يده فمسّ عرقه ثم قال: ما أرى بك حمى، ثم قال: يا بن اللخناء تكذبني. لا تقربني، وأمر بعزله عن الديوان.
المدائني عن شبيب بن شيبة قال: كان المنصور إذا ذكر بني مروان يقول: أما عبد الملك فكان جبارا لا يبالي ما أقدم عليه، وأما الوليد فكان مجنونا، وأما سليمان فكان همه بطنه وفرجه، وأما عمر بن عبد العزيز فكان أعور بين عميان، ورجل القوم هشام.
قالوا: وكان الجعد بن درهم مؤدب مروان ومعلمه، وكان دهريا، ويقال كان معتزليا شهد عليه ميمون بن مهران أنه قال له ووعظه: لشاة قياد أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله وهو قاتلك، ويقال إن ميمون بن مهران وعدة شهدوا عند هشام على الجعد بن درهم بالكفر، فطلبه هشام فهرب إلى حران، ثم إنه ظفر به فحمل إلى هشام فأخرجه من الشام إلى العراق، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسري وهو عامله على العراق بأن يحبسه فلم يزل محبوسا حينا، ثم إن امرأته رفعت إلى هشام في أمره تعلمه طول حبسه وسوء حاله وحال عياله، فقال: أو حيّ هو؟ وكتب إلى خالد في قتله، فقال خالد في يوم أضحى: أيها الناس انصرفوا إلى أضاحيكم فإني مضحّ بعدو الله الجعد بن درهم، وكان الجعد مولى سويد بن غفلة الجعفي.
قالوا: وكان غيلان يقول: كلمت الجعد فوجدته معطلا.
المدائني عن ريسان الأعرجي عن عقال بن شبّة قال: دخلت على هشام، وعليه قباء أخضر، فجعلت أتأمله، فقال: مالك تتأمل قبائي؟ قلت: رأيت عليك قبل الخلافة قباء أخضر شبهته بهذا القباء، قال: هو
стр. 3397
هو، والذي لا إله غيره، ومالي قباء سواه، وما ترون من جمعي المال وصونه إلا لكم.
وقال المدائني: كان عقال بن شبة مع هشام، وكان شبه أبو عقال مع عبد الملك، وكان عقال يقول: دخلت على هشام فدخلت على رجل محشو عقلا.
قالوا: وقال هشام لنسطاس أبي الزبير: أترى الناس يرضون بعدي بالوليد بن يزيد؟ قال: قلت: يطيل الله عمرك يا أمير يا أمير المؤمنين ويبقيك بعده، قال: لا بد من الموت. أفترى الناس يرضون به؟ قلت:
يا أمير المؤمنين البيعة له في أعناق الناس، قال: لئن رضي الناس بالوليد إنّ الحديث الذي روي: «إنّ من ولي الخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار»، باطل.
قال الهيثم بن عدي: بعث يوسف بن عمر إلى هشام ياقوتة حمراء يخرج طرفاها من الكف، وحبة لؤلؤ أعظم ما يكون من الحبّ، قال الرسول: فدخلت على هشام فدنوت منه فلم أر وجهه من طول السرير وكثرة الفرش. فلما تناول الحجر والحبة قال: أكتب معك بوزنهما؟ قلت:
يا أمير المؤمنين هما أجلّ من أن يكتب بوزنهما، ومن أين يوجد مثلهما؟ قال:
صدقت.
وكانت الياقوتة للرائقة جارية خالد بن عبد الله القسري اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار.
стр. 3398
المدائني وغيره أن هشاما أنشد بيت حسان بن ثابت الأنصاري:
أتانا رسول الله لما تجهمت … له الأرض إذ يرميه كل مفوّق (١)
وهو يروي «حين تنكرت له الأرض إذ يرميه كل مفوق».
وأنشد أيضا شعر أبي قيس:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكّر لو يلقى صديقا مؤاتيا
فقال: ما رأيت أحد أشد امتنانا على الله ورسوله من هؤلاء اليهود - يعني الأنصار-.
ومات هشام بالذبحة فروي عن سالم أبي العلاء أنه قال: خرج علينا هشام يوما وهو كئيب، يعرف ذلك فيه، مسترخي الثياب، وقد أرخى عنان دابته فقال: ادعو الأبرش، فدعي فسار بين الأبرش وبيني، فقال الأبرش: يا أمير المؤمنين لقد رأيت منك ما غمني. قال: ويحك كيف لا أغتم وقد زعم أهل العلم إني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يوما، قال الأبرش:
فلما انصرفت إلى منزلي كتبت: زعم أمير المؤمنين أنه يسافر يوم كذا، فلما كانت ليلة اليوم الذي كمل الثلاثة والثلاثين أتاني رسول هشام فقال: أجب واحمل معك دواء الذبحة، وقد كانت الذبحة عرضت له مرة فتداوى بذلك الدواء فانتفع به فأتيته ومعي الدواء فتغرغر به، فازداد الوجع شدة، ثم سكن، فقال: قد سكن بعض السكون فانصرف إلى أهلك وخلف الدواء عندي، ففعلت، فما استقررت في منزلي حتى سمعت الصراخ فقالوا:
مات أمير المؤمنين، فلما مات أغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله فما وجدوه، حتى استعاروا قمقما.
стр. 3399
وكان الوليد شخص عن الرصافة لكثرة عبث هشام به، وخلف عياض بن مسلم مولى عبد الملك بن مروان، وهو كاتبه، بالرصافة، وأمره أن يكتب إليه بالأخبار، فعتب عليه هشام فضربه وحبسه وألبسه المسوح، فلما صار هشام إلى الحدّ الذي لا ترجى له فيه الحياة، أرسل عياض إلى الخزّان أن احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلنّ أحد منه إلى شيء.
وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنا خزانا للوليد.
ثم مات هشام من ساعته، فخرج عياض من الحبس، وختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه وحازها، فما وجد له كفن، حتى كفنه غالب مولى هشام.
وقال مروان بن شجاع مولى مروان: كنت مع محمد بن هشام، فأرسل يوما إليّ فدخلت عليه وقد غضب وهو يتلهف، فقلت: مالك؟ قال: رجل نصراني شجّ غلامي، وجعل يسبّه، فقلت: على رسلك.
قال: ما أصنع؟ قلت: نرفعه إلى القاضي، قال: أما غير هذا؟ قلت:
لا. فقال خصيّ له: أنا أكفيك. فذهب فضربه. وبلغ ذلك هشاما فطلب الخصيّ فعاذ بمحمد، فقال محمد بن هشام: لم آمرك، وقال الخصي: قد والله أمرني، فضرب هشام الخصي، وشتم ابنه وهجره أياما ثم رضي عنه.
قالوا: وكان في موكب هشام ثمانمائة فارس: أربعمائة من الشرط، وأربعمائة من الحرس، ولم يكن أحد يسير في موكب إلا مسلمة بن عبد الملك.
стр. 3400
ورأى هشام ذات يوم سالما كاتبه في موكب فزجره، وقال: لا أعلمنّ ما سرت في موكب، فكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم ويقول: ما حاجتك، ويمنعه أن يسير معه.
وكان سالم عظيم القدر عند هشام، وكان يتمثل بشعر النعمان بن بشير في غلام له، كان يقال له سالم وهو:
يذودونني عن سالم وأذودهم … وجلدة بين العين والأنف سالم
وكان حاجب هشام يسير وحده، ولم يكن أحد من بني مروان يأخذ عطاء إلا وعليه الغزو، فمنهم من يغزو بنفسه، ومنهم من يخرج بديلا، وكان لهشام مولى يقال له يعقوب فكان يأخذ عطاء هشام، وهو مائتا دينار ودينار، يفضّل بدينار، فيأخذ يعقوب ذلك ويغزو عنه.
وكانوا يصيّرون أنفسهم في أعوان الديوان، وفي بعض ما يجوز لهم معه المقام، فيوضع عنهم الغزو. فكان داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وعيسى بن علي، وهما لأمّ في أعوان السّوق بالعراق لخالد بن عبد الله القسري، فأقاما عنده ووصلهما، ولولا ذلك لم يقدر على تصييرهما عنده، ولأخذا بالغزو فجعلهما في الأعوان، وكانا يسامرانه ويحدثانه.
