← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وضرب سالما ألف سوط، وكان يوسف يمشي خالدا في طريقه كثيرا إضرارا به. ثم قدم يوسف الحيرة، فدعا بخالد وبابراهيم ومحمد ابني هشام بن اسماعيل المخزوميين، وكانا ممن يشير بخلع الوليد، فبسط يوسف على خالد، فلم يكلمه بكلمة، وصبر ابراهيم بن هشام، وجزع محمد، ومكث خالد يوما في العذاب، ثم وضع على صدره الدهق فقتل من الليل ودفن في ناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرم سنة ست وعشرين ومائة، فأقبل عامر بن سهلة الأشعري فعقر على قبره فرسا، فضربه يوسف سبعمائة سوط. حدثني أبو بكر الأعين عن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: حدثني رجل كان مع يوسف بن عمر قال: شهدت خالدا حين أتى به يوسف فدعا بعود فوضع على قدميه ثم قامت عليه الرجال حتى كسروا قدميه فوالله ما تكلم ولا عبس. وقال الوليد بن يزيد لأبي الزناد: قد أمرت يوسف بعذاب ابني هشام بن اسماعيل، قال: سرور والله، فأخذ الوليد القرطاس وكتب إلى يوسف: إذا أتاك كتابي هذا فألحّ في العذاب على ابني هشام وخالد بن عبد الله حتى يموتوا، فكان يقال: ما قتلهم إلا أبو الزناد. وقال المدائني: قالها رجل من قيس ونحّلها الوليد وهو الثبت: وهذا خالد أمسى أسيرا … ألا منعوه إن كانوا رجالا عظيمهم وسيّدهم قديما … جعلنا المخزيات له ظلالا

стр. 3537

فلو كانت قبائل ذات عزّ … لما ذهبت صنائعه ضلالا (١) وقال عمران بن هلباء الكلبي في قصيدة له: متى تلق السّكون وتلق كلبا … بقيس تخش من ملك زوالا لئن عيرتمونا ما فعلنا … لقد قلتم وجدّكم مقالا وقال منصور بن جمهور: يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد … جرّبتم الغدر من أولاد مروانا ما زال من قتلوا عمرا بغدرهم … يدعون غدرا بعهد الله كيسانا حتى استباحوا سنام الأرض مملكة … قسرا فولّوا أمور الناس ولدانا ووحّشوا (٢) … بكتاب الله واتخذوا أهواءهم في معاصي الله قربانا ألا ترى مضرا أضحت تثير معا … حربا وضربا شتات الأمر وحدانا يقطعون بنا أعناق سادتنا … ويعلقون بنا أثواب ذبيانا وقال المدائني: أخذ يوسف عمال خالد وهم ثلاثمائة وخمسون، وقال: قد بقي منهم كبش كبير الصوف ولا بد من أن يجزّ - يعني الحكم بن عوانة الكلبي، وكان على السند، وكان هشام تقدم فيه إلى يوسف-. واستخرج منهم تسعين ألف ألف درهم ولولا عنفه لأخذ منهم أكثر من ذلك. وأخذ يوسف مولى لخالد يقال له داود فسأله عن أموال خالد، فلم يقرّ له بشيء فضربه حتى مات، ودعا بسعيدانف وكان على طراز خالد فضربه

стр. 3538

حتى قتله، وهو من بني تميم، وكان المقفع - واسمه داذ به عذب في استيفاء مال، فتقفّع - على خراج فارس ولاه إياها خالد، فدعا به فدفعه إلى صاحب العذاب فكان يرفق به لأنه تعيّن منه مائة ألف درهم، فدعا به يوسف فعذب بين يديه حتى مات. وعرض على يوسف عماله فقال عامل منهم: جبيت فلم أدع في البلاد درهما. فقال: كذبت وضربه ثلاثمائة سوط. وقال آخر: جبيت فبقّيت بقايا ليقوى أهل البلاد بها، فقال: بل اجتبيتها، فضربه أربعمائة سوط. وقال آخر: جبيت الخراج فازددت مالا، فقال: أخربت البلاد وضربه خمسمائة سوط. المدائني قال: قيل لإسماعيل بن يسار: اطلب العمل ونحن نضمن عنك، قال: دعوني أنظر كيف معاملة يوسف عند رأس السنة وفعله بالعمال، فلما رآه يعذبهم قال: رأيت صبيحة النوروز أمرا … فظيعا عن إمارتكم نهاني برئت من الولاية بعد يحيى … وبعد النهشليّ أبي أبان أحاذر أن أقصّر في خراج … وفي النوروز أو في المهرجان قالوا: وكان العريان بن الهيثم ضرب الجراح بن عبد الله بن عياش الهمداني بالسياط، وهو على شرطة خالد، فشكاه ابن عياش إلى خالد فلم يشكه، فلما عذب يوسف خالدا أتاه ابنا عياش فشتماه وقالا: أهكذا تضرب ابن النصرانية؟ إنما كان ينبغي أن تضرب أمه حتى تسلح على وجهه، فقيل لهما: أتشتما رجلا أسيرا يعذب؟ فقالا: ضربنا أميرا ولا نشتمه أسيرا،

стр. 3539

فمنى ندرك بثأرنا؟. فقال لهما خالد: يا بني لئيمي قومهما أفلا صبرتما للسياط. وغضب لخالد قوم فضربوهما ومزقوا ثيابهما فبلغ خبر الضاربين يوسف فقال: لم ضربتم هذين؟. قالوا: غضبا لخالد، فضرب كل واحد ألف سوط. وقال المدائني: أمر يوسف ببلال فعذّب فضمن ثلاثمائة ألف وأخذ منه كفلاء، فأخفرهم وهرب إلى الشام، فيقال إن غلامه أراد أن يشتري له دراجة فعرف، ويقال: بل شرى له غلامه دراجة فأحرقها، فضربه فسعى به، فأتي به هشام، فأمر به فأقيم في الشمس فقال: ادنوني من أمير المؤمنين فله عليّ ما طلب فأبى، وردّه إلى يوسف فعذبه حتى قتله. وقال عبد الله بن أبي بردة للسجان: ارفع اسمي في الموتى، فرفعه، فقال يوسف: أرنيه ميتا، فغمّه السجان حتى مات، ويقال بل كان بلال الذي سأل السجان رفع اسمه في الموتى، والمقتول في العذاب عبد الله. وقال يونس النحوي: ما قتل بلالا إلا دهيّه في نفسه، سأل السجان أن يرفع اسمه في الموتى ويعطيه مالا فرفع اسمه في الموتى، فقال يوسف: اعرض الموتى عليّ فغمّه حتى مات وعرضه عليه ميتا. قالوا: وتداعت قيس وتغلب إلى الصلح بعد الذي كان بينهم، فحمل رجل من تغلب في ذلك حمالة، وقدم على خالد، فأمر خالد سليمان بن المهاجر مولى بجيلة أن يقول في ذلك أبياتا فقالها، وأذن خالد إذنا عاما فدخل الناس والتغلبي معهم، فأنشد سليمان بن المهاجر أبياته: أتغلب أم قيس ترى في بلادها … من الحرب إذ عضّتهم الحرب أجزع

стр. 3540

وإن القبيلين اللذين تداعيا … إلى الصلح والداعي إلى الصلح أضرع أينسى بنو الغلباء بالبشر وقعة … لجحاف قيس (١) والقبائل تسمع فقال التغلبي: ألا لا ولا تنسى سليم وعامر … مقام عمير حين ظل يقطع فدع ذا ولكن ما تقولون في الذي … أتيناكم فيه لنا فيه مطمع فلم يصله ولم يعطه خالد شيئا فمضى وتركه. حدثني الأثرم عن أبي عبيدة قال: لما عذب يوسف خالدا ادعى أنه استودع زيد بن علي بن الحسين وداود بن علي بن عبد الله بن عباس مالا عظيما، وكتب يوسف بذلك إلى هشام، فكتب هشام إلى خاله ابراهيم بن هشام وهو عامله على المدينة يأمره بحملهما إليه، فحلفا أنه ما أودعهما خالد شيئا،، فقال: إنكما عندي صادقان ولكن أمير المؤمنين كتب إلي في حملكما إليه فحملا، فلما دخلا على هشام أحلفهما بأغلظ الأيمان ما أودعهما خالد شيئا قط فحلفا، وقال داود: كنت قدمت عليه العراق فأمر لي بمائة ألف، وقال زيد: كيف يودعني رجل كان يلعن جدي على المنابر؟. فقال هشام: أنتما أصدق من ابن النصرانية، فاقدما على يوسف حتى يجمع بينكما وبينه فتكذباه في وجهه، ففعلا. وقال خالد: مسّني العذاب ففزعت إلى هذه العلّة، وقلت يفرج الله قبل قدومكما.

