عائشة رضي الله تعالى عنها من أموال بني النضير وكان رسول الله ﷺ اعطاه ذلك المال فأصلحه وغرس فيه وديّا (١).
حدثنا شبابة بن سوار، ثنا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن أن عائشة رأت كأن أقمارا ثلاثة سقطت في حجرها. قمرا بعد قمر فلما قبض رسول الله ﷺ قال لها أبو بكر: هذا أحد أقمارك، ثم دفن أبو بكر ثم عمر، وفي هذا الباب أحاديث قد ذكرتها مع وفاة النبي ﷺ .
حدثنا عفان، ثنا وهيب بن خالد، ثنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: لما توفي رسول الله ﷺ قامت خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول: يا معاشر المهاجرين، رسول الله ص كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان واحد منكم والآخر منا، قال: فلما تتابعت خطباء الأنصار على ذلك، قام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين وكان إمامنا وإمام المسلمين، وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكر فقال: جزاكم الله من حيّ خيرا يا معشر الأنصار، وثبّت قائلكم، ثم قال: أما والله لو فعلتم غير ذلك ما صالحناكم عليه.
حدثنا علي بن عبد الله المديني، ثنا سفيان بن عينية، أنبأ الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة جلس فتشهد ثم قال: أما بعد يا بنيّة فإنك أحب الناس إليّ غنى، وأعز الناس علي فقرا، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي، فوددت والله أنك حزته وقبضته، وإنما
стр. 3957
هو أخواك، واختاك. قلت: هذان أخواي فمن أختاي؟ فقال: إني أظن ذا بطن بنت خارجة جارية.
حدثنا شيبان بن أبي شيبة الأبلي، ثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي عن هشام بن عروة عن أبيه بنحوه.
حدثنا ابراهيم بن مسلم الخوارزمي، ثنا وكيع عن اسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهيّ مولى الزبير عن عائشة قالت: لما احتضر أبو بكر قلت كلمة من قول حاتم:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
(١) فقال: يا بنية، هلا قلت: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (٢) وكذا كان يقرأها، انظروا هاتين فإذا مت فاغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
حدثني أبو بكر الأعين، ثنا روح بن عبادة، ثنا هشام بن حسان عن بكر بن عبد الله قال: بلغني أن أبا بكر لما مرض وثقل قعدت عائشة عند رأسه فقالت:
كل ذي إبل مورّثها … وكل ذي سلب مسلوب
(٣) فقال: ليس كما قلت يا عائشة ولكن كما قال الله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.
حدثنا عفان، أنبأ حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن القاسم بن محمد
стр. 3958
أن عائشة تمثلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ربيع اليتامى عصمة للأرامل
(١) فقال أبو بكر: ذاك رسول الله ﷺ .
حدثنا عبد الله بن صالح العجلي، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ ثابت عن سمية أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت وأبوها مريض شديد المرض:
ومن لا يزال الدمع منه مغيّضا … فلا بدّ يوما أن يرى وهو دافق
فقال أبو بكر: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.
حدثنا عبد الله بن صالح عن حماد بن سلمة عن ثابت قال: كان أبو بكر يتمثل، ولم يقل في مرضه ولا غيره:
ما أن يزال المرء ينعى ميتا حتى يكونه … ولقد يرجّي ما يحبّ بلوغه فيموت دونه
حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا شعيب بن حرب، ثنا مالك بن مغول عن أبي السفر قال: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قيل:
يا خليفة رسول الله ويا أبا بكر لو بعثت إلى الطبيب فنظر إليك، قال: قد نظر إلي الطبيب فقال لي إني أفعل ما أريد، يعني الله ﵎.
حدثنا عمرو الناقد عن روح بن عبادة، أنبا هشام بن أبي عبد الله عن قتادة قال: بلغني أن أبا بكر حين حضره الموت: وددت أني خضرة تأكلني الدواب، وقال بعضهم: كان آخر ما تكلم به أبو بكر رضي الله تعالى عنه:
стр. 3959
﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (١).
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جعدبة عن الزهري عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن عثمان قال: لما توفي رسول الله ﷺ كدت أوسوس جزعا فمر بي عمر يوما فسلم فسهوت عن أن أرد السلام، فقال أبو بكر: سلم عليك عمر فلم ترد عليه¬ السلام، فقلت: كنت مفكرا في تركي مسألة رسول الله ﷺ عن الأمر الذي فيه نجاة الأمة، فقال أبو بكر: قد سألته فقال: «نجاة الأمة في الكلمة التي عرضتها على عمي فردها وهي لا إله إلاّ الله».
حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا الليث، أنبأ عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر والحارث بن كلدة أكلا خزيرة (٢) أهديت إلى أبي بكر فقال الحارث لأبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول الله فوالله إن فيها لسما وأنا وأنت نموت في يوم واحد عند انقضاء السنة.
حدثني محمد بن سعد عن محمد بن حميد بن يعمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال أبو بكر: لأن أوصي بالخمس أحبّ إليّ من أن أوصي بالربع.
ولأن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يدع شيئا (٣).
وقال الواقدي في إسناده: دعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال:
أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به
стр. 3960
مني، ثم قال: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان فسأله عن عمر فقال: اللهم إن علمي به أن سريرته خير من علانيته وإنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: ولو تركته ما عدوتك، وشاور معهما سعيد بن زيد بن عمرو وأسيد بن حضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار، وقال أسيد: لن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وقال رجل: ما أنت قائل لربّك إن سألك عن استخلافك عمر وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أبالله تخوفني؟ خاب من تزود من أمركم ظلما، أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك ابلغ عني هذا القول من وراءك،
ثم اضطجع ودعا عثمان فقال:» اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن المرتاب الفاجر، ويصدق الشاك المكذّب.
إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا، فإن عدل فذاك ظني به، وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا يعلم الغيب إلا الله ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (١) والسلام عليكم ورحمة الله».
ثم أمر بالكتاب فختم.
قال الواقدي، وقال بعضهم: لما أملّ صدر الكتاب غمر وذهب به قبل أن يسمي أحدا، فكتب عثمان: إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن
стр. 3961
الخطاب، ثم أفاق فقال: اقرأ ما كتبت به فقرأ عليه ذكر عمر، فكبّر أبو بكر وقال: أراك خفت إن انثلت نفسي في غشيتي فيختلف الناس، فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيرا، إن كنت لها أهلا، ثم أمره فخرج بالكتاب مختوما ومعه عمر بن الخطاب وابن سعية القرظي، فقال عثمان: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم. فقال علي: قد علمناه، هو عمر بن الخطاب، فأقروا بذلك جميعا ورضوا به وبايعوا، ثم دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه، ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مدّا فقال: اللهم إني لم أرد إلاّ صلاحهم، وخفت الفتنة عليهم فعملت فيهم بما أنت أعلم به وما رجوت أن يكون لك رضى، وقد اجتهدت رأيي بهم فولّيت عليهم خيرهم لهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما يرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم، فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم ولاتهم، واجعل عمر من خلفائك الراشدين يتبع هدى نبيّه، نبيّ الرحمة، واصلح له أموره ورعيته (١).
حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا شعيب بن حرب، أنبأ فطر بن خليفة، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط قال: لما احتضر أبو بكر ذكر أنه يستخلف عمر، فأتاه ناس من الناس فقالوا: يا أبا بكر ما تقول لربك إن استخلفت ابن الخطاب وقد عرفت فظاظته وغلظته وشدته؟ فقال:
اجلسوني، أبالله تخوفونني. أقول استخلفت. عليهم خير أهلك.
حدثني شجاع بن الوليد الفلاس، ثنا أبو معاوية الضرير، أنبأ هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما ثقل أبو بكر في مرضه قال:
стр. 3962
أي يوم هذا؟ قلنا: يوم الإثنين. فقال: إني لأرجو أن أقبض ما بيني وبين الليل، فإنه اليوم الذي قبض فيه رسول الله ﷺ وكان عليه ثوب فيه ردع (١) مشق. فقال إذا أنا متّ فاغسلوا ثوبي هذا، وضموا إليه ثوبين جديدين وكفنوني في ثلاثة أثواب بيض، فقلنا: ألا نجعلها جددا كلها؟ قال: لا، الحي أحق بالجديد من الميت. قالت: فمات ليلة الثلاثاء.
حدثني عمرو الناقد، حدثني عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال لها:
في أي يوم مات النبي ﷺ ؟ قالت: في يوم الإثنين. فقال: ما شاء الله.
إني لأرجو ذلك فيما بيني وبين الليل. قال: ففيم كفنتموه؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة، قال:
وقالت: قال أبو بكر: انظري ثوبي هذا فإن فيه ردع زعفران، أو مشق، فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين. فقالت: هو خلق. فقال: الحيّ أحق بالجديد.
قال عروة: وكان عبد الله بن أبي بكر خلف حلة حبرة كان النبي ﷺ أدرج فيها، ثم استخرجوه وكفنوه في ثلاث أثواب بيض، فأخذ عبد الله الحلة وقال لأكفنن نفسي في شيء مس رسول الله ﷺ ، ثم قال بعد ذلك حين حضرته الوفاة: والله لا أكفن في شيء منعه الله نبيه أن يكفن فيه، فكفّن أبو بكر فيها، ومات أبو بكر ليلة الثلاثاء ودفن ليلا، وماتت عائشة ليلا، ودفنها عبد الله بن الزبير ليلا.
حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه عن مالك بن أنس عن
стр. 3963
يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قال أبو بكر لعائشة وقد ثقل في مرضه: في كم كفن رسول الله ﷺ ؟ قالت في ثلاثة أثواب بيض سحولية.
فقال أبو بكر: خذوا هذا الثوب - لثوب عليه قد اصابه مشق أو زعفران، قال والمشق المغرة - فاغسلوه ثم كفنوني فيه مع ثوبين آخرين، فقالت عائشة: ولم هذا؟ فقال: إن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
وقال محمد بن عمر الواقدي في إسناده: كان أول ما بدئ أبو بكر به أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يوما باردا فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بن الخطاب أن يصلي بالناس، ويدخل الناس على أبي بكر يعودونه وهو يثقل كل يوم، وذلك في داره التي أقطعه إياها رسول الله ﷺ وجاه دار عثمان اليوم، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه، وتوفي أبو بكر مساء ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت أيامه سنتين وثلاثة أشهر، وستة وعشرين يوما، وهذا قول أبي معشر. وقال غيره كانت أيامه سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة وذلك المجتمع عليه في سنه، وكان مولده بعد الفيل بثلاث سنين.
حدثنا علي بن عبد الله المديني، ثنا سفيان بن عيينة: سمعت على بن جدعان يحدث عن أنس بن مالك قال: أسنّ أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر وسهيل بن بيضاء.
حدثنا عمرو الناقد، ثنا وكيع عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر قال: غسّلت أبا بكر امرأته أسماء بنت عميس، وهو أوصى أن تغسله.
حدثنا عفان، أنبأ معاذ بن معاذ، ثنا أشعث عن عبد الواحد،
стр. 3964
أحسبه قال: ابن صبرة عن القاسم بن محمد أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، فإن عجزت أعانها ابنها محمد (١).
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جريج عن عطاء قال:
أوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، فإن عجزت فلم تستطع استعانت بعبد الرحمن (٢)، فلم تحتج إلى غيرها.
قال الواقدي، وهذا المثبت، وكيف يعينها ابنها محمد، وإنما ولد سنة عشر بذي الحليفة في حجة الوداع.
حدثنا محمد بن سعد، ثنا عبد الله بن نمير عن اسماعيل بن أبي خالد عن رجل عن أبي بكر بن حفص أن أبا بكر أوصى أسماء بنت عميس أن تغسله إذا مات، وعزم عليها لما أفطرت لأنه أقوى لها، فذكرت يمينه من آخر النهار فدعت بماء فشربت وقالت: والله لا أتبعه في يمينه حنثا.
حدثنا محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، أنبأ مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر ثم خرجت فسألت أصحاب النبي ﷺ فقالت: إني صائمة وهذا يوم شديد البرد فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا (٣).
حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، ثنا وكيع، أنبأ حنظلة عن القاسم بن محمد قال: كفن أبو بكر في ريطتين (٤)، ريطة بيضاء وأخرى
стр. 3965
ممصرة (١) وقال: الحي أحوج إلى الكسوة من الميت، إنما هو لما يخرج من أنفه وفمه.
حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا منذر بن علي العنزي عن ليث عن عطاء قال: كفن أبو بكر في ثوبين غسيلين.
حدثنا عمرو الناقد، ثنا عبد الله بن نمير، أنبأ عبد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كفن أبو بكر في ثلاثة أثواب أحدها ممصر.
حدثني وهب بن بقية، ثنا يزيد، أنبأ حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني أن أبا بكر كفن في ثوبين.
حدثنا عبد الله بن صالح، أنبأ شريك عن عمران بن مسلم عن سويد بن عقلة قال: كفن أبو بكر في ثوبين معقّدين (٢).
وحدثني بكر بن الهيثم، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، أنبأ زهير بن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة أن أبا بكر كفن في ثوبين من هذه الثياب الموصولة.
حدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم عن سيف بن أبي سليم عن القاسم بن محمد سمعه قال: قال أبو بكر حين حضرته الوفاة: كفنوني في ثوبيّ هذين اللذين كنت أصلي فيهما، واغسلوهما فإنما هما للمهل (٣) والبراز.
حدثنا محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن سعيد بن
стр. 3966
أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر كفن في ثوبين أحدهما غسيل (١).
حدثني روح بن عبد المؤمن وابراهيم بن محمد السامي قالا: ثنا أبو عامر العقدي، ثنا خالد بن الياس عن صالح بن أبي حسان أن علي بن الحسين سأل سعيد بن المسيب أين صلي على أبي بكر فقال: بين القبر والمنبر. قال: ومن صلى عليه؟ قال: عمر. قال: كم كبّر؟ قال:
أربعا.
حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، ثنا وكيع بن الجراح عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن أبا بكر وعمر دفنا مع رسول الله ﷺ ، وصلي عليهما تجاه المنبر.
حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثني الفضل بن دكين، أنبأ خالد بن الياس عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه أن عمر كبّر على أبي بكر أربعا.
حدثني عبد الرحمن بن صالح، ثنا وكيع عن موسى بن علي عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: قبر أبو بكر بالليل.
حدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان عن همام عن هشام بن عروة حدثني أبي أن عائشة حدثته قالت: توفي أبو بكر ليلا فدفناه قبل أن نصبح (٢).
حدثنا عمرو الناقد، ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن بعض ولد سعد أن عمر حين صلى على أبي بكر في المسجد ربّع.
стр. 3967
حدثنا عمرو الناقد، ثنا أبو معاوية، أنبأ ابن جريج عن اسماعيل بن محمد بن سعد عن ابن أبي السباق - أو ابن السباق - أن عمر دفن أبا بكر ليلا، ثم دخل المسجد فأوتر بثلاث.
حدثنا الوليد بن صالح ومحمد بن سعد قالا: ثنا الواقدي عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن خالد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن ابن عمر قال: حضرت دفن أبي بكر فنزل في حفرته عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن أبي بكر، قال ابن عمر: فأردت أن أنزل، فقال لي عمر: كفيت (١).
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. وقتادة عن سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقمن عليه النوح، فبلغ ذلك عمر، فنهاهن عن النوح فأبين أن ينتهين، فقال عمر لهشام بن الوليد:
ادخل فأخرج إلي ابنة أبي قحافة فقالت عائشة حين سمعت ذلك من عمر.
إني أحرّج عليك بيتي، فقال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك، فدخل هشام فأخرج أم فروة أخت أبي بكر فعلاها بالدّرة، فتفرق النوح.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن مالك بن أبي الرجال عن أبيه عن عائشة قالت: توفي أبي بين المغرب والعشاء، فأصبحنا فاجتمع نساء المهاجرين والأنصار فأقمن النوح، وأبو بكر يغسل ويكفن، فأمر عمر بالنوائح ففرّقن، فوالله أن كنّ ليفرقن ويجتمعن.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم بن محمد يقولان: أوصى أبو بكر عائشة
стр. 3968
أن يدفن إلى جنب رسول الله ﷺ فلما توفى حفر له وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ﷺ ، وألصقوا اللحد بقبر رسول الله ﷺ فقبر هناك.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي أخبرني ربيعة بن عثمان عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: رأس أبي بكر عند كتفي رسول الله ﷺ ورأس عمر عند حقوي أبي بكر، فقال: قال الواقدي: وأخبرني ابن أبي سبرة عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: جعل قبر أبي بكر مثل قبر النبي ﷺ مسطحا ورش عليه الماء.
وحدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن اسماعيل بن أبي فديك عن عمرو بن عثمان بن هانئ عن القاسم بن محمد قال: قلت لعائشة: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطية، فرأيت قبر النبي ﷺ متقدما، وقبر أبي بكر عند رأسه، ورأس عمر عند رجلي النبي ﷺ .
حدثنا محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، ثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار قال: رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ ويدعو لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
قال محمد بن سعد، ثنا عمرو بن الهيثم أبو قطن، ثنا الربيع الصائغ قال: كان نقش خاتم أبي بكر «نعم القادر الله».
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي، حدثني شعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: ورث أبو بكر أبوه أبو قحافة السدس، وورثه معه ولده: عبد الرحمن، ومحمد، وعائشة، وأسماء، وأم كلثوم وامرأتاه أسماء بنت عميس، وحبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي
стр. 3969
زهير من بني الحارث بن الخزرج (١).
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا محمد بن يوسف الفاريابي، ثنا سفيان الثوري عن أبيه قال: بلغني أن علي بن أبي طالب قال - وذكر أبا بكر وعمر-: كانا والله إمامي هدى راشدين مفلحين منجحين خرجا من الدنيا خميصين (٢).
حدثنا محمد بن سعد، ثنا الواقدي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: سمعت مجاهدا يقول: كلم أبو قحافة في ميراثه من أبي بكر فقال:
رددت ذلك على ولد أبي بكر.
حدثنا محمد بن سعد عن معن بن عيسى عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن أبا بكر تختم في اليسار.
قالوا: وأتي أبو بكر بمال فقال: من كانت له على رسول الله ﷺ عدة فليأتني: فأتاه جابر بن عبد الله فحفن له ثلاث حفنات (٣).
حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا اسماعيل بن علية عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي قال: مات أبو بكر وعمر ولم يجمعا القرآن، قال اسماعيل: يعني لم يحفظاه.
حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثني حماد بن زيد وحدثني محمد بن سعد عن عارم بن الفضل عن حماد بن زيد، أنبأ أيوب وهشام عن محمد بن سيرين قال: توفي أبو بكر ولم يجمع القرآن
стр. 3970
حدثنا محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا عون عن محمد أن أبا بكر قال لعمر: ابسط يدك نبايع لك فقال عمر: أنت أفضل مني، فقال له أبو بكر: أنت أقوى مني، فقال عمر: فإن لك مع فضلك قوة، فبايع أبا بكر.
حدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو معاوية عن السري عن يحيى عن بسطام بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: «لا يتأمّر عليكما أحد بعدي».
حدثنا محمد بن سعد، ثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن الحسن قال: لما بويع أبو بكر قام خطيبا، فوالله ما خطب خطبته أحد بعده فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فقد وليت هذا الأمر وأناله كاره، ووالله لوددت أن بعضكم كفانيه، ألا وإنكم كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل ما عمل رسول الله ﷺ لم أقم به، كان رسول الله ﷺ عبدا أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم».
حدثنا محمد بن سعد، ثنا الحسن بن موسى الأشيب، ثنا زهير، ثنا عروة بن عبد الله قال: لقيت أبا جعفر فذكر كلاما في الخضاب فقال: هذا الصدّيق قد خضب، يعني أبا بكر، فقلت: الصديق؟. قال: نعم ورب الكعبة، إنّه الصديق (١).
المدائني قال، أخذ المهاجر بن أبي أمية المخزومي قينة باليمن شتمت
стр. 3971
أبا بكر بعد صلح النجير (١) فقطع يدها: فكتب إليه أبو بكر: بلغني أنك أخذت امرأة شتمتني فقطعت يدها وقد أهدر الله من الشرك ما هو أعظم من ذلك، وتركت المثلة في ظاهر الكفر ففعلت حقا وعملت بحسن، وإذا أتاك كتابي فاقبل الدعة ودع المثلة فإنها مأثمة، وقد نزه الله الاسلام وأهله عن فرط الغضب، وقد أخذ رسول الله ﷺ قوما آذوه وشتموه وأخرجوه وحاربوه فلم يمثل بهم (٢).
وولد لأبي بكر رضي الله تعالى عنه:
عبد الرحمن، وعائشة، وأمهما أم رومان بنت عامر بن عويمر، كنانية، وعبد الله، وأسماء، وأمهما قتيلة بنت عبد العزى من بني عامر بن لؤي، ومحمد، وأمه أسماء بنت عميس بن معد الخثعميّة، وأم كلثوم، وأمها حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك بن إمرئ القيس من الخزرج، وهذا البطن يعرفون ببني الأغرّ.
