فاركب بنا نتنفس، فركبنا فبينا هو كذلك إذ نظر إلى رهج فقال: هؤلاء رسل هشام نسأل الله خيرهم.
وبدا له رجلان على البريد أحدهما مولى لأبي محمد السفياني، فلما بصرا بالوليد بن يزيد نزلا ثم دنوا منه فسلما عليه بالخلافة، فوجم ثم قال: أمات هشام؟. قالا: نعم. قال: فممن الكتاب؟ قالا: من مولاك سالم بن عبد الله صاحب ديوان الرسائل، فقرأ الكتاب وانصرفا، ثم دعا مولى السفياني فسأله عن عياض فحدثه حديثه وإحرازه ما أحرز من الخزائن وغير ذلك من أمره.
وكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك يأمره أن يأتي الرصافة فيحصي ما فيها من أموال هشام، وأموال ولده، ويأخذ عماله وحشمه إلا مسلمة بن هشام لأنه كان يكثر ان يكلم أباه فيه، ويكف عنه شرّه ويسأله الرفق به.
فقدم العباس الرصافة فأحكم للوليد ما كتب به إليه، وأتته أم سلمة بنت يعقوب المخزومية وهي امرأة مسلمة بن هشام فقالت: إن مسلمة لا يفيق من الشراب ولا يكترث لموت أبيه وأمر إخوته. فأخبر العباس مسلمة بما قالت ووبّخه، فطلقها مسلمة في ذلك المجلس، فشخصت تريد فلسطين، فتزوجها أبو العباس أمير المؤمنين.
وكتب العباس بن الوليد إلى الوليد بثبت ما أحصى من أموال هشام وما في خزائنه فقال الوليد:
ليت هشاما عاش حتى يرى … محلبه الأوفر قد أترعا
كلنا له بالصاع إذا كالها … وما ظلمناه بها أصوعا
стр. 3572
وما أتينا ذاك عن بدعة … أحلّه القرآن لي أجمعا (١)
المدائني قال: كان هشام بن عبد الملك خطب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة اخته أو ابنته على معاوية بن هشام، فأبى أن يزوجه إياها فجرى بعد ذلك بين يزيد بن عمر وبين الوليد بن القعقاع كلام بلغ هشاما فبعث به هشام إلى الوليد بن القعقاع فضربه مائة سوط، وحبسه فقال ابن طيسلة:
ما فل خيس رجال لا عقول لهم … من يعدلون إلى المحبوس في حلب
إلى امرئ لم تصبه الدهر معضلة … إلا استقل بها مسترخي اللّبب (٢)
فلما مات هشام كان البشير بموته إلى الوليد بن يزيد فقال له الوليد:
احتكم، فقال: ولاية قنسرين والتخلية بيني وبين الوليد بن القعقاع وأخيه عبد الملك بن القعقاع، فأجابه إلى ذلك، ويقال إنه ولاه جند قنسرين، فهرب الوليد وعبد الملك ابنا القعقاع فاستجارا بقبر مروان، فلم يجرهما الوليد وبعث بهما إلى يزيد بن عمر، وكان على حبسه رجل من فزارة يقال له نوفل بن سكين، فدفعهما إليه فحبسهما، فمات أحدهما في الحبس في العذاب، ويقال ماتا جميعا، فقال عبد العزيز بن القعقاع:
أنوفل من يضمن دما من دمائنا … وشيخا يشقّقن الجيوب أقاربه
وقال أبو الشّغب العبسي واسمه عكرشة بن أربد بن عروة بن مسحل بن شيطان بن جذيم بن جذيمة:
стр. 3573
أمست قبور بني مروان مخفرة … لا يستجار ولا يرعى لها الراعي
قبر التميمي (١) … أوفى من قبورهم
يسعى بذمته في قومه الساعي
إنّ البرية قالت عند غدرته … أف لقبر به عاذ ابن قعقاع
وكان الكلام الذي وقع بينهما أن الوليد قال ليزيد: يا بن الفرّار - يعني أباه حين هرب من سجن خالد - فقال له يزيد: يا بن الضرّاط، فقال الوليد: يا بن اللخناء. فقال يزيد:
بل أنت نزوة خوّار على أمة … لا يسبق الحلبات اللؤم والخور
فقال: يا بن الفجواء (٢). قال يزيد: إنما قدمتكم أعجاز النساء وقدّمتنا صدور العوالي - يعني أن ولاّدة أم الوليد وسليمان كانت منهم، وكان القعقاع بن خليد ضرط عند الوليد، وذلك أن الوليد قال لابن رأس الجالوت: تزعمون أن في ولد داود علامة يعرفون بها وهي أن يمد أحدهم يده فتنال ركبته، فقال القعقاع: فيدي تنال ركبتي، وقام لينال ركبته فضرط، فقال الشاعر لشيبة بن الوليد بن القعقاع:
يا شيب هل لك في ألف مدرهمة … بضرطة ليس في إرسالها لها حرج
كدأب شيخك إذ أهوى لركبته … فخان فقحته من ضعفها الشّرج
المدائني عن الهيثم ومسلمة قالا: استعمل الوليد بن يزيد العمال.
وجاءته البيعة من الآفاق، فأجرى على زمنى أهل الشام وعميانهم وكساهم.
وأمر لكل إنسان منهم بجائزة وخادم يخدمه، وأخرج لعيالات الناس الطيب
стр. 3574
والكسى، وزاد الناس في أعطياتهم عشرات نقصهم إياها يزيد بن الوليد بعد ذلك، فسمي يزيد الناقص، وكان الوليد يطعم الناس، وقال الوليد:
طاب عيشي وطاب شرب المدامة … إذ تحسّيتها بغير ملامة (١)
وقال أيضا:
طاب عيشي وطاب شرب السّلافة … إذ أتانا نعي من بالرّصافة
وأتانا البريد ينعى هشاما … وأتانا بخاتم للخلافة (٢)
وقال أيضا:
طال ليلي وبتّ أسقى المداما … إذ أتانا البريد ينعي هشاما
وأتاني بحلة وقضيب … وأتاني بخاتم ثم قاما
فجعلت الولي من بعد فقدي … أفضل الناس ناشئا وغلاما
ذاكم ابني وذاك قرم قريش … خير خلف وخيرهم قدّاما (٣)
وقال أيضا:
إني سمعت خليلي … نحو الرصافة رنّه
خرجت أسحب ذيلي … أقول ما شانهنّه
إذا بنات هشام … يندبن والدهن
يندبن شيخا كبيرا … قد كان يكرمهنّه
стр. 3575
فقلن ويلي وعولي … والويل حلّ بهنّه
أنا المخنث حقا … إن لم أنيكهنّه (١)
قالوا: وكتب مروان بن محمد إلى الوليد بن يزيد: بارك الله لأمير المؤمنين فيما صار إليه من ولاية عباده ووراثة بلاده، وقد كانت سكرة الولاية غشيت هشاما فصغّر ما عظم الله من حقّ أمير المؤمنين ورام من الأمر المستصعب عليه الذي أجابه إليه المدخلون في آرائهم وأديانهم ما حال الله بينه وبينه، فزحمته الأقدار عنه بأشد مناكبها، وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى ألبسه أكرم لباس الخلافة فنهض مستقلا بما حمله فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته واختصه بوثائق عرى كرامته وذبّ عنه ما كاده الظالمون فيه، فرفعه ووضعهم، وأعزه وأذلهم، فمن أقام منهم على الخطيئة أوبق نفسه وأسخط ربه، ومن عدلت به التوبة نازعا عن الباطل إلى الحق وجد الله توّابا رحيما، وإني نهضت إلى منبري فأعلمت من قبلي من المسلمين ما امتنّ الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين فاستبشروا ببيعتهم، وقد بسطت يدي للبيعة فوكدتها عليهم بالوثائق والعهود وتغليظ الأيمان فكل الناس حسنت إجابته وطاعته، فأثبهم يا أمير المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذي أتاك فإنك أجود الناس جودا وأبسطهم يدا، فقد انتظروك راجين فنلهم بفضلك وأوسع عليهم برفدك وعرّفهم طولك على من كان قبلك، وإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في القدوم عليه لأشافهه بأمور أكره الكتاب بها فعل إن شاء الله.