стр. 3541

المدائني وغيره قالوا: بدأ يوسف بالكوفة، فدخلها ولم يقم بها، وخرج إلى واسط فأقام بها سنة وأقرّ زياد بن عبد الله الحارثي على الكوفة، ثم ولى يوسف بن عمر: محمد بن القاسم. وقال الكميت: ولما رأيت الدهر يقلب ظهره … على بطنه فعل الممعّك في الرمل أخذت بحبل لا أخاف انجذامه … من الحكم بن الصّلت حسبي من حبل في قصيدة له. قالوا، ونظر يوسف يوما إلى أسود مقيد قد جلس على مائدة من الموائد التي يطعمها الناس، وكان يأكل على موائده من أراد، فضرب رجل من الشاميين الأسود بنعل سيفه ليقيمه، فرآه يوسف، فدعا بالشامي فضربه مائة سوط، وقال للأسود: ما أنت؟. قال: عبد. فأمر بابتياعه وأعتقه وقال: احضر طعامنا في كل يوم. وقال المدائني: كان يقال إنه كانت في يوسف خلال حسنة: طول صلاة، وحسن هدى، ووفاء ولزوم للمسجد، وضبط لحشمه وأهل بيته عن الناس وجمال وانبساط لسان، وتواضع في منزله، وحسن ملكة، وكثرة تضرع ودعاء، وكان يصلي الغداة فلا يزال مستقبلا للقبلة يسبّح ويدعو ولا يكلم أحدا حتى يصلي الضحى، ولزوم للسنة، وحفظ للقرآن واقتصاد، وبعد همّة، وبصر بالشعر والأدب. وقال سعيد بن سلم: ذكر قوم يوسف فاغتابوه فقال لهم يوسف بن سليم مولى أبي بكرة: أنصفوا يوسف فإن خالد بن عبد الله اصطنع من اليمن

стр. 3542

ومن العجم قوما نحو أبان بن الوليد فأخملهم يوسف وأفناهم، وأفلت منهم واحد وهو ابن الكرماني، فقد رأيتم ما صنع بكم فكيف لو بقي الآخرون؟ حدثني عمر بن شبه عن حيان بن بشر عن جرير عن المغيرة قال: كان الإسلام ذليلا حتى قدم يوسف، وقال ابن نوفل يمدح يوسف في شعر يقول فيه: أتانا وأهل الشرك أهل زكاتنا … وحكامنا فيما نسرّ ونجهر فلما أتانا يوسف الخير أشرقت … له الأرض حتى كل واد منوّر وحتى رأينا العدل في الناس ظاهرا … وما كان من قبل العقيلي يظهر في أبيات. ثم قال بعد ذلك فيه: أرانا والخليفة إذ رمانا … مع الإخلاص بالرجل الجديد كأهل النار حين دعوا أغيثوا … جميعا بالحميم وبالصديد قالوا: وقال يوسف لكلّوب الصريمي: دلني على رجل أوليه كرمان، فدله على نميلة بن مرّة. فولاه فكسر خمسمائة ألف، فضرب كلّوب خمسمائة سوط وضرب نميلة. وولى يوسف عبد الله بن طارق العنبري أمر أكراد فسا ودر أبجرد فقتله بعض الأكراد، فأخذ ابنه قدامة كتاب يوسف إلى عبد الكريم المازني وهو على فسا ودر أبجرد يأمره بدفعه إليه فقال له عبد الكريم: ثأرك ثأري وعلى الرجل من الخراج شيء كثير فدعني استأديه ثم أدفعه إليك، فعجل قدامة فقتله، فكتب عبد الكريم بذلك إلى يوسف فضرب قدامة ضربا مبرحا، فلما عزل عبد الكريم رفع عليه قدامة وقال ليوسف: هذا الذي يقول له الشاعر:

стр. 3543

إذا زفنت (١) … عليك سما بذخش (٢) فقد أزجت خراج درابجرد فقال يوسف لعبد الكريم: يا عدو الله وإذا أنت صاحب مثل هذا، فضربه ضربا مبرحا. قالوا: وكان يوضع على موائد يوسف أنواع الطعام فيأكل كل امرئ ما يشتهي، فوضعت على مائدة منها سمكة، فقال رجل من أهل الكوفة يقال له حماد بن أبي الدرداء، وهو من أهل بيت ينتمون إلى أبي الدرداء وليسوا منهم، وأهل الكوفة يقولون: بنو أبي الضرطاء، فقال حماد: أيها الأمير، هذا النون. فقال يوسف: والله لتضربنّ أو لتتكلمنّ بلسان أبيك. فقال: هذا كوارا وهو السمك بالنبطية، فتركه. قال المدائني: وولى يوسف بن عمر صالح بن كدين ولاية فخرجت عليه ثلاثون ألفا فحبس بها وبلال يومئذ محبوس، فقال له بلال: إن على العذاب سالما ويلقب رتبيل فإياك أن تقول له يا رتبيل، وجعل يردد عليه ذلك فعذبه سالم فنسي اسمه وكنيته وجعل يقول له: يا رتبيل اتق الله، فيقول: اقتل. فلما خلّى عنه قال له بلال: ألم أنهك عن رتبيل؟ فقال: وهل ألقاني في رتبيل غيرك، وأنا لم أكن أعرف رتبيل لولا أنت وما تدع شرك في سراء ولا ضراء. قال: وكان على شرط يوسف العباس بن سعد المريّ من مرّة غطفان وكان كاتبه قحذم بن سليمان بن ذكوان، وزياد بن عبد الرحمن مولى ثقيف، وكان على حرسه، وحجابته جندب وفيه يقول الشاعر:

стр. 3544

أتانا أمير شديد النكال … لحاجب حاجبه حاجب وولى يوسف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القضاء، وكانت به حدّة فقال له: إنما أنت أجير قوم فوفّهم عملك إذا وفّوك أجرك، وإذا أردت الخروج فكل لا أشبع الله بطنك، وانكح لا أعفّك الله، وإذا غضبت فقم. المدائني وغيره: أن يوسف بن عمر قال في خطبته: إن أول من فتح على الناس باب الفتنة وسفك الدماء علي وصاحبه الزنجي - يعني عمار بن ياسر-. قال: وكان في خضراء واسط زوج من البوم فقال: انظروا إليّ رجلا راميا بالبندق، فجيء برجل فرمى وكرهما فخرج أحدهما فرماه فقتله، ثم خرج الآخر فرماه فقتله فأمر بحبسه فحبس نحوا من سنة، فلما تحول عن واسط ذكر له فأمر بتخلية سبيله. المدائني عن الحكم بن النعمان قال: أراد الوليد بن يزيد بن عبد الملك عزل يوسف، واستعمال عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فكتب إلى يوسف: إنك كتبت إلى أمير المؤمنين تذكر إخراب ابن النصرانية البلاد، وكنت مع ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل، وقد ينبغي أن تكون قد عمرت البلاد حتى رددتها إلى ما كانت عليه فأشخص إلى أمير المؤمنين مصدقا ظنته بك: ليعرف أمير المؤمنين فضلك على غيرك لكفايتك، ولما جعل الله بينك وبينه من القرابة، فإنك خاله، وأحق الناس بالتوفير عليه، ولما قد علمت مما أمر به أمير المؤمنين لأهل الشام وغيرهم من الزيادة في أعطياتهم، وما وصل به أهل بيته لطول جفوة هشام لهم حتى أضر ذلك ببيوت الأموال.