قالوا: وكان هشام أراد أن يصيّر ابنه مسلمة ولي عهده بعد الوليد بن يزيد، فقال الكميت بن يزيد الأسدي:
إنّ الخلافة كائن أوتادها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم
قالوا: فأضرّ هشام بالوليد بن يزيد، فدخل عليه يوما فقال له العباس بن الوليد بن عبد الملك: يا أبا العباس كيف حبك للروميات؟ قال: إني لأحبّهن، وكيف لا نحب من لا يزال يأتي بمثلك. فترك الوليد
стр. 3401
الرصافة وخرج، فكان بالأزرق من أرض بلقين وفزارة، فكان يزيد بن الوليد بن عبد الملك يكتب إلى الوليد بما أجمعوا عليه من خلعه.
قالوا: وضم هشام إلى ولده: سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي، وقالوا: ولى هشام مولى له ضيعة فعمرها حتى جاءت بغلّة كثيرة، وعمرها أيضا فأضعفت غلتها وحمل ما ارتفع من مالها مع ابنه، فقدم به على هشام فجزى أباه خيرا، فلما سمع ذلك انبسط فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: زيادة عشرة دنانير في عطائي. قال: ما يظن أحدكم أن زيادة عشرة دنانير في العطاء إلا نقد الجوز، لا لعمري لا أفعل.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جعدبة قال: قال هشام:
لو أشاء أن أقول الشعر لقلته، وما يمنعني منه إلاّ قول معاوية، أو قال عبد الملك: إن الشعر أسرى خلال الدنيء، وأدنى خلال السريّ، قال: فقلت له: قال رسول الله ﷺ : «إن من الشعر حكمة» فهل تكون حكمة من دنيء.
حدثني أبو محمد النحوي عن أبي عبيدة قال: حج هشام بن عبد الملك سنة ست ومائة، فأتى الكوفة فحج منها، فقال يزيد بن المر قال:
كنت في اكرياته، فلم يأمر لنا بشيء، فقلت لأصحابه: أنا أكلمه.
فوضعت غرائر وقمت عليها فقلت: يا أمير المؤمنين نحن أكرياؤك وخدامك. فأمر لنا بصلة.
قالوا: وقال إبراهيم بن هشام المخزومي: ما كان من هشام في حجه شيء أنكرناه، إلا حاديا حدا بين يديه وهو يسير فقال:
стр. 3402
إنّ عليك أيها البختي … أكرم من تحمله المطيّ
فقال: صدق فوك لعمر الله، وزوج ابنا له بالكوفة.
حدثني التوزي النحوي عن أبي عبيدة عن الزعبل بن الكلب العنبري قال: خازمت - يقول: عارضت - إلى هشام حين قدم يريد الحج فأهديت له ناقة فلم يقبلها، فلما قوّضت سرادقاته ورفعت حجره واستوى في غرز (١) ناقته ناديت فقلت: يا أمير المؤمنين جعلت فداءك إنها مرباع هلواع مقراع حلباة ركباة. فضحك وأمر لي بصلة.
قال: المرباع: التي تربع إلى الصوت، مرباع: سريعة الحمل.
هلواع: حديدة القلب من الهلع. مقراع: تقر للفحل حتى يقرعها.
ويقال: ناقة حلباة ركباة وحلبانة ركبانة وحلبوت ركبوت.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: قال هشام بن عبد الملك: اثنان يتعجلان النصب ولعلهما لا يظفرا بالبغية: الحريص في حرصه ومعلّم البليد ما لا يبلغه فهمه.
المدائني قال: قال هشام لرجل متصل به سرقت له عشرة آلاف درهم: هل حدثت نفسك أن تفعل بها شيئا من أنواع البر؟ قال: لا.
قال: فهل حدثت نفسك أن تنفقها في شيء تتمتع به في الدنيا؟ قال: لا، قال: فخذ حجرا يزن عشرة آلاف درهم فضعه موضعها، فإن الحجر وتلك العشرة الآلاف سواء.
стр. 3403
قالوا: وخطب هشام بنت القاسم بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأم القاسم فاطمة بنت الحسين، وكان القاسم جلدا من رجال قريش فقال لرسوله: لا أزوجه حتى يقضي ديني ويأمر لي بعشرة آلاف درهم، ويعطي أخي عبد العزيز عشرة آلاف درهم، وآمنة أختي عشرة آلاف درهم.
فأدى الرسول قوله إلى هشام، فغضب هشام وشتمه، ثم بعث القاسم رسوله الى هشام في حوائج له فقال: لا ولا نعمة عين لا تقضى له حاجة، فوالذي أكرمني بخلافته ما هممت بظلم مسلم ولا معاهد مذ وليتها ولا ظلم القاسم، ولم يقض حاجته.
فلما مات القاسم تزوج هشام امرأته، وزوج ابنه ابنة القاسم، وحملها إلى الشام، فبكى أهل المدينة جزعا على القاسم.
قالوا: وأهدى حسان النبطي لهشام بن عبد الملك هدايا كثيرة من ثياب وجوهر وغير ذلك فاستكثرها هشام، وقال: بيت المال أحق بهذه الهدايا، فأمر ببيعها فبلغ ثمنها خمسمائة ألف درهم فابتاعها حسان ممن اشتراها وحملها إلى هشام وقال: قد طابت لك فمر بقبضها. فأمر هشام فنودي: ألا إن حسان سيد موالي أمير المؤمنين.
قالوا: ودخل هشام الكوفة فنزل الحيرة فسمع أصوات المؤذنين بالكوفة للغداة فقال لخليفة خالد بن عبد الله القسري - وكان خالد عامل هشام على العراق، وخليفته بالكوفة العريان بن الهيثم-: ما هذه الأصوات؟ أتراهم فعلوها؟ قال: يا أمير المؤمنين هذه أصوات المؤذنين، فقال هشام:
стр. 3404
إن بلدا تبلغ أصوات مؤذنيه ما أسمع لبلد يجب حفظه وحفظ أهله. وكان جبانا.
وحج هشام فدخل على سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو مريض فقال له: يا أبا عمر ألك حاجة؟ قال: اتق الله. قال: أوصني بأهلك. قال: هم في سعة من فضل الله. فمات في سنة ست ومائة وصلى عليه هشام.
حدثنا العمري عن الهيثم عن ابن عياش قال: لما حج هشام فدخل المدينة قال لرجل من أصحابه: انظر من ترى في المسجد، قال: أرى رجلا طوالا أدلم. قال: هذا سالم بن عبد الله بن عمر، ادعه. فأتاه فقال: أجب أمير المؤمنين. فأرسل من يأتيك بثيابك. قال: ويحك يزور بيت الله زائره في ثوبين ولا أدخل على هشام فيهما. فلما دخل على هشام وصله بعشرة آلاف درهم.
ثم قدم المدينة منصرفا من الحج فقيل له إن سالما شديد الوجع، فدخل عليه فسأله عن حاله، ومات سالم فصلى عليه هشام وقال: ما أدري أي الأمرين أنا أشد به سرورا، إتمام حجي أم صلاتي على أبي عمر.
حدثني عمر بن بكير عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: حج هشام فلما قدم المدينة دعا سالم بن عبد الله فآنسه، ودعا له بصلة وقال: هذا بقية الناس وابن الفاروق وخير أهل زمانكم، ثم انصرف وقد حمّ فقال:
أترون الأحول لعقني بعينه، فكان هشام يقول: سروري بالصلاة على أبي عمر كسروري بتمام حجي أو كما قال.
стр. 3405
قالوا: وكان مما أنكر على هشام قوله لأشكونّ سليمان أخي يوم القيامة لاختياره يزيد بن عبد الملك علي.
قالوا: وأراد هشام أن يبايع لمسلمة بن هشام، ويخلع الوليد بن يزيد، فكاتب أهل الشام في ذلك فأجابه إلى إرادته خلق كثير، فكان ممن أجابه: سعيد بن عبد الملك، ومحمد، وابراهيم ابنا هشام المخزومي، والوليد وعبد الملك ابنا القعقاع بن خليد العبسي، وغيرهم من بني أمية، فأضرّ بالوليد وأقصاه وكان يشتمه ويسفهه ويعيره بالشراب، وولى مسلمة بن هشام الموسم وأعطاه مالا عظيما أمره أن يقسمه فقسمه فقال مولى من أهل المدينة:
يا أيها السائل عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر
الواهب الجرد بأرسانها … ليس بزنديق ولا فاجر
يعرض بالوليد، وقال قوم أن هشاما عاب الوليد ووبخه في الشراب فقال:
يا أيها الباحث عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفا وممزوجة … بالسخن أحيانا وبالفاتر (١)
فقال هشام لمسلمة: يعيرنا الوليد بشربك، فالزم الأدب، واحضر الصلوات، والزم مجلسي غدوة وعشية.
ويقال إن الذي قال هذا الشعر عبد الصمد بن عبد الأعلى أخو عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر.