وأما أبو قحافة:
عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم، فانه أسلم يوم فتح مكة وكان قد سند في الجبل يومئذ، وأسماء ابنته تقوده، وهو مكفوف البصر فرماه بعض المسلمين فشجّه، وأخذت قلادة أسماء، فأدركه أبو بكر وهو يستدمي فمسح الدم عن وجهه وقال: رحم الله من فعل بك هذا، ثم إنه أتى به رسول الله ﷺ ، فقال:
يا أبا بكر، هلا تركته حتى نأتيه، فقال أبو بكر: هو أولى بإتيانك يا رسول الله، فأسلم وبايع رسول الله ﷺ ، وأمره بتغيير شيبه فخضب، وقال أبو
стр. 3972
بكر: يا معشر المسلمين. نشدت الله رجلا أخذ قلادة الصبية إلاّ ردّها، فلم تردّ. فقال أبو بكر: إن الأمانة لعليلة.
قالوا: ولما توفي أبو بكر سمع أبو قحافة ﵁ الهائعة (١) فقال:
ما هذا؟ قيل: توفي ابنك أبو بكر فقال: ﵀، رزء جليل، فمن استخلف؟ قيل: ابن الخطاب. قال: صاحبه، فرضيت بنو عبد مناف به؟ قالوا: نعم. قال: يفعل الله ما يشاء.
وتوفي أبو قحافة في المحرم سنة أربع عشرة، وهو ابن سبع وتسعين سنة، وهو كان المنذر لأهل مكة حين أقبل الحبشي بالفيل.
وأسلمت أم الخير سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن معد، أم أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، وكان إسلامها مع إسلام أبي قحافة، وقد كانت قبل ذلك مائلة إلى النبي ﷺ ، وتوفيت فيما ذكر الواقدي قبل وفاة أبي بكر.
وقال الهيثم بن عدي، أخبرني هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر لما توفي ورثه أبواه، وقالت أسماء بنت أبي بكر: دعاني أبي إلى الاسلام يوم أسلم فأسلمنا قبل أن يريم مجلسه، ولقد جاءني يوما وهو يبكي فقلنا:
ما يبكيك؟ فقال: ما لقي رسول الله ﷺ من أبي جهل وابن الغيطلة (٢)، فجلسنا نبكي معه.
قالوا: ولما أسلم سعد بن أبي وقاص أتى أبا بكر فأخبره بما لقيه به رسول الله ﷺ ، فسمعته أم رومان امرأة أبي بكر وهو يفاوضه أمر الاسلام،
стр. 3973
فلما خرج سعد قالت لأبي بكر: ما الذي كنتما فيه؟ فأخبرها ودعاها إلى شهادة الحق ورفض الأوثان، فأسلمت وقالت: لقد كنت أعلم أن محمدا خليق بكل خير، واسم أم رومان دعد (١) وأبوها عامر بن عويمر بن عبد شمس، من بني كنانة بن خزيمة، ويقال عمير بن عامر، وكانت قبل أبي بكر عند عبد الله بن الحارث بن سخبرة الأزدي فقدم بها مكة وحالف أبا بكر قبل الاسلام وتوفي عنها، فخلف عليها أبو بكر، فولدت عائشة أم المؤمنين، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وهاجرت أم رومان وماتت بالمدينة في ذي الحجة سنة ست، فصلى عليها رسول الله ﷺ ، ونزل قبرها وقال: من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان.
وكان أبو بكر وأم رومان يدعوان عبد الرحمن بن أبي بكر إلى الاسلام فيأباه ويقول: أف لكما، أتعدانني أن أخرج من القبر بعد أن صرت رمّة وبليت أعظمي؟ فأين من خلا من الأمم قبلي، أين أبو زهير عبد الله بن جدعان؟ أين فلان، وفلان؟. وكانا يستغيثان الله - أي يدعوانه له بالهدى - ويقولان: ويلك آمن فيقول: هذا أساطير الأولين. فنزلت فيه:
﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ (٢) الآية، ثم قال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ (٣) يعني من عدّد من ابن جدعان وغيره.
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: نزلت هذه الآية في غير عبد الرحمن، وأسلم عبد الرحمن بن أبي بكر في هدنة الحديبية، ومات في
стр. 3974
سنة ثلاث وخمسين خارجا من مكة فجاءة.
وذكر بعض الرواة أن عائشة أدخلته الحرم فدفن به، وقال أبو اليقظان البصري: وهو أول من مات من أهل الإسلام فجاءة وكان له شعر، وغزا الشام وشهد الجمل مع عائشة.
وحدثني هشام بن عمار، ثنا عيسى بن يونس عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بحبشي - وهو على اثنى عشر ميلا من مكة - فحمل ودفن فلما قدمت عائشة مكة من المدينة أتت قبره فقالت (١):
وكنا كندماني جذيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا … بطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقال هشام ابن الكلبي: جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عدثان، وهو الوضاح، ونديماه مالك وعقيل ابنا فارج بن مالك بن كعب بن القين بن جسر بن شيع الله بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وبعض النساب يقول: فالج بن مالك.
وحدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا اسماعيل بن ابراهيم - يعني ابن عليّة - عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن عبد الرحمن توفي في منزله، قال:
فحملناه على رقابنا ستة أميال إلى مكة، فلما قدمت عائشة قالت: أروني قبر
стр. 3975
أخي فأروها إياه، فصلّت عليه وقالت: أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث متّ، ولو شهدتك لم أبك عليك.
وكان عبد الرحمن يكنى أبا محمد، وشهد يوم بدر مع المشركين، ودعا بالبراز، فتقدم أبو بكر رضي الله تعالى عنه ليبارزه فقال: يا محمد. تبعث إلينا آباءنا، فكفّه رسول الله ﷺ عنه، فقال له أبو بكر: ويحك ما فعل المال؟ فقال:
لم يبق إلاّ شكة ويعبوب (١) … وفارس يضرب إذ خام الشّيب
وكان عبد الرحمن بن أبي بكر يقدم الشام فعشق ابنة الجودي الغساني، واسمها ليلى، وقال فيها:
تعلق ليلى والسماوة دونه … فما لابنة الجوديّ ليلى وماليا
وكيف تعاطى قلبه حارثية … تدمن بصرى أو تحل الجوابيا
(٢) وكيف أرجّي أن أراها وعلّها … إذا الناس وافوا قابلا أن توافيا
وقال أيضا:
يا بنة الجوديّ قلبي كئيب … مستهام عندكم ما يثيب
جاوزت أخوالها حيّ عك … فلعكّ من فؤادي نصيب
قال: وصحبه رجل يقال له حجال فقال:
ليتها صاحبي مكان حجال … وحجال حيث أم الرئال
(٣) انها قد سبت فؤادي وأصبح … ت رهينا للهم والبلبال
стр. 3976
ولما أسلم حسن إسلامه، فلم يتعلق عليه بشيء، ولما أغزى عمر الشام أعلمه عبد الرحمن كلفه بابنة الجودي، فأمر إن ظفر بها أن تدفع إلى عبد الرحمن فدفعت إليه، وقيل انها وقعت له في سهمه. ويقال بها كلّم المسلمين فوهبوا له سهامهم منها، فحملها معه، ويقال انها حملت في السبي ودفعها عمر إليه فكانت عنده فلم يزل نساؤه يكيدونها حتى شنأها وملّها وشنف لها فطلقها ومتّعها، فأتت الشام، ويقال ماتت عنده، وقال بعضهم كانت عنده حتى مات عنها، فرجعت إلى الشام والله أعلم.