стр. 3545

فخرج يوسف واستخلف ابن عمه يوسف بن محمد، وحمل معه من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحمل مثله من العراق قط، فقدم على الوليد، وخالد بن عبد الله محبوس، فلقيه حسان النبطي ليلا فأخبره أن الوليد على تولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج، وقال له إنه لا بدّ لك من إصلاح أمر وزرائه وأصحابه، فقال: ليس عندي فضل درهم. قال: فعندي خمسمائة ألف فإن شئت فهي لك، وإن شئت فارددها إذا تيسرت فقال: أنت أعرف بالقوم وأقدارهم ومنازلهم ففرقها عليهم، ففعل فكان جميع من على باب الوليد يعظمه ويجله، فقال له حسان: لا تغد على الوليد ولكن رح إليه، واكتب على لسان خليفتك كتابا إليك: «إني كتبت كتابي هذا ولست أملك إلاّ القصر، وأمر أبان بن عبد الله النميري أن يتضمن خالدا بأربعين ألف ألف، ثم زد عليه عشرة آلاف ألف، وتسأل أن يدفع إليك». ففعل يوسف ذلك فقال له الوليد: ارجع إلى عملك، ودفع إليه خالدا فحمله في محمل بغير وطاء، فقال محمد بن القاسم: فرحمته وقد جمعت ألطافا من أخبصة يابسة وغيرها في منديل، ثم دنوت منه فرميت بالمنديل إليه فقال لي: هذا من متاع عمان لأن أخي الفيض كان عامل عمان. فقلت في نفسي: هذا على هذه الحال وهو لا يدع شرارته. فقال يوسف وفطن: ما قلت لابن النصرانية؟ قلت: عرضت عليه الحاجة. فقال: أحسنت وهو أسير، ولو فطن بما صنعت به للقيت منه شرا. وقالوا: أقر يوسف زياد بن عبيد الله الحارثي على الكوفة حتى أخذ له عمال خالد، ثم عزله، وولى العباس الهمداني، ثم الحكم بن الصلت، ثم عزله وولى عدة ثم أعاده، ثم ولى يوسف بن محمد بن القاسم الثقفي،

стр. 3546

وعلى شرطته ابن أراكة الثقفي، ثم ولى عبيد الله بن العباس الكندي، وعلى شرطه خراش بن حوشب أخي العوام بن حوشب، وهو تولى نبش زيد بن علي من مدفنه. ولم يزل يوسف على العراق حتى قتل الوليد وولي يزيد بن الوليد، فهرب فظفر به فكان محبوسا في أيام يزيد وابراهيم أخيه، ثم قتله ابن خالد القسري في محبسه، وسنذكر خبره إن شاء الله. وقال سلم بن قتيبة: أرسل إلي يوسف بن عمر، فلما دخلت عليه قال: لم أرك. فقلت: كنت عليلا. قال: كذبت، ما عليك أثر العلة، امض إلى منزلك فإذا كان مثل هذا اليوم من قابل فائتني. فانصرفت وأقمت في منزلي إلى ذلك الوقت ثم وافيته فأذن لي فدخلت عليه فسلمت فردّ وقال: اجلس، فجلست فقال: إني قد هيأت لأمير المؤمنين ألطافا وهدايا، وكتبت إليه أصفك له، وأخطب عليك ولاية خراسان، وأمرت الوفد بإطرائك وصيرتك عليهم، وفي الوفد قمير بن مسعود في نفر من بني تميم، فلما قدمت على هشام وصفني الوفد، فقال هشام: له في سائر أعمال العراق مندوحة عن خراسان. حدثني عمر بن شبه عن عبيد بن جناد عن عطاء بن مسلم الخفاف قال: لما قدم زيد بن علي على يوسف قال: يزعم خالد القسري أنه أودعني أموالا وكيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره، فأحضر يوسف خالدا في عباءة فقال له: هذا زيد وهذا داود بن علي وقد حلفا أنك لم تودعهما مالا، فقال: كيف أودع زيدا وأنا أشتمه وأباه، فشتمه يوسف وردّه.

стр. 3547

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قالا لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال: غلظ علي في العذاب فادعيت ما ادعيت مستريحا، ورجوت أن يفرج الله قبل قدومكما. المدائني قال: قدم عبد الكريم بن سليط الحنفي على يوسف فأمضاه إلى هشام، فقال له هشام: بلغني أن لك بخراسان علما، قال: أجل، قال: فمن ترى لها؟ قال: رجل أهلها الكرماني، قال: وممن هو؟ قال: من الأزد. فتبينت الكراهة في وجه هشام. قال: ما اسمه؟ قال: جديع بن علي، فتطيّر من اسمه وقال: لا حاجة لي فيه. قال: فأبو الميلاء يحيى بن نعيم بن هبيرة، ابن أخي مصقلة بن هبيرة الشيباني، فقال: إن ربيعة لا تسد بها الثغور. قال: فعقيل بن معقل الليثي. فأعجبه، فقال: إن اغتفرت منه خصلة. قال: وما هي؟ قال: ليس هو بعفيف البطن والفرج، قال هشام: فلا حاجة لي فيه. قال: فالمجرّب الأديب منصور بن عمر بن أبي الخرقاء السلمي، فأعجبه. قال: إن اغتفرت منه واحدة. قال: وما هي؟ قال: أشأم العرب، قال: لا حاجة لي فيه. قال: فالمسنّ العاقل مجشر بن مزاحم السلمي. إن اغتفرت منه واحدة. قال: وما هي؟ قال: أكذب العرب. فقال: أيّ عقل مع الكذب، لا حاجة لي فيه. قال: فابن ذي الطاعة يحيى بن الحضين بن المنذر. قال: ألم أقل أن ربيعة لا تسد بها الثغور. فقال: قطن بن قتيبة بن مسلم على أنه ثائر بأبيه. قال: لا حاجة لي فيه. فقال: نصر بن سيار، فتفاءل باسمه. قال: فإنه لا عشيرة له بخراسان. قال: أنا عشيرته، لا أبا لك، أتريد عشيرة أكرم

стр. 3548

مني، اكتب عهده يا غلام، وأمره في عهده أن يعامل يوسف بن عمر. قال: فخرج بعهده ولم يمر على يوسف وأخذ طريق حلوان. وقالوا: أقر يوسف بلال بن أبي بردة على البصرة ثمانية أشهر، ثم كتب إليه أن احمل إليّ عمالك فحمل إليه سعيد بن راشد فقال له سعيد: والله ما مثلي ومثلك إلا مثل حلاقين قيل لأحدهما: احلق رأس صاحبك حتى يفرغ فيحلق رأسك. فأقر يوسف بلالا أشهرا بعد صرف سعيد. حدثني عبد الله بن صالح عن ابن كناسة والمدائني وغيرهما قالوا: كان يوسف قصيرا عظيم اللحية، يلبس ثيابا طوالا يجرها، وكان شديد العقوبة مسرفا في ضرب الأبشار، وكان يأخذ الثوب اليوسفي فيمر ظفره عليه فإن تعلق به خيط ضرب صاحبه وربما قطع يده. قالوا: وضرب يوما جماعة في درهم زائف اخرج من الدار، وفي درهم نقص حبة خمسة آلاف سوط، وأتي يوسف يوما بثوب فقال للحائك الذي تولى عمله: ما يقال لهذا؟ قال: سهر بسهر فقال: ما تقول ويلك؟ قال قحذم كاتبه: يقول أحمر في أحمر. فقال: لا جرم لأحمرنّ ظهره - فضربه ثلاثمائة سوط. وقال يوما لكاتبه وقد أتى بثوب: ما تقول في هذا الثوب؟ قال: كان ينبغي أن يكون أصغر أبياتا من هذه. فقال للحائك: صدق، يا بن اللخناء، فقال الحائك: نحن أعلم بهذا، فقال لكاتبه: صدق يا بن اللخناء هو أعلم بهذا منك. فقال قحذم: هذا يعمل في السنة ثوبا وأنا يمر على يدي في كل سنة مائة ثوب مثل هذا. فقال للحائك: صدق يا بن