стр. 3576
وقال الوليد:
هلك الأحول المشـ … ـؤوم فقد أرسل المطر
وملكنا من بعد ذا … ك فقد أورق الشجر
فاشكروا الله إنه … زائد كل من شكر (١)
ويقال إن هذا الشعر لغير الوليد.
قالوا: وكتب الوليد حين ولي إلى الأطراف:
ضمنت لكم إن لم تغلني منيّتي … بأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع
ستؤتون إلحاقا معا وزيادة … وأعطية تأتيكم تتسرّع (٢)
فلما ظهر أمره وتهتكه قال حمزة بن بيض الحنفي (٣):
وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعد ما … زعمت سماء الضّرّ عنكم ستقلع
فليت هشاما كان حيا يسوسنا … فكنا كما كنا نخاف ونطمع
قالوا: وتهتك الوليد في الشراب وقال:
أحبّ الغناء وشراب الطّلا … وأنس النساء وربّ السّور
ودلّ الغواني وعزف القيان … بصبح يمان قبيل السّحر
وأما الصباح فهمّي القداح … وخيل شواح جياد حضر
ونصف النهار عراك الجوار … وحلّ الإزار إذا تنبهر (٤)
وأما العشيّ فأمر جليّ … وقتل الكميّ بعضب ذكر
стр. 3577
سبتني البغوم (١) … بدلّ رخيم
ووجه نضير شبيه القمر
وردف نبيل وخد أسيل … كسيف صقيل يحير البصر (٢)
وقال أيضا:
عللاني بعاتقات الكروم … واسقياني بكأس أم حكيم
إنها تشرب المدامة صرفا … في إناء من الزجاج عظيم (٣)
وأم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص وهي أم مسلمة بن هشام.
قال أبو الحسن المدائني: كسا الوليد الغزيّل أبا كامل المغني قلنسوة برود كانت عليه فكان يصونها ولا يلبسها إلا في يوم عيد ويقول: كسانيها أمير المؤمنين فقد أوصيت أهلي أن يضعوها في أكفاني، وقال فيه الوليد:
من مبلغ عني أبا كامل … إني إذا ما غاب كالهامل
وزادني شوقا إلى قربه … فيما مضى من دهرنا الحابل
إني إذا عاطيته مرّة … ظللت بيوم الفرح الجاذل (٤)
وقال أيضا:
لا عيش إلا بمالك بن أبي السّـ … ـمح فلا تلحني ولا تلم
مثل ضياء المصباح أو قبس ال … قابس في حالك من الظّلم (٥)
стр. 3578
ويقال إن البيتين لحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس.
المدائني وغيره قالوا: لما قام الوليد لم يكن له همة إلا تزوج سلمى، فأرسل فخطبها فتزوجها فقيل له: قد كنت حلفت بطلاقها إذا تزوجتها ثلاثا. فسأل عن يمينه فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: طالق. وقال آخرون: لا طلاق إلاّ بعد نكاح، فهمّ أن يدخل بها فقيل: أنت إمام وإن دخلت بها أخذ الناس ذلك سنّة فأمسك، وزوجها أخوها من ابن أخي الوليد ودخل بها ثم طلقها ابن أخي الوليد، وقيل أن أباها زوجها من ابن أخي الوليد فلما زفّت إليه وكل به الوليد من منعه من الدخول بها حتى طلقها، ويقال إنه دخل بها ثم طلقها، وانتظر الوليد أن تنقضي عدتها فلما انقضت خطبها إلى أبيها فتزوجها وقال:
خفّ من دار جيرتي … يا خليليّ أنسها
أفلا تخرج العرو … س فقد طال حبسها
قد دنا الصبح أو بدا … وهي لم يقض لبسها
خرجت كالمهاة في ليلـ … ـة غاب نحسها
بين خمس كواعب … أكرم الجنس جنسها (١)
وقال أيضا:
أسلمى تلك في العير … قفي إن شئت أو سيري
فلما أن دنا الصبح … وأصوات العصافير
стр. 3579
خرجنا نتّقي الشمس … مطايا القوم كالعور
إذا ما أغرض حالت … سددناها بتصدير (١)
قال: وقالت ابنة سعيد: أبي يصلح للخلافة، فقالت ابنة الوليد:
فإنك والخلافة يا سعيد … لكالحادي وليس له بعير
فقالت سلمى: ولم لا يطمع في الخلافة وهو ابن أمير المؤمنين عثمان، وغضبت فقال الوليد:
غضبت سلمى عليّ سفاها … أن شتمت اليوم فيها أباها (٢)
قالوا: فماتت بعد دخوله عليها بأربعين يوما ويقال ليلة دخلت عليه أو بعدها بثلاث، ويقال بسنة، فقال:
ألم تعلما سلمى أقامت بمهمه … مضمّنة قبرا من الأرض ألحدا (٣)
في أشعار.
وقالوا: عقد الوليد لابنه الحكم واستعمله على دمشق، وعقد لابنه عثمان بعده، واستعمله على حمص وضم إليه ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن الفقيه.
وقال الهيثم بن عدي: وقال الوليد:
ولقد صدنا غزالا سانحا … فأردنا ذبحه لما سنح
فإذا شبهك ما ننكره … حين أشجى طرفه ثم لمح
стр. 3580
فتركناه ولولا حبكم … فاعلمي ذاك لقد كان ذبح
أنت يا ظبي طليق آمن … فاغد في الغزلان مسرورا ورح (١)
وقال الهيثم بن عدي: سمي الوليد البيطار لأنه كان يصيد الحمر الوحشية فيسمها بالوليد ثم يخلّيها فوجدت في أيام أبي العباس السفاح والمنصور حمر موسومة باسمه.
وكان يحب دخول الحيرة والكوفة فخرج كالمتبدي، ثم أتى الكوفة فنادم شراعة بن أبي الزندبوذ، ومطيع بن إياس، وحماد الراوية، وحماد عجرد وبعض آل أبي معيط، وقال يوما لشراعة: أسألك عن الأشربة فقال: سل يا أمير المؤمنين. قال: ما تقول في الماء؟ قال: الحياة ويشركن فيه البقر والحمير والكلاب. قال: فاللبن؟ قال: ما رأيته قط إلاّ ذكرت ثدي أمي. قال: فنبيذ التمر؟ قال: نبيذ الباعة والمهّان ومن لا خلاق له، قال: فنبيذ السكّر؟ قال: الخمرة المنتنة. قال: فنبيذ الزبيب والعسل؟ قال: «مرعى ولا كالسعدان (٢)». قال: فالخمر؟ قال: واها لها، تلك صديقة روحي وحياة نفسي. قال: فعلى أي الوجوه تحب أن تشربها؟ قال:
على وجه السماء.
ويقال إنه لم يخرج إلى الكوفة ولكن أشخص ظرفاؤها إليه، وكان فيهم شراعة بن أبي الزندبوذ.
стр. 3581
وقال حماد: أنشدته أشعار العرب فلم يهشّ لها، وأنشدته شعرا سخيفا فطرب له واستعادنيه فقلت: هذا والله الإدبار، ثم دخلت بعد على أبي مسلم فقال: أنشدني قصيدة الأفوه (١) فأنشدته إياها، وجعل يستعيدني قوله:
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت … فإن تولّت فبالأشرار تنقاد
فقلت: هذا والله الإقبال.
وقالوا: وكان مما سمع الوليد بالكوفة - أو ممن أشخص إليه من أهل الكوفة - فأعجبه، غناء قينتين لعبد الله بن هلال الهجري المعروف بصديق إبليس، وهو من حمير، فقال:
يا أهل بابل ما نفست عليكم … من عيشكم إلا ثلاث خلال
خمر الفرات وليل قيظ بارد … وسماع مسمعتين لابن هلال (٢)
ويروى: ماء الفرات وخمرة حيرية وسورية.
قالوا: وكتب الوليد إلى خاله يوسف بن محمد بن يوسف - وكان عامله على مكة والمدينة - أن يأخذ ابني هشام بن اسماعيل: ابراهيم ومحمدا ويحملهما إلى يوسف بن عمر ليحاسبهما ويأخذ للناس حقوقهم منهما، وكتب في أخذ عمال هشام وحشمه بما عندهم إلا مسلمة ابنه.