فمن ولد عبد الرحمن:
محمد بن عبد الرحمن،
جلد في الشراب هو ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، جلدهما مروان، وأمه من ولد قيس بن عدي السهمي.
وعبد الله بن عبد الرحمن،
وحفصة، أمهما قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي، وأمها ابنة عتبة بن ربيعة.
وطلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن
وأمه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وكان طلحة سخيا وفيه يقول الحزين الأشجعي أو الكناني:
فإنك يا طلح أعطيتني … جمالية تستخف الصغارا
فما كان يفعل لي مرة … ولا مرتين ولكن مرارا
أبوك الذي بايع المصطفى … وسار مع المهتدي حيث سارا
فولد طلحة محمدا، وكان عاملا على مكة (١) وفيه يقول الشاعر:
قد قال لي صاحبي سرا فقلت له … إنّ ابن طلحة في الأركان محتاطا
стр. 3977
وله ولد ينزلون خارجا من المدينة، وكانت عائشة بنت محمد بن طلحة عند سليمان بن علي وقال فيه البكائي:
إن فتى تيم بن مرة الذي … لعائشة الصغرى وبنت أبي بكر
وأودعه عروة مالا وخاف أن يكون قد أتلفه، فلما قدم وجده وافرا فتمثّل عروة:
وما استخبيت في رجل خبيئا … كدين الصدق أو حسب عتيق
وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الذي يقال له ابن أبي عتيق، رمى بسهم في نضال فقال: أصبت وأنا ابن أبي عتيق، يعني أبا قحافة، ويقال ان محمد بن عبد الرحمن كان يكنى أبا عتيق.
وقال أبو اليقظان: تناضل عدّة من ولد أبي بكر فقال أحدهم: أنا ابن الصديق، وقال الآخر: أنا ابن صاحب الغار، وقال محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر: أنا ابن أبي عتيق، وكان عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، وهو ابن أبي عتيق ظريفا كثير الملح.
حدثني الحرمازي وغيره قالوا: كان بعض الأعراب منقطعا إلى ابن أبي عتيق، ثم غاب عنه حينا فإنه جالس على باب داره بالمدينة إذ مرّ به الأعرابي وهو مقيد بأزواج فقال له: ما هذا ويلك؟ قال: لطت (١) حوضا لي فثلمه بعض جيراني فخطرت يدي خطرة فأصابت صدره فأتى عليه أجله. فقال:
ولم فعلت ذلك ويحك؟ فأنشد:
وأي امرئ في الناس يهدم حوضه … إذا كان ذا رمح ولمّا يماصع
(٢)
стр. 3978
فقال ابن أبي عتيق: أنا والله كنت أصلحه بكف من طين ولا يكون في رجلي ما في رجلك.
وحدثني الحرمازي قال: بعثت عائشة إلى ابن أبي عتيق تسأله أن يعيرها بغلة له لترسل عليها رسولا في حاجة لها، فقال لرسولها: قل لها والله ما غسلنا رؤوسنا من عار يوم الجمل أفمن رأيك أن تأتينا بيوم البغلة؟ المدائني عن ابن جعدبة قال: سأل ابن أبي عتيق غلامه عن مرآة له فقال: جلوتها بدرهمين فقال: والله لو صديت عين الشمس ما ساوى جلاؤها درهمين.
وكانت عائشة بنت طلحة سيئة الخلق، فاعتزلت عمر بن عبيد الله بن معمر غضبى عليه وجلست في غرفة لها، ورفعت السلم، فقال عمر:
ترضّها لي ولك عشرة آلاف درهم، فوقف أسفل الغرفة ثم قال: يا بنت عم. إنّ هذا الرجل قد جعل لي عشرة آلاف درهم إذا أنت رضيت، فأظهري الرضا عنه وضعي السلم، ثم عودي إلى ما عوده الله من سوء خلقك.
قال: وسمع ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة ينشد:
من رسولي إلى الثريا بأني … ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
(١) فقال: أنا الرسول ومضى إلى مكة، ويقال إلى الطائف فأنشدها البيت، ثم عدل راحلته منصرفا، فسئل أن يقيم فقال: إن مقامي بعد قضاء حاجتي جهل وفراغ. وانصرف.
стр. 3979
وذكر ابن أبي عتيق رجل من المغنين فقال: ﵀ فقد كان يحسن غناء:
لمن ربع بذات الجي (١) … ش أضحى دارسا خلقا
(٢) وقام منصرفا، ثم رجع فقال: لخفيفه لا لثقيله، ثم مضى، ويقال إنه قال ذلك للدلال (٣) حين خصي قال: لئن خصيتموه لقد كان يحسن هذا الصوت.
وعاد ابن أبي عتيق عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها فقال: يا أم المؤمنين كيف تجدينك جعلني الله فداك؟ قالت: وجعة ما أراني أمسي، فقال: لا جعلني الله إذا فداءك.
قالوا وأنشد نصيب (٤) وكان أسود:
وددت ولم أخلق من الطين أنني … أعار جناحي طائر فأطير
فقال ابن أبي عتيق: يا بن أم قل: غاق فإنك تطير - أي أنك أسود-.
حدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن ابن كناسة الأسدي قال: كان ابن أبي عتيق وأصحاب له يجتمعون بالمدينة في مسجد رسول الله ﷺ فينشدون الشعر وكان بناحية من المسجد رجل يصلي فيطيل الصلاة في كل
стр. 3980
يوم فإذا سلم قال لهم: يا فسقة أتنشدون الشعر في مسجد رسول الله ﷺ ، فانصرف ابن أبي عتيق يوما من المسجد فقالت له جاريته إن رجلا يصلي قرب حلقتكم يتعرض بي ويدعوني إلى ما لا يحلّ له، فقال: ويحك عديه فإذا دخل إليك فآذنيني به، فلما عرض لها أدخلته منزل مولاها فآذنته فلم يلبث أن جاء ابن أبي عتيق وأصحابه فقالت الجارية للرجل: قد جاء مولاي فادخل هذه الحجلة (١) فدخلها وزرّتها عليه، ودعا ابن أبي عتيق بالطعام فأتي به فأكل هو وأصحابه، ثم قال: يا جارية افتحي الحجلة حتى أنام فلما فتحتها نظر الرجل إليهم فقال: يا فسقة، ما تصنعون هاهنا؟ فقال له ابن أبي عتيق: استر علينا ستر الله عليك، فخرج الرجل ولم يعد إلى المسجد.
ونزل ابن أبي عتيق عن بغلته فبال، ثم حمله أصحابه على البغلة فقال: قد قضيتم ما عليكم من حملي وبقي ما عليّ من الاستمساك.
ومن ولد عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهم:
شعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد،
مات سنة أربع، ويقال خمس وسبعين ومائة.
وأما عبد الله بن أبي بكر
فإنه شهد يوم الطائف مع النبي ﷺ فجرح جراحة انتقضت به بعد فمات منها.
وقال الهيثم بن عدي: تزوج عبد الله بن أبي بكر عاتكة بنت زيد فغلبته على رأيه وشغلته عن سوقه، فأمره أبو بكر بطلاقها فطلقها واحدة، ثم قعد لأبيه على الطريق فلما رأى أباه بكى وأنشده:
لم أر مثلي طلّق العام مثلها … ولا مثلها في غير ذنب تطلق
стр. 3981
لها خلق جزل ورأي ومنصب … وخلق سوي في الحياة ومنطق
فأمره بمراجعتها.
