرية كانت صلحا، فأخذوه أسيرا وأتوا به ابن أبي بردة، وقالوا: ما تجعل لنا إن أخذنا صبيحا؟ قال: ما شئتم. فاشترطوا عليه الحطيطة من الأتاوة وشيئا غير ذلك، فدفعوه إليه فبعث به إلى خالد، وبعث به خالد إلى هشام، فأراد قتله وصلبه فقيل له: إذا تتخذ الخوارج الرصافة (٣) دار هجرة، فردّه إلى خالد فقتله وصلبه، وأخذ الجنيد الخوارج ممن كان مع صبيح وعلى رأيه بخراسان فجعل يقتلهم حتى قتل مائة. ويقال إن الجنيد أخذ رجلا منهم أعمى فقال: أنا أدلك عليهم، فجعل يدلّه على رجل رجل من أهل السنّة فيقتله حتى قتل مائة ثم قال: لعنك الله يا أحمق. تزعم أن دمي حلال لك، وأنا أدلك على قوم فتقتلهم، والله ما قتلت إلا أصحابك وما دللتك من أصحابي على أحد. فقدمه فقتله.

стр. 3445

أمر خالد الخارجي قال أبو الحسن المدائني: خرج خارجي من قبيل بوشنج (١) وهراة في جمع عظيم فكان لا يأتي قرية إلا افتدوا منه بمال، ومضى إلى مرو الروذ وعليها ضرار بن الهلقام فأراد أن يعطيه شيئا وينصرف عنه فجبّنوه وعجّزوه. وكان عامة الناس غزاة فقال: دعوني أردّ هذا الخارجي عنكم بشيء ولا نقاتله فإن عامة الناس غزاة، قالوا: جبنت وضعفت. فقال: كأني بكم منهزمين تكسع (٢) الريح أدباركم، وخرج إليهم وأخرج معه الوجوه والأشراف من العرب والموالي، فبيّت خالد عسكرهم فقتل من صبر وعامة من هرب، فلم ينج منهم إلاّ القليل، وأسروا ضرارا ثم قتلوه وأصحابه الذين بقوا معه، فقال منصور بن هبيرة التميمي ثم المازني قصيدة طويلة يرثيهم ويقول فيها:

стр. 3446

لقد تماصوا وقد آسوا أميرهم … عند اللقاء حذار الذمّ والعار وقال رجل من بني العنبر في قصيدة له: أأمام قد ذهب التجلّد والأسى … فانعى فوارس مازن وضرارا ثم إن خالدا مات من جراح كانت به، ويقال مات حتف أنفه.

стр. 3447

أمر عباد المعافري قال أبو الحسن المدائني: خرج باليمن في أول سنة ست ومائة عباد المعافري فقابله مسعود بن عوف الكلبي، فلم يظفر به، فلم يزل باليمن حتى وليها يوسف بن عمر الثقفي فقتله. وخرج على يوسف زحّاف بن عباد الحميري الأباضي فبعث إليه يوسف كثيرا أبا العاج السلمي فقتله فقال جرير بن عطية. الله أهلك عبادا وشيعته … عادات ربك في أمثال عباد لاقوا بعوث أمير المؤمنين لهم … كالريح إذ بعثت نحسا على عاد فيهم ملائكة الرحمن ما لهم … إلا التوكل والتسبيح من زاد (١)

стр. 3448

خبر الأشهب العنزي قالوا: خرج رجل من عنزة يقال له الأشهب بناحية الفرات في ستين فارسا، فوجه خالد بن عبد الله القسري: السمط بن مسلم البجلي في سبعمائة فلقيهم قريبا من الكوفة فقاتلهم فضرب السمط على يده فندر سيفه، وأسرع سيف الضارب في يده، وانهزم العنزي هو وأصحابه، فقتلوهم حتى دخلوا الكوفة، ورماهم الناس بالحجارة، ثم برئ السمط من الضربة وشلت يده، فكان يطلب سيفه عند قعد الخوارج بالكوفة.

стр. 3449

خوارج بموقوع (١) في أيام هشام ويوسف بن عمر على العراق قالوا: خرج خوارج بموقوع وكانوا تسعة عشر رجلا وامرأة، والقاسم بن محمد الثقفي على البصرة، فقتلوا وأسرت الامرأة فلما قدم بها على القاسم قالت: يا حسن الوجه إني خدعت. قال عمر بن سعيد: فأرسلني القاسم إلى يوسف بن عمر فقدمت عليه بالفتح وبالمرأة فقال: ما استبقاؤه هذه؟ وقتلها. ثم أرسلني يوسف بالرؤوس إلى الشام. وقال الهيثم: بعث بالرؤوس إلى الوليد، وكان هشام قد مات، فأقر الوليد يوسف على العراق، فلما قدم رسوله على يوسف قال: كيف الوليد الفاسق؟ ثم قال: إياك أن يسمع هذا منك أحد، فحلف له رسوله بالطلاق ألا يسمعه منه أحد فضحك يوسف.