стр. 3406
قالوا: وكان الخلفاء وأبناء الخلفاء من بني أمية يتبدون ويهربون من الطاعون، فينزلون البرية خارجا عن الناس، فلما أراد هشام أن يترك الرصافة قيل له: لا تخرجن فإن الخلفاء لا يطعنون ولم نر خليفة قط طعن، فقال: أبي تريدون أن تجربوا، الرصافة - وهي قرية - وابتنى قصرين وأقام بها، والرصافة رومية بناها بعض ملوك الروم، وهي تنسب إلى هشام.
ويقال إنه أراد أن يخرج من الرصافة إلى البادية فرارا من الطاعون، فقيل إنه لم يطعن بها أحد فقال: أبي تجربون.
قالوا: وأنشد أبو النجم هشاما أرجوزته اللامية حتى بلغ:
والشمس قد همّت ولما تفعل … فهي على الأفق كعين الأحول
فغضب هشام وأمر به فأخرج، وروي أيضا أن خالدا بعث الى هشام بحاد فحدا بهذين البيتين فغضب هشام وطرده.
المدائني عن مسلمة أن الفرزدق حج عام حج هشام فوصله ابراهيم بن اسماعيل المخزومي بخمسمائة درهم فقال:
أميركم شرّ الولاة علمته … وشرّ ولاة المؤمنين هشام (١)
فأراد ابراهيم أن يضربه فقيل: تضربه ثم تخلي عنه فيهجونا.
المدائني عن أبي عاصم عن رجل من بني ضبة قال: مرّ بي معاوية بن هشام وأنا في مزرعة لي قد اختبزت خبزة، فوقف علي فقلت: الغداء.
فنزل فأخرجتها ووضعتها في لبن فأكل، ثم جاء الناس فركب وثار بين يديه
стр. 3407
ثعلب فركب في إثره، وعثر فرسه فسقط فاحتملوه ميتا. فقال هشام:
أرشحه للخلافة ويتبع كلبا.
وكانت عند معاوية امرأتان: إحداهما ابنة اسماعيل بن حربي فأخرج كل واحدة منهما من نصف الثمن بأربعين ألف درهم.
ورثى الكميت معاوية بقصيدة قال فيها:
سأبكيك للدنيا وللدين إنني … رأيت يد المعروف بعدك شلّت
المدائني قال: قال هشام لغيلان أبي مروان: ويحك يا غيلان قد أكثر الناس فيك، فتنازعنا في أمرك، فإن كان حقا اتبعناك، وإن كان باطلا نزعت عنه.
وكان غيلان كاتبا من كتّابهم، وهو مولاهم، فترك خدمتهم وبسط لسانه فيهم بسوء القول، فدعا هشام ميمون بن مهران ليكلمه فقال له:
يا ميمون سل فأقوى ما تكونون إذا سألتم، فقال ميمون: أشاء الله أن يعصى؟ قال: لا. قال: فعصي كارها؟ قال: هو كاره للعصيان الذي نهى عنه وليس هو بالمحمول على أمر يكرهه، ويقال إنه لم يجب بشيء وقال:
أقلني. فقال هشام: لا أقالني الله إن أقلتك، وأمر بقطع يديه ورجليه وسل لسانه، وألقي على مزبلة يراه الناس.
وكان من أصحاب الربيع (١): خطبان، والوضين بن عطاء، وهما من أهل اليمن، فأما الربيع فرآه المنصور أمير المؤمنين بالبصرة عند عمرو بن
стр. 3408
عبيد قبل الخلافة، فذكر محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن فقال الربيع:
ما ندري ما محمد لم نره، وأما أنت فرجل منا نقول بما تقول به من الحق والتنزيه لله، قد عرفنا مذهبك وما أحد أحق بالخلافة منك.
فشكر له أبو جعفر ذاك فولاه دار الضرب بدمشق.
وكان عمر بن عبد العزيز ولاه (١) بيع خزائن بني مروان، فباع متاع عبد الملك، والوليد فنودي على جورب فبلغ مائة دينار، فقال غيلان:
ما لهؤلاء لعنهم الله، جورب بمائة دينار؟ فحقد ذلك عليه هشام.
وقال جعفر بن سليمان بن علي: قال لي عبد الله بن علي: جمعت بين دواوين بني مروان فلم أر ديوانا أصح ولا أصلح من ديوان هشام في أمر الخاصة والعامة والسلطان.
المدائني عن غسان بن عبد الحميد قال: لم يكن أحد من بني مروان أسدّ نظرا في أمر أصحابه ودواوينه، ولا أشد مبالغة في الفحص عن أموره من هشام.
قال: ودخل نسطاس على هشام، وعلى نسطاس جبة يسحبها، فقال له: من أين هذه الجبة لك؟ قال: بعث بها إليّ فلان. قال: ولم بعث بها إليك؟ فما زال يبحثه ويفتشه عنها حتى علم أنها مصانعة، فحجبه أياما ثم كلم فيه فأذن له.
وقال الهيثم: خرج الفرزدق مع هشام حين حج في سنة ست ومائة، فأمر له هشام بخمسمائة درهم فقال:
стр. 3409
تحبّسني بين المدينة والتي … إليها قلوب الناس يهوى منيبها
فقلت كفاكم لم تكن كفّ سيّد … وعينا له خوصاء جمّا عيوبها (١)
قالوا: وكان مع هشام حجر جوهر فقال: من شاء فليسبّني ويأخذه، فقال له الأبرش الكلبي: هاته يا أحول. فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.
وقال هشام: أنعم الناس عيشا رجل له امرأة صالحة قد غضت بصره عمن سواها، وسداد من عيش يقيمه، فهو مقبل على أمر معاده، ولا يعرفنا ولا نعرفه.
وقال هشام بن عمار: كان هشام بناحية من الشام، فوقع الطاعون هناك فقيل: يا أمير المؤمنين إنه لم يمت ههنا خليفة قط، قال: أفبي تجربون.
حدثنا محمد بن الأعرابي عن المفضّل الضبّي قال: دخل قرواش بن حبيب على هشام في غمار الناس فقال: إنا أنضاء سفر، وفلّ سنة (٢)، وعندكم أموال فإن تكن لله فبثّوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تمنعونهم إياها، وإن تكن بينكم وبينهم فقد أسأتم الأثرة وتركتم النّصفة. فقال هشام: نحن أقفال عند الله مفاتيحها، فإذا أذن في شيء فتحنا له.
المدائني عن عبد الله بن محمد القرشي قال: أتى ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله هشام بن عبد الملك حين حج فمر بالمدينة فقال له:
стр. 3410
اعدني يا أمير المؤمنين على نافع بن علقمة فإنه أخذ داري. قال: أفلا رفعت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: قد فعلت فسلك غير طريق الحق.
قال: أفلا رفعت إلى الوليد. قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه. قال:
فعمر بن عبد العزيز. قال: عوجل ﵀. فغضب هشام وقال:
لا يزال أحدكم يتكلم بما يستحق به أن يدقّ أنفه ويسحب برجله. فقال:
إذا يسبق خيرك شرك، وتقطع رحمك، وتكون يد الله فوق يدك، أما والله إن اقتضاء ليتعقّب. فقال هشام: لو كان فيك مضرب لضربتك، قال:
فيّ والله مضرب. فقال هشام: اكتمها علي.
وحدثني أبو عدنان عن الأصمعي قال: دخل أعرابي على هشام فقال: يا أمير المؤمنين ان يكن المال الذي في أيديكم لله فبثوه في عباد الله، وإن كان بينكم وبينهم فلقد أسأتم الأثرة عليهم، وأثمتم في حرمانكم إياهم، وإن كان لكم دونهم فتصدقوا فإن الله يحب المتصدقين. فقال:
والله ما ترك واحدة من ثلاث، فأعطاه فخرج وهو يقول: ما أكزّ يده بالمعروف.
حدثني أبو عدنان عن هشام بن محمد، والهيثم بن عدي عن عوانة قال: أتى خالد بن صفوان باب هشام، فطلب له مسلمة الإذن فقيل: قد ركب أمير المؤمنين متنزها. قال خالد: وكان العام عاما قد بكر وسميّه (١) وتتابع وليّه (٢)، فكأن على الأرض زرابيّ مبثوثة من نورها ووشيها، فأشار إلي
стр. 3411
مسلمة أن تكلم، فنظرت إلى الثمار والشجر فوالله ما دريت ما أقول، فقلت: قاتل الله عدي بن زيد حيث يقول:
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر … وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملو … ك الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر (١) … إذ بناه وإذ
دجلة تجبى إليه والخابور
لم يهبه ريب المنون فباد … الملك عنه فبابه مهجور (٢)
قال هشام: قبح الله رأيك يا مسلمة فليس هذا بأول يوم غممتني فيه وقام مغضبا وتفرقوا، قال خالد: فأتاني بعض الشاميين فقال: أين هذا العراقي الذي أغضب أمير المؤمنين؟. قلت: خرج. فخرجوا يسعون فأخذت في ناحية أخرى، وكان هشام لا يكاد يذكر في مجلسه الموت تطيرا منه.