وقال أبو اليقظان: شهد عبد الله يوم الطائف مع النبي ﷺ فجرح بسهم، ثم بقي إلى زمن أبيه، وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو العدوي، فكانت عاقرا لا تطمث ولا تلد، فأمره أبو بكر بطلاقها فقال في ذلك:
يقولون طلقها وأمسك مكانها … وذلك قول من رشيد وحازم
وان فراقي أهل بيت جمعتهم … على كبر مني لإحدى العظائم
وقال أيضا:
لم أر مثلي طلق اليوم مثلها … ولا مثلها في غير شيء تطلق
فطلقها وجعل لها مالا على أن لا تتزوج بعده، ولما هلك ترك سبعة دنانير فاستكثرها أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
وقالت عائشة بنت زيد ترثيه وخلف عليها عمر:
فأقسمت لا تنفكّ عيني سخينة … عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فولد عبد الله اسماعيل، فهلك ولا عقب لعبد الله.
وقال الواقدي: أخرج أبو بكر السهم الذي رمي به عبد الله. فقال أبو محجن الثقفي: أنا بريته ورشته ورميته به، ثم رزق الله الاسلام.
وقد كتبنا خبر أم المؤمنين عائشة، وخبر أسماء بنت أبي بكر ﵃.
وقال أبو اليقظان: ولدت أسماء للزبير عدة، وأراد مرة أن يضربها، فمنعه عبد الله بن الزبير من ذلك فقال الزبير: إن لم تخل عني فهي طالق. فقال: لا والله لا تحلف بطلاقها بعد هذه ومنعه منها فطلقها، وكانت
стр. 3982
مع عبد الله وهو بمكة فلما أتيت بجيفته عزاها عبد الله بن عمر فقالت: وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، ثم بقيت أسماء حتى بلغت مائة سنة وماتت بمكة رضى الله تعالى عنها.
وأما محمد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما،
وأمّه أسماء بنت عميس الخثعمية فكان من خبره رضي الله تعالى عنه بمصر وغيرها ما قد ذكرنا، وكان يكنى أبا القاسم، وكان من فتيان قريش، وكان ممن أعان على عثمان رضي الله تعالى عنه.
فولد محمد بن أبي بكر:
القاسم بن محمد
لأم ولد، وكان يكنى أبا عبد الرحمن، وكان فقيها.
وقال ابن سعد: ويكني أبا محمد ومات في سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين سنة، ويقال اثنتين وسبعين سنة، ويقال مات في سنة ثمان ومائة.
وكان قد كف بصره (١).
حدثني محمد بن الأعرابي الراوية عن سعيد بن سلم الباهلي عن أبيه عن ابن عوف عن القاسم بن محمد أنه كان يصلي ثم يسجد فيقول: اللهم اغفر لأبي ذنبه في عثمان.
وحدثني محمد بن هشام بن عمار الدمشقي قال: سمعت مالك بن أنس قال: أتى القاسم أميرا من أمراء المدينة فسأله عن شيء فقال القاسم: إن من إكرام المرء نفسه ألا يقول إلا ما أحاط به علمه.
وقال ابن الكلبي: كان القاسم بن محمد بن أبي بكر فقيها
стр. 3983
صالحا، وكان يقول: من خاف الله في الدنيا أمن عذابه في الآخرة، وقال:
التّقى زاد المؤمن.
وسئل القاسم بن محمد عن الرجل يكلم امرأته بالرفث إذا خلا، فقال: إذا غلّقت الأبواب فليصنع ما شاء.
وقال أبو اليقظان: ولد القاسم بن محمد: عبد الرحمن،
وأم
فروة،
تزوجها محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولعبد الرحمن عقب بالمدينة.
قال ابن سعد:
مات عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر
أبو محمد بالفدين من الشام سنة ست وعشرين ومائة، وكان الوليد (١) بعث إليه وإلى ابن أبي الزناد، ومحمد بن المنكدر، وربيعة الرأي فمات فشهدوه.
وأراد عمر بن الخطاب ﵁ تزوّج أم كلثوم بنت أبي بكر، وكان خطبها إلى عائشة فانعمت له وكرهته أم كلثوم، فاستحيت عائشة من عمر، فبعثت إلى عمرو بن العاص فأخبرته الخبر، فقال: أنا أحتال في هذا الأمر، فأتى عمر فقال: بلغني أنك ذكرت أم كلثوم ولست أرى لك أن تزوّجها لأنها مرفهة عند عائشة، فإن حملتها على معيشتك وخلقك خفت ألا تصبر فتكون القطيعة بينك وبين آل أبي بكر، وإن تابعتها على خلقها أضرّت بدينك. فقال عمر: لقد قلت قولا فما الحيلة؟ قال: أنا أكفيك. قال:
فافعل. فأتى عائشة فأخبرها الخبر ثم انصرف إلى عمر، فقال له عمر: نشدتك الله هل كنت لقيت عائشة؟ قال: اللهم نعم. فتزوجها طلحة بن عبيد الله
стр. 3984
فقتل عنها فتزوجها عبد الرحمن بن عمر بن أبي ربيعة المخزومي فولدت له.
ومن ولد أبي بكر عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم،
ولي قضاء المدينة أيام حسن بن زيد.
وقال خفاف بن ندبة - وهي أمة أخيذة لبني الحارث بن كعب، وهي سوداء، وأبوه عمير بن الحارث بن الشريد - السلمي:
ليس لحي فاعلمي من بقاء … وكل دنيا قصرها للفناء
والمال في الأقوام مستودع … عارية والشرط فيه الأداء
إن أبا بكر هو الغيث إذ لم … ينبت الجوزاء بقلا بماء
في أبيات:
وقال ابن الكلبي: وتوفي أبو بكر بالمدينة ليلة الثلاثاء لثماني ليال بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وهو ابن ثلاث وستين وصلى عليه عمر، ودفن ليلا.
حدثني محمد (١) بن سعد عن الواقدي قال: أوصى أبو بكر رضي الله تعالى عنه رجاله الذين وجههم إلى الشام، فقال ليزيد بن أبي سفيان: إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك من فيء أهلك، فإن أحسنت زدتك، وإن أسأت عزلتك فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي يرى من ظاهرك، وإن أولى الناس بالناس أشدهم تولّيا له وأقرب الناس من الله أشدهم تقرّبا إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد بن الوليد فإياك وعبيّة (٢) الجاهلية، فإن الله يبغضها ويبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن
стр. 3985
صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، فأصلح نفسك يصلح الناس لك، وصلّ الصلوات الخمس لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليك رسل عدوك فاكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولا تريّثهم فيروا خللك، ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك كعلانيتك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عنك الأستار، واذك حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه، وعاقبه في غير افراط، واعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من الآخرة، فإنها أيسرهما لقرب النهار منها، ولا تجاف عن عقوبة المستحق فتستجرح الناس، ولا تلحّنّ في العقوبة، ولا تسرع إليها وأنت تجد لها مدفعا، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده ولا تجسسه فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم ولا تجالس العيابين، وجالس أهل الصدق والوفاء. وأصدق اللقاء ولا تجبن فتجبّن الناس، واجتنب الغلول، فانه يقرّب الفقر، ويدفع النصر، وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم.