стр. 3450

أمر خارجي بالموصل قال المدائني: وخرج خارجي يذكر من عنزة بالموصل في ثلاثة عشر رجلا، في أيام هشام، فوجه إليه الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم: المستنير بن عجلان العنزي، أحد بني يذكر، فقال المستنير: لا ألقاه إلاّ في عدّة من معه، فقاتلهم فظهر عليهم، فأوفده الحرّ إلى هشام، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: تخرجنا من ربيعة وتردّنا إلى بني أسد، فقال: نعم. فقال بنو يقدم بن عنزة: لا نتحوّل، وقالت يذكر بن عنزة: بلى. فاصطلحوا على أن صيّروا سبعا على حدة.

стр. 3451

خبر البهلول بن بشر الشيباني ويقال ابن عمرو، ويلقب كثارة. قال ابو الحسن المدائني: خرج البهلول بن بشر الشيباني أيام خالد بن عبد الله القسري في سبعين رجلا كان من أهل الديوان معروفا بالشجاعة، وكان سبب خروجه أنه حج، فلما كان ببعض قرى السواد أرسل غلامه ليأتيه بخلّ فأتاه بخمر فردّها فأبى الخمار أن يقبلها، فاستعدى عليه والي القرية وكان من أهل الشام فلم يعده، وقال: خارجي خبيث، والله لهي خير منك وإني لأنفس بها على مثلك، فتركه ومضى لحجه، وجعل يخبر من لقي من إخوانه ويعجبهم، ويدعوهم إلى الخروج، فلما قضوا حجهم رجع إلى القرية التي كان بها الشامي فقتله، ثم أتى الموصل فاتبعه قوم من أهلها وأهل الجزيرة. وأقبل خالد من الكوفة فلما كان في موضع يقال له قياض (١)، وجه إليه

стр. 3452

خالد: يزيد بن قيس بن ثمامة الأودي أبو عافية بن يزيد الأودي القاضي، وكان على شرطة خالد، وكان في خف فلم يقاتله، فقال البهلول: إن صاحبكم هذا الأشجع الخلق وأحمق الخلق. ومضى البهلول إلى عين التمر ثم أتى لعلع (١) فأقام بها وهو في مائة وستين من الخوارج، وأقبل إليه عشرة نفر من الكوفة من أهل راية (٢) فعرض لهم قوم فقتلوهم قبل أن يصلوا إليه. وبلغه ذلك فسار إلى القرية التي قتلوا بها فقال لهم: من قتل هؤلاء الرهط فله عشرة آلاف درهم. فادعى قتلهم جماعة فقتلهم، فتنكّر له قوم من أصحابه وقالوا: غدرت بالقوم. فقال: أما كان لي أن أقتلهم وقد قتلوا إخوانكم؟ قالوا: بلى ولكنك كذبتهم. قال: إنا في دار حرب والحرب خدعة. قالوا: تب وإلا اعتزلناك. فتاب فقبلوا منه، ورجع فأقام بلعلع. وكان معه رجل يقال له أثال فتذكر أهله وولده فبكى، فقال بهلول: بكى جزعا بعبرته أثال … وليس بحين مكبى للرجال فلما أهل الديار لنا بأهل … ولا المال المراح لنا بمال وقال أيضا: من كان يكره أن يلقى منيته … فالموت أشهى على قلبي من العسل فلا التقدم في الهيجاء يعجبني … ولا الحذار ينجيني من الأجل فوجه إليه خالد رجلا من آل حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني، فارتحل بهلول عن مكانه فسار يصبح بأرض ويمسي بأخرى يجول بالسواد،