وحدثني أبو عدنان عن الهيثم بن عدي وهشام ابن الكلبي عن عوانة قال: وفد على هشام بن عبد الملك وفد كلهم من قريش، وكلهم خطيب، فتكلموا ثم قال اسماعيل بن محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي أو غيره من ولد أبي الجهم: يا أمير المؤمنين هذه خطباء قريش قد نطقت فأطنبت وتكلمت فأسهبت، فوالله ما بلغ متكلمهم قدرك، ولا جاوز أبلغهم فضلك أفأوجز أم أطيل؟. قال: بل أوجز. قال: تولاك الله يا أمير المؤمنين
стр. 3412
بالحسنى، وزيّنك بالتقوى، ويسرك لليسرى، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لي يا أمير المؤمنين حوائج أفأذكرها؟. قال: نعم. قال:
كبرت سني، وكثر عيالي فإن رأى أمير المؤمنين أن يصلني بصلة يجبر بها كسري، وينفي بها فقري فعل. قال: وما صلتك التي تفعل بك هذا الذي ذكرت؟. قال: ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار. قال:
هيهات، هيهات، رمت مراما صعبا، هذا والله ما لا يحتمله بيت مال المسلمين.
ثم نكس هشام واسماعيل ماثل بين يديه، فرفع رأسه ثم قال: هيه.
قال: وما هيه يا أمير المؤمنين كأنك آليت إلا تقضي لي حاجة في مقدمي هذا، أما والله إن الأمر لواحد، إلا أن الله آثرك بهذا المجلس، فإن تعطني فحقي أعطيت، وإن تمنعني فإني أسل الله الذي بيده ما حويت، فإن الله جعل العطية محبة والمنع مبغضة، ووالله لأن أحبك أحبّ إليّ من أن أبغضك. قال: فألف دينار لماذا؟. قال: أقضي بها دينا، فدحني حمله، وأضرّ بي أهله. قال: نعم المسلك أسلكتها تؤدي حقا وتضع عنك ثقلا، أو قال تؤدي عن أمانتك، وتحط حملا ثقيلا عن ظهرك. وألف لماذا؟ قال:
أزوج بها من أدرك من ولدي. قال: تغضّ بصرا، وتعفّ فرجا، وترجو نسلا، نعم المسلك أسلكتها. وألف لماذا؟ قال: أشتري بها أرضا يكون فضلها لنفقتي في حياتي ويبقى عقده لعقبي. قال: فإنّا قد أمرنا لك بما سألت، قال: المحمود على ذلك الله، فلما ولى قال هشام: إذا كان القرشي فليكن مثل هذا، ثم قال هشام: أما والله ما نعطي تبذيرا، ولا نمنع تقتيرا، وإنما نحن خزّان الله على بلاده، وأمناؤه على عباده، فإذا شاء
стр. 3413
أعطينا، وإذا منع أبينا، ولو كان كل قائل يصدق، وكل سائل يستحق ما جبهنا قائلا، ولا رددنا سائلا.
حدثني عبد الله بن صالح عن الهيثم، أخبرني الضحاك بن زمل قال: بلغ هشام قول الحسن البصري: لا يعدل أحد عن قصد، ولا يبقى كثير على إسراف، فقال هشام: صدق لله أبوه.
حدثني محمد بن أنس الأسدي عن ابن كناسة الأسدي قال: قدم رصافة هشام رجل من بني أسد، ثم من بني فقعس على هشام، فدخل عليه حين جلس للعامة، فقال: يا أمير المؤمنين أتت علينا سنون ثلاث أجحفت بالأموال ونحبت قلوب الرجال، فأما الأولى منهنّ فأذابت الشحم، وأما الثانية فنحضت (١) اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن تكن لله فبثوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تحظرونها عنهم وتمنعونها ذوي خلّتهم، وإن تكن لكم فتصدقوا ف ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٢) قال هشام: هذه حاجتك في خاصتك، فما حاجتك في عامتك؟. قال: مالي حاجة في خاصة دون عامة، فكتب هشام إلى خالد بن عبد الله أن أنفق على من أقحمته السنة حتى يأتي الله بالحيا والخصب. وكتب بمثل ذلك إلى ابراهيم بن هشام عامله بالمدينة فأنفقا، فاحتسب بألفي ألف درهم، واحتسب إبراهيم بسبعين ألف دينار فسميت السنة سنة خالد.
стр. 3414
ويروى عن الأصمعي أن عراقيا قال لبعضهم - هشام أو غيره-: إن كان هذا المال لكم فقد بخلتم به، وإن كان بينكم وبين رعيتكم فقد أسأتم الأثرة ومنعتم الحق، وإن كان لكم أن تعطوا ولكم أن تمنعوا فأنتم كما قال الله: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (١).
المدائني عن أبي محمد القرشي قال: كان يفطر عند هشام قوم في شهر رمضان فسأله رجل منهم حاجة فقال هشام: ألم أنهكم عن أن يكلمني أحد في حاجة في هذا الشهر؟. فقال له رجل يكنى أبا نوح من بني تميم، ممن كان يفطر معه: والله لقد أمر لي أمير المؤمنين بخصي فما منعني من تنجز ذلك إلاّ هذا الشهر. قال هشام: ما أعلمني أمرت لك بشيء، قال: بلى يا أمير المؤمنين قد أمرت لي به ولكنك نسيت. قال: فمن يعلم ذلك؟. قال:
إبراهيم بن هشام خالك، قال: أكذلك يا إبراهيم؟. قال: نعم يا أمير المؤمنين وما كنت أرى نسيانك يبلغ هذا، فأمر له هشام بالخصي. فلما خرج أبو نوح وقف لإبراهيم، فلما خرج ابراهيم قال: جزاك الله خيرا، قال:
لكن لا جزاك الله خيرا، ويحك ألا أعلمتني أنك تريد هذا قبل أن تقوله، ثم قال: إياك أن تعود لمثلها.
المدائني قال: استأذن المهاجر بن عبد الله هشاما في الحج فأذن له، وحج هشام فشكاه الناس، فراح إلى رواق هشام، فقال هشام لجارية له:
انظري من في الرواق، فخرجت ثم رجعت فقالت: فيه أجمل الناس وآدب الناس، فقال: انطلقي إلى هذا الذي زعمت أنه أجمل الناس فادعيه
стр. 3415
فخرجت إلى المهاجر فقالت: أجب أمير المؤمنين. قال: انطلقي فإن للأمير حاجبا غيرك، فأرسل إليه خصيا فدعاه فقال: دونك هذه الجارية فاطلب ولدها فإنها نعمت أم الولد.
قالوا: وكان المهاجر بن عبد الله يمر في مسجد دمشق فيعدل عن القناديل لئلا يكسرها بطوله، وقد مدحه جرير فقال:
إنّ المهاجر حين يبسط كفّه … سبط البنان طويل عظم الساعد
ولقد حكمت وكان حكمك مقنعا … وجعلت بين منابر ومساجد (١)
وقالوا: قدم عمرو بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص على هشام فجفاه فقال:
لعمرك للرّبيع أقلّ دينا … وأكثر صامتا مني مرارا
وأكثر زائرا مني كثيرا … وأجدر بالرصافة أن يزارا
قالوا: وكان هشام يقف على القصاب فيسأله عن سعر اللحم، ورأى رجلا من خاصته يبتاع لحما فغمزه فأتاه فقال: بكم تشتري؟. قال:
بدرهم، قال: أحسنت، وأكثر من هذا سرف، وقال هشام: لا يلام المرء على إصلاح ماله والقصد فيه.
قال المدائني: دخل هشام بستانا له فأقبل من معه يأكلون من ثمرته ويقولون: اللهم بارك لأمير المؤمنين، فقال: كيف يبارك في شيء تأكلون منه هذا الأكل، فقلع شجر ذلك البستان وجعل مكانه زيتونا.
стр. 3416
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: قال هشام: ما ندمت على شيء ندامتي على ما أهب. إن الخلافة تحتاج إلى الأموال كما يحتاج المريض إلى الدواء.
حدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقة، حدثني أبي أن رجلا من قريش دخل على هشام فقال له: ما أقدمك؟. قال: حاجة جليلة، وفضل أمير المؤمنين أجلّ منها. قال: وما هي؟. قال: تصلني بألف دينار وألف دينار وألف دينار. قال: ألف لماذا؟. قال: أصرفها في قضاء ديني. قال:
حسن جميل، تقضي حقا، وتحط ثقلا، وتؤدي أمانة. وألف دينار لماذا؟ قال: أزوج بها ولدي. قال: حسن جميل. تعف فرجا، وتصل سببا، وترجو عقبا. وألف لماذا؟ قال: استعين بها على نوائب الزمان وجفوة الإخوان، قال: حسن جميل، تستر بها نفسك، وتصون وجهك، وتصلح معاشك. ثم سكت فخرج من عنده.
ثم عاد في اليوم الثاني فقال له: قد أمرنا لك بثلاثة آلاف دينار، وإنما نحن خزان الله، فإن أذن لنا في عطاء شيء أمضيناه، وإذا لم يأذن فيه منعناه.
قالوا: وكتب هشام بخطه: «من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى رياح مولى مسلمة ابن أمير المؤمنين، أما بعد، فقد قرئ على أمير المؤمنين كتابك بما ذكرت من تكلفك من المؤونة في القراطيس، وسيرى أمير المؤمنين في أمر القراطيس لك ولغيرك رأيه، إن شاء الله».
وكتب هشام إلى يوسف بن عمر: أما بعد فقد وليت عبد الله بن نافع ما كان سعيد يليه من عمل بعلبك، وأمرته بقبض العهد الذي كان
стр. 3417
لسعيد، والأخذ بما فيه، فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، وأحسن جوار عبد الله، وأعنه على ما استعانك عليه فيما وافق الحق، وما هو له، ولما تحت يده صلاح، ولا تجعل له إلى شكيتك سبيلا إن شاء الله».
قالوا: بعث خالد بن عبد الله القسري إلى هشام بمال، وأرسل قوما يشهدون أنه طيب أخذ من حلّه، فصانع رجل بألفي درهم حتى جعل مع الشهود، وصيّر آخرهم، فقدموا على هشام فقال: أين المزكّون، فدعا رجلا رجلا فحلفوا بالله أنه ما أخذ شيئا من ذلك المال إلا من حلال، ولا حمل إليه خالد إلا الفضل بعد أن أعطى كل ذي حق حقه، حتى قام ذلك الرجل المصانع بالألفين فحلف بالله لقد شهدوا بزور وفجور. فقال هشام: أراك مستأجرا؟ فقال: والله لقد صانعت بألفي درهم حتى ألحقت بالشهود، قال: أفأنت خارجي؟ قال: لا والله ما أنا بخارجي، ولكني نظرت لك فاتق الله. فقال هشام لمن حضره: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن تقتله فإن له مذهب سوء، وإلا فلم صانع ليخبث بنفس أمير المؤمنين، ويجرح شهادات مثل هؤلاء فقتله وصلبه، ويقال بعث به إلى خالد فقتله وصلبه بواسط.
وقال بعضهم كان خالد بن عبد الله أبلغ عن الكميت بن زيد تنقصا له، وكان متهما بالرفض عندهم، وأنشد قصيدته الهاشمية التي يقول فيها.
إلى النفر الغرّ الذين بحبّهم … إلى الله فيما نابني أتقرب
وقالوا ترابيّ هواه ورأيه … بذلك أدعى فيهم وألقّب (١)
стр. 3418
فحبسه خالد فلبس ثياب النساء وخرج فعاذ بمسلمة بن هشام وقال:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل … على الرغم من تلك النوابح والمشلي (١)
عليّ ثياب الغانيات وتحتها … عزيمة رأي شبّهت سلّة النصل
فأصبحت مغبوطا ومحسود أمة … بأبيض محسود على مثله مثلي
من النّفر البيض الذين أكفّهم … سمام العدى والشافيات من النبل (٢)
وأخبرني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: بلغ هشام بن عبد الملك أمر عابه به، وأنشد قصيدته الهاشمية البائية، فكتب إلى خالد في حبسه، فحبسه فكان أبان بن الوليد يعده ويمنيه ويضمن له عن خالد ما يحب، وخالد يومئذ بواسط، وكان المستهل بن الكميت يعمل في أمره من قبل عبد الرحمن بن عنبسة، فجاء كتاب هشام بقطع يدي الكميت ورجليه ولسانه، فأخبر خالد بن عنبسة بذلك، فأخبر ابن عنبسة المستهل بذلك ليعلمه إياه فيوصي ويعهد، فأخبر المستهل أمه فلبست درعين وخمارين ونطاقين، ثم أتت الكميت فأخبرته فلبس أحد درعيها، وأحد خماريها، وأحد نطاقيتها، ثم خرج على البوابين فلم ينكروه ومضى من فوره إلى مسلمة بن هشام فأجاره مسلمة وأخواه. وقال في أبان بن الوليد:
أخلق وابل أبا الوليـ … ـد فقد لبست ثياب غادر
وكتب خالد إلى هشام بخبره، فكتب إليه هشام: أما امرأته فخاطرت بنفسها لزوجها فلا سبيل عليها فأطلقها. وأما أنت فقد ضيّعت.
وقال الكميت:
стр. 3419
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل
الأبيات.
وقال الكميت يحذّر هشاما غدر خالد - ويذكر ما تدّعى اليمانية من مصير الأمر إليهم، فإن ابن الأشعث كان ادعى ذلك لنفسه، ثم يزيد بن المهلب بعده، وأن خالدا أطمع نفسه في ذلك - قصيدة، وقال في ذلك.
أنوّاما يقول بني لؤيّ … عن الأمر المرشح ذي البزول
أرى أمرا سيعظم أصغراه … لتمّ لقاح مبسقة (١) حفول
دفوع للفصال بمنكبيها … خبوط عند درّتها ركول
كما لقيت ثمود ولا يكونوا … لكم مثلا براغية الفصيل (٢)
فيقال إن مسلمة بن هشام دخل على هشام فلم يفارقه حتى عزل خالدا، وأمسك عن الكميت لأنه كذّب ما قيل فيه:
وقال الكميت في مسلمة أبي شاكر بن هشام:
إن الخلافة كائن أوتادها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم (٣)
فقال خالد: أنا اكفر بخليفة يكنى أبا شاكر، فكأنّ مسلمة قد حقد ذلك عليه.
وقال الكميت في هشام قصيدة يقول فيها:
وكنا متى ما ندع مروان للتي … نخاف نذد عن حوضنا أن يفجّرا
وأنتم أناس يجمع الله دينه … بكم ويقيم الله من كان أصورا (٤)
стр. 3420
وجدنا أبا العاصي أبا أبويكم … ومجدكم المستقدم المتأخرا
كساه من المجد الهشامان حلة … مغيرية منها ارتدى وتأزّرا
وقال الكميت:
أبني أمية إنكم … أهل الوسائل والأياصر
أنتم معادن للخلا … فة كابرا عن كل كابر
وإلى القيامة لا يزا … ل لشافع منكم وواتر
الأطيبون الأكثرو … ن من الأطايب والأكابر
الآن صرت إلى أميـ … ـة والأمور إلى المصائر
يا مسلم ابن أبي الوليـ … ـد لميّت إن شئت ناشر
علقت حبالي من حبا … لك ذمة الجار والمجاور
والناس قد علموا رجا … ئي فيك من باد وحاضر
أنت المقابل في أميـ … ة في قوادمها الفواقر
الضامنين الدهر للحدثـ … ـان والجار المجاور
حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني الراوية، قال: لم يزل مسلمة بهشام حتى أمن الكميت وأنشده شعره فيه، وكان يحب أن يشرف ابنه مسلمة، ويرفع ذكره، فأظهر الرضا عنه، وتشفيع ابنه فيه.