وقال الوليد:
стр. 3582
علّل القوم قليلا … يا بن بنت الفارسية
غنّهم أنت وبشر … وابن بنت الهذلية
انهم قد عاقروا اليوم … عقارا مقديّه (١)
عندنا مسك وريحـ … ـان وعود المندليه (٢)
وقال أيضا:
عللاني واسقياني … من شراب الأصبهاني
من شراب الشيخ كسرى … وشراب القيرواني
وامزج الكأس ولا تكثر … مزاج العسقلاني
إن بالكأس لمسكا … وبكفّي من سقاني
إنما الكأس ربيع … يتعاطى بالبنان (٣)
وقال أيضا:
اسقنا يا زبير بالقرقاره … قد طربنا وحنت الزمارة
اسقني اسقني فإنّ ذنوبي … قد أحاطت فما لها كفارة (٤)
وقال أيضا:
أصبح اليوم وليد … هائما بالغانيات
عنده طاس وابريـ … ـق وراح بالفلاة
стр. 3583
ابعثوا خيلا لخيل … ورماة لرماة (١)
وقال أيضا:
اسقني يا زيد صرفا … اسقني بالطرجهاره (٢)
اسقنيها مزة تأخذني … منها استداره
اسقنيها كي تسلّي … ما بقلبي من حراره (٣)
وقال أيضا:
امدح الكأس ومن أعملها … واهج قوما قتلونا بالعطش
إنما الكأس ربيع باكر … فإذا ما غاب عنا لم نعش (٤)
وقال أيضا:
نزلت سلمى بقلبي … منزلا ذا عدواء
فزجرت النفس عنها … لو تناهت بانتهاء
نظرت سلمى وقالت … حين صدّت يا نسائي
نظر الظبية ريعت … وهي وسنى في ظباء (٥)
وقال أيضا:
وجدت العيش يا سلمى … مزاج الكاس بالكاس
إذا ما كأسنا دارت … فهزّت فروة الراس
стр. 3584
وفتيانا أنادمهم … كراما غير أنكاس
فلولا رقبة الله … وإني رهن أرماس
لقد زرتك يا سلمى … على خوف وإيجاس
ولا والله يا سلمـ … ـاي ما بالحب من باس (١)
وقال أيضا:
أم سلام لو لقيت من الوجد … عشير الذي لقيت براك
فأثيبي بالودّ صبّا عميدا … مستهاما لم يشجه ما شجاك
أنت تفدين عبد (٢) … من كل خير
ومن السّوء هي تكون فداك (٣)
وقال يرثي مؤمنا ابنه وكان محبا له:
أتاني سنان بالوداع لمؤمن … فقلت له إني إلى الله راجع
وكيف بكائي مؤمنا ولقد أرى … بأني له يا نفس لا بدّ تابع
ألا أيها الحاثي عليه ترابه … تعست وشلّت من يديك الأصابع (٤)
قالوا: وبعث الوليد إلى المدينة فحمل اليه المغنون، فلما قربوا منه أمر أن يدخلوا العسكر ليلا كراهة أن يراهم الناس، فأقاموا حتى أمسوا غير محمد بن عائشة مولى كثير بن الصلت فإنه دخل نهارا فغضب عليه الوليد وأمر بحبسه حتى شرب ذات يوم وطرب فكلمه فيه معبد فدعا به، فغناه حين دخل:
стр. 3585
أنت ابن مسلنطح (١) البطا … ح ولم نطرق عليك الحبيّ (٢) والولج (٣)
فرضي عنه.
المدائني قال: قدم الأحوص بن محمد الشاعر، ومعبد على الوليد فنزلا في بعض طريقهما على غدير وجارية تستقي منه فزلقت فانكسرت جرّتها فجلست تغني:
يا بيت عاتكة الذي أتغزّل … حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
إنّي لأمنحك الصدود وإنني … قسما إليك مع الصدود لأميل (٤)
فقالا لها: لمن أنت يا جارية؟ قالت: كنت بالمدينة لآل الوليد فاشتراني مولاي وهو من آل الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب، قالا:
فلمن الشعر؟ قالت: سمعت أهل المدينة يقولون أن الشعر للأحوص، والغناء لمعبد. فقال معبد للأحوص: قل في هذا شيئا أغني به فقال:
إن زين الغدير من كسر الجـ … ـرّ وغنى غناء فحل مجيد
قلت من أنت يا ظعين فقالت … كنت فيما مضى لآل الوليد
ثم صرت بعد عزّ قريش … في بني عامر لآل الوحيد
وغنائي لمعبد ونشيدي … لفتى الناس أحوص الصنديد
فتضاحكت ثم قلت أنا الأحو … ص والشيخ معبد فأعيدي
стр. 3586
فأعادت فأحسنت ثم ولّت … تتهادى فقلت أمّ سعيد
يعجز المال عنك ولكن … أنت في ذمة الإمام الوليد (١)
أم سعيد هوى كانت للأحوص بالمدينة، فلما قدما على الوليد غناه معبد بهذا الشعر وحدثاه الحديث.
وقال أشعب: قال لي الوليد: أما ترى خالي، كأن المحاجم بين عينيه، فإن أضحكته فاحتكم. فقلت: أخذني بطني مرة فخرجت فإذا الدنيا فسطاط واحد، فذكرت قول نبطي مرة، قال: من حكمة فارس، إذا أخذك بطنك فشدّ على لسانك، فإن لم يسكن فشد على فخذيك، فإن جاءك أكثر من ذاك فانتف من شعر أستك شعرتين أو ثلاثا ففعلت ذلك فارتفع. فضحك وقال: أتفعل ذلك وأنت محرم؟ قلت: نعم. فضحك وأخذت الجائزة.
قالوا: وأرسل الوليد إلى البصرة فحمل إليه الهيثم القارئ:
وعبد الله بن عمر البكراوي فاستقرأ الهيثم فقرأ، ثم قال: غنني. فقال:
الغناء شيء قد نسيته.
المدائني عن العلاء بن المغيرة قال: قلت للوليد: إني أريد العراق أفلك حاجة يا أمير المؤمنين؟ قال: بربط من صنعة زربي.
قال: وكان محمد بن سليمان بن عبد الملك من أضرب الناس وأحسنهم صوتا وغناء، فكان يدخل على الوليد فيغنيه.
стр. 3587
وقال أبو الحسن المدائني: قال العلاء بن المغيرة: وقف الوليد على غدير فأمر بضرب فسطاط له عليه، ثم قال: والله لا أبرحه أو يشرب جميع مائه. فجعل الناس ينقلون ماءه بالروايا والقرب حتى نفد ماؤه، فلما نظر إليه قال: أنا أبو العباس. وأمر الناس بالرحيل بعد ثالثة.
قالوا: وكتب الوليد في إشخاص أشعب الطمع إليه فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب، وقال له: ارقص وغنني صوتا يعجبني فرقص وأضحكه فأمر له بألف درهم، ويقال بعشرة آلاف درهم.
وقال الكلبي: قال حماد الرواية: دعاني الوليد فقدمت عليه فقال:
أنشدني، فأنشدته جيد أشعار العرب فلم يرتح لشيء من ذلك، حتى جرى الحديث والمزاح فأنشدته قول ابن أبي كبار الهمداني وهو عمار بن عبيد بن يزيد بن عمرو بن ذي كبار السبيعي من همدان، وهو:
أشتهي منك مكانا مجنبذا … حبّذا ثم حبذا حبذا
حبذا من شذا بذا
فضحك وطرب ووصلني، ثم صرت بعد ذلك إلى أبي مسلم فقال:
أنشدني شعر الأفوه الذي يقول فيه:
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت … فإن تولّت فبالأشرار تقتاد
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم … ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
فقلت: هذا والله الإقبال لا إدبار الوليد.