стр. 3453

حتى أحفى دوابهم، ثم لقيهم وقد ضجروا وكلّت خيولهم، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انكشفوا، وصبر الرويمي في نفير قتلوا، وأهوى له بهلول ليطعنه فقال: أسألك بالرحم فاذكرك الله إني مستجير جانح، فأمسك عنه وأتى فلّهم الكوفة، وقدم قائد من أهل الشام في تلك الأيام وهو من بلقين ليوجهه خالد إلى الهند، فقال له: سر إلى هذه المارقة فإن قتلتهم لم أغزكم الهند، فسار القيني في أصحابه وهم ألفان من أهل الشام، وضم إليه خالد جندا من أهل الكوفة، فكان في خمسة آلاف، منهم ثلاثة آلاف من أهل الكوفة. فجعل البهلول ينتقل في السواد حتى قطع خيولهم، ثم أتى لعلع فالتقوا بها فقتل القيني، طعنه البهلول طعنة هتكت سلاحه وأوجره الرمح، فقال: قتلتني. قال: أبعدك الله يا عدو الله، وانهزم الشاميون، فقال البهلول لأصحابه: عليكم بالشاميين فإن الكوفيين أخرجوا كرها. فاتبعوهم فكانوا إذا لحقوا الشامي قتلوه وإذا لحقوا عراقيا لم يقتلوه. فقال رجل ممن نجا من الشاميين: ما كنت أدري ما السيوف ووقعها … حتى لقيت فوارس البهلول يضحي بأرض والمبيت بغيرها … هيهات من ممساك حيث تقيل وقال البهلول لأصحابه لما قتل القيني: علام نقيم على خالد وندع الذي أمّره؟ فتوجه إلى الموصل وهو يريد الشام، فوجه إليه والي الموصل قائدا يقال له سفيان، فهزمه البهلول. فكتب صاحب الموصل إلى هشام يخبره خبر البهلول ويستمده، فكتب هشام إلى عامل الجزيرة أن يمده فسرح إليه قائدا من أهل الجزيرة في خمسمائة، ووجه هشام من الرصافة جندا، وكتب إليه أن ضم إليهم جند الموصل واستعمل عليهم كثارة، وهو لا يعلم

стр. 3454

أن كثارة هو الخارجي، فتوافت الجنود بالموصل وبهلول نازل إلى جانب دير بالكحيل (١). فجعل عامل الموصل عليهم رجلا يقال له ابن أبي عطاء، فساروا حتى لقوا البهلول، فانهزم ابن أبي عطاء وأهل الشام، ولجأ بعضهم إلى الدير فحصرهم البهلول أياما. وقدم جند من أهل الشام، أيضا مددا، وانضم إليهم الفل فنزلوا بعقوة البهلول، وخرج إليهم من كان في الدير محصورا فتلا البهلول: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وحمل على أهل الشام فقتل منهم رجلا، ثم قال لأصحابه: يا أخلاء إنما خرجتم غضبا لله فلا تجزعوا ولا تكبروا القتل في الله، وناهضهم وقال: إن أصبت فأميركم دعامة بن عبد الله الشيباني. فعاجلوهم وكثر القتل والجراح في الفريقين، ثم ترجل البهلول وأصحابه عند المساء فشدّوا عليهم، فجال أهل الشام والبهلول يقاتل ويقول: من كان يكره أن يلقى منيته … فالموت أشهى إلى قلبي من العسل وكمن له أبو الموت الجدلي - جديلة قيس - فمر به فطعنه فأثبته، ويقال: الذي قتل البهلول عمرو بن ثوبان الحضرمي صاحب خيل الموصل، فقام بالأمر دعامة فانحازوا وتحاجزوا وقد أمسوا والجراح في الطائفتين فاشية، فقالت الخوارج لدعامة: فررت من الزحف وكفرت. فقال: إنما انحزت ولم أفرّ، فأبوا أن يرضوا به وبايعوا عمرو بن غالب اليشكري

стр. 3455

وأصبحوا فعاودهم القتال فقتل وقتل الخوارج غير نفير يسير انحازوا إلى العراق، وقال بعض الشعراء من الخوارج في دعامة: لبئس أمير القوم معترفا به … دعامة في الهيجاء شر الدعائم وكان الضحاك بن قيس - أحد بني محلم - جرح يومئذ فنزف وعطش، فرفع له خباء، فأتاه فوجد فيه امرأة، فاستسقى فسقته، وسقط فلم يقدر على النهوض، فلما أفاق مما كان به وبرئ أتى أصحابه من القعد فقالوا: فررت من الزحف. ولم يقرّ بالفرار واعتذر فلم يقبلوا عذره فكانوا لا يجالسونه ولا يكلمونه، فقال الضحاك: اللهم إني قد صدقتهم فكذبوني وبذلت نفسي فردّوني، اللهم أنت خير لي منهم. وقال: لا تطردوني إذا ما جئت زائركم … أرجو الفلاح وكونوا اليوم إخوانا بدّلت بعد أبي بشر وصحبته … قوما عليّ مع الأحزاب أعوانا في أبيات. ثم إنه أقرّ بالكفر واستتابوه فتاب. قالوا: وكان بهلول لين السيرة لا يقاتل إلاّ من قاتله ولا يعرض لأحد ولا يأخذ شيئا إلا بثمن.