وقال الكميت لعبد الملك بن هشام:
من عبد شمس لك السّنا … م ومن عبد مناف لبيتك الطّنب
وأنت في البيت ذي الدعا … ئم من مخزوم في بيت علا به النّسب
فما لحيّ مجد ولا مكر … مة إلا لكم فوق مجده رتب
وقال في مسلمة بن هشام:
стр. 3421
أمسلم إنّ الحلم والحزم والندى … ببابك ما يزداد إلا تجدّدا
وأنتم نجوم الناس والمهتدى بهم … وأكرم أهل الأرض كهلا وأمردا
وقال يرثي معاوية بن هشام تقربا بذلك إلى هشام وولده وقد كان ممن دفع عنه:
أتانا بموت ابن الخليفة حادث … به نهلت منا القلوب وعلّت
فإن تك أرض يا معاوي غيّبت … جداك وأرض منك أخرى تجلّت
فنعم فتى الهيجا ونعم شهابا … إذا البيض تحت المشرفيات صلّت
ربيع إذا ضنّ الشتاء بقطرة … وليث إذا ما المشرفية سلّت
سأبكيك للدنيا وللدين إنني … رأيت يد المعروف بعدك شلّت
وغلّق أبواب الندى وتنغّصت … إلى الناس أخرى عيشهم وتقلّت (١)
المدائني عن زيد بن الحارث قال: كان سعيد بن هشام يركب متنزها فإذا برز عن الناس نزع ثيابه حتى يبقى في قميص فيضعه على عاتقه ويعدو فيقول: أرسلت كلبي يبتغي ما يأكله، فلا يلقى امرأة إلا غصبها نفسها، وكان ماجنا، وكان يخالف إلى امرأة عمرو بن قيس، وكان على حمص، فقال فيه الشاعر وهو من طيّئ ثم من بني بحتر:
بلّغ لديك أمير المؤمنين فقد … خصصتنا بأمير غير عنّين
طورا يخالف عمرا في حليلته … وعند تاجة يبغي البرّ في الدين
وقال الكلبي: عمرو بن قيس بن ثور بن حمران السكوني، وهو أبو عيسى عمرو بن قيس، وعيسى هو أبو الجمل الحمصي وتاجة بنت عمرو الغنوي امرأة عمرو بن السليل من الرباب.
стр. 3422
وقال يزيد بن الحارث: كنا نعرف شبهه في قوم بحمص نرى أنهم ولده، قال فخرج مرة متنزها فلم أخرج معه، وخرج معه صفوان بن عمرو الكلاعي، فلما رجع خرجت أتلقاه. فقال: ما منعك من الخروج معنا؟ فاعتذرت إليه، فسايرته ثم نزلنا فقال: أترى هذا الخلق ما فيهم أشبق مني. قلت: إن مثلك لا يقول مثل هذا. قال: اسكت أنا أعلم بنفسي منك.
ورفع عليه عند هشام أنه يزني فعزله وقال: لا تلي لي عملا أبدا لعنك الله، أيزني القرشي، إن مثلك لا يزني، أتدري ما فسق القرشي وفجوره، إنما هو أن يأخذ مال هذا فيعطيه هذا: ويقتل هذا ويظلم هذا.
قالوا: وخرج سعيد يوما بحمص في غبّ مطر يسير، وقد التحف بطيلسانة، وهو على فرسه: وقد كادت صنعة طيلسانة تصيب الأرض، فمر برجل وهو لا يعرفه، فقال: يا عبد الله قد أفسدت ثوبك وما يضرك لو رفعته؟ فقال: وددت أنك وثوبك في النار. فقال: وما ينفعك؟ وقال أبو محمد السفياني: حبس سعيد بن هشام معنا، فكان في بيت على حده فكنت أسمع صوت أوتار عود، فخرجت يوما إلى البيت الذي هو فيه، فإذا هو قد أخذ جفنة فثقبها، وعلق عليها أوتارا، فقلت: ويحك، على هذه الحال؟ قال: لا أبا لك لولا هذه لمت غما.
المدائني عن اسماعيل بن ابراهيم قال: سمعت شيخا يقول: خطب هشام حين ولي فقال: «الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام».
فأخبرت محمد بن عمرو بن حزم فقال: لكن عمر بن عبد العزيز كان إذا
стр. 3423
خطب بكى ثم قال: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)﴾ (١).
حدثني العمري قال: ولى هشام ابنه سعيدا حمص، فكان يرسل إلى تاجة بنت عمرو الغنوي، وهي امرأة عمرو بن السليل من بني تيم الرباب، فشهد بذلك عند أبيه، فحدّه أبوه وقال: يا بن الخبيثة أتزني وأنت ابن أمير المؤمنين، لا جرم. لا ولّيتك عملا أبدا، إنما فجور قريش منع هذا ما يستحق، وإعطاء ذاك ما لا يستحق، فيقال إن سعيدا مات من ذلك الضرب، والثبت أنه بقي بعد موت أبيه.
قالوا: وقدم محمد بن علي بن عبد الله بن العباس على هشام فكره ذلك وأمر بفسطاطه فقوض وقال: قولوا له إلحق بمنزلك، وانتظر دولتكم التي تتوقعونها. فقال له الأبرش الكلبي: يا أمير المؤمنين إن كان الذي يقال حقا فقد ينبغي أن تصانعهم، وإن كان باطلا فعلام تقطع رحم هذا وقد قصد إليك.
حدثني حفص بن عمر عن الهيثم قال: كتب هشام لابنه محمد بن هشام، وأراد أن يبعثه على الصائفة كتابا نسخته: «إني رأيت أن أعهد إليك في أشياء من أمر خاصتك، أحب أن أحملك فيها على أدبي، ليكون حجة عليك وتأدية لحق الله عليّ لك، وأنا أرجو أن يتولى الله حفظك بالتنزيه عن كل قبيح، والعصمة من كل مكروه، والتحصين من كل آفة أخشاها عليك في دينك وبدنك ورأيك وعرضك، وأن يبليني في جميع ذلك أجمل ما عوّدني
стр. 3424
فيك، فحميد هو على ما يولي، مشكور على ما يبلي، وليس امرؤ وإن ظوهرت له العظة ونخلت له النصيحة بمنتفع بشيء من ذلك حتى يكون له من توفيق الله داع، ومن نفسه عليه معين يبصره فضل ما يوعظ به على ما يوعظ عليه، فإنه لا يوفق للخير ويعين عليه إلا الله وحده لا شريك له.
وقد كان مما أحدث الله لي فيك من النعمة، ما أسأل الله تمامه، وحسن المزيد فيه، والعون على أداء شكره عليه، فإنه قد أراني فيك من معالم الفضل وأمارات الخير ما قذف به في نفسي توجيهك لما وجهتك له من الأمر الذي أرجو أن يجعله الله لك إلى قصوى غايات الفضل سببا وسبيلا، فيما يعرفنا من بصرك بالأمور واستقلالك بالقيام لله بالنصيحة، وحسن السياسة، والرفق في مستقبل أمرك، ومفتاح عملك، فليكن أول ما تبدأ به إيثار تقوى الله ربك بالاجتهاد في طاعته، والحيطة لدينه وعباده ليجزيك بذلك جزاء كريم سلفك الماضين، وصلحاء أهلك الباقين، فإنّ به تمام كل نعمة، وإليه منتهى كل رغبة».
حدثني الأثرم عن أبي عبيدة قال: دخل أعرابي على هشام في غمار الناس، فقال هشام لحاجبة: أكلّ من شاء أن يدخل دخل؟ فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين إن دخولي عليك لا ينقص من قدرك، وهو يزيد في قدري. فقال: لا بأس إذا، أذكر حاجتك، فتظلم من واليهم، فكتب بإنصافه.
ويقال إن هشاما - أو الوليد بن عبد الملك - كان يقف على البقال قبل الخلافة فيقول: ناولني تلك الحزمة، فيناوله حزمة من البقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلسين، فيقول: زد فيها.
стр. 3425
وفي هشام يقول الشاعر:
باتصال دعوت يا عبد شمس … بعد ما نابهنّ أو يا مغيرا
قمري مكة المضيء دجاها … يجلوان الدّجنّة الدّيجورا
وقال الواقدي: خرج عشرون ألفا من الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائة فنزلوا على ملطية، فأغلق أهلها أبوابها. وخرج رسولهم مستغيثا فلحق بهشام وهو بالرصافة، فندب هشام الناس إلى ملطية، وتقلد سيفا ثغريا، وركب يطوف على الناس بالرقة، وأتاه الخبر بأن الروم قد قفلوا فأخبر الرسول بذلك، وبعث معه بشرا ليرابطوا بملطية.
حدثني أبو الوليد هشام بن عمار قال: سمعت من يحدث أن هشاما قال: لسان المرء من خدم عقله وأول واحد يخبر ما عنده.
قال: وبلغني أن هشام بن عبد الملك قال: إن اللسان في حكايته صادق عن عقل صاحبه.
قال المدائني: كان عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز يفد إلى هشام فيتكلم عنده، فيعجب مسلمة بن عبد الملك كلامه ويقول:
والله إني لأرفع كور العمامة عن أذنيّ لاستفرغ كلام ابن عامر، وكان مسلمة يقول: إنّ الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فكأنه يقضمني حب الرمان الحامض حتى يسكت فأردّه عنها، ويكلمني الرجل في الحاجة ما يستوجبها فيعرب فأجيبه إليها.