وقال هشام ابن الكلبي: لم يشخص الوليد إلى الكوفة كما قال بعض الناس ولكن فتيانها شخصوا اليه مثل شراعة بن أبي الزندبوذ، ومطيع بن إياس وحماد الراوية، وفتيان آل أبي معيط، وأشخصت اليه قينتان
стр. 3588
لعبد الله بن هلال الهجري الذي يقال له صديق إبليس، وحمل إليه خمر كثير من طيزناباذ والفلاليج، وسوار، وفرات بادقلى فقال في ذلك:
يا أهل بابل ما نفست عليكم … من عيشكم إلا ثلاث خلال
خمر الفرات بماء قيظ بارد … وغناء مسمعتين لابن هلال (١)
وقال الحرمازي: سمعت من يحلف عن مشايخ الكوفيين أنه قدم متنكرا، ثم انصرف ومعه ظرفاؤها. وسئل هشام بن عمار عن هذا وجرى حديث الوليد فقال: أما الشخوص إلى الكوفة فلا أدري، ولكنه كان يسير في طريقها المرحلتين والثلاثة ويحمل اليه ما يحبه منها.
وقال هشام بن عمار عن أبيه: كان الوليد منهمكا على لذاته مشغولا عن أمور الناس، يصطبح الأربعين يوما وأقل وأكثر فلا يراه إلا ندماؤه وخواص خدمه.
وقال المدائني: قال الوليد:
لمن دمنة أقفرت بالجليل … أنكرتها بعد إيناسها
كخط الصحيفة بعد الزمان … تبقى حلوكة أنقاسها (٢)
وأمر ابن عائشة فغنى بهذا الشعر.
المدائني عن جويرية بن أسماء عن إسحاق بن محمد قال: دخلت على منصور بن جمهور وعنده جاريتان من جواري الوليد، فقال: اسمع ما يحدثانك به، فقالتا: كنا آثر جواريه عنده فوطئ هذه، وجاء المؤذن يؤذنه بالصلاة فأخرجها وهي جنب متلثمة فصلت بالناس.
стр. 3589
ولاعب الوليد بن يزيد رياح بن عثمان المرّي فضربه بقضيب كان معه. فقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين، وأخذ رياح القضيب منه فضربه ضربة حمّرت فخذه فقال: أوجعتني ويلك يا رياح.
حدثني عبد الله بن صالح عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: كنت عند هشام، وعنده الزهري، فذكر الوليد فتنقّصاه وعاباه عيبا شديدا، ولم أعرض لشيء مما كانا فيه، وجاء الوليد فدخل وأنا أعرف الغضب في وجهه، فجلس قليلا ثم قام، فلما مات هشام أرسل إلي فحملت إليه فرحب بي وقال: كيف كانت حالك، وألطف في المسألة وقال: أتذكر يا عبد الله بن ذكوان يوم الأحول وعنده الفاسق الزهري وهما يعيباني؟ قلت: أذكر ذاك ولم أعرض في شيء منه. قال: صدقت، أرأيت الغلام القائم على رأس هشام؟ قلت: نعم. قال: فإنه رفع إلي ما قالا، وايم الله لو بقي الفاسق الزهري لقتلته. قلت: قد عرفت الغضب في وجهك حين دخلت يومئذ، ثم قال: يا بن ذكوان ذهب الأحول بعمري. قلت:
يطيل الله عمرك يا أمير المؤمنين ويمتع الأمة ببقائك، ودعا بالعشاء فتعشى، وجاءت المغرب فصلينا وحدثنا حتى جاءت العشاء الآخرة فصلينا وجلس ثم قال: اسقني، فجاؤوا بإناء مغطى وجاء ثلاث جوار فصففن بيني وبينه حتى شرب ثم ذهبن فتحدثنا ثم استسقى فصنع الجواري الثلاث مثل ذلك، فلم يزل يتحدث ويستسقي على ذلك، حتى طلع الفجر، فأحصيت له سبعين قدحا.
أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، يكنى أبا عبد الرحمن، ومات بالمدينة سنة ثلاثين ومائة.
стр. 3590
قال: وأرسل الوليد إلى محمد الحداد وصارعه، فاحتمله محمد فوضعه على منكبيه، ثم أتى به السرير فوضعه عليه فلطمه الوليد وضحك.
المدائني عن أبي محمد القرشي قال: كان عمر الأزرقي مولى سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان صريعا للوليد فقال عمر: إني لجالس يوما على باب البيت الذي فيه الوليد وهو مضطجع ما عنده أحد، إذ قال: يا عمر، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك ما بقي منك؟ قلت: أغلب الأسد ولا تطيقني الرجال، فضحك وسكت، ثم وثب عن السرير فاحتملني على رأسه ثم ضرب بي الأرض فكاد يقتلني، ثم رجع إلى السرير واستلقى فضحك، قلت: يا أمير المؤمنين اغتررتني، أما لو أعلمتني لعلمت ما أصنع.
قالوا: وكان الوليد شديد البطش طويل أصابع اليدين والرجلين، توتد له سكة حديد وفيها خيط، ويشد الخيط في رجله، ويؤتى بالدابة فيثب عليها فينتزع السكة، ويركب وما يمسّ الدابة بيده.
هشام ابن الكلبي والمدائني قالا: خرج الوليد يتصيد ومعه حسين بن عبيد بن برهمة بن أذينة بن حارثة بنت جندلة بن عبيدة بن امرئ القيس بن عبد الله بن جناب الكلبي، فانفردا عن الناس حتى انقطعا عنهم، وتعالى النهار، وجاع الوليد فانتهى إلى قرية فرأى بها رجلا جالسا فقال له: أعندك شيء نأكله؟ قال: نعم، وجاء بخبز شعير وربيثاء (١) وزيت وكراث فأكل الوليد وحسين بن برهمة الكلبي وكان ماجنا خليعا فقال:
стр. 3591
إنّ من يطعم الرّبيثاء بالزيـ … ـت بهذا المكان والكراث
لخليق بلطمة أو بثنتيـ … ـن لسوء الصنيع أو بثلاث
فقال الوليد: ويحك إنما ينبغي أن تقول ببدرة أو بثنتين لحسن الصنيع أو بثلاث، وأقاما حتى لحقهما الناس، فأمر الوليد للرجل بثلاث بدر.
ولحسين يقول الشاعر:
زعم الزاعمون أن حسين بـ … ـن عبيد بن برهمة زنديق
ولعمري لئن هم زعموه … ما أشطّوا وإنّه لخليق
يشرب الخمر كل يوم ويزني … ويواري قمدّه (١) الصندوق
قالوا: وكان الوليد يطأ جواري أبيه اللاتي كان وطئهن، فقالت جارية منهن: والله لقد نالنا بما تعافه البهائم.
قال المدائني: كان للوليد مضحك يقال له زبالة، فكتب الوليد بين عينيه بخضرة «حر»، فكره الناس ذلك وتحدثوا به وعابوه.
ومن شعر الوليد:
قد كنت أحسب أنني جلد القوى … حتى رأيت كواعبا أترابا
يرفلن في وشي البرود عشية … مثل الظباء وقد ملئن شبابا (٢)
وأنشدت مغنية للوليد:
أطربتني للصبح يوم صبوحي … قينة في يمينها إبريق
стр. 3592
فقال: هو كذا فأتمي الأبيات. فقالت: لا أعرف منه غير هذا.
فقال: قد كان حماد الراوية أنشدنيه مرة، فكتب في إشخاص حماد على البريد فلما دخل عليه قال: قينة في يمينها إبريق. وأنشد:
ثم نادوا ألا اصبحونا فقامت … قينة في يمينها إبريق
قدّمته على عقار كعين الديـ … ـك صفى سلافها الراووق
مزّة قبل مزجها فإذا ما … مزجت لذّ طعمها من يذوق
وطفت فوقها طواف من اليا … قوت حمر يثيرها التصفيق
في أبيات فكساه وأجازه وأمر فأقفل من ساعته.
قالوا: وكان عبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك أخو الوليد يرمى بالتأنيث فتزوج ابنة محمد بن الوليد بن عبد الملك، فلم يصل إليها، ففرّق هشام بينهما فخلف عليها بعده محمد بن روح بن الوليد، فغضب الوليد بن يزيد، وكان آل الوليد بن عبد الملك أعداء آل مروان فأساء بهم، وتجنى على محمد بن روح فحبسه وحبس عدة منهم فيهم المؤمل بن العباس بن الوليد.
стр. 3593
مقتل الوليد بن يزيد
قالوا: وكان الناس يتحدثون في أيام يزيد بن عبد الملك أن الوليد شهيد بني مروان.