стр. 3456

أمر ابن شبيب بن يزيد: ويكنى أبا الصّحارى قال أبو الحسن: وأتى ابن لشبيب بن يزيد الخارجي خالد بن عبد الله فقال: افرض لي، فقال: ابن شبيب ماله وللفريضة؟ فخرج وأرسل خالد في طلبه فأبى أن يرجع فتعلقوا به ومنعوه من المضي، فانتضى سيفه فهربوا، ومضى على فرسه الى الفرات فعقر فرسه، وركب سفينة وأتى ناسا من بني تيم اللات كانوا بجبل فدعاهم الى الخروج فخرجوا، فوجه اليهم خالد خيلا فقتلوا جميعا.

стр. 3457

أمر وزير الخارجي قال أبو الحسن المدائني وغيره: خرج على خالد بن عبد الله القسري وزير الخارجي، فحكّم بالكوفة في ثلاثة عشر رجلا، وخالد بالحيرة، فقتل من لقي وحرق وغلب على بيت المال، فتلقته الفرسان فقتل بعض الخوارج وأسر بعضهم وارتثّ وزير فأتي به خالد، فجعل يقرأ القرآن ويعظ خالدا حتى رقّ له واستبقاه، وأمر به فحبس فكان يخرجه من الحبس فيسامره، وبلغ ذلك هشاما فكتب إلى خالد: أتستحيي فاسقا مارقا قد قتل وحرق وفرق بيت المال فأحرقه، فلما أتاه كتاب هشام أخرجه ومن كان بقي معه من أصحابه فصبّ عليهم النفط ثم حرقوا في طنان (١) القصب وقد أشعلت فيها النيران، فلم يجزع وزير ولم يتحرك وجعل يقرأ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يعلمون﴾ (٢). وجزع أصحابه واضطربوا. تمت أخبار الخوارج في أيام هشام.

стр. 3458

ولد هشام قال أبو اليقظان: ولد هشام: مسملة، ويزيد، ومحمدا، وأم هاشم، أمهم أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص، وأمها زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وعبد الرحمن، ومروان، أمهما أم عثمان بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وأمها أم عمرو بنت مروان بن الحكم. وعائشة أمها عبدة بنت عبد الله بن الإسوار بن يزيد بن معاوية. ومعاوية، والوليد، وسليمان، وقريشا، لأمهات أولاد شتى. وكانت عائشة تسير مع هشام في موكبه لإعجابه بها، وكانت لها خيل تسبق، وتزوجها عبد الله بن مروان بن محمد، وأما معاوية فكان أكبر القوم.

стр. 3459

أمر خالد بن عبد الله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام قالوا: كان ابن هبيرة عاملا ليزيد بن عبد الملك على العراق، وولي هشام فأقره، وكان خالد بن عبد الله بن أسيد بن كرز بن عامر بن عبد الله بن عبد شمس بن غمغمة بن جرير بن شق بن سعد بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قسر - واسم قسر: مالك - بن عبقر. وأخته بجيلة ابنة صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، ضرب وهو على مكة من قبل الوليد بن عبد الملك حبابة جارية ابن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وكانت قينة تسمى العالية فصارت ليزيد بن عبد الملك وسماها حبابة. فلما ولي يزيد خافه خالد، وخاف حبابة، وتبناها عمر بن هبيرة فسأله خالد أن يترضاها له وأهدى إليها هدايا ففعل. فقالت: قد وهبته لك، فلم يشكر له خالد ذلك وحبسه حين ولي العراق بعده. قالوا: وعزل هشام: عمر بن هبيرة، وولى: خالد بن عبد الله العراق في أول سنة من ولايته.

стр. 3460

وقالوا: قال عمر بن يزيد الأسيلمي - من بني تميم-: دخلت على هشام وخالد بن عبد الله القسري عنده يذكر طاعة أهل اليمن ووفاءهم، وذلك قبل ولايته العراق، وقال: فصفقت تصفيقة دوى منها البهو، وقلت: ما رأيت كهذا القول خطأ وخطلا، والله ما قبحت فتنة في الاسلام إلاّ باليمن فهم سعوا على عثمان أمير المؤمنين فقتلوه، وهم خلعوا أمير المؤمنين عبد الملك، وإن سيوفنا لتقطر من دماء آل المهلب. فلما خرجت لحقني رجل من أهل الشام. فقال: يا أخا بني تميم وريت بك زنادي، قد شهدت مقالتك، وأمير المؤمنين مولّ خالد العراق وليس هو لك بدار. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى عن عبد الله بن أسيد الكلابي: ان إياس بن معاوية قال: كنت عند ابن هبيرة في يوم جمعة وقد أذنوا فجاء غلام له يعدو فقال: إن قوما دخلوا علي البريد ووكلوا بالباب من يحفظه، قال إياس: فقمت فخرجت فمنعني الحرس، فقال وهو فزع منبهر: هكذا تقوم القيامة. وأقيمت الصلاة فصلى خالد بن عبد الله بالناس، وقرأ عهده، وكتبه، ثم أرسل إلينا فأتيناه، فقلت: أنا إياس بن معاوية، فأطلقني، وحبس ابن هبيرة. وقال اسماعيل بن عمار يعارض الفرزدق: عجب الفرزدق من فزارة أن رأى … عنها أمية بالمشارق تنزع فلقد رأى عجبا وأحدث بعده … أمر تراع له القلوب وتفزع