وقال لعمرو بن العاص: أرفق بجندك في مسيرك، وتعهدهم بنفسك، وإذا انتهيت إلى فلسطين فعسكر هناك حتى تلحقك الجيوش، وإياك والوهن، ولا تقل رمي بي في نحر العدو فقد رأيت نصر الله إيانا ونحن قليل،
стр. 3986
وأكرم وجوه من معك تستنزل نصائحهم، وتستخرج ما عندهم.
وقال لخالد بن الوليد: قد وليتك ما وليتك، فإياك أن تقول إني شاهد وهو غائب، فإذا قدمت على القوم فوجدتهم قد كفوك أمرا فاقبله ولا تنازعهم فيه، وواس جندك في اللقاء إذا كان عاما، وإن كان بينكم نوبا فلير مكان نوبتك وحسن أثرك، وإذا قاتلت العدو فاحرص على الشهادة، ولا تصبحنّ إلا على ظهر آخذا لأهبة للحرب، وولّ أمر جيشك أهل النجدة والتجربة ولا تبادر الفرصة بلا رويّة التماسا لأن يخلص الأمر لك دونهم فإني لا آمن أن تسلمك المبادرة إلى غرة أغفلتها، ومعصية غيّبت عنها، ولا تبتذل أهل البأس واستبقهم فإنهم حصنك وثقاتك في عسكرك وقوام أمرك، وانظر النساء والصبيان وأهل الضعف فارفعهم إلى أمنع المواضع، ووكّل بهم من يذبّ عنهم.
стр. 3987
ومن بني مرة بن كعب بن لؤي بن غالب
طلحة بن عبيد الله بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة،
ويكنى أبا محمد، وأمه الصعبة بنت عبد الله بن عماد الحضرمي، وأمها عاتكة بنت وهب بن عبد بن قصي.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبي عن ابراهيم بن محمد بن طلحة قال: قال طلحة:
حضرت سوق بصرى، فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا هؤلاء القوم أفيهم أحد من أهل الحرم؟ قال طلحة: قلت نعم. قال: ظهر أحمد بعد؟ قلت: من أحمد؟ قال: ابن عبد المطلب، هذا زمانه، وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل، قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال فخرجت مسرعا حتى أتيت مكة فقلت: هل كان من حديث؟ قالوا:
نعم. محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الأمين تنبأ وقد تبعه ابن أبي قحافة.
قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر فقلت أتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم فانطلق إليه فإنه يدعو إلى الحق، فأخبره طلحة بما قال الراهب، فخرج وهو معه حتى دخلا على رسول الله ﷺ فأسلم طلحة، وأخبر
стр. 3988
النبي ﷺ بما قال الراهب، فسرّ رسول الله ﷺ بذلك، فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى،- وأمّه من بني عدي بن كعب، وبها يعرف، وكان يقال له ابن العدوية، وكان يدعى أسد قريش، وقتله علي ﵇ يوم بدر - فقرنهما فسمي أبو بكر وطلحة القرينين (١).
وقال الشاعر وهو عبد الله بن مصعب الزبيري في صالح وهو من ولد عبد الرحمن بن أبي بكر: وأمّه من ولد طلحة:
يا صالح ابن القرينين اللذين هما … مع النبيّ أذلا كلّ جبّار
هذا المسمّى بفعل الخير نافلة … دون الأنام وهذا صاحب الغار
وقال بعض الرواة: كان عبيد الله أبو طلحة قرن أبي بكر وطلحة في الجاهلية، فسميا القرينين.
وقال أبو اليقظان: لما أسلما قرنهما عثمان بن عبيد الله أخو طلحة بحبل، ولم يبلغنا له إسلام، وله عقب، وكان طلحة أحد العشرة الذين سمّوا للجنة.
قالوا وكان يقال لطلحة بن عبيد الله: طلحة الخير، وطلحة الفياض.
حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن أبي الزناد، ومحمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد قال: وفدت على رسول الله ﷺ وفود من سروات أهل اليمن فأعطاهم طلحة بن عبيد الله عن رسول الله ﷺ مالا وكساهم وأحسن ضيافتهم، فقال له رسول الله ﷺ : «أنت الفياض» فسمي الفياض.
стр. 3989
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله قال: حدثتني جدتي سعدى بنت عوف قالت: دخل عليّ طلحة، وهو كالحزين، فقلت: مالك يا أبا محمد هل أنكرت من ناحيتنا شيئا؟. قال: لا، ولنعم زوجة المسلم أنت، ولكنه أتاني مال من العراق من ضيعتي الشاسبتج (١) يكون أربعمائة ألف درهم فما أدري ما أصنع به؟ فقلت:
تبعث غلامك إلى الصراف فتأمره أن يفرقه في أهلك ثم في قرابتك وإخوانك، فقال: نعم ما رأيت، فأمره بذلك ففرقها حتى بقيت عشرة آلاف درهم، فقلت: أما لنا في هذا المال نصيّب قال: بلى فخذيها إليك، وقام وما بقي عنده من المال درهم واحد فما فوقه (٢).
حدثني عبد الله بن صالح المقرئ، ثنا سفيان بن عينية عن طلحة بن يحيى قال حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرّية قالت: دخلت على طلحة ذات يوم فقلت: مالي أراك كذا، أرابك من أهلك شيء فعتبت؟ فقال:
نعم حليلة المرء أنت ولكن عندي مال قد أهمّني - أو قال أغمّني - فقلت:
اقسمه، فدعا جاريته فقال: أدخلي عليّ قومي فلانا وبني فلان، وأخذ يقسمه، فسألتها. كم كان المال؟ قالت: قدر أربعمائة ألف درهم.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف قال: قال علي بن أبي طالب: منيت بأشجع الناس - يعني الزبير - وبأسخى الناس - يعني طلحة - وبأطوع الناس في الناس - يعني عائشة.
وحدثني محمد بن أبان الواسطي، ثنا أبو هلال عن ابن سيرين قال:
стр. 3990
كان طلحة بن عبيد الله جميلا، رأته امرأة يوم دخل البصرة فقالت: من هذا الذي كأنه دينار هرقليّ؟ وكان أشيب لا يغير شيبه.
وحدثني خلف البزار وعبد الله بن صالح قالا: ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين قال: أتى رجل طلحة بن عبيد الله فسأله برحم بينهما فقال:
هذا حائطي بمكان كذا وقد أعطيت به ستمائة ألف درهم فإن شئت فالحائط.
فاختار المال، فأوجب الحائط للذي أعطاه به ستمائة ألف درهم، وأحال عليه بثمنه فقبضه.
حدثني مصعب بن عبد الله قال: بلغنا أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه سمع رجلا ينشد:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه … إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
فقال: ذاك أبو محمد طلحة ﵀.
وحدثني عمرو بن محمد، ثنا سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: سمعت طلحة يقول - وكان من حلماء قريش-: إن أقل لعيب الرجل جلوسه في منزله.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال: ما رأيت أحدا أعطى لجزيل عن غير مسألة من طلحة بن عبيد الله (١).
وقال المدائني عن محمد بن طلحة عن إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة قال: اشترى طلحة بن عبيد الله في غزاة ذي قرد بئرا فتصدق بها،
стр. 3991
ونحر جزورا فأطعمها الناس، فقال له رسول الله ﷺ : «يا طلحة أنت الفياض».