وحدثني هشام بن عمار قال: سمعت مشايخنا يحدثون أنه كان في نفس الوليد بن يزيد بن عبد الملك على سليمان بن هشام شيء وذلك أنه كان يساعد أباه على ذمه ويشير عليه بخلعه وقتله، فلما ولي دعا به فقال: ألست أعدى الناس لي؟، ألست القائل كذا، فأغلظ له سليمان، فضربه الوليد مائة سوط ضربا مبرحا وحلقه وألبسه الصوف وثقله بالحديد، فكلم فيه فأخرجه، فكان أشد الناس تأليبا عليه.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: كان سليمان عدوا للوليد، فكان يسعى في قتله لا يألو، وكان يزيد بن الوليد بن عبد الملك رجلا حسن العقل، يظهر عفافا وتورعا إلا أنه كان ينسب إلى قول غيلان بن مسلم الذي قتله هشام في القدر، وكان الوليد قد أقصاه وجميع
стр. 3594
إخوته وأهل بيته، واستخف بهم وحرمهم، وأغلظ لهم، وحبس بعضهم فرموا الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه وباللواط، وقالوا: قد اتخذ جوامع كتب على كل جامعة منها اسم رجل من بني أمية ليقتله.
قال المدائني عن رجاله: كان الوليد صاحب صيد وتهتك ولهو ولذات يتثقل فيها، فلما ولي الأمر جعل يكره المواضع التي يراه الناس فيها فلم يدخل مدينة من مدن الشام حتى قتل، وكان تحول فثقل على الناس وعلى جنده واشتد على بني هشام (١) حتى ضرب سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغرّبه إلى عمّان من أرض الشام.
وأخذ الوليد جارية لآل الوليد بن عبد الملك، فكلمه عمر بن الوليد فيها، فقال: لا أردها، فقال عمر: إذا تكثر الصواهل حول عسكرك.
وقال أبو الحسن المدائني: حبس الوليد يزيد بن هشام، وهو الأفقم، وفرّق بين روح بن الوليد وبين امرأته، وحبس عدة من ولد الوليد، وعذب بعضهم وعزم على البيعة لابنيه الحكم وعثمان وقال:
نأمل عثمان بعد الوليـ … ـد أو حكما ثم نرجو سعيدا
كما كان من كان من قبلنا … يزيد يرجّي لتلك الوليد (٢)
وشاور الوليد في ذلك فأشار عليه ابن بيهس بن صهيب الجرمي ألا يفعل وقال: انهما صغيران لم يحتلما، ولكن بايع لعتيق بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، فغضب عليه وحبسه حتى مات في الحبس.
стр. 3595
قال المدائني: ودعا الوليد خالد بن عبد الله القسري إلى البيعة لابنيه فأبى فقال له بعض أهله: دعاك أمير المؤمنين فخالفته؟ فقال: ويحكم كيف أبايع من لا أصلي خلفه ولا أقبل شهادته؟ قالوا: فتقبل شهادة الوليد مع مجونه وفسقه. قال: أمر الوليد أمر غاب عني فلا أتتبعه، وإنما هي أخبار الناس. فغضب الوليد على خالد وقال: كان الأحول أعرف به.
وأراد الوليد الحج، فنهاه خالد عن ذلك لأنه خاف أن يفتك الناس به لإنكارهم أمره، فقال له: لم كرهت حجي؟ فقال: لا تحتاج إلى أن أخبرك. فازداد غضبا وأمر بحبسه واستيدائه ما عليه من أموال العراق، ودفعه إلى يوسف بن عمر فعذبه حتى قتله، وكان من أمره ما قد ذكرناه.
المدائني عن عمر بن سعيد الثقفي قال: أوفدني يوسف بن عمر على الوليد، فلما قدمت عليه قال: كيف الفاسق - يعني الوليد - ثم قال: إياك وأن يسمع هذا منك أحد. فقلت: امرأتي طالق إن سمعه مني أحد ما دمت حيا، فضحك.
قالوا: فلما فعل الوليد ما فعل من قتل خالد بن عبد الله، وابراهيم ومحمد ابني هشام بن اسماعيل حين قال: آخذهما بحق الله عليهما وحقوق الناس، وتجنيّ عليهما، وما فعل ببني هشام وبني الوليد، وحبسه المؤمّل بن العباس بن الوليد، وبني القعقاع، وآل القعقاع واضطغنت عليه اليمانية لفعله بخالد بن عبد الله، ورمي بالزندقة، وكان أشدهم فيه قولا يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان الناس مائلين إلى قوله لستره وإظهاره النسك، وجعل يقول: ما يسعنا الرضا بالوليد. حتى حمل الناس على الفتك به.
стр. 3596
المدائني أن يزيد بن مصاد الكلبي قال: أخبرني عمرو بن شراحيل قال: سيّرنا هشام إلى دهلك، فلم نزل بها الى أن مات هشام وقام الوليد فكلم فأبى ردّنا، ثم قال: والله ما عمل هشام عملا أرجى أن تناله به المغفرة من تسييره هؤلاء، وقتله القدرية - يعني غيلان وصاحبه - وقد كانت جماعة من اليمانية اجتمعت إلى خالد بن عبد الله القسري من أهل دمشق قبل حبسه، منهم: شبيب بن أبي مالك الغساني، ومنصور بن جمهور الكلبي، وحميد بن نصر اللخمي، والأصبغ بن ذؤالة، وابن زياد بن علاثة، فدعوه الى أمرهم فأبى ذلك، فسألوه أن يكتم عليهم ففعل، فلما حبس قال بعض الكلبيين شعرا على لسان الوليد:
وهذا خالد أمسى أسيرا … ألا منعوه إن كانوا رجالا
فلو كانت قبائل ذات عزّ … لما ذهبت صنائعة ضلالا
ولا تركوه مسلوبا أسيرا … يعالج من سلاسلنا الثقالا
بها سمنا البريّة كل خسف … وهدّمنا السهولة والجبالا
فلا زالوا لنا أبدا عبيدا … نسومهم المذلة والنكالا
فازداد الناس على الوليد حنقا، وقال حمزة بن بيض الحنفي
يا وليد الخنا تركت الطريقا … واضحا وارتكبت فجّا عميقا
وتماديت واعتديت واسرفت … وأغويت وانبعثت فسوقا
أبدا هات ثم هات وهـ … ـات حتى تخرّ صعيقا
أنت سكران لا تفيق فما ترتق … فتقا وقد فتقت فتوقا
جاثليق أسقف كفر وفسق … ثمّ فقت الأسقف والجاثليقا
стр. 3597
قالوا: وأتت اليمانية يزيد بن الوليد فأرادوه على أن يبايعوه، فقال عمر بن يزيد الحكمي ليزيد: إن العباس بن الوليد أخاك سيد أهل بيتك، فإن بايعك لم يخالفك الناس، وإن أبى فالناس له أطوع، وإن أبيت مشاورته فأظهر بيعته لك.
وكانت أرض الشام في تلك الأيام وبيئة فخرج الناس الى البوادي، وكان الوليد بن يزيد متبديا، وكان العباس بن الوليد بالقسطل (١) فأتى يزيد أخاه فأخبره الخبر وشاوره وعاب الوليد فقال له العباس: مهلا يا يزيد فإن في نقض عهد الله فساد الدين والدنيا. فرجع يزيد الى منزله ودبّ في الناس فبايعوه سرا.
ودس يزيد بن عنبسة السكسكي رجلا من كلب وقوما من ثقاته من وجوه الناس وأشرافهم يدعو الناس سرا، ثم عاود يزيد أخاه العباس، ومعه قطن مولاهم فشاوره وأعلمه أن قوما يأتونه يريدونه على البيعة، فزبره العباس وقال: إن عدت لمثلها لأشدّنك وثاقا ولأحملنّك الى أمير المؤمنين.
فخرج يزيد وقطن، وبعث العباس الى قطن فقال له: ويحك أترى يزيد جادّا، قال: جعلت فداءك ما أظن ذلك ولكنه قد دخله مما صنع الوليد بن يزيد ببني الوليد بن عبد الملك وبني هشام، وما يسمع من الناس من ذكر استخفاف الوليد وتهاونه بالأمور ما ضاق به ذرعا. قال: أما والله
стр. 3598
إني لأظنه أشأم سخلة في بني مروان، ولولا ما أخاف من عجلة الوليد مع تحامله علينا لشددته وثاقا وحملته إليه. فازجره عن أمره فإنه يسمع منك.