стр. 3549

اللخناء، فلم يزل يكذب هذا مرة وهذا مرة حتى عدّ أبيات الثوب فوجدها تنقص بيتا من أحد جوانب الثوب فضرب الحائك خمسمائة سوط. قالوا: وكان له وصفاء صغار، فكانوا يأتون بالزنابير فيفلتونها في البيت الذي هو فيه فتطنّ فيخرج فيقول: يا خبثاء ما هذا؟ ثم يرجع. قالوا: وأراد الخروج إلى بعض النواحي فدعا جواريه فقال لإحداهن: أتخرجين معي؟ قالت: نعم. قال: يا خبيثة هذا كله من حب النكاح، يا خادم، أو يا جديح إضرب رأسها. ثم قال لأخرى: ما تقولين؟ قالت: أحب أن أقيم فأكون مع ولدك. فقال: يا خبيثة أكل هذا زهادة فيّ؟ اضرب يا جديح رأسها. ثم قال لأخرى: ما تقولين؟ قالت: ما أدري ما أقول، إن قلت ما قالت هذه أو هذه لم آمن عقوبتك. قال: يا لخناء أو تناقضين وتحتجين عليّ فأمر بها فضربت. قال الهيثم عن ابن عياش أن رجلا دخل على يوسف فقال له: لم أرك مذ أيام. قال: كنت خبيث البطن. فقال يوسف: والفرج - وإنما أراد وجع البطن-. قالوا: وكان جالسا في خضراء واسط فنظر إلى عش بومة فيها، فقال لبعض من معه: ارمها فرماها بجلاهق فصرعها فقال: انك لغاو أوجعوا رأسه ولا يحضرني مثله. وقال سعيد بن راشد مولى النخع يوما: لو فعل الأمير كذا. فقال: يا بن اللخناء أتشير عليّ، وكان سعيد ابن اخت طارق مولى خالد القسري وفيه يقول الشاعر:

стр. 3550

بكى الخزّ من إبطي سعيد بن راشد … ومن دبره تبكي بغال المواكب فواعجبا حتى سعيد بن راشد … له حاجب بالباب من دون حاجب المدائني قال: ولى يوسف الوازع بن عبّاد بن قيس السّلمي (١) البصرة فأخذ بلالا فحمله إلى يوسف بالكوفة ولم يدعه يوسف عليها إلا قليلا حتى عزله، ويقال إنه لم يوله وإنما وجهه في عمل بلال. وولى يوسف: أبا العاج كثير بن عبد الله السلمي البصرة. وكان سبب توليته إياه أن أبا العاج كان عند هشام يوما وعنده خاله ابراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومي، فذكر يوسف فنال إبراهيم منه فقال له أبو العاج: يا بن السوداء أيوسف يذكر بهذا؟ فلم يفهم هشام، وأشير إلى أبي العاج فسكت، ونمت الى يوسف فشكرها له فكتب اليه فزاره فولاه البصرة، ويقال أخرجه معه. قال المدائني: ولى أبو العاج شرطته محمد بن واسع العابد، وكان أبو العاج أعرابيا. المدائني عن يونس النحوي أنه سمع أبا العاج يقرأ: «فأدبر يشتد، يريد: يسعى» (٢).

стр. 3551

وولى أبو العاج رجلا بعض كور دجلة فقدم عليه فوصف له سيرته، وقال: لقد بلغ من رضا أهل عملي بي أن نثروا عليّ حتى كسروا قناديل المسجد الجامع فقال: لا جرم لتغرمنّ ثمنها، أو تشتري مثلها. المدائني عن عمرو بن فائد قال: حفر أبو العاج نهرا فكان يمر إليه متنكبا قوسا عربية. حدثني عمر بن شبة عن أبي عاصم النبيل قال: عدا رجل من باهلة على رجل من بني ضبيعة فضربه، فاستعدى الباهليون أبا العاج واستعانوا عليه بسلم بن قتيبة، فقال أبو العاج: يأمرني ابن قتيبة أن أتعصب على بني ضبيعة، فوالله ما أحب أن الناس كلهم في الجنة إلا بني ضبيعة، يا غلام ائتني بسياط عليها ثمارها. فقال الباهليون لسلم: أصلح أيها الرجل بيننا. فأصلح سلم بينهم وانصرفوا وضبيعة بن ربيعة بن نزار، فيقال إن بهثة سليم هو بهثة ضبيعة، والله أعلم. قالوا: وكان أبو العاج يغضب من «أبي العاج» فتقدم إليه رجل فقال: أصلحك الله يا أبا العاج فقال أبو محمد: يا بن البظراء، فقال: لا تقل هذا فإنها كانت مسلمة قد حجّت، فقال: إن ذاك لا يمنعها من الحج. وقيل لأبي العاج وأتي برجل مأبون: إن هذا يمكّن من نفسه. قال: أفتريدون ماذا؟ أوكّل به رجالا يحفظون دبره، لقد وقعت إذا في عناء. أطلقوه فالاست استه يصنع بها ما شاء. تولى أبو العاج البصرة نحوا من سنة، ثم عزله يوسف، وولى:

стр. 3552

القاسم بن محمد بن القاسم البصرة فانحدر إليها من واسط وكان واليا عليها، وأقام على البصرة خمس سنين وأشهرا فاتخذ في مصلى البصرة بستانا، واتخذ حوضين وبنى عليهما صومعة فكان يأمر بالحوضين في يومي العيدين فيملآن ماء يصب فيهما ألفا رواية، فإذا صلى وجلس في الجنيدة وضعت الآنية فيشرب الناس، وأقام مكانه حتى يخف الزحام، ثم يأتي دار الإمارة. قالوا: وكتب يوسف إلى القاسم يأمره أن ينتخب له رجالا يجعلهم أمناء على عماله، فانتخب رجالا كانوا يدعون القصّاص لأنهم يقصّون أثر العمال، منهم: مطر بن فيل، والحارث الأحول فوجههم في أعماله فأما مطر بن فيل فامتنع من العمل فقال له يوسف: ما بالك لا تعمل؟ قال: لا أصلح للعمل. قال: ولم؟ أما تعلمت من جباية أبيك؟ قال: مات وأنا صغير. فقال: والله لأضربنّك ثم لأحبسنّك ثم لأولينّك. فضربه وحبسه فعمل له بالشام حتى كتب إلى يوسف فأطلقه. وقال القاسم بن محمد بعد ذلك بيتا لم يقل قط غيره: نقمت الجور مني في زماني … فكيف تراه يا مطر بن فيل وقال الشاعر: عذ بالأمير إذا خشيت ظلامة … بالقاسم بن محمد بن القاسم وقال حمزة بن بيض: وأمتعنا بالقاسم بن محمد … أميرا وزاد الله في عمره عمرا فلا خير في الدنيا إذا لم يكن بها … أمير عقيلي يشبّهه البدرا

стр. 3553

المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: خطبنا يوسف في مسجد الكوفة فتكلم إنسان مجنون فقال يوسف: يا أهل الكوفة ألم أنهكم أن يدخل مجانينكم المسجد، اضربوا عنقه، فضربت عنق المجنون فقلت: لا أصلي والله خلفك أبدا، وكان مع هذا طويل الصلاة كثير القراءة للقرآن. المدائني قال: خلع رجل ثيابه ليغتسل وألقى هميانه (١) فجاءت عقاب فحملت الهميان تحسبه لحما فخرج الرجل يصرخ ويبكي فأخبر يوسف فقال: كم أكثر ما تطير العقاب؟ قيل: كذا. قال: انظروا أقرب القرى من هذه الغاية فضمنوا أهلها هميان الرجل. المدائني قال: لما قدم يوسف العراق قال لعامر بن يحيى بن عامر بن مسمع: إيه يا فاسق، أخربت مهرجانقذق. قال: إني لم أكن عليها إنما كنت على ماه، وقد عمرت البلاد ووفرت الخراج. فأعاد عليه: أخربت مهرجانقذق، فأعاد عليه مثل قوله. فقال عامر: أشهد أنك مجنون. فعذبه حتى قتله. وقال يوسف يوما لكاتب له: ما حبسك؟ قال: اشتكيت بضرسي. فدعا بحجام فقلعه وضرسا آخر معه. وخطب يوسف فقال - ولم يذكر الله في أول خطبته-: يا أهل المدرة الخبيثة أترجفون فيّ فهلا أرجفتم بابن النصرانية الذي قال لأجعلنّ (٢) ملئها قمحا بدرهم، هل نقمتم عليّ إلا أني لم أدع جندي يزدرعون فيكم.