стр. 3461

بكت المنابر من فزارة شجوها … فاليوم من قسر تضج وتجزع وملوك خندف أضرعتنا للعدى … لله درّ ملوكنا ما تصنع فلما حبس خالد قال الفرزدق: لعمري لئن نابت فزارة نوبة … لمن حدث الأيام تسجنها قسر لقد حبس القسري في سجن واسط … فتى شيظميا لا ينهنه الزجر فتى لم تورّكه الإماء ولم يكن … غداء له لحم الخنازير والخمر (١) فقال ابن هبيرة: ما رأيت أكرم من الفرزدق: هجاني أميرا ومدحني أسيرا. وكان الفرزدق هجا ابن هبيرة فقال في أيام يزيد: أمير المؤمنين وأنت عفّ … كريم لست بالطبع الحريص أأطعمت العراق ورافديه (٢) … فزاريا أحدّ يد القميص ولم يك قبلها راعي مخاض … ليأمنه على وركي قلوص تفهق بالعراق أبو المثنى … وعلّم قومه أكل الخبيص (٣) وقال فيه بعد هذا الشعر: يلين لأهل الدين من لين قلبه … لهم وغليظ قلبه للمنافق (٤) فقال خالد: فأين أبو فراس، وطمع في أن يقع في يده فيعاقبه فحذره الفرزدق.

стр. 3462

قالوا: وكتب هشام إلى خالد في عذاب ابن هبيرة والاستقصاء عليه. وروي عن الصعق بن حزن أنه قال: رأيت خالدا لما قدم العراق يعذب عمر بن هبيرة فأخرج يوما من السجن وعليه عباءة فألقي فتكشف فنظرت إليه وقد رفع إصبعه إلى السماء يدعو فعلمت أنه سينجو. وقال أبو عبيدة: حدثني خالد بن جبلة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: كنت مع ابن هبيرة في حبس خالد وكان ابن هبيرة قد ضربني قبل ذلك، فقال: يا جبلة، إن الحفظة تذهب الحقد وقد أمرت موالي أن يحفروا لي، وهم منتهون إليّ الليلة، فهل لك في الخروج؟ قلت: لست فاعلا. قال: فأشر علي. قلت: لا تخرجن في دار قوم، قال: لا. وكان أمر مولى له فاستأجر دارا الى جانب السجن واتخذ فيها ألف نعجة فكانوا يحفرون الليل ويتخذون التراب في الدار فيصبح الشاء قد وطئته ولبدته بأبوالها فأفضوا بنقبهم إلى جبلة، فقال لهم: لست بصاحبكم فأتوا عمر بن هبيرة فقام حتى دخل النقب فخرج منه. وكان جبلة أشار عليه أن يقدم كتابا إلى هشام ويبعث معه رسولا، فوجه بكتابه أبا الفوارس الباهلي الأعرج، فقدم به إلى الرصافة غدوة، وقدم ابن هبيرة عشية. المدائني قال: سمع ابن هبيرة في طريقه امرأة من قيس تقول: لا والذي أسأله أن ينجي عمر بن هبيرة فقال: يا غلام أعطها ما معك وأعلمها أني قد نجوت. ولما فقد الحرس ابن هبيرة من السجن أخبروا خالدا، فوجه في أثره سعيد بن عمرو الحرشي، لأن ابن هبيرة عزل سعيدا عن خراسان، وضربه