وسأل يزيد بن الوليد قطنا عما جرى بينه وبين العباس فأخبره به فقال: والله لا أكف، ثم لا أكف. وأتى معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان الوليد فقال له: انك تبسط لساني بالأنس بك وأنا أكفّه بالهيبة لك وأنا أسمع من خوض الناس ما لا تسمع، وأخاف عليك ما لا أراك تأمن، أفأتكلّم ناصحا أم أسكت مطيعا؟ قال: كل مقبول منك، ولله فينا علم غيب نحن إليه صائرون، ولو علم بنو مروان أنهم إنما يوفدون على رضف (١) يلقونه في أجوافهم ما فعلوا ما يفعلون. ونعود فأسمع منك.
وبلغ مروان بن محمد وهو بأرمينية أن يزيد يؤلب الناس على الوليد بن يزيد ويدعو الى خلعه، فكتب الى سعيد بن عبد الملك بن مروان وكان متألها: «إن الله جعل لأهل كل بيت أركانا يعتمدون عليها، ويتوقّون المخاوف بها، وأنت بحمد الله ركن من أركان أهل بيتك، وقد بلغني أن قوما من سفهاء أهل بيتك قد أسسوا أمرا إن تمّت لهم رؤيتهم فيه على ما أجمعوا عليه استفتحوا بابا لن يغلق عنهم حتى تسفك دماء كثيرة منهم، ولولا انشغالي بهذا الفرج العظيم أمره، الشديد شوكة أهله لرمت فساد أمرهم بيدي ولساني، وأنت أقرب إليهم مني فاحتل لعلم أمرهم بإظهار المتابعة لهم، ثم تهددهم بإظهار أسرارهم، وخذهم بلسانك، وخوّفهم العواقب لعل الله يردّ إليهم ما عزب عنهم من دينهم وعقولهم، فإن فيما
стр. 3599
شرعوا فيه تغيير النعم وذهاب الدولة، فعاجل الأمر رحمك الله وحبل الأمة مشتد، وفي الناس سكون والثغور محفوظة، فإن للجماعة دولة من الفرقة، وللسعة دافعا من الفقر».
وذكر كلاما بعد ذلك، فبعث سعيد بكتاب مروان إلى العباس، فدعا العباس يزيد فعذله وتهدده، فحذره يزيد وقال: يا أخي لم أفعل وهذا من إرجاف أهل الحسد لنا والسرور بزوال نعمتنا، وحلف له على ترك المعارضة فأمسك عنه.
وخرج يزيد بن الوليد يوما على حمار وهو بناحية القريتين فرمى ذئبا فقتله، فقال له مولى له متفائلا: قتلت والله الوليد إن شاء الله.
وأتى بشر بن الوليد أخاه العباس بن الوليد فكلمه في خلع الوليد وبيعة يزيد، فنهاه العباس، وقال: يا بني مروان إني أظن الله قد أذن في هلاككم، وقال:
إني أعيذكم بالله من فتن … مثل الجبال تسامى ثم تندفع
أرى البرية قد ملّت سياستكم … فأمسكوا بعمود الدين وارتدعوا
لا تبقرنّ بأيديكم بطونكم … فثمّ لا حسرة تغني ولا جزع
قالوا: فلما اجتمع ليزيد بن الوليد أمره وهو متبدّ، أقبل إلى دمشق ليلا، وقد بايع ليزيد أكثر أهلها سرا، وبايع له أهل المزة وأكثرهم يقولون بقول غيلان أبي مروان الذي قتله هشام.
ولم يبايع له ابن مصاد وهو سيد أهل المزة، فمضى يزيد من ليلته إلى معاوية ماشيا في نفر من أصحابه وقد أصابهم مطر شديد فضربوا الباب وقالوا: يزيد بالباب، ففتح لهم فدخلوا فقال ليزيد: الفراش أصلحك
стр. 3600
الله، قال: إن في رجليّ طينا وأكره أن أفسد بساطك وفراشك. قال:
الذي تريدني عليه أضرّ عليّ من فساد بساطي وفراشي، وكلمه يزيد فبايعه، ويقال إن هشام بن مصاد بايعه أيضا.
ورجع يزيد إلى دمشق على حمار، فنزل دار ثابت بن سليمان بن سعد الخشني، وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فخاف الوباء، فخرج عن دمشق واستخلف عليها ابنه، وجعل على شرطته أبا العاج كثير بن عبد الله السلمي، فقيل له إن يزيد خارج عليكم فلم يصدق، وعزم يزيد على الخروج والظهور فأرسل إلى أصحابه بين المغرب والعشاء الآخرة من ليلة جمعة في سنة سبع وعشرين ومائة فمكثوا عند باب الفراديس بدمشق، ثم دخلوا المسجد فصلوا وفي المسجد حرس وقد وكلوا فيه بإخراج الناس منه بالليل، فلما قضى الناس الصلاة صاح بهم الحرس فخرجوا وتباطأ أصحاب يزيد فجعلوا يخرجونهم من باب ويدخلون في آخر حتى لم يبق في المسجد غيرهم وغير الحرس، ثم أخذوا الحرس، ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فأخذه بيده وقال: قم يا أمير المؤمنين راشدا مهديا، وابشر بعون الله ونصره، فقام وقال: اللهم إن كان هذا رضى فأعنّي عليه وسدّدني له، وإن لم يكن رضى فاصرفه عني بموت عاجل.
وأقبل في اثني عشر رجلا، فلما كان عند سوق الحمر أتاه أربعون رجلا من أصحابه فانضموا إليه، ثم لما كان عند سوق القمح لقيهم زهاء مائتي رجل فصاروا معهم، ثم مضى إلى المسجد وهو في مائتين ونيف وستين رجلا فدخله، وأتى أصحابه باب القصر فدقّوه وقالوا: رسل أمير المؤمنين الوليد
стр. 3601
ففتح لهم فهجموا في القصر وأخذوا أبا العاج كثير بن عبد الله السلمي وهو سكران، وأخذوا خزّان بيت المال وصاحب البريد.
وأرسل يزيد بن الوليد من ليلته إلى عامل بعلبك وهو مولى لسعيد بن العاص فأخذ، وأرسل إلى عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فأخذ، وأمر يزيد ألا تفتح أبواب المدينة إلا لمن نادى بشعاره، وأصاب أصحابه سلاحا كثيرا، وجاء أهل المزة، ولم ينتصف النهار حتى تتابع الناس إلى يزيد، وتمثّل يزيد:
إذا استنزلوا عنهنّ بالطعن أرقلوا … إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
المدائني عن عمر بن مروان الكلبي عن زرّ بن ماجد قال: غدونا مع عبد الرحمن بن مصاد ونحن زهاء ألف وخمسمائة فلما انتهينا إلى باب الجابية وجدناه مغلقا ووجدنا عليه رسولا للوليد فقال: ما هذه الجماعة والأهبة، أما والله لأعلمنّ أمير المؤمنين - يعني الوليد - فقتله رجل من أهل المزة، فدخلنا من باب الجابية حتى وافينا المسجد الجامع، ودخلنا على يزيد فسلمنا عليه بالخلافة.
وكانت السكاسك في نحو ثلاثمائة فدخلوا من الباب الشرقي حتى دخلوا المسجد من باب جيرون، وأقبل يعقوب بن عمير بن هانئ في أهل داريا فدخلوا من الباب الصغير، وأقبل حميد بن حبيب اللخمي في أهل دير مرّان والأرزة فدخلوا من باب الفراديس، وأقبل ربعي وهشام الحارثي في جماعة من قومه ومن بني عذرة وسلامان فدخلوا من باب توما، وتوافت جموعهم وتتامّت فقال الشاعر:
стр. 3602
وجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا … سكاسكها أهل البيوت الصنادد
وكلب فجاءتهم بخيل وعدّة … من البيض والأبدان ثم السّواعد
فأكرم بها قوما وأنصار سنّة … فهم منعوا حوماتها كلّ جاحد
فما أصبحوا إلا وهم أهل ملكها … قد استوثقوا من كل عات ومارد
قالوا: وأرسل يزيد بن الوليد إلى عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان وأمره أن يقف بباب الجابية، وقال لبني الوليد بن عبد الملك: تفرقوا في الناس وحضّوهم، وقال: من كان له عطاء فليأت لقبض عطائه، ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة.