стр. 3554

وقال الواقدي: قدم المطلب بن عبد الله بن حنطب وأمه أم سلمة بنت الحكم بن أبي العاص بن أمية على هشام بسبب هذه الخؤولة، فقضى عنه سبعة عشرة ألف دينار، والبئر التي على طريق العراق تنسب إلى بئر المطلب وهي بئره (١).

стр. 3555

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان يكنى أبا العباس، ولي الخلافة بعد هشام وقد ذكرنا كيف كانت بيعته، وكانت أيامه سنة وثلاثة أشهر، وقتل لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة: وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم، والحجاج عمها، ولقّب الوليد البيطار وذلك انه كان يصيد حمير الوحش فيسمها بالوليد ثم يخليها. حدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن أبيه وابن عياش أن الوليد نشأ في قصر أبيه على الترفّ فمجن وتهتك، وكان العهد له بعد هشام، فكان مسرفا على نفسه معلنا للفسوق والشرب واللذات، وكان هشام ينهاه عن ذلك فلا يزعه نهيه ولا يردعه حتى هم بخلعه، وكان شاعرا وكانت عنده ابنة سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فزارتها أختها سلمى بنت سعيد، وكانت من أحسن الناس وجها، فبصر بها الوليد فأعجبته وذلك قبل الخلافة فطلق أختها ثم خطبها إلى أبيها فامتنع عليه وقال: إنما تريد مني أن أتخذك فحلا لبناتي، فكان يهجوه، وفيه يقول:

стр. 3556

من يك مفتاحا لخير يريده … فإنك قفل يا سعيد بن خالد (١) وكان يقول في سلمى الأشعار فيغني بها المغنون وينشدها جلساءه ويشكو إليهم حبها حتى افتضح وسقط عند الناس. وفيها يقول: تذكّر شجوة القلب القريح … فدمع العين منهلّ سفوح ألا طرقتك بالبلقاء سلمى … هدوا والمطيّ بنا جنوح فبتّ بها قرير العين حتى … تكلم ناطق الصبح الفصيح (٢) وكان مستهترا بشرب الخمر لا يكاد يصلي، وقال وبلغه أن هشاما همّ بخلعه: خذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم … ثباتا يساوي ما حييت قبالا ذروا لي سلمى والطلاء وقينة … وكأسا ألا حسبي بذلك مالا أبا لملك أرجو أن أعمّر فيكم … ألا ربّ ملك قد أزيل فزالا ألا ربّ دار قد تحمّل أهلها … فأضحت قفارا والبقاع تلالا إذا ما صفا عيشي برملة عالج … وعانقت سلمى لا أريد بدالا (٣) المدائني والهيثم قالا: كان الوليد يلعب بالصوالجة في ملعب له، وهو يرتجز ويقول: يا ربّ أمر ذي شؤون جحفل … قاسيت فيه جالبات الأحول (٤)

стр. 3557

قال: ولما ولي الخلافة بعث إلى سعيد بن خالد فقسره على أن يزوجه سلمى ابنته، فلما حملت إليه من المدينة اعتلّت في الطريق وماتت ليلة أدخلت عليه، ولم يزل على مجونه حتى وثبت اليمانية فقتلوه وبايعوا ليزيد بن الوليد بن عبد الملك. وقال أبو نخيلة السعدي في الوليد: بين أبي العاص وبين الحجاج … يا لهما يورى سراج وهّاج عليه بعد عمه عقد التاج قالوا: وكان ولد الوليد: عثمان وأمه عاتكة من ولد محمد بن أبي سفيان بن حرب. وسعيدا وأمه أم عبد الملك بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان. والعباس، ويزيد، والحكم وفهر، ولؤي، وقصي والعاص، ومؤمن، وواسط، ودوالة لأمهات أولاد شتى. والوليد، ومفتح لأم ولد. درجوا كلهم. المدائني قال: كان الوليد حين بايع له أبوه بعد هشام ابن احدى عشرة سنة، قالوا: لما بلغ الوليد الحنث (١)، ندم أبوه على تولية هشام عهده وقال: لو انتظرت بلوغه ولكن مسلمة لم يدعني وكان إذا رآه قال: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك. وتوفي يزيد سنة خمس ومائة، وولي هشام فكان في بدء أمره مكرما للوليد فمكث بذلك أعواما، وكان مؤدب الوليد عبد الصمد بن عبد الأعلى

стр. 3558

الشاعر، وكان فيما يزعمون زنديقا فحمله على شرب الخمر والاستخفاف فاتخذ ندماء، وولاه هشام الموسم سنة عشرة ومائة فرأى الناس منه تهاونا واستخفافا، فأمر مولى له يقال له عيسى بن مقسم فصلى بالناس، وبلغ ذلك هشاما فطمع في خلعه، فأراده على أن يخلعها ويبايع لابنه أبي شاكر مسلمة بن هشام فأبى، فتنكر له هشام وأضرّ به وجعل يشتمه ويتنقصه، وتمادى الوليد في الشرب واللذات فأفرط فقال هشام: ويحك ما أظنك على الإسلام، فكتب إليه الوليد: يا أيها الباحث عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفا وممزوجة … بالسّخن أحيانا وبالفاتر (١) ويقال إن هذين البيتين لعبد الصمد بن عبد الأعلى قالهما فكتب بهما الوليد إلى هشام. وكان في أبي شاكر بن هشام أيضا مجون، وكان يكثر الشرب ويدمنه، فغضب هشام على مسلمة وقال: يعيرني الوليد بك، وأنا أرشحك للخلافة؟. فألزمه الأدب وحضور الصلوات والجمعات، وولاه في سنة سبع عشرة ومائة الموسم فأظهر النسك ولين الجانب، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لبعض أهل المدينة يعرض بالوليد بن يزيد: يا أيها السائل عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر الواهب الجرد بأرسانها … ليس بزنديق ولا فاجر وقال الكميت بن زيد:

стр. 3559

إن الخلافة كائن أسبابها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم فكان خالد بن عبد الله القسري يقول: أنا بريء من خليفة يكنى أبا شاكر. فبلغ مسلمة قول خالد، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد كتب اليه مسلمة: أراح من خالد وأهلكه … ربّ أراح العباد من أسد أما أبوه فكان مؤتشبا … عبدا لئيما لأعبد فقد والبيتان لابن نوفل قالهما حين مات أسد، فلما قرأ خالد البيتين قال: ما رأيت كاليوم تعزية أعجب. المدائني عن أبي محمد القرشي قال: كان هشام يعيب الوليد ويتنقصه فدخل عليه يوما وعنده جماعة من بني مروان، وكانوا يعيبون الوليد قبل دخوله فيقولون: هو أحمق، فقال له العباس بن الوليد بن عبد الملك: يا أبا العباس كيف حبك للروميات فإن أباك كان معجبا بهن، قال: إني لأحبهن، وكيف لا أحب من لا يزال يأتي بمثلك - وأم العباس رومية - فقال: لست بالفحل يجيء عسبه بمثلي. فقال له الوليد: يا بن البظراء. فقال العباس: يا وليد أتفخر عليّ بما قطع من بظر أمك؟. وقال هشام للوليد يوما: ما شرابك؟. قال: شرابك يا أمير المؤمنين، وقام مغضبا فقال هشام: هذا الذي يزعمون أنه أحمق، ما هو بأحمق ولكني أظنه على غير الملة. المدائني عن أبي محمد القرشي قال: دخل الوليد يوما مجلس هشام وفيه: سعيد بن هشام بن عبد الملك، وإبراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومي، خال هشام بن عبد الملك، وأبو الزبير مولى بني مروان، ولم