стр. 3463

حين قدم عليه مائة سوط ونفخ في دبره بكير، وحبسه فكان سعيد بن عمرو إذا ذكره قال: قبّح الله ابن هبيرة فإنه أوهى مني بصرا حديدا وساعدا شديدا، فلم يزل محبوسا حتى قدم خالد فأكرمه فلم يقدر سعيد على ابن هبيرة، فترك خالدا وتم على وجهه إلى الشام. وقدم ابن هبيرة فأشارت عليه قيس بأن يستجير بأم حكيم بنت يحيى امرأة هشام، فقال: امرأة؟ قالوا: فاستجر بأبي شاكر مسلمة بن هشام. قال: صبي، ولكني استجير بأبي سعيد مسلمة بن عبد الملك، قالوا: أتستجير به وقد وليت ما كان يليه ولم تبق عليه؟ فقال: هو كريم ولا يسلمني أبدا، فتوجه إليه ومعه وجوه القيسية، فلما رآه مسلمه كره مصيره إليه، وانطلق إلى هشام فكلمه فيه وقال: هذا رجل خاف تحامل خالد عليه للمضريّة، فأمنه هشام على أن يؤدي ما طولب به فأداه. وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: كنا في رصافة هشام ومعنا مسلمة بن عبد الملك وسليمان بن هشام وابن هبيرة، فخرج علينا رسول هشام فقال: ان أمير المؤمنين يعزم عليكم أن تتلقوا أبا الهيثم خالد بن عبد الله، وكان قدم على هشام للسلام عليه، ولمناظرته في أمور، لم تحتملها المكاتبة والرسل، وحمل معه أموالا وألطافا، فقال ابن هبيرة: وأنا أيضا؟ قال: ما أراد أمير المؤمنين غيرك، فركب الناس لتلقيه، وركب ابن هبيرة بغلته. قال عبد العزيز: فسرنا حتى لقينا خالدا فسلم علينا وسلمنا عليه، فلم يسلم خالد على ابن هبيرة فتقدم على بغلته، فصاح خالد: اباقا كاباق العبيد، قال ابن هبيرة: أنوما كنوم الأمة، ويقال إنه قال له: أبقت اباق العبد، فقال له: نعم حين نمت نوم الأمة.

стр. 3464

وقال الفرزدق في هرب ابن هبيرة لما رأيت الأرض قد سد ظهرها … فلم تر إلاّ تحتها لك مخرجا دعوت الذي ناداه يونس بعد ما … هوى في ثلاث مظلمات ففرّجا خرجت ولم تمنن عليك شفاعة … سوى ربذ (١) التعريب من آل أعوجا وظلماء تحت الليل قد خضت هولها … ولونا كلون الطيلساني أدعجا هما ظلمتا ليل وأرض تلاقيا … على جامح من همه ما تعوجا (٢) وقال: قد ضيّع السجن والتضييع عادته … حتى نجا سالما من سجنه عمر وانقضت من قوى القسريّ مرّته … وأحكمت من حبال غيرها مرر (٣) وقال أيضا: ألا قطع الرحمن ظهر مطيّة … أتتنا تخطّى من دمشق بخالد وكيف يؤمّ الناس من كان أمه … تدين بأن الله ليس بواحد (٤) قال: وجلس هشام لينظر فيما بين ابن هبيرة وسعيد بن عمرو الحرشي، وتظلم سعيد منه فخرج الربيع بن شابور مولى بني الحريش وهو حاجبه، فقال عمرو بن سعيد: لا يقم غيرهما. فقال سعيد: ولاني خراسان ففعلت ما يجب علي، وحمدني أهل البلاد، فكافأني بأن ضربني فأوهى بصري وأخذ مالي.

стр. 3465

فقال هشام: ما تقول يا عمر؟ قال: وليت العراق فوجدت هذا صعلوكا ليس له إلاّ فرسه ورمحه، لا يعرفه أحد إلا أن له حظا من نجدة، فوليته البصرة ثم عزلته ووليته خراسان، فسرق الفيء واحتجنه ولم يبعث إلي الا ببرذونين حطمين، فعزلته وضربته، وأخذت ماله، ووضعته في بيت المال. فقال: ألك يا سعيد حجة غير ما ذكرت؟ قال: لا. قال: فأنت يا عمر؟ قال: لا. قال: فليمسك كل واحد منكما عن صاحبه حتى يرى أمير المؤمنين رأيه، فأمسكا. قالوا: ولما قدم ابن هبيرة على هشام وأمنه، كاده الأبرش وأصحاب خالد بن عبد الله، فأعدوا مائة من خيل المضمار سياسها وقوامها فقدموها وأضمروها، وأمروا مجرّيها أن يعارضوا بها هشاما إذا ركب يوما، فعورض بها، فسأل عنها، ورأى خيلا لا يعرفها لنفسه، فقالوا: هذه لابن هبيرة. فاستشاط غضبا، وقال: وا عجبا، اختان ما اختان ثم قدم؟ فوالله ما رضيت عنه بعد وهو يوائمني في الخيل، عليّ بعمر، فدعي به وهو يسير في عرض الموكب فجاء مسرعا وقد بلغه الخبر، فقال له هشام: ما هذه الخيل؟ قال: خيل أمير المؤمنين اخترتها وطلبتها من مظانّها حتى جمعتها لك فمر بقبضها، وكان ذلك سبب نقاء قلبه له، وانشراح صدره بالرضا عنه. ثم لم يزل عمر يتأتى لهشام حتى أنس به، فقال له يوما: هل لك في أمر لم يطمع فيه أحد ولم يعرضه عليك قبلي أحد؟ قال: وما هو؟ قال: اعمل لك من قبل الوليد بن يزيد في البيعة لمسلمة ابن أمير المؤمنين. قال: أو تفعل؟ قال: نعم. قال: فإن فعلت وليتك العراق.