قالوا: وحضر الوليد بن يزيد مجلس هشام: ثم خرج فوثب على فرسه وقال لأبي شاكر بن هشام: أيحسن أبوك أن يركب كذا؟ فقال: لأبي
стр. 3426
مائة عبد يفعلون أكثر من هذا. فقال هشام: لله مسلمة ابني ما أظرفه لولا مجونه.
المدائني قال: حج هشام: فأخذ الأبرش قوما معهم برابط، فقال:
احبسوهم وبيعوا متاعهم هذا وصيّروا ثمنه في بيت المال، فإذا صلحوا فردوا الثمن عليهم.
وقال بشر مولى هشام: أتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه، وضربه فجعل الشيخ يبكي. قال بشر: فقلت له عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي لضرب أمير المؤمنين إياي، إنما أبكي لاحتقاره العود حين سماه طنبورا.
وقال هشام بن محمد الكلبي: دخل الوليد بن يزيد المقتول على هشام بن عبد الملك وعنده ولده، وفيهم مسلمة بن هشام، المكنى أبا شاكر، فقال الوليد لمسلمة، وكان ظريفا: ما اسمك؟ - كأنه لا يعرفه - فقال: شارزنجي. يعرّض بأنه يكثر شرب النبيذ إكثار الزنج ويطرب طربهم، وقد كتبنا خبر شارزنجي مع أخبار عبد الملك بن مروان.
وقال المدائني: استأذن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وأخوه عبد العزيز معه على هشام، فأذن لمحمد قبل عبد العزيز، فقال عبد العزيز: يرحم الله حسينا - من غير أن يجري للحسين ذكر - فأنكر هشام ذلك وقلب عينه وقال: ما ذاك؟ قال: ذاك لأني ومحمدا أبناء عبد الله، وأمي أموية بنت خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وأم محمد فاطمة بنت حسين، وقد قدّم عليّ وأنا أسنّ منه لأن فاطمة ولدته. فقال هشام لآذنه:
قدّمه بعد مرّته هذه.
стр. 3427
وحضر محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الله بن الحسن بن الحسن باب هشام فخرج الآذن فقال: محمد بن عبد الله. فلم يقم. فدنا الآذن فقال: ادخل، فقال: عبد الله بن الحسن ههنا. فرجع إلى هشام فأخبره بقوله، فقال: محمد بن عبد الله، فلم يقم. ففعل ذلك مرات، فقال هشام: ائذن لعبد الله، فخرج الآذن فقال: عبد الله بن حسن. فقام وقام معه محمد بن عبد الله.
المدائني: أن هشاما قال لمسلمة بن عبد الملك: يا أبا سعيد هل دخلك ذعر لحرب شهدتها، أو لعدو كادك؟ قال: ما سلمت من ذعر لا يذهلني عن حيلة ولم يغشني ذعر يسلبني رأيي، فقال هشام. هذه البسالة.
قال المدائني: قال ابراهيم بن هشام لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين أقبل عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص يوما، وعندي ابراهيم بن عبد الله بن مطيع، وعلى عبد الرحمن بن عنبسة ثياب خضر:
الجبة والمطرف والعمامة، فقال ابراهيم: قد أقبل ابن عنبسة في زينة قارون. فضحكت، فقال عبد الرحمن: ما أضحكك أيها الأمير؟ قلت:
قال ابراهيم حين أقبلت كذا وكذا. فقال عبد الرحمن: لولا أني أخافه علي وعليك وعلى المسلمين إن هو غضب لأجبته. قلت: وما تخاف من غضبه؟ قال: بلغني أن الدّجال يخرج لغضبة يغضبها، وابراهيم أعور وأنا أظنه الدجال، فقال ابراهيم: لولا أن له عندي يدا عظيمة لأجبته، قلت:
وما يده؟ قال: سعى عليه غلام بمدية فأصابه فأشواه، فلما نظر إلى الدم جعل لا يدخل عليه مملوك إلاّ قال له: أنت حر، ودخلت عليه عائدا له
стр. 3428
فقلت له: كيف تجدك؟ قال: أنت حر، قلت: أنا ابراهيم بن عبد الله، قال: أنت حر، فأعتقني في ظنه فهذه يده.
قالوا: وهرب هشام من الطاعون، فانتهى إلى دير فأدخله الراهب بستانا على أربعة أجربة، وجعل يأتيه بأطايب الفاكهة والبالغ منها، فقال هشام: أتبيعني بستانك؟ فسكت. فأعاد عليه القول وهو ساكت فقال:
مالك لا تتكلم يا راهب؟ قال: وددت أن الناس ماتوا غيرك. قال: ولم؟ قال: حتى تشبع إذا بقي كل شيء في الدنيا لك. فضحك وقال: أما تسمع يا أبرش. قال: ما لقيك حرّ غيره.
المدائني قال: دخل جديع الكرماني على هشام فقال له: من أنت؟ قال: جديع. قال: الكرماني؟ فكأنه كرهها، فقال هشام: لا تفعل وإذا شهرت بلقب تكرهه فإنه نسب.
قالوا: ووقف هشام يوما بحائط له فيه زيتون ومعه عثمان بن حيان، فسمع هشام نفض الزيتون، فقال لعثمان: انطلق إليهم فقل لهم: القطوه لقطا ولا تنفضوه نفضا فتتفقأ عيونه وتتكسر غصونه.
قالوا: وأدخلت على هشام جارية أعجبته، فاشتط صاحبها في الثمن، فأعطاه هشام عشرة آلاف فأبى فاشتراها الأبرش بحكم صاحبها وسومه، وبعث بها إلى هشام.
وأتي هشام بمال فقسمه على ولده وأهله، وقال لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم، وقد عزل مائة وعشرين ألف درهم: من أحقّ بهذا المال؟ قالت: أنا. قال: قد أخذت قسمك.
стр. 3429
وقال لعبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية: قولي فإنكم آل أبي سفيان تدّعون الرأي؟ قالت: أحق الناس بهذا المال من جاد لك بما بخلت به على نفسك، قال: صدقت، وأمر بحمل ذلك المال إلى الأبرش، وقال: هذا الآن في هذا الموضع أحسن منه في ذلك الموضع.
قالوا: وقدم على هشام وفد وفيهم ابن عمار بن ياسر، فقال له هشام: من أنت؟ فأخبره. فقال:
ترجو الصغير وقد أعياك والده … وفي أرومته ما ينبت العود
لا والله ما نال مني خيرا أبدا ما بقيت.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك في يوم شديد الحر وهو في بركة ماؤها يغمر الكعبين، وقد وضع له كرسي فجلس عليه، فلما رآني دعا لي بكرسي، ثم جلس يسائلني فأقبلت أحدثه، ثم قال: يا خالد لربّ خالد جلس مجلسك كان أحب إلي منك - يعني خالد بن عبد الله القسري - قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، لو تفضّلت عليه بصفحك وتغمّدته بحملك؟ فقال: إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، فسكتّ.
حدثني العمري عن الهيثم قال: أهدى خالد بن عبد الله وهو على العراق إلى ولد هشام وحشمه هدايا، وأغفل خادما له، فأخذ الخادم ابنا له صغيرا فوقف به حيث يسمع هشام الكلام، ثم قرصه قرصة أبكته فقال:
والله لو كنت من ولد خالد بن عبد الله القسري ما عدا، فسمع هشام قوله فكان ذلك أول ما وقر في قلبه.
стр. 3430
قالوا: ولما غضب هشام على خالد أرسل إليه يذكّره حرمته، فقال:
إنّ الإفراط في الدالّة يفسد الحرمة.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: قال هشام: أرخى الناس بالا من تخلّى عن الدنيا ومتاعها فدافع الأيام، وأصبح أجله أحبّ قادم إليه.
وقال هشام للأحوص: ما لنا وللفرزدق، حفر لنا خالد نهرا. فقال:
أنفقت مال الله في غير حقه … على نهرك المشؤوم غير المبارك (١)
فقال الأحوص: ما هذا من كلامه. قال هشام: قاتلهم الله، إذا جاءت الحقائق نصر بعضهم بعضا.
المدائني عن سحيم بن حفص قال: مرّ ابن هشام بن عبد الملك على اسماعيل بن يسار وقد اتخذ منزلا وهو يصوّره (٢)، فقال: يا اسماعيل ما هذا من منازلك، قال: بلى والله إنه لمن منازلي ومنازل آبائي ولكن منزلك خباء مضروب من شعر أو صوف على عمود من خشب.
قالوا: وتفقد هشام بعض ولده فلم يره يحضر الجمعة فقال له:
ما منعك من الصلاة في يوم الجمعة في مسجد الجماعة؟ فقال: نفقت دابتي فعجزت عن المشي إلى الجمعة.