стр. 3560

يكن هشام بن عبد الملك حاضرا في المجلس فأقبل على سعيد بن هشام فقال: من أنت؟ - وهو يعرفه-، فقال: سعيد ابن أمير المؤمنين. فقال: مرحبا بك، ثم قال لأبي الزبير: من أنت؟. قال: أبو الزبير. قال: نسطاس، مرحبا بك. ثم قال لإبراهيم بن هشام: من أنت؟. قال: ابراهيم بن هشام. قال: من ابراهيم بن هشام؟ - وهو يعرفه-. قال: ابراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومي. قال: ومن اسماعيل المخزومي؟. قال: أنا الذي لم يكن أبوك يرى أنه في شيء حتى زوجّه أبي. قال: يا بن اللخناء. وائتخذا (١) وأقبل هشام فقيل: أمير المؤمنين، فكفا وجلسا ودخل، فما كاد الوليد يتزحزح عن صدر المجلس، فزحل قليلا وجلس هشام فقال: كيف أنت يا وليد؟ قال: صالح. قال: ما فعلت برابطك؟ قال: معلمة. قال: فكيف ندماؤك؟ قال: لعنهم الله إن كانوا شرا من جلسائك. وقام فقال هشام، يا بن اللخناء جؤوا في عنقه. فلم يفعلوا ودفعوه دفعا رفيقا، فقال الوليد: أنا ابن أبي العاصي وعثمان والدي … ومروان جدي ذو الفعال وعامر أنا ابن عظيم القريتين وعزّها … ثقيف وفهر والرجال الأكابر نبيّ الهدى خالي ومن يك خاله … نبي الهدى يعلو الورى في المفاخر (٢) وقال أيضا: أنا الوليد أبو العباس قد علمت … علياء معد مدى ذكري وأقدامي (٣)

стр. 3561

إني لدى الذروة العلياء إن نسبوا … مقابل بين أخوالي وأعمامي بنى لي المجد بان غير مدرك … على منار مضيئات وأعلام خلقت من جوهر الأعياص قد علموا … في باذخ مشمخرّ العزّ قمقام صعب المرام يناغي النجم مطلعه … يسمو إلى فرع مجد شامخ سام قالوا: فلما كثر عيب هشام للوليد وتعبّثه به وبأصحابه وخاصته، خرج في جماعة منهم فنزل بالأزرق بين أرض بلقين وفزارة، وخلّف بالرصافة كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك، وأمره أن يكتب إليه بما يحدث قبله. قالوا: وكان سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري وفد على هشام، وكان غلاما وضيء الوجه فجعل يختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى الشيباني مؤدب الوليد بن يزيد (١) بسبب الأدب، فراوده عبد الصمد بن علي عن نفسه فأتى باب هشام فأذن له فدخل مغضبا فقال: إنه والله لولا أنت لم … ينج مني سالما عبد الصمد قال هشام: ولم ذاك؟. قال: إنه قد رام مني خطة … لم يرمها قبله مني أحد فهو فيما كان منه كالذي … يتبغّى الصيد في خيس الأسد فأساء هشام القول في عبد الصمد وهمّ به ثم أمسك. قالوا: وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى عند الوليد وهم يشربون، فقال عبد الصمد:

стр. 3562

أظنّ الوليد دنا ملكه … فأمسى إليه قد استجمعا وإنا نؤمل في ملكه … كتأميل ذي الجدب أن يمرعا عقدنا له محكمات العهـ … ـود طوعا وكان لها موضعا فبلغ الشعر هشاما فأغضبه، وكتب إلى الوليد: إنك اتخذت عبد الصمد خدنا وأليفا ومحدثا ونديما، وقد صح عندي أنه على غير الإسلام، فحقق ذلك ما يقال فيك، ولم أر بك من سوء فاحمل إلي عبد الصمد مع رسولي مذموما مدحورا. فلم يجد بدا من إشخاصه إليه وأنشأ يقول: لقد قرفوا أبا وهب بأمر … كبير أو يزيد على الكبير وأشهد أنهم كذبوا عليه … شهادة عالم بهم خبير (١) قال: فلما صار عبد الصمد إلى هشام أمر بإنفاذه إلى يوسف بن عمر، ومعه أخ له يقال له عبد الرحمن، فبنى لهما يوسف بيتا وجعلهما فيه وطيّن بابه وصير فيه كوة يرمي منها إليهما بالطعام، ووكل بهما محمد بن نباتة بن حنظلة، ثم أعطشهما حتى برصا أو برص أحدهما، وماتا عطشا. وقال هشام لعبد الله بن عبد الأعلى أخيهما وقد كلمه فيهما: أأنت على دينهما؟ قال: أنا عليه، والله ما يدينان إلا بالإسلام. فأمر به فأخرج عنه، وقال: لا يساكنني ولا يكلمنه أحد، فأتى الوليد بن يزيد فلم يأذن له عليه. وكان يجلس في المسجد وقد اجتنبه الناس. المدائني عن مسلمة بن محارب عن رجل من قريش قال: قدمت الشام فرأيت عبد الله بن عبد الأعلى فتمنيت أن يكون حالي مثل حاله، ثم غبت

стр. 3563

أعواما وقدمت الشام فإذا هو مفرد لا يجالسه أحد ولا يكلمه، فقلت له: إني قدمت الشام مذ أعوام فرأيتك في حال تمنيت أن أكون في مثلها، وأنت اليوم على ما أرى، فقال: إنه بلغ قومنا عن شيء فأخذوا بظاهر البلاغ، ولم يطلعوا على باطن الضمير، ومن ورائنا وورائهم الحساب. المدائني عن أبي اليقظان قال: كان بالشام رجل من أهل اليمن يقال له عبد الله بن سهيل، وقد ولي دمشق أو شرطتها مرارا، فكتب الوليد إلى هشام يعلمه أنه قد فارق عبد الصمد ويسأله أن يأذن لابن سهيل في القدوم عليه، فضرب هشام ابن سهيل ونفاه، وأخذ عياض بن مسلم وبلغه أنه يكتب بالأخبار إلى الوليد فضربه وألبسه المسوح وقيده وحبسه، فغم ذلك الوليد فقال: من يثق بالناس أو يصطنع المعروف هذا الأحول المشؤوم قدّمه أبي وولاه الخلافة وهو يصنع ما ترون. وقال الوليد: أنا النذير لمسدي نعمة أبدا … إلى المقاريف ما لم يخبر الدخلا إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطرا … وإن أهنتهم ألفيتهم ذللا أتشمخون ومنّا أصل نعمتكم … ستعلمون إذا صرتم لنا خولا أنظر فإن أنت لم تقدر على مثل … لهم سوى الكلب فاضربه لهم مثلا بينا يسمّنه للصيد صاحبه … عدا عليه فلو يسطيعه أكلا (١) قالوا: وبلغ الوليد أن العباس بن الوليد بن عبد الملك وعمر بن الوليد وغيرهما من بني مروان يعيبونه بشرب الشراب فقال:

стр. 3564

ولقد قضيت - وإن تجلّل لّمتي … شيب - على رغم العدى لذّاتي من كاعبات كالدمى ومناصف … ومراكب للصيد والنشوات إن يطلبوا بتراتهم يعطونها … أو يطلبوا لا يدركوا بترات (١) قالوا: وقطع هشام عن الوليد ما كان يجري عليه، وأسقط أسماء أصحابه وحرسه، وقطع ما كان يجريه عليهم، فكتب إليه الوليد: «قد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين أصلحه الله في قطع ما قطع عني وعن أصحابي وحرسي وأهلي، ولم أكن خائفا لأن يبتلي الله أمير المؤمنين بذلك، ولا يبتليني به منه، فإن يكن طلبي ابن سهيل علة ذلك فلم يبلغ أمر ابن سهيل وكتابي فيه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتي، وإن يكن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين عليّ فقد سبب الله لي من العهد، وكتب لي من العمر، وقسم لي من الرزق ما لا يقدر أحد على قطع شيء منه بدون مدته، ولا صرف شيء منه عن مواقعه، فأقدار الله تجري بما أحب الناس أو كرهوا، فلا تأخير لعاجلها ولا تعجيل لآجلها، والناس بين ذلك مقترفون للآثام على أنفسهم». فكتب إليه هشام: «قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وأمير المؤمنين يستغفر الله من اجرائه ما كان يجري عليك، فإنه للمأثم في ذلك أخوف منه على نفسه في قطعه ما قطع لأمرين: أما أحدهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجريه عليك وهو يعلم المواضع التي تضعه فيها، وإنفاقك إياه في سبل المعصية، وأما الآخر فلأن أمير المؤمنين أثبت صحابتك وإدرار أرزاقهم وليس ينالهم ما