стр. 3466

فأتى ابن هبيرة الوليد فقال له بعد حديث طويل جرى بينهما: أيها الأمير لم تزل تلقى مثل ما تلقى من هذا الأحوال فيك، قد علم خؤولتنا لك وميلنا إليك فهو يجرعنا الغيظ بسببك لتصغيره إياك مرة وتهدده مرة، ولست آمنه عليك، فإن أذنت لي عملت لك في أمر تتعجل نفعه وتأمن به، ثم الأمر فيه إليك. قال: وما هو؟ قال: تدعو هشاما إلى أن يعقد الأمر بعدك لابنه أبي شاكر وتتعجل لك منه مالا رغيبا جليلا فإن حدث بهشام حدث نظرت في أمرك فإن شئت خلعت مسلمة وعقدت الأمر لمن أحببت، فقد علمت طاعتي في قيس وهم أخوالك، فالأمر منته الى ما رأيت وأردت. قال: فافعل. فأتى هشاما فقال: قد حكمت الأمر فهات العهد على العراق فإذا بويع لمسلمة مضيت. فأعطاه عهدا، وكان خالد يخاف ابن هبيرة خوفا شديدا، فيقال إنه دس رجلا فضرب مضربا في طريق ابن هبيرة إلى هشام، فلما مر به قام إليه فقال: أنا مولاك وقد لغبت فهل لك في شربة عسل تخوض بماء بارد، فشربها ثم نهض يريد منزله، وقوض الرجل مضربه وانشمر، ومات ابن هبيرة من يومه ويقال انه فلج فمات. وقال المدائني: كان يقال: رجل أهل الشام عمر بن هبيرة، ورجل أهل البصرة عمر بن يزيد الأسيدي، ورجل أهل الكوفة بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. فذكر ذلك لعمر بن يزيد فقال: صدقوا ولكن بلالا حية، فقيل ذلك لبلال فقال: رمتني بدائها وانسلت.

стр. 3467

وقال المدائني: لما ولي خالد بن عبد الله العراق ولى البصرة أبان بن ضبارة من أهل اليمن، ثم عزله وولى عقبة بن عبد الأعلى الكلاعي، من أهل الشام، ثم عزله وولى عامر بن نفيل الكلاعي أو الكلابي، فكلهم كانوا على الصلاة بالبصرة. وعلى الشرط والأحداث مالك بن المنذر بن الجارود العبدي من قبل خالد (١). وقال المدائني: أخذ الفضل بن برجان اللص العطاردي من بني تميم أخذه شعيب بن الحبحاب الفقيه في العتيك، فرفعه الى مالك فضربه حتى مات ثم صلبه، وأخذ مالك بن المنذر سهما الصّبيري أحد بني صبير بن يربوع بن حنظلة فقتله، وكان سهم لصا، وقتل جماعة من اللصوص فقال خليفة الأقطع: إن كنت لم تسألي سهما وصاحبه … عن مالك فسلي فضل بن برجان في أبيات. وذكروا أن ابن المنذر سأل الحسن عن امرأة عذبت جاريتها حتى ماتت، فأمره أن يعزرها ولم ير عليها قودا. حدثني عمر بن شبه وغيره عن أبي عاصم النبيل قال: صلى مالك بن المنذر في ثوب رقيق، فقال له البتي (٢): لا تصلّ في ثوب واحد رقيق، فلما ولي أرسل إليه فضربه عشرين سوطا فقال: علام تضربني؟ قال: لأنك تأمر الناس ألا يصلوا إلاّ في الحجاب.