وحدثني هشام بن عمار عن صدقة بن خالد قال: دعا يزيد إلى نفسه، فبايعه أهل المزة وأكثرهم غيلانية وقدرية، وبايعه أهل دمشق وجميع من أنكر سيرة الوليد وشغله بلهوه ولعبه وبالشرب، ففتح يزيد بيت المال وأعطى الناس، وجاءت أموال من الكور ففرقها ووجّه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان في كثف من الناس إلى الوليد وهو بالبخراء (١) وكان نزلها للعلاج، وشرب اللبن لوجع وجده في كبده لإدمانه الشراب.
وقال أبو الحسن المدائني: أمر يزيد رجلا فنادى: من ينتدب للفاسق الوليد وله ألف درهم؟ فاجتمع أقل من ألف على أن يأخذوا ألفا ألفا، ثم أمر فنودي: من ينتدب وله ألف وخمسمائة؟ فانتدب يومئذ ألف وخمسمائة،
стр. 3603
ويقال إنه ندبهم إلى ألفين ألفين، فأتاه ألفان فعقد لمنصور بن جمهور على طائفة، وليعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبي على طائفة، وعقد لحميد بن حبيب اللخمي على طائفة، وعقد لغيرهم على جماعة وجعل عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فخرج عبد العزيز فعسكر بالمزة.
قالوا: ودعا الوليد بن يزيد السفياني وهو أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية فأجازه ووجّهه إلى دمشق، فلما انتهى أبو محمد إلى قرب دمشق وجه إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد فسالمه أبو محمد وبايع ليزيد بن الوليد، وأتى الخبر الوليد وهو بالأزرق فقال:
يا ويح جندي الألى خاروا وما نظروا … في غبّ أمر عمود الدين لو وقعا
ألقحتها ثم شالت عاقدا أنفا … ما نتّجوها فيلقوا تحتها ربعا (١)
ولا ارتقوا من صميم المحض آونة … لكنهم يحتسون الصاب والعلقا
ما كنت أجزعهم من عرك كلكلها … حتى تدرّ نجيعا أحمرا دفقا
من كل ليث شتيم الوجه ذي زير … ضرغامة تحذر الآساد ما صنعا
غضنفر أهرت (٢) … الشّدقين قسورة
كأنه ظالع نقبا وما ظلعا
يلقاك في الليلة الظلماء منفردا … كأن في رأسه نجمين قد طلعا (٣)
стр. 3604
وقال الوليد أيضا:
ضمنت لكم إن سلّم الله مهجتي … عطاء ورزقا كاملا في المحرّم
فلا تعجلوني لا أبا لأبيكم … فإني لكم كالوالد المترحّم (١)
قالوا: وقال بيهس بن زميل الكلابي: يا أمير المؤمنين، سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة، ثم وجّه الخيل إلى يزيد فيقتل أو يؤسر، ويقال بل قال له ذلك يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية، فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدفع عسكره وخزائنه وحرمه قبل أن يقاتل ويعذر، والله مؤيد أمير المؤمنين وناصره. فأخذ بقول عنبسة، فقال له الأبرش سعيد بن الوليد الكلبي: يا أمير المؤمنين تدمر حصينة وبها قوم يمنعوك. فقال: ما أرى أن آتي تدمر وأهلها بنو عامر وهم الذين خرجوا عليّ، واسمها أيضا اسمها. قال: فهذه البخراء. قال: ويحك ما أقبح أسماء هذه الأماكن. فنزل البخراء في قصر النعمان بن بشير وهو حصن كان للأعاجم، وقال:
إذا لم يكن خير مع الشر لم تجد … نصيحا ولا ذا حاجة حيث تفزع
إذا ما هم همّوا بأحدى هناتهم … حسرت لهم رأسي فلا أتقنّع (٢)
قال أبو الحسن: وكان بيهس بن زميل أشار عليه حين كره حمص بالبخراء فقال: أخاف بها الطاعون. فقال: الذي يراد بك أشد من الطاعون.
стр. 3605
وندب يزيد بن الوليد الناس إلى البخراء فتلقاهم ثقل الوليد فأخذوه، ونزلوا بالقرب من الوليد، وأتى الوليد بن يزيد رسول العباس بن الوليد بن عبد الملك: إنني آتيك فيمن أجابني إلى نصرتك والاعتصام ببيعتك، فخرج في ناس من ولده ومواليه وخاصته، وأمر الوليد بسرير فأخرج فجلس عليه في وسط عسكره وقال: أعليّ يتوثب الرجال وأنا أثب على الأسد وأتخصّر بالأفاعي، وجعل ينتظر العباس بن الوليد بن عبد الملك. فقاتلهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وعلى ميمنته عمرو بن حوي السكسكي، وعلى القلب منصور بن جمهور بن حصن بن عمرو بن خالد بن حارثة بن المتطرس أحد بني العبيد بن عامر الكلبي، وعلى الميسرة عمارة بن كلثوم الأزدي أو غيره، وركب عبد العزيز بغلا له أدهم وبعث إلى الوليد وأصحابه زياد بن حصين ليدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فقتله مولى الوليد، فانكشف أصحاب يزيد فترجّل عبد العزيز وكرّ أصحابه وقد قتل منهم عدة، وحملت رؤوسهم إلى الوليد، وأمر الوليد فأخرج لواء مروان بن الحكم الذي عقدة بالجابية لمحاربة الضحاك بن قيس فجعل بباب حصن البخراء وقتل من أصحاب الوليد عدة.
وبلغ عبد العزيز مسير العباس بن الوليد في خاصته وولده ومواليه ليكون مع الوليد، فأرسل منصور بن جمهور في خيل وقال: إنك تلقى العباس بن الوليد في الشعب ومعه جميعة فخذهم، فنفذهم منصور في الخيل، فلما صار بالشّعب إذا هو بالعباس في ثلاثين فارسا فقال له: اعدل إلى عبد العزيز بن الحجاج، فأبى فقال له منصور بن جمهور: يا بن قسطنطين لئن أبيت لأضربنّ الذي فيه عيناك، فعدل معه إلى عسكر عبد العزيز وقال:
стр. 3606
بايع لأخيك يزيد بن الوليد فبايع، ووقف، ونصبوا راية وقالوا: هذه راية العباس وقد بايع لأخيه يزيد أمير المؤمنين، فقال العباس: إنا لله خدعة من خدع الشيطان، هلك بنو مروان، وكان عندهم كالأسير.
قالوا: وتفرق الناس عن الوليد بن يزيد وأتوا عبد العزيز والعباس، فظاهر الوليد بين درعين، وأتوا بفرسين يقال لهما السندي والزائد فقاتلهم، فناداهم رجل: اقتلوا عدو الله قتلة قوم لوط ارموه بالحجارة، فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق الباب. فقال: أما فيكم رجل شريف ذو حسب أكمله، فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي: تكلم. فقال: ومن أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة. قال: يا أخا السكاسك ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخذكم زمناكم؟ فقال له: ما ننقم عليك في أنفسنا ولكنا ننقم عليك انتهاك ما حرّم الله من شرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله، وإتيانك الذكور، قال: حسبك يا أخا السكاسك فلعمري لقد أغرقت وأكبرت، وإن في ما أحل الله لمندوحة عما ذكرت، والله لا يرتق فتقكم ولا يلمّ شعثكم ولا تجتمع كلمتكم، ورجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفا وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأه، فعلوا الحائط، وكان أول من علاه يزيد بن عنبسة، فنزل وسيف الوليد إلى جانبه فقال له يزيد: نحّ سيفك، فقال الوليد: لو أردت السيف كانت لي ولك حال. فأخذ بيد الوليد وهو يريد أن يحبسه ويؤامر يزيد بن الوليد فيه، فنزل من الحائط عشرة فضربه واحد على وجهه وضربه آخر على رأسه، وجرّه خمسة منهم ليخرجوه فصاحت امرأة كانت معهم في الدار فكفوا عنه فلم يخرجوه.