стр. 3565

ينال المسلمين في كل عام من المكروه عند قطع البعوث وجهاد العدو، وإنماهم معك تجول بهم في سفهك وبطلانك وفسوقك، ولأمير المؤمنين إلى التقصير في التغيير عليك أقرب منه إلى الاعتداء، ولقد بصر الله أمير المؤمنين من قطع ما قطع عنك وعن أصحابك المجّان ما يرجو أن يكون كفارة لما سلف من إدرار ذلك عليكم وبالله الثقة. وأما ابن سهيل فهل زاد - لله أبوك - على أن كان زفّانا مغنيا، قد بلغ في السفه غايته، وليس هو في ذلك بشر ممن تستصحبه مع الأمور التي يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما أنت لعمر الله أهل للتوبيخ بها، فأما ما ذكرت مما سبب الله لك فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك وأصفاه به، والله بالغ أمره، ولقد أصبح أمير المؤمنين على اليقين من ربه أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه الله من كرامته ضرا ولا نفعا، وإن الله ولّى ذلك منه، وإنه أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير الرضا منهم، وإن أمير المؤمنين لحسن ظنه بربه على أعظم الرجاء أن ييسر له تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرضا به، فإن بلاء الله عنده أعظم من أن يبلغه ذكره، ويؤدي حقه فيه شكره إلا بعون منه له، ولئن كان قد قدر لأمير المؤمنين تعجيل وفاة إن في الذي هو مفض إليه من كرامة ربه إن شاء الله لخلفا من الدنيا، ولعمر أمير المؤمنين إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك وسقوطك، فاربع على نفسك وغلوائها، فإن لله سطوات وغيرا يصيب بها من يشاء، وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحب الأمور إليه، وأرضاها له. والسلام». فكتب إليه الوليد:

стр. 3566

رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي … فلو كنت ذا عقل لهدّمت ما تبني ستترك للباقين مجنى ضغينة … وويل لهم إن متّ من شر ما تجني (١) وقال الوليد: أليس عظيما أن أرى كل وارد … حياضك يوما صادرا بالنوافل وأرجع مجذوذ الرجاء مصرّدا … بتخلية عن ورد تلك المناهل فأويست مما كنت آمل فيكم … وليس يلاقي ما رجا كل آمل كذي قبضة يوما على عرض هبوة … يشد عليها كفه بالأنامل (٢) وقال المدائني: ذكر الوليد عند لمهدي أمير المؤمنين فقيل: كان زنديقا، فقال: خلافة الله أجلّ وأكرم عليه من أن يوليها زنديقا. قال المدائني: وكانت عند الوليد أم عبد الملك بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فمرض سعيد وهو متبدّ، فعاده الوليد بن يزيد، فدخل عليه ولم يعلموا به، فرأى أختها سلمى بنت سعيد لمحة، فوقعت في قلبه، فطلق أختها وخطبها فلم يزوجه إياها أبوها، وكانت أختها أم عثمان بنت سعيد عند هشام، فأرسل هشام إلى سعيد: إياك أن تزوجه، فقال: أيريد الوليد أن يكون فحلا لبناتك، يطلّق واحدة ويتزوج واحدة، فلم يزوّجه، فكتب إلى أبيها: أبا عثمان هل لك في صنيع … تصيب الرشد في صلبي هديتا فأشكر منك ذا المسدى وتحيي … أبا عثمان ميّتة وميتا (٣)

стр. 3567

فقال له عبد الصمد بن عبد الأعلى وهو بعد عنده، وليث وغيرهما من أصحابه: ما ترجو بها وقد ردك أبوها عنها، وسيزوجك إذا مات هشام فقال: يعزيني أبو وهب وليث … ويعذل مالك وأبو ركين فقلت لهم كلامكم محال … دعوني من كلامكم دعوني (١) وقال ابو اليقظان: خرج الوليد إلى فدين (٢) ومنزل سعيد بن خالد بفدين، فرأى رجلا يبيع الزيت قريبا من منزل سعيد فأخذ ثيابه ولبسها، وساق حمار الزيت حتى أدخله قصر سعيد، وهو ينادي: من يشتري الزيت. فخرج الجواري فنظرن فقالت جارية منهنّ لسلمى: يا سيدتي ما رأيت إنسانا أشبه بالوليد من هذا الزيات ابن الخبيثة، انظري إليه، فاطلعت سلمى فقالت للجارية: ويحك هو والله الوليد، قد والله رآني فقولي له يا زيات أخرج لا نريد زيتك. فخرج وقد لمحها وقال: إنني أبصرت شخصا … حسن الوجه مليح لابسا أثواب سوء … من عباء ومسوح وأبيع الزيت بيعا … خاسرا غير ربيح (٣) وبلغه أنها خرجت في يوم عيد فقال:

стр. 3568

خبّروني أنّ سلمى … خرجت يوم المصلّى وإذا ثمّ غراب … فوق غصن يتفلّى قلت بالله ادن مني … قال: ها ثم تدلى قلت هل أبصرت سلمى … قال: لا ثم تولّى (١) وقال الوليد أيضا: ألا ليت الإله يحين سلمى … فإن الله يفعل ما يشاء فيخرجها فيطرحها بأرض … ويرقدها وقد سقط الرداء ويأتي بي فيطرحني عليها … فأوقظها وقد قضي القضاء ويرسل ديمة سحّا علينا … فيغسلنا فلا يبقى العناء (٢) وقال أيضا: يا من لقلب في الهوى متشعب … أم من لقلب في الحبال عميد سلمى هواه فليس يذكر غيرها … دون الطريف ودون كل تليد إن القرابة والمودة ألّفا … بين الوليد وبين بنت سعيد (٣) وقال أيضا: شاع شعري في سليمى وظهر … ورواه كل باد وحضر وتهادته العذارى بينها … وتغنين به حتى انتشر قلت قولا لسليمى معجبا … مثل ما قال جميل وعمر لو رأينا لسليمى أثرا … لسجدنا ألف ألف للأثر

стр. 3569

واتخذناها إماما مرتضى … ولكانت حجنا والمعتمر إنما بنت سعيد قمر … هل حرجنا إن سجدنا للقمر (١) وقال أيضا: رآني الله يا سلمى حياتي … وفي يوم الحساب كما أراك ألا تجزين من تيّمت عمرا … ومن لو تطلبين لقد أتاك ومن إن متّ مات ولا تموتي … وإن ينسأ له أجل بكاك ومن لو قلت مت وأطاق موتا … إذا ذاق الممات وما عصاك ومن حقا لو اعطي ما تمنى … من الأرض العريضة ما عداك أثيبي هائما كلفا معنى … إذا خدرت له رجل دعاك (٢) وقال أيضا: أنا في يمنى يديها … وهي في يسرى يديّه إن هذا لقضاء … غير عدل يا أخيّه ليت من لام محبا … في الهوى لاقى المنيّة فاستراح الناس منه … ميتة غير سويّه (٣) وقال أيضا: ويح سلمى لوتراني … لعناها ما عناني متلفا في اللهو مالي … عاشقا حور الغواني ولقد كنت زمانا … خالي الذرع لشاني (٤)

стр. 3570

وقال أيضا: أنا ابن يزيد بن عبد الملك … وجدي مروان لا أم لك فكيف إذا ما ملكت البلاد … وقمت خطيبا على منبرك فبخّ بخ بخ ما أكرمك … وبخّ بخ بخ ما أفخرك (١) وقال أيضا: من لقلب أمسى كئيبا حزينا … مستهاما بين اللهى والتراقي أمّ سلاّم ما ذكرتك إلا … شرقت بالدموع مني المآقي حذرا أن تبين لي دار سلمى … وتجيء الدنيا لها بفراق (٢) وقال أيضا: نام من كان خليا من ألم … ولقد بتّ شجيا لم أنم احكمي في الوصل إذ وليته … ليس قتل النفس من عدل الحكم أرقب النجم كأني مسند … بأكفّ القوم تغشاني الظّلم (٣) قالوا: ولم يزل الوليد مقيما بالأزرق في البرية حتى مات هشام، فلما كان غداة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة أرسل إلى المنذر بن أبي عمرو فأتاه فقال له: يا أبا الزبير ما أتت على ليلة مذ عقلت أطول من ليلتي هذه، ما زلت في هموم وحديث نفس واغتمام بأمر هذا الرجل الذي قد أولع بي - يعني هشاما -