стр. 3468

قالوا: وبعث مالك إلى الحسن: ما هذه الجموع؟ لئن جلست مجلسك لأضربنّك ثلاثمائة سوط، فقال: يكفيني من ذلك سوطان، فجلس في بيته وأمسك عن ذكر الأمراء. حدثنا خلف عن عبد الوارث عن محمد بن ذكوان قال كان مالك بن المنذر على الشرط، فضرب ثابتا البناني، وشتم الحسن وقال: اعتزل مجلسنا وإلا ضربتك مائة سوط على ظهرك وبطنك فإنك تعيب أمير المؤمنين، والأمير، وتحرم القبالات. المدائني قال: كتب مالك بن المنذر إلى خالد يذكر له أمر الحسن وعيبه الأمراء، فكتب اليه: انك لست من الشيخ في شيء، فاله عن ذكره وإياك أن تعرض له، فأتاه رسول مالك فقال له: إن أبا غسان يقرئك السلام ويقول إن رأيت أن تأتي المقصورة. فجعل يقول: إن أبا غسان يقرئك السلام ويقول: إن رأيت أن تأتي المقصورة فافعل، يردد ذلك ثلاثا: لا، لا، لا. ثم دخل على مالك فوعظه وقال: اتق الله ولا تترجح في هذه الأماني فإن أحدا لم يعط شيئا بأمنية دون عمل. وقال هشام ابن الكلبي: ضرب مالك عمر بن يزيد الأسيدي بالسياط حتى قتله. قالوا: وكان عمر لمالك صديقا فوشى به بالكوفة الى عبد الحميد بن عبد الرحمن في أيامه فأزعجه من عنده، ووشى به الى العباس بن الوليد بن عبد الملك حتى أزعجه، ثم وشى به الى مسلمة بن عبد الملك فلم يقبل منه، فلما رأى عمر أن مسملة لا يقبل صالح مالكا، فلما ولي مالك أحداث البصرة ذكر عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر، فنفاه من أبيه وعنده

стр. 3469

عمر بن يزيد، وحفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر وغيره، فأتى عمر بن يزيد عبد الأعلى فأبلغه قول مالك، وقال: أنا أشهد لك عليه فشخص عبد الله إلى خالد وهو بواسط، وأشخص معه عمر بن يزيد وحفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر فشهدا على مالك بما قال فكذبهما خالد وتهددهما وقال لعمر بن يزيد: أنا أعرف شرارتك ومحلك وحبسه عنده ودس شهودا فشهدوا أنه يشرب الخمر فضربه خالد حدا وحدره إلى مالك فضربه بالسياط حتى وقذه، ثم أمر به فحمل الى السجن فلويت عنقه فمات، وادّعي انه مصّ خاتمه فمات، وانما أشاع ذلك أصحاب خالد. فلما مات عمر جزعت بنو تميم، وتنمرت لربيعة، وحدبت ربيعة على مالك ومالت إليه، واشرأب الناس للفتنة فقمعهم السلطان. وحدثني عمر بن شبه، حدثني أحمد بن معاوية عن المشجع قال: دخلت على عمر بن يزيد بن عمير السجن فقال: ما فعلت داري؟ قلت: هدمت. قال: فنخلي؟ قلت: قطع. قال: ما أهون ذلك عليّ إن سلمت نفسي. المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال الحسن: إن مالكا قتل عمر بن يزيد ليعزّ، فلم يزده الله إلا ذلا، وإن عمر بن يزيد قتل شهيدا، وكان مالك شاور بشير بن عبد الله بن أبي بكر وعمرو بن مسلم الباهلي في أمر عمر بن يزيد، فقال له بشير: إن قتلته قتلت عصفورا، وإن تركته تركت أسدا، وقال عمرو: أقتله، فقال الفرزدق:

стр. 3470

لله قوما شاركوا في دمائنا … وكنا لهم عونا على العثرات فجاهرنا بالغش عمرو بن مسلم … وأوقد نارا صاحب البكرات (١) وقال الفرزدق: يا لتميم ألا لله أمكم … لقد رميتم باحدى المصمئلات (٢) واستشعروا بثبات الذل واغتربوا … إن لم تروعوا بني أفصى بغارات أو تقتلوا بفتى الفتيان قاتله … وتقتلوا بصعيد غير أشتات لله درّ فتى راحوا به أصلا … مهشم الوجه مهشوم الثنيات (٣) فخرجت رجال تميم وخرجت عاتكة بنت الملاءة امرأة عمر فدخلت على امرأة هشام، فجعلت لا ترى معها شيئا حسنا من جارية أو غيرها إلاّ قالت: ما أحسن هذا، فتقول: هو لك، فلما جهدت وجهد القوم نزلوا على عثمان بن حيان المري. قالت ابنة الملاءة: فأتيناه وهو في مزرعة له فشكونا إليه أمرنا، فقال: قد والله بلغنا أمركم فساءنا وأحفظنا، ولبس ثيابه ثم أقبل معنا إلى هشام وكان لا يحجب عنه، وأطفنا به، فصاح عثمان: قبح الله طاعة لا تعرف لأهلها، ونصيحة لا تشكر لمن عرف بها، فأسمع هشاما فخرج الخدم يقولون: من هذا؟ فقيل عثمان بن حيان. فدخلوا فأعلموا هشاما ثم خرجوا إليه فقالوا: ليدخل عثمان، فدخل فأعلم هشاما وكلمه فقال
следующие страницы →