وحدثني عبد الواحد بن غياث البصري، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ داود بن أبي هند عن محمد بن عباد المخزومي أن قريشا قالت قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد وليه ليأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في قومه أو قال في القوم فقال: يا أبا بكر قم. فقال أبو بكر: إلى أي شيء تدعوني؟ قال: أدعوك إلى اللات والعزى فقال أبو بكر:
وما اللات والعزى؟ قال: بنات الله. قال: فمن أبوهما؟ فسكت طلحة فلم يجبه وقال لأصحابه: أجيبوه فأسكت (١) القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٢).
وذكر الواقدي في إسناده: لما ارتحل رسول الله ﷺ من الخرار (٣) في هجرته إلى المدينة لقيه من غد ذلك اليوم طلحة بن عبيد الله جائيا من الشام في عير فكسا رسول الله ﷺ وأبا بكر من ثياب الشام، فخبّر رسول الله ﷺ باستبطاء أهل المدينة لقدومه وتوقعهم إيّاه، فعجل رسول الله ﷺ بالسّير وأغذّه، ومضى طلحة إلى مكة فقضى حوائجه، ثم خرج بعد ذلك مع آل أبي بكر، وهو الذي قدم بهم إلى المدينة فنزل على سعد بن زرارة، وآخى
стр. 3992
رسول الله ﷺ بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وآخى بينه وبين أبيّ بن كعب (١).
وقال الواقدي: بعث رسول الله ﷺ طلحة وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان (٢) خبر عير قريش التي كان القتال بسببها يوم بدر، فقدما المدينة في اليوم الذي كانت فيه الوقعة، وخرجا يريدان رسول الله ﷺ ، ولقياه وهو منحدر من بدر يريد المدينة، ولم يحضرا بدرا، فأسهم لهما رسول الله ﷺ ، وأسهم لعثمان بن عفان، وكان قد تخلف على رقية بنت رسول الله ﷺ .
وقال الواقدي: شهد طلحة وقعة أحد مع رسول الله ﷺ ، فثبت مع من ثبت من الناس حين ولى المسلمون، وبايعه على الموت، فرمى مالك بن زهير الجشمي رسول الله ﷺ ، فاتقاه طلحة بيده، فأصاب السهم خنصره فشلت، فقال حين أصابته الرمية: حسّ. فقال رسول الله ﷺ : «لو قال بسم الله لدخل الجنة والناس ينظرون إليه». قال: ويقال إن الذي رمى النبي ﷺ حبّان بن العرقة، وأصابت رأس طلحة يومئذ المصلبة (٣) ضربه رجل من المشركين ضربتين وهو مقبل، وأخرى وهو معرض فنزف منهما، وكان ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير، من ولد محارب بن فهر يقول:
أنا ضربته يومئذ، وشهد طلحة الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وأسلم ضرار يوم الفتح ومات بالشام غازيا.
стр. 3993
حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا هشيم بن بشير، أخبرني ابراهيم بن عبد الرحمن مولى آل طلحة قال: سمعت ابراهيم بن طلحة قال: لما أصيبت إصبع طلحة يوم أحد قال: حسّ، فقال له النبي ﷺ : «لو كنت قلت بسم الله لرأيت بيتا يبنى لك في الجنة وأنت في الدنيا».
وقال الكلبي وغيره: أصاب طلحة بن عبيد الله يوم أحد سهم رمى به حبّان بن العرقة النبي ﷺ ، فتلقاه طلحة بيده فقطع اصبعه الخنصر فجفّ عصبه.
قال ابن الكلبي: وابن العرقة: حبّان بن أبي قيس بن علقمة بن عبد بن عبد مناف من بني معيص بن عامر بن لؤي، والعرقة: قلابة بنت سعيد بن سهم، وهي أم عبد بن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص، نسبوا إليها، وحبّان هو الذي رمى سعد بن معاذ الأنصاري يوم الخندق وقال: خذها وانا ابن العرقة، فقال النبي ﷺ :
«عرّق الله وجهك في النار»، وسميت العرقة لطيب ريح عرقها.
وحدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين عن زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي قال: أصيب أنف رسول الله ﷺ ورباعيته يوم أحد، ووقاه طلحة بن عبيد الله بيده، فضربت فشلّت اصبعه.
حدثنا عمرو، ثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت أصبعي طلحة من اليد التي وقى بها النبي ﷺ وقد شلتا.
وروي أن أبيّ بن خلف شدّ على رسول الله ﷺ يوم أحد بحربة، فتلقاها طلحة بيده.
стр. 3994
حدثني محمد بن سعد، أنبأ سعيد بن منصور، ثنا صالح بن موسى عن معاوية بن أبي إسحاق عن عائشة، وأم إسحاق ابنتي طلحة قالتا: جرح أبونا يوم أحد أربعا وعشرين جراحة، ووقعت منها في رأسه شجّة مربعة، وقطع نسأه وشلت إصبعه، وكان سائر جراحه في جسده (١).
وحدثني أبو موسى إسحاق الفروي، ثنا عبد الله بن المبارك عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: جرح طلحة سبعا وثلاثين جراحة، وشلّت اصبعه التي تلي الإبهام.
حدثني الحسين بن علي الأسود العجلي، ثنا يحيى بن آدم، أنبأ عبد الله بن المبارك، حدثني محمد بن إسحاق بن يحيى بن عباد عن أبيه عن جده عن الزبير قال: سمعت النبي ﷺ يقول يوم أحد: «أوجب طلحة».
حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي وبكر بن الهيثم قالا: ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا أبو عوانة عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال قال رسول الله ﷺ : «من أراد أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة.
قال الواقدي: كان طلحة رجلا آدم كثير الشعر، ليس بالجعد القطط ولا السبط، حسن الوجه دقيق العرنين، إذا مشى أسرع وكان لا يغير شعره.
حدثني وهب بن بقية ومحمد بن خالد بن عبد الله الطحان قالا: ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد - امرأة عبد الله بن عمرو، أو عن أسلم - أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة
стр. 3995
ثوبين ممشقين فقال: ما هذا يا طلحة؟ قال: يا أمير المؤمنين إنه مصبوغ بمدر (١). فقال: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم، ولو رآك جاهل لقال على طلحة ثياب مصبغة، أو قال لو رآك جاهل لقال طلحة يلبس الثياب المصبغة وهو محرم، إن أحسن ما يلبس المحرم البياض، فلا تلبسوا على الناس.
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ عمرو بن عفان مولى آل طلحة عن أبي جعفر قال: كان طلحة يلبس المعصفرات، أو قال المصبغات.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين عن إسرائيل عن عمران بن موسى بن طلحة عن أبيه أن طلحة قتل يوم الجمل وعليه خاتم من ذهب.
وحدثنا أبو بكر، ثنا نعيم، ثنا قيس بن الربيع عن عمران عن أبيه قال: كان في يد طلحة خاتم من ذهب فيه ياقوتة حمراء فنزعها وجعل مكانها جزعة فأصيب يوم الجمل وهو عليه.
حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والكلبي قالا: قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : لو قد توفي رسول الله ﷺ تزوجت عائشة فأنزل الله : «وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ (٢).
وقال معمر، قال الكلبي والزهري: هو طلحة بن عبيد الله.