стр. 3571

فاركب بنا نتنفس، فركبنا فبينا هو كذلك إذ نظر إلى رهج فقال: هؤلاء رسل هشام نسأل الله خيرهم. وبدا له رجلان على البريد أحدهما مولى لأبي محمد السفياني، فلما بصرا بالوليد بن يزيد نزلا ثم دنوا منه فسلما عليه بالخلافة، فوجم ثم قال: أمات هشام؟. قالا: نعم. قال: فممن الكتاب؟ قالا: من مولاك سالم بن عبد الله صاحب ديوان الرسائل، فقرأ الكتاب وانصرفا، ثم دعا مولى السفياني فسأله عن عياض فحدثه حديثه وإحرازه ما أحرز من الخزائن وغير ذلك من أمره. وكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك يأمره أن يأتي الرصافة فيحصي ما فيها من أموال هشام، وأموال ولده، ويأخذ عماله وحشمه إلا مسلمة بن هشام لأنه كان يكثر ان يكلم أباه فيه، ويكف عنه شرّه ويسأله الرفق به. فقدم العباس الرصافة فأحكم للوليد ما كتب به إليه، وأتته أم سلمة بنت يعقوب المخزومية وهي امرأة مسلمة بن هشام فقالت: إن مسلمة لا يفيق من الشراب ولا يكترث لموت أبيه وأمر إخوته. فأخبر العباس مسلمة بما قالت ووبّخه، فطلقها مسلمة في ذلك المجلس، فشخصت تريد فلسطين، فتزوجها أبو العباس أمير المؤمنين. وكتب العباس بن الوليد إلى الوليد بثبت ما أحصى من أموال هشام وما في خزائنه فقال الوليد: ليت هشاما عاش حتى يرى … محلبه الأوفر قد أترعا كلنا له بالصاع إذا كالها … وما ظلمناه بها أصوعا

стр. 3572

وما أتينا ذاك عن بدعة … أحلّه القرآن لي أجمعا (١) المدائني قال: كان هشام بن عبد الملك خطب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة اخته أو ابنته على معاوية بن هشام، فأبى أن يزوجه إياها فجرى بعد ذلك بين يزيد بن عمر وبين الوليد بن القعقاع كلام بلغ هشاما فبعث به هشام إلى الوليد بن القعقاع فضربه مائة سوط، وحبسه فقال ابن طيسلة: ما فل خيس رجال لا عقول لهم … من يعدلون إلى المحبوس في حلب إلى امرئ لم تصبه الدهر معضلة … إلا استقل بها مسترخي اللّبب (٢) فلما مات هشام كان البشير بموته إلى الوليد بن يزيد فقال له الوليد: احتكم، فقال: ولاية قنسرين والتخلية بيني وبين الوليد بن القعقاع وأخيه عبد الملك بن القعقاع، فأجابه إلى ذلك، ويقال إنه ولاه جند قنسرين، فهرب الوليد وعبد الملك ابنا القعقاع فاستجارا بقبر مروان، فلم يجرهما الوليد وبعث بهما إلى يزيد بن عمر، وكان على حبسه رجل من فزارة يقال له نوفل بن سكين، فدفعهما إليه فحبسهما، فمات أحدهما في الحبس في العذاب، ويقال ماتا جميعا، فقال عبد العزيز بن القعقاع: أنوفل من يضمن دما من دمائنا … وشيخا يشقّقن الجيوب أقاربه وقال أبو الشّغب العبسي واسمه عكرشة بن أربد بن عروة بن مسحل بن شيطان بن جذيم بن جذيمة:

стр. 3573

أمست قبور بني مروان مخفرة … لا يستجار ولا يرعى لها الراعي قبر التميمي (١) … أوفى من قبورهم يسعى بذمته في قومه الساعي إنّ البرية قالت عند غدرته … أف لقبر به عاذ ابن قعقاع وكان الكلام الذي وقع بينهما أن الوليد قال ليزيد: يا بن الفرّار - يعني أباه حين هرب من سجن خالد - فقال له يزيد: يا بن الضرّاط، فقال الوليد: يا بن اللخناء. فقال يزيد: بل أنت نزوة خوّار على أمة … لا يسبق الحلبات اللؤم والخور فقال: يا بن الفجواء (٢). قال يزيد: إنما قدمتكم أعجاز النساء وقدّمتنا صدور العوالي - يعني أن ولاّدة أم الوليد وسليمان كانت منهم، وكان القعقاع بن خليد ضرط عند الوليد، وذلك أن الوليد قال لابن رأس الجالوت: تزعمون أن في ولد داود علامة يعرفون بها وهي أن يمد أحدهم يده فتنال ركبته، فقال القعقاع: فيدي تنال ركبتي، وقام لينال ركبته فضرط، فقال الشاعر لشيبة بن الوليد بن القعقاع: يا شيب هل لك في ألف مدرهمة … بضرطة ليس في إرسالها لها حرج كدأب شيخك إذ أهوى لركبته … فخان فقحته من ضعفها الشّرج المدائني عن الهيثم ومسلمة قالا: استعمل الوليد بن يزيد العمال. وجاءته البيعة من الآفاق، فأجرى على زمنى أهل الشام وعميانهم وكساهم. وأمر لكل إنسان منهم بجائزة وخادم يخدمه، وأخرج لعيالات الناس الطيب

стр. 3574

والكسى، وزاد الناس في أعطياتهم عشرات نقصهم إياها يزيد بن الوليد بعد ذلك، فسمي يزيد الناقص، وكان الوليد يطعم الناس، وقال الوليد: طاب عيشي وطاب شرب المدامة … إذ تحسّيتها بغير ملامة (١) وقال أيضا: طاب عيشي وطاب شرب السّلافة … إذ أتانا نعي من بالرّصافة وأتانا البريد ينعى هشاما … وأتانا بخاتم للخلافة (٢) وقال أيضا: طال ليلي وبتّ أسقى المداما … إذ أتانا البريد ينعي هشاما وأتاني بحلة وقضيب … وأتاني بخاتم ثم قاما فجعلت الولي من بعد فقدي … أفضل الناس ناشئا وغلاما ذاكم ابني وذاك قرم قريش … خير خلف وخيرهم قدّاما (٣) وقال أيضا: إني سمعت خليلي … نحو الرصافة رنّه خرجت أسحب ذيلي … أقول ما شانهنّه إذا بنات هشام … يندبن والدهن يندبن شيخا كبيرا … قد كان يكرمهنّه

стр. 3575

فقلن ويلي وعولي … والويل حلّ بهنّه أنا المخنث حقا … إن لم أنيكهنّه (١) قالوا: وكتب مروان بن محمد إلى الوليد بن يزيد: بارك الله لأمير المؤمنين فيما صار إليه من ولاية عباده ووراثة بلاده، وقد كانت سكرة الولاية غشيت هشاما فصغّر ما عظم الله من حقّ أمير المؤمنين ورام من الأمر المستصعب عليه الذي أجابه إليه المدخلون في آرائهم وأديانهم ما حال الله بينه وبينه، فزحمته الأقدار عنه بأشد مناكبها، وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى ألبسه أكرم لباس الخلافة فنهض مستقلا بما حمله فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته واختصه بوثائق عرى كرامته وذبّ عنه ما كاده الظالمون فيه، فرفعه ووضعهم، وأعزه وأذلهم، فمن أقام منهم على الخطيئة أوبق نفسه وأسخط ربه، ومن عدلت به التوبة نازعا عن الباطل إلى الحق وجد الله توّابا رحيما، وإني نهضت إلى منبري فأعلمت من قبلي من المسلمين ما امتنّ الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين فاستبشروا ببيعتهم، وقد بسطت يدي للبيعة فوكدتها عليهم بالوثائق والعهود وتغليظ الأيمان فكل الناس حسنت إجابته وطاعته، فأثبهم يا أمير المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذي أتاك فإنك أجود الناس جودا وأبسطهم يدا، فقد انتظروك راجين فنلهم بفضلك وأوسع عليهم برفدك وعرّفهم طولك على من كان قبلك، وإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في القدوم عليه لأشافهه بأمور أكره الكتاب بها فعل إن شاء الله.
следующие страницы →