стр. 3607
واحتزّ أبو علاقة القضاعي رأسه وأخذ عقبا فخاط الضربة التي في وجهه وحمل الرأس إلى يزيد بن الوليد روح بن مقبل، وقال: ابشر يا أمير المؤمنين بقتل الوليد الفاسق، وكان يزيد يتغدى فسجد ومن كان معه، وأخذ يزيد بن عنبسة بيد يزيد بن الوليد وقال: قم يا أمير المؤمنين وابشر بنصر الله وصنعه، فاختلج يزيد يده من كفه وقال: اللهم إن كان هذا الأمر لك رضى فسددني ووفقني.
قالوا: وكان على ميسرة الوليد بن يزيد الوليد بن خالد أخي الأبرش الكلبي في بني عامر، وكانت بنو عامر ميمنة عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فلم تقاتل الميسرة والميمنة، ومالوا جميعا إلى عبد العزيز، وقال بعضهم: رأيت خدم الوليد وحشمه يأخذون بأيدي الرجال فيدخلونهم عليه.
وقال الهيثم بن عدي: خرج الوليد وعليه قباء خز وقد تحزم بريطة، فأتاه قوم من أهل حمص ينصرونه، عليهم عبد الرحمن بن أبي الجنوب البهراني، وأتاه بنو سليم بن كيسان صاحب باب كيسان بدمشق في ستة عشر فارسا، وتلقاه بنو النعمان بن بشير الأنصاري في فوارس، ثم صار إلى الخبراء فضاق العلف على أصحابه، فاشترى زرع القرية فقالوا له:
لا حاجة لنا في البقل إنما تسترخي عليه دوابنا وتضعف، أعطنا دراهم.
وأخبر بإقبال عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك من قبل يزيد الناقص، فلم يكترث لذلك، وكان العباس بن الوليد قد أقبل يريد الوليد كراهة لنقض بيعته فوجه إليه عبد العزيز فحازه إليه.
стр. 3608
وسمع الوليد تكبير أصحاب عبد العزيز بالبخراء فخرج خالد بن عثمان فعبأ الناس، ولم يكن بينهم قتال حتى طلعت الشمس.
وكان مع أصحاب الناقص كتاب معلق في رمح فيه: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن يكون الأمر شورى، فاقتتلوا فقتل عثمان الخشبي وكان من أولاد بعض الخشبية الذين كانوا مع المختار بن أبي عبيد الثقفي، وقتل من أصحاب الوليد زهاء ستين رجلا. وكان الأبرش على فرس له فجعل يصيح بابن أخيه: يا بن اللخناء قدم رايتك، قال: لا أجد متقدّما، إنّها بنو عامر.
وقال هشام بن عمار: حدثت أن العباس بن الوليد قاتل مع الوليد بن يزيد وفاء ببيعته، فطعنه رجل من أصحاب عبد العزيز فأرداه عن فرسه، فعدل إلى عبد العزيز فسقط في يد أصحاب الوليد وانكسروا، ومكث العباس عند عبد العزيز أسيرا، ثم إن أخاه يزيد بن الوليد صفح عنه وكان به برّا.
قالوا: وكان الوليد بن يزيد أرسل إلى عبد العزيز بن الحجاج يعرض عليه أن يعطيه خمسين ألف دينار ويجعل له ولاية حمص طعمة ما بقي، ويؤمنه على كل أمر كان منه على أن ينصرف ويكفّ عنه، فلم يجبه إلى ذلك، وجعل أصحاب الوليد يستعجلون ويشترطون عليه الشروط فيجيبهم إلى ذلك فانتقض عسكر الوليد وانهزم أصحابه، ودخل الوليد القصر، وجاء رجل طوال كان على فرس له فدنا من حائط القصر ثم تسلقه، وكان الوليد قد ألقى سلاحه وأخذ مصحفا يقرأ فيه، ويقول: يوم كيوم أمير المؤمنين عثمان، فوجده الرجل وعليه قميص قصب وسراويل وشيء، ومعه
стр. 3609
سيف في غمده وإذا الناس يشتمونه وهو يسمع، فقام الوليد فضربه الرجل على رأسه، ودخل عبد العزيز والناس حين تسلق الرجل فتعاوروه بأسيافهم، وأكبّ الرجل الطويل فاحتزّ رأسه. وكان يزيد قد جعل على رأسه مائة ألف درهم.
وجاء أبو الأسود مولى خالد بن عبد الله القسري، فسلخ من جلدة رأس الوليد قدر الكف فأتى بها يزيد بن خالد بن عبد الله، وكان محبوسا في عسكر الوليد، حبسه حين دفع أباه إلى يوسف بن عمر، وانتهب الناس خزائن الوليد وما في عسكره.
وقال المدائني عن عمر بن مروان الكلبي: لما قتل الوليد قطعت كفه اليسرى وفيها خاتمة، وبعث بها إلى يزيد بن الوليد فسبقت رأسه إليه بليلة، وقدم برأسه من الغد فنصبه للناس بعد الصلاة.
وكان أهل دمشق قد أرجفوا بعبد العزيز فلما نصب لهم رأس الوليد سكتوا.
قالوا: ولما أمر يزيد الناقص بنصب رأس الوليد قال له يزيد بن فروة مولى بني مروان: إنما ينصب رأس خارجي وهذا ابن عمك وخليفة من الخلفاء ولا آمن إن نصبته أن ترقّ له قلوب الناس ويغضب له أهل بيتك وتدركهم الحميّة. فقال: والله لا نصبه غيرك. فنصبه على رمح ثم قال:
انطلق فطف به في مدينة دمشق وأدخله دار أبيه، ففعل فصاح النساء وأهل الدار، ثم ردّ إلى يزيد فقال: انطلق به إلى منزلك. فمكث عنده قريبا من شهر ثم قال: ادفعه إلى أخيه سليمان بن يزيد، وكان سليمان ممن سعى على الوليد أخيه، فغسل ابن فروة الرأس ووضعه في سفط وأتى به سليمان فقال
стр. 3610
أخوه: أشهد أنه كان شروبا للحرام، ما جنا فسقا، ولقد أرادني على نفسي فأبيت، فخرج ابن فروة من الدار وتلقته مولاة الوليد فقال لها: ويحك، زعم أنه أراده على نفسه، فقالت: كذب والله لو أراده على نفسه لفعل، وما كان يقدر على الامتناع منه.
وقال هشام ابن الكلبي: خرج الوليد إلى البخراء لشرب الدواء والعلاج، وكان عليل الجوف من الصبوح والغبوق، وكان صاحب شرطه خالد بن عثمان بن بحدل الكلبي، وخليفته على الشرطة يزيد بن يعلى بن الضخم بن قرة العبسي، فلما أظهر يزيد بن الوليد أمره وبايعه أهل المزة والغيلانية وأهل دمشق والناس وفتح بيت المال فأعطى الناس، وجّه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان في كثف من الناس نهضوا احتسابا وحنقا، حتى نزلوا بالوليد فقاتلوا أصحابه حتى قتل، وكان الذي قتله مولى لهم يقال له وجه الفلس وكان طوالا صغير الوجه.
المدائني عن عمرو بن مروان قال: حدثني يزيد بن مصاد عن عبد الرحمن بن مصاد قال: بعثني يزيد بن الوليد إلى أبي محمد السفياني، وكان الوليد وجهه حين بلغه خبر يزيد بن الوليد واليا على دمشق، فلقيته فسالمني، وبايع ليزيد فلم أفارقه حتى رفع لنا شخص مقبل من ناحية المزة، فبعثت إليه فأتيت به فإذا هو أبو كامل الغزيّل المغنّي وإذا هو على بغلة للوليد فأخبرنا أن الوليد قد قتل، فأتيت يزيد فوجدت الخبر قد بلغه.
وكان يزيد بن مروان بن محمد يغزو الصائفة مع الغمر بن يزيد، فلما قتل الوليد غلب على الجزيرة حتى قدم مروان بن محمد أرمينية.
وقال بشر بن هلباء الكلبي يوم قتل الوليد، وقد ضرب باب البخراء