وقال هشام لخالد بن صفوان: عظني وأوجز، فقال: أنت فوق الخلق وليس فوقك إلا الله، وأنت صائر إلى الله، فاتّق الله.
стр. 3431
المدائني عن حمزة بن ابراهيم قال: قال الحجاج لمعبد الجهني: يا معبد أتتكلم في القدر؟ قال: نعم، زعم فسّاق أهل العراق أن الله قضى وقدر أن يقتل عثمان، فقلت: كذبتم. فقال: صدقت. فبلغ هشاما قوله فقال:
لقد قدر الله قتل عثمان لما كتب على قاتليه من الشقاء، وكذب معبد والحجاج.
قالوا: وقدم رواية الفرزدق وجرير والأخطل على هشام، فدخل رواية جرير في فرو، ودخل الآخر في خزّ، فأنشد رواية الفرزدق شعرا:
كأنّ مفالق الرّمان فيه … وجمر غضى قعدن عليه حام (١)
فغضب هشام ولم يصل راوية الفرزدق والأخطل، ووصل راوية جرير.
المدائني عن عبد الرحمن بن خالد قال: رأيت هشاما وهو يقول لغلمانه وهم يلقطون زيتونا في أرض له: القطوا لقطا، ولا تخبطوا خبطا، فإن الخبط يفقأ عيونه ويكسر غصونه، وكان معه عثمان بن حيان فوجّهه من وجهه إلى العراق للمسألة عن خالد فقدم عليه فأخبره، فكان ذلك سبب عزل خالد.
حدثني هشام بن عمار قال: بلغنا أن هشاما حدّث بأن خالدا يعطي من جاءه من قومه، فازداد غيظا عليه وغضبا وقال: إني أبخل بهذا المال عن نفسي وأهلي وولدي، وخالد يفرقه في قومه، فحدثه بعض حضره أن رجلا من بجيلة دخل عليه فسأله فمنعه فقال:
стр. 3432
إذا المرء أثرى ثم قال لقومه … أنا السيد المفضى إليه المعمّم
ولم يولهم خيرا أبوا أن يسودهم … وهان عليهم رغمه وهو أظلم
فردّه وأعطاه فقال هشام: والله لأنقضنّ كور عمامته، ولأدعنّه وهو لا يفضى إليه.
حدثني أبو مسعود عن ابن كناسة قال: اختلف هشام ومسلمة في إعراب حرف أو معنى حرف من الغريب، فحكما رجلا فقال: القول قولك يا أمير المؤمنين، فقال مسلمة: هذا حكم الجهّال وقولهم.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: هدم ابراهيم بن هشام المخزومي دار عبد الله بن عامر بن الزبير بأمر هشام، فمر به وهو يصلي فقال: اصبر، فقال: إني أعرضكم على الله في كل يوم خمس مرات - يعني الدعاء-.
أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن محمد عن أبيه عن عامر بن عبد الله قال: أراد هشام الحج فقال: من بقي من رجال قريش في المدينة ممن يتكلم؟ فقالوا: لم يبق أحد يردّ على السلطان، فحج فأتاه عبد الله بن عروة بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على خالك ابراهيم بن هشام، فإنك وليته ما بين المدينة واليمن فلم يمنعه كثير ما في يديه عن قليل ما في أيدينا، فأنشدك الله أن تصل رحما بقطيعة أخرى.
قال: لا أعديك عليه قال: ولم فوالله ما منعنا أن نموت مع عبد الله إلاّ هذه الأموال، وقد أخذت ولأن يموت الرجل عزيزا خير له من أن يموت ذليلا، فقال هشام: هذا واحد.
стр. 3433
ثم آتاه ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على نافع بن علقمة، فإنه أخذ داري. قال: أفلا رفعت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: قد فعلت فسلك بي غير طريق الحق، قال:
أفلا أتيت الوليد؟ قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه. قال: أفلا رفعت إلى سليمان؟ قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه وأخيه. قال: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: عوجل ﵀، فغضب هشام وقال: لا يزال الرجل يتكلم عند أمير المؤمنين بما يستحق من يتكلم بمثله أن يدقّ أنفه ويسحب على وجهه. قال: إذا يسبق خيرك شرّك، وتقطع رحمك، وتكون يد الله فوق يدك، وأمر الله من ورائك، أما والله، ان القضاء ليتعقب وإن الفاسق ليصلح.
فقال هشام: قبح الله من زعم أن قومي قد ذهبوا، هذا زعم إنّ قضائي يردّ، وابن عروة يتهددني.
ثم قال لإبراهيم: لو كان فيك مضرب لضربتك مائة، قال ابراهيم: فيّ مضرب ألف، قال هشام: سوءة اكتمها علي. قال: فما أخبرت بها أحدا حتى مات، فلما مات حدثت بها لأنها مكرمة.
وقال الفرزدق وقد خاف خالدا.
ألم تعلموا يا آل مروان نعمة … لمروان عندي مثلها تحقن الدّما
وما كان عني ردّ مروان إذ طغى … عليّ زياد بعد ما كان أقسما
ليقتطعن حرفي لساني الذي به … لخندف أرمي عنهم من تكلما
стр. 3434
وكنت إلى مروان أسعى إذا جنى … عليّ لساني بالمقال وأجرما
وما تركت كفّا هشام مدينة … بها عوج في الدّين إلا تقوّما (١)
وقال الكميت في خالد بن مسلمة:
الشمس أدتك الا أنها مرة … والبدر أداك إلا أنه رجل
الغالب النفس حلما عند طيرتها … والمستثيب حلوم القوم إن جهلوا
ما أنت في الجود إذ عدّت فواضله … ولا ابن مامة إلاّ البحر والوشل
قال: ولم يقدم جرير على هشام فيمن أتاه من الشعراء عشر سنين، ثم تهيأ للخروج إليه وقال:
وكيف ولا أشدّ إليك رحلي … أروم إلى زيارتك المراما (٢)
فمات قبل أن يخرج إلى هشام.
قالوا: وقدم عروة بن أذينة الليثي على هشام، فسأله: ألست القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي … أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنيني تطلّبه … ولو صبرت أتاني لا يعنّيني
وإني لأحسبك ممن يفضل قوله فعله، فقال عروة: فإني استغفر الله وأستقيله ولا أرغب إلا إليه، فخرج من عنده ولم يبت إلاّ في الطريق منصرفا إلى أهله.
وتذمم هشام مما استقبله به حين بلغه انصرافه، فبعث إليه بألف دينار، فلما أتاه بها رسوله قال: أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له إني
стр. 3435
رضيت بالله ورغبت إليه فأتاني برزقي على فراشي، فقال هشام: صدق.
إنما نحن خزان الله، فإذا أذن في شيء أمضيناه على محبة منا وكرامة.
المدائني قال: قال هشام لسعيد الأبرش: أوضعت أعنزك؟ قال:
أي والله قال: لكن أعنزي تأخر ولادها فاخرج بنا إلى أعنزك نصب من ألبانها، قال: نعم. وقدّم خباء فضرب وغدا هشام والأبرش وغدا الناس فقعد هشام والأبرش على كرسيين، فقدموا الى كل واحد منهما شاة فحلب هشام الشاة بيده ثم قال: يا أبرش إني لم أنس الحلب.
ثم أتي بخبزة أمر الأبرش بها فعملت بين يدي هشام، فأوقد هشام النار بيده وفحصها، وألقى الخبزة فيها وجعل يقبلها في النار بالمحراث ويقول: يا أبرش كيف ترى رفقي، حتى نضجت، ثم أخرجها فجعل يضربها بالمحراث ويقول: جنبيك، جنبيك والأبرش يقول: لبيك لبيك، وهذا شيء كان يقوله الصبيان إذا خبزت لهم الخبز، ثم تغدى وتغدى الناس وانصرف هشام.
المدائني قال: قال رجل من أهل المدينة: انتقص الناس بعد هشام، ما كان أحد يشد رحله إلى رجل إلاّ وجد عنده رأيا وعقلا وسخاء، فلما مات هشام انتقص ذلك.
وسئل هشام يوما عن مكحول، فذمه فقال مسلمة: مه يا أمير المؤمنين فقد سمعته يقول: اللهم لا تبقني بعد هشام.
المدائني عن شيخ من جرم أنه قال: إني لباقريتين، وبينها وبين دمشق مرحلتان على الإبل، إذ نزلت قافلة جاءت من أرمينية فيها خلق، فجاء رجل من كلب من قبل هشام، ورجل آخر معه فقالا: أيتها